← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

أخرج له مسلم، والترمذي. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، خبيب، عن حفص. ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع، وكلها من صيغ الاتصال، على الراجح في العنعنة من غير المدلس. ومنها: أن صحابيه قليل الرواية، ليس له عندهم إلا هذا الحديث، وآخر عند المصنف، تقدم في -٣٩/ ٧٣٢ - مختصرًا، وقد ساقه مطولًا في تفسير سورة البقرة من "الكبرى" جـ ٦ ص ٢٩١ عن محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن مروان بن عثمان، عن عُبيد بن حُنين، عن أبي سعيد بن المعلى، قال: كنا نَغْدُو للسوق على عهد رسول الله ﷺ ، فنمر على المسجد، فنصلي فيه، فمررنا يومًا، ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله ﷺ : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] حتى فرغ من الآية، قلت لصاحبي: تعالَ نركعْ ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ ، فنكون أول من صلى، فتوارينا، فصلينا، ثم نزل رسول الله ﷺ ، فصلى للناس الظهر يومئذ. قال الجامع عفا الله عنه: الحديث ضعيف، لضعف مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى، وقد تقدم الكلام عليه في ٣٩/ ٧٣٢. والله تعالى أعلم.

стр. 7247

قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لا يعرف في الصحابة إلا بحديثين، وذكر هذين الحديثين (١). والله تعالى أعلم. تنبيهان: يتعلقان بإسناد هذا الحديث، ذكرهما الحافظ ﵀ في الفتح: أحدهما: نسب الغزالي، والفخر الرازي، وتبعهما البيضاوي هذه القصة لأبي سعيد الخدري، وهو وَهَمٌ، وإنما هو أبو سعيد بن المعلى. ثانيهما: روى الواقدي هذا الحديث عن محمد بن معاذ، عن خبيب بن عبد الرحمن بهذا الإسناد، فزاد في إسناده عن أبي سعيد بن المعلى، عن أبي بن كعب، والذي في الصحيح أصح، والواقدي شديد الضعف إذا انفرد، فكيف إذا خالف، وشيخه مجهول. قال: وأظن الواقدي دخل عليه حديث في حديث، فإن مالكًا أخرج نحو الحديث المذكور من وجه آخر فيه ذكر أبَيّ بن كعب، فقال: "عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد مولى عامر: أن النبي ﷺ نادى أبيّ بن كعب … "، ومن الرواة عن مالك من قال: عن أبي سعيد، عن أبي بن كعب: أن النبي ﷺ ناداه … وكذلك أخرجه الحاكم. ووَهِمَ ابنُ الأثير جيث ظن أن أبا سعيد، شيخ العلاء، هو أبو سعيد

стр. 7248

ابن المعلى، فإن ابن المعلى صحابي أنصاري من أنفسهم مدني، وذلك تابعي مكي من موالي قريش. وقد اختلف فيه على العلاء، أخرجه الترمذي من طريق الدراوردي، والنسائي من طريق روح بن القاسم، وأحمد من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم، وابن خزيمة من طريق حفص بن ميسرة، كلهم عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: "خرج النبي ﷺ على أبي بن كعب … " فذكر الحديث. وأخرجه الترمذي، وابن خزيمة من طريق عبد الحميد بن جعفر، والحاكم من طريق شعبة، كلاهما عن العلاء مثله، لكن قال: عن أبي هريرة ﵁ (١). ورجح الترمذي كونه من مسند أبي هريرة. وقد أخرجه الحاكم أيضًا من طريق الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نادى أبيّ بن كعب، وهو بما يقوّي ما رجحه الترمذي. ورجح البيهقي بأن القصة وقعت لأبيّ بن كعب، ولأبي سعيد بن المعلى، ويتعين المصير إلى ذلك

стр. 7249

لاختلاف مخرج الحديثين، واختلاف سياقهما، كما سيتبين قريبًا. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتصرف يسير (١). والله تعالى ولي التوفيق، وهو الستعان، وعليه التكلان. شرح الحديث (عن أبي سعيد بن المعلَّى) ﵁، تقدم الخلاف في اسمه قريبًا، والأصح أنه الحارث بن نُفَيعْ، كما تقدم قريبًا (أن النبي ﷺ مر به)، وللبخاري: قال: "كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ … " (وهو يصلي) جملة حالجة من الضمير في "به" (فدعاه، قال) أبو سعيد (فصليت، ثم أتيته) وفي رواية البخاري: "فدعاني رسول الله ﷺ ، فلم أجبه"، زاد في رواية: "فلم آته حتى صليت، ثم أتيته" (فقال) ﷺ (ما منعك أن تجيبني؟) "ما" استفهامية، أي أيُّ شيء منعك من إجابتي حين دعوتك؟. (قال) أبو سعيد (كنت أصلي) يعني أن الذي منعني عن إجابتك هي الصلاة. فبين له النبي ﷺ كون الصلاة لا تمنع من الإجابة، فـ (قال: ألم يقل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وفي حديث أبي هريرة: "أوليس تجد فيما أوحى الله إلي أن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية؟، فقلت:

стр. 7250

بلى يا رسول الله، لا أعود إن شاء الله". تنبيه: نقل ابن التين عن الداودي أن في حديث الباب تقديمًا وتأخيرًا، وهو قوله: "ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ " قبل قول أبي سعيد: "كنت أصلي"، قال: فكأنه تأول أن من هو في الصلاة خارج عن هذا الخطاب، قال: وتأول القاضيان: عبد الوهاب، وأبو الوليد أن إجابة النبي ﷺ في الصلاة فرض، يعصي المرء بتركه، وأنه حكم يختص بالنبي ﷺ . قال الحافظ: وما ادعاه الداودي لا دليل عليه، وما جنح إليه القاضيان من المالكية هو قول الشافعية على اختلاف عندهم بعد قولهم بوجوب الإجابة، هل تبطل الصلاة، أولا؟. انتهى فتح (١). وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، والاستجابة: الإجابة. قال أبو عبيدة: معنى "استجيبوا": أجيبوا، ولكن عُرْف الكلام أن يتعدى "استجاب" بلام، ويتعدى "أجاب" دون لام، قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ وقد يتعدى "استجاب" بغير لام، كقوله [من الطويل]: وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلى النِّدَا … فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ

стр. 7251

تقول: أجابه، وأجاب عن سؤاله، والمصدر الإجابة، والاسم الْجَابَة، كالطاقة، والطاعة، تقول: أساء سَمْعًا، فأساء جَابَةً. وقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الضمير للرسول ﷺ ، وذكر الله للتنبيه على أن دعاءه دعاء الله تعالى، واستجابته استجابته له تعالى. قال السندي: لا يلزم من وجوب استجابته في الصلاة بقاء الصلاة، وإنما لازمه رفع إثم الفساد. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: دعوى فساد الصلاة بإجابته ﷺ لا دليل عليه، فالراجح أنها لا تبطل، لعدم بيانه ﷺ ذلك مع كون المقام يقتضي ذلك. فتبصر. والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ وأصل "يحييكم" يُحْيِيُكُمْ، حذفت الضمة من الياء لثقلها، ولا يجوز الإدغام. والمعنى: استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم. وقيل: اللام بمعنى "إلى"، أي إلى ما يحييكم، أي يحيي دينكم، ويعلمكم. وقيل: أي إلى ما يحيي به قلوبكم، فتوحدوه، وهذا إحياء مستعار؛ لأنه من موت الكفر والجهل. وقال مجاهد، والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة؛ وما تضمنه القرآن من أوامر، ونواهي، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية. وقيل: المراد بقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الجهاد، فإنه سبب

стр. 7252

الحياة في الظاهر لأن العدو إذا لم يُغْزَ غزا؛ وفي غزوه الموت، والموت في الجهاد الحياة الأبدية؛ قال الله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية. قال القرطبي ﵀: والصحيح على العموم كما قال الجمهور. انتهى (١). (ألا) هي أداة حثّ وتحضيض (أعلمك أعظم سورة) وفي رواية شعبة في فضائل القرآن من "الكبرى" جـ ٥ ص ١١: "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن"، وفي حديث أبي هريرة جـ ٦ ص ٣٥١: "أتحب أن أعلمك سورة، لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها". قال في "الفتح": قال ابن التين: معناه أن ثوابها أعظم من غيرها. واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض، وقد منع ذلك الأشعري، وجماعة؛ لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل، وأسماء الله، وصفاته، وكلامه لا نقص فيها. وأجابوا عن ذلك بأن معنى التفاضل أن ثواب بعضه أعظم من ثواب بعض، فالتفضيل إنما هو من حيث المعاني، لا من حيث الصفة، ويؤيد التفضيل قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. وقد روى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ

стр. 7253

مِّنْها﴾ أي في المنفعة، والرفق، والرفعة. وفي هذا تعقب على من قال: فيه تقديم وتأخير، والتقدير "نأت منها بخير". وهو كما قيل في قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] لكن قوله في آية الباب: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ يرجح الاحتمال الأول، فهو المعتمد. والله أعلم. انتهى (١). (قبل أن أخرج من المسجد) أي النبوي (قال: فذهب ليخرج) وللبخاري: "ثم أخذ بيدي". زاد في حديث أبي هريرة: "يحدثني، وأنا أتباطأ مخافة أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث" (قلت: يا رسول الله قولك) بالنصب مفعول لفعل محذوف، أي اذكر قولَك، أو أنتَظرُ قولَك، ويحتمل الرفع خبرًا لمحذوف، أي قولك مطلوبي، ويحتمَل العكس، أي المطلوب قولُك. وفي رواية البخاري من طريق شعبة: "فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن". وفي رواية أبي هريرة: "قلت: يا رسول الله ما السورة التي قد وعدتني؟ قال: كيف تقرأ في الصلاة؟ فقرأت عليه أم القرآن". (قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني الذي أوتيته) "الحمد لله" إلخ، مبتدأ محكي لقصد لفظه، و"هي" ضمير فصل، و"السبع" خبر المبتدأ، و"المثاني"، صفته، و"الذي" صفة بعد الصفة. و"المثاني": جمع مَثْنًى بمعنى مُرَدَّد، ومُكَرَّر، ويجوز أن يكون

стр. 7254

"مثنى" مَفْعَل من التثنية بمعنى التكرير والإعادة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، أي كرة بعد كرة، ونحو قولهم: لبيك، وسعديك. أي أنه جُمِعَ لمعنى التكرير والإعادة، كما ثني لذلك، لكن استعمال الْمُثَنَّى في هذا المعنى أكثر، لأنه أول مراتب التكرار. قاله الألوسي في تفسيره (١). وسميت بـ "المثاني" من التثنية، بمعنى التكرار، لأنها تثنى في كل ركعة، أو من الثناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى. ويأتي بيان اختلاف العلماء في المرادب "المثاني" في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. (والقرآن العظيم) وعند البخاري في تفسيره سورة الأنفال من رواية معاذ بن معاذ: "هي الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته". وفي حديث أبي هريرة: فقال: "إنها السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته". قال الخطابي ﵀: يعني بـ"العظيم" عظَمَ المثوبة على قراءتها، وذلك لما تجمع هذه السورة من الثناء، والدعاء، والسؤال. والواو فيه ليست للعطف الموجب للفصل بين الشيئين، وإنما هي الواو التي تجيء بمعنى التخصيص، كقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] وقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨].

стр. 7255

وقال الكرماني ﵀: المشهور بين النحاة أن هذه الواو للجمع بين الوصفين، فمعنى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] أي ما يقال له: السبع المثاني، والقرآن العظيم، وما يوصف بهما. انتهى (١). وفي هذا تصريح بأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ هي الفاتحة. وهو الراجح من الأقوال في معنى هذه الآية، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد بن الْمُعَلَّى ﵁ هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٦/ ٩١٣ - وفي "الكبرى" -٢٦/ ٩٨٥ - وفي "التفسير" منه جـ ٦ ص ٢٨٣ - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث الْهُجَيمي، عن شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عنه. وفي "فضائل القرآن" -من "الكبرى" - جـ ٥ ص ١١ عن

стр. 7256

محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر غندر، كلاهما عن شعبة، به. وفي "التفسير" منه جـ ٦ ص ٣٧٥ - عن محمد ابن بشار، عن يحيى القطان، عن شعبة، به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في تفسير سورة الأنفال عن مسدد، وفي فضائل القرآن عن علي بن عبد الله، كلاهما عن يحيى القطان - وفي تفسير سورة الحجر عن إسحاق بن منصور، عن روح بن عبادة - وعن بندار، عن غندر- وتعليقًا، قال معاذ -يعني ابن معاذ- أربعتهم عن شعبة، به. وأبو داود في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ، عن خالد الهجيمي، عن شعبة، به. وابن ماجه، في ثواب التسابيح من كتاب الأدب عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر به، بقصة فضل الفاتحة. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، وأن المراد له الفاتحة، وهذا هو الراجح، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. ومنها: ما قاله بعضهم: فيه دليل على أن "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست آية من القرآن، كذا قال، وعكس غيره؛ لأنه أراد

стр. 7257

السورة، ويؤيده أنه لو أراد بـ"الحمد لله رب العالمين" الآية لم يقل هي السبع المثاني، لأن الواحدة لا يقال لها: سبع، فدل على أنه أراد بها السورة، و"الحمد لله رب العالمين" من أسمائها، وفيه قوة لتأويل الشافعي ﵀ في حديث أنس، قال: كانوا يفتتحون الصلاة بـ "الحمد لله رب العالمين". قال الشافعي ﵀: أراد السورة، وتعقب بأن هذه السورة تسمى سورة "الحمد لله"، ولا تسمى "الحمد لله رب العالمين"، وهذا التعقيب مردود بهذا الحديث، فإنه نص صريح في كونها تسمى بـ "الحمد لله رب العالمين" أيضًا. ومنها: أن الأمر يقتضي الفور، لأنه ﷺ عاتب هذا الصحابي على تأخير إجابته. ومنها: أن فيه استعمال صيغة العموم في الأحوال كلها، قال الخطابي: فيه أن حكم لفظ العموم أن يجري على جميع مقتضاه، وأن الخاص والعام إذا تقابلا كان العام منزلًا على الخاص؛ لأن الشارع حرّم الكلام في الصلاة على العموم، ثم استثنى منه إجابة دعاء النبي ﷺ في الصلاة. ومنها: أن إجابة علي دعاء النبي ﷺ لا تفسد الصلاة، هكذا صرح به جماعة من الشافعية، وغيرهم. قال في الفتح: وفيه بحث، لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا، سواء كان المخاطب مصليًا، أو

стр. 7258

غير مصل، أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة، أو لا يخرج، فليس في الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة، ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى هذا جنح بعض الشافعية. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: ما أسمج هذا القول! فهل من المعقول أن يُعَنِّفَ النبيُّ ﷺ الصحابيَّ الذي اعتذر إليه كونه في الصلاة، إذ هي لا يصلح فيها شيء من الكلام، ثم لا يقول له: أجب دعوتي، ثم أعد صلاتك، لبطلانها، ولا يشير أدنى إشارة، مع كون هذا الصحابي شديد الحرص على أن لا تبطل صلاته؟، إن هذا لشيء عجيب!. فالقول الصحيح الذي لا غبار عليه هو القول الأول، فلا تبطل الصلاة بإجابته ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب. قال: وهل يختص هذا الحكم بالنداء، أو يشمل ما هو أعم، حتى تجب إجابته إذا سأل؟ فيه بحث. وقد جزم ابن حبان بأن إجابة الصحابة في قصة ذي اليدين كان كذلك. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: القول بالعموم هو الراجح، كما أشار إليه ابن حبان رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في المراد بـ "السبع المثاني": قال العلامة أبو عبد الله القرطبي ﵀: اختلف العلماء في

стр. 7259

"السبع المثاني": فقيل: الفاتحة. قاله علي بن أبي طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن، وغيرهم، وروي عن النبي ﷺ من وجوه ثابتة، من حديث أبي بن كعب، وأبي سعيد بن المعلى، وأخرج الترمذي، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني". قال: هذا حديث حسن صحيح. وهذا نص. وقال الشاعر [من الرجز]: نَشَدتُكُمْ بِمُنْزِلِ الْقُرْآنِ … أُم الْكِتَابِ السَّبعِ مِنْ مَثَانِي وقال ابن عباس ﵁: هي السبع الطُّوَل: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معًا، إذ ليس بينهما التسمية. وسيأتي للمصنف -٢٦/ ٩١٦ - عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: السبع الطُّوَل، وسميت مثاني، لأن العِبَرَ، والأحكام، والحدود ثنيت فيها. وأنكر قوم هذا، وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من الطول شيء إذ ذاك. وأجيب بأن الله تعالى أنزل القرآن إلى السماء الدنيا، ثم أنزله منها منجمًا، فما أنزله إلى السماء الدنيا فكأنما آتاه محمدًا ﷺ ، وإن لم ينزل عليه بعدُ. وممن قال: إنها السبع الطول:

стр. 7260

عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد. وقال جرير [من الوافر]: جَزَى الله الْفَرَزْدَقَ حِينَ يُمْسِي … مُضِيعًا لِلْمُفَصَّلِ وَالْمَثَانِي وقيل: المثاني القرآن كله، قال الله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾. وهذا قاله الضحاك، وطاوس، وأبو مالك، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثاني؛ لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه. وقالت صفية بنت عبد المطلب، ترثي رسول الله ﷺ [من الطويل]: فَقَدْ كَانَ نُورًا سَاطِعًا يُهْتَدَى بِهِ … يُخَصُّ بِتَنْزِلِ الْمَثَانِي اْلْمُعَظَّمِ أي القرآن. وقيل: المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن، من الأمر، والنهي، والتبشير، والإنذار، وضرب الأمثال، وتعديد نِعَم، وأنباء قرون. قاله زياد بن أبي مريم. قال القرطبي ﵀: والصحيح الأول؛ لأنه نص، وقد قدمنا في الفاتحة أنه ليس في تسميتها بالمثاني ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا إذا ورد عن النبي ﷺ ، وثبت عنه نص في شيء، لا يحتمل التأويل كان الوقوف عنده. انتهى بتصرف يسير (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه العلامة القرطبي رحمه الله تعالى، هو الراجح عندي.

стр. 7261

وحاصله أن "السبع المثاني، والقرآن العظيم" هي الفاتحة، للنصوص الصحيحة الصريحة، ولكن هذا لا ينافي أن يوصف غيرها بهذا الوصف، كوصف القرآن بأنه مثاني، حيث وصفه الله به في قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]. قال الحافظ ابن كثير ﵀ بعد ذكر ما أخرجه البخاري ﵀ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم"، ما نصه: فهذا نص في أن الفاتحة السبعُ المثاني، والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف غيرها من السبع الطُّوَل بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ فهو مثان من وجه، ومتشابهٌ من وجه، وهو القرآن العظيم أيضًا، كما أنه ﷺ لَمَّا سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩١٤ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ

стр. 7262

مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَهِيَ مَقْسُومَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ". رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (الحسين بن الحريث) الخُزاعي مولاهم، أبو عَمَّار المروزي، ثقة، مات سنة ٢٤٤، من [١٠]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٤٤/ ٥٢. ٢ - (الفضل بن موسى) السِّينَاني، أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت، وربما أغرب، مات سنة ١٩٢، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٣/ ١٠٠. ٣ - (عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي، أبو الفضل، ويقال: أبو حفص، ويقال: إن رافع بن سنان جده لأمه، صدوق رمي بالقدر، وربما وَهِمَ، من [٦]. قال أحمد: ثقة، ليس به بأس، سمعت يحيى بن سعيد، يقول:

стр. 7263

كان سفيان يضعفه، من أجل القدر. وقال الدوري، عن ابن معين: ثقة، ليس فيه بأس، كان يحيى بن سعيد يضعفه، قلت ليحيى: قد روى عنه يحيى بن سعيد؟، قال: قد روى عنه، وكان يضعفه، وكان يروي عن قوم ما كانوا يساوون عنده شيئًا. قال ابن معين: وكان يرى القدر. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يوثقه، وكان الثوري يضعفه، قلت: ما تقول أنت فيه؟ ليس بحديثه بأس، وهو صالح. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: كان سفيان يحمل عليه، وما أدري ما كان شأنه وشأنه. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وهو ممن يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال الساجي: ثقة صدوق. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة -١٥٣ - وهو ابن ٧٠ سنة. وقال الفضل بن موسى: كان ممن خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن العلوي. استشهد به البخاري في "الصحيح"، وروى له في كتاب "جزء رفع اليدين"، وغيره، وأخرج له الباقون (١). ٤ - (العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحُرَقيّ، أبو شبل المدني، صدوق ربما وهم، مات سنة بضع وثلاثين ومائة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٧/ ١٤٣.

стр. 7264

٥ - (عبد الرحمن بن يعقوب) الجُهَني المدني، مولى الحُرَقَة، ثقة من [٣]، أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١٠٧/ ١٤٣. ٦ - (أبو هريرة) الدَّوْسِيُّ الصحابي الشهير ﵁، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٧ - (أُبَيّ بن كعب) بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر، وأبو الطفيل، سيد القراء، الصحابي الشهير ﵁، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٨٠٨. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وعبد الحميد، فعلق له البخاري، وأخرج له الباقون. ومنها: أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعي، عن تابعي؛ العلاء، عن أبيه. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي؛ أبو هريرة، عن أُبيّ ﵄. ومنها: أن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ. والله تعالى أعلم.

стр. 7265

شرح الحديث (عن أبَيّ بن كعب) ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : ما أنزل الله في التوراة) هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﵊. وقد اختلف اللغويون في أصل اشتقاق "التوراة" على أقوال كثيرة، مذكورة في كتب اللغة، وقد استوفاها المرتضى الزبيدي ﵀ في شرح "ق"، وقال في آخره نقلًا عن شيخه، ما نصه: وقد تعقب المحققون كلامهم بأسره، وقالوا: هو لفظ غير عربي، بل هو عبراني اتفاقًا، وإذا لم يكن عربيًا، فلا يعرف له أصل من غيره، إلا أن يقال: إنهم أجروه بعد التعريب مجرى الكلم العربية، وتصرفوا فيه بما تصرفوا فيها. والله أعلم. انتهى كلام المرتضى رحمه الله تعالى (١). (ولا في الإِنجيل) هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى ﵊. قال ابن منظور ﵀: يُؤنَّث، ويُذَكَّر، فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذَكَّرَ أراد الكتاب. وفي صفة الصحابة ﵃: "معه قوم صدورهم أناجيلهم"؛ هو جمع إنجيل، وهو اسم كتاب الله المنزل على عيسى ﵇، وهو اسم عبْرَاني، أو سرياني. وقيل: هو عربي. يريد أنهم يقرءون كتاب اللهَ عن ظهر قلوبهم، ويجمعونه في صدورهم حفظًا، وكان أهل الكتاب إنما يقرءون كتبهم في الصحف، ولا يكاد أحدهم يجمعها حفظًا، إلا القليل، وفي

стр. 7266

رواية: "وأناجيلهم في صدورهم"، أي إن كتبهم محفوظة فيها. والإنجيل: مثلُ الإكليل، والإخْريط، وقيل: اشتقاقه من النَّجْلِ الذي هو الأصل، يقال: هو كريمَ النَّجْلَ، أي الأصل، والطَّبْعِ، وهو من الفعل إِفعيلٌ، وقرأ الحسن: "وليحكم أهل الأنْجيل" بفتح الهمزة، وليس هذا المثال من كلام العرب، قال الزَّجَّاج: وللقَائل أن يقول: هو اسم أعجمي، فلا يُنكَر أن يقع بفتح الهمزة، لأن كثيرًا من الأمثلة العجمية يخالفُ الأمثلة العربية، نحو آجَر، وإبراهيمَ، وهابيل، وقابيل. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: التحقيق أن التوراة والإنجيل اسمان أعجميان، لا أصل لهما في العربية، فلا وجه للاشتغال بأصل اشتقاقهما، بل مثل هذا يعدّ من فضول الكلام، ومما لا يعني الإنسان. وقد أخرج أحمد، والترمذي، وصححه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". والله تعالى أعلم. (مثل أم القرآن) بالنصب مفعولًا لـ"أنزل"، وقد تقدم وجه كون الفاتحة أم القرآن (وهي السبع المثاني) تقدم تفسيره في الحديث السابق أيضًا (وهي مقسومة بيني وبين عبدي) أي لأن نصفها ثناء وتمجيد، ونصفها سؤال وابتهال (ولعبدي ما سأل) وعد من الله سبحانه لعبده أن يوفقه لنيل ما طلبه منه، والله لا يخلف الميعاد. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 7267

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي بن كعب ﵁ هذا صحيح، إلا أن في إسناده علة، سأذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٦/ ٩١٤ - وفي "الكبرى" -٢٦/ ٩٨٦ - عن الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عنه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه الترمذي في "التفسير" بسند المصنف، فكلاهما يرويانه عن شيخ واحد، وهو الحسين بن حريث. وعبد بن حميد في مسنده رقم ١٦٥. والدارمي ٣٣٧٥. وعبد الله بن أحمد جـ ٥ ص ١١٤. وابن خزيمة رقم ٥٠٠ و ٥٠١. المسألة الرابعة: أنه اختلف في إسناد هذا الحديث: فأخرجه الترمذي في تفسير "سورة الحِجْر" كما ذكرنا آنفًا، عن الحسين بن حريث، بسند المصنف، ومتنه. ثم ساقه عن قتيبة، عن عبدالعزيز بن محمد، عن العلاء بن

стр. 7268

عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ خرج على أبَيّ، وهو يصلي، فذكر نحوه بمعناه. قال: حديث عبد العزيز بن محمد أطول، وأصم، وهذا أصح من حديث عبد الحميد بن جعفر، وهكذا روى غير واحد، عن العلاء بن عبد الرحمن. وقد ساقه مطولًا في "فضائل القرآن"، فقال: حدثنا قتيبة، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ خرج على أبيِّ بن كعب، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبَيِّ" -وهو يصلي- فالتفت أبَيّ، فلم يجبه، وصلى أبيّ، فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ ، قال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: رسول الله ﷺ : "وعليك السلام، ما منعك يا أبيّ أن تجيبني، إذ دعوتك؟ " فقال: يا رسول الله، إني كنت في الصلاة، قال: "أفلم تجد فيما أوحي إلي أن: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؟ " قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله، قال: "أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلها؟ " قال: نعم يا رسول الله، فقال: رسول الله ﷺ : "كيف تقرأ في الصلاة؟ " قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، وإنها سبع من

стр. 7269

المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته". هذا حديث حسن صحيح. انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: فقد بيَّن الترمذي ﵀ أن كونه من مسند أبي هريرة ﵁. وهي رواية عبد العزيز الدراوردي- أصح من كونه من مسند أبَيِّ بن كعب ﵁ وهي رواية عبد الحميد بن جعفر- وذلك لكثرة من تابع عبد العزيز في روايته، فقد تابعه روح بن القاسم، عند النسائي -كما عزاه إليه في "الفتح" (٢) - وعبد الرحمن بن إبراهيم عند أحمد، وحفص بن ميسرة عند ابن خزيمة، كلهم عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: خرج النبي ﷺ على أبيِّ بن كعب … فذكر الحديث. وقد مال إلى ترجيح الترمذي الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى، كما في "تحفة الأشراف" جـ ١ ص ٤٠. وقال الحافظ في "الفتح" جـ ٩ ص ٦: وقد أخرج الحاكم أيضًا من

стр. 7270

طريق الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ نادى أبَيّ بن كعب … وهذا مما يقوي ما رجحه الترمذي. انتهى. وأخرجه مالك في الموطأ، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز، أخبره أن رسول الله ﷺ نادى أبَيَّ بن كعب، وهو يصلي … الحديث. قال الحافظ أبو عمر ﵀: ولم يختلف الرواة على مالك، عن العلاء في إسناد هذا الحديث، وخالفه فيه غيره عن العلاء: فرواه ابن جريج، وابن عجلان، ومحمد بن إسحاق، عن العلاء مرسلًا عن النبي ﷺ . ورواه إسماعيل ومحمد ابنا جعفر بن أبي كثير، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وروح بن القاسم، وعبد السلام بن حفص، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مسندًا. ورواه عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبيّ بن كعب، عن النبي ﷺ ، وهو الأشبه عندي. والله أعلم. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى (١). قال الجامع: الظاهر أن ابن عبد البر يميل إلي ترجيح كونه من مسند أبيِّ بن كعب ﵁. والذي يظهر لي أن ما رجحه الأولون، من كونه من مسند أبي

стр. 7271

هريرة ﵁ بدون واسطة أبَيّ، هو الأصح، لعدم متابع لعبد الحميد بن جعفر في جعله من مسند أبَيَ بن كعب، مخالفًا للحفاظ ممن رووه عن العلاء بن عبد الرحمن، وهم جماعة مع أنه مختلف فيه كما تقدم في ترجمته. والحاصل أن الحديث صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ بدون واسطة أبيّ بن كعب ﵁. فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩١٥ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُوتِيَ النَّبِيُّ ﷺ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي، السَّبْعَ الطُّوَلَ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن قُدَامَة) بن أَعْيَنَ الهاشمي مولاهم المصيصي، ثقة، مات سنة ٢٥٠ تقريبًا، من [١٠]، أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في ١٩/ ٥٢٨. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي، أبو عبد الله الكوفي، نزيل الرَّيِّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في

стр. 7272

آخر عمره يَهِمُ من حفظه، مات سنة ١٨٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهران الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة ١٤٧، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - (مسلم) بن عمران البَطِين، ويقال: ابن أبي عمران، ويقال: ابن أبي عبد الله، أبو عبد الله الكوفَي، ثقة، من [٦]. روى عن عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي وائل، وإبراهيم التيمي، وعلي بن الحسين، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبي عبد الله الجَدَلِيّ، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وأبي عمرو الشيباني، وأبي العبيد بن الأعمى، وغيرهم. وعنه ابنه شبة (١) بن مسلم، وسلمة بن كهيل، وأبو إسحاق السبيعي، وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن سُمَيع، وعبد الله بن عون، ومُخَوَّل بن راشد، وأبو فَزَارة العبسي، والمسعودي، وأبو العميس، وغيرهم. قال أحمد، وأبو حاسم، والنسائي: ثقة. زاد أبو حاتم: لم يدركه شعبة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة (٢). ٥ - (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه،

стр. 7273

قتل سنة ٩٥ ولم يكمل الخمسين، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٤٣٦. ٦ - (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر ﵄، تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود. ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمِصِّيصِيّ، وابن عباس، فمدني، ثم بصري، ثم مكي، ثم طائفي. ومنها: أن فيه رواية من هو من الأكابر، عمن هو من الأصاغر، فالأعمش تابعي، رأى أنسًا، وشيخه مسلم لم يلق صحابيًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عباس) ﵄، أنه (قال: أوتي النبي ﷺ ) أي أعطاه الله تعالى (سبعًا) أي سبع سور (من المثاني) الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لـ "سبعًا" (السبع الطُّوَل) بالنصب بدل

стр. 7274

من "سبعًا"، أي السور السبع، و"الطول" -بضم الطاء، وفتح الواو- جمع الطولى، كالكُبْرَى، والكُبَر، والفُضْلَى والفُضَل. وما قاله ابن عباس في تفسير السبع المثاني بالسبع الطول قاله ابن مسعود، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم. وهي البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. نص عليه ابن عباس، وسعيد بن جبير، قال ابن عباس ﵄: بُيِّنَ فيهن الأمثال، والخبر، والعبَر. وقال سعيد: بُيّنَ فيهن الفرائض، والحدود، والقصص، والأحكامَ. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان: المثاني: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال وبراءة سورة واحدة. وعن ابن عباس قال: هن السبع الطول، ولم يعطهن أحد إلا النبي ﷺ ، وأعطي موسى منهن اثنتين. رواه هشيم، عن الحجاج، عن الوليد بن العيزار، عن سعيد بن جبير، عنه. وعنه قال: أوتي النبي ﷺ سبعًا من المثاني الطول، وأوتي موسى ستًا، فلما ألقى الألواح رفعت اثنتان، وبقيت أربع. أخرج هذه الآثار ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير سورة الحجر جـ ١٤ص

стр. 7275

٥١ - ٥٤. وذكرها ابن كثير أيضًا في تفسيره جـ ٢ ص ٥٧٧. قال الجامع عفا الله عنه: قد صح عن ابن عباس، وغيره من الصحابة، والتابعين تفسير السبع المثاني بالسبع الطُوَل، لكن الذي صح عن رسول الله ﷺ أحق بتقديمه على غيره، على أنَ كونها هي الفاتحة لا ينافي وصف غيرها بها كما تقدم تمام البحث في ذلك في شرح حديث سعيد بن المعلى ﵁. فتفطن. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس ﵄ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٢٦/ ٩١٥ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٩٧٨ - عن محمد بن قُدَامة، عن جرير، عن الأعمش، عن مسلم البَطين، عن سعيد بن جبير، عنه. وفي ٢٦/ ٩١٦ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٩٨٨ - عن علي بن حجر، عن شريك، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد، به. وفي "الكبرى" -١١٢٧٦ - عن أحمد بن سليمان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، به.

стр. 7276

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير به. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩١٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ : ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قَالَ: السَّبْعُ الطُّوَلُ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (علي بن حُجْر) المروزي البغدادي، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٤ وقد قارب١٠٠، من صغار [٩]، أخرج له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (شريك) بن عبد الله النخعي أبو عبد الله الكوفي القاضي، صدوق يخطىء كثيرًا، مات سنة ١٧٧، من [٨]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم والأربعة، تقدم في ٢٥/ ٢٩. ٣ - (أبو إِسحاق) السبيعي، عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي، ثقة عابد، اختلط بآخره، يدلس، مات سنة ١٢٩، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٢. والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، وما يتعلق

стр. 7277

به. وبالله تعالى التوفيق. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 7278

٢٧ - تَرْكُ الْقِرَاءَةِ خَلْف الإِمَام فِيمَا لَمْ يَجهرْ فِيهِ أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على ترك قراءة المأموم وراء الإمام في الصلاة التي لا يجهر فيها الإمام. اعلم أنه اختلف أهل العلم في قراءة المأموم وراء الإمام على أقوال: منهم من ذهب إلى عدم مشروعية القراءة له أصلًا. ومنهم من قال: يقرأ إذا لم يسمع قراءة الإمام، ولا يقرأ إذا سمعها. ومنهم من قال: لابد من قراءة فاتحة الكتاب مطلقًا، وهو ظاهر مذهب المصنف رحمه الله تعالى، حيث ترجم لترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه، ثم لترك القراءة خلفه فيما جهر فيه، ثم ترجم بعدهما لوجوب قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر به الإمام، فدل على أنه يرى أن النهي عن القراءة محمول على ما عدا الفاتحةَ. وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. ٩١٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ، فَقَرَأَ رَجُلٌ

стр. 7279

خَلْفَهُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: مَنْ قَرَأَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ "، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ قَدْ خَالَجَنِيهَا". رجال هذا الإسناه: ستة ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيّ البصري، ثقة حافظ، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج، تقدم في الباب الماضي. ٤ - (قتادة) بن دِعامة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، مات سنة بضع وعشرون ومائة، رأس الطبقة [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٥ - (زُرَارة) -بضم أوله- بن أوْفَى العامري الحَرَشيّ -بمهملة، وراء مفتوحتين، ثم معجمة- أبو حاجب البصري، قاضَيها، ثقة عابد من [٣]. روى عن أبي هريرة، وعبد الله بن سلام، وتميم الداري، وابن عباس، وعمران بن حصين، وعائشة، ﵃، والمحفوظ أن

стр. 7280

بينهما سعد بن هشام، والمغيرة بن شعبة، وأنس، وأسير بن جابر، وعبد الرحمن بن أبي نُغْم، ومسروق. وعنه قتادة، وداود بن أبي هند، وعوف، وبهز بن حكيم، وأيوب، وغيرهم. قال أبو داود الطيالسي: لم يسمع من ابن مسعود. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من العباد. وقال أبو جناب القصاب: صلى بنا زرارة الفجرَ، ولما بلغ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر:٨، ٩] شهق شهقة، فمات. وقال ابن سعد: مات فجأة سنة ٩٣، وكان ثقة، وله أحاديث. وذكر ابن حبان أنه مات في أول قدوم الحجاج العراق في ولاية عبد الملك. وقال العجلي: بصري ثقة رجل صالح. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي: هل سمع زرارة من ابن سلام، قال: ما أراه، ولكن يدخل في المسند، وقد سمع من عمران، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃. أخرج له الجماعة (١). ٦ - (عمران بن حصين) بن عُبيد بن خَلَف الخُزاعي، أبو نُجَيد أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلًا، وقضي بالكوفة، مات سنة ٥٢ بالبصرة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠١/ ٣٢١. والله تعالى أعلم.

стр. 7281

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات. ومنها: أنهم من رجال الجماعة. ومنها: أن شيخه هو أحد التسعة الذين روى الستة عنهم بدون واسطة. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ قتادة، عن زرارة. ومنها: أن فيه قتادة، وهو مدلس، لكن الراوي عنه شعبة، وهو لا يروي عن شيوخه المدلسين، مثل قتادة، والأعمش، وأبي إسحاق السبيعي، إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقد وقع التصريح لقتادة في هذا الحديث من طريق شعبة، في رواية لمسلم، فقال: "سمعت زرارة بن أوفى". والله تعالى أعلم (١). شرح الحديث (عن عمران بن حصين) ﵄، أنه (قال: صلى النبي ﷺ الظهر) هكذا في رواية المصنف، ومسلم، وأبي داود "الظهر" بدون شك، وفي الرواية التالية، وهي رواية لمسلم من طريق

стр. 7282

أبي عوانة، عن قتادة: "صلى الظهر، أو العصر" بالشك (فقرأ رجل خلفه) ﷺ (﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) مفعول "قرأ" محكي لقصد لفظه (فلما صلى) أي لما فرغ النبي ﷺ من صلاته (قال: من قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟) وفي رواية أبي عوانة التالية: "أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ " ونحوه في رواية مسلم. وهذا ظاهر في أن الرجل جهر حتى سمع منه ﷺ (قال رجل: أنا) وفي رواية أبي عوانة: "فقال رجل من القوم: أنا، ولم أرد بها إلا الخير" (قال) النبي ﷺ (قد علمت أن بعضكم خالجنيها) أي نازعني السورة المذكورة. وأراد بهذا الكلام الإنكار على الرجل في جهره بالقراءة، حيث أسمع غيره، فخلط عليه، لا عن أصل القراءة؛ لأن الجهر هو الذي يقع به المخالجة والمنازعة، وهذا الإنكار لما سوى الفاتحة، كما هو الظاهر من الحديث، وللأدلة الأخرى، كما يأتي بيانها، إن شاء الله تعالى. وقال النووي ﵀: ومعنى هذا الكلام الإنكارُ في جهره، أو رفع صوته بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا يقرءون السورة في الصلاة السرية. وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم، وهذا الحكمُ عندنا، ولنا وجه شاذ ضعيف أنه لا يقرأ المأموم السورة في السرية، كما لا يقرؤها في الجهرية، وهذا غلط؛ لأنه في الجهرية يؤمر بالإنصات، وهنا لا يسمع، فلا معنى لسكوته من غير

стр. 7283

استماع، ولو كان في الجهرية بعيدًا عن الإمام لا يسمع قراءته، فالأصح أنه يقرأ السورة، لما ذكرناه. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عمران بن حصين ﵄ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٧/ ٩١٧، ٥٠/ ١٧٤٤ - وفي "الكبرى" -٢٧/ ٩٨٩ - عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن زُرَارَة بن أوفَى، عنه. وفي ٢٧/ ٩١٨، و"الكبرى" ٢٧٩٩٠ عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة، به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، به. وعن سعيد بن منصور، وقتيبة، كلاهما، عن أبي عوانة، به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية - وعن محمد بن المثنى، عن محمد بن أبي عدي - كلاهما عن ابن أبي عروبة، عن

стр. 7284

قتادة، به. وأبو داود فيه عن أبي الوليد الطياليسي، ومحمد بن كثير العبدي، كلاهما عن شعبة، به. وعن ابن المثنى، عن ابن أبي عدي، به. وأخرجه الحميدي رقم ٨٣٥. وأحمد ٤/ ٤٢٦ و ٤٣١ و ٤٣٣ و ٤٤١. والبخاري في "جزء القراءة" رقم ٨٢ و ٨٨ و ٩٠ و ٩١ و ٩٢ و ٩٣ و ٩٤ و ١٠٠ و ٢٥٩ و ٢٦٠. المسألة الرابعة: في بيان اختلاف أهل العلم في حكم القراءة خلف الإمام: قال النووي ﵀ في "المجموع ": قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في "جامعه": القراءة خلف الإمام هي قول أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، قال: وبه يقول مالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال ابن المنذر ﵀: قال الثوري، وابن عيينة، وجماعة من أهل الكوفة: لا قراءة على المأموم. وقال الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: لا يقرأ في الجهرية، وتجب القراءة في السرية. وقال ابن عون، والأوزاعي، وأبو ثور، وغيره من أصحاب الشافعي: تجب القراءة على المأموم في السرية والجهرية. وقال الخطابي: قالت طائفة من الصحابة ﵃: تجب

стр. 7285

على المأموم، وكانت طائفة منهم لا تقرأ. واختلف الفقهاء بعدهم على ثلاثة مذاهب، فذكر المذاهب التي حكاها ابن المنذر، وحكى الإيجاب مطلقًا عن مكحول. وحكاه أبو الطيب عن الليث بن سعد، وحكى العبدري عن أحمد أنه يستحب له أن يقرأ في سكتات الإمام، ولا يجب عليه، فإن كانت جهرية، ولم يسكت لم يقرأ، وإن كانت سرية استحب الفاتحة وسورة. وقال أبو حنيفة: لا تجب على المأموم. ونقل القاضي أبو الطيب، والعبدري عن أبي حنيفة: إن قراءة المأموم معصية. والذي عليه جمهور المسلمين القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية. قال البيهقي: وهو أصح الأقوال على السنة، وأحوطها، ثم روى الأحاديث فيه، ثم رواه بأسانيده المتعددة عن عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وهشام بن عامر، وعمران، وعبد الله بن مغفل، وعائشة، ﵃. قال: ورويناه عن جماعة من التابعين، فرواه عن عروة بن الزبير، ومكحول، والشعبي، وسعيد بن جبير، والحسن البصري ﵏ (١).
следующие страницы →