← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات. ومنها: أنهم من رجال الجماعة. ومنها: أن شيخه هو أحد التسعة الذين روى الستة عنهم بدون واسطة. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ قتادة، عن زرارة. ومنها: أن فيه قتادة، وهو مدلس، لكن الراوي عنه شعبة، وهو لا يروي عن شيوخه المدلسين، مثل قتادة، والأعمش، وأبي إسحاق السبيعي، إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقد وقع التصريح لقتادة في هذا الحديث من طريق شعبة، في رواية لمسلم، فقال: "سمعت زرارة بن أوفى". والله تعالى أعلم (١). شرح الحديث (عن عمران بن حصين) ﵄، أنه (قال: صلى النبي ﷺ الظهر) هكذا في رواية المصنف، ومسلم، وأبي داود "الظهر" بدون شك، وفي الرواية التالية، وهي رواية لمسلم من طريق

стр. 7282

أبي عوانة، عن قتادة: "صلى الظهر، أو العصر" بالشك (فقرأ رجل خلفه) ﷺ (﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) مفعول "قرأ" محكي لقصد لفظه (فلما صلى) أي لما فرغ النبي ﷺ من صلاته (قال: من قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟) وفي رواية أبي عوانة التالية: "أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ " ونحوه في رواية مسلم. وهذا ظاهر في أن الرجل جهر حتى سمع منه ﷺ (قال رجل: أنا) وفي رواية أبي عوانة: "فقال رجل من القوم: أنا، ولم أرد بها إلا الخير" (قال) النبي ﷺ (قد علمت أن بعضكم خالجنيها) أي نازعني السورة المذكورة. وأراد بهذا الكلام الإنكار على الرجل في جهره بالقراءة، حيث أسمع غيره، فخلط عليه، لا عن أصل القراءة؛ لأن الجهر هو الذي يقع به المخالجة والمنازعة، وهذا الإنكار لما سوى الفاتحة، كما هو الظاهر من الحديث، وللأدلة الأخرى، كما يأتي بيانها، إن شاء الله تعالى. وقال النووي ﵀: ومعنى هذا الكلام الإنكارُ في جهره، أو رفع صوته بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا يقرءون السورة في الصلاة السرية. وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم، وهذا الحكمُ عندنا، ولنا وجه شاذ ضعيف أنه لا يقرأ المأموم السورة في السرية، كما لا يقرؤها في الجهرية، وهذا غلط؛ لأنه في الجهرية يؤمر بالإنصات، وهنا لا يسمع، فلا معنى لسكوته من غير

стр. 7283

استماع، ولو كان في الجهرية بعيدًا عن الإمام لا يسمع قراءته، فالأصح أنه يقرأ السورة، لما ذكرناه. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عمران بن حصين ﵄ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٧/ ٩١٧، ٥٠/ ١٧٤٤ - وفي "الكبرى" -٢٧/ ٩٨٩ - عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن زُرَارَة بن أوفَى، عنه. وفي ٢٧/ ٩١٨، و"الكبرى" ٢٧٩٩٠ عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة، به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، به. وعن سعيد بن منصور، وقتيبة، كلاهما، عن أبي عوانة، به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية - وعن محمد بن المثنى، عن محمد بن أبي عدي - كلاهما عن ابن أبي عروبة، عن

стр. 7284

قتادة، به. وأبو داود فيه عن أبي الوليد الطياليسي، ومحمد بن كثير العبدي، كلاهما عن شعبة، به. وعن ابن المثنى، عن ابن أبي عدي، به. وأخرجه الحميدي رقم ٨٣٥. وأحمد ٤/ ٤٢٦ و ٤٣١ و ٤٣٣ و ٤٤١. والبخاري في "جزء القراءة" رقم ٨٢ و ٨٨ و ٩٠ و ٩١ و ٩٢ و ٩٣ و ٩٤ و ١٠٠ و ٢٥٩ و ٢٦٠. المسألة الرابعة: في بيان اختلاف أهل العلم في حكم القراءة خلف الإمام: قال النووي ﵀ في "المجموع ": قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في "جامعه": القراءة خلف الإمام هي قول أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، قال: وبه يقول مالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال ابن المنذر ﵀: قال الثوري، وابن عيينة، وجماعة من أهل الكوفة: لا قراءة على المأموم. وقال الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: لا يقرأ في الجهرية، وتجب القراءة في السرية. وقال ابن عون، والأوزاعي، وأبو ثور، وغيره من أصحاب الشافعي: تجب القراءة على المأموم في السرية والجهرية. وقال الخطابي: قالت طائفة من الصحابة ﵃: تجب

стр. 7285

على المأموم، وكانت طائفة منهم لا تقرأ. واختلف الفقهاء بعدهم على ثلاثة مذاهب، فذكر المذاهب التي حكاها ابن المنذر، وحكى الإيجاب مطلقًا عن مكحول. وحكاه أبو الطيب عن الليث بن سعد، وحكى العبدري عن أحمد أنه يستحب له أن يقرأ في سكتات الإمام، ولا يجب عليه، فإن كانت جهرية، ولم يسكت لم يقرأ، وإن كانت سرية استحب الفاتحة وسورة. وقال أبو حنيفة: لا تجب على المأموم. ونقل القاضي أبو الطيب، والعبدري عن أبي حنيفة: إن قراءة المأموم معصية. والذي عليه جمهور المسلمين القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية. قال البيهقي: وهو أصح الأقوال على السنة، وأحوطها، ثم روى الأحاديث فيه، ثم رواه بأسانيده المتعددة عن عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وهشام بن عامر، وعمران، وعبد الله بن مغفل، وعائشة، ﵃. قال: ورويناه عن جماعة من التابعين، فرواه عن عروة بن الزبير، ومكحول، والشعبي، وسعيد بن جبير، والحسن البصري ﵏ (١).

стр. 7286

أدلة الموجبين للقراءة خلف الإمام قد ذكر العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى في كتابه "تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام" (١) عشرة أحاديث، وتكلم عليها، فأحسن، وأجاد، وأسهب، وأعاد، أذكر هنا معظمها بالاختصار: الحديث الأول: عن عبادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". أخرجه الجماعة. وتقدم ٢٤/ ٩١٠. فقد ثبت بهذا الحديث وجوب قراءة الفاتحة على كل مصل، إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا، حيث عبر بـ "من" التي هي من صيغ العموم. قال الحافظ أبو عمر ﵀: حديث عبادة عام لا يخصه شيء؛ لأن رسول الله ﷺ لم يخص بقوله ذلك مصليًا من مصل. يعني أنه يعم الإمام، والمأموم، والمنفرد. اهـ (٢).

стр. 7287

الحديث الثاني: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج -ثلاثا- غير تمام". فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: "اقرأ بها في نفسك … " الحديث. أخرجه الجماعة إلا البخاري. تقدم للمصنف ٢٣/ ٩٠٩. قال العلامة المباركفوري ﵀: والخداج يطلق على النقص الذاتي، أي النقص الحاصل بفوات ركن الشيء وجزئه، لا على النقص الوصفي، أي الحاصل بفوات وصف من أوصاف الشيء. وظاهر أن الصلاة إذا صارت خداجًا صارت باطلة، غير صحيحة بالضرورة. وهذا الحديث عام لكل مصل، فإن كلمة "من" من ألفاظ العموم، فمعنى الحديث أن أيَّ مصل مأمومًا كان أو غيره لم يقرأ في الصلاة بفاتحة الكتاب فصلاته باطلة. وقال الحافظ أبو عمر في "الاستذكار": في حديث أبي هريرة هذا من الفقه إيجاب القراءة بالفاتحة في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، والخداج النقصان، والفساد، ومن ذلك قولهم: خَدَجَت الناقة: إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخلقة، وذلك نتاج فاسد. اهـ (١).

стр. 7288

الحديث الثالث: عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ " قال: قلنا: يا رسول الله! إي والله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم. قال الخطابي ﵀: هذا الحديث صريح بأن قراءة الفاتحة واجبة على من خلف الإمام سواء جهر الإمام بالقراءة، أو خافت بها، وإسناده جيد، لا مطعن فيه. اهـ. وحسنه الترمذي، والدارقطني، وصححه البيهقي، وقال عبد الحي اللكنوي في "السعاية": وقد ثبت بحديث عبادة، وهو حديث صحيح قوي السند أمره ﷺ بقراءة الفاتحة للمقتدي. اهـ (١). الحديث الرابع. عن زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم، ومكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع، أنه سمع عبادة بن الصامت ﵁ يقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فقلت: رأيتك صنعت في صلاتك شيئًا؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، قال: نعم، صلى بنا رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فلما انصرف، قال: "منكم

стр. 7289

من أحد يقرأ شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقراءة؟ " قلنا: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أقول: ما لي أنازع القرآن؟ فلا يَقْرآَنَّ أحد منكم شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقرآن إلا بأم القرآن". أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم. اهـ. وقد طعن بعض الحنفية فيه بنافع بن محمود؛ لأنه مستور كما في "التقريب" ورُدّ عليه، بأنه وثقه ابن حبان، والدارقطني، والذهبي، وانظر تمام الكلام في "تحقيق الكلام" ص ١٦٦ - ١٧٧. الحديث الخامس: عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لعلكم تقرءون، والإمام يقرأ؟ " قالوا: إنا لنفعل، قال: "لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب". رواه أحمد، والبيهقي، والبخاري في "جزئه"، وفي رواية البخاري: "إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه"، ونحوه في رواية البيهقي، وقال: هذا إسناده صحيح. وقال الحافظ في "التلخيص": إسناده حسن. الحديث السادس: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: "أتقرءون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ " فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل، أو

стр. 7290

قائلون: إنا لنفعل، قال: "فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه". رواه البخاري في "جزئه" وابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى، والطبراني في الأوسط، وقال الهيثمي: رجاله ثقات. الحديث السابع: هو ما أخرجه البخاري في "جزء القراءة" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "تقرءون خلفي؟ " قالوا: نعم، إنا لنهذّ هذًّا، قال: "فلا تفعلوا إلا بأم القرآن". وهو حديث حسن، فإن الراجح من أقوال أهل الحديث في "عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده" أنه في درجة الحسن كما قال الذهبي ﵀. وقال في الألفية السيوطية: وَمَا لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهْ … عَنْ جَدهِ فَالأَكثَرُونَ احْتَجَّ بِهْ حَمْلًا لِجَدهِ عَلَى الصَّحَابِي … وَقِيِلَ بِالإِفْصَاحِ وَاستيعَابِ وقد استوعب العلامةُ المباركفوري رحمه الله تعالى الكلامَ على هذه الأحاديث مع مناقشة الحنفية فيما يوردونه على هذه الأحاديث، وتفنيد شبههم بحيث لا يُبقِي، ولا يَذَر، في الكتاب المذكور، فمن أراد الاستفادة منه فليراجعه من ص ٥٩ - ٢٠٠. أدلة القائلين بعدم مشروعية القراءة خلف الإمام قد ذكر العلامة المباركفوري ﵀ لهم سبعة عشر أدلة، وتكلم عليها، وفنّدها كلها بما لا تجده مجموعًا في كلام غيره، وأنا أذكر بعضها هنا لأهميته، مع اختصار الأجوبة:

стр. 7291

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وسيأتي الجواب عنه بعد بابين إن شاء الله تعالى. (الدليل الثاني): حديث أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". أخرجه مسلم. وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁. قال العيني بعد إيراده: وهذا حجة صريحة في أن المقتدي لا يجب عليه أن يقرأ خلف الإمام أصلًا؛ على الشافعي في جميع الصلوات، وعلى مالك في الظهر والعصر. اهـ (١). والجواب عنه أن يحمل قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا" على ماعدا الفاتحة عملًا بالحديثين، فيجب على المأموم قراءة الفاتحة عملًا بحديث الخداج، ولا يجوز له أن يقرأ غيرها عملًا بحديث: "فأنصتوا". ويدل على هذا الجمع حديث عبادة ﵁: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن" الآتي بعد باب. وأيضًا يُرَدُّ عليهم بأن أصولهم أن الصحابي إذا أفتى بخلاف روايته تكون روايته منسوخه؛ لأنه ثبت عن أبي هريرة ﵁ قال لأبي

стр. 7292

السائب: اقرأ بها في نفسك يا فارسي، كما تقدم ٢٣/ ٩٠٩. وسيأتي تمام البحث على هذا الحديث برقم ٣٠/ ٩٢١ إن شاء الله تعالى. الدليل الثالث: حديث ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة ﵁ الآتي في الباب التالي، وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى. الدليل الرابع: حديث جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة". رواه ابن ماجه. هذا دليل مشهور لدى الحنفية، يثبتون به نسخ جميع الأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإمام. ولقد أجاب العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى عن هذا الدليل بعشرة أجوبة، فأسهب، وأعاد، وأفاد، وأجاد، وأنا ألخص بعض تلك الأجوبة باختصار: فمنها: أن حديث جابر ضعيف؛ لأنه من رواية جابر الجعفي، وقد قال فيه الإمام أبو حنيفة: ما لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأي قط إلا جاءني بحديث. وقال الحافظ ﵀ في "الفتح": واستدل من أسقطها عن المأموم مطلقًا كالحنفية بحديث: "من صلى خلف إمام، فقراءة الإمام له قراءة"، لكنه ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعلله

стр. 7293

الدارقطني وغيره. اهـ. وقال في "التلخيص": مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة، وكلها معلولة. اهـ (١). وقال الحافظ ابن كثير ﵀: في إسناده ضعف، ورواه مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر من كلامه، وقد روي هذا الحديث من طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي ﷺ . اهـ (٢). وروى ابن الجوزي هذا الحديث في "العلل المتناهية" من طرق الدارقطني، وقال: هذا حديث لا يصح. ولهذا الحديث طرق عن جابر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وعمران بن حصين، ليس فيها ما يثبت. اهـ. ومنها: أن حديث جابر يعارض قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]؛ لأن هذه الآية تشمل بعمومها المأموم وغيره، فعلم منها أن الواجب على المأموم أيضًا أن يقرأ شيئًا كالإمام والمنفرد، ويثبت من حديث: "من كان له إمام" أنه لا تجوز القراءة للمأموم، أو لا تجب عليه، بل تجزئه قراءة الإمام، فلا يجوز عند الحنفية العمل بهذا الحديث، لأنه مخالف للآية، وإلا لزم ترك الآية بخبر الواحد، وهو لا يجوز عندهم. ومنها: أن هذا الحديث، وإن دل على حرمة القراءة، ومنعها خلف

стр. 7294

الإمام مطلقًا، فلا يجوز الاستدلال به على المنع عند الحنفية على أصولهم؛ لأنه رواه مع جابر أبو هريرة، وأنس، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وعلي، وعمران بن حصين، وابن عمر أيضًا، وهؤلاء كلهم أفتوا بقراءة الفاتحة خلف الإمام بعد النبي ﷺ ، وقد تقرر في أصول الحنفية أن الراوي الصحابي إذا أفتى، أو عمل خلاف حديثه، يعتبر حديثه منسوخًا، فظهر أن هذا الحديث منسوخ عندهم، فلا يصلح الاستدلال به. وقد ذكر المباركفوري ﵀ فتاوى هؤلاء الصحابة ﵃، وتكلم عليها، فأجاد، وأفاد. راجعه ص ٤٣٤ - ٤٤١. ومنها: أن حديث "من كان له إمام" على تقدير صحته ليس نصًا في ترك قراءة الفاتحة، وحديث عبادة، وغيره نص في وجوب قراءتها، والقاعدة أن النص إذا تعارض مع الظاهر قدم عليه، فيقدم حديث "لا صلاة إلا بأم القرآن" على حديث "من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له". الدليل الخامس: ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس ﵄: لما مرض رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه: فخرج أبو بكر، فصلى بالناس، فوجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين … الحديث، وفيه: قال ابن عباس: وأخذ رسول الله ﷺ من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر (١).

стр. 7295

قالوا: إنه ﷺ بدأ في القراءة من حيث أنهى أبو بكر، فلا أقل من أن يكون فاته شطر من الفاتحة، وهو لم يعد تلك الركعة، فدل على عدم وجوب الفاتحة. والجواب عنه: أن زيادة: "وأخذ رسول الله ﷺ من القراءة من حيث بلغ أبو بكر" غير صحيحة، فقد وردت قصة صلاة النبي ﷺ في مرض موته في الصحيحين، وغيرهما مطولة ومختصرة، بدون هذه الزيادة. الدليل السادس: حديث الحارث، عن علي ﵁، قال: سأل رجل النبي ﷺ : أقرأ خلف الإمام، أم أنصت؟ قال: "لا، بل أنصت، فإنه يكفيك". رواه البيهقي في "كتاب القراءة" ص ١٦٣. والجواب عنه: أنه حديث ضعيف جدًّا، لأن في سنده الحارث الأعور، وهو كذاب، ومحمد بن سالم ضعيف جدًا؛ وقيس بن الربيع، ضعيف تغير بآخره. الدليل السابع: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا: "ما لي أنازع القرآن؟ إذا صلى أحدكم خلف الإمام، فليصمت، فإن قراءته له قراءة، وصلاته له صلاة". رواه الطبراني في الأوسط، والخطيب البغدادي في تاريخه.

стр. 7296

والجواب عنه: أنه لا يصح؛ لأن في سنده أحمد بن عبد الله بن ربيعة بن العجلان، وهو شيخ مجهول، قال الذهبي في الميزان جـ١ ص ١٠٩: هذا حديث منكر بهذا السياق. الدليل الثامن: حديث أنس مرفوعًا: "من قرأ خلف الإمام مُلىء فُوه نارًا". أخرجه ابن حبان في الضعفاء جـ ٣ ص ٤٦. والجواب عنه: أنه موضوع، وضعه مأمون بن أحمد، قال ابن حبان: كان دَجَّالًا من الدجاجلة. الدليل التاسع: حديث زيد بن ثابت ﵁ مرفوعًا: "من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له". أخرجه ابن حبان في الضعفاء. والجواب عنه: أنه موضوع، فيه أحمد بن علي بن سلمان الوضاع. قال الحافظ في "الدراية": واتهم فيه أحمد بن علي. اهـ. جـ ١ ص ١٦٥. الدليل العاشر: حديث: "من قرأ خلف الإمام ففي فيه جمرة". والجواب عنه: أنه حديث باطل، لا أصل له مرفوعًا، ولا ذكر له في دواوين السنة. وسائر أدلة الحنفية التي استدلوا بها قد استوفى ذكرها العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى، وأجاد في ردها وتفنيدها، فمن أراد

стр. 7297

التحقيق فليراجع "تحقيق الكلام" ص ٤٦٧ - ٤٩٣. فجزاه الله تعالى عن إحسانه حيث دافع عن السنة الغراء خير الجزاء، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. تنبيه: ذكر الحنفية آثارًا كثيرة من الصحابة للاستدلال على منع القراءة خلف الإمام، قد استوفى ذكرها المباركفوري ﵀، وفندها كلها، أذكر منها هنا أثرين مع أجوبتهما باختصار، لشهرتهما، وكثرة من يتمسك، ويجادل بهما: الأثر الأول: ما ذكره العيني في شرح البخاري، عن عبد الله بن يعقوب الحازمي السُّبَذْمُوني في "كشف الأسرار"، عن عبد الله بن زيد ابن أسلم، عن أبيه، قال: كان عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ينهون عن القراءة خلف الإمام أشد النهي: أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس ﵃ (١). والجواب عنه: أن هذا الأثر لا يصح؛ لأنه من صنع عبد الله بن يعقوب، وهو متهم بوضع الحديث. انظر: "ميزان الاعتدال" جـ ٢

стр. 7298

ص ٤٩٦. الأثر الثاني: قال العيني: روي منع القراءة خلف الإمام عن ثمانين من الصحابة الكبار، منهم المرتضى، والعبادلة الثلاثة. وقال الفقيه السرخسي: إن فساد الصلاة مروي عن عدة من الصحابة بالقراءة. والجواب عنه: أن قوليهما لا أصل لهما، أما السرخسي فهو فقيه محض، لا علم له بفن الحديث، فلا عَجَبَ أن يصدر منه هذا القول، ولكن العجب من العيني، كيف اجترأ على ذكر هذا القول الباطل؟ فهل يقدر أن يثبت بأسانيد صحيحة عن علي، والعبادلة الثلاثة، فضلًا عن عشرة من الذين ذُكروا في هذا الأثر؟ كَلا، لا يقدر عليه أبدًا. قاله المباركفوري رحمه الله تعالى. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي ﵀: وما ذكره السرخسي، ومن تبعه أن فساد الصلاة مذهب عدة من الصحابة، يقال له: أيّ صحابي قال بهذا؟، وأيّ مخرّج خرّج هذا؟، وأيّ راو روى هذا؟ ومجرد نسبته إليهم -حاشاهم عنه- من دون سند مسلسل محتج برواته مما لا يعتد به. اهـ (١). وبقية الآثار مع أجوبتها يراجع "تحقيق الكلام" ص ٥٠٤ - ٥٢٠.

стр. 7299

أدلة من قال بالقراءة في السرية دون الجهرية استدل القائلون بالقراءة في السرية، دون الجهرية بأدلة: الأول: قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] الآية. والجواب عنه: هو الجواب عن استدلال القائلين بعدم القراءة مطلقًا، وسيأتي بعد بابين إن شاء الله تعالى. الثاني: ما أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "وإذا قرأ فأنصتوا". والجواب عنه: سيأتي أيضًا بعد بابين إن شاء الله تعالى. الثالث: حديث ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة ﵁ الآتي في الباب التالي مع أجوبته، إن شاء الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيَّنَ لك الحق، واتضح كالشمس في رابعة النهار بما تقدم من الأدلة أن المذهب الراجح مذهب من قال بوجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام مطلقًا، سواء كانت الصلاة جهرية، أو سرية، وسواء كان يسمع قراءة الإمام، أولا. والله تعالى أعلم

стр. 7300

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩١٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الظُّهْرِ، أَوِ الْعَصْرِ، وَرَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: "أَيُّكُمْ قَرَأَ بِـ ﴿سَبِّحِ (١) اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ "، فَقَالَ (٢) رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلاَّ الْخَيْرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ قَدْ خَالَجَنِيهَا". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٢ - (أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة ثبت، مات سنة ١٧٥، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٤٦. والباقون تقدموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 7301

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وماتوفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 7302

٢٨ - تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ بِهِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ترك قراءة المأموم خلف إمامه في الصلاة التي جهر فيها الإمام. والمراد به قراءة غير الفاتحة، كما هو المذهب الراجح، للحديث الآتي في الباب التالي، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. ٩١٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: "هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟ "قَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "أَقُولُ: مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ". قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَاةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد المتقدم في الباب الماضي. ٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الثقة الثبت الحجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإمام الحجة

стр. 7303

الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١. ٤ - (ابن أكيمة الليثي) بصيغة التصغير -وهو عمارة- بضم أوله، وتخفيف ثانيه- الليثي، ثم الجُندَعي من أنفسهم، أبو الوليد المدني، وقيل: اسمه عَمَّار، وقيل: عمرو، وقيل: عامر، يأتي غير مسمى، ثقة، من [٣]. روى عن أبي هريرة في القراءة خلف الإمام، وعن ابن أخي أبي رُهْم الغفاري. روى عنه الزهري. قال أبو حاصم: صالح الحديث، مقبول. وقال ابن سعد: توفي سنة ١٠١ وهو ابن ٧٩ سنة، وروى عنه الزهري حديثًا واحدًا، ومنهم من لا يحتج بحديثه، ويقول: هو شيخ مجهول. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن خزيمة: قال لنا محمد بن يحيى الذهلي: ابن أكيمة، هو عمار، ويقال: عامر، والمحفوظ عندنا عمار، وهو جد عمرو بن مسلم الذي روى عنه مالك بن أنس، ومحمد بن عمرو بن علقمة حديث أم سلمة: "إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي … ". قال ابن البرقي في باب من لم تشتهر عنه الرواية، واحتملت روايته لرواية الثقات عنه: ولم يغمز ابن أكيمة الليثي. قال يحيى بن معين: كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، وقد روى عنه غير الزهري محمد بن عمرو، وروى الزهري عنه حديثين: أحدهما في القراءة خلف الإمام، وهو مشهور، والآخر في المغازي.

стр. 7304

انتهى. قال الحافظ: كأنه يشير إلى حديثه عن ابن أخي رُهْم، وأما قوله: محمد بن عمرو روى عنه، فخطأ، وقد وضح من كلام الذهلي كما تقدم، وقد ذكره مسلم، وغير واحد في الوُحْدان، وقالوا: لم يرو عنه غير الزهري. وقال الدوري، عن يحيى بن سعيد: عمارة بن أكيمة ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: هو من مشاهير التابعين بالمدينة. وقال أبو بكر البزار: ابن أكيمة ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدث عنه إلا الزهري. وقال الحميدي: هو رجل مجهول، وكذا قال البيهقي، قال: واختلفوا في اسمه، فقيل: عمارة، وقيل: عَمَّار. وقال ابن عبد البر: إصغاء سعيد بن المسيب إلى حديثه دليل على جلالته عندهم، وكأنه تلقى ذلك من كلام ابن معين المتقدم. وقال ابن حبان في "الثقات": يشبه أن يكون المحفوظ أن اسمه عمار. أخرج له البخاري في "جزء القراءة خلف الإمام"، والباقون سوى مسلم. ٥ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا ابن أكيمة، فما أخرج له مسلم، وأخرج له البخاري في "جزء القراءة"، وأنه مسلسل بالمدنيين، وفيه رواية تابعي، عن تابعي،

стр. 7305

وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة حديثًا، روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة، جهر فيها بالقراءة) جملة "جهر" في محل جر صفة لـ"صلاة". وفي رواية أبي داود من طريق ابن عيينة، عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيدَ بنَ المسيب، قال: "سمعت أبا هريرة يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة نظن أنها الصبح … ". (فقال: "هل قرأ معي أحد منكم آنِفًا) أي قريبا. قال العلامة السمين الحلبي ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]: فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الحال، فقدره أبو البقاء: ما قال مؤتنفًا، وقدره غيره: مبتدئًا، أي القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصاله عنه. الثاني: أنه منصوب على الظرف، أي ماذا قال الساعةَ، قاله الزمخشري، وأنكره أبو حيان، قال: لأنا لم نعلم أحدًا عدّه من الظروف. واختلفت عباراتهم في معناه، فظاهر عبارة الزمخشري أنه ظرف

стр. 7306

حالي، كالآن، ولذلك فسره بالساعة. وقال ابن عطية: والمفسرون يقولون: آنفًا، معناه: الساعة الماضية القريبة منا. وهذا تفسير بالمعنى، وقرأ البَزيُّ بخلاف عنه: ﴿أنِفًا﴾ بالقصر، والباقون بالمدّ، وهما لغتان بمعنى، وهما اسمً فاعل، كحاذر، وحَذر، وآسنٍ، وأسنٍ، إلا أنه لم يستعمل لهما فعل مجرد، بل المستعمل ائتنف يأتنف، واستأنف يستأنف، والائتناف، والاستئناف: الابتداء. قال الزجاج: هو من استأنفت الشيء: إذا ابتدأته، أي ماذا قال في أول وقت يقرب منا. انتهى كلام السمين (١). (قال رجل: نعم يا رسول الله، قال: أقول) أي في نفسي (ما لي أنازع القرآن؟) بالبناء للمفعول، و"القرآن" منصوب بنزع الخافض، أي أجاذَب، وأغَالَب في قراءته، كأني أجذبه إليّ من غيري، ويجذبه غيري مني إليه. قال السندي ﵀: يحتمل أنهم جهروا بالقراءة خلفه، فشغلوه، والمنع مخصوص به، ويحتمل أنه ورد في غير الفاتحة كما تقدم، ويحتمل العموم، فلا يقرأ فيما يجهر فيه الإمام أصلًا؛ لا الفاتحة، ولا غيرها، لا سرًّا، ولا جهرًا، وما جاء عن أبي هريرة من قوله: "اقرأ بها في نفسك يا فارسي" يحمل على السرّ. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى (٢).

стр. 7307

قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير غير صحيح، لما سنذكره من الأدلة في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى، فالمتعين هو الاحتمال الأول، ويدل عليه قوله: "مالي أنازع"، فإن المنازعة لا تكون إلا عند جهر القارئ. والله تعالى أعلم. (قال) أي الزهري، كما هو قول أكثر الحفاظ، وهو الراجح، أو أبو هريرة، كما قال بعضهم (فانتهى الناس عن القراءة) أي امتنعوا عنها، وتركوها (فيما جهر رسول الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك) أي قوله: "مالي أنازع القرآن؟ "، إذ أراد به الإنكار عليهم. يعني أنهم لما سمعوا قوله ﷺ : "مالي أنازع القران" منكرًا عليهم مشاركته في القراءة، وتلبيسها عليه تركوا القراءة خلفه. قيل: فيه دليل لمن قال: إن المأموم لا يقرأ خلف الإمام في الجهرية، ورد بأن الحديث خارج عن محل النزاع؛ لأن الإنكار فيه على الجهر بالقراءة خلف الإمام وهو الذي تقع به منازعة الإمام، ومحل الخلاف قراءة المأموم سرًّا. ولو سلمنا فهو محمول عَلَى ما عدا الفاتحة؛ لأن أبا هريرة ﵁، أفتى أبا السائب بعد النبي ﷺ بوجوب قراءتها خلف الإمام مطلقًا، فقد تقدم في رواية المصنف ٢٣/ ٩٠٩ بلفظ: "فقلت: يا أبا هريرة: إني أحيانًا أكون وراء الإمام؟ فغمز ذراعي، وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي". وفي رواية أبي عوانة في "صحيحه": "فقلت لأبي

стр. 7308

هريرة: فإني أسمع قراءة القرآن؟ فغمزني بيده، فقال: يا فارسي، أو ابن فارسي، اقرأ بها في نفسك" (١). وفي رواية الحميدي بلفظ: "فقلت لأبي هريرة: فإني أسمع قراءة الإمام … " الحديث. فقد تبين بهذه الروايات أن أبا هريرة أفتى بوجوب قراءة فاتحة الكتاب على المأموم، وإن كان يسمع قراءة الإمام. وسيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح (٢). المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٢٨/ ٩١٩، وفي "الكبرى" ٢٨/ ٩٩١ عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عنه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

стр. 7309

أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن القعنبي، عن مالك، به. وعن مسدد، وأحمد بن محمد المروزي، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف، وعبد الله بن محمد الزهري، وأبي الطاهر بن السرح، خمستهم عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة، يحدث سعيد ابن المسيب، قال: "سمعت أبا هريرة … " فذكره. والترمذي فيه عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك، به. وقال: حسن. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، كلاهما عن سفيان نحوه. وعن جميل بن الحسن، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري نحوه. ومالك في الموطأ رقم ٧٥. والحميدي ٩٥٣. وأحمد جـ ٢ ص ٢٨٤ و ٢٨٥ و ٣٠١ و ٤٨٧. والبخاري في "جزء القراءة" رقم ٩٥ و ٩٦ و ٩٨ و ٢٦٢. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: أنه استدل بهذا الحديث من قال: لا يقرأ المأموم في الجهرية، ويقرأ في السرية، وروي هذا القول عن الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. وقد ذكر العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى لرد هذا الاستدلال أوجهًا، وأذكر منها هنا وجهين باختصار:

стр. 7310

الأول: أن قوله: "فانتهى الناس … إلخ" من قول الزهري مدرج في الحديث، كما صرح بذلك الحفاظ: قال البخاري ﵀ في "جزء القراءة": وقوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري، وقد بينه لي الحسن بن الصباح، قال: ثنا مُبَشر، عن الأوزاعي، قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرءون فيما جهر. وقال مالك: قال ربيعة: إذا حدثت فبيّن كلامك من كلام النبي ﷺ . انتهى كلام البخاري رحمه الله تعالى (١). وقال الترمذي ﵀: وروى بعض أصحاب الزهري، وذكروا هذا الحرف، قال: قال الزهري: فانتهى الناس عن القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ . انتهى (٢). وقال البيهقي في "معرفة السنن": قوله: "فانتهى الناس من القراءة" من قول الزهري، قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب "الزهريات"، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبو داود السجستاني، واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حين ميّزه من الحديث، وجعله من قول الزهري. وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة، وأبو هريرة كان يأمر بالقراءة خلف

стр. 7311

الإمام فيما جهر بها، وفيما خافت. اهـ (١). وقال في "كتاب القراءة": رواية ابن عيينة، عن معمر دالة على كونه من قول الزهري، وكذلك انتهاء الليث، وهو من الحفاظ الأثبات الفقهاء مع ابن جريج برواية الحديث عن الزهري إلى قوله: "مالي أنازع القرآن" دليل على أن ما بعده ليس في الحديث، وأنه من قول الزهري، وقد رواه الأوزاعي، عن الزهري، ففصل كلام الزهري من الحديث بفصل ظاهر، غير أنه غلط في إسناد الحديث. انتهى (٢). وقال الحافظ في "التلخيص": وقوله: "فانتهى الناس" إلى آخره، مدرج في الخبر من كلام الزهري بَيَّنَهُ الخطيب، واتفق عليه البخاري في التاريخ، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، والذهلي، والخطابي، وغيرهم. انتهى (٣). الثاني: أنه لو قدر ثبوت منع القراءة بحديث أبي هريرة هذا لوجب حمل منع القراءة على ما عدا الفاتحة، ويدل على هذا الحمل حديث أبي هريرة نفسه في الأمر بالقراءة، وحديث الخداج، كما يدل عليه فتواه أيضًا، وكما يدل عليه حديث عبادة، وغيره. قال الحازمي ﵀: إنما قال فيه النبي ﷺ : "مالي أنازع

стр. 7312

القرآن" فاحتمل أن يكون عَنَى النبي ﷺ أن يقرأ خلفه سوى فاتحة الكتاب؛ لأنا وجدنا عمران بن حصين، قال: قال النبي ﷺ لرجل قرأ خلفه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: "هل قرأ أحد منكم بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ " فقال رجل: نعم أنا، فقال النبي ﷺ : "صدقت، قد علمت أن بعضكم خالجنيها". وقوله: "أنازع" مثل "أخَالَجُ"، فلا يحتمل أن يكون عَنَى في حديث ابن أكيمة أن يقول: "مالي أنازع القرآن" يعني فاتحة الكتاب، وهو يقول: لا صلاة إلا بها. انتهى (١). وقال البيهقي ﵀: ولا يترك الثابت عن أبي هريرة في الأمر بقراءة فاتحة الكتاب وراء الإمام برواية رجل مجهول، مع احتمال روايته أن يكون المراد بها ما بعد الفاتحة من القرآن كما سبق ذكرنا له. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: أما قوله: برواية رجل مجهول. فقد قاله غيره، كما تقدم في ترجمته عن الحميدي أنه قال: هو رجل مجهول، ووثقه بعضهم، نقل ذلك عن يحيى بن سعيد، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مقبول. وقال ابن معين: كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال في "ت": ثقة. فإطلاق الجهالة عليه محل نظر، بل الصواب أنه

стр. 7313

يحتج بحديثه، بل الجواب الصحيح أن تحمل روايته على ما عدا الفاتحة بدليل الأحاديث الأخرى، كما ذكره البيهقي احتمالًا. والله أعلم. وقال الترمذي ﵀: وليس في هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام، لأن أبا هريرة هو الذي روى عن النبي ﷺ هذا الحديث، وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ : "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام"، فقال حامل الحديث: إني أكون أحيانًا وراء الإمام؟ قال: اقرأ بها في نفسك. وروى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة، قال: "أمرني النبي ﷺ أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب" انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الراجح تقييد قوله: "فانتهى الناس … إلخ" على تقدير كونه من كلام أبي هريرة ﵁ بغير الفاتحة، عملًا بالدليلين. وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: واحتج من رأى أن لا يقرأ المأموم خلف الإمام الجاهر بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. قال: وتمام الآية حجة عليهم، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ

стр. 7314

الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤,٢٠٥]. قال: فإن كان أول الآية في الصلاة، فآخرها في الصلاة، وإن كان آخرها ليس في الصلاة، فأولها ليس في الصلاة، وليس فيها إلا الأمر بالذكر سرًّا، وترك الجهر، فقط، وهكذا نقول (١). وذكروا حديث ابن أكيمة أن رسول الله ﷺ قال: "ما لي أنازع القرآن". وفيه من قول الزهري: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ من القراءة". وهذا حديث انفرد به ابن أكيمة، وقالوا: هو مجهول (٢). ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة؛ لأن الأخبار واجب أن يُضم بعضها إلى بعض، وحرام أن يضرب بعضها ببعض؛ لأن كل ما قال رسول الله ﷺ ، فهو كله حق، يصدق بعضه بعضًا، ولا يخالف بعضه بعضًا، فالواجب أن يؤخذ كلامه ﵊ كله بظاهره، كما هو، كما قاله ﵇، لا يزاد فيه شيء، ولا ينقص منه شيء، فلا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن، ولا ينازع القرآن، وهذا نص قولنا، ولله الحمد،

стр. 7315

وما عدا هذا فزيادة في كلام رسول الله ﷺ ، ونقصان منه. وذكروا أيضًا حديثًا آخر صحيحًا من طريق ابن عجلان، فيه: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون". فهذا خبر أولى من ينبغي أن يستغفر الله تعالى عند ذكره من مخالفة هذا الحديث الحنفيون، والمالكيون؛ لأنهم مخالفون لأكثر ما فيه، فإنهم يرون التكبير إثر تكبير الإمام، لا معه للإحرام خاصة، ثم يرون سائر التكبير، والرفع، والخفض مع الإمام، لا قبله (١)، ولا بعده، وهذا خلاف أمر رسول الله ﷺ في هذا الحديث، وفيه: "إذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا" فخالفوه إلى خبر كاذب، لا يصح، وإلى ظن غير موجود، فمن العجب أن يحتجوا بقضية واحدة من قضاياه، لا حجة لهم فيها، ويتركون (٢) سائر قضاياه التي لا يحل خلافها!!. وأما نحن فانه عندنا صحيح، وبه كلِّه نأخذ؛ لأن تأليف كلام رسول الله ﷺ ، وضم بعضه إلى بعض، والَأخذ بجميعه فرض، لا يحل سواه. وقد قال ﵇: "وإذا قرأ فأنصتوا"، و"لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن". فلابد في جميع هذه الأوامر من أحد وجهين، لا

стр. 7316

ثالث لهما (١): إما أن يكون وجه ذلك أن يقول: إذا قرأ فأنصتوا إلا عن أم القرآن -كما قلنا نحن- وإما أن يكون وجه ذلك أن يقول: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم لقرآن إلا إن قرأ الإمام -كما يقول بعض القائلين-. وإما أن يكون وجه ذلك أن يقول: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن إلا أن يجهر الإمام- كما يقول آخرون. فإذ لابد من أحد هذه الوجوه، فليس بعضها أولى من بعض إلا ببرهان، وأما بدعوى فلا، فنظرنا في ذلك، فوجدنا الحديث الذي قد ذكرناه من قول رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاة الفجر، وهي صلاة جهر، فقال: "أتقرؤون خلفي؟ " قالوا: نعم، هذًّا يا رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة إلا بها". فكان هذا كافيًا في تأليف أوامره ﷺ ، لا يسع أحدًا الخروج عنه. وقد مَوَّهَ قوم بأن قالوا: هذا خبر من رواية ابن إسحاق، ورواه مكحول مرة عن محمد بن الربيع، عن عبادة، ومرة عن نافع بن محمود بن الربيع، عن عبادة. قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن محمد بن إسحاق أحد الأئمة، وثقه الزهري، وفضله على من بالمدينة في عصره، وشعبة، والسفيانان،

стр. 7317

والحمادان، واليزيدان (١)، وإبراهيم بن سعد، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم، قال فيه شعبة: محمد بن إسحاق أمير المحدثين، هو أمير المؤمنين في الحديث. والعجب أن الطاعنين عليه ههنا هم الذين احتجوا بروايته التي لم يروها غيره في أن رسول الله ﷺ ردّ زينب على أبي العاصي بالنكاح الأوَّل بعد إسلامه، فإذا روى ما يظنون أنه يوافق تقليدهم صار ثقة، وصار حديثه حجة، وإذا روى ما يخالفهم صار مجروحًا!! وحسبنا الله، ونعم الوكيل. وأما رواية مكحول هذا الخبر مرة عن محمود، ومرة عن نافع بن محمود، فهذا قوة للحديث، لا وهن؛ لأن كليهما ثقة، وحتى لو لم يأت هذا الخبر لَمَا وجب بقوله ﵊: "إذا قرأ فأنصتوا" إلا ترك القراءة حين قراءته، ويبقى وجوب قراءتها في سكتات الإمام، فكيف وهذه اللفظة -يعني "وإذا قرأ فأنصتوا"- قد أنكرها كثير من أئمة الحديث، وقالوا: إن محمد بن عجلان (٢) أخطأ في إيرادها، وليست من الحديث، قال ذلك ابن معين، وغيره.

стр. 7318

قال: وأما نحن فلا نقول فيما رواه الثقة إنه خطأ، إلا ببرهان واضح، لكن وجه العمل هو ما أوردنا. وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره أبو محمد رحمه الله تعالى في وجه الجمع بين أحاديث إيجاب الفاتحة على المأموم، وبين حديث: "ما لي أنازع القرآن" تحقيق حسن جدًّا. والله تعالى أعلم. وقال العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى فيما كتبه على "جامع التومذي": هذه المسألة -مسألة قراءة المأموم الفاتحة- من أهم مسائل الخلاف بين الفقهاء، والمحدثين، وغيرهم، وقد ألفوا فيها كتبا مستقلة. وقال القاضي أبو بكر بن العربي في "العارضة" ١٠٨:-١١١ اختلف الناس في صلاة المأموم على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يقرأ إذا أسرّ ولا يقرأ إذا جهر. الثاني: يقرأ في الحالين. الثالث: لا يقرأ في الحالين. قال بالأول مالك، وابن القاسم. وقال بالثاني الشافعي، وغيره، لكنه قال: إذا جهر الإمام قرأ هو في سكتاته.

стр. 7319

وقال بالثالث ابن حبيب، وأشهب، وابن عبد الحكم. والصحيح وجوب القراءة عند السرّ، لقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". ولقوله للأعرابي: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن". وتركه في الجهر بقوله تبارك، وتعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وفي صحيح مسلم: "إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعو، وإذا قرأ فأنصتوا". ولو لم يذكر هذا الحديث لكان نص القرآن به أولى. ويقال للشافعي: عجبًا لك! كيف يقدر المأموم في الجهر على القراءة؟ أينازع القرآن الإمام، أم يعرض عن استماعه، أم يقرأ إذا سكت؟ قال: فإن قال: يقرأ إذا سكت، قيل له: فإن لم يسكت الإمام -وقد أجمعت الأمة على أن سكوت الإمام غير واجب- متى يقرأ؟ ويقال له: أليس في استماعه لقراءة الإمام قراءة منه؟ وهذا كاف لمن أنصفه، وفهمه. وقد كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام، وكان أعظمَ الناس اقتداء برسول الله ﷺ (١). قال ابن شاكر ﵀: والمسألة أدقُّ من هذا التسهيل الذي

стр. 7320

صوّرها به ابن العربي، وقد تعارضت فيها الأدلة تعارضًا شديدًا، فإن كتاب الله صريح في الأمر بالإنصات لقراءة القرآن، وهو يشمل الصلاة وغيرها، ثم ورد الأمر بالإنصات للإمام أيضًا، وجاءت أحاديث صحاح متواترة أنه "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وكل ركعة صلاة، وكل مصل داخل تحت هذا العموم الصريح، إمامًا كان أو مأمومًا، أو منفردًا، وورد حديث مرسل عن عبد الله بن شداد: أن النبي ﷺ قال: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة". رواه الدارقطني، وغيره. قال المجد ابن تيمية في "المنتقى": وقد روي مسندًا من طرق كلها ضعاف، والصحيح أنه مرسل. وقال البخاري في "جزء القراءة": هذا خبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز، وأهل العراق لإرساله وانقطاعه. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: ضعيف عند جميع الحفاظ، وقد استوعب طرقه، وعلله الدارقطني وغيره. وهذا الحديث أثار عصبية شديدة بين علماء الحنفية، وعلماء الشافعية؛ لأنه ورد في بعض أسانيده من رواية أبي حنيفة موصولًا مسندًا عن جابر، فلم يتردد بعض المحدثين، والشافعية في الحكم بضعف أبي حنيفة من جهة حفظه، ثم غلوا، فطعنوا طعنًا، لا نرضاه. وانظر نصب الراية جـ ٢ ص ٧ ت ١٢، وإنما جاء ضعف الحديث من أن كل رواته رووه مرسلًا، لم يذكروا فيه جابرًا، وأين صحة الإسناد إلى
следующие страницы →