← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

سمعت عمر افتتح الصلاة، وكبر، فقال: سبحانك اللهم … واللفظ لابن أبي شيبة، وزاد: "ثم يتعوذ". وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، والذهبي، وزاد الدارقطني، في رواية له: "كان عمر ﵁ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك … يسمعنا ذلك، ويعلمنا"، وإسناده صحيح (١). والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٨/ ٨٩٩ - وفي "الكبرى" -١٨/ ٩٧٢ - عن عُبيد الله ابن فَضَالَة بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن علي بن علي، عن أبي المتوكل، عنه. وفي ١٨/ ٩٠٠ - والكبرى ١٨/ ٩٧٣ - عن أحمد بن سليمان، عن زيد بن الحُباب، عن جعفر بن سليمان به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود عن عبد السلام بن مُطَهَّر، عن جعفر بن سليمان به. والترمذي عن محمد بن موسى البصري، عن جعفر به. وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن جعفر به. وأحمد جـ ٣ ص ٥٠ و ٦٩، والدارمي رقم ١٢٤٢، وابن خزيمة ٤٦٧. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩٠٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ،

стр. 7072

قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهَاوِيّ، مات سنة ٢٦١، ثقة حافظ، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ٣٨/ ٤٢. ٢ - (زيد بن الحُبَاب) أبو الحسين العُكْلي الكوفي، خراساني الأصل، مات سنة ٢٠٣، صدوق يخطىء في حديث الثوري، من [٩]، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في ٣٣/ ٣٧. والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث، ومتعلقاته. وبالله تعالى التوفيق. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 7073

١٩ - نوعٌ آخرُ منَ الذِّكْرِ بعد التَّكْبِيرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على مشروعية نوع آخر غير ما تقدم من الذكر الذي يقرأ بعد تكبيرة الإحرام، وهو النوع السابع من الأذكار التي ذكرت في الكتاب. ٩٠١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَقَتَادَةَ، وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ، قَالَ: "أَيُّكُمُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ؟ " فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، قَالَ: "إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا". قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ، وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ، فَقُلْتُهَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَىْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا".

стр. 7074

رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، مات سنة ٢٥٢، ثقة ثبت، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٢ - (حجاج) بن المِنْهَال -بكسر، فسكون- الأنماطي، أبو محمد السلمي، أو البرساني -بضم، فسكون- مولاهم البصري، ثقة فاضل، من [٩]. قال أحمد: ثقة، ما أرى به بأساً. وقال أبو حاتم: ثقة فاضل. وقال العجلي: ثقة رجل صالح. وقال النسائي: ثقة. وقال الفلاس: ما رأيت مثله فضلاً ودينًا. وقال أبو داود: إذا اختلفا، فعفان، وحجاج أفضل الرجلين. وقال ابن قانع: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن منده: ثنا علي بن الحسن، ثنا أبو حاتم، ثنا حجاج ابن المنهال، وكان من خيار الناس. وقال خلف بن محمد كردوس: مات سنة ٢١٦ وكان صاحب سنة يظهرها. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات سنة ٢١٧ - وكذا أرخه البخاري، وابن قانع. روى عنه البخاري بدون واسطة، والباقون بواسطة (١). ٣ - (حماد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصري، مات سنة ١٦٧، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار [٨]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في

стр. 7075

١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (ثابت) بن أسلم البُنَانِيّ، أبو محمد البصري، مات سنة بضع وعشرين ومائة، وله ٨٦ سنة، ثقة عابد، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٧. ٥ - (قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، مات سنة بضع عشرة ومائة، ثقة ثبت مدلس، رأس الطبقة [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٦ - (حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، قيل: اسم أبيه تِير، وقيل: تيرويه، وقيل غير ذلك، مات سنة ١٤٢ وله ٧٥ سنة، ثقة مَدلس، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٧/ ١٠٨. ٧ - (أنس) بن مالك بن النضر، أبو حمزة ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وأنهم من رجال الجماعة، فقد أورد البخاري حماد بن سلمة في التعاليق. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. ومنها: أن حمادًا هنا، مهمل، وهو ابن سلمة، لكون الراوي عنه

стр. 7076

حجاج بن المنهال، كما سيأتي قريبًا، كما قال السيوطي في "ألفية المصطلح": وَتَارَةً فِي اسْمٍ فَقَطْ ثُمَّ السِّمَهْ … حَمَّادُ لابْن زَيْدِ وَابْنِ سَلَمَهْ فَإِنْ أَتَى عَنِ ابْنِ حَرْبٍ مُهْمَلَا … أَوْ عَارِمٍ فَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ جُعِلَا أَوْ هُدْبَةٍ أَوِ التَّبُوذَكيِّ أَوْ … حَجَّاجٍ اوْ عَفَّانَ فَالثَّانِي رَأَوْا ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى -٢٢٨٦ - حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة ٩٣، وقيل: ٩٢، وقيل: غير ذلك، وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم. فائدة: كثيرًا ما يقع الاشتباه بين حماد بن سلمة، وحماد بن زيد إذا وقعا في السند مهملين، ولا يميز بينهما إلا بالقرينة. وقد عقد الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه "سير أعلام النبلاء" في آخر ترجمة حماد بن زيد فصلًا خاصًا بهذا مُهِمًّا جدًّا، ألخصه هنا لغزارة فوائده، قال ﵀: [فصل]: اشترك الحمادان في الرواية عن كثير من المشايخ، وروى عنهما جميعًا جماعة من المحدثين، فربما روى الرجل منهم عن حماد، لم ينسبه، فلا يعرف أيّ الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عَرِيَ السند من القرائن، -وذلك قليل- لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو نقدره ابن سلمة، ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم؛ إذ مسلم قد احتج بهما جميعًا.

стр. 7077

قال: والحفاظ المختصون بالإكثار من الرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد، وحَبَّان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمرو بن عاصم. والمختصون بحماد بن زيد الذين ما لحقوا ابن سلمة، فهم أكثر: كعلي بن المديني، وأحمد بن عَبْدَة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العَقَدي، وخالد بن خداش، وخلف بن هشام، وزكريا بن عدي، وسعيد بن منصور، وَأبي الربيع الزهراني، والقواريري، وعمرو بن عون، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ولُوَيْن، ومحمد ابن عيسى بن الطباع، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومسدد، ويحيى ابن حبيب، ويحيى بن يحيى التميمي، وعدة من أقرانهم. فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة قد روى عن حماد وأبهمه، علمت أنه ابن زيد، وأن هذا لم يدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما، فقال: حدثنا حماد، وسكت، نظرت في شيخ حماد من هو؟ فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد عرفته بشيوخه المختصين به. ثم عادة عفان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، وربما روى عن حماد بن سلمة فلا ينسبه، وكذلك يفعل حجاج بن منهال، وهُدْبة ابن خالد، فأما سليمان بن حرب فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم يفعل، فإذا قالا: حدثنا حماد، فهو ابن زيد، ومتى قال موسى التّبُوذكي: حدثنا حماد، فهو ابن سلمة، فهو راويته. والله أعلم.

стр. 7078

ويقع مثل هذا الاشتراك سواء في السفيانين، فأصحاب سفيان الثوري كبار قدماء، وأصحاب ابن عيينة صغار، لم يدركوا الثوري، وذلك أبين، فمتى رأيت القديم قد روى، فقال: حدثنا سفيان وأبهم، فهو الثوري، وهم كوكيع، وابن مهدي، والفريابي، وأبي نعيم، فإن روى واحد فنهم عن ابن عيينة بينه، فأما الذي لم يلحق الثوري، وأدرك ابن عيينة، فلا يحتاج أن ينسبه لعدم الإلباس، فعليك بمعرفة طبقات الناس. انتهى كلام الحافظ الذهبي باختصار (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ الذهبي ﵀ مهم جدًّا في بيان المهمل من الحمادين والسفيانين، فاحفظه متقنا تستفد به. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) ﵁ (أنه قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا، إِذ جاء رجل) لم يعرف اسمه (فدخل المسجد) وفي رواية مسلم: "فدخل في الصف" (وقد حفزه النفس) بفتح الحاء المهملة، والفاء، والزاي المعجمة، من باب ضرب، أي أجهده وضاق به من شدة السعي إلى الصلاة لإدراكها، وأصل الحَفْز الدفع، وفي النهاية: الحفز الحثّ والإعجال (٢). وقال النووي ﵀: قوله: "وقد حفزه النفس": بفتح

стр. 7079

حروفه، وتخفيفها: أي ضغطه لسرعته. انتهى (١). وقال ابن منظور ﵀: الحَفْزُ: حَثُّكَ الشيءَ من خلفه سَوْقًا وغير سوق، وكلُّ دفع حَفْزٌ، وقوسٌ حَفُوزٌ: شديد الحَفْز والدفعِ للسهم، وحَفَزَه: أي دفعه من خلفه يَحْفِزُه حَفْزًا. قال الراجز: تُرِيحُ بَعْدَ النَّفَسِ يُريد النفسَ الشديد المتتابعَ، كأنه يُحْفَزُ، أي يُدْفَعُ من سياق. ورأيت فلانًا مَحْفُوزَ النفس: إذا اشتدّ به. انتهى كلام ابن منظور ﵀ باختصار (٢). و"النَّفَسُ" -بفتحتين-: نسيم الهواء، وجمعه أنْفَاس. قاله في المصباح (٣). والجملة في محل نصب على الحال من فاعل "دخل". وسبب شدة عَدْوه الحَذَرُ من أن تفوته الجماعة، كما قاله الطيبي. واعترض عليه القاري بأنه ينافي قوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وائتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". وأجاب عنه ابن حجر الهيتمي بأنه محمول على ما ذهب إليه بعض أئمتنا من أن محل الكراهة فيمن علم أنه يدرك الجماعة لو لم يسعَ، أما

стр. 7080

من علم أنه لا يدركها إلا أن يسعى فلا يكره له السعي، ثم قال: والأرجح عندنا أنه لا فرق، وعدم إنكاره ﷺ على تقدير علمه بالعَدْو، إنما يدل على الجواز، لا على نفي الكراهة، والكلام في غير الجمعة، أما هي فيجب السعي إذا توقف عليه إدراكها، وهو إنما يحصل بإدراك ركوع الركعة الثانية. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قول القاري ﵀: "ينافي الحديث المذكور" غير صحيح، لأن الظاهر من حال الرجل أنه لم يبلغه النهي، كما يدل عليه سياق الحديث. وقول ابن حجر ﵀: "محمول على ما ذهب إليه بعض أئمتنا … " إلخ، غير صحيح أيضًا؛ لأن هذا القول باطل منابذ لصريح الحديث، فلا ينبغي الحمل عليه. وقوله أيضًا: "وعدم إنكاره ﵊ … " إلخ، غير صحيح، فقد صح أنه أنكر عليه، ففي مسند أحمد ﵀ من رواية حميد عن أنس، زاد في آخر الحديث: ثم قال: "إذا جاء أحدكم إلى الصلاة فلْيَمْشِ على هِينَتِهِ، فليصلّ ما أدرك، وليقض ما سبقه". وقوله أيضًا: "والكلام في غير الجمعة … " إلخ، غير صحيح أيضًا؛ لأن النص لم يفرق بين الجمعة وغيرها، بل قال: "إذا أتيتم

стр. 7081

الصلاة، فلا تأتوها، وأنتم تسعون" … وأما الاستدلال بآية ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فغير صحيح أيضًا، إذ المراد بها التوجه، والذهاب إليها، لا العَدْوُ، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. كما بينه البخاري ﵀ في "كتاب الجمعة" من "صحيحه" جـ ٣ ص ٤٩ بنسخة الفتح، وقد تقدم تمام البحث في هذا برقم -٥٧/ ٨٦١ - فراجعه تستفد. والله تعالى ولي التوفيق. (فقال:) أي ذلك الرجل (الله أكبر) فيه تصريح بأنه قال هذا الذكر بعد دخوله في الصلاة (الحمد لله حمدًا كثيرًا) أي يترادف مَدَدُه، ولا تنتهي مُدَدُه (طيبًا) أي خالصًا لوجهه تعالى، لا للرياء والسمعة (مباركًا فيه) قال ابن الملك: أي حمدًا جُعلت البركة فيه، يعني حمدًا كثيرًا غاية الكثرة. وقيل: مباركًا بدوام ذاته، وكمال غاياته. (فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته) أي أدَّى صلاته (قال: "أيكم الذي تكلم بكلمات") رواية المصنف بتنكير كلمات، ولعل التنكير للتقليل، وعند مسلم، وأبي داود: "أيكم المتكلم بالكلمات". (فأرَمَّ القوم) بفتح الراء وتشديد الميم: أي سكتوا، ولم يجيبوا. وقال القاضي عياض ﵀: ورواه بعضهم في غير "صحيح مسلم" "فأزَمَ" بالزاي المفتوحة، وتخفيف اليم، من الأزْمِ، وهو الإمساك، وهو صحيح المعنى. انتهى (١).

стр. 7082

(قال: "إِنه لم يقل بأسًا") أي قال النبي ﷺ : إن هذا القائل لم يقل شيئًا يكون سببًا للخوف. وإنما قال ذلك لَمَّا رأى سكوتَ القوم، وعدمَ إجابتهم خوفًا من أن يغضب على المتكلم، ويواجهه بالتعنيف، فأزاله بقوله: "لم يقل بأسًا". قال ابن منظور ﵀: والبأس: العذاب، والشدة في الحرب، وفي حديث علي ﵁: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ ؛ يريد الخوف، ولا يكون إلا مع الشدة. قال ابن الأعرابي: البأس، والْبَئسُ على مثال فَعِلٍ: العذاب الشديد. وقال ابن سيدَهْ: البأس: الحرَب، ثم كثر حتى قيل: لا بأس عليك، ولا بأس، أَي لا خوف، قال قيس بن الْخَطِيم [من الطويل]: يَقُولُ لِيَ الْحَدَّادُ وَهْوَ يَقُودُنِي … إِلى السِّجْنِ لا تَجْزَعْ فَمَا بِكَ مِنْ بَاسِ أراد: فما بك من بأس، فخففها. انتهى كلام ابن منظور باختصار (١). وفي رواية أحمد، وابن خزيمة: "أيكم القائل كذا وكذا"، قال: فأرمّ القوم، قال: فأعادها ثلاث مرات. (قال) الرجل (أنا يا رسول الله، جئت، وقد حفزني النفَسُ، فقلتها) أي الكلمات المذكورة، ثناء، وشكرًا لله تعالى حيث لم تفتني

стр. 7083

صلاة الجماعة. وفي رواية أحمد، وابن خزيمة: فقال رجل: أنا قلتها، وما أردت بها إلا الخير (قال النبي ﷺ : "لقد رأيت اثني عشر ملكًا) تخصيص العدد من الملائكة بالمقدار المذكور مفوض إلى علم الله تعالى. وقال بعضهم: إن كلمات "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه" ست كلمات، فبعث الله لكل كلمة منها ملكين تعظيما لشأنها، وتكثيرًا لثواب قائلها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما تقدم من التفويض في مثل هذا أسلم، وأقوم. والله تعالى أعلم. (يبتدرونها) أي يتسابقون فيها (أيهم يرفعها") مبتدأ وخبر، والجملة في موضع نصب على الحال من فاعل "يبتدرونها". قال أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]: أيهم: مبتدأ وخبر في موضع نصب، أي يقترعون أيُّهُم، فالعامل ما دل عليه "يلقون". كذا ذكره الطيبي (٢). وقال السمين الحلبي ﵀ في هذه الآية: هذه الجملة منصوبة المحل، لأنها معلقة لفعل محذوف، وذلك الفعل في محل نصب على الحال، تقديره: يلقون أقلامهم، ينظرون أيُّهُم يكفل مريم، أو يعلمون،

стр. 7084

وجوز الزمخشري أن يقدر "يقولون"، فيكون محكيًا به، ودلّ على ذلك قوله: "يلقون". انتهى (١). قال الجاء عفا الله عنه: ما قاله السمين أوضح، فيكون تقدير الكلام في الحديث: يبتدرونها، حال كونهم ينظرون أيهم يرفعها. يعني أنهم يتسابقون في كتابتها، ورفعها إلى الله تعالى، لعظم شأنها، وكثرة ثوابها. وقال السندي ﵀: "يبتدرونها": أي كل منهم يريد أن يسبق على غيره في رفعها إلى محل العرض، أو القبول، وجملة "أيهم يرفعها" حال، أي قاصدين ظهور أيهم يرفعها. انتهى (٢). زاد في رواية أحمد، وأبي داود من رواية حميد، عن أنس ﵁: "ثم قال: إذا جاء أحدكم إلى الصلاة، فليمش على هينَته، فليصل ما أدرك، وليقض ما سبقه". وقد تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا أخرجه مسلم.

стр. 7085

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٩/ ٩٠١ - وفي "الكبرى" -١٩/ ٩٧٤ - عن محمد بن المثنى، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، وقتادة، وحميد، كلهم عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم عن زهير بن حرب، عن عفان بن مسلم، وأبو داود عن موسى بن إسماعيل- كلاهما عن حماد بن سلمة، به. وأحمد ٣/ ٢٥٢ و ١٠٦ و ١٨٨، وابن خزيمة رقم ٤٦٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 7086

٢٠ - بَابُ البداءَةِ بِفاتِحةِ الْكتَابِ قَبْلَ السُّورَةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الابتداء بقراءة فاتحة الكتاب قبل قراءة السورة التي تقرأ معها في الصلاة. وأشار المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة إلى أن المراد بقوله في الحديث: "يستفتحون القراءة بـ"الحمد لله رب العالمين"" ليس هذا اللفظ، بل تمام السورة على الوجه الذي يقرأ، فكأنه قال: يستفتحون القراءة بالفاتحة، فدخلت فيه البسملة، عند من يقول: إنها جزء من السورة، فلا دليل في الحديث لمن يقول: لا يقرأ البسملة أصلًا، نعم بقي البحث أنها تقرأ سرًّا، أو جهرًا، وسيأتي الكلام عليه في الأبواب التالية إن شاء الله تعالى. و"البداءة" -بالفتح، والضم: الابتداء. قال ابن منظور ﵀: والبَدْءُ- أي بفتح، فسكون- فعلُ الشيء أوّلُ. بدَأ به، وبَدَأه، يبدَؤه بَدْءأ، وأبدأه، وابتدأه. ويقال: لك الْبَدْءُ، والبَدْأةُ، والْبُدْأةُ، والبَديئَةُ، والْبَدَاءَةُ -بالفتح- والْبُدَاءَةُ -بالضم والمد، والبَدَاهَة على البدل، أي لك أن تبدأ قبل غيرك في الرمي وغيره. انتهى (١). وفي "ق" وشرحه: وحكى اللِّحْياني قولهم في الحكاية: "كان ذلك" الأمر "في بدأتنا مثلثة الباء" فتحًا وضمًا مع القصر والمد "وفي بَدأتنَا" محركة. انتهى.

стр. 7087

و"فاتحة الكتاب" اسم للسورة المعروفة، ولها أسماء كثيرة، سيأتي الكلام عليه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. ٩٠٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄، يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طَرِيف الثقفي، أبو رجاء البَغْلاني، قيل: اسمه يحيى، وقيل: علي، مات سنة ٢٤٠، عن ٩٠ سنة، ثقة ثبت، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٢ - (أبو عوانة) الوضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز، مشهور بكنيته، مات سنة ١٧٥ أو ١٧٦، ثقة ثبت، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٤٦. ٣ - (قتادة) بن دعامة، ٤ - (أنس) بن مالك، تقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو أعلى ما وقع له

стр. 7088

من الأسانيد العالية، وهو ٦٥ من رباعيات الكتاب. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، نبلاء، وأنهم من رجال الجماعة. ومنها: أن قتيبة بغلاني، وهي قرية من قرى بَلْخ، وأبو عوانة واسطي، والباقيان بصريان. وبالله التوفيق. شرح الحديث (عن أنس) بن مالك ﵁، أنه (قال: كان النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، ﵄ يستفتحون القراءة) أي يبتدئون قراءة القرآن في الصلاة (بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]) برفع "الحمدُ" على الحكاية. وقد تقدم في أول الباب أن المصنف ﵀ بَيَّنَ المراد من الحديث بترجمته، حيث قال: [باب البَدَاءة بفاتحة الكتالب قبل السورة]. وهو المنقول عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. قال الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه: قال الشافعي ﵀: إنما معنى الحديث أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان (١)، كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، معناه أنهم كانوا يبدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه أنهم كانوا لا يقرءون "بسم الله الرحمن الرحيم". وكان الشافعي يرى أي يُبدَأ

стр. 7089

"بسم الله الرحمن الرحيم"، وأن يجهر بها إذا جهر بالقراءة. انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى (١). وقد اختلف العلماء في المراد من هذا الحديث، فقيل: المعنى: كانوا يفتتحون بالفاتحة، كما ذكر عن الشافعي آنفًا، وهذا قول من أثبت البسملة في أولها. وتعقبه بعضهم بأنها إنما تسمى "الحمد" فقط. وأجيب بمنع الحصر، فقد ثبت تسميتها بـ "الحمد لله رب العالمين" في صحيح البخاري، أخرجه في فضائل القرآن من حديث أبي سعيد بن الْمُعَلَّى ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن" … فذكر الحديث، وفيه قال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، هي السبع المثاني". وسيأتي للمصنف ﵀ -٢٦/ ٩١٣ - إن شاء الله تعالى. وقيل: المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ، تمسكًا بظاهر الحديث، وهذا قول من نفى قراءة البسملة، لكن لا يلزم من قوله: كانوا يفتتحون بـ "الحمد" أنهم لم يقرءوا "بسم الله الرحمن الرحيم" سرًّا، فقد تقدم -١٥/ ٨٩٥ - أن أبا هريرة ﵁ أطلق السكوت على القراءة سرًا، حيث قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة.

стр. 7090

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ذكر أن الأرجح القول الأول، وهو ما ذهب إليه المصنف ﵀، ونقله الترمذي عن الإمام الشافعي رحمهما الله تعالى، وحاصله أن المراد تقديم قراءة الفاتحة قبل السورة، وأما البحث عن قراءة البسملة وعدمها فسيأتي في الأبواب التالية إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٠/ ٩٠٢ - وفي "الكبرى" -٢٠/ ٩٧٥ - عن قتيبة بن سعيد، عن أبي عوانة، عن قتادة، عنه. و ٩٠٣ والكبرى ٩٧٦ - عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن سفيان، عن أيوب، عن قتادة، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن قتادة، عنه. ومسلم عن محمد بن المثنى، وابن بشار، كلاهما عن غندر، عن شعبة، به. وعن محمد بن مِهْران، عن الوليد بن مسلم، عن

стр. 7091

الأوزاعي، عن قتادة، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، كلاهما عن أنس ﵁. وأبو داود عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عنه. والترمذي بسند المصنف، وابن ماجه عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب، عن قتادة، عنه. والحميدي رقم ١١٩٩، وأحمد، ٣/ ١١١ و ٢٧٣ و ١١٤ و ١٨٣ و ٢٨٩ و ١٦٨ و ٢٠٣، والبخاري في جزء القراءة رقم ١٢٧ و ١١٨ و ١٢٥ و ١٢١ و ١٢٤، والدارمي رقم ١٢٤٣، وابن خزيمة ٤٩٢. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: قد تقدم أن الفاتحة لها أسماء كثيرة، فلنذكرها هنا: ذكر العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ﵀ في تفسيره اثني عشر اسمًا، فقال: (الأول): "فاتحة الكتاب". وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وسميت بذلك، لأنه تفتتح بها قراءة القرآن لفظًا، وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطًّا، وتفتتح بها الصلوات. (الثاني): "سورة الحمد"، لأن فيها ذكر الحمد، كما يقال: "سورة الأعراف"، و"الأنفال"، و"التوبة". (الثالث): الصلاة. قال الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين … " الحديث، وسيأتي للمصنف-٢٣/ ٩٠٩.

стр. 7092

(الرابع): "أم الكتاب". وفي هذا الاسم خلاف، جوزه الجمهور، وكرهه أنس، والحسن، وابن سيرين. قال الحسن: "أم الكتاب" الحلال والحرام، قال الله تعالى: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]. وقال أنس، وابن سيرين: "أم الكتاب" اسم اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤]. (الخامس): "أم القرآن"، واختلف فيه أيضًا، فجوزه الجمهور، وكرهه أنس، وابن سيرين، والأحاديث الثابتة ترد هذين القولين. روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني". قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي البخاري: قال: وسميت "أم الكتاب" لأنه يبتدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. وقال يحيى بن يعمر: أم القرى مكة، وأم خراسان مَرْوُ، وأم القرآن سورة الحمد. وقيل: سميت أم القرآن، لأنها أوله، ومتضمنة لجميع علومه، وبه سميت مكة أم القرى، لأنها أول الأرض، ومنها دُحيت، ومنه سميت الأم أُمًّا، لأنها أصل النسل، والأرض أُمًّا في قول أمَيَّةَ بن أبي الصَّلْتِ [من الكامل]: فَالأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكانَتْ أُمَّنَا … فِيهَا مَقَابِرنَا وَفِيهَا نولَدُ

стр. 7093

ويقال لراية الحرب: أمّ، لتقدمها، واتباع الجيش لها. (السادس): "المثاني". سميت بذلك لأنها تُثَنَّى في كل ركعة. وقيل: لأنها استثنيت لهذه الأمة، فلم تنزل على أحد قبلها ذُخْرًا لها. (السابع): "القرآن العظيم"، سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن؛ وذلك لأنها تشتمل على الثناء على الله بأوصاف كماله وجلاله، وعلى الأمر بالعبادات، والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم، وكفاية أحوال الناكثين، وعلى بيانه عاقبة الجاحدين. (الثامن): "الشفاء". روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "فاتحة الكتاب شفاء من كل سمّ" (١). (التاسع): "الرُّقْيَةُ". لما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال للرجل الذي رَقَى سيد الحي: "وما يدريك أنها رقية".

стр. 7094

(العاشر): "الأساس". روى الشعبي عن ابن عباس أنه سماها "أساس القرآن"، وأساسها "بسم الله الرحمن الرحيم". (الحادي عشر): "الوافية". قاله سفيان بن عيينة، لأنها لا تتنصف، ولا تحتمل الاختزال، فلو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة، ونصفها الآخر في ركعة لأجزأ، ولو نَصَّفَ الفاتحة في ركعتين لم تجزئ. (الثاني عشر): "الكافية". قاله يحيى بن أبي كثير. لأنها تكفي عن غيرها، ولا يكفي عنها غيرها. انتهى كلام القرطبي باختصار وتصرف (١). المسألة الخامسة: ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره: أن الفاتحة مكية، قاله ابن عباس، وقتادة، وأبو العالية. وقيل: مدنية. قاله أبو هريرة، ومجاهد، وعطاء بن يسار، والزهري. ويقال: إنها نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة. والأول أشبه، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]. والله تعالى أعلم. وحكى أبو الليث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة، ونصفها الآخر نزل بالمدينة، وهو غريب جدًّا، نقله القرطبي عنه. وهي سبع آيات بلا خلاف. وقال عمرو بن عبيد: ثمان. وقال حسين الجعفي: ستة، وهذان القولان شاذان، وإنما اختلفوا في

стр. 7095

البسملة، هل هي مستقلة من أولها، كما هو عند جمهور قراء الكوفة، وقول جماعة من الصحابة والتابعين، وخلق من الخلف. أو بعض آية، أو لا تعد من أولها بالكلية، كما هو قول أهل المدينة من القراء، والفقهاء، على ثلاثة أقوال، كما سيأتي تحريره بعد بابين، إن شاء الله تعالى. قالوا: وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفًا. انتهى كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد اختلف الرواة في حديث أنس ﵁ هذا على أوجه، وسيأتي بيان ذلك بعد باب، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩٠٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄، فَافْتَتَحُوا بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري) البصري،

стр. 7096

مات سنة ٢٥٦، صدوق، من صغار [١٠]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في ٤٢/ ٤٨. ٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الكوفي، ثم المكي، مات سنة ١٩٨، الإمام الحافظ الثبت الحجة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، مات سنة ١٣٢، ثقة ثبت حجة فقيه، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٨. والباقيان تقدما في السند السابق، وكذا تقدم هناك شرح الحديث، ومتعلقاته من المسائل، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادتها، فارجع إليه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 7097

٢١ - قِرَاءَةُ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على استحباب قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول الفاتحة، وغيرها من السور. قال الجامع عفا الله عنه: اعلم أنه اختلفت الآثار في قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" وعدم قراءتها، ومن ثَمَّ اختلف أهل العلم على أقوال: منهم من نفاها، ومنهم من أثبتها، ثم المثبتون اختلفوا فيما بينهم، هل يجهر بها أم يسر. والذي رجحه المحققون أن هذا من المباح المخير فيه، والظاهر أن المصنف ﵀ يرى هذا؛ حيث ذكر ثلاثة أبواب فيها أدلة هذه المسائل، ولم يقتصر على ذكر بعضها، ولا على ترجيح بعض الأدلة، إشارة إلى أن هذا مما وسع فيه الشارع. وسيأتي تحقيق ذلك في المسائل آخر الباب الثالث، إن شاء الله تعالى. ٩٠٤ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: بَيْنَمَا ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا -يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا لَهُ: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَزَلَتْ عَلَىَّ آنِفًا سُورَةُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ

стр. 7098

هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ثُمَّ قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ". قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي فِي الْجَنَّةِ، آنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْكَوَاكِبِ، تَرِدُهُ عَلَيَّ أُمَّتِي، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ". رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (علي بن حُجْر) بن إياس السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، مات سنة ٢٤٤، وقد قارب المائة، أو جاوزها، ثقة حافظ، من صغار [٩]، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (علي بن مُسْهِر) القرشي الكوفي، قاضي المَوْصِل، مات سنة ١٨٩، ثقة له غرائب بعدما أضرّ، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥٢/ ٦٦. ٣ - (المُخْتار بن فُلْفُل) -بفاءين مضمومتين، ولامين، الأولى ساكنة- المخزومي، مولى عمرو بن حُرَيث، صدوق له أوهام، من [٥]. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال. ما أعلم إلا خيرًا.

стр. 7099

وقال غيره عن أحمد: ثقة. وكذا قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي، ومحمد بن عبد الله بن عمار، والنسائي. وقال أبو حاتم أيضًا: شيخ كوفي. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن مختار بن فلفل، وهو كوفي ثقة. وقال أبو داود: ليس به بأس. وقال داود بن عمرو، عن ابن إدريس: كان يحدثنا، وعيناه تدمعان. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطىء كثيرًا، ووقع ذكره في أثر علّقه البخاري في الشهادات عن أنس، ووصله ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عنه: سألت أنسًا عن شهادة العبيد؟ فقال: جائزة. وتكلم فيه السليماني، فعده في رواة المناكير عن أنس مع أبان بن أبي عياش، وغيره. وقال أبو بكر البزار: صالح الحديث، وقد احتملوا حديثه. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والمصنف (١). ٤ - (أنس بن مالك) ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو -٦٦ - من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزي، ثم بغدادي؛ وهو شيخه، وكوفي؛ وهو علي بن مسهر، وبصريين؛ وهما

стр. 7100

المختار، وأنس، وأن أنسًا أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم. (عن أنس بن مالك) ﵁، أنه (قال: بينما) هي "بين" زيدت عليها "ما" وهي ظرف بمعنى المفاجأة، ومثلها "بينا"، ويضافان إِلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدإ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه "إذ"، و"إذا"، وقد جاءا في الجواب كثيرًا، تقول: بينما زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه. أفاده ابن منظور (١). وجوابها هنا مقرون بـ "إذ" وهو قوله: "إذ أغفى". (ذات يوم) "ذات" هنا مقحمة، أي يومًا من الأيام. وقال الزمخشري: هو من إضافة المسمى إلى الاسم (بين أظهرنا) أي بيننا. وفي التفسير في الكبرى -١١٧٠٢ - بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا في المسجد" … ونحوه لمسلم. يقال: هو نازل بين ظَهرَيهم، وبين ظَهرانَيهم، وبين أظهرهم: أي بينهم. قال ابن الأثير ﵀: تكررت هذه اللفظة في الحديث، والمراد به أنه أقام بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد لهم، وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدًا، ومعناه أن ظهرًا منهم قُدَّامه، وظهرًا وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ومن جوانبه إذا قيل: بين أظهُرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم. أفاده ابن منظور رحمه الله تعالى (٢).

стр. 7101

(يريد النبي ﷺ ) يعني أنه سقط لفظ "النبي ﷺ " من الرواية، والأصل "بينما النبي ﷺ بين أظهرنا". وقد ثبت في صحيح مسلم، ولفظه من رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر: "بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة … " الحديث. ولعله سقط من شيخ المصنف، ويدل على ذلك أن مسلمًا رواه عن علي بن حجر شيخ المصنف، بسنده، ثم قال: ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ له، حدثنا علي بن مسهر … فعدل عن إيراد لفظ علي بن حجر مع أنه ساقه أولًا إلى لفظ أبي بكر بن أبي شيبة لهذا المعنى. والله تعالى أعلم. (إِذ أغفى إِغفاءة) أي نام نومة خفيفة. يقال: أغفيت إِغْفَاءً، فأنا مُغْفٍ. إذا ثمتَ نومة خفيفة. قال ابن السكيت وغيره: ولا يقال: غَفَوت. وقَال الأزهري: كلام العرب أغفيت، وقلما غَفَوْتُ. قاله في "المصباح" (١). وقال السندي ﵀: الإغفاء النوم القليل. وفي "المجمع": الإغفاء السِّنَة، وهي حالة الوحي غالبًا. ويحتمل أن يريد به الإعراض عما كان عليه. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني بعيد. فتبصر. والله

стр. 7102

تعالى أعلم. (ثم رفع رأسه متبسمًا) يقال: بَسَمَ بَسْمًا، من باب ضرب: ضَحكَ قليلًا من غير صوت، وابْتَسَمَ، وتَبَسَّمَ كذلك، ويقال: هو دونَ الضحك. قاله الفيومي رحمه الله تعالى (١)، وهو منصوب على الحال من فاعل "رفع". وهذه صفته ﷺ أنه كان يضحك تبسمًا، فقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء ﵁، قال: ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله ﷺ . وعنه قال: ما كان ضحك رسول الله ﷺ إلا تبسمًا. وإلى هذا أشار الحافظ العراقي ﵀ في "ألفية السيرة"، فقال: لَمْ يُرَ ضَاحِكًا بِمِلْءِ فِيهِ … ضَحِكُهُ تَبَسُّمًا يُبْدِيهِ (فقلنا له) ولفظ الكبرى في التفسير: "فقلت له" (ما أضحكك يا رسول الله؟) سؤال عن سبب ضَحِكِهِ (قال: نزلت علي) وفي رواية مسلم "أنزلت" (آنفًا) بالمد: أي قريبًا (سورة، بسم الله الرحمن الرحيم) فـ "سورة" فاعل "نزلت"، وهو يحتمل أن يكون مضافًا إلى ما بعده، من إضافة العام إلى الخاص، كشجر أراك. ويحتمل أن يكون ما بعده بدلًا منه.

стр. 7103

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث دليل واضح لقول من قال: إن السورة مدنية، لأن أنسًا ﵁ حضرها، وهو قول الحسن، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد. وقيل: مكية، وهو قول ابن عباس، والكلبي، ومقاتل. كما عزاه إليهم القرطبي في تفسيره، والأول أقوى حجة، فتبصر. والله تعالى أعلم. واستدل به أيضًا على أن البسملة من السورة، وأنها تقرأ معها، كما ترجم عليه المصنف هنا حيث قال: "قراءة بسم الله الرحمن الرحيم". وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك بعد باب إن شاء الله تعالى. ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فَوْعَل، من الكثرة، مثل النَّوفَل من النفل، والجوهر، من الجهر، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد والقدر والخطر كوثرًا. قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنُك؟ قالت: بكوثر، أي بمال كثير، والكوثر من الرجال السيد الكثير الخير. قال الكُمَيتُ [من الطويل]: وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا بْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ … وَكَانَ أبُوكَ ابْنُ الْعَقَائِلِ كَوْثَرَا والكوثر: العدد الكثير من الأصحاب والأتباع. والكوثر من الغبار الكثير. وقد تكوثر: إذا كثر. قال حسان ﵁ [من الطويل]: أَبَوْا أَنْ يُبِيحُوا جَارَهُمْ لِعَدُوِّهِمْ … وَقَدْ ثَارَ نَقْعُ المَوْتِ حَتَّى تَكَوْثَرَا

стр. 7104

واختلف في تفسير الكوثر الذي أعطيه النبي ﷺ على ستة عشر قولًا: (الأول): أنه نهر في الجنة. (الثاني): حوضه ﷺ . قاله عطاء. (الثالث): النبوة والكتاب. قاله عكرمة. (الرابع): القرآن. قاله الحسن. (الخامس): الإسلام. حكاه المغيرة. (السادس): تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع. قاله الحسين بن الفضل. (السابع): كثرة الأصحاب، والأمة، والأشياع. قاله أبو بكر بن عياش، ويمان بن رئاب. (الثامن): أنه الإيثار. قاله ابن كيسان. (التاسع): رفعة الذكر. حكاه الماوردي. (العاشر): نور في قلبك دلك علي، وقطعك عما سواي. (الحادي عشر): الشفاعة. (الثاني عشر): معجزات الرب هُدِيَ بها أهل الإجابة لدعوتك. حكاه الثعلبي. (الثالث عشر): هو لا إله إلا الله محمد رسول الله. قاله هلال بن يساف. (الرابع عشر): الفقه في الدين. (الخامس عشر): الصلوات الخمس. (السادس عشر): هو العظيم من الأمر. قاله ابن إسحاق. قال العلامة القرطبي ﵀: أصح هذه الأقوال الأول، والثاني، لأنه ثابت عن النبي ﷺ نص في الكوثر. وسمع أنس ﵁ قومًا يتذاكرون الحوض، فقال: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يَتَمَارون في الحوض، لقد تركت عجائز خلفي، ما تصلي امرأة

стр. 7105

منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي ﷺ (١). وفي حوضه يقول الشاعر: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ مَنْ يُدَانِيكَا … وَأنْتَ حَقًّا حَبِيبُ بَارِيكَا قال: وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول الله ﷺ زيادة على حوضه. ﷺ تسليمًا كثيرًا. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: يزاد على ما ذكره القرطبي ما أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵄، أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة. فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. انتهى (٣). وأصح هذه الأقوال هو تفسير النبي ﷺ المذكور في هذا الحديث، وهو أنه نهر في الجنة وعده الله إياه، وهو لا ينافي تفسيره بالحوض، فإن الكوثر يصب في الحوض، كما بينته الروايات الأخرى. وأما ما ذكر في الأقوال الأخرى، وإن كان النبي ﷺ أعطيه، لكن كونه هو المراد من الآية المذكورة غير صحيح، فلا ينبغي الالتفات إليه. والله أعلم.

стр. 7106

(فصل لربك) أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي وُعدته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة. (وانحر) أي اذبح نسكَك. قال ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: يعني بذلك نحر البدن ونحوها، وكذا قال غير واحد من السلف. وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير الله، والذبح على اسمه، وقيل: المراد وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر. يروى هذا عن علي، ولا يصح، وعن الشعبي مثله. وعن أبي جعفر الباقر: يعني رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. وقيل: استقبِلْ بنحرك القبلة. وعن عطاء الخراساني: ارفع صلبك بعد الركوع، واعتدل، وأبرز نحرك- يعني به الاعتدال. قال الحافظ ابن كثير ﵀: وكل هذه الأقوال غريبة جدًّا، والصحيح القول الأول، وهو أن المراد بالنحر ذبح المناسك. وقال إمام المفسرين ابن جرير الطبري ﵀: والضواب قول من قال: إن معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصًا، دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له، دون الأوثان، شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة، والخير الذي لا كفاء له، وخصك به. انتهى. قال الحافظ ابن كثير ﵀: وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد بن كعب القرظي، وعطاء. انتهى.

стр. 7107

(إِن شانئك هو الأبتر) أي إن مبغضك يا محمد، ومبغض ما جئت به من الهدى، والحق، والبرهان الساطع، والنور المبين هو الأبتر: الأقل الأذلّ المنقطع ذِكْره. قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن وائل. وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومانَ: قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ يقول: دعوه، فإنه رجل أبتر، لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره. فأنزل الله هذه السورة. وقال شَمِر بن عطية: نزلت في عقبة بن أبي معيط. وقال ابن عباس أيضًا، وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف، وجماعة من كفار قريش. وقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحساني، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقالت قريش: أنت سيدهم، ألا ترى إلى الْمُنصَبِر الْمُنتَبِر (١) من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ فقال: أنتم خير منه. قال: فنزلت ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. قال الحافظ ابن كثير: وهكذا رواه البزار، وهو إسناد

стр. 7108

صحيح (١). قال الجامع عفا الله عنه: أخرج المصنف ﵀ أثر ابن عباس ﵄ هذا في "التفسير" من "الكبرى"، فقال: ١١٧٠٧ - حدثنا عمرو بن علي، نا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت قريش: أنت خير أهل الدينة، وسيدهم؟ قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا المُنْتَبِر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن -يعني أهل الحجيجِ، وإهل السِّدانة- قال: أنتم خير منه، فنزلت. ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]، ونزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢]. وعن عطاء: قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول الله ﷺ ، فذهب أبو لهب إلى المشركين، فقال: بُتر محمد الليلة، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوَثر: ٣]. وقال ابن عباس: نزلت في أبي جهل. وعنه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]، يعني عدوك. قال الحافظ ابن كثير: وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذُكِرَ،

стр. 7109

وغيرهم. وعن عكرمة: الأبتر الفرد. وقال السديّ: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بُترَ، فلما مات أبناء رسول الله ﷺ قالوا: بُتِر، فأنزل الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. قال الحافظ ابن كثير: وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكْره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره، وحاشا، وكلا، بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرًّا على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد (١). (ثم قال) ﷺ موضحًا لهم معنى ما أنزل عليه (أتدرون ما الكوثر؟) أي أتعلمون أيُّ شيء معنى الكوثر الذي أعطاني الله ؟ (قلنا: الله ورسوله أعلم) بذلك (قال: فإِنه نهر) بفتح، فسكون: الماء الجاري المتسع، والجمع نُهُر -بضمتين- وأنْهُرُ، والنَّهَر -بفتحتين- لغة، والجمع أنهار، مثل سبب، وأسباب (٢). (وعدنيه ربي في الجنة) ولمسلم: "فإنه نهر وعدنيه ربي ، عليه خير كثير، هو حوض، ترد عليه أمتي يوم القيامة" (آنيته أكثر من عدد الكواكب) امراد من الآنية الكيزان والأباريق، التي أعدت

стр. 7110

للشرب منها. وفي رواية لمسلم "كيزانه كنجوم السماء". وفي رواية: "فيه أباريق كنجوم السماء"، وفي رواية: "والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم، وكواكبها"، وفي رواية: "وأن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء"، وفي رواية: "آنيته عدد نجوم السماء"، وفي رواية: "ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء"، وفي رواية: "كأن الأباريق فيه النجوم". قال النووي ﵀: المختار الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره، وأنها أكثر عددًا من نجوم السماء، ولا مانع عقلي، ولا شرعي يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدًا، كما قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء". وقال القاضي عياض ﵀: هذا إشارة إلى كثرة العدد، وغايتِه الكثيرة، من باب قوله ﷺ : "لا يضع العصا عن عاتقه". وهو باب مَن المبالغَة معروف في الشرع واللغة، ولا يعد كذبًا، إذا كان المخبر عنه في حيز الكثرة، والعظم، ومبلغ الغاية في بابه، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك. قال: ومثله: كلمته ألف مرة، ولقيته مائة كرة، فهذا جائز، إذا كان كثيرًا، وإلا فلا. هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى. قال النووي رحمه الله تعالى: والصواب الأول. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النووي ﵀ حسن جدًا.
следующие страницы →