للاحتجاج به على أن الفاتحة من شروط الصلاة، لا من واجباتها فقط، لأن عدمها قد استلزم عدم الصلاة، وهذا شأن الشرط.
وذهبت الحنفية وطائفة قليلة إلى أنها لا تجب، بل الواجب آية من القرآن. هكذا قال النووي. والصواب ما قاله الحافظ أن الحنفية يقولون بوجوب قراءة الفاتحة (١) لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطًا في صحة الصلاة، لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة، والذي لا تتم الصلاة إلا به فرض، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ الآية [٢٠من المزمل]، فالفرض قراءة ما تيسر، وتعيين الفاتحة إنما يثبت بالحديث، فيكون واجبًا يأثم من يتركه، وتجزئ الصلاة بدونه.
قال الحافظ ﵀: وإذا تقرر ذلك لا ينقضي عجبي ممن يتعمد ترك قراءة الفاتحة منهم، ويترك الطمأنينة، فيصلي صلاة يريد أن
يتقرب بها إلى الله تعالى، وهو يتعمد ارتكاب الإثم فيها مبالغة في تحقيق مخالفته لمذهب غيره. انتهى (٢).
стр. 7212
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في قولهم: "وتعيين الفاتحة إنما يثبت بالحديث … إلخ" ما حاصله: وهذا تعويل على رأي فاسد،
حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان، ولا حجة نيِّرة، فكم موطن من المواطن يقول فيه الشارع: لا يجزئ كذا، لا يقبل كذا، لا يصح كذا. ويقول المتمسكون بهذا الرأي: يجزئ، ويقبل، ويصح، ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي.
ومن جملة ما أشادوا به هذه القاعدة أن الآية مصرحة بما تيسر، وهو تخيير، فلو تعينت الفاتحة لكان التعيين نسخًا للتخيير، والقطعي لا ينسخ بالظني، فيجب توجيه النفي إلى الكمال، وهذه الكلية ممنوعة، والسند ما تقدم من تحول أهل قباء إلى الكعبة بخبر واحد، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ، بل مدحهم، كما تقدم ذلك في باب الاستقبال، ولو سلمت لكان محل النزاع خارجًا عنها؛ لأن المنسوخ إنما هو استمرار التخيير، وهو ظني.
وأيضًا الآية نزلت في قيام الليل، فليست مما نحن فيه.
وأما قولهم: إن الحمل على توجه النفي إلى الصحة إثبات للغة بالترجيح، وأن الصحة عرف متجدد لأهل الشرع، فلا يحمل خطاب الشارع عليه، وأن تصحيح الكلام ممكن بتقدير الكمال، فيكفي؛ لأن الواجب التقدير بحسب الحاجة. فيرده تصريح الشارع بلفظ الإجزاء، وكونه من إثبات اللغة بالترجيح ممنوع، بل هو من إلحاق الفرد المجهول
стр. 7213
بالأعم الأغلب المعلوم.
ومن جملة ما استظهروا به على توجه النفي إلى الكمال أن الفاتحة لو كانت فرضًا لوجب تعلمها، واللازم باطل، فالملزوم مثله، لما في حديث المسيء صلاته بلفظ: "فإن كان معك قرآن، وإلا فاحمد الله وكبره، وهلله" عند النسائي، وأبي داود، والترمذي، وهذا ملتزم، فإن أحاديث فرضيتها تستلزم وجوب تعلمها؛ لأن مالا يتم الواجب إلا به، واجب، كما تقرر في الأصول، وأما في حديث المسيء لا يدل على بطلان اللازم؛ لأن ذلك فرضه حين لا قرآن معه، على أنه يمكن تقييده بعدم الاستطاعة لتعلم القرآن، كما في حديث ابن أبي أوفى عند أبي داود، والنسائي، وأحمد، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعلمني ما يجزيني في صلاتي، فقال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
ولا شك أن غير المستطيع لا يكلف؛ لأن الاستطاعة شرط في التكليف، فالعدول ها هنا إلى البدل عند تعذر المبدل غير قادح في
فرضيته، أو شرطيته.
ومن أدلتهم ما في حديث المسيء بلفظ: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". والجواب عنه أنه قد ورد في حديث المسيء أيضًا عند أحمد،
стр. 7214
وأبي داود، وابن حبان بلفظ: "ثم اقرأ بأم القرآن"، فقوله: "ما تيسر" مجمل مبين، أو مطلق مقيد، أو مبهم مفسر بذلك، لأن الفاتحة كانت هي المتيسرة لحفظ المسلمين لها.
وقد قيل: إن المراد بما تيسر فيما زاد على الفاتحة، جمعًا بين الأدلة؛ لأن حديث الفاتحة زيادة وقعت غير معارضة، وهذا حسن. وقيل: إن ذلك منسوخ. بحديث تعيين الفاتحة، وقد تعقب القول بالإجمال، والإطلاق، والنسخ، والظاهرُ الإبهام والتفسير.
وهذا الكلام إنما يحتاج إليه على القول بأن حديث المسيء يصرف ما ورد في غيره من الأدلة المقتضية للفرضية، وأما على القول بأنه يؤخذ بالزائد فالزائد، فلا إشكال في تحتم المصير إلى القول بالفرضية، بل القول بالشرطية، لما عرفت.
ومن أدلتهم أيضًا حديث أبي سعيد بلفظ: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، أو غيرها". قال ابن سيد الناس: لا يدرى بهذا اللفظ من أين
جاء، وقد صح عن أبي سعيد عند أبي داود أنه قال: "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر". وإسناده صحيح، ورواته ثقات.
ومن أدلتهم أيضًا حديث أبي هريرة عند أبي داود بلفظ: "لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب". ويجاب عنه بأنه من رواية جعفر بن ميمون، وليس بثقة، كما قال النسائي، وقال أحمد: ليس بقوي في الحديث، وقال ابن عدي: يكتب حديثه في الضعفاء. وأيضا قد روى
стр. 7215
أبو داود هذا الحديث من طريقه عن أبي هريرة بلفظ: "أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي: إنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد"، فليست الرواية الأولى بأولى من هذه، وأيضًا أين تقع هذه الرواية على فرض صحتها بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب، وعدم إجزاء الصلاة بدونها؟.
ومن أدلتهم أيضًا ما روى ابن ماجه عن ابن عباس ﵄ أنه لما مرض النبي ﷺ ، فذكر حديث صلاة أبي بكر بالناس، ومجيء رسول الله ﷺ إليهم، وفيه: "فكان أبو بكر يأتم بالنبي ﷺ ، والناس يأتمون بأبي بكر". قال ابن عباس: "وأخذ رسول الله ﷺ في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر". ويجاب عنه بأنه روي بإسناد فيه قيس بن الربيع، قال البزار: لا نعلم رُوي هذا الكلام إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وقيس قال ابن سيد الناس: هو ممن اعتراه من ضعف الرواية، وسوء الحفظ بولاية القضاء ما اعترى ابن أبي ليلى، فشريكًا، وقد وثقه قوم، وضعفه آخرون. على أنه لا مانع من قراءته ﷺ الفاتحة بكمالها في غير هذه الركعة التي أدرك أبا بكر فيها، لأن النزاع إنما هو في وجوب الفاتحة في جملة الصلاة، لا في وجوبها في كل ركعة.
هذا خلاصة ما في المسألة من المعارضات (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول الشوكاني: لأن النزاع إنما هو في
стр. 7216
وجوب الفاتحة في جملة الصلاة … إلخ. فيه نظر؛ لأن الراجح وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، كما سيأتي، بل الأولى أن يقال: لا مانع من قراءته ﷺ الفاتحة، ثم أخذه بعدها من حيث بلغ أبو بكر ﵁ فتأمل. والله تعالى أعلم.
ثم إن خلاصة القول في هذه المسألة -مسألة فرضية قراءة الفاتحة على كل مصل، وعدم إجزاء غيرها عنها- أن الحق هو ما ذهب إليه الجمهور من فرضية قراءة الفاتحة على كل مصل، وعدم إجزاء غيرها عنها، لكون أدلتهم واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ومن خالفهم ما أتى بدليل له اعتبار، بل بما هو أوهن من بيت العنكبوت، حيث رد الأحاديث الصحيحة بمجمل آية: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ التي بيانها إلى رسول الله ﷺ الذي قال الله تعالى له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقد بينها بأنها الفاتحة، حيث قال: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب". متفق عليه، وقال: "لا تجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب" .. رواه ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما.
قال الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البُسْتِيُّ ﵀ في "صحيحه"، ما حاصله: إن خطاب الكتاب قد يستقل بنفسه في حالة
دون حالة حتى يُستعمل على عموم ما ورد الخطاب فيه، وقد لا يستقل في بعض الأحوال حتى يُستعمل على كيفية اللفظ المجمل الذي هو
стр. 7217
مطلق الخطاب في الكتاب، دون أن تبينها السنن، وسنن المصطفى ﷺ كلها مستقلة بأنفسها، لا حاجة بها إلى الكتاب، المبيِّنةُ لمجمل الكتاب، والمفسرةُ لمبهمه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، فأخبر جل وعلا أن المفسر لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وما أشبهها من مجمل الألفاظ في الكتاب رسولُه ﷺ , ومُحَالٌ أن يكون الشيء المفسِّر له الحاجة إلى الشيء المجمل، وإنما الحاجة تكون للمجمل إلى المفسر، ضدَّ قول من زعم أن السنن يجب عَرْضُها على الكتاب، فأتى بما لا يوافقه الخبر، ويدفع صحته النظر. انتهى كلام ابن حبان رحمه الله تعالى (١).
وأيضًا ردوها بالروايات الضعيفة، وقد مر بعضها. فقد تبين بهذا الحقُّ الذي لا خفاء فيه، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾، اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في بيان اختلاف العلماء في وجوب الفاتحة في كل ركعة:
ذهب أكثر أهل العلم إلى وجوب الفاتحة في كل ركعة.
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀، ما حاصله: ثبت عن رسول الله ﷺ أنه كاق يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر
стр. 7218
بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب. ثم أخرج ذلك بسنده عن أبي قتادة ﵁.
وممن نقل عنه هذا القول أبو بكر، وعمر، وعلي، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وعائشة ﵃. وبه قال الحسن، وعطاء، والشعبي، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقالت طائفة: يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وما تيسر، وفي الأخريين إن شاء سبح، وإن لم يسبح جازت صلاته. هذا قول سفيان الثوري، وأصحاب الرأي. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار (١).
وقال النووي ﵀: مذهبنا وجوب الفاتحة في كل ركعة، وبه قال أكثر العلماء، وبه قال أصحابنا عن علي، وجابر ﵄، وهو مذهب أحمد، وحكاه ابن المنذر عن ابن عون، والأوزاعي، وأبي ثور، وهو الصحيح عن مالك.
وقال أبو حنيفة: تجب القراءة في الركعتين الأوليين، وأما الأخريان فلا تجب فيهما قراءة، بل إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت. وقال الحسن البصري، وبعض أصحاب داود: لا تجب القراءة إلا في
стр. 7219
ركعة من كل الصلوات. وحكى ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه: إن قرأ في أكثر الركعات أجزأ. وعن الثوري: إن قرأ في ركعة من الصبح، أو الرباعية فقط لم يجزه. وعن مالك: إن ترك القراءة في ركعة من الصبح لم تجزه، وإن تركها في ركعة من غيرها أجزأه.
واحتُجَّ لمن لِم يوجب القراءة في الأخريين بقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، وبحديث عبد الله بن عبيد الله بن العباس، قال: "دخلنا على ابن عباس، فقلنا لشابّ: سَلِ ابنَ عباس، أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا لا. فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه؟ فقال: خَمْشًا، هذه شر من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بلَّغ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء، إلا بثلاث خصال: أمَرَنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا نُنزِي الحمار على الفرس". رواه أبو داود بإسناد صحيح (١).
وقوله: "خمشًا": هو بالخاء، والشين المعجمتين: أي خمش وجهه وجلده خمشًا، كقولهم: عقرى حلقى.
وعن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر، أم لا". رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وبحديث عبادة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن". رواه البخاري ومسلم. قالوا: وهذا لا يقتضي أكثر من
стр. 7220
مرة. وبحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب". وعن علي ﵁ "قرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين".
واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة السابق في حديث المسيء صلاته، وقول النبي ﷺ : "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". وفي رواية ذكرها البيهقي بإسناد صحيح: "ثم افعل ذلك في كل ركعة".
وبحديث مالك بن الحويرث: أن النبي ﷺ قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". رواه البخاري. وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يقرأ في كل الركعات:
وعن أبي قتادة ﵁، قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب، وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب". رواه مسلم. وأصله في صحيحي البخاري ومسلم، لكن قوله: "يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب" انفرد به مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين، في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين، في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة، وفي الأخريين قدر نصف ذلك". رواه مسلم.
стр. 7221
وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية فهو أنها وردت في قيام الليل.
وعن حديث ابن عباس أنه نَفَى، وغيره أثبت، والمثبت ما قدم على النافي، وكيف وهم أكثر منه، وأكبر سنًا، وأقدم صحبة، وأكثر اختلاطًا بالنبي ﷺ ، لا سيما أبو هريرة، وأبو قتادة، وأبو سعيد، فتعين تقديم أحاديثهم على حديثه، والرواية الثانية عن ابن عباس تبين أن نفيه في الرواية الأولى كان على سبيل التخمين والظن، لا عن تحقيق، فلا يعارض الأكثرين الجازمين بإثبات القراءة.
وعن حديث عبادة أن المراد قراءة الفاتحة في كل ركعة بدليل ما ذكرنا من الأحاديث.
وعن حديث أبي هريرة جوابان:
أحدهما: أنه ضعيف.
الثاني: أن المراد في كل ركعة، جمعًا بين الأدلة.
وعن حديث علي أنه ضعيف، لأنه من رواية الحارث الأعور، وهو كذاب مشهور بالضعف عند الحفاظ. وقد روي عن علي كرم الله وجهه خلافُهُ. والله تعالى أعلم.
انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١).
стр. 7222
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن القول بوجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة هو المذهب الراجح لقوة دليله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩١١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَاعِدًا".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك، الإمام الحجة الثبت، المروزي، من [٨]، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت، من [٧]، تقدم في ١٠/ ١٠.
والباقون تقدموا في السند السابق. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث تقدم الكلام عليه فيما قبله، إلا الزيادة، وهي قوله: "فصاعدًا"، فبقي الكلام عليها، وفيها مسائل:
стр. 7223
المسألة الأولى: في حكم هذه الزيادة:
اعلم أن هذه الزيادة زيادة صحيحة، أخرجها المصنف هنا -٢٤/ ٩١١ - وفي "الكبرى" -٢٤/ ٩٨٣ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة ﵁.
وأخرجها مسلم عن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، به. وأبو داود عن قتيبة،
وأحمد بن عمرو بن السرح، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهري، به.
وأحمد جـ ٥ ص ٣٢٢. والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢/ ٣٧٤. والبغوي في "شرح السنة" رقم ٥٧٦ و ٥٧٧.
وقد ادعى ابن حبان ﵀ أنه تفرد بها معمر، عن الزهري، دون أصحابه (١).
ورد عليه بأن سفيان بن عيينة تابعه عليها، كما مر آنفًا في رواية أبي داود، فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في معنى قوله: "فصاعدًا"، وإعرابها:
فأما معناها: فزائدًا على الفاتحة. يعني أنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
стр. 7224
الكتاب، فما زاد عليها، على حد قولهم: اشتريته بدرهم، فصاعدًا.
وأما إعرابها: فهي منصوبة على الحال، وهي من الأحوال التي يجب حذف عاملها وصاحبها، وهي كل حال تُفهِمُ ازديادًا، أو نقصًا
بتدريج، ويجب اقترانها بالفاء، أو بـ"ثم"، كقولهم: اشتريته بدرهم، فصاعدًا، وتصدقت بدينار، فسافلًا.
فـ "صاعدًا"، و"سافلًا" حالان، عاملهما وصاحبهما محذوفان وجوبًا، والتقدير: فذهب الثمن صاعدًا، وذهب المتصدق به سافلًا. هكذا حققه شُرَّاح ألفية ابن مالك ﵀ عند قوله:
وَالْحَالُ قَدْ يُحذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ … وَبَعْض يُحذَفُ ذِكرُهُ حُظِلْ
وقال ابن منظور ﵀: وقولهم: صَنَعَ، أو بَلَغَ كذا وكذا، فصاعدًا، أي فما فوق ذلك. وفي الحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فصاعدًا"، أي فما زاد عليها. كقولهم: اشتريته بدرهم، فصاعدًا.
قال سيبويه: وقالوا: أخذته بدرهم، فصاعدًا، حذفوا الفعل، لكثرة استعمالهم إياه، ولأنهم أمِنُوا أن يكون على الباء؛ لأنك لو قلت: أخذته بصاعد كان قبيحًا؛ لأنه صفة، ولا يكون في موضع الاسم، كأنه قال: أخذته بدرهم، فزاد الثمن صاعدًا، أو فذهب صاعدًا. ولا يجوز أن تقول: "وصاعدًا"، لأنك لا تريد أن تخبر أن
стр. 7225
الدرهم مع صعد ثمن لشيء، كقولك: بدرهم وزيادة، ولكنك أخبرت بأدنى الثمن، فجعلته أوّلًا، ثم قررت شيئًا بعد شيء لأثمان
شتى؛ قال: ولم يُرَدْ فيها هذا المعنى، ولم يُلْزِمِ الواوُ الشيئين، أن يكون أحدهما بعد الآخر، و"صاعدٌ" بدل من "زادَ" و "يزيد"، و "ثم" مثل الفاء، إلا أن الفاء أكثر في كلامهم.
وقال ابن جني: و"صاعدًا" حال مؤكدة، ألا ترى أن تقديره "فزاد الثمن صاعدًا"، ومعلوم أنه إذا زاد الثمن لم يمكن إلا صاعدًا. انتهى
المقصود من كلام ابن منظور رحمه الله تعالى (١).
المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في حكم ما زاد على الفاتحة:
قال في "الفتح": واستُدلّ به -أي بقوله: "فصاعدًا"- على وجوب قدر زائد على الفاتحة. وتعقب بأنه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة، قال البخاري في "جزء القراءة": هو نظير قوله: "تقطع اليد في ربع دينار، فصاعدًا".
وادعى ابن حبان، والقرطبي، وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها، وفيه نظر، لثبوته عن بعض الصحابة، ومن بعدهم فيما رواه ابن المنذر وغيره، ولعلهم أرادوا أن الأمر استقر على ذلك.
стр. 7226
انتهى (١).
وقال النووي ﵀: إن قراءة السورة بعد الفاتحة سنة، فلو اقتصر على الفاتحة أجزأته الصلاة، وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وكافة العلماء، إلا ما حكاه أبو الطيب عن عثمان ابن أبي العاص الصحابي ﵁ وطائفة، أنه تجب مع الفاتحة سورة أقلها ثلاث آيات، وحكاه صاحب البيان عن عمر بن الخطاب ﵁.
ويُحتجّ لهم بأنه المعتاد من فعل النبي ﷺ ، كما تظاهرت به الأحاديث الصحيحة، مع قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي".
ودليل الأولين قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن"؛ لأن ظاهره الاكتفاء بها. وعن أبي هريرة ﵁، قال: "في كل صلاة يُقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أحفى عنا أخفينا، وإن لم تزد على أم القرآن أجزت، وإن زدت فهو خير لك". رواه البخاري ومسلم.
واستدل البيهقي وغيره في هذه المسألة بهذا الأثر عن أبي هريرة ﵁، ولا دلالة فيه لمسألتنا، فإن الصحابة ﵃، لا
стр. 7227
يحتج على بعضهم بقول بعض. وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين، ولم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى بتصرف (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن استدلال البيهقي صحيح؛ لأنه ثبت مرفوعًا ما يؤيده، وذلك فيما أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، والبيهقي بسند صحيح، عن جابر ﵁، قال: كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، ثم يرجع، فيصلي بأصحابه، فرجع ذات ليلة، فصلى بهم، وصلى فتى من قومه، فلما طال على الفتى انصرف، فصلى في ناحية المسجد، وخرج، وأخذ بخطام بعيره، وانطلق، فلما صلى معاذ، ذكر ذلك له، فقال: إن هذا به لنفاق! لأخبرن رسول الله ﷺ بالذي صنع، وقال الفتى: وأنا لأخبرن رسول الله ﷺ بالذي صنع.
فغدوا على رسول الله ﷺ ، فأخبر معاذ بالذي صنع الفتى، فقال الفتى: يا رسول الله! يطيل المكث عندك، ثم يرجع، فيطيل علينا، فقال رسول الله ﷺ : "أفتان أنت يا معاذ؟! "، وقال للفتى: "كيف تصنع أنت يا ابن أخي إذا صليت؟ " قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك، ودندنة معاذ! فقال رسول الله ﷺ : "إني ومعاذ حول هاتين، أو نحو ذا"، قال: فقال
стр. 7228
الفتى: ولكن. سيعلم معاذ إذا قدم القوم، وقد خُبِّرُوا أن العدو قد أتَوْا، قال: فقدموا، فاستُشهِدَ الفتى، فقال رسول الله ﷺ بعد ذلك لمعاذ: "ما فعل خصمي وخصمك؟ " قال: يا رسول الله صدق الله، وكذبتُ، استشهد.
ففي هذا الحديث أنه ﷺ أقر الفتى في قوله: "أقرأ بفاتحة الكتاب"، ولم يأمره بالزيادة عليها، فدلّ على أن الزيادة ليست بواجبة، وإنما هي مستحبة.
والحاصل أن الراجح هو قول من قال بعدم وجوب ما زاد على الفاتحة لقوة دليله، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
الْبَقَرَةِ لَمْ تَقْرَأْ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلاَّ أُعْطِيتَهُ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن عبد الله بن المبارك الْمُخَرِّمي (١)) أبو جعفر البغدادي، مات سنة بضع وخمسين ومائتين، ثقة، حافظ، من [١١]، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، تقدم في ٤٣/ ٥٠.
٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان أبو زكريا الكوفي، مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، مات سنة ٢٠٣، من كبار [٩]، أخرج له
الجماعة، تقدم في ١/ ٤٥١.
٣ - (أبو الأحوص) سلام بن سُلَيم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث، مات سنة ١٧٩، من [٧]، تقدم في ٧٩/ ٩٦.
٤ - (عمار بن رُزَيق) -بتقديم الراء مصغرًا- الضبي، أو التميمي، أبو الأحوص الكوفي، لا بأس به، مات سنة ١٥٩، من
[٨]، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ١٠٢/ ١٣٥.
٥ - (عبد الله بن عيسى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، أبو محمد الكوفي، كان أكبر من عمه محمد، وأفضل منه،
стр. 7231
ثقة، فيه تشيع، من [٦].
قال علي بن حكيم: سمعت شريكًا يثني على عبد الله بن عيسى، وقال في رواية: كان رجل صدق، وكان يُعَلِّم مُحْتَسبًا. وقال ابن عيينة: ثنا عمارة بن القعقاع ابن أخي ابن شُبْرُمة، وعبد الله بن عيسى ابن أخي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكانوا يقولون: هما أفضل من عميهما. وقال غيره: ثلاثة أفضل من عمومتهم، فذكرهما، وزاد: وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ابن أخي إبراهيم بن جرير. وقال ابن معين: ثقة، وقال في رواية: كان يتشيع. وقال أبو الحسن بن البرّاء عن ابن المديني: هو عندي منكر الحديث. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن خراش: هو أوثق ولد أبي ليلى. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال العجلي: ثقة. وقال الحاكم: هو أوثق من آل أبي ليلى. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي عن ابن معين: مات سنة ١٣٠.
وذكر أبو إسحاق الحربي في "العلل": إنه لم يسمع من جده. قال الحافظ: وهو قول مردود أوردته لأنبه عليه، فحديثه عن جده في
الصحيح. انتهى. أخرج له الجماعة (١).
٦ - (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت. فقيه، قتل بين يدي الحجاج سنة ٩٥، ولم يكمل الخمسين، من [٣]، أخرج
стр. 7232
له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٤٣٦.
٧ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٢٧/ ٣١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، والبخاري، وأبو داود، وإلا عمار بن رزيق، فما
أخرج له البخاري، والترمذي، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، فبغدادي.
ومنها: أن فيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وقد تقدم غير مرة.
ومنها: أن فيه الإخبار في موضع، والتحديث في موضعين، والعنعنة فيما بقي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) ﵄، أنه (قال: بينما رسول الله ﷺ )، تقدم الكلام على "بينما" غير مرة، وهي "بين" زيدت عليها "ما"، وتضاف إلى جملة، وتحتاج إلى جواب يتم به معناها، وهو قوله: "إذ سمع نقيضا". فقوله: "رسول الله" مبتدأ، خبره محذوف،
стр. 7233
أي جالس. وعند مسلم: "بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ ، سمع نقيضًا" (وعنده جبريل ﵇ جملة في محل نصب على الحال، أي والحال أن جبريل قاعد عنده ﷺ (إِذ سمع) الظاهر أن ضمير "سمع" للنبي ﷺ ، وظاهر رواية مسلم أنه لجبريل، ولكن لا تنافي بينهما لإمكان أن يسمعه كل منهما (نقيضًا) بالقاف والضاد المعجمتين- أي صوتًا كصوت الباب إذا فتح. قاله النووي (١).
وقال ابن. منظور: وكل صوت لمِفْصَل، وإصبع، فهو نقيض، وقد أنقض ظهرُ فلان: إذا سُمِعَ له نَقِيضٌ , قال [من الوافر]:
وَحُزْنٍ تُنْقِضُ الأضْلاعُ مِنْهُ … مُقِيمٍ فِي الْجَوَانِحِ لَنْ يَزُولا
ونَقِيضُ الْمحْجَمَة: صوتُها، إذا شدّها الحجامُ بِمَصِّهِ، يقال: أنقض المِحْجَمَةَ؛ قال الأعشى [من الطويل]:
زَوَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ نَقِيضُ الْمَحَاجِمِ
وأنقض الرَّحْلُ: إذا أطَّ. انتهى (٢).
(فوقه) ولمسلم: "من فوقه"، وهو ظرف متعلق بمحذوف صفةٍ لـ "نقيضًا"، أي كائنًا فوقه (فرفع جبريل ﵇ بصره إِلى السماء) أي. لينظر إلى سبب النقيض المسموع (فقال: هذا باب قد فتح) بالبناء للمفعول، والجملة في محل رفع صفة لـ"باب" (من
стр. 7234
السماء) جار ومجرور صفة لـ "باب". ولفظ مسلم: "هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قطّ إلا اليوم".
(ما فتح قطّ) أي في الزمان الماضي. وفيها لغات، يقال: ما رأيته قَطُّ -بفتح القاف، وضمها، وضم الطاء المشددة، ويخففان، وقَطٍّ -بفتح القاف، وكسر الطاء الشددة: بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري. أفاده المجد في "ق" (١).
وقد نظم شيخنا عبد الباسط بن محمد البُورَنِيّ الْمِنَاسِيّ ﵀ لغاتها، فقال:
وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَطُّ ضَبَطْ … قَطُّ وَقُطُّ قَطِّ ثُمَّ قُطُ قَطْ
(قال: فنزل منه ملك) أي نزل من ذلك الباب الذي لم يفتح قبل ذلك الوقت ملك. ولمسلم: "قال: فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قطّ إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر … " (فقال) أي ذلك الملك (أبشر) من الإبشار رباعيًا (بنورين أوتيتهما) بالبناء للمفعول، ومثله "لم يؤتهما"، أي افَرحْ بسبب نورين أعطيتهما (لم يؤتهما نبي قبلك؛ فاتحة الكتاب) بالرفع بدل من "نورين"، أو خبر لمحذوف، أي أحدهما فاتحة الكتاب،
стр. 7235
(وخواتيم سورة البقرة) جمع خاتمة، أي أواخرها، وهي من قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى آخر السورة (لم تقرأ حرفًا منهما) أي فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة. قال السندي ﵀: أي مما فيه من الدعاء (إِلا أعطيته) أي أعطيت مقتضاه، من العون، والهداية إلى الصراط المستقيم، في الفاتحة، ومن المغفرة، وعدم المؤاخذة في النسيان، والخطأ، وعدم تحميل الإصر، وما لا يطاق، والعفو، والرحمة، والنصر على الكفار، في خواتيم سورة البقرة.
ثم إن هذا العطاء ليس خاصًا به ﷺ ، بل يعم أمته أيضًا بسببه، فقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل"، فإنه عام لكل مصل.
وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: دخل قلوبهم منها شيء، لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : "قولوا: سمعنا، وأطعنا، وسلمنا" قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: "قد فعلت" ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: "قد فعلت" ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ قال: "قد فعلت".
стр. 7236
ونحوه من حديث أبي هريرة ﵁، عند مسلم أيضًا (١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٢٥/ ٩١٢ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٩٨٤ - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم ٧٢٢ وفي "فضائل القرآن" جـ ٥ ص ١٤ - ١٥ عن محمد بن عبد الله بن المبارك المُخَرِّمي، عن يحيى بن آدم، عن أبي الأحوص، عن عمار بن رزيق، عن عبد الله بن عيسى، عن سعيد بن جبير، عنه. وفي "فضائل القرآن" جـ ٥ ص ١٢ - ١٣ أيضا عن عمرو بن منصور، عن الحسن بن الربيع، عن أبي الأحوص، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في الصلاة عن حسن بن الربيع، وأحمد بن جَوَّاس الحنفي، كلاهما عن أبي الأحوص به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
стр. 7237
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان فضل فاتحة الكتاب.
ومنها: بيان فضل خواتيم سورة البقرة.
ومنها: بيان كرامة النبي ﷺ على ربه، حيث أكرمه بما لم يكرم الأنبياء الذين قبله حيث أعطاه هذين النورين.
ومنها: إثبات الأبواب للسماء، وأنها تفتح، وتغلق، وأن بعض الملائكة لا ينزل إلى الأرض إلا لمثل هذه البشارة. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في ذكر ما ورد من فضائل فاتحة الكتاب غير حديث الباب:
فمنها: ما تقدم للمصنف -٢٣/ ٩٠٩ - من حديث أبي هريرة ﵁: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" الحديث.
ومنها: حديث أبي سعيد بن الْمُعَلَّى ﵁ الآتي -٢٦/ ٩١٣.
ومنها: حديث أبي بن كعب ﵁ الآتي ٢٦/ ٩١٤.
ومنها: ما أخرجه الشيخان، وأبو داود من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كنا في مسير لنا، فنزلنا، فجاءت جارية، فقالت: إن سيد الحي سَليم، وإن نفرنا غَيْب، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كُنَّا نَأبُنُهُ (١) برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا
стр. 7238
لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تُحْدِثوا شيئًا حتى نأتي، ونسأل رسول الله ﷺ ، فلما قدمنا المدينة ذكرَنا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "وما كان يُدريه أنها رقية، اقسموا لي بسهم" وفي بعض روايات مسلم لهذا الحديث أن أبا سعيد الخدري هو الذي رقى ذلك السليم. يعني اللديغ،
يسمونه بذلك تفاؤلًا.
ومنها: ما أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن جابر، ﵁، قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وقد أهراق الماء، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد علي، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد علي، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد علي، قال: فانطلق رسول الله ﷺ يمشي، وأنا خلفه، حتى دخل على رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلست كئيبًا حزينًا، فخرج عليّ رسول الله ﷺ ، وقد تطهر، فقال: عليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله"، ثم قال: "ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بخير سورة في القرآن؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: "اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها". قال الحافظ ابن كثير: هذا إسناد جيد، وابن عقيل هذا احتج به الأئمة الكبار، وعبد الله بن جابر هذا الصحابي ذكر ابن
стр. 7239
الجوزي أنه هو العبدي. والله أعلم، ويقال: إنه عبد الله بن جابر الأنصاري البياضي، فيما ذكره الحافظ ابن عساكر. اهـ (١). والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: قال العلامة القرطبي ﵀: اختلف العلماء في تفضيل بعض السور والآي على بعض، وتفضيل بعض أسماء الله تعالى الحسنى على بعض:
فقال قوم: لا فضل لبعض على بعض، لأن الكل كلام الله، وكذلك أسماؤه لا مفاضلة بينها. وذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر بن الطيب، وأبو حاتم محمد بن حبان البُسْتيّ، وجماعة من الفقهاء، وروي معناه عن مالك، قال يحيى بن يحيى: تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ؛ وكذلك كره مالك أن تعاد سورة، أو تردد دون غيرها، وقال عن مالك في قول الله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، قال: محكمة مكان منسوخة. وروى ابن كنانة مثل ذلك كله عن مالك.
واحتج هؤلاء بأن قالوا: إن الأفضل يشعر بنقص المفضول، والذاتية في الكل واحدة، وهي كلام الله، وكلام الله تعالى لا نقص
فيه. قال البُسْتِيّ: ومعنى هذه اللفظة: "ما في التوراة، ولا في الإنجيل، مثل أم القرآن" أن الله تعالى لا يعطي لقارئ التوراة والإنجيل
стр. 7240
من الثواب مثل ما يعطي لقارئ أم القرآن، إذ الله بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأم، وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه، وهو فضل منه لهذه الأمة. قال: ومعنى "قوله: "أعظم سورة" أراد به في الأجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض.
وقال قوم: بالتفضيل، وأن ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته، وصفاته ليس موجودًا مثلًا في ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] وما كان مثلها. والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق.
وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهويه، وغيره من العلماء والمتكلمين، وهو اختيار القاضي أبي بكر بن العربي، وابن الحصار، لحديث أبي سعيد بن المُعَلَّى، وحديث أبَيّ بن كعب الآتيين في الباب الآتي.
قال ابن الحصار: عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص.
وقال ابن العربي: قوله: "ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها" وسكت عن سائر الكتب، كالصحف المنزلة، والزبور وغيرها، لأن هذه المذكورة أفضلها، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل صار أفضل الكلّ، كقولك: زيد أفضل العلماء، فهو أفضل الناس.
стр. 7241
وفي الفاتحة من الصفات ما ليس في غيرها، حتى قيل: إن جميع القرآن فيها. وهي خمس وعشرون كلمة، تضمنت جميع علوم القرآن، ومن شرفها أن الله سبحانه قسمها بينه وبين عبده، ولا تصح القُربة إلا بها، ولا يلحق عمل بثوابها، وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم، كما صارت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، إذ القرآن توحيد، وأحكام، ووعظ، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها التوحيد كله، وبهذا المعنى وقع البيان في قوله ﷺ لأبي: "أي آية في القرآن أعظم" قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وإنما كانت أعظم آية، لأنها توحيد كلها، كما صار قوله: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له" أفضل الذكر، لأنها كلمات حوت جميع العلوم في التوحيد، والفاتحة تضمنت التوحيد، والعبادة، والوعظ، والتذكير، ولا يستبعد ذلك في قدرة الله تعالى. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7242
٢٦ - تَأوِيلُ قَوْلِ اللهِ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالة على بيان معنى هذه الآية.
والتأويل: مصدر أوّل، يقال: أوّل الكلام تأويلًا، وتأوله: دبّره، وقدره، وفسره. قاله في "ق".
وفي العباب: التأويل: تفسير ما يؤول إليه الشيء. وقال الراغب: التأويل رد الشيء إلى الغاية المرادة منه، قولًا، أو فعلًا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ما خلاصته: إن لفظ التاويل يستعمل في ثلاثة معان:
أحدها: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه، وأصوله: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به.
الثاني: أن التأويل هو التفسير, وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن، كما يقول ابن جرير، وأمثاله من المصنفين في
التفسر: واختلف علماء التأويل.
الثالث: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ
стр. 7243
﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه مما يكون من القيامة، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، كما قال الله تعالى في قصة يوسف ﵇ لما سجد له أبواه، وإخوته، قال: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا. اهـ كلام ابن تيمية ﵀ باختصار (١).
قال الجامع عفا الله عنه: المعنى المناسب هنا هو التفسير، وقد تقدم الكلام بأطول من هذا في أوائل هذا الشرح، فراجعه تزدد علمًا. وبالله تعالى التوفيق.
٩١٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَدَعَاهُ، قَالَ: فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي؟ " قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: "أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]
стр. 7244
أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ"، قَالَ: فَذَهَبَ لِيَخْرُجَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْلَكَ. قَالَ: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّذِي أُوتِيتُ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَرَيّ البصري، ثقة، مات سنة ٢٤٨، من [١٠]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيْمِيُّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج البصري، ثقة ثبت حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (خُبيب بن عبد الرحمن) بن خبيب بن يساف الأنصاري، أبو الحارث المدني، ثقة، مات سنة ١٣٢، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ٦٤٠.
٥ - (حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ثقة، من [٣] , أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٠/ ٨٦٧.
стр. 7245
٦ - (أبو سعيد بن الْمُعَلَّى) (١) الأنصاري المدني، له صحبة، يقال: اسمه رافع بن أوس بن المعلَّى، ويقال: الحارث بن أوس بن
المعلى، ويقال: الحارث بن نُفَيع بن المعلى بن لَوْذان بن حارثة بن عدي ابن زيد بن ثعلبة بن عدي بن مالك بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة ابن مالك بن عَضْب بن جُشَم بن الخَزْرجَ.
روى عن النبي ﷺ . وعنه حفص بن عاصم، وعبيد بن حنين. قال أبو حسان الزيادي: توفي سنة ٧٣، وهو ابن ٦٤، وقال غيره: توفي سنة ٩٤، بتقديم التاء على السين. وقال ابن حبان: اسمه رافع بن المعلى. وقال ابن عبد البر: من قال فيه: رافع بن المعلى، فقد وهم؛ لأن رافع بن المعلى قتل ببدر، وأصح ما قيل فيه: الحارث بن نفيع بن المعلى، توفي سنة ٧٤، وهو ابن ٨٤ سنة. أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه فممن انفرد هو به، والصحابي، فما
стр. 7246
أخرج له مسلم، والترمذي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، خبيب، عن حفص.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع، وكلها من صيغ الاتصال، على الراجح في العنعنة من غير المدلس.
ومنها: أن صحابيه قليل الرواية، ليس له عندهم إلا هذا الحديث، وآخر عند المصنف، تقدم في -٣٩/ ٧٣٢ - مختصرًا، وقد ساقه مطولًا في تفسير سورة البقرة من "الكبرى" جـ ٦ ص ٢٩١ عن محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن مروان بن عثمان، عن عُبيد بن حُنين، عن أبي سعيد بن المعلى، قال: كنا نَغْدُو للسوق على عهد رسول الله ﷺ ، فنمر على المسجد، فنصلي فيه، فمررنا يومًا، ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله ﷺ : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] حتى فرغ من الآية، قلت لصاحبي: تعالَ نركعْ ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ ، فنكون أول من صلى، فتوارينا، فصلينا، ثم نزل رسول الله ﷺ ، فصلى للناس الظهر يومئذ.
قال الجامع عفا الله عنه: الحديث ضعيف، لضعف مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى، وقد تقدم الكلام عليه في ٣٩/ ٧٣٢. والله تعالى أعلم.
стр. 7247
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لا يعرف في الصحابة إلا بحديثين، وذكر هذين الحديثين (١). والله تعالى أعلم.
تنبيهان:
يتعلقان بإسناد هذا الحديث، ذكرهما الحافظ ﵀ في الفتح:
أحدهما: نسب الغزالي، والفخر الرازي، وتبعهما البيضاوي هذه القصة لأبي سعيد الخدري، وهو وَهَمٌ، وإنما هو أبو سعيد بن المعلى.
ثانيهما: روى الواقدي هذا الحديث عن محمد بن معاذ، عن خبيب بن عبد الرحمن بهذا الإسناد، فزاد في إسناده عن أبي سعيد بن
المعلى، عن أبي بن كعب، والذي في الصحيح أصح، والواقدي شديد الضعف إذا انفرد، فكيف إذا خالف، وشيخه مجهول.
قال: وأظن الواقدي دخل عليه حديث في حديث، فإن مالكًا أخرج نحو الحديث المذكور من وجه آخر فيه ذكر أبَيّ بن كعب، فقال: "عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد مولى عامر: أن النبي ﷺ نادى أبيّ بن كعب … "، ومن الرواة عن مالك من قال: عن أبي سعيد، عن أبي بن كعب: أن النبي ﷺ ناداه … وكذلك أخرجه الحاكم.
ووَهِمَ ابنُ الأثير جيث ظن أن أبا سعيد، شيخ العلاء، هو أبو سعيد
стр. 7248
ابن المعلى، فإن ابن المعلى صحابي أنصاري من أنفسهم مدني، وذلك تابعي مكي من موالي قريش.
وقد اختلف فيه على العلاء، أخرجه الترمذي من طريق الدراوردي، والنسائي من طريق روح بن القاسم، وأحمد من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم، وابن خزيمة من طريق حفص بن ميسرة، كلهم عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: "خرج النبي ﷺ على أبي بن كعب … " فذكر الحديث.
وأخرجه الترمذي، وابن خزيمة من طريق عبد الحميد بن جعفر، والحاكم من طريق شعبة، كلاهما عن العلاء مثله، لكن قال: عن
أبي هريرة ﵁ (١).
ورجح الترمذي كونه من مسند أبي هريرة. وقد أخرجه الحاكم أيضًا من طريق الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نادى أبيّ بن كعب، وهو بما يقوّي ما رجحه الترمذي. ورجح البيهقي بأن القصة وقعت لأبيّ بن كعب، ولأبي سعيد بن المعلى، ويتعين المصير إلى ذلك
стр. 7249
لاختلاف مخرج الحديثين، واختلاف سياقهما، كما سيتبين قريبًا. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتصرف يسير (١).
والله تعالى ولي التوفيق، وهو الستعان، وعليه التكلان.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد بن المعلَّى) ﵁، تقدم الخلاف في اسمه قريبًا، والأصح أنه الحارث بن نُفَيعْ، كما تقدم قريبًا (أن النبي ﷺ مر به)، وللبخاري: قال: "كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ … " (وهو يصلي) جملة حالجة من الضمير في "به" (فدعاه، قال) أبو سعيد (فصليت، ثم أتيته) وفي رواية البخاري: "فدعاني رسول الله ﷺ ، فلم أجبه"، زاد في رواية: "فلم آته حتى صليت، ثم أتيته" (فقال) ﷺ (ما منعك أن تجيبني؟) "ما" استفهامية، أي أيُّ شيء منعك من إجابتي حين دعوتك؟.
(قال) أبو سعيد (كنت أصلي) يعني أن الذي منعني عن إجابتك هي الصلاة. فبين له النبي ﷺ كون الصلاة لا تمنع من الإجابة، فـ (قال: ألم يقل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وفي حديث أبي هريرة: "أوليس تجد فيما أوحى الله إلي أن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية؟، فقلت:
стр. 7250
بلى يا رسول الله، لا أعود إن شاء الله".
تنبيه:
نقل ابن التين عن الداودي أن في حديث الباب تقديمًا وتأخيرًا، وهو قوله: "ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ " قبل قول أبي سعيد: "كنت أصلي"، قال: فكأنه تأول أن من هو في الصلاة خارج عن هذا الخطاب، قال: وتأول القاضيان: عبد الوهاب، وأبو الوليد أن إجابة النبي ﷺ في الصلاة فرض، يعصي المرء بتركه، وأنه حكم يختص بالنبي ﷺ .
قال الحافظ: وما ادعاه الداودي لا دليل عليه، وما جنح إليه القاضيان من المالكية هو قول الشافعية على اختلاف عندهم بعد قولهم بوجوب الإجابة، هل تبطل الصلاة، أولا؟. انتهى فتح (١).
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، والاستجابة: الإجابة. قال
أبو عبيدة: معنى "استجيبوا": أجيبوا، ولكن عُرْف الكلام أن يتعدى "استجاب" بلام، ويتعدى "أجاب" دون لام، قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ وقد يتعدى "استجاب" بغير لام، كقوله [من الطويل]:
وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلى النِّدَا … فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ