أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٢٣/ ٩٠٩ - وفي "الكبرى" -٢٣/ ٩٨١ - وفي "فضائل القرآن" منه ١٦/ ٨٠١٢ - عن قتيبة، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عنه. و -٨٠١٣ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، به. قال سفيان: دخلت على العلاء بن عبد الرحمن في بيته، وهو مريض، فسألته عن هذا الحديث، فحدثني به. وفي "التفسير" ١٠٩٨٢ - عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك - وعن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم - كلاهما عن مالك به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة، عن مالك -وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج- كلاهما عن العلاء بن
عبد الرحمن به. وعن أحمد بن جعفر الْمَعْقِري، عن النَّضْرِ بن محمد، عن أبي أويس، عن العلاء بن عبد الرحمن، قال: سمعت من أبي، ومن أبي السائب، وكانا جليسين لأبي هريرة، عن أبي هريرة.
стр. 7177
وأبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك به.
والترمذي في "التفسير" عن محمد بن يحيى، ويعقوب بن سفيان الفارسي, كلاهما عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه به عنهما
مختصرا. وقال: حسن، وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقال: كلا الحديثين صحيح - يعني حديث من قال: عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة، وحديث من قال: عن العلاء، عن أبي السائب، عن أبي هريرة.
وابن ماجه في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية، عن ابن جريج به.
وأخرجه مالك في "الموطأ" ١/ ٨٤ - ٨٥. وأحمد ٢/ ٤٦٠.
والطيالسي رقم ٢٥٦١. وابن خزيمة رقم ٥٠٢. والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٢١٥. و"مشكل الآثار" ٢/ ٢٣. وأبو عوانة ٢/ ١٢٦ و ١٢٧. والبيهقي ٢/ ١٦٦ و ١٦٧.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو ترك قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" في فاتحة الكتاب، وهذا كما تقدم من الأمور الواسعة التي وسع الشرع فيها.
وقد بوب المصنف ﵀ ثلاثة أبواب: باب للقراءة بها جهرًا، وباب لترك الجهر بها، وباب لترك قراءتها أصلًا، فبين أن كل ذلك جائز لصحة الأدلة بذلك.
стр. 7178
ومنها: وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب الآتي، إن شاء الله تعالى.
ومنها: عظم شأن الفاتحة حتى سماها الله تعالى صلاةً.
ومنها: بيان عناية الله تعالى بعبده حيث مدحه بسبب حمده، وثنائه، وتمجيده، ووعده أن يعطيه ما سأله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في بيان مذاهب أهل العلم في حكم البسملة:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى: اختلف علماء السلف والخلف في قراءة: "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول فاتحة الكتاب، وهل هي آية منها:
فذهب مالك، وأصحابه إلى أنها لا تقرأ في أول فاتحة الكتاب في شيء من الصلوات المكتوبات سرًّا، ولا جهرًا، وليست عندهم آية من أم القرآن، ولا من غيرها من سور القرآن إلا في النمل في قوله : ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] وأن الله لم ينزلها في كتابه في غير هذا الموضع من سورة النمل، وروي مثل قول مالك في ذلك كله عن الأوزاعي، وبذلك قال أبو جعفر محمد بن جرير ابن يزيد الطبري. وأجاز مالك، وأصحابه قراءة: "بسم الله الرحمن الرحيم" في الصلاة النافلة في أول فاتحة الكتاب، وفي سائر سور القرآن للمتهجدين، ولمن يعرض القرآن عرضًا على
стр. 7179
المقرئين، وأم القرآن عندهم سبع آيات، يعدون ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، وهو عدّ أهل المدينة من القراء، وأهل الشام، وأهل البصرة.
وقال أهل العراق، والمشرق، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، والحسن بن حي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق
ابن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام: يقرأ الإمام في أول فاتحة الكتاب "بسم الله الرحمن الرحيم"، ويخفيها عمن خلفه.
وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي ﵃، على اختلاف في ذلك عن عمر، وعلي، ولم يختلف عن ابن مسعود في أنه كان يخفيها، وهو قول إبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وغيرهم. وهي آية من أول فاتحة الكتاب عند جماعة قرّاء الكوفيين، وجمهور فقهائهم إلا أن السنة عندهم فيها إخفاؤها في صلاة الجهر تسليمًا، واتباعًا للآثار المرفوعة في ذلك.
وقال الكرخي، وغيره من أصحاب أبي حنيفة: إنه لا يحفظ عنه، هل هي آية من فاتحة الكتاب، أو لا؟ قالوا: ومذهبه يقتضي أنها ليست آية من فاتحة الكتاب؛ لأنه يسر بها في صلاة الجهر.
وقال داود بن علي: هي آية من القرآن منفردة في كل موضع كتبت فيه في المصحف في أول فاتحة الكتاب، وفي أول كل سورة من القرآن، وليست من شيء من السور إلا في سورة النمل، وإنما هي آية مفردة غير لاحقة بالسورة. وزعم الرازي أن مذهب أبي حنيفة يقتضي عنده ما قال
стр. 7180
داود.
وذهب الشافعي، وأصحابه إلى قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول فاتحة الكتاب جهرًا في صلاة الجهر، وسرًّا في صلاة السر، وقال: هي آية من فاتحة الكتاب أول آياتها، ولا تتم سبع آيات إلا بها، ولا تجزئ صلاة لمن لم يقرأها، لقول رسول الله ﷺ : يعني: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، وقوله ﵊: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجَ"، ومن لم يقرأها كلها فلم يقرأها. وقول أبي ثور في ذلك كله كقوَل الشافعي.
وروي الجهر بها عن عمر، وعلي ﵄ على اختلاف عنهما. وروي ذلك عن عمار، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن الزبير، ولم يختلف في الجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" عن ابن عمر، وهو الصحيح عن ابن عباس أيضًا. وعليه جماعة أصحاب سعيد ابن جبير، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وهو مذهب ابن شهاب الزهري، وعمرو بن دينار، وابن جريج، ومسلم بن خالد، وسائر أهل مكة.
واختلف قول الشافعي، وكذلك اختلف أصحابه في "بسم الله الرحمن الرحيم" في غير فاتحة الكتاب، هل هي من أوائل السور مضافة إلى كل سورة أو لا؟ ومحصل مذهبه أنها آية من أول كل سورة على قول ابن عباس: "ما كنا نعلم انقضاء السورة إلا بنزول "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول غيرها". وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وعطاء، وطاوس، ومكحول. وإليه ذهب ابن المبارك،
стр. 7181
وطائفة، ووافق الشافعيَّ على أنها آية من فاتحة الكتاب - أحمدُ، وإسحاق، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الكوفة، وأهل مكة، وأكثر
أهل العراق، إلا أن أحمد، وإسحاق، وأبا عبيد يخفونها في صلاة الجهر، فذهب سفيان، وابن أبي ليلى، والحسن بن حي، وابن شُبْرُمَة، وجماعة أهل الكوفة على ما ذكرنا عنهم، والحمد لله.
قال أبو عمر: لكل فرقة من فرق الفقهاء المذكورين آثار رووها، وصاروا إليها فيما ذهبوا إليه من ذلك عن النبي ﷺ ، وعن أصحابه، والتابعين، ثم ذكر أدلة كل فريق، وما لها وما عليها، فأفاد، وأجاد. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر باختصار (١).
قال الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى في كتابه "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية"؛ ما ملخصه:
والذاهب في كونها من القرآن ثلاثة: طرفان، ووسط:
فالطرف الأول: قوله من يقول: إنها ليست من القرآن، إلا في سورة النمل، كما قاله مالك، وطائفة من الحنفية، وقاله بعض أصحاب أحمد مدعيًا أنه مذهبه، أو ناقلًا لذلك رواية عنه.
والطرف الثاني: المقابل له قول من يقول: إنها آية من كل سورة، أو
стр. 7182
بعض آية، كما هو المشهور عن الشافعي، ومن وافقه، فقد نقل عن الشافعي أنها ليست من أوائل السور غير الفاتحة، وإنما يستفتح بها في السور تبركا بها.
والقول الوسط: إنها من القرآن حيث كتبت، وإنها مع ذلك ليست من السور، بل كتبت آية في كل سورة، وكذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة، كما تلاها النبي ﷺ حين أنزلت عليه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] رواه مسلم.
وكما في قوله: "إن سورة من القرآن، هي ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] ".
وهذا قول ابن المبارك، وداود، وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل، وبه قال جماعة من الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة، وهذا قول المحققين من أهل العلم، فإن في هذا القول الجمع بين الأدلة، وكتابتها سطرًا مفصلًا عن السورة يؤيد ذلك.
وعن ابن عباس ﵄: كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه "بسم الله الرحمن الرحيم". وفي رواية: "لا يعرف انقضاء السورة"، رواه أبو داود، والحاكم، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين. ثم لأصحاب هذا القول في "الفاتحة" قولان، هما روايتان عن أحمد:
أحدهما: أنها من الفاتحة، دون غيرها، تجب قراءتها حيث تجب
стр. 7183
قراءة الفاتحة.
والثاني: -وهو الأصح- أنه لا فرق بين الفاتحة وغيرها في ذلك، وأن قراءتها قي أول الفاتحة كقراءتها في أول السور، والأحاديث
الصحيحة توافق هذا القول.
وحينئذ الأقوال في قراءتها في الصلاة أيضا ثلاثة:
أحدها: أنها واجبة وجوب الفاتحة، كمذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، وطائفة من أهل الحديث، بناء على أنها من
الفاتحة.
والثاني: أنها مكروهة سرًّا وجهرًا، وهو المشهور عن مالك.
والثالث: أنها جائزة، بل مستحبة، وهو مذهب أبي حنيفة، والمشهور عن أحمد، وأكثر أهل الحديث. ثم مع قراءتها هل يسن
الجهر بها، أولا؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: يسن الجهر، وبه قال الشافعي، ومن وافقه.
والثاني: لا يسن، وبه قال أبو حنيفة، وجمهور أهل الحديث، والرأي، وفقهاء الأمصار، وجماعة من أصحاب الشافعي. وقيل: يتخير بينهما، وهو قول إسحاق بن راهويه، وابن حزم، وكان بعض العلماء (١) يقول بالجهر سدًّا للذريعة، قال: ويسوغ للإنسان أن يترك الأفضل لأجل تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، خوفًا من التنفير، كما
стр. 7184
ترك النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم، لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك، ورأى تقديم مصلحة الاجتماع على ذلك، ولما أنكر الربيع على ابن مسعود إكماله الصلاة خلف عثمان، قال: الخلاف شر. وقد نص أحمد وغيره على ذلك في البسملة، وفي وصل الوتر، وغير ذلك، مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول، مراعاة لائتلاف المأمومين، أو لتعريفهم السنة، وأمثال ذلك، وهذا أصل كبير في سد الذرائع، هذا تحرير أقوال العلماء في هذه المسألة. انتهى كلام الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى (١).
واحتج القائلون بالإسرار بها بحديث أنس، وحديث عبد الله بن مغفل السابقين في الباب الماضي، وغيرهما.
واحتج القائلون بالجهر بها في الصلاة بأحاديث:
منها -وهو أقواها-: حديث أبي هريرة المذكور في الباب: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي" وقد صححه ابن خزيمة، وابن
حبان، والحاكم، والبيهقي، قال: وله شواهد، وقال أبو بكر الخطيب: ثابت صحيح لا يتوجه إليه تعليل.
ومنها: حديث ابن عباس عند الترمذي، والدارقطني بلفظ: "كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" قال الترمذي: هذا حديث وليس إسناده بذاك، وفي إسناده إسماعيل بن حماد، قال
стр. 7185
البزار: إسماعيل لم يكن بالقوي. وقال العقيلي: غير محفوظ. وقد وثق إسماعيل يحيى بن معين. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وفي إسناده أبو خالد الوالبي، اسمه هرمز، وقيل: هرم، قال الحافظ: مجهول، وقال أبو زرعة: لا أعرف من هو؟. وقالى أبو حاتم: صالح الحديث. وقد ضعف أبو داود هذا الحديث، وروى ذلك عنه الحافظ في "التلخيص". وللحديث طريق أخرى عن ابن عباس، رواها الحاكم بلفظ: "كان يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم". وصَحَّحَ الحاكم هذا الطريق، وخطأه الحافظ في ذلك؛ لأن في إسنادها عبد الله ابن عمرو بن حسان، وقد نسبه ابن المديني إلى الوضع للحديث، وقد رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن يحيى بن آدم، عن شريك، ولم يذكر ابن عباس في إسناده، بل أرسله، وهو الصواب من هذا الوجه. قاله الحافظ. وقال أبو عمر: الصحيح في هذا الحديث أنه روي عن ابن عباس من فعله، لا مرفوعًا إلى النبي ﷺ .
ومنها: ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم". وفي إسناده عمر بن حفص المكي، وهو ضعيف. وأخرجه أيضًا عنه من طريق أخرى وفيها أحمد بن رشد بن خثيم، عن عمه سعيد بن خثيم، وهما ضعيفان.
ومنها: ما أخرجه الدارقطني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "كان إذا قرأ، وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم". قال الدارقطني: رجال إسناده كلهم ثقات. انتهى. وفي إسناده عبد الله بن
стр. 7186
عبد الله أبو أويس الأصبحي، روي عن ابن معين توثيقه، وتضعيفه. وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا، وقد تكلم فيه غير واحد.
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ عند الدارقطني أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأتم الحمد، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آيها".
قال اليعمري: وجميع رواته ثقات، إلا أن نوح بن أبي بلال الراوي له عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة تردد فيه، فرفعه تارة، ووقفه أخرى. وقال الحافظ: هذا الإسناد رجاله ثقات، وصحح غير واحد من الأئمة وقفه على رفعه، وأعله ابن القطان بتردد نوح المذكور، وتكلم فيه ابن الجوزي من أجل عبد الحميد بن جعفر، فإن فيه مقالًا، ولكن متابعة نوح له مما تقويه.
ومنها: عن علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر: "أن النبي ﷺ كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم". أخرجه الدارقطني، وفي إسناده جابر الجعفي، وإبراهيم بن الحكم بن ظهير، وغيرهما ممن لا يعول عليه.
ومنها: عن علي بلفظ: "أن النبي ﷺ كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في صلاته". أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد علوي، لا بأس به. وله طريق أخرى عنده بلفظ: "أنه سئل عن السبع المثاني؟
стр. 7187
فقال: "الحمد لله رب العالمين"، قيل: إنما هي ست؟ فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم". وإسناده كلهم ثقات. وقال الحافظ: في الحديث الأول الذي قال: "إنه لا بأس به": إنه بين ضعيف ومجهول.
ومنها: عن عمر ﵁: "أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة، فأراد أن يقرأ قال: بسم الله الرحمن الرحيم". رواه ابن عبد البر، قال: ولا يثبت فيه إلا أنه موقوف.
ومنها: عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة؟ " قلت: أقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: قل: "بسم الله الرحمن الرحيم". رواه الشيخ أبو الحسن، وفي إسناده الجهم بن عثمان، قال أبو حاتم: مجهول.
ومنها: عن سمرة ﵁، قال: "كان للنبي ﷺ سكتتان؛ سكتة إذا قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، وسكتة إذا فرغ من القراءة" فأنكر ذلك عمران بن الحصين، فكتبوا إلى أُبَيّ بن كعب، فكتب أن صدق سمرة". أخرجه الدارقطني، وإسناده جيد، غير أن الحديث أخرجه أبو داود والترمذي، وغيرهما بلفظ: "سكتة حين يفتتح، وسكتة إذا فرغ من السورة".
ومنها: عن أنس ﵁، قال: "كان النبي ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". أخرجه الدارقطني أيضًا. وله طريق أخرى عن أنس عند الدارقطني، والحكم بمعناه.
стр. 7188
ومنها: عن أنس أيضًا بلفظ: "سمعت رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". أخرجه الحاكم، قال: ورواته كلهم ثقات.
ومنها: عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذي، وفي إسناده الحكم بن عبد الله بن سعد، وقد تكلم فيه غير واحد.
ومنها: عن بريدة بن الحصيب ﵁ بنحو حديث عائشة ﵂، وفيه جابر الجعفي، وليس بشيء، وله طريق أخرى
فيها سلمة بن صالح، وهو ذاهب الحديث.
ومنها: عن الحكم بن عمرو وغيره من طرق لا يعول عليها.
ومنها: عن ابن عمر ﵄، قال: "صليت خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم". أخرجه الدارقطني. قال الحافظ: وفيه أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي العلوي، وقد كذبه أبو حاتم وغيره، ومن دونه أيضًا ضعيف ومجهول، ورواه الخطيب عن ابن عمر من وجه آخر، وفيه مسلم بن حبان، وهو مجهول، قال: والصواب أن ذلك عن ابن عمر غير مرفوع.
قال الشوكاني ﵀: فهذه الأحاديث فيها القوي (١)،
стр. 7189
والضعيف كما عرفت، وقد عارضتها الأحاديث الدالة على ترك البسملة التي قدمناها، وقد حملت روايات حديث أنس السابقة على ترك الجهر، لا ترك البسملة مطلقًا، لما في تلك الرواية التي قدمناها في حديثه بلفظ: "فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم"، وكذلك حملت رواية حديث عبد الله بن مغفل، وغيرهما حملًا لما أطلقته أحاديث نفي قراءة البسملة على تلك الرواية المقيدة بنفي الجهر فقط، وإذا كان محصل أحاديث نفي البسملة هو نفي الجهر بها، فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه.
قال الحافظ: لا بمجرد تقديم رواية المثبت على النافي، لأن أنسًا يبعد جدّا أن يصحب النبي ﷺ مدة عشر سنين، ويصحب أبا بكر، وعمر، وعثمان خمسًا وعشرين سنة، فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه الجزم بالافتتاح بالحمد لله جهرًا، فلم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر. اهـ.
ويؤيد ما قاله الحافظ من عدم استحضار أنس لذلك ما أخرجه الدارقطني عن أبي سلمة، قال: سألت أنس بن مالك: "أكان رسول الله ﷺ يستفتح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أو بـ"بسم الله الرحمن الرحيم"؟ فقال: إنك سألتني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك، فقلت: أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال:
стр. 7190
نعم". قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح.
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله الحافظ من تقديم أحاديث الجهر نظر، وقد تقدم الكلام عليه. والله تعالى أعلم.
وقال الحازمي ﵀ بعد ذكر الاختلاف في أحاديث أنس ﵁، وأنها كلها صحيحة مخرجة في كتب الأئمة، ما نصه: وغير مستبعد وقوع الاختلاف في مثل ذلك، وكم من شخص يتغافل عن أمر هو من لوازمه حتى لا يلقي إليه بالًا البتة، ويتنبه لأمر ليس من لوازمه، ويلقي إليه باله بالكلية، ومن أعجب ما اتفق لي أني دخلت جامعًا في بعض البلاد لقراءة شيء من الحديث، فحضر إليّ جماعة من أهل العلم، من المواظبين على الجماعة في الجامع، وكان إمامهم صَيّتًا يملأ الجامع صوته، فسألتهم عنه، هل كان يجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" أو يخفيها؟، فاختلفوا عليّ في ذلك، فقال بعضهم: يجهر بها، وقال بعضهم: يخفيها، وتوقف آخرون. قال: والحق أن كل من ذهب إلى أي من هذه الروايات فهو متمسك بالسنة. والله أعلم انتهى (١).
وقال الشوكاني ﵀: ولكنه لا يخفى عليك أن هذه الأحاديث التي استدل بها القائلون بالجهر، منها ما لا يدل على
стр. 7191
المطلوب، وهو ما كان فيه ذكر أنها آية من الفاتحة، أو ذكر القراءة لها، أو ذكر الأمر بقراءتها من دون تقييد بالجهر بها في الصلاة؛ لأنه لا ملازمة بين ذلك وبين المطلوب، وهو الجهر بها في الصلاة، وكذا ما كان مقيدًا بالجهر بها دون ذكر الصلاة؛ لأنه لا نزاع في الجهر بهما خارج الصلاة.
فإن قلت: أما ذكر أنها آية، أو ذكر الأمر بقراءتها بدون تقييد بالجهر، فعدم الاستلزام مسلم، وأما ذكر قراءته ﷺ في الصلاة لها فالظاهر أنه يستلزم الجهر، لأن الطريق إلى نقله إنما هو السماع، وما يسمع جهر، وهو المطلوب.
قلت: يمكن أن يكون الطريق إلى ذلك إخباره ﷺ أنه قرأ بها في الصلاة، فلا ملازمة، والذي يدل على المطلوب منها هو ما صرح فيه بالجهر بها في الصلاة، وهي أحاديث لا ينتهض الاحتجاج بها كما عرفت، ولهذا قال الدارقطني: إنه لم يصح في الجهر بها حديث. ولو سلمنا أن ذكر القراءة في الصلاة يستلزم الجهر بها لم يثبت بذلك مطلوب القائلين بالجهر؛ لأن أنهض الأحاديث الواردة بذلك حديث أبي هريرة المتقدم، وقد تعقب باحتمال أن يكون أبو هريرة أشبههم صلاة برسول الله ﷺ في معظم الصلاة، لا في جميع أجزائها، على أنه قد رواه جماعة عن نعيم، عن أبي هريرة، بدون ذكر البسملة، كما قال الحافظ في "الفتح".
стр. 7192
وقد جمع القرطبي بما حاصله: أن المشركين كانوا يحضرون المسجد، فإذا قرأ رسول الله ﷺ قالوا: إنه يذكر رحمن اليمامة -يعنون مسيلمة- فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قال الحكيم الترمذي: فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذ كر الرسم، وإن زالت العلة، وقد روى هذا الحديثَ الطبرانيُّ في "الكبير"، و"الأوسط".
وعن سعيد بن جبير قال: كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان المشركون يهزءون بمكاء وتصدية، ويقولون: محمد يذكر إله اليمامة، وكان مسيلمة الكذاب يسمى رَحْمَانًا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فتسمع المشركين، فيهزءوا بك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك، فلا تسمعهم. رواه ابن جبير، عن ابن عباس، ذكره النيسابوري في "التيسير".
وهذا جمع حسن إن صح أن هذا كان سببًا في ترك الجهر، وقد قال في "مجمع الزوائد": إن رجاله موثقون.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" وكان -أي النبي ﷺ - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما جهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى
стр. 7193
يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح. انتهى (١).
وقال الشوكاني ﵀: وأكثر ما في المقام الاختلاف في مستحب أو مسنون، فليس شيء من الجهر وتركه يقدح في الصلاة ببطلان بالإجماع، فلا يهولنك تعظيم جماعة من العلماء لشأن هذه المسألة، والخلاف فيها، ولقد بالغ بعضهم حتى عدها من مسائل الاعتقاد. انتهى المقصود من كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخص مما تقدم من أقوال هؤلاء الأئمة من النظر في أدلة الفريقين أن الأرجح الإسرار بالبسملة لقوة أدلته، وأما أحاديث الجهر فصريحها غير صحيح، وصحيحها غير صريح، فلا تعارض بها الأحاديث الصحيحة الصريحة، لكن مجموعها يفيد قوة، فتصلح للاحتجاج بها، لتحمل على بعض الأوقات، وبهذا تجتمع الأدلة.
وخلاصة ذلك أن الإسرار بالبسملة هو الأولى، ولكن يستحسن الجهر بها أحيانًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وإن أردت تحقيق الكلام على أدلة الفريقين فراجع "الفتاوى
стр. 7194
الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى جـ ١ ص ٧٧ - ٨٧. فلقد حقق المسألة حق التحقيق، ودقق نظره فيها غاية التدقيق. وكتاب "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" للحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى جـ ١ ص ٣٢٣ - ٣٦٣. فلقد جمع، وأفاد، وأحسن، وأجاد. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قال الإمام أبو محمد بن حزم ﵀: ومن كان يقرأ برواية من عدّ "بسم الله الرحمن الرحيم" آية من القرآن لم تجزه الصلاة إلا
بالبسملة، وهم عاصم بن أبي النجود، وحمزة، والكسائي، وعبد الله ابن كثير، وغيرهم من الصحابة والتابعين ﵃.
ومن كان يقرأ برواية من لا يعدها آية من القرآن فهو مخير بين أن يبسمل، وبين أن لا يبسمل، وهم ابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب،
وفي بعض الروايات عن نافع. انتهى.
واعترض عليه المحقق أحمد محمد شاكر ﵀، فقال: هكذا أطلق المؤلف الرواية في البسملة عن القراء، وهو خطأ، فإن الذين
قرؤوا منهم بترك البسملة إنما قرؤوا بذلك عند الوصل فقط، أي إذا وصل القارىء سورة بالتي قبلها، على أن كل من روي عنه تركها منهم روي عنه إثباتها، ولم يرد عن واحد منهم في حذفها رواية واحدة قط.
стр. 7195
ثم إن هذا الخلاف بينهم إنما هو في غير الفاتحة. قال إمام القرّاء أبو الخير بن الجزري في كتاب "النشر في القراءات العشر" جـ ١ ص ٢٦٢: "إن كلًا من الفاصلين بالبسملة والواصلين والساكتين إذا ابتدؤوا سورة من السور بسمل بلا خلاف عن واحد منهم، إلا إذا ابتدأ براءة".
ثم قال: "لم يكن بينهم خلاف في إثبات البسملة أول الفاتحة، سواء وصلت بسورة الناس قبلها، أو ابتدئ بها، لأنها ولو وصلت
لفظًا، فإنها مبتدأ بها حكمًا، ولذلك كان الواصل هنا حالًا مُرْتَحِلًا".
والحق أن قراءة من قرأ بحذفها في الوصل قراءة شاذة غير صحيحة، وإن كانت من السبعة أو العشرة؛ لأن من شرط صحة القراءة موافقة رسم المصحف، كما اتفق عليه عامة القراء بغير خلاف، بل هو اتفاق جميع العلماء، وما كان الصحابة ﵃ ليزيدوا في المصاحف مائة وعشرين بسملة من غير أن تكون نزلت في المواضع التي كتبت فيها ولو شككنا في هذا لفتحنا بابًا عريضًا للملاحدة اللاعبين بالنار، وقد كان الصحابة أحرص على كتاب الله من أن يتطرق إليه شك أو وهم، ولذلك جردوا المصاحف من أسماء السور، ولم يكتبوا "آمين"، وامتنع عمر من كتابة شهادته هو وبعض كبار الصحابة بالرجم خشية أن يتوهم أنها زيادة على الكتاب، وصدع بذلك على المنبر.
وأما من أجاز قراءة الفاتحة في الصلاة بدون بسملة فإنه لا دليل له أصلًا، والأحاديث التي استدلوا بها بعضها ضعيف، وبعضها لا يدل
стр. 7196
صراحة على ذلك، ولا تعارض اتفاق القراء من غير خلاف على البسملة في أول الفاتحة مع تأيد هذا برسم المصحف، وهو الحجة
الأولى القاطعة لكل النزاع.
وقد حققنا هذا الموضوع في شرحنا على التحقيق لابن الجوزي بما لا تجده في كتاب آخر، والحمد لله رب العالمين.
انتهى كلام المحقق أحمد شاكر رحمه الله تعالى (١). وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7197
٢٤ - إِيجابُ قِرَاءَةِ فَاتِحةِ الْكتَابِ فِي الصَّلاةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على إيجاب قراءة الفاتحة على كل مصل إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا في صلاته.
وقد ترجم البخاري رحمه الله تعالى بما فيه تفصيل حيث قال: [باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر
والسفر، وما يجهر فيها، وما يخافت].
قال في الفتح: لم يذكر المنفرد؛ لأن حكمه حكم الإمام، وذكر السفر لئلا يتخيل أنه يترخص فيه بترك القراءة كما رخص فيه بعض
الركعات. انتهى (١). والله تعالى أعلم.
٩١٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخُزاعي الجَوَّاز المكي، ثقة، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم
стр. 7198
في ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الهلالي مولاهم، الكوفي، ثم المكي، ثقة حافظ حجة فقيه إمام، مات سنة ١٩٨، من كبار [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم القرشي الإمام الحجة الفقيه الثبت، مات سنة ١٢٥، من كبار [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم
في ١/ ١.
٤ - (محمود بن الربيع) بن سُراقة بن عمرو الخزرجي، أبو نعيم، أو أبو محمد المدني، صحابي صغير، وجل روايته عن الصحابة، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ٧٨٨.
٥ - (عبادة بن الصامت) بن قيس بن أصرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد المدني، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أخو أوس ابن الصامت، شهد العقبة الأولى والثانية، وهو أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، وشهد بدرًا، فما بعدها، وروى عن النبي ﷺ . وعنه أبناؤه، الوليد، وداود، وعبيد الله، وحفيداه: يحيى، وعبادة ابنا الوليد، وإسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة، ولم يدركه، ومن أقرانه أبو أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ورفاعة بن رافع، وشرحبيل بن حسنة، وسلمة بن المحبق، وأبو أمامة،
стр. 7199
وعبد الرحمن بن غنم، وفضالة بن عبيد، ومحمود بن الربيع، وغيرهم من الصحابة، والأسود بن ثعلبة، وجبير بن نفير، وجنادة بن أبي أمية، وحطَّان بن عبد الله الرَّقاشي، وغيرهم. قال ابن سعد: آخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي مَرْثَد". وقال محمد بن كعب القرظي: هو أحد من جمع القرآن في زمن النبي ﷺ . رواه البخاري في تاريخه الصغير، قال: وأرسله عمر إلى فلسطين ليعلم أهلها القرآن، فأقام بها إلى أن مات. وقال ابن سعد، عن الواقدي، عن يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه: مات بالرملة سنة -٣٤ - وهو ابن -٧٧ - سنة، قال ابن سعد: وسمعت من يقول: إنه بقي حتى توفي في خلافة معاوية، وكذا قال الهيثم بن عدي. وقال دُحَيم: توفي ببيت المقدس. وقال ابن حبان: هو أول من ولي القضاء بفلسطين. وقال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار. أخرج له الجماعة (١). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فقد انفرد هو به.
ومنها: أن شيخه، وسفيان مكيان، والباقون مدنيون، وعبادة،
стр. 7200
وإن سكن فلسطين، إلا أنه مدني.
ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي.
ومنها: أن فيه الإخبار في أوله، والعنعنة في باقيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن محمود بن الربيع) قال في الفتح: في رواية الحميدي، عن سفيان، حدثنا الزهري، سمعت محمود بن الربيع. ولابن أبي عمر عن سفيان بهذا الإسناد عند الإسماعيلي: سمعت عبادة بن الصامت. ولمسلم من رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، أن محمود بن الربيع أخبره، أن عبادة بن الصامت أخبره. وبهذا التصريح بالإخبار يندفع تعليل من أعله بالانقطاع لكون بعض الرواة أدخل بين محمود، وعبادة رجلًا، وهي رواية ضعيفة عند الدارقطني. انتهى (١).
(عن عبادة بن الصامت) ﵁ (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب") زاد الحميدي عن سفيان: "فيها"، كذا في مسنده، وهكذا رواه يعقوب بن سفيان، عن الحميدي، أخرجه البيهقي، وكذا لابن أبي عمر، عند الإسماعيلي، ولقتيبة، وعثمان بن أبي شيبة، عند أبي نعيم في المستخرج، وهذا يعين أن المراد القراءة في نفس الصلاة.
стр. 7201
قال العلامة السندي ﵀: ليس معناه: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب في عمره قط، أو لمن لم يقرأ في شيء من الصلوات قط، حتى لا يقال: لازم الأول افتراض الفاتحة في عمره مرة ولو خارج الصلاة، ولازم الثاني افتراضها مرة في صلاة من الصلوات، فلا يلزم منه الافتراض لكل صلاة، وكذا ليس معناه لا صلاة لمن ترك الفاتحة، ولو في بعض الصلوات، إذ لازمه أنه بترك الفاتحة في بعض الصلوات تفسد الصلوات كلها، ما ترك فيها، وما لم يترك فيها، إذ كلمة "لا" لنفي الجنس، ولا قائل به، بل معناه: لا صلاة لمن لم يقرأ بالفاتحة من الصلوات التي لم يقرأ فيها، فهذا عموم محمول على الخصو بشهادة العقل، وهذا الخصوص هو الظاهر المتبادر إلى الأفهام من مثل هذا العموم، وهذا الخصوص لايضر بعموم النفي للجنس، لشمول النفي بعدُ لكل صلاة ترك فيها الفاتحة، وهذا يكفي في عموم النفي.
ثم قد قرروا أن النفي لا يعقل إلا مع نسبة بين أمرين، فيقتضي نفي الجنس أمرًا مستندًا إلى الجنس ليتعقل النفي مع نسبته، فإن كان ذلك الأمر مذكورًا في الكلام فذاك، وإلا يقدر من الأمور العامة، كالكون، والوجود.
أما الكمال، فقد حقق الكمال (١) ضعفه؛ لأنه مخالف للقاعدة، لا يصار إليه إلا بدليل، والوجود في كلام الشارع يحمل على الوجود الشرعي دون الحسي، فمفاد الحديث نفي الوجود الشرعي للصلاة التي
стр. 7202
لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وهو عين نفي الصحة. وما قاله أصحابنا -يعني الحنفية- إنه من حديث الآحاد، وهو ظني، لا يفيد العلم، وإنما يوجب العمل، فلا يلزم منه الافتراض، ففيه أنه يكفي في المطلوب أنه يوجب العمل ضرورة أنه يوجب العمل بمدلوله، لا بشيء آخر، ومدلوله عدم صحة صلاة من لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فوجوب العمل به يوجب القول بفساد تلك الصلاة، وهو المطلوب.
فالحق أن الحديث يفيد بطلان الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
نعم يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي، كما ورد به بعض الأحاديث، فلا يلزم بطلان صلاة المقتدي إذا ترك الفاتحة، وقرأها
الإمام.
بقي أن الحديث يوجب قراءة الفاتحة في تمام الصلاة، لا في كل ركعة، لكن إذا ضم إليه قوله ﷺ : "وافعل في صلاتك كلها" للأعرابي المسيء صلاته يلزم افتراضها في كل ركعة، ولذا عقب هذا الحديث بحديث الأعرابي في صحيح البخاري، فلله درّهُ ما أدقه. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه العلامة السندي
стр. 7203
رحمه الله من بطلان صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب عملًا بالأحاديث الصحيحة حسن جدًّا، وهو يدل على إنصافه، وبُعده عن التعصب المذهبي الذي يغطي كثيرًا من الحق، وهذا أمر نادر عند المذهبيين، ولا سيما الذين ينتسبون إلى مذهبه، فإن هذه المسألة، وأشباهها مما زلت فيه أقدام الذين يُظَنُّ فيهم البراعة والتقدم في المذهب، بل وفي سائر العلوم.
غير أن قوله: نعم يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي .. إلخ، فيه نظر، فإن الأحاديث الواردة فيه غير ثابتة، فلا تصلح لتخصيص عموم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وعلى تقدير صحتها تحمل على ما عدا الفاتحة. وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قيل: يحمل على نفي الذات وصفاتها، لكن الذات غير منتفية، فيخص بدليل خارج، ونوزع في تسليم عدم نفي الذات على الإطلاق؛ لأنه إن ادعى أن المراد بالصلاة معناها اللغوي فغير مسلم؛ لأن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه؛ لأنه المحتاج إليه فيه لكونه بعث لبيان الشرعيات، لا لبيان موضوعات اللغة، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام دعوى نفي الذات، فعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار الإجزاء، ولا الكمال؛ لأنه يؤدي إلى الإجمال، كما نقل عن القاضي أبي بكر وغيره حتى مال إلى التوقف؛ لأن نفي الكمال يشعر بحصول الإجزاء، فلو قدر الإجزاء
стр. 7204
منتفيًا لأجل العموم قدر ثابتًا لأجل إشعار نفي الكمال بثبوته، فيتناقض، ولا سبيل إلى إضمارهما معًا؛ لأن الإضمار إنما احتيج إليه
للضرورة، وهي مندفعة بإضمار فرد فلا حاجة إلى أكثر منه، ودعوى إضمار أحدهما ليست بأولى من الآخر. قاله ابن دقيق العيد.
قال الحافظ: وفي هذا الأخير نظر؛ لأنا إن سلمنا تعذر الحمل على الحقيقة، فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما، ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، وهو السابق إلى الفهم؛ ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس، فيكون أولى.
ويؤيده رواية الإسماعيلي من طريق العباس بن الوليد النَّرْسِيّ -أحد شيوخ البخاري- عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ: "لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بقاتحة الكتاب". وتابعه على ذلك زياد بن أيوب، أحد الأثبات، أخرجه الدارقطني، وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا بهذا اللفظ، أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما، ولأحمد من طريق عبد الله بن سَوَادة القشيري، عن رجل، عن أبيه مرفوعًا: "لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن". وقد أخرج ابن خزيمة عن محمد بن الوليد القرشي، عن سفيان حديث الباب بلفظ: "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب"، فلا يمتنع أن يقال: إن قوله: "لا صلاة" نفي بمعنى النهي، أي لا تصلوا إلا بقراءة
стр. 7205
فاتحة الكتاب، ونظيره ما رواه مسلم من طريق القاسم (١)، عن عائشة مرفوعًا: "لا صلاة بحضرة الطعام"، فإنه في صحيح ابن حبان بلفظ: "لا يُصَلِّ أحدكم بحضرة الطعام". أخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل، وغيره عن يعقوب بن مجاهد، عن القاسم (٢). وابن حبان من طريق حسين بن علي وغيره، عن يعقوب به، وأخرج له ابن حبان أيضًا شاهدًا من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (٣). والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبادة بن الصامت ﵁ هذا متفق عليه.
المسالة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٢٤/ ٩١٠ - وفي "الكبرى" -٢٤/ ٩٨٢ - وفي "فضائل القرآن" جـ ٥ ص ١١ عن محمد بن منصور، عن سفيان بن
стр. 7206
عيينة، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عنه. وفي ٢٤/ ٩١١ - وفي "الكبرى" -٢٤٩٨٣ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن علي بن عبد الله، عن سفيان بن عيينة.
ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن سفيان- وعن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس- وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر- وعن الحسن الحلواني، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان - أربعتهم عن الزهري، به.
وأبو داود فيه عن قتيبة، وأبي الطاهر بن السرح، كلاهما عن سفيان، به.
والترمذي فيه عن ابن أبي عمر، وعلي بن حجر، كلاهما عن سفيان به، وقال: حسن صحيح.
وابن ماجه فيه عن هشام بن عمار، وسهل بن أبي سهل، وإسحاق ابن إسماعيل الأيلي، ثلاثتهم، عن سفيان، به.
وأخرجه الحميدي في "مسنده" رقم ٣٨٦. وأحمد ٥/ ٣١٤ و ٣٢١
стр. 7207
و ٣٢٢.
والبخاري في "خلق أفعال العباد" رقم ٦٦، وفي "جزء القراءة" ٢ و٥. والدارمي رقم ١٢٤٥. وابن خزيمة ٤٨٨. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان وجوب القراءة في الصلاة:
مذهب العلماء كافة وجوب القراءة في الصلاة، وأنها لا تصح إلا بها، قال النووي، ﵀ في "المجموع": ولا خلاف في ذلك إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب ومتابعوه عن الحسن بن صالح، وأبي بكر الأصم أنهما قالا: لا تجب القراءة، بل هي مستحبة، واحتُجّ لهما بما رواه أبو سلمة، ومحمد بن علي أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى المغرب، فلم يقرأ، فقيل له: فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسنًا، قال: فلا بأس. رواه الشافعي في "الأم"، وغيره.
وعن الحارث الأعور أن رجلًا قال لعلي ﵁: إني أصلي، ولم أقرأ؟ قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم. قال: تمت صلاتك. رواه الشافعي، وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: القراءة سنة. رواه البيهقي.
وحجة الجمهور الأحاديث الصحيحة، الآتية في المسألة التالية، وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول ﷺ قال: "لا صلاة إلا بقراءة". رواه مسلم (١).
стр. 7208
وأجابوا عن أثر عمر ﵁ بثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ضعيف، لأن أبا سلمة، ومحمد بن علي لم يدركا عمر.
الثاني: أنه محمول على أنه أسر بالقراءة.
الثالث: أن البيهقي رواه من طريقين موصولين عن عمر ﵁ أنه صلى المغرب، ولم يقرأ، فأعاد. قال البيهقي: وهذه الرواية
موصولة موافقة للسنة في وجوب القراءة، وللقياس في أن الأركان لا تسقط بالنسيان.
وأما أثر علي ﵁ فضعيف أيضًا؛ لأن الحارث الأعور متفق على ضعفه، وترك الاحتجاج به.
وأما أثر زيد ﵁، فقال البيهقي وغيره: مراده أن القراءة لا تجوز إلا على حسب ما في المصحف، فلا تجوز مخالفته، وإن كان على مقاييس العربية، بل حروف القراءة سنة متبعة، أي طريق يتبع، ولا يُغَيَّر والله أعلم. انتهى (١).
وقال في شرح مسلم: وحكى القاضي عياض عن علي بن أبي طالب ﵁، وربيعة، ومحمد بن أبي صفرة من أصحاب
مالك أنه لا تجب قراءة أصلًا، وهي رواية شاذة عن مالك. انتهى (٢).
стр. 7209
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب ما عليه الجمهور من وجوب القراءة في الصلاة، وأنه لا تصح إلا بها، والأقوال المخالفة لهذا إما غير صحيحة عمن نسبت إليه، وإما شاذة لا يلتفت إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة:
ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم إلى أن الفاتحة متعينة، لا تصح الصلاة للقادر عليها إلا بها. وقد حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وخَوَّات بن جُبَير، والزهري، وابن عَوْن، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. قال النووي: وحكاه أصحابنا عن الثوري، وداود.
وقال أبو حنيفة: لا تتعين الفاتحة، لكن تستحب، وفي رواية عنه: تجب، ولا تشترط، ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه، وفي قدر الواجب ثلاث روايات:
إحداها: آية تامة.
الثانية: ما يتناوله الاسم، قال الرازي: وهذا هو الصحيح عندهم.
الثالثة: ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، وبهذا قال أبو حنيفة،
стр. 7210
ومحمد بن الحسن.
واحتج الجمهور بالأحاديث الصحيحة، كحديث عبادة المذكور في الباب: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"؛ لأن النفي يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاؤه، وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات، وهو الصحة، لا إلى الكمال؛ لأن الصحة أقرب المجازين، والكمال أبعدهما، والحمل على أقرب المجازين واجب، وتوجه النفي ههنا إلى الذات ممكن، كما قال الحافظ في "الفتح"؛ لأن المراد بالصلاة معناها الشرعي، لا اللغوي، لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه، لكونه بعث لتعريف الشرعيات، لا لتعريف الموضوعات اللغوية، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام نفي الذات؛ لأن المركب كما ينتفي بانتفاء جميع أجزائه ينتفي بانتفاء بعضها، فلا يحتاج إلى إضمار الصحة، ولا الإجزاء، ولا الكمال -كما روي عن جماعات- لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة، وهي عدم إمكان انتفاء الذات، ولو سلم أن المراد هنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه النفي إلى ذاتها؛ لأنها قد وجدت في الخارج -كما قاله البعض- لكان المتعين توجيه النفي إلى الصحة أو الإجزاء، لا إلى الكمال، أما أوّلًا فلما ذكرنا من أن ذلك أقرب المجاز، وأما ثانيًا فلرواية الدارقطني المذكورة في الحديث، فإنها مصرحة بالإجزاء، فيتعين تقديره.
قال العلامة الشوكاني ﵀: إذا تقرر هذا فالحديث صالح
стр. 7211
للاحتجاج به على أن الفاتحة من شروط الصلاة، لا من واجباتها فقط، لأن عدمها قد استلزم عدم الصلاة، وهذا شأن الشرط.
وذهبت الحنفية وطائفة قليلة إلى أنها لا تجب، بل الواجب آية من القرآن. هكذا قال النووي. والصواب ما قاله الحافظ أن الحنفية يقولون بوجوب قراءة الفاتحة (١) لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطًا في صحة الصلاة، لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة، والذي لا تتم الصلاة إلا به فرض، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ الآية [٢٠من المزمل]، فالفرض قراءة ما تيسر، وتعيين الفاتحة إنما يثبت بالحديث، فيكون واجبًا يأثم من يتركه، وتجزئ الصلاة بدونه.
قال الحافظ ﵀: وإذا تقرر ذلك لا ينقضي عجبي ممن يتعمد ترك قراءة الفاتحة منهم، ويترك الطمأنينة، فيصلي صلاة يريد أن
يتقرب بها إلى الله تعالى، وهو يتعمد ارتكاب الإثم فيها مبالغة في تحقيق مخالفته لمذهب غيره. انتهى (٢).
стр. 7212
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في قولهم: "وتعيين الفاتحة إنما يثبت بالحديث … إلخ" ما حاصله: وهذا تعويل على رأي فاسد،
حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان، ولا حجة نيِّرة، فكم موطن من المواطن يقول فيه الشارع: لا يجزئ كذا، لا يقبل كذا، لا يصح كذا. ويقول المتمسكون بهذا الرأي: يجزئ، ويقبل، ويصح، ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي.
ومن جملة ما أشادوا به هذه القاعدة أن الآية مصرحة بما تيسر، وهو تخيير، فلو تعينت الفاتحة لكان التعيين نسخًا للتخيير، والقطعي لا ينسخ بالظني، فيجب توجيه النفي إلى الكمال، وهذه الكلية ممنوعة، والسند ما تقدم من تحول أهل قباء إلى الكعبة بخبر واحد، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ، بل مدحهم، كما تقدم ذلك في باب الاستقبال، ولو سلمت لكان محل النزاع خارجًا عنها؛ لأن المنسوخ إنما هو استمرار التخيير، وهو ظني.
وأيضًا الآية نزلت في قيام الليل، فليست مما نحن فيه.
وأما قولهم: إن الحمل على توجه النفي إلى الصحة إثبات للغة بالترجيح، وأن الصحة عرف متجدد لأهل الشرع، فلا يحمل خطاب الشارع عليه، وأن تصحيح الكلام ممكن بتقدير الكمال، فيكفي؛ لأن الواجب التقدير بحسب الحاجة. فيرده تصريح الشارع بلفظ الإجزاء، وكونه من إثبات اللغة بالترجيح ممنوع، بل هو من إلحاق الفرد المجهول
стр. 7213
بالأعم الأغلب المعلوم.
ومن جملة ما استظهروا به على توجه النفي إلى الكمال أن الفاتحة لو كانت فرضًا لوجب تعلمها، واللازم باطل، فالملزوم مثله، لما في حديث المسيء صلاته بلفظ: "فإن كان معك قرآن، وإلا فاحمد الله وكبره، وهلله" عند النسائي، وأبي داود، والترمذي، وهذا ملتزم، فإن أحاديث فرضيتها تستلزم وجوب تعلمها؛ لأن مالا يتم الواجب إلا به، واجب، كما تقرر في الأصول، وأما في حديث المسيء لا يدل على بطلان اللازم؛ لأن ذلك فرضه حين لا قرآن معه، على أنه يمكن تقييده بعدم الاستطاعة لتعلم القرآن، كما في حديث ابن أبي أوفى عند أبي داود، والنسائي، وأحمد، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعلمني ما يجزيني في صلاتي، فقال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
ولا شك أن غير المستطيع لا يكلف؛ لأن الاستطاعة شرط في التكليف، فالعدول ها هنا إلى البدل عند تعذر المبدل غير قادح في
فرضيته، أو شرطيته.
ومن أدلتهم ما في حديث المسيء بلفظ: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". والجواب عنه أنه قد ورد في حديث المسيء أيضًا عند أحمد،
стр. 7214
وأبي داود، وابن حبان بلفظ: "ثم اقرأ بأم القرآن"، فقوله: "ما تيسر" مجمل مبين، أو مطلق مقيد، أو مبهم مفسر بذلك، لأن الفاتحة كانت هي المتيسرة لحفظ المسلمين لها.
وقد قيل: إن المراد بما تيسر فيما زاد على الفاتحة، جمعًا بين الأدلة؛ لأن حديث الفاتحة زيادة وقعت غير معارضة، وهذا حسن. وقيل: إن ذلك منسوخ. بحديث تعيين الفاتحة، وقد تعقب القول بالإجمال، والإطلاق، والنسخ، والظاهرُ الإبهام والتفسير.
وهذا الكلام إنما يحتاج إليه على القول بأن حديث المسيء يصرف ما ورد في غيره من الأدلة المقتضية للفرضية، وأما على القول بأنه يؤخذ بالزائد فالزائد، فلا إشكال في تحتم المصير إلى القول بالفرضية، بل القول بالشرطية، لما عرفت.
ومن أدلتهم أيضًا حديث أبي سعيد بلفظ: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، أو غيرها". قال ابن سيد الناس: لا يدرى بهذا اللفظ من أين
جاء، وقد صح عن أبي سعيد عند أبي داود أنه قال: "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر". وإسناده صحيح، ورواته ثقات.
ومن أدلتهم أيضًا حديث أبي هريرة عند أبي داود بلفظ: "لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب". ويجاب عنه بأنه من رواية جعفر بن ميمون، وليس بثقة، كما قال النسائي، وقال أحمد: ليس بقوي في الحديث، وقال ابن عدي: يكتب حديثه في الضعفاء. وأيضا قد روى
стр. 7215
أبو داود هذا الحديث من طريقه عن أبي هريرة بلفظ: "أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي: إنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد"، فليست الرواية الأولى بأولى من هذه، وأيضًا أين تقع هذه الرواية على فرض صحتها بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب، وعدم إجزاء الصلاة بدونها؟.
ومن أدلتهم أيضًا ما روى ابن ماجه عن ابن عباس ﵄ أنه لما مرض النبي ﷺ ، فذكر حديث صلاة أبي بكر بالناس، ومجيء رسول الله ﷺ إليهم، وفيه: "فكان أبو بكر يأتم بالنبي ﷺ ، والناس يأتمون بأبي بكر". قال ابن عباس: "وأخذ رسول الله ﷺ في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر". ويجاب عنه بأنه روي بإسناد فيه قيس بن الربيع، قال البزار: لا نعلم رُوي هذا الكلام إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وقيس قال ابن سيد الناس: هو ممن اعتراه من ضعف الرواية، وسوء الحفظ بولاية القضاء ما اعترى ابن أبي ليلى، فشريكًا، وقد وثقه قوم، وضعفه آخرون. على أنه لا مانع من قراءته ﷺ الفاتحة بكمالها في غير هذه الركعة التي أدرك أبا بكر فيها، لأن النزاع إنما هو في وجوب الفاتحة في جملة الصلاة، لا في وجوبها في كل ركعة.
هذا خلاصة ما في المسألة من المعارضات (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول الشوكاني: لأن النزاع إنما هو في