← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقال جرير بن عبد الحميد: مر بنا حمزة الزيات فاستسقى، فدخلت البيت فجئته بالماء، فلما أردت أن أناوله نظر إلى فقال: أنت هو؟ قلت نعم، فقال: أليس تحضرنا في وقت القراءة؟ قلت: نعم، فرده، وأبى أن يشرب ومضى. وأهدى أصحاب الحديث للأوزاعى شيئا، فلما اجتمعوا، قال لهم: أنتم بالخيار إن شئتم قبلته، ولم أحدثكم، أورددته وحدثتكم، فاختاروا الرد وحدثهم، ونحوه عن حماد بن سلمة كما قال الخطيب في الكفاية. وقال هبة الله بن المبارك السقطي: كان أبو الغنائم محمد بن علي بن الحسن بن الدجاجي البغدادي ذا وجاهة وتقدم وحال واسعة وعهدي بي، وقد أخذني عليه الزمان بصروفه، وقد قصدته في جماعة مثرين لنسمع منه، وهو مريض، فدخلنا عليه، وهو على بادية، وعليه جبة قد أكلت النار أكثرها، وليس عنده ما يساوي درهما، فحمل على نفسه حتى قرأنا عليه بحسب شرهنا، ثم قمنا، وقد تحمل المشقة في إكرامنا، فلما خرجنا قلت: هل مع سادتنا ما نصرفه إلى الشيخ؟ فمالوا إلى ذلك، فاجتمع له نحو خمسة مثاقيل، فدعوت ابنته وأعطيتها، ووقفت لأرى تسليمها إليه، فلما دخلت وأعطته لَطَمَ حُرَّ وجهه، ونادى وافضيحتاه! آخذ على حديث رسول ﷺ عوضا؟ لا والله، ونهض حافيا، فنادى بحرمة ما بيننا إلا رجعت، فعدت إليه، فبكى، وقال: تفضحني مع أصحاب الحديث؟ الموت أهون من ذلك، فأعدت الذهب إلى الجماعة، فلم يقبلوه، وتصدقوا به. ومرض أبو الفتح الكروخي راوي الترمذي، فأرسل إليه بعض من كان يحضر مجلسه شيئا من الذهب، فما قبله، وقال: بعد السبعين، واقتراب الأجل آخذ على حديث رسول الله ﷺ شيئا، ورده مع الاحتياج إليه.

стр. 737

المذهب الثاني: الجواز للحاجة والفقر: وممن قال بهذا: أبو نعيم الفضل بن دُكَين، فقد كان يأخذ على التحديث الأجر بحيث كان إذا لم يكن معهم دراهم صحاح، بل مكسرة أخذ صرفها. ومنهم: عفان بن مسلم، أحد الحفاظ الأثبات من شيوخ البخاري، فقد قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله، يعني الإمام أحمد يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نَلقَى من الناس في أمرهما ما اللهُ به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد مثل ما قاما به: عفان وأبو نعيم، يعني بقيامهما عدم الإجابة في المحنة، وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث، ووصف أحمد مع هذا عفان بالثبت، وقيل له: مَن تابع عفان على كذا؟ فقال: وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد؟ وأبا نعيم الحجةَ الثبتَ، وقال مرة: أنه يزاحَمُ به ابنُ عيينة، وهو على قلة روايته أثبت من وكيع، إلى غير ذلك من الروايات عنه، بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله. فيمكن الجمع بين هذا وإطلاقهما كما مضى أولا عدم الكتابة بأن ذلك في حق من لم يبلغ هذه المرتبة في الثقة والتثبت، أو الأخذ مختلف في الموضعين، كما يشعر به السؤال لأحمد هناك، ومضايقة البغوي التي كانت سببا لامتناع النسائي من الرواية عنه، كما سيأتي قريبًا. وعلى هذا يحمل قول محمد بن عبد الملك بن أيمن: لم يكونوا يعيبون مثل هذا، إنما العيب عندهم الكذب. وممن كان يأخذ ممن احتج به الشيخان: يعقوب الدورقي، كما ذكره النسائي هنا، ومنهم هشام بن عمار، فقد قال ابن عدي: سمعت قسطنطين يقول: حضرت مجلسه، فقال له المستملي: من ذكرتَ؟ فقال له: بعض مشايخنا، ثم نعس، فقال لهم المستملي: لا تنتفعون به، فجمعوا له شيئا، فأعطوه، فكان بعد ذلك يُمْلي عليهم.

стр. 738

بل قال الإسماعيلي: عن عبد الله بن محمد بن سَيَّار: أن هشاما كان يأخذ على كل ورقتين درهما ويشارط، ولذا قال ابن وَارَة: عزمت أن أمسك عن حديث هشام؛ لأنه كان يبيع الحديث، وقال صالح بن محمد: إنه كان لا يحدث ما لم يأخذ. ومنهم: علي بن عبد العزيز البغوي نزيل مكة وأحد الحفاظ المكثرين مع علو الإسناد، فإنه كان يطلب الأجر على التحديث، وآخرون. وهؤلاء فعلوه ترخصا للحاجة فقد قال علي بن خشرم: سمعت أبا نعيم الفضل يقول: يلومونني على الأخذ، وفي بيتي ثلاثة عشر نفسا، وما فيه رغيف، ورآه بشر بن عبد الواحد في المنام بعد موته فسأله: ما فعل بك ربك في ذلك؟ فقال: نظر القاضي في أمري، فوجدني ذا عيال، فعفا عني. وكذا كان البغوي يعتذر بأنه محتاج، وإذا عاتبوه على الأخذ حين يقرأ كتب أبي عبيد على الحاج إذا قدم عليه مكة يقول: يا قوم أنا بين الأخشبين إذا خرج الحاج نادى أبو قبيس قُعَيقعَان مَن بقي؟ فيقول: بقي المجاورون، فيقول: أطبقْ. لكن قد قبحه النسائي ثلاثا، ولم يرو عنه شيئا، لا لكذبه، بل لأنه اجتمع قوم للقراءة عليه فبروه بما سهل عليهم، وفيهم غريب فقير، فأعفوه لذلك، فأبى إلا أن يدفع كما دفعوا، أو يخرج عنهم، فاعتذر الغريب بأنه ليس معه إلا قصعة صغيرة فأمره بإحضارها، فلما أحضرها حدثهم. ونحوه أن أبا بكر الأنصاري المعروف بقاضي المرستان، شَمَّ من أبي الحسن سعد الخير الأنصاري رائحة طيبة، فسأله عنها؟ فقال: هي عود، فقال: ذا عود طيب، فحمل إليه نزرا قليلا، ودفعه لجارية الشيخ، فاستحيت من إعلامه به لقلته، وجاء سعد الخير على عادته، فاستخبر الشيخ عن وصول العود، فقال له: لا، وطلب الجارية، فاعتذرت

стр. 739

لقلته، وأحضرت ذلك فأخذه الشيخ بيده، وقال لسعد الخير: أهو هذا؟ قال: نعم، فرمى به إليه، وقال: لا حاجة لنا فيه، ثم طلب منه سعد الخير أن يسمع ولده جزء الأنصاري، فحلف أن لا يسمعه إياه إلا أن يحمل إليه خمسة أمناء من عود، فامتنع، وألح على الشيخ في تكفير يمينه فما فعل، ولا حمل هو شيئا، ومات الشيخ ولم يسمع ابنه الجزء ولكنه في المتأخرين أكثر. ومنهم: من كان يمتنع من الأخذ من الغرباء خاصة، فروى السِّلَفيّ في معجم السَّفَر له، من طريق سهل بن بشير الإسفرائيني قال: اجتمعنا بمصر طبقة من طلبة الحديث، فقصدنا علي بن مُنير الخلال، فلم يأذن لنا في الدخول، فجعل عبد العزيز بن علي النخشبي فاه على كوة بابه ورفع صوته بقوله: قال رسول الله ﷺ : "من سئل عن علم" الحديث، قال: ففتح لنا الباب ودخلنا، فقال: لا أحدث اليوم إلا من وزن الذهب، فأخذ من كل من حضر من المصريين، ولم يأخذ من الغرباء شيئا، وكان فقيرًا لم يكن له من الدنيا شيء وهو من الثقات. ومنهم: من لم يكن يشترط شيئا ولا يذكره غير أنه لا يمتنع من قبول ما يعطى له بعد ذلك أو قبله. ومنهم: من كان يقتصر في الأخذ على الأغنياء. ومنهم: من كان يمتنع في الحديث فقط، قال أبو أحمد بن سكينة: قلت للحافظ ابن ناصر أريد أن أقرأ عليك شرح ديوان المتنبي لأبي زكريا، وكان يرويه عنه، فقال: إنك دائما تقرأ علي الحديث مَجَّانًا، وهذا شعر، ونحن نحتاج إلى دفع شيء من الأجر عليه، لأنه ليس من الأمور الدينية، قال: فذكرت ذلك لوالدي فدفع إلى كاغدًا (١) فيه خمسة دنانير، فأعطيته إياه، وقرأت عليه الكتاب، وكان مع ذلك فقيرا.

стр. 740

ونحوه أن أبا نصر محمد بن موهوب البغدادي الضرير الفرضي كان يأخذ الأجرة ممن يعلمه الجبر والمقابلة دون الفرائض والحساب، ويقول: الفرائض مهمة، وهذا من الفضل حكاهما ابن النجار. ومنهم: من كان لا يأخذ شيئا، ولكن يقول: إن لنا جيرانا محتاجين، فتصدقوا عليهم، وإلا لم أحدثكم، قال زيد بن الحباب عن شيخه: إنه كان يفعله. المذهب الثالث: الجواز لمن كان مشغولا عن الكسب لعياله، وهذا هو المختار كما يأتي للسيوطي في ألفيته. وممن أفتى بذلك: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، حين سأله مُسْند العراق في وقته أبو الحسين بن النَّقُّور، لكون أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله فكان يأخذ كفايته، وعلى نسخة طالوت ابن عباد أبي عثمان الصيرفي بخصوصها دينارا، واتفق أنه جاء غريب فأراد أن يسمعها منه، فاحتال بأن اقتصر على كنية طالوت لكونه لم يكن يعرفه بها، وذلك أنه قال له: أخبرك أبو القاسم بن حبابة، قال: حدثنا البغوي، حدثنا أبو عثمان الصيرفي، وساق النسخة إلى آخرها، فبلغ مقصوده بدون دينار، لكون ابن النقور لم يعلم أن أبا عثمان الصيرفي هو طالوت. وممن أفتى بالجواز قبل أبي إسحاق: ابنُ عبد الحكم المالكي ﵀، فقال خالد بن سعد الأندلسي: سمعت محمد بن فطيس وغيره يقولون: جمعنا لابن أخي ابن وهب، يعني أحمد بن عبد الرحمن دنانير أعطيناها إياه، وقرأنا عليه موطأ ابن عمه وجامعه، قال محمد: فصار في نفسي من ذلك، فأردت أن أسأل ابن الحكم، فقلت: أصلحك الله، العالم يأخذ على قراءة العلم؟ فاستشعر فيما ظهر لي، أني إنما أسأله عن أحمد، فقال لي: جائز، عافاك الله حلال، ألا أقرأ لك ورقة إلا بدرهم، ومن أخذني أن أقعد معك طول النهار، وأدع ما يلزمني

стр. 741

من أسبابي ونفقة عيالي؟. قال السخاوي ﵀: إذا علم هذا، فالدليل لمطلق الجواز القياس على القرآن، فقد جوَّز أخنه الأجرة على تعليمه الجمهور، لقوله ﷺ : "أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله". والأحاديث الواردة في الوعيد على ذلك (١) لا تنتهض بالمعارضة، إذ ليس فيها ما تقوم به الحجة خصوصا، وليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الصحيح، وقد حملها بعض العلماء على الأخذ فيمن تعين عليه تعليمه، لا سيما عن عدم الحاجة. وكذا يمكن أن يقال في تفسير أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة من آية رقم ٤١] أي لا تأخذوا عليه أجرا، وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم عَلِّم مجَّانا، كما عُلِّمت مجانا. وليس في قول عازب لأبي بكر حين سأله أن يأمر ابنه البراء ﵃ يحمل ما اشتراه منه معه: لا حتى يحدثنا بكذا، مُتَمَسَّك للجواز لوقفه، كما قال شيخنا -يعني الحافظ بن حجر- على أن عازبا لو استمر على الامتناع من إرسال ابنه، لاستمر أبو بكر على الامتناع من التحديث يعني، فإنه حينئذ لو لم يجز لما امتنع أبو بكر ولا أقر عازبا عليه ولكن ليس هذا بلازم، لاحتمال أن يكون امتناعه تأديبا وزجرا، وتقريره عازبا، فلكونه فهم عنه قصد المبادرة لإسماع ابنه وكونه حاضرا معه،

стр. 742

خوفا من الفوات، لا خصوص هذا الحكي، وعلى هذا فما بقي متمسك، وعلى كل حال فقد سبق للمنع من الاستدلال به الخطابي، وابن الجوزي. وقال: ومن المهم هنا أن نقول قد علم أن حرص الطلبة للعلم قد فتر، لا، بل قد بطل، فينبغي للعلماء أن يحببوا إليهم، وإلا فإذا رأى طالب الأثر أن الإسناد يباع، والغالب على الطلبة الفقر، ترك الطلب فكان سببا لموت السنة ويدخل هؤلاء في معنى الذين يصدون عن ذكر الله، وقد رأينا من كان على مأثور السلف في نشر السنة بورك له في حياته، وبعد مماته، وأما من كان على السيرة التي ذممناها لم يبارك له على غزارة علمه. اهـ. وقد حكى ابن الأنماطي الحافظ قال: رَغَّبْتُ أبا علي حنبلَ بن عبد الله البغدادي الرصَافي راوي مسند أحمد في السفر إلى الشام، وكان فقيرا جدا، فقلت له: يحصل لك من الدنيا طرف صالح، وتُقبل عليك وجوه الناس ورؤساؤهم، فقال: دعني، فوالله ما أسافر لأجلهم، ولا لما يحصل منهم، وإنما أسافر خدمة لحديث رسول الله ﷺ أروي أحاديثه في بلد لا تروى فيه، قال: ولما عَلم اللهُ منه هذه النية الصالحة، أقبل بوجوه الناس إليه، وحرك الهمم للسماع عليه، فاجتمع إليه جماعة لا نعلمها اجتمعت في مجلس سماع قبل هذا بدمشق، بل لم يجتمع مثلها قط لأحد ممن روى المسند نسأل الله الإخلاص قولا وفعلا اهـ. خلاصة ما كتبه الحافظ السخاوي في فتح المغيث شرح ألفية الحديث للحافظ العراقي (في باب من تقبل روايته ومن ترد) جـ ١/ ص ٣٢٠ - ٣٢٨ وقال الحافظ السيوطي ﵀ في ألفيته مشيرًا إلى المذاهب المذكورة: وآخدٌ أجْرَ الحديث يَقدَحُ … جَمَاعَةٌ وآخَرُونَ سَمَحُوا وآخَرُونَ جَوَّزُوا لمَنْ شُغِلْ … عَنْ كسبه فَاخْتِيرَ هَذَا وَقُبِلْ إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 743

٤٧ - بَابُ مَاءِ البَحْرِ أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على حكم ماء البحر. قال في المصباح: البحر معروف، والجمع بُحُور، وأبْحُر، وبِحَار، سمي بذلك لاتساعه، ومنه قيل فرس بحر، إذا كان واسع الجَري، ويقال للدم الشديد العمرة: باحر، وبَحرَاني، وقيل: الدم البحراني: منسوب إلى بحر الرحم، وهو عمقها، وهو مما غير في النسب لئلا يلتبس بالنسبة إلى البحر. اهـ بتغيير يسير. ٥٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ". رجال الإسناد: ستة ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني ثقة ثبت [١٠] تقدم في ١/ ١.

стр. 744

٢ - (مالك) بن أنس إمام دارالهجرة ثقة حجة فقيه [٧] تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (صفوان بن سليم) بالتصغير الزهري، مولاهم، أبو عبد الله المدني، عن ابن عمر، وأبي أمامة بن سهل، ومولاه حميد بن عبد الرحمن بن عوف،، وابن المسيب، وعنه زيد بن أسلم، وابن المنكدر، ويزيد بن أبي حبيب، ومالك والليث، وخلق، قال أحمد: ثقة من خيار عباد الله الصالحين، يستشفى بحديثه، وينزل المطر من السماء بذكره (١)، وقال أنس بن عياض: رأيت صفوان بن سليم، ولو قيل له: غدًا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة، قال أبو عبيدة: مات سنة ١٣٢ أخرج له الجماعة وفي (ت) ثقة مُفْت عابد، رمي بالقدر، من الرابعة. ٤ - (سعيد بن سلمة) بفتحتين المخزومي من آل ابن الأزرق، روى عن المغيرة بن أبي بردة، وعن أبي هريرة هذا الحديث، وعنه صفوان بن سليم، والجُلاح أبو كثير، وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في الميزان: سعيد بن سلمة المدني صاحب حديث "هو الطهور ماؤه" فصدوق، تفرد به عن المغيرة بن أبي بردة بذلك، لكن وثقه النسائي. اهـ. جـ ٢/ ص ١٤١. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: وهو حديث في إسناده اختلاف، وصحح البخاري فيما حكاه عنه الترمذي في العلل المفرد حديثه، وكذا صححه ابن خزيمة، وابن حبان وغير واحد. اهـ وأخرج له الأربعة، وفي (ت) وثقه النسائي، من السادسة. ٥ - (المغيرة بن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء، الحجازي الكناني، ويقال ابن عبد الله بن أبي بردة، روى عن أبي هريرة، وزياد ابن نعيم الحضرمي، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وصفوان بن

стр. 745

سليم، والحارث بن يزيد، وسعيد بن سلمة المخزومي، وغيرهم، وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقد وَهِمَ من قال: إنه مجهول لا يعرف، روى له النسائي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وفي (ت) وثقه النسائي، وقد ولي إمرة الغزو بالمغرب، من الثالثة، مات بعد المائة. ٦ - (أبو هريرة) الدوسي ﵁، وقد تقدم في ١/ ١. لطائف الإسناد من لطائف هذا الإسناد أنه من سداسياته. وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم مدنيون ما عدا شيخ المصنف فبغلاني شرح الحديث (عن سعيد بن سلمة) المخزومي المدني (أن المغيرة) بضم الميم وحكي كسرها (ابن أبي بردة) ويقال ابن عبد الله بن أبي بردة (من بني عبد الدار) حال من المغيرة، أي حال كونه منهم (أخبره) أي سعيدا فالضمير المرفوع يرجع إلى المغيرة، والمنصوب إلى سعيد، أفاده في المنهل (أنه سمع أبا هريرة) أي المغيرة سمع أبا هريرة ﵁ كذا في الموطأ وباقي السنن، وهو الصواب، أما من قال فيه: عن المغيرة عن أبيه، فقد وهم، كما قاله ابن حبان، وعلى فرض صحته، فلا يوهم: إرسالا في الإسناد للتصريح فيه بسماع المغيرة من أبي هريرة، وعليه فرواية هذا البعض من المزيد في متصل الأسانيد اهـ. المنهل جـ ١/ ص ٢٧٧. (يقول: سأل رجل) هو كما في بعض الطرق الآتية عبد الله وكذا ساقه ابن بَشْكوَال بإسناده، وأورده الطبراني فيمن اسمه عبد، وتبعه أبو موسى الحافظ الأصفهاني، في كتابه معرفة الصحابة، فقال: عبد أبو زمعة البَلَوي، الذي سأل النبي ﷺ عن ماء البحر، قال ابن منيع: بلغني

стр. 746

أن اسمه عبد، وقيل: اسمه عبيد بالتصغير، وقال السمعاني في الأنساب: اسمه العَرَكيّ، وغلط في ذلك، وإنما العَرَكيّ وصف له، وهو مَلاَّح السفينة. اهـ. نيل الأوطار جـ ١/ ص ٣٥. وعند الدارقطني عبد الله المدلجي، وفي رواية الدارمي قال: أتى رجل من بني مدلج إلى رسول الله ﷺ ، وفي رواية للحاكم: فجاءه صياد، أفاده في المنهل جـ ١/ ص ٢٧٧. (إنا نركب البحر) أي مراكبه من السفن، زاد الحاكم: "نريد الصيد" قال الزرقاني: المراد من البحر الملح؛ لأنه المتوهم فيه؛ لأنه مالح، ومُرّ وريحه مُنتن. اهـ تحفة الأحوذي جـ ١/ ص ٢٢٥. (ونحمل معنا القليل من الماء) أي العذب، وفي رواية لأحمد والحاكم والبيهقي، قال: كنا عند رسول الله ﷺ يوما فجاء صياد فقال: يا رسول الله إنا ننطلق في البحر، نريد الصيد، فيحمل أحدنا معه الإداوة وهو يوجو أن يأخذ الصيد قريبا، فربما وجده كذلك، وربما لم يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكانا لم يظن أن يبلغه، فلعله يحتلم، أو يتوضأ، فإن اغتسل، أو توضأ بهذا الماء، فلعل أحدنا يهلكه العطش، فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل به، أو نتوضأ إذا خفنا ذلك؟ فقال: "اغتسلوا منه وتوضؤا به" وفي رواية للدارمي: ونحمل معنا من العذب لشفاهنا، يعني لشربنا، فإن نحن توضأنا به خشينا على أنفسنا، وإن نحن آثرنا بأنفسنا، وتوضأنا من البحر، وجدنا في أنفسنا من ذلك، فخشينا أن لا يكون طهورا" اهـ المنهل جـ ١/ ص ٢٧٧. (فإن توضأنا به عطشنا) بكسر الطاء من باب علم، أي أصابنا الظمأ لفقد الماء اهـ المنهل. وفي المصباح: عَطِشَ عَطَشًا فهو عَطِش وعَطْشان، وامرأة عَطشَة وعَطْشَى، ويجمعان على عطاش بالكسر، ومكان عَطش ليس به ماء،

стр. 747

وقيل: قليل الماء. اهـ. (أفنتوضأ من ماء البحر؟) وفي رواية أبي داود "بماء البحر" قال في النهل: الفاء عاطفة على محذوف، تقديره: أهو طهور فنتوضأ، وإنما توقفوا عن التطهر بمائه، لما ذكر من أنه مُرّ مالح، ريحه منت، وما كان هذا شأنه لا يشرب، فتوهموا أن ما لا يشرب لا يتطهر به. اهـ. (فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور) بفتح الطاء أي الطاهر المطهر (ماؤه) ذكر الماء يقتضي أن الضمير في قوله "هو الطهور" للبحر، إذ لو أريد به الماء لما احتاج إلى قوله: "ماؤه" إذ يصير المعنى الماء طهور ماؤه، وهو فاسد، وفي لفظ للدارمي "فإنه الطاهر ماؤه" ولم يقل في الجواب: نعم، مع حصول الغرض به، ليقرن الحكم بعلته، وهو الطهورية المتناهية في بابها، ودفعا لتوهم حمل لفظ نعم على الجواز على سبيل الرخصة للضرورة، ولما يفهم من الجواب بنعم من أنه إنما يتوضأ به فقط؛ لأنه المسؤل عنه، وفي إجابته بقوله "الطهور ماؤه" بيان أن الطهورية وصف لازم له غير قاصر على حالة الضرورة، وغير خاص بحدث دون حدث، بل يرفع كل حدث، ويزيل كل خبث. وفي شرح العيني: قوله "هو الطهور ماؤه" هو مبتدأ، و"الطهور" مبتدأ ثان، و"ماؤه" خبر المبتدإ، والجملة خبر المبتدإ الأول، ويجوز كون "ماؤه" فاعلا للطهور، ويكون "الطهور" مع فاعله خبرا للمبتدإ؛ لأن الطهور صيغة مبالغة، وهي كاسم الفاعل في العمل. وهذا التركيب فيه القصر، لأن المبتدأ والخبر معرفتان، وهو من طرق القصر، وهو من قصر الصفة على الموصوف، لأنه قصر الطهورية على ماء البحر وهو قصر ادّعائي قُصدَ به المبالغة، لعدم الاعتداد بغير المقصور عليه، لا قصر حقيقي، لأن الطهورية ليست بمقصورة على ماء البحر فقط، والظاهر أنه قصر تعيين، لأن السائل كان مترددا بين جواز الوضوء به وعدمه، فعين له ﷺ الجواز بقوله: "هو الطهور ماؤه" اهـ بتصرف،

стр. 748

كما نقله عنه في المنهل ١/ ٢٧٨. وفي النيل: وتعريف الطهور باللام الجنسية المفيدة للحصر لا ينفي طهورية غيره من المياه لوقوع ذلك جوابا لسؤال من شك في طهورية ماء البحر، من غير قصد للحصر، وعلى تسليم أنه لا تخصيص بالسبب، ولا يقصر الخطاب العام عليه، فمفهوم الحصر المفيد لنفي الطهورية عن غير مائه عموم، مخصص بالمنطوقات الصريحة القاضية باتصاف غيره بها. اهـ جـ ١/ ص ٣٦. (الحِلّ) بكسر الحاء المهملة، أي الحلال، كما في رواية للدارمي، والدارقطني، من حَلَّ الشيءُ يَحِلّ بالكسر، حِلاّ: خلاف حَرُم، فهو حَلَال، وحلّ أيضا فوصفه بكل منهما وصف بالمصدر اهـ المنهل. (ميتته) بفتح الميم، وإعرابه كسابقه، والمراد ما مات من حيوانه بلا ذكاة. قال الخطابي: بفتح الميم وعوام الناس يكسرونها، وإنما هو بالفتح، يريد حيوان البحر إذا مات فيه اهـ زهر جـ ١/ ص ٥٠. وقال في المنهل: وترك العاطف لما بين الجملتين من المناسبة في الحكم، والعطف يشعر بالغايرة، وسألوه ﷺ عن ماء البحر، فأجابهم عن مائه وطعامه، لعلمه أنه قد يُعْوزُهُم الزاد في البحر كما يعوزهم الماء، فلما جمعتهما الحاجة انتظم الجواب بهما. وأيضا علم طهارة الماء مستفيض عند الخاصة والعامة، وعلم ميتة البحر، وكونهما حلالا مشكل في الأصل، فلما رأى السائل جاهلا بأظهر الأمرين، غير مستبين للحكم فيه، علم أن أخفاهما أولى بالبيان، أو يقال إنه ﷺ لما أعلمهم بطهارة ماء البحر، وقد علم أن في البحر حيوانا قد يموت فيه، والميتة نجس، احتاج إلى أن يعلمهم أن حكم هذا

стр. 749

النوع من الميتة خلاف حكم الميتات لئلا يتوهموا أن ماءه نجس بحلولها فيه. اهـ. المنهل جـ ١/ ص ٢٧٨. مسائل تتعلق بحديث الباب المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا في ٥٩، وفي الكبرى ٥٨ بهذا السند، وفي الصيد عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: قال الحافظ في التلخيص: حديث البحر "هو الطهور ماؤه" رواه مالك والشافعي عنه، والأربعة، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، وصححه البخاري فيما حكاه عنه الترمذي، وتعقبه ابن عبد البر بأنه لو كان صحيحا عنده لأخرجه في صحيحه، وهذا مردود؛ لأنه لم يلتزم الاستيعاب، ثم حكم ابن عبد البر مع ذلك بصحته لتلقي العلماء له بالقبول، فرده من حيث الإسناد، وقبله من حيث المعنى، وقد حكم بصحة جملة من الأحاديث لا تبلغ درجة هذا ولا تقاربه. ورجح ابن منده صحته، وصححه أيضا ابن المنذر، وأبو محمد البغوي ومداره على صفوان بن سليم، عن سعيد بن سَلَمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر" الحديث، رواه عنه مالك، وأبو أويس، قال الشافعي: في إسناد هذا الحديث من لا أعرفه. قال البيهقي: يحتمل أن يريد سعيد بن سلمة، أو المغيرة، أو كليهما

стр. 750

قال الحافظ: قلت: لم ينفرد به سعيد، عن المغيرة، فقد رواه عنه يحيى ابن سعيد الأنصاري، إلا أنه اختلف عليه فيه، والاضطراب منه. فرواه ابن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن رجل من أهل المغرب، يقال له المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، أن ناسا من بني مدلج أتوا رسول الله ﷺ فذكره، وقيل عنه، عن المغيرة عن رجل من بني مدلج. وقيل عن يحيى، عن المغيرة، عن أبيه، وقيل: عن يحيى عن المغيرة بن عبد الله، أو عبد الله بن المغيرة، وقيل: عن يحيى، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبيه، عن رجل من بني مدلج اسمه عبد الله مرفوعا، وقيل: عن يحيى، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبي بردة مرفوعا، وقيل: عن المغيرة عن عبد الله المدلجي، ذكرها الدارقطني، وقال: وأشبهها بالصواب قول مالك، ومن تابعه، وقال ابن حبان: من قال فيه: عن المغيرة، عن أبيه، فقد وَهِمَ، والصواب: عن المغيرة عن أبي هريرة. وأما حال المغيرة: فقد روى الآجري عن أبي داود أنه قال: المغيرة ابن أبي بردة معروف، وقال ابن عبد البر: وجدت اسمه في مغازي موسى بن نصير، وقال ابن عبد الحكم: اجتمع عليه أهل إفريقية أن يؤمروه بعد قتل يزيد بن أبي مسلم، فأبى. اهـ. ووثقه النسائي، فعلم بهذا غلط من زعم أنه مجهول لا يعرف. وأما سعيد بن سلمة: فقد تابع صفوان بن سليم على روايته له عنه الجُلاحُ أبو كَثير، رواه عنه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وغيرهما، ومن طريق الليث رواه أحمد والحاكم والبيهقي عنه، وسياقه أتم قال: "كنا عند رسول الله ﷺ يوما فجاء صياد" الحديث، وتقدم قريبا بنصه.

стр. 751

قال الحافظ: ورواه عن مالك مختصرا للقصة، قال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن حماد بن خالد، عن مالك بسنده، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". قال الحافظ: وفي الباب عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" رواه أحمد وابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم من طريق عبيد الله بن مقسم عنه، قال أبو علي بن السكن: حديث جابر أصح ما روي في هذا الباب. ورواه الطبراني في الكبير، والدارقطني، والحاكم، من حديث المُعَافى بن عمران،، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر وإسناده حسن، ليس فيه إلا ما يخشى من التدليس، ورواه الدارقطني، والحاكم من حديث موسى بن سلمة عن ابن عباس، قال: سئل رسول الله ﷺ عن ماء البحر، فقال: "ماء البحر طهور" ورواته ثقات، لكن صحح الدارقطني وقفه. ورواه ابن ماجه من حديث يحيى بن بكير عن الليث عن جعفر بن ربيعة، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي قال: كنت أصيد، وكانت لي قِربة أجعل فيها ماء، وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" قال الترمذي: سألت محمدا عنه، فقال: هذا مرسل، لم يدرك ابن الفراسي النبي ﷺ ، والفراسي له صحبة. قال الحافظ: فعلى هذا كأنه سقط من الرواية عن أبيه، أو أن قوله: ابن، زياد ة فقد ذكر البخاري أن مسلم بن مخشي لم يدرك الفراسي نفسه، وإنما رَوَىَ عن ابنه، وإن الابن ليست له صحبة. وقد رواه البيهقي من طريق شيخ شيخ ابن ماجه يحيِى بن بكير، عن

стр. 752

الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن مسلم بن مخشي، أنه حدثه أن الفراسي قال: كنت أصيد، فهذا السياق مجود، وهو على رأي البخاري مرسل، وروى الدارقطني، والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "ميتة البحر حلال، وماؤه طهور" وهو من طريق المثنى، عن عمرو، والمثنى ضعيف. ووقع في رواية الحاكم: الأوزاعي بدل المثنى، وهو غير محفوظ، ورواه الدارقطني، والحاكم من حديث علي بن أبي طالب، من طريق أهل البيت، وفي إسناده من لا يعرف. وروى الدارقطني من طريق عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن أبي هريرة، أنه سأل ابن عمر: آكل ما طفا على الماء؟ قال: إن طافيه ميتته، وقال النبي ﷺ : "إن ماءه طهور، وميتته حلال"، ورواه الدارقطني من حديث أبي بكر الصديق، وفي إسناده عبد العزيز بن أبي ثابت، وهو ضعيف، وصحح الدارقطني وقفه، وكذا ابن حبان في الضعفاء. اهـ ملخص كلام الحافظ في التلخيص جـ ١/ ص ٩ - ١٢. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: أن هذا الحديث أصل عظيم من أصول الطهارة ذكر صاحب الحاوي عن الحميدي شيخ البخاري، وصاحب الشافعي، قال: قال الشافعي: هذا الحديث نصف علم الطهارة، قاله النووي في المجموع جـ ١/ ص ٨٤. ومنها: أنه يدل على جواز الطهارة بماء البحر، قال في البدر المنير: وبه قال جميع العلماء إلا ابن عبد البر، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وروي مثل ذلك عن أبي هريرة، وروايته ترده، وكذا رواية عبد الله بن عمر اهـ نيل جـ ١/ ص ٣٥.

стр. 753

قال الجامع عما الله عنه: وكذا ما تقدم عن ابن عبد البر من تصحيح هذا الحديث يرد هذه الحكاية عنه. ومنها: ما قاله في المنهل من أنه يدل على أنه يطلب ممن جهل شيئا أن يسأل أهل العلم عنه، وعلى جواز ركوب البحر لغير حج، وعمرة، وجهاد؛ لأن السائل إنما ركبه للصيد كما تقدم، أما قوله ﷺ : "لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر، أو غاز في سبيل الله، فإن تحت البحر نارا، وتحت النار بحرا" أخرجه أبو داود في "باب ركوب البحر في الغزو" من "كتاب الجهاد"، وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عمر مرفوعا، فقد قال أبو داود: رواته مجهولون، وقال الخطابي: ضعفوا إسناده، وقال البخاري: ليس هذا الحديث بصحيح، وله طريق أخرى عند البزار، وفيها ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. وعلى أن خوف العطش يحيى ترك استعمال الماء المُعَدّ للشرب في الطهارة، ولذا أقر النبي ﷺ السائل على المحافظة عليه، وعدم التطهر به، وعلى جواز التطهر بماء البحر الملح، وبه قال جمهور السلف والخلف وما نقل عن بعضهم من عدم إجزاء التطهر به فمُزَيَّف، وقد أنكر القاضي أبو الحسن أن يكون ذلك قولا لأحد، ومنه تعلم بطلان ما نسب إلى ابن عمر من قوله: "ماء البحر لا يجزئ من وضوء، ولا جنابة، إن تحت البحر نارا، ثم ماء، ثم نارا، حتى عد سبعة أبحر، وسبع نيران" وما نسب أيضا إلى ابن عمرو بن العاص من أنه قال: "لا يجزئ التطهر به" وعلى فرض ثبوته فلا حجة في أقوال الصحابة إذا عارضت المرفوع. وعلى حِلِّ جميع حيوانات البحر، وعلى أن السمك لا يحتاج إلى ذكاة، لإطلاق اسم الميتة عليه، ومثله باقي حيوان الماء. وعلى أن المفتي إذا سئل عن شيء، وعلم أن للسائل حاجة إلى ذكر

стр. 754

ما يتصل بمسألته استحب تعليمه إياه اهـ المنهل جـ ١/ ص ٢٨٠ - ٢٨١ قال النووي في المجموع بعد ذكر نحو ما تقدم من أنه يستحب للمفتي إذا سئل الخ ما نصه: لأنه سأل عن ماء البحر، فأجيب بمائه وحكم ميتته، لأنهم يحتاجون إلى الطعام كالماء، قال الخطابي: وسبب هذا أن علم طهارة الماء مستفيض عند الخاصة والعامة، وعلم حل ميتتة البحر تخفى فلما رآهم جهلوا أظهر الأمرين كان أخفاهما أولى، ونظيره حديث المسيء صلاته، فإنه سأل النبي ﷺ أن يعلمه الصلاة، فابتدأ بتعليمه الطهارة ثم الصلاة، لأن الصلاة تُفْعَل ظاهرا، والوضوء في خفاء غالبا، فلما جهل الأظهر كان الأخفى أولى اهـ المجموع جـ ١/ ص ٤٨. وقال الشوكاني: ومن فوائد الحديث مشروعية الزيادة في الجواب على سؤال السائل، لقصد الفائدة، وعدم لزوم الاقتصار، وقد عقد البخاري لذلك بابا، فقال: "باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله". وذكر حديث ابن عمر: أن رجلا سأل النبي ﷺ : ما يلبس المحرمِ؟ فقال: "لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البُرْنُس، ولا ثوبا مسه الورس أو الزعفران، فإن لم يجد النعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما، حتى يكونا تحت الكعبين فكأنه سأله عن حالة الاختيار، فأجابه عنها، وزاد حالة الاضطرار، وليست أجنبية عن السؤال؛ لأن حالة السفر تقتضي ذلك. قال: وأما ما وقع في كلام كثير من الأصوليين أن الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال، فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة، بل المراد أن الجواب يكون مفيدا للحكم المسؤول عنه. اهـ نيل جـ ١/ ص ٣٦ - ٣٧. المسألة الخامسة: قال النووي ﵀: الطهور عندنا هو المطهر،

стр. 755

وبه قال أحمد بن حنبل، وحكاه بعض أصحابنا عن مالك، وحكوا عن الحسن البصري، وسفيان، وأبي بكر الأصم، وابن أبي داود، وبعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أهل اللغة، أن الطهور هو الطاهر. واحتج لهم بقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] ومعلوم أن أهل الجنة لا يحتاجون إلى التطهير من حدث ولا نجس، فعلم أن المراد بالطهور الطاهر، وقال جرير في وصف النساء (من الطويل): عِذَابُ الثَّنايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ والريق: لا يتطهر به، وإنما أراد طاهر قال: واحتج أصحابنا بأن لفظة طَهُور حيث جاءت في الشرع المراد بها التطهير، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] فهذه مفسرة للمراد بالأولى. وقال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: "هو الطهور ماؤه" ومعلوم أنهم سألوه عن تطهير ماء البحر لا عن طهارته، ولولا أنهم يفهمون من الطهور المطهر لم يحصل لهم الجواب، وقوله ﷺ : "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا" رواه مسلم أي مطهره، وقوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" رواه مسلم وغيره، والمراد مطهرة، وبكونها مطهرة اختصت هذه الأمة لا بكونها طاهرة. فإن قيل: يرد عليكم حديث "الماء طَهُور لا ينجسه شيء" قلنا: لا نسلم كونه مخالفا. وأجاب أصحابنا عن قوله تعالى ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان من آية

стр. 756

رقم ٢١]: بأنه تعالى وصفه بأعلى الصفات وهي التطهير. وكذا قول جرير حجة لنا لأنه قصد تفضيلهن على سائر النساء، فوصف ريقهن بأنه مطهر، يتطهر به لكمالهن، وطيب ريقهن، وامتيازه على غيره، ولا يصح حمله على طاهر، فإنه لا مزية لهن في ذلك فإن كل النساء ريقهن طاهر، بل البقر والغنم، وكل حيوان، غير الكلب والخنزير، وفرع أحدهما، ريقه طاهر، والله أعلم. اهـ المجموع جـ ١/ ص ٨٤ - ٨٥. المسألة السادسة: في مذاهب العلماء في حيوان البحر: قال العلامة المباركفوري في تحفة الأحوذي: اختلف أهل العلم في حل غير السمك من دواب البحر، فقالت الحنفية: يحرم أكل ما سوى السمك، وقال أحمد: يؤكل كل ما في البحر إلا الضفدع والتِّمْسَاح. وقال ابن أبي ليلى، ومالك: يباح كل ما في البحر، وذهب جماعة إلى أن ما له نظير من البر يؤكل نظيره من حيوان البحر، مثل بقر الماء ونحوه، ولا يؤكل ما لا يؤكل نظيره في البر مثل كلب الماء، وخنزير الماء، فلا يحل أكله، وعن الشافعية أقوال. وقال الحافظ في الفتح: لا خلاف بين العلماء في حل السمك على اختلاف أنواعه، وإنما اختلف فيما كان على صورة حيوان البر كالآدمي، والكلب والخنزير والثعبان. فعند الحنفية، وهو قول الشافعية: يحرم ما عدا السمك، وعن الشافعية الحل مطلقا، على الأصح من المنصوص، وهو مذهب المالكية، إلا الخنزير في رواية. وحجتهم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] وحديث "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" أخرجه مالك، وأصحاب

стр. 757

السنن، وصححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهم. وعن الشافعية: ما يؤكل نظيره في البر حلال، وما لا يؤكل فلا، واستثنوا على الأصح ما يعيش في البحر، والبر، وهو نوعان: النوع الأول: ما ورد في منع أكله شيء يخصه كالضفدع وكذا استثناه أحمد للنهي عن قتله، ومن المستثنى أيضا التمساح لكونه يَعْدُو بنابه، ومثله القِرْشُ في البحر الملح خلافا لما أفتى به الحب الطبري، والثعبان، والعقرب، والسرطان، والسلحفاة، للاستخباث، والضرر اللاحق من السم. النوع الثاني: ما لم يرد فيه مانع، فيحل أكله بشرط التذكية كالبط وطير الماء اهـ كلام الحافظ باختصار. وقال العيني في عمدة القاري: وعندنا يكره أكل ما سوى السمك من دواب البحر، كالسلحفاة، والضفدع، وخنزير الماء، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وما سوى السمك خبيث. اهـ كلام العيني. وأجاب الحنفية عن قوله "الحل ميتته" بأن المراد من الميتة السمك لا غير، بدليل حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد" أخرجه أحمد وابن ماجه، وقالوا في تفسير قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] أن المراد من صيد البحر مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل، والمراد من طعامه ما يطعم من صيده، والمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده. وقال من ذهب إلى حل جميع ما في البحر من دوابه مطلقا، أو

стр. 758

مستثنيا بعضها في تفسير قوله تعالى هذا، أن المراد بصيد البحر ما صيد من البحر، والمراد من طعامه ما قذفه البحر، ورماه إلى الساحل، والمعنى: أحل لكم أكل جميع ما صدتم من البحر، وما قذفه البحر. قال الخازن في تفسيره: المراد بالصيد: ما صيد من البحر، فأما طعامه، فاختلفوا فيه، فقيل: ما قذفه البحر ورمى به إلى الساحل، ويروى ذلك عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وأيوب، وقتادة. وقيل: صيد البحر طريّه، وطعامه مالحه، ويروى ذلك عن سعيد ابن جيبر، وسعيد بن المسيب، والسُّدِّيّ، ويروى عن ابن عباس، ومجاهد، كالقولين. اهـ. وقال الإمام البخاري في صحيحه: قال عمر: صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به. قال الحافظ في الفتح: وصله المصنف في التاريخ، وعبد بن حميد، عن أبي هريرة، قال: لما قدمت البحرين سألني أهلها عما قذف البحر، فأمرتهم أن يأكلوه، فلما قدمت على عمر فذكر القصة قال: فقال عمر: قال الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة آية ٩٦] فصيده ما صيد وطعامه ما قذف به. فإذا عرفت هذا كله فاعلم أن السمك بجميع أنواعه حلال بلا شك، وأما غير السمك من سائر دواب البحر فما كان منه ضارا يضر أكله، أو كان مستخبثا، أو ورد نص في منع أكله، فهو حرام. وأما ما لم يثبت بنص صريح أكله عن رسول الله ﷺ ، أو عن الصحابة ﵃ مع وجوده في ذلك العهد، فالاقتداء بهم في عدم الأكل هو المتعين هذا هو ما عندي. والله تعالى أعلم اهـ كلام العلامة المباركفوري ﵀ في تحفته

стр. 759

قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي قول من قال: إن ميتة البحر هو السمك بدليل حديث ابن عمر ﵄ مرفوعا: "أحلت لنا ميتتان ودمان" الحديث أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي، وصحح البيهقي كونه موقوفا على ابن عمر قال: هذا إسناد صحيح، وهو في معنى المسند اهـ يعني أنه في معنى المرفوع، ومن ثَمَّ قال النووي: هو وإن كان الصحيح وقفه في حكم المرفوع، إذ لا يقال من قبل الرأي اهـ قاله المناوي في فيض القدير جـ ١/ ص ٢٠٠. قال الحافظ: في حكم المرفوع لأن قول الصحابة: أحل لنا وحرم علينا كذا، مثل قوله: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فيحصل الاستدلال بهذه الرواية لأنه في حكم المرفوع اهـ تلخيص جـ ١/ ص ٢٦. فأفاد أن معنى الميتة هنا هو السمك بجميع أنواعه سواء كان طافيا أو غيره، وأما قولهم: أن الطافي منه حرام فيرده ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عَمرو أنه سمع جابرا يقول: "غزونا جيش الخبط، وأمِّرَ علينا أبو عبيدة، فجُعْنا جوعا شديدا، فألقى البحرحوتا ميتا لم يُرَ مثله، يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر" الحديث، ورواه مسلم أيضا، وفي رواية عندهما: فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "كلوا رزقا أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم بعضو فأكله" قال الحافظ: يستفاد منه إباحة ميتة البحر سواء مات بنفسه، أو مات بالاصطياد، وهو قول الجمهور اهـ. فالحاصل أن الميتة هو السمك بجميع أنواعه طافيا وغيره والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 760

٤٨ - بَابُ الْوُضُوِء بِالثَّلْج أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الوضوء بالثلج. وقال في اللسان: الثلج الذي يسقط من السماء معروف، وفي حديث الدعاء: "واغسل خطاياي بماء الثلج، والبرد" إنما خصهما بالذكر تأكيدا للطهارة، ومبالغة فيهما لأنهما ماءان مفطوران على خلقتهما، لم يستعملا ولم تنلهما الأيدي، ولم تخضهما الأرجل، كسائر المياه التي خالطت التراب وجرت في الأنهار، وجُمعَت في الحياض، فكانا أحق بكمال الطهارة اهـ. وفي المعجم الوسيط: الثلج ما جَمَدَ من الماء اهـ. ٦٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ سَكَتَ هُنَيْهَةً، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَقُولُ فِي سُكُوتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: "أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّي الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ".

стр. 761

رجال الإسناد: خمسة ١ - (علي بن حجر) بضم فسكون السعدي المروزي، ثقة من صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي، الكوفي نزيل الري وقاضيها ثقة [٨] تقدم في ٢/ ٢. ٣ - (عمارة) بضم العين، ابن القعقاع، بن شُبْرُمة، الكوفي الضبي روى عن عبد الرحمن بن أبي نعيم، وأبي زرعة، والأخنس بن خليفة، والحارث العُكْلي، وعنه السفيانان، وشريك، والأعمش، وفضيل بن غَزْوَان، وآخرون. وثقه النسائي، وابن معين، وابن سعد، ويعقوب ابن سفيان، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، روى له الجماعة. وفي (ت) ثقة أرسل عن ابن مسعود من السادسة. ٤ - (أبو زرعة بن عمرو بن جرير) اسمه هرم بن عمرو وقيل غير ذلك، الكوفي ثقة [٣] تقدم في ٤٣/ ٥٠. ٥ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته. ومنها: أن رواته كلهم ثقات وكلهم كوفيون، إلا شيخ المصنف فهو مروزي، وأبا هريرة مدني، وفيه الإخبار، والعنعنة، والقول. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة) أي كبر للصلاة (سكت هنيهة) أي ساعة لطيفة تصغير هَنْت وفي اللسان: وقالوا: هَنْت بالتاء ساكنة النون، فجعلوه

стр. 762

بمنزلة بنت، وأخْت، وهنتان، وهنات، تصغير ها: هُنَيَّة، وهنيهة، فهنية على القياس، وهنيهة على إبدال الهاء من الياء في هنية للقرب الذي بين الهاء وحروف اللين، والياء في هنية بدل من الواو في هُنَيْوَة، والجمع هَنَات على اللفظ، وهَنَوَات على الأصل، قال ابن جني: أما هَنْت فيدل على أن التاء بدل من الواو في قولهم هنوات. وقال الجوهري: في تصغيرها هنية تردها إلى الأصل وتأتي بالهاء كما تقول: أخية وبنية. وقد تبدل من الياء الثانية هاء، فيقال: هنيهة، وفي الحديث: "أنه قام هنية" أي قليلا من الزمان، وهو تصغير هنة، ويقال: هنيهة أيضا. اهـ لسان باختصار. وقال العيني: وأما هُنَيئة ففيه أوجه، الأول بضم الهاء وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وفتح الهمزة، وقال ابن قرقول: كذا عند الطبري ولا وجه له، قال: وعند الأصيلي، وابن الحذّاء، وابن السكن: هنيهة بالهاء المفتوحة موضع الهمزة، وهو الوجه الثاني، الوجه الثالث قاله النووي: هنية بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء بغير همزة، ومن همزها فقد أخطأ، وأصلها هَنْوَة فلما صغرت صارت هُنَيْوَة، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وفي الموعب لابن التباني: هُنَيَّة هي اليسير من الشيء ما كان اهـ عمدة باختصار جـ ٥/ ص ٣٢. والمراد بالسكوت: لا يقرأ جهرا، وإلا فالسكوت الحقيقي ينافي القول، فلا يتأتي السؤال بقوله: ما تقول في سكوتك؟ أفاده السندي. (فقلت) القائل هو أبو هريرة ﵁.

стр. 763

(بأبي أنت وأمي يا رسول الله) متعلق بمحذوف إما اسم فيكون تقديره أنت مَفْديّ بأبي وأمي، وإما فعل فالتقدير: فَدَيْتُك بأبي، وحذف تخفيفا لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به، فلما حُذف الفعل انفصل الضمير. وفيه تفدية النبي ﷺ بالآباء والأمهات،، وهل يجوز تفدية غيره من المؤمنين، فيه مذاهب، أصحها نعم بلا كراهة، وثانيها: المنع وذلك خاص به، وثالثها: يجوز تفدية العلماء والصالحين. أفاده العيني ﵀ جـ ٥/ ص ٣٢. (ما تقول في سكلوتك بين التكبير والقراءة؟) أيَّ شيء تقول في حال سكوتك. قال العلامة بدر الدين العيني: قيل: السكوت مناف للقول فكيف يصح أن يقال: ما تقول في سكوتك؟ وأجيب بأنه يحتمل أنه استدل على أصل القول بحركة الفم، كما استدل به على قراءة القرآن في الظهر والعصر باضطراب اللحية. اهـ عمدة. جـ ٥/ ص ٣٢. (قال) رسول الله ﷺ جوابًا لسؤاله (أقول) بينهما (اللهم باعد) أي أبعد، قال الكرماني: أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة، قال البدر العيني: لم يقل أهل التصريف إلا للتكثير نحو ضاعفت، بمعنى ضعفت، وفي المبالغة معنى التكثير. اهـ عمدة. (بيني وبين خَطَايَاي) جمع خَطيَّة، كالعَطَايا جمع عَطيَّة، يقال: خَطَأ في دينه خَطَأ: إذا أثم فيه، والخِطْءُ بالكسر: الذنب والإثم. وأصل خطايا: خطاييء، فقلبوا الياء همزة، كما في قبائل جمع قبيلة، فصار خطائئ بهمزتين، فقلبوا الثانية ياء، فصار خطائي، ثم قلبت الهمزة ياء مفتوحة فصارت خطاييَ، فقلبت الياء ألفا فصارت خطايا.

стр. 764

ثم إن الخطايا إن كان يراد بها اللاحقة، فمعناه: إذا قُدَّرَ لي ذنب فبَعِّدْ بيني وبينه، وإن كان يراد بها السابقة، فمعناه المَحْو والغفران، ويقال: المراد بالمباعدة هو ما حصل منها والعصمة عما سيأتي منها، وهذا مجاز، لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان، والمكان، قاله البدر العيني ﵀. وفي المنهل: وفي هذا اللفظ مجازان: الأول: استعمال المباعدة في المعاني التي هي في الأصل تستعمل في الأجسام، الثاني: استعمالها في الإزالة بالكلية مع أن أصلها لا يقتضي الزوال. اهـ جـ ٥/ ص ١٩٤. (كما باعدت بين المشرق والمغرب) قال العيني: كلمة "ما" مصدرية تقديره كتبعيدك بين المشرق والمغرب، ووجه الشبه أن التقاء المشرق، والمغرب لما كان مستحيلا شبه أن يكون اقترابه من الذنب كاقتراب المشرق والمغرب. وقال الكرماني: كرر لفظ البين في قوله: "وباعد بيني وبين خطاياي" ولم يكرر بين المشرق والمغرب، لأنه إذا عطف على المضمر المجرور أعيد الخافض. اهـ عمدة جـ ٥/ ص ٣٣. [قال الجامع عفا الله عنه]: هذا الذي قاله الكرماني هو قول جمهور النحاة، ولا يلزم ذلك عند ابن مالك كما قال في خلاصته: وعَوْدُ خَافض لَدَى عَطْفٍ عَلَى … ضَميرخَفْض لازمًا قَدْ جُعِلَا وَلَيْسَ عندي لَازِمًا إذْ قدْ أتَى … في النَّظمِ وَالنَّثْرِ الصَّحيحِ مُثْبَتًا (اللهم نقني) بتشديد القاف وهو من نقّى ينقي تنقية، وهو مجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها (من خطاياي) وفي رواية البخاري "من الخطايا".

стр. 765

(كما يُنقى الثوبُ الأبيض) أي طهرني من خطاياي وأزلها عني، كما يطهر الثوب الأبيض (من الدنس) بفتحتين وهو الوَسَخ، ووقع التشبيه بالثوب الأبيض لأن ظهور النَّقَاء فيه أشد وأكمل لصفائه بخلاف غيره من الألوان. (اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج) ماء ينزل من السماء، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد جُمُوده. (والماء والبرد) بفتح الراء هو حَبُّ الغمام، وهو ماء ينزل من السماء جامدًا كالملح ثم يذوب على الأرض، أي طهرني من الخطايا التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأوساخ. وذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها، تبيانا لأنواع المغفرة التي لا يتخلص من الذنوب إلا بها اهـ المنهل جـ ٥/ ص ١٩٤. قال الكرماني: الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحار، فلم ذكر كذلك؟ فأجاب ناقلا عن محيي السنة: معناه طهرني من الذنوب، وذكرها مبالغة في التطهير. وقال الخطابي: هذه أمثال ولم يُرَدْ بها أعيان هذه المُسَمَّيَات، وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا والمبالغة في محوها عنه، والثلج والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي، ولم يمتهنهما استعمال، فكان ضرب المثل بهما أوكد في بيان معنى ما أراده من تطهير الثوب. وقال التوربشتي: ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها بيانا لأنواع المغفرة التي لا يتخلص من الذنوب إلا بها، أي طهرني بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس، ورفع الأحداث.

стр. 766

وقال الطيبي: يمكن أن يقال: ذكر الثلج والبرد بعد ذكر الماء يعني في رواية البخاري حيث قدم الماء عليها لطلب شمول الرحمة بعد المغفرة، والتركيب من باب رأيته متقلدا سيفا ورُمْحا، أي اغسل خطاياي بالماء: أي اغفرها، وزد على الغفران شمول الرحمة، طلب أوّلا المباعدة بينه وبين الخطايا، ثم طلب تنقية ما عسى أن يبقى منها شيء تنقية تامة، ثم سأل ثالثا بعد الغفران غاية الرحمة عليه بعد التخلية. وقال الكرماني: والأقرب أن يقول جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم لأنها مستوجبة لها بحسب وعيد الشارع، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدا في الإطفاء، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه، وهو الثلج، ثم إلى أبرد من الثلج، وهو البرد، بدليل جموده، لأن ما هو أبرد فهو أجمد، وأما تثليث الدعوات، فيحتمل أن يكون نظرا إلى الأزمنة الثلاثة. فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي اهـ عمدة جـ ٥/ ص ٣٣. مسائل تتعلق بالحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٦٠، وفي الكبرى ٦٠ بهذا السند، وفي الصلاة ٨٩٥ عن علي بن حُجْر عن جرير، عن عُمَارة به، وفي ٨٩٤ عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن عمارة به مختصرا. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في الصلاة عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بن زياد، ومسلم في الصلاة عن

стр. 767

زهير بن حرب، عن جرير، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن محمد بن فضيل، وعن أبي كامل عن عبد الواحد بن زياد، ثلاثتهم عن عمارة بن القعقاع به. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن أبي كامل الجحدري به، وعن أحمد بن أبي شعيب الحرَّاني، عن محمد بن فضيل به. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد الطنافسي كلاهما عن محمد بن فضيل به. أفاده الحافظ المزي ﵀، تحفة جـ ١٠/ ص ٤٤١. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف وهو جواز الوضوء بالثلج. وذلك حيث شبه محو الذنوب عن الشخص بمحو الأوساخ بهذه الآلات فأفاد أن هذه الآلات تفيد الغسل الشرعي، وأنها مما يزال بها الأحداث والأخباث، وبقية الفوائد ستأتي في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى. المسألة الخامسة: قال الإمام النووي ﵀ في المجموع: قال أصحابنا: إذا استعمل الثلج والبرد قبل إذابتهما فإن كان يسيل على العضو لشدة حر، وحرارة الجسم، ورخاوة الثلج، صح الوضوء على الصحيح، وبه قطع الجمهور، لحصول جريان الماء على العضو، وقيل: لا يصح على الصحيح، لأنه لا يسمى غسلا، وإن كان لا يسيل، لم يصح الغسل بلا خلاف. ويصح مسح الممسوح، وهو الرأس والخف والجبيرة هذا مذهبنا. وحكى أصحابنا عن الأوزاعي جواز الوضوء به، وإن لم يسل،

стр. 768

ويجزيه في المغسول، والممسوح، وهذا ضعيف، أو باطل، إن صح عنه لأنه لا يسمى غسلا، ولا في معناه. قال الدارمي: ولو كان معه ثلج أو برد لا يذوب، ولا يجد ما يسخنه به صلى بالتيمم، وفي الإعادة أوجه: ثالثها: يعيد الحاضر دون المسافر بناء على التيمم لشدة البرد، ووجه الإعادة ندور هذا الحال، قلت: أصحها الثالث. اهـ المجموع باختصار جـ ١/ ص ٨١ - ٨٢. قال الجامع عفا الله عنه: وفي تصحيحه القول الثالث نظر، وسيأتي تحقيق المسألة في محله إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 769

٤٩ - باب الوضوء بماء الثلج أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على جواز الوضوء بماء الثلج. وتقدم في الباب السابق أن الثلج ما ينزل من السماء ماء، ثم ينعقد في الأرض جامدا، ثم يذوب. ٦١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ". رجال الإسناد: خمسة ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه، ثقة حجة من [١٠] تقدم في ٢/ ٢. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي نزيل الرَّيّ وقاضيها ثقة من [٨] تقدم في ٢/ ٢. ٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير بن العَوَّام الأسدي، أبو المنذر، أحد الأعلام، عن أبيه، وزوجته فاطمة بنت المنذر، وأبي سلمة، وخلق، وعنه أيوب، وابن جريج وشعبة، ومعمر، وخلق، قال ابن المديني: له نحو أربعمائة حديث، وقال ابن سعد: ثقة حجة، وقال أبو

стр. 770

حاتم: إمام، قال أبو نعيم: توفي سنة ١٤٥ وقيل ٦ وله ٨٧ سنة، وتكلم فيه مالك وغيره، أخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة فقيه، ربما دلس، من الخامسة. ٤ - (عروة) بن الزبير بن العوَّام الأسدي، أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وأحد علماء التابعين، عن أبيه، وأمه، وخالته عائشة، وعلي، ومحمد بن مسلمة، وأبي هريرة، وعنه أولاده: عثمان، وعبد الله، وهشام، ويحيى، ومحمد، وسليمان بن يسار، وابن أبي مليكة وخلائق. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، فقيه، عالم، ثبت، مأمون. وقال العجلي: لم يدخل نفسه في شيء من الفتن. وقال الزهري: كان يتألف الناس على حديثه، قال عروة: ما ماتت عائشة حتى تركتها قبل ذلك بثلاث سنين. وقال الزهري: عروة بحر لا تكدره الدلاء، قال ابن شوذب: كان يقرأ كل ليلة ربع القرآن، مات وهو صائم، ولد سنة ٢٩ أرخه مصعب، وقال ابن المديني: مات سنة ٩٢، وقال خليفة: سنة ٣، وقال ابن سعد: سنة ٤، وقال يحيى ابن بكير: سنة ٥، قلت: عروة عن أبيه مرسل، أخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة فقيه مشهور من الثالثة. ٥ - (عائشة) الصديقة بنت الصديق أكبر، أم المؤمنين ﵄، تقدمت في ٥/ ٥. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم ما بين مروزي، وهو الأول، وكوفي وهو الثاني، ومدنيين وهم الباقون. وأن فيه الراوي عن أبيه عن خالته. وأن تابعيه من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة المجموعين في قول

стр. 771

بعضهم: (من الطويل) ألا إنَّ مَنْ لا يَقْتَدي بائمَّة … فقسْمَتُهُ ضيزَى عن الحَقِّ خارجَهْ فقُلْ هُمْ عُبَيْدُ الله عُرْوَةُ قَاسمٌ … سَعيدٌ أبُو بكْر سُلَيْمَانُ خَارجَهْ وأن فيه الإخبارَ، والعنعنةَ، والقولَ. شرح الحديث (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: كان النبي ﷺ يقول: اللهم اغسل خطاياي) أي ذنبي، وكان النبي ﷺ يكثر الاستغفار امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] وأمْرُ الله تعالى بالاستغفار من ذنبه اختلف العلماء في المراد به: قال القرطبي في تفسيره: قوله تعالى ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني استغفر الله أن يقع منك ذنب. الثاني: استغفر الله ليعصمك من الذنب. وقيل: لما ذكر له حال الكافرين والمؤمنين، أمره بالثبات على الإيمان: أي أثبت على ما أنت عليه من التوحيد والإخلاص والحذر عما تحتاج معه إلى استغفار، وقيل: الخطاب له والمراد به الأمة، وعلى هذا القول توجب الآية استغفار الإنسان لجميع المسلمين، وقيل: كان ﵇ يَضيق صدره من كُفر الكفَّار، والمنافقين، فنزلت الآية، أي فاعلم أنه لا كاشف يكشف ما بك إلا الله فلا تعلق قلبك بأحد سواه. وقيل: أمر بالاستغفار لتقتدي به الأمة اهـ تفسير القرطبي ١٦/ ٢٤٢. (بماء الثلج والبرد) تقدم الكلام عليه. (ونق قلبي من الخطايا) أي طهر قلبي من أثر الخطايا، لأن الإنسان إذا عمل ذنبا أثَّر ذلك في قلبه.

стр. 772

ففد أخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكت في قلبه نُكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صُقِّلَ قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تَعْلو قلبه، وهو الرَّان الذي قال الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرج مسلم في صحيحه عن الأغر المزني: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه ليُغَان على قلبي حتى استغفر الله في اليوم مائة مرة" وفي رواية "توبوا إلى ربكم فوالله إني أتوب إلى ربي مائة مرة في اليوم". واختلف العلماء في المراد بالغَيْن المذكور: فقيل: هو من المتشابه، فقد سئل عنه الأصمعي فقال: لو كان قلب غير النبي ﷺ ، لتكلمت عليه، ولكن العرب تزعم أن الغَيْن الغَيْم الرقيق. وقيل: سبب الغين هو ما أطلعه الله عليه من أحوال أمته بعده، فأحزنه ذلك حتى يستغفر لهم. وقيل: إنه لما كان يشغله النظر في أمور المسلمين ومصالحهم حتى يرى أنه قد شغل بذلك، وإن كان من أعظم طاعة وأشرف عبادة عن أرفع مقام مما هو فيه وهو التفرد بربه ، وصفاء وقته معه، وخلوص همه من كل شيء سواه، فلهذا السبب كان ﷺ يستغفر الله فإن حسنات الأبرار سيآت المقربين، وقيل: هو مأخوذ من الغين، وهو الغيم الرقيق الذي يغشى السماء فكأن هذا الشغل، والهم يغشى قلبه ﷺ ، ويغطيه فكان يستغفر الله منه. وقيل: هذا الغين هو السكينة التي تغشى قلبه ﷺ ، وكأن سبب استغفاره لها إظهار العبودية، والافتقار إلى الله تعالى، وحكى الشيخ محيي الدين النووي عن القاضي عباض أن المراد به الفَتَرَات، والغفلات من الذكر الذي كان شأنه ﷺ الدوام عليه فإذا فتر وغفل عَدَّ ذلك ذنبا،

стр. 773

واستغفر منه، وحكى الوجوه المتقدمة عنه، وعن غيره، وقال الحارث المحاسبي: خوف الأنبياء والملائكة خوف إعظام وإجلال، وإن كانوا آمنين من عذاب الله تعالي، وقيل: يحتمل أن هذا الغين حالة حسنة وإعظام يغشى القلب ويكون استغفاره شكرا كما قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" اهـ تفسير الخازن من سورة محمد ﷺ بزيادة شيء يسير في أوله. مسائل تتعلق بحديث الباب المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ صحيح. المسألة الثانية: هذا الحديث من أفراد الصنف ﵀، أخرجه هنا ٧١ وفي ٣٣٢ بالسند المذكور، كما أشار إليه الحافظ المزي في تحفته ص ١٢/ ص ١٢٥. وأخرجه في الكبرى ٥٩ بهذا السند أيضا. وأخرجه مطولا في كتاب الاستعاذة في الباب ٢٦ "الاستعاذةُ من شر فتنة الغنى" الحديث ٥٤٧٧ بهذا السند نفسه ولفظه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا جرير عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وفتنة النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، وشر فتنة المسيح الدجال، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمغرم والمأثم". المسألة الثالثة: من فوائد هذا الحديث: استحباب ملازمة الاستغفار للإنسان، وقد جاءت أحاديث كثيرة تحث على ذلك، والدعاء بصفاء القلوب عن درن الذنوب، وذلك لأنه مَلِكُ الأعضاء، مدار صلاحها عليه، كما جاء في الحديث المتفق عليه: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". ومنها: ما ترجم له المؤلف وهو جواز الوضوء بماء الثلج، وقد تقدم

стр. 774

تحقيق هذا في الباب السابق. المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في جواز اختصار الحديث، قال النووي في التقريب: اختلف العلماء في رواية بعض الحديث الواحد دون بعض، فمنعه بعضهم مطلقا بناء على منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضهم مع تجويزها بالمعنى إذا لم يكن رواه هو أو غيره بتمامه قبل هذا، وجوزه بعضهم مطلقا، وهذا مقيد بما إذا لم يكن المحذوف متعلقا بالمَأتيّ به تعلقا يُخلّ بالمعنى حذفُه كالاستثناء، والشرط، والغاية، ونحو ذلك، وإلا فممنوع اتفاقًا. والصحيح التفصيل، وهو المنع من غيرالعالم، وجوازه من العالم إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة بتركه، سواء جَوَّزنا الرواية بالمعنى أم لا، رواه قبلُ تاما أم لا، لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين، هذا إذا ارتفعت منزلته عن التُّهَمَة، فأما من رواه تاما فخاف إن رواه ناقصا أن يُتَّهَم بزيادة أوَّلا، أو نسيان لغفلة وقلة ضبط ثانيا فلا يجوز له النقصان ثانيا ولا ابتداء إن تعين عليه أداء تمامه لئلا يخرج بذلك باقيه عن الاحتجاج به. وأما تقطيع المصنف الحديث الواحد في الأبواب بحسب الاحتجاج به في المسائل، كل مسألة على حدة فهو إلى الجواز أقرب، قال الشيخ ابن الصلاح: ولا يخلو من كراهة، قال النووي: وما أظنه يُوَافَقُ عليه، فقد فعله الأئمة: مالك، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم. اهـ تقريب النووي بزيادة من شرحه التدريب جـ ٢/ ص ١٠٣ - ١٠٥. وإلى ذلك أشار السيوطي في ألفيته حيث قال: وَجَائزٌ حَذْفُك بَعضَ الخَبَر … إِنْ لمْ يُخِلَّ البَاقي عنْد الأكْثَرِ وامنع لذي تُهَمَةٍ فَإنْ فَعَلْ … فلا يُكمِّل خَوْفَ وَصْفٍ بخَلَل وَالخُلْفُ في التَّقطْيعِ في التَّصنْيفِ … يَجْرِي وَأوْلَى منهُ بالتَّخْفيفِ إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 775

٥٠ - باب الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَرَدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الوضوء بماء البَرَد، والبرد بفتحتين: حَبُّ الغَمَام، وهو ما ينزل من السماء جامدا كالملح، ثم يذوب على الأرض، بخلاف الثلج، فإنه ينزل من السماء ماء ثم ينعقد على الأرض جامدا، ثم يذوب. ٦٢ - أَخْبَرَنِا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، قَالَ: شَهِدْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى مَيِّتٍ، فَسَمِعْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ". رجال الإسناد: سته ١ - (هارون بن عبد الله) بن مروان الحَمَّال بمهملة البزاز أبو موسى،
следующие страницы →