فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ أَمَرَ بِدَلْوٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ.
٥٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ".
رجال الأسانيد الأربعة ١٥ شخصا
الإسناد الأول فيه ٤:
١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء البغلاني، ثقة [١٠] تقدم في ١/ ١.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصري الثقة المثبت [٨] تقدم في ٣/ ٣.
٣ - (ثابت) بن أسلم البناني (بضم الموحدة وبنونين) مولاهم أبو محمد البصري أحد الأعلام ثقة عابد من الرابعة، عن ابن عُمَر، وعبد الله بن المغفل، وأنس وخلق من التابعين، وعنه شعبة، والحمادان، ومعمر، قال ابن المديني: له نحو مائتين وخمسين حديثا، وقال حماد بن زيد: ما رأيت أعبد من ثابت، وقال شعبة: كان يختم
стр. 702
في كل يوم وليلة، ويصوم الدهر، وثقه النسائي، وأحمد، والعجلي، قال ابن علية: مات سنة ١٢٧ وقيل سنة ٣ عن ٨٦ سنة، أخرج له الجماعة.
٤ - (أنس) بن مالك أبو حمزة، خادم رسول الله ﷺ ، وتقدم ﵁ في ٦/ ٦.
الإسناد الثاني فيه ٤ أيضا:
١ - قتيبة المتقدم.
٢ - (عَبيدة) بفتح العين، بن حميد بن صهيب الكوفي أبو عبد الرحمن، صدوق، نحوي، ربما أخطأ [٨] تقدم في ١٣/ ١٣.
٣ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري أبو سعيد المدني ثقة [٥] تقدم في ٢٢/ ٢٣.
٤ - (أنس بن مالك) ﵁ المذكور آنفا.
الإسناد الثالث فيه ٤ أيضا:
١ - (سويد بن نصر) المروزي أبو الفضل المعروف بالشاه، عن ابن المبارك وابن عيينه وعنه (ت س) ووثقه، قال البخاري: مات سنة ٢٤٠.
٢ - (عبد الله) بن المبارك الإمام الجليل الثقة المروزي [٨] تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣، ٤ - يحيى بن سعبد، وأنس، تقدما.
الإسناد الرابع فيه سبعة:
١ - (عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو بن ميمون الأموي، مولى آل عثمان، أبو سعيد الدمشقي القاضي دُحَيْم الحافظ عن معروف الخياط (١)
стр. 703
التابعي، وابن عيينة، والوليد بن مسلم، وخلق، وعنه (خ دس ق) (١) قال النسائي: ثقة مأمون، قال أبو داود: حجة لم يكن بدمشق في زمنه مثله، قال ابنه عمرو: ولد سنة ١٧٠، مات سنة ٢٤٥.
٢ - (عمر بن عبد الواحد) بن قيس السلمي، أبو حفص الدمشقي، عن الأوزاعي، والنعمان بن المنذر، وعنه داود بن رُشَيد، وإسحاق، وثقه العجلي، قال دُحَيم: مات سنة ٢٠٠ روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجَهْ.
٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الشامي، الإمام العلم من [٧] عن عطاء، وابن سيرين، ومكحول، وقتادة، ونافع، وخلق، وعنه يحيى بن أبي كثير شيخه، وبقية، وهِقْل بن زياد، ويحيى ابن حمزة، وأمم، قال ابن مهدي: إمام، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا فاضلا خيرا، كثير الحديث والعلم، والفقه، قال إسحاق: إذا اجتمع الأوزاعي، والثوري، ومالك على الأمر فهو سنة، وقال ضمرة: هو حميري، وقال أبو زرعة: أصله من سبي السند، توفي سنة ١٥٧، أخرج له الجماعة.
والأوزاعي: نسبة إلى الأوزاع قرى متفرقة بالشام، فجمعت، وقيل لها الأوزاع، والأوزاع التي ينسب إليها أبو عمرو قرية خارج باب الفراديس.
وقال في اللباب بعد ما نقل ما ذكرنا ما نصه: والصواب أن الأوزاع بطن من ذي الكلاع من اليمن، وقيل الأوزاع بطن من هَمْدان، نزلوا بالشام، فنسبت القرى التي سكنوها إليهم والله أعلم. اهـ بتصرف واختصار. جـ ١ ص ٩٢ - ٩٣.
٤ - (محمد بن الوليد) بن عامر الزبيدي بالضم، أبو الهذيل
стр. 704
القاضي الحمصي، أحد الأعلام من [٧] عن مكحول، والزهري، ونافع، وخلق، وعنه الأوزاعي، وشعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن حرب، وخلق، وثقه ابن معين، وقال أبو داود: ليس في حديثه خطأ،
قال ابن سعد: مات سنة ١٤٨ روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه.
٥ - (الزهري) أبو بكر محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور من [٤] تقدم في ١/ ١.
٦ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله المدني الأعمى الفقيه أحد الفقهاء السبعة من [٣] عن عمر، وابن مسعود مرسلا، وعن أبيه، وعائشة، وعنه أخوه عون، وعراك بن مالك، والزهري، وأبو الزناد، وخلق، قال أبو زرعة: ثقة مأمون، إمام، وقال العجلي: كان جامعا للعلم، قال البخاري: مات سنة ٩٤، وقال ابن نمير سنة ٨ وقال ابن المديني سنة ٩، أخرج له الجماعة.
وقد تقدم أنه أحد الفقهاء السبعة المجموعين في قول بعضهم (من الطويل):
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي العِلْمِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ … مَقَالتُهُمْ ليْسَتْ عَنِ الحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمُ … سَعيِدُ أبُو بكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
٧ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١.
لطائف الأسانيد
الأول: أنه من رباعياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء وهم ما بين بغلاني، وهو الأول، وبصريين، وهم الباقون.
والثاني: أيضا من رباعياته، وكلهم ثقات أجلاء، وهم ما بين بغلاني، وهو الأول، وكوفي وهو عبيدة، ومدني وهو يحيى، وبصري وهو أنس.
стр. 705
والثالث: أيضا من رباعياته، وكلهم ثقات وهم ما بين مروزيَّين، وهما سُوَيد، وعبد الله، ومدني وهو يحيى، وبصري وهو أنس.
والرابع: من سباعايته ورواته كلهم ثقات وكلهم شاميون، إلا عبيد الله، وأبا هريرة فمدنيان، والزهري وإن كان مدنيا إلا أنه سكن الشام.
شرح الحديث
حديث أنس الأول:
(أن أعراببا) أي رجلا واحدا من الأعراب.
قال في المصباح: الأعراب بالفتح، أهل البدو من العرب، الواحد أعرابي، بالفتح أيضا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعة (١) وارتياد للكلأ، وزاد الأزهري: فقال: سواء كان من العرب، أو من مواليهم قال: فمن نزل البادية، وجاور البَادينَ وظعن بظعنهم فهم أعراب، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المُدُن والقرى العربية وغيرها، ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَب، وإن لم يكونوا فصحاء. اهـ.
قال الجامع:
فالياء: هي التي يفرق بها بين الواحد واسم الجنس الجمعي كما في روم ورومي، ويهود ويهودي، ومجوس ومجوسي.
واسم هذا الأعرابي: حُرْقُوص بن زُهَير ذو الخويصرة التميمي، وقيل عُيَيْنة بن حصْن الفزاري، قال الحافظ في الفتح عند قول البخاري (قام أعرابي) ما نصه: زاد ابن عيينة عند الترمذي، وغيره في أوله أنه صلى، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فقال له النبي ﷺ : "لقد تحجرت واسعا" فلم يلبث أن بال في المسجد.
стр. 706
وهذه الزيادة ستأتي عند المصنف (يعني البخاري) مفردة في الأدب من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وقد روى ابن ماجه، وابن حبان الحديث تاما من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وكذا رواه ابن ماجه من حديث واثلة بن الأسقع.
وأخرجه أبو موسى المديني في الصحابة من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، قال: إذ طلع ذو الخويصرة اليماني، وكان رجلا جافيا، فذكره تاما بمعناه، وزيادة، وهو مرسل، وفي إسناده أيضا مبهم بين محمد بن إسحاق، وبين محمد بن عمرو بن عطاء وهو عنده من طريق الأصم عن أبي زرعة الدمشقي، عن أحمد بن خالد الذهبي عنه، وهو في جمع مسند ابن إسحاق لأبي زرعة الدمشقي من طريق الشاميين عنه بهذا السند، لكن قال في أوله: اطلع ذو الخويصرة التميمي، وكان جافيا، والتميمي هو حرقوص بن زهير الذي صار بعد ذلك من رؤوس الخوارج، وقد فرق بعضهم بينه وبين اليماني، لكن له أصل أصيل، واستفيد منه تسمية الأعرابي.
وحكى أبو بكر التاريخي عن عبد الله بن نافع المزني: أنه الأقرع بن حابس التميمي، ونقل عن أبي الحسين بن فارس أنه عيينة بن حصن، والعلم عند الله. اهـ. كلام الحافظ في فتحه ١/ ٣٨٧.
(بال في المسجد) أي النبوي، فأل للعهد الذهني.
(فقام عليه بعض القوم) أي ليزجروه عن إتمام بوله.
(فقال رسول الله ﷺ : "دعوه") أي اتركوه، أمر من وَدَعَ يَدَع وَدْعًا: إذا تَرَك، وأصل المضارع الكسر ومن ثم حذفت الواو، ثم فتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدمين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضي يَدعَ ومصدره، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد، وعروة
стр. 707
ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحوي ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، وفي الحديث: "لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات" أي عن تركهم، فقد رويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونقلت من طريق القراء فكيف يكون إماتة، وقد جاء في الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله، فيجوز القول بقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. اهـ. المصباح.
(ولا تزرموه) بفتح التاء وضمها ثلاثيا ورباعيا، قال في اللسان: وزَرَمَ يَزرِمه زَرْمًا، يعني من باب ضرب، وأزرمه يعني بالألف وزَرَّمه يعني مضعفا: قطعه، وقال أيضا: يقال للرجل إذا قطع بوله: قد أزرمت بولك، وأزرمه غيره: أي قطعه. اهـ باختصار.
أي: لا تقطعوا عليه بوله.
وإنما أمرهم بتركه يبول في المسجد لأنه شرع في المفسدة، فلو منع لزادت، إذ حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منع لدار بين أمرين: إما أن يقطعه فيتضرر، وإما أن لا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو
ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد. قاله في الفتح جـ ١/ ص ٣٨٦.
(فلما فرغ) أي انتهى من بوله.
(دعا بدلو من الماء) أي طلب النبي ﷺ دلوا مملوءا بماء، قال في اللسان: الدلو معروفة واحدة الدلاء التي يُسْتَقَى بها، تذكر وتؤنث، والتأنيث أكثر. اهـ. باختصار.
(فصبه) أي سكب الماء الذي في الدلو، يقال: صببت الماء، فانصب أي سكبته فانسكب، والماء ينصب من الجبل، أي ينحدر، قاله العيني.
(عليه) أي على محل بوله.
وفي رواية البخاري: "فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء
стр. 708
فأهريق عليه" وفي رواية لمسلم "فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو فسنه عليه" بالسين المهملة، ويروى بالمعجمة، وهو رواية الطحاوي أيضا، والفرق بينهما أن السَّنَّ بالمهملة: الصَّبُّ المتصل، وبالمعجمة: الصب المتقطع، قاله ابن الأثير.
والذنوب بفتح الذال المعجمة: الدلو العظيمة، وقيل لا يسمى ذنوبا إلا إذا كان فيه ماء، قاله العلامة العيني في عمدته جـ ٢/ ص ٤٤٢.
(قال أبو عبد الرحمن) أي المصنف والظاهر أنه ملحق من بعض التلاميذ، ويحتمل أنه من كلامه مفسرا لقوله "لا تزرموه" (يعني) أي يقصد النبي ﷺ بقوله: "ولا تزرموه" (لا تقطعوا عليه) البول.
وقوله في الحديث الثاني (فصب عليه) بالبناء للمفعول، وقوله في الحديث الثالث (فصاح به الناس) قال في المصباح: صاح بالشيء يصيح به صيحة أي بالفتح، وصيَاحا أي بالكسر: صَرَخَ. اهـ، أي رفعوا
أصواتهم بزجره، ففي رواية مسلم، فقالوا: (مه مه)
وقوله (حتى بال) أي انتهى من بوله.
وقوله في حديث أبي هريرة ﵁ (قام أعرابي) أي من مجلسه من المسجد، ففي رواية الترمذي وغيره، أنه صلى ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فقال له النبي ﷺ : لقد تحجرت واسعا، فلم يلبث أن بال في المسجد.
(فتناوله الناس) أي أصابوا منه الوقيعة، يقال: نال فلان من فلان: أي أصاب منه الوقيعة، يعني أنهم وقعوا فيه، والمراد تناوله بألسنتهم، لا بأيديهم، لما في رواية مسلم، فقال الصحابة: (مه مه).
قال السندي: أو أرادوا أن يتناولوه بأيديهم، فقد قاموا إليه. اهـ.
قوله: (وأهريقوا) أي صبوا، وأصله أريقوا، أمرًا من أراق يُريق إذا صب.
стр. 709
قال في المصباح: راقَ الماءُ والدمُ وغيره رَيْقًا، من باب باع: انصب، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُريق والمفعول مُرَاق.
وتبدل الهمزة هاء، فيقال: هَرَاقَه، والأصل هَرْيَقَه وزان دَحْرَجَه، ولهذا تفتح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَريقه، كما تفتح الدال من يدحرجه، وتفتح من الفاعل، والمفعول أيضا فيقال مُهَريق ومُهَراق، والأمر هَرِق ماءَك، والأصل هَرْيقْ وزان دَحْرج.
وقد يجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أهْرَاقه يُهْريقُه ساكن الهاء تشبيها له بأسْطاع يُسْطيع، كأن الهمزة زيدت عوضا عن حركة الياء في الأصل ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيا.
وفي التهذيب من قال: أهْرَقْت، فهو خطأ في القياس، ومنهم من يجعل الهاء كأنها أصل ويقول: هَرَقْته هَرْقًا من باب نفع، وفي الحديث "أن امرأة كانت تُهَرَاق الدماءَ" بالبناء للمفعول، والدماء نصب على التمييز، ويجوز الرفع على إسناد الفعل إليها، والأصل تهراق دماؤها، ولكن جعلت الألف والسلام بدلا عن الإضافة كقوله تعالى: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي نكاحها. اهـ. عبارة المصباح ببعض اختصار.
وقال ابن التين: "أهْريقوا" بإسكان الهاء، ونقل عن سيبويه أنه قال: أهْرَاق يُهْريق إهْريَاقًا، مثل أسْطاع يُسْطيع اسْطيَاعا بقطع الألف وفتحها في الماضي، وضم الياء في المستقبل، وهي لغة في أطَاع يُطيع، فجعلت السين والهاء عوضا من ذهاب حركة عين الفعل، قال: وروي بفتح الهاء ووجه بأنها مبدلة من الهمزة، لأن أصل هراق أراق ثم اجتبلت الهمزة، وسكنت الهاء عوضا عن حركة عين الفعل كما تقدم، فتحريك الهاء على إبقاء البدل والمبدل منه، وله نظائر.
стр. 710
وذكر الجوهري: توجيها آخر، أن أصله أأريقه فأبدلت الهمزة الثانية هاء للخفة، وجزم ثعلب في الفصيح بأن أهريقه بفتح الهاء، نقله السيوطي في الزهر جـ ١/ ص ٤٨.
(دلوا من ماء) من زائدة، زيدت للتأكيد، كما قال الكرماني.
ثم بين سبب أمره لهم بتركه بقوله (فإنما بعثتم) أي بعث نبيكم على حذف مضاف، قاله السندي، وقال السيوطي: إسناد البعث إليهم على طريق المجاز؛ لأنه ﷺ هو المبعوث بما ذكر، لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، أو هُمْ يبعثون من قبَله بذلك مأمورون، وكان ذلك شأنه ﷺ في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات يقول: "يسروا ولا تعسروا" اهـ زهر جـ ١/ ص ٤٩.
وقال السندي: ويحتمل أن يكون إشارةً إلى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠] فيكون ذلك بمنزلة البعث. اهـ.
(مبسرين) حال من الضمير النائب.
(ولم تبعثوا معسرين) قال العلامة العيني: ما معناه: فائدة هذه الجملة تأكيدُ مَا قبله دلالةً على أن الأمر مبني على اليسر قطعا اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٤٤٦.
قال الجامع:
يعني أن أمر الشريعة ميسر، لا يتطرق إليه عسر بوجه من الوجوه، نظير قوله تعالى ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي هو ضرر محض، لا يشوبه نفعٌ مَا، فرب شيء يكون ضارّا، ويكون فيه نفع كبعض الأدوية.
стр. 711
مسائل تتعلق بحديثي الباب
المسألة الأولى: في درجتهما:
أما حديث أنس فمتفق عليه، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف لهما:
أخرج حديث أنس: هنا ٥٣، ٥٤، ٥٥، وفي الكبرى ٥١، ٥٢، ٥٣، بهذه الأسانيد، وأخرج حديث أبي هريرة هنا ٥٦، وفي الكبرى ٥٤ بهذا السند، وأخرجه في الصلاة أيضا عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن به، ولم يذكر قصة البول. قاله المزي.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجهما معه:
أما حديث أنس: فأخرجه البخاري في الطهارة عن موسى بن إسماعيل، عن همام، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس، وأخرجه عن عبدان، عن ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد، عنه. وأخرجه مسلم في الطهارة أيضا عن زهير بن حرب، عن عمرو بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق، عنه، وعن أبي موسي عن يحيى القطان، وعن يحيى بن يحيى، وقتيبة كلاهما عن عبد العزيز بن عمر.
وأخرجه الترمذي أيضا عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة.
قال العلامة العيني: وفات المزي هذا في الأطراف.
وأما حديث ابي هريرة: فأخرجه البخاري في الطهارة عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عنه، وأخرجه أيضا في الأدب عن أبي اليمان به.
стр. 712
وأخرجه أبو داود من حديث الزهري عن سعيد، عن أبي هريرة.
وأخرجه الترمذي في آخر الطهارة عن ابن أبي عمر، وسعيد بن عبد الرحمن عنه به.
المسألة الرابعة: في بيان الفوائد:
قال الحافظ في الفتح: وفي هذا الحديث من الفوائد:
* أن الاحتراز من النجاسة كان مقررا في نفوس الصحابة ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته ﷺ قبل استئذانه، ولما تقرر عندهم أيضا من طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* واستدل به على جواز التمسك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص، قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أن التمسك يتحتم عند احتمال التخصيص عند المجتهد، ولا يجب التوقف عن العمل بالعموم لذلك، لأن علماء الأمصار ما برحوا يفتون بما بلغهم من غير توقف على البحث عن التخصيص، ولهذه القصة أيضا إذ لم ينكر النبي ﷺ على الصحابة، ولم يقل لهم: لم نهيتم الأعرابي؟ بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.
* وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع، لأمرهم عند فراغه بصب الماء.
* وفيه تعيين الماء لإزالة النجاسة، لأن الجفاف بالريح، أو الشمس، لو كان يكفي لما حصل التكليف بطلب الدلو.
* وفيه أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، ويلتحق به غير الواقعة لأن البلَّة الباقية على الأرض غسالة نجاسة، فإذا لم يثبت أن
стр. 713
التراب نقل، وعلمنا أن المقصود من التطهير تعين الحكم بطهارةا البلة وإذا كانت طاهرة فالمنفصلة أيضا مثلها لعدم الفارق.
* ويستدل به أيضا على عدم اشتراط نضوب الماء لأنه لو اشترط نضوب الماء لتوقف طهارة الأرض على الجفاف، وكذا لا يشترط عصر الثوب إذ لا فارق.
قال الموفق في المغني بعد أن حكى الخلاف: الأولى الحكم بالطهارة مطلقا لأن النبي ﷺ لم يشترط في الصب على بول الأعرابي شيئا.
* وفيه الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، إذا لم يكن ذلك منه عنادا، ولا سيما إذا كان ممن يحتاج إلى استئلافه.
* وفيه رأفة النبي ﷺ وحسن خلقه، قال ابن ماجه وابن حبان في حديث أبي هريرة فقال الأعرابي بعد أن فقه في الإسلام: فقام إليَّ النبي ﷺ بأبي وأمي فلم يُؤَنِّبْ ولم يَسُبَّ.
* وفيه تعظيم المسجد وتنزيهه عن الأقذار، وظاهر الحصر من سياق مسلم في حديث أنس حيث قال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكلر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن" أنه لا يجوز في المسجد شيء غير ما ذكر من الصلاة، والقرآن والذكر، لكن الإجماع على أن مفهوم الحصر منه غير معمول به، ولا ريب أن فعل غير المذكورات، وما في معناها، خلاف الأولى، والله أعلم.
* وفيه أن الأرض تطهر بصب الماء عليها، ولا يشترط حفرها، خلافا للحنفية، حيث قالوا: لا تطهير إلا بحفرها، كذا أطلق النووي وغيره، والمذكور في كتب الحنفية التفصيل بين ما إذا كانت رخوة بحيث يتخللها الماء حتى يغمرها، فهذه لا تحتاج إلى حفر، وبين ما إذا كانت صلبة، فلابد من حفرها وإلقاء التراب؛ لأن الماء لم يَغْمُر أعلاها
стр. 714
وأسفلها، واحتجوا فيه بحديث جاء من ثلاث طرق أحدها موصول عن ابن مسعود أخرجه الطحاوي، لكن إسناده ضعيف، قاله أحمد وغيره، والآخران مرسلان أخرج أحدهما أبو داود من طريق عبد الله بن معقل ابن مُقَرِّن، والآخر من طريق سعيد بن منصور عن طريق طاوس ورواتها ثقات، وهو يلزم من يحتج بالمرسل مطلقا، وكذا من يحتج به إذا اعتضد مطلقا، والشافعي إنما يعتضد عنده إذا كان من رواية كبار التابعين، وكان من أرسل إذا سَمَّى لا يسمي إلا ثقة وذلك مفقود في المرسلين المذكورين على ما هو ظاهر من سنديهما والله أعلم. اهـ كلام الحافظ ﵀ جـ ١/ ص ٣٨٨ - ٣٨٩.
وقال في تلخيص الحبير عند قوله: ولم يؤمر بنقل التراب ما نصه: يعني في الحديث المذكور، وهو كذلك، لكن قد ورد أنه أمر بنقله من حديث أنس بإسناد رجاله ثقات.
قال الدارقطني: ثنا ابن صاعد، ثنا عبد الجبار بن العلاء، ثنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس أن أعرابيا بال في المسجد، فقال النبي ﷺ : "احفروا مكانه ثم صبوا عليه ذنوبا من ماء" وأعله الدارقطني بأن عبد الجبار تفرد به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ، وأنه دخل عليه حديث في حديث، وأن عند ابن عيينة، عن عمرو بن دينار عن طاوس مرسلا وفيه "احفروا مكانه" وعن يحيى بن سعيد عن أنس موصولا، وليست فيه الزيادة، وهذا تحقيق بالغ إلا أن هذه الطريق المرسلة مع صحة إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أخذت قوة، وقد أخرجها الطحاوي مفردة من طريق ابن عيينة عن عمرو، وعن طاوس، وكذا رواه سعيد بن منصور، عن ابن عيينة، فمن شواهد هذا المرسل، مرسل آخر رواه أبو داود، والدارقطني من حديث عبد الله بن معقل بن مقرن المزني، وهو تابعي، قال: قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فبال
стр. 715
فيها، فقالى النبي ﷺ : "خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء" قال أبو داود: روي مرفوعا يعني موصولا، ولا يصح، قلت: وله إسنادان موصولان:
أحدهما: عن ابن مسعود، رواه الدارمي، والدارقطني، ولفظه: "فأمر بمكانه، فاحتفر وصب عليه دلو من ماء" وفيه سمعان بن مالك، وليس بالقوي، قاله أبو زرعة، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبي زرعة هو حديث منكر، وكذا قال أحمد، وقال أبو حاتم: لا أصل له
ثانيهما: عن واثلة بن الأسقع، رواه أحمد والطبراني، وفيه عبيد الله بن أبي حميد الهُذَلي وهو منكر الحديث، قاله البخاري، وأبو حاتم. اهـ كلام الحافظ في التلخيص جـ ١/ ص ٣٧.
وقال في المنهل: بعد نقل نحو ما تقدم عن الحافظ ما نصه: وبهذا تعلم أن مذهب الجمهور القائلين بتطهير الأرض بصب الماء عليها مطلقا، هو الأقوى لقوة دليله. اهـ. جـ ١/ ص ٢٥٨.
* واستدل بالحديث أيضا على نجاسة بول الآدمي، قال النووي ﵀: وهو مجمع عليه، بإجماع من يعتد به، ولا فرق بين الكبير والصغير، إلا أن بول الصغير يكفي فيه النضح، ولم يخالف في بول الصبي إلا داود الظاهري. ذكره في المنهل جـ ١/ ص ٢٥٨.
المسألة الخامسة: أخذ المصنف ﵀ من هذا الحديث من قوله "فصب عليه" أن الماء لا ينجس، وإن قل، فترجم عليه حيث قال (ترك التوقيت في الماء) وذلك لأن الدلو من الماء قليل، وقد صب على البول، فيختلط به، فلو تنجس الماء باختلاط البول يلزم أن يكون هذا تكثيرا للنجاسة لا إزالة لها، وهو خلاف المعقول، فلزم أن الماء لا يتنجس باختلاط النجس وإن قل.
стр. 716
قال السندي: وفيه بحث، أما أولًا: فيجوز أن يكون صب الماء عليه لدفع رائحة البول لا لتطهير المسجد، وتكون طهارته بالجفاف، والطهارة بالجفاف قول لعلمائنا الحنفية، وهو أقوى دليلا، ولذا مال إليه أبو داود في سننه، واستدل عليه بحديث بول الكلاب في المسجد.
وأما ثانيا: فيجوز أن يفرق بين ورود الماء علي النجاسة فيزيلها، وبين ورود النجاسة عليه، فتنجسه كما يقول به الشافعية.
وأما ثالثا: فيمكن أن يقال كانت الأرض رخوة فشربت البول، لكن بقي بظاهرها أجزاء البول، فحين صب عليه الماء تسفلت تلك الأجزاء، واستقر مكانها أجزاء الماء، فحيث كثر الماء، وجذب مرارا، كذلك ظاهرها وبقي مستقلا بأجزاء الماء الطاهرة، فصب الماء إذا كان على هذا الوجه لا يؤدي إلى طهارة ظاهر الأرض فليتأمل. اهـ كلام السندي جـ ١/ ص ٤٨.
قال الجامع عفا الله عنه: الوجه الثاني هو القوي لقوة دليله، إذ حديث الباب واضح فيه، وكذا حديث "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس" الحديث، فإنه واضح في الفرق بين ورود النجاسة على الماء، ووروده عليها، فما ذهب إليه الشافعية هو الراجح.
وأما الوجه الأول: فغير واضح، فجفاف الأرض لا يطهرها لعدم ورود نص بذلك، وحديث بول الكلاب في المسجد ليس واضحا في ذلك للاحتمالات التي ذكروها هناك حتى إن بعض العلماء يرى عدم نجاسة بولها، وكذا الوجه الثالث غير واضح أيضا. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 717
٤٦ - باب الماء الدائم
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الماء الدائم، والدائم هو الراكد الذي لا يجري.
٥٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ". قَالَ عَوْفٌ: وَقَالَ خِلَاسٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
٥٨ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ يَعْقُوبُ لَا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلاَّ بِدِينَارٍ.
стр. 718
رجال الإسناد الأول: ستة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه الثقة الثبت [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي الثقة [٨] تقدم في ٨/ ٨.
٣ - (عوف) بن أبي جميلة العبدي أبو سهل الهجري البصري، المعروف بالأعرابي عن أبي العالية، وأبي رجاء، وأبي عثمان النهدي، وعنه غندر وشعبة، والنضر بن شميل، وخلق، وثقه النسائي، قال ابن سعد: مات سنة ١٤٦، أخرج له الجماعة.
واسم أبي جميلة بندويه، ويقال: بل بندويه اسم أمه، واسم أبيه رزينة اهـ تهذيب التهذيب، وفي التقريب: ثقة ورمي بالقدر وبالتشيع من السادسة، أخرج له الجماعة.
قال الجامع عفا الله عنه: وقد استوفى أقوال العلماء فيه الحافظُ الذهبي في "ميزان الاعتدال"، والحافظ في "تهذيب التهذيب" والذي يظهر أنه يكون في مرتبة الصدوق، لا في مرتبة الثقة على الإطلاق، كما
صرح به مسلم.
٤ - (محمد) بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر البصري، إمام وقته، عن مولاه أنس، وزيد بن ثابت، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، وعائشة، وطائفة من كبار التابعين، وعنه الشعبي، وثابت، وقتادة، وأيوب، ومالك بن دينار، وسليمان التيمي، وخالد الحذاء، والأوزاعي، وخلق كثير، قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس، وقال خالد الحذاء: كل شيء يقول: يثبت عن ابن عباس إنما سمعه من عكرمة أيام المختار، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا عاليا، رفيعا فقيها،
стр. 719
إماما، كثير العلم.
وقال أبو عوانة: رأيت ابن سيرين في السوق، فما رآه أحد إلا ذكر الله تعالى.
وقال بكر المزني: والله ما أدركنا من هو أورع منه، وروي أنه اشترى بيتا فأشرف فيه على ثمانين ألف دينار، فعرض في قلبه منه شيء فتركه.
وقال جرير بن حازم: سمعت محمدا يقول: رأيت الرجل الأسود، ثم قال: أستغفر الله، ما أرانا إلا اغتبناه. وروي أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما.
قال حماد بن زيد: مات سنة ١١٠، وأخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة عابد كبير القدر، لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة.
٥ - (خِلَاس) بكسر أوله ابن عمرو الهَجَري بفتحتين، البصري، عن علي وعمار، وعائشة، وأبي هريرة. وعنه قتادة، وعوف بن أبي جميلة. قال أحمد: ثقة ثقة، قال أبو داود: لم يسمع من علي، وسمعت
أحمد يقول: لم يسمع من أبي هريرة، قلت: حديثه عنه عند (خ) مقرونا، أخرج له الجماعة. وفي (ت) ثقة، يرسل، من الثانية، وصح سماعه من عمار.
٦ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١.
رجال الإسناد الثاني: خمسة
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي أبو يوسف العبدي البغدادي الثقة [١٠] تقدم في ٢١/ ٢٢.
٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية البصري، ثقة حافظ
стр. 720
[٨] تقدم في ١٨/ ١٩.
٣ - (يحيى بن عَتِيق) بفتح فكسر الطُّفاوي (١) البصري، عن مجاهد، والحسن، وعنه الحمادان، وعبد العزيز بن المختار، وثقه أحمد، وابن معين، علق له البخاري، وأخرج له مسلم وأبو داود، والمصنف، وفي (ت) ثقه، من السادسة.
٤، ٥ - محمد بن سيرين، وأبو هريرة، تقدما في السند السابق.
لطائف الإسنادين
من لطائف الإسناد الأول:
أنه من خماسياته، وأن رواته ثقات، وهم ما بين مروزي، وكوفي وبصريين ومدني.
وأن لعوف شيخين محمد وخلاس، كلاهما عن أبي هريرة.
ومن لطائف الثاني:
أنه من خماسياته أيضا، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بغدادي، وبصربين، ومدني.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (عن رسول الله ﷺ ) أنه (قال: لا يبولن) بفتح اللام وبنون التوكيد الثقيلة، وفي رواية ابن ماجه "لا يبول" بغير تأكيد، قاله العيني.
(أحدكم) أيتها الأمة، فيشمل الذكر والأنثى، وأتى بصيغة خطاب المذكر تغليبا، وإلا فلا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى أفاده في المنهل جـ ١/ ص ٢٤٤.
стр. 721
(في الماء الدائم) أي الساكن، قال في اللسان: دام الشيء يدُوم، ويدَاَم، قال (من الرجز):
يَا مَيَّ لا غَرْوَ وَلا مَلَامَا … في الحُبِّ إنَّ الحُبَّ لَنْ يَدَامَا
قال كراع: دام يدوم فَعَل يَفْعَلُ، وليس بقوي، دَوْما ودَوَاما وديمومة، قال أبو الحسن: في هذه الكلمة نظر، ذهب أهل اللغة في قولهم: دِمْتَ تَدُوم إلى أنها نادرة كمِتَّ تموتُ، وفَضِل يَفضُل، وحَضِرَ يَحضُر، وذهب أبو بكر إلى أنها متركبة، فقال: دُمتَ تَدُوم، كقُلت تقول، ودِمْتَ تَدَام كخِفت تَخَاف، ثم تركبت اللغتان فظن قوم أن تَدُوم على دِمت، وتدام على دُمت، ذهابا إلى الشذوذ، وإيثارا له، والوجه ما تقدم من أن تدام على دِمت، وتدوم على دُمت، وما ذهبوا إليه من تشذيذ دِمت تدُوم أخف مما ذهبوا إليه من تسويغ دُمت تَدَام، إذ الأُولى ذات نظائر، ولم يعرف من هذه الأخيرة إلا كُدت تَكَاد، وتركيب اللغتين باب واسع كقَنَطَ يَقْنَطُ، وركَن يَرْكَن، فيحمله جهال أهل اللغة على الشذوذ. اهـ لسان. جـ ٢ ص ١٤٥٧.
وقال العلامة العيني بعد ما نقل نحو ما تقدم عن ابن سيده ما نصه: وأصله من الاستدارة، وذلك أن أصحاب الهندسة يقولون: إن الماء الدائم إذا كان بمكان، فإنه يكون مستديرا في الشكل، ويقال الدائم
الواقف الذي لا يجري. اهـ عمدة جـ ٣/ ص ٤٨.
وفي رواية البخاري بعد قوله "الدائم" زيادة "الذي لا يجري"، قال الحافظ: قيل: هو تفسير "الدائم" وإيضاح لمعناه، وقيل: احترز به عن راكد يجري بعضه كالبِرَك، وقيل: احترز به عن الماء الدائر لأنه جار من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى.
ولهذا لم يذكر هذا القيد في رواية أبي عثمان، عن أبي هريرة التي
стр. 722
تقدمت الإشارة إليها، حيث جاء فيها بلفظ الراكد بدل الدائم، وكذا أخرجه مسلم من حديث جابر، وقال ابن الأنباري: الدائم من حروف الأضداد، يقال للساكن، والدائر، ومنه أصاب الرأس دوام أي دوار، وعلى هذا فقوله: "الذي لا يجري"، صفة مخصصة لأحد معنى المشترك، وقيل الدائم، والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم الذي له نبع، والراكد الذي لا نبع له. اهـ فتح جـ ١/ ص ٤١٣.
(ثم يتوضأ منه) وفي الرواية الثانية "ثم بغتسل منه" وهي رواية البخاري، وغيره، ثم المشهور رفع الفعل، فتكون الجملة خبرا لمبتدإ محذوف، أي ثم هو يتوضأ منه، والجملة بمنزلة علة النهي، أي لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، لأنه يتوضأ منه، أو يغتسل منه بعدُ، و"ثُمَّ" للاستبعاد، فكأنه قال: كيف يبول فيه، وهو يحتاج إليه للوضوء أو الغسل، أفاده في المنهل.
وقال الحافظ في الفتح: قوله "ثم يغتسل منه" بضم اللام على المشهور، وقال ابن مالك: يجوز الجزم عطفا على "يبولن" لأنه مجزوم الموضع بلا الناهية، ولكنه بني على الفتح لتوكيده بالنون، ومنع من ذلك القرطبي فقال: لو أراد النهي لقال: ثم لا يغتسلن فيه، فحينئذ يتساوى الأمران في النهي عنه لأن المحل الذي تواردا عليه شيء واحد وهو الماء، قال: فعدوله عن ذلك يدل على أنه لم يرد العطف، بل نبه على مآل الحال، والمعنى أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله، ومَثَّلَه بقوله ﷺ : "لا يضربن أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها" فإنه لم يروه أحد بالجزم، لأن المراد النهي عن الضرب، لأنه يحتاج في مآله إلى مضاجعتها، فتمتنع لإساءته إليها، فلا يحصل له مقصوده، وتقدير اللفظ ثم هو يضاجعها، وفي حديث الباب "ثم هو يغتسل منه".
стр. 723
وتعقب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي، أن لا يعطف عليه نهي آخر غير مؤكد، لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما معنى ليس للآخر.
قال القرطبي: ولا يجوز النصب إذ لا تضمر "أن" بعد "ثم"، وأجازه ابن مالك بإعطاء "ثم" حكم الواو، وتعقبه النووي بأن ذلك يقتضي أن يكون المنهي عنه الجمع بين الأمرين دون إفراد أحدهما، وضعفه ابن دقيق العيد، بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر، قال الحافظ: وهو ما رواه مسلم من حديث جابر عن النبي ﷺ "أنه نهى عن البول في الماء الراكد" وعنده من طريق أبي السائب، عن أبي هريرة بلفظ "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" وروى أبو داود النهي عنهما في حديث واحد، ولفظه "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة" اهـ فتح جـ ١/ ص ٤١٣ - ٤١٤. قال في المنهل جـ ١/ ص ٢٤٤ ما حاصله، وقد أجاب عن ابن مالك أيضا ابن هشام بأنه إنما أراد إعطاء "ثُمَّ" حكم الواو في النصب، لا في المعية، وأيضا فإن ما أورده النووي إنما جاء من قبيل المفهوم لا المنطوق، وقد قام دليل آخر على عدم إرادته، ثم ذكر نحو ما تقدم عن ابن دقيق العيد وكلام الحافظ.
قال: والحاصل: أنه قد ورد النهي عن كل منهما على انفراده، وهو يستلزم النهي عن فعلهما جميعا بالأولى، وقد ورد النهي عن الجمع بينهما، كما في رواية أبي داود المتقدمة، وكذا في هذه إن صحت الرواية بالنصب، ويكون دالا على النهي عن كل واحد على رواية الجزم، أما على رواية الرفع فيكون المنهي عنه البول في الماء لما يترتب عليه من نجاسته أو النفرة منه، فلا يغتسل منه عند الحاجة إليه، وتقدم هذا في حديث "لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه" اهـ المنهل بتصرف.
стр. 724
وقوله (منه) أي من الماء الدائم، وهو هكذا في رواية البخاري من طريق أبي الزناد، وكذا لمسلم من طريق ابن سيرين، وفي رواية للبخاري من طريق أخرى "ثم يغتسل فيه"، وكل من اللفظين يفيد حكما
بالنص، وحكما بالاستنباط، قاله ابن دقيق العيد.
قال الحافظ: ووجهه أن الرواية بلفظ "فيه" تدل على منع الانغماس بالنص، وعلى منع التناول بالاستنباط، والرواية بلفظ "منه" بعكس ذلك، وكله مبني على أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة، والله أعلم اهـ فتح جـ ١/ ص ٤١٥.
(قال عوف) أي ابن أبي جميلة الأعرابي بالسند السابق.
(قال خِلَاس) بكسر الخاء ابن عمرو البصري الهَجَري (عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثلَه) بالنصب مقول القول، لأن القول ينصب ما كان في معني الجملة، وإن كان مفردا، كقلت قصيدة، قاله العلامة الخضري في حاشيته على ابن عقيل: والقول إذا كان بمعنى التلفظ لا ينصب إلا الجمل كقلت: جاء زيد، أو مفردا في معناها، كقلت قصيدة أو شعرا، أو مفردا قصد لفظه، نحو ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] أو مفردا مسماه لفظ كقلت: كلمة، أي لفظ رجل مثلا.
وقال العلامة الأمير في حواشي الشذور: الأسهل أن يقال: القول
إنما يتوجه للَّفظ جملةً كان، أو غيرها، فقلت جاء زيد، معناه قلت: هذا اللفظ، فإن توجه للمعنى كان بمعنى الاعتقاد، كقلت بأن النية واجبة، وإن كان اللفظ مسماه لفظا، توجه للدال، أو المدلول كقلت: كلمة، أو قصيدة، يحتمل قلت: هذا اللفظ، أو قلت معناه، وهو لفظ رجل مثلا أو اللفط المنظوم اهـ. خضري جـ ١/ ص ٧.
وحاصل المعنى: أن عوفا يروي هذا الحديث عن شيخين: محمد بن
стр. 725
سيرين، وخلَاس بن عمرو، فأما محمد، فاللفظ المذكور له، وأما خلاس فلفظه مماثل للفظ محمد.
فائدة:
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ ﵀: إن مما يَلزَمُ الحَديثيّ من الضبط والإتقان أن يفرق بين مثله ونحوه، فلا يحل أن يقول مثله، إلا إذا علم أنهما اتفقا في اللفظ، ويحل له أن يقول نحوه إذا كان بمعناه،
نقله في التقريب، وشرحه التدريب جـ ٢/ ص ١٢٠، وإلى هذا أشار السيوطي في ألفيته فقال:
الحْاكمُ اخْصُصْ نَحْوَهُ بالمعْنَى … ومثْلَهُ باللَّفْظ فَرْقٌ يُعْنَى
فمراد المصنف أن محمدا، وخلاسا اتفقا في لفظ الحديث، فعلى هذا فاللفظ المذكور لهما فتنبه.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي ﵀ (كان يعقوب) بن إبراهيم الدورقي شيخه.
(لا يحدث بهذا الحديث) أي حديث أبى هريرة في البول في الماء الدائم (إلا بدينار) أي بأخذ دينار ممن يحدثه؛ لأنه كان يَرَى جواز أخذ الأجرة على التحديث وهي مسألة خلافية بين العلماء.
قال النووي: في التقريب: من أخذ على التحديث أجرا لا تقبل روايته عند أحمد، وإسحاق، وأبي حاتم الرازي، وتقبل عند أبي نعيم الفضل بن دُكَين، وعلي بن عبد العزيز، وآخرين، وأفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أبا الحسن ابن النَّقُّور بجوازها؛ لأنه ممن امتنع عليه الكسب لعياله بسبب التحديث، ويشهد له جواز أخذ الوصي الأجرة من مال اليتيم إذا كان فقيرا أو اشتغل بحفظه عن الكسب من غير رجوع لظاهر القرآن. اهـ تقريب مع شرحه التدريب جـ ١/ ص ٣٣٧ - ٣٣٨.
стр. 726
وسيأتي قريبا في المسائل تتميم الكلام على هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
مسائل تتعلق بحديث هذا الباب
المسألة الأولى في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٥٧، ٥٨، وفي الكبرى ٥٥، ٥٦، ٥٧ بالأسانيد المذكورة.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري عن طريق الأعرج عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم، وأبو داود عن طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وأخرجه الترمذي عن طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجه عن طريق ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة وأخرجه مسلم أيضا من حديث جابر عن رسول الله ﷺ "أنه نهى أن يبال في الماء الراكد" وأخرجه الطحاوي أيضا، وابن ماجه، والطبراني في الأوسط، وأخرجه ابن ماجه أيضا، من حديث نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الناقع".
وأخرجه أحمد، والبيهقي.
المسألة الرابعة: قد استدل بعضهم بحديثي الباب على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه مطهرا، لأن النهي ها هنا عن مجرد الغسل، فدل على وقوع المفسدة بمجرده، والمفسدة خروجه عن كونه مطهرا، إما لنجاسته، أو لعدم طَهُوريته، ومع هذا فلابد من تقييده بما دون القلتين على مذهب الشافعي ومن وافقه، وبغير المستبحر على مذهب الحنفية لأن
стр. 727
القلتين فأكثر عند الشافعية، والمستبحر عند الحنفية لا يؤثر فيه الاستعمال، والوضوء كالغسل في هذا الحكم، لأن المقصود من النهي التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات، والوضوء يقدر الماء، كما
يقذره الغسل.
وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعي، والشافعي، ومالك في إحدى الروايتين عنهما، وأبو حنيفة في رواية عنه واحتجوا بحديث الباب وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة، وبما رواه مسلم وابن ماجَهْ، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" فقالوا: يا أبا هريرة كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولا.
واحتج لهم بعضهم بما يروى عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بما تساقط منه.
وأجيب عن الاستدلال الأول بما ذكر بأن علة النهي لا تنحصر في الاستعمال، بل يحتمل أن يكون النهي للاستخباث والاستقذار، والدليل إذا تطرقه الاحتمال، سقط به الاستدلال، وبأن الدليل أخص
من الدعوى لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة والمدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية.
وعن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملا، ولو سلم فالدليل أخص من الدعوى؛ لأن المدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل، وبالمعارضة بما أخرجه مسلم، وأحمد، من حديث ابن عباس "أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة" وأخرجه أحمد أيضا وابن ماجه بنحوه من حديثه، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي، والترمذي، وصححه من
стр. 728
وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي، والترمذي، وصححه من حديثه بلفظه "اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل" الحديث، وأيضا النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال.
وعن الاحتجاج بتكميل السلف الطهارة بالتيمم، لا بما تساقط بأنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك، لأن منهم من قال بطهورية المستعمل كالحسن البصري، والزهري، والنخعي، وإحدى الروايات عن مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، ونسبه ابن حزم إلى عطاء، وسفيان الثوري، وأبي ثور، وجميع أهل الظاهر.
وبأن المتساقط قد فني لأنهم لم يكونوا يتوضؤون إلى إناء، والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار.
وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطهورية، ويتحتم البقاء على البراءة الأصلية، ولا سيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة كحديث "خلق الماء طهورا" وحديث "مسحه ﷺ رأسه بفضل ماء كان بيده" وغيرهما. أفاده العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار
جـ ١/ ص ٤٨ - ٤٩.
وقال فيه أيضا عند الكلام على حديث "صب النبي ﷺ وَضُوءه على المُغْمَى عليه، وتبرك الصحابة بوَضوئه" ما نصه:
وقد استدل الجمهور بصبه ﷺ لوَضوئه على جابر، وتقريره للصحابة على التبرك بوضوئه على طهارة الماء المستعمل للوضوء، وذهب بعض
стр. 729
الحنفية، وأبو العباس إلى أنه نجس واستدلوا على ذلك بأدلة:
منها: حديث أبي هريرة فذكر حديث الباب، قالوا: والبول ينجس الماء، فكذا الاغتسال، لأنه ﷺ قد نهى عنهما جميعا.
ومنها: الإجماع على إضاعته، وعدم الانتفاع به، ومنها أنه ماء أزيل به مانع من الصلاة، فانتقل المنع إليه، كغسالة النجس المتغيرة.
ويجاب عن الأول بأنه أخذ بدلالة الاقتران، وهي ضعيفة (١) وبقول أبي هريرة يتناوله تناولا، فإنه يدل على أن النهي إنما هو عن الانغماس، لا عن الاستعمال، وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق.
وعن الثاني: بأن الإضاعة لإغناء غيره عنه، لا لنجاسته.
وعن الثالث: بالفرق بين مانع هو النجاسة ومانع هو غيرها، وبالمنع من أن كل مانع يصير له بعد إنتقاله الحكم الذي كان له قبل الانتقال، وأيضا هو تمسك بالقياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار (٢)، ويلزمهم أيضا تحريم شربه وهم لا يقولون به.
ومن الأحاديث الدالة على ما ذهب إليه الجمهور:
حديث أبي جحيفة عند البخاري قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة فأتي بوَضُوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به".
وحديث أبي موسى عنده أيضا قال: دعا النبي ﷺ بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومَجَّ فيه ثم قال لهما يعني أبا موسى وبلالا: "اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونُحُوركما".
стр. 730
وعن السائب بن يزيد عنده أيضا قال: "ذهبت بي خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وَجِع -أي مريض- فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضأ، فشربت من وَضُوئه، ثم قمت خلف ظهره" الحديث.
فإن قال الذاهب إلى نجاسة المستعمل للوضوء: إن هذه الأحاديث غاية ما فيها الدلالة على طهارة ما يتوضأ به ﷺ ، ولعل ذلك من خصائصه
قلنا: هذه دعوى غير نافقة، فإن الأصل أن حكمه وحكم أمته واحد، إلا أن يقوم دليل يقتضي بالاختصاص، ولا دليل، وأيضًا الحكم يكون الشيء نجسا حكم شرعي، يحتاج إلى دليل، يلتزمه الخصم فما هو؟. اهـ نيل جـ ١/ ص ٤١.
وقال في المنهل جـ ١/ ص ٢٥٠: وقال مالك ومن ذكر معه آنفا: أنه طاهر مطهر، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] ولما ورد في أبي داود عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوّذ "أن النبي ﷺ توضأ فمسح رأسه بفضل ماء في يده"، وفي حديث آخر "أنه مسح رأسه ببلل لحيته" وعن ابن عباس أنه ﷺ اغتسل فنظر لمعة من بدنه لم يصبها الماء، فأخذ شعرا من بدنه عليه ماء فأمَرَّه على ذلك الموضع" أفاده النووي في شرح المهذب.
قالوا: ولأنه ماء لاقى طاهرا مطهرا كما لو غسل به ثوب طاهر،
ولأنه مستعمل فجازت الطهارة به كالمستعمل في تجديد الوضوء، ولأن ما أدي به الفرض مرة لا يمتنع أن يؤدى به ثانيا، كما يجوز للجماعة أن يتيمموا من موضع واحد، وكما يخرج الطعام في الكفارة، ثم يشتريه ويخرجه فيها ثانيا، وكما يصلي في الثوب الواحد مرارا، ولأنه لو لم تجز الطهارة بالمستعمل لامتنعت الطهارة؛ لأنه بمجرد جريان الماء على
стр. 731
بعض العضو يصير مستعملا، فإذا سال على باقي العضو ينبغي أن البلل لا يرفع الحدث، وهذا متروك بالإجماع، فدل على أن المستعمل مطهر.
وأدلة هذا القول وإن نوقش في بعضها لكن يؤيدها أن طهورية الماء ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، فلا يخرجه عنها إلا دليل صحيح صريح، ولا دليل كذلك، وما ذكر أصحاب القول الأول من الأدلة الناقلة للماء المستعمل عن الطهورية، فقد علمت أنها غير صالحة للاحتجاج بها على ذلك.
قال في الروضة الندية: الحق أن الماء المستعمل طاهر، ومطهر عملا بالأصل وبالأدلة الدالة على أن الماء طهور، لا يخرج عن كونه طهورا بمجرد استعماله للطهارة، إلا أن تغير بذلك ريحه، أو لونه، أو طعمه،
وإن إخراج ما جعله الله طهورا عن الطهورية لا يكون إلا بدليل -يعني ولا دليل- اهـ ملخصا.
وقال ابن المنذر: وروي عن علي، وابن عمر وأبي أمامة، وعطاء، والحسن، ومكحول، والنخعي، أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد بللا يكفيه مسحه بذلك، قال: وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل مطهرا، وبه أقول. اهـ.
وعن أبي حنيفة ثلاث روايات:
الأولى: أنه نجس نجاسة مغلظة وهي رواية الحسن بن زياد عنه، وهي شاذة غير مأخوذ بها.
الثانية: نجس نجاسة مخففة وهي رواية أبي يوسف عنه، قال عبد الحميد القاضي: أرجو أن لا تثبت رواية النجاسة عن أبي حنيفة.
الثالثة: طاهر غير مطهر، وهي رواية محمد بن الحسن عنه، وهو الصحيح المفتى به عندهم، وبه قالت الشافعية اهـ. المنهل جـ ١/ ص ٢٥٠.
стр. 732
المسألة الخامسة:
قال العلامة المحقق ابن دقيق العيد ﵀: وهذا الحديث مما استدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الدائم، وإن كان أكثر من القلتين، فإن الصيغة صيغة عموم، وأصحاب الشافعي يخصون هذا العموم، ويحملون النهي على ما دون القلتين، وعدم تنجيس القلتين فما زاد إلا بالتغيير مأخوذ من حديث القلتين، فيحمل هذا الحديث العام في النهي على ما دون القلتين جمعا بين الحديثين، فإن حديث القلتين يقتضي عدم تنجيس القلتين فما فوقهما، وذلك أخص من مقتضى الحديث العام الذي ذكرناه، والخاص مقدم على العام.
ولأحمد طريقة أخرى وهي الفرق بين بول الآدمي، وما في معناه من العذرة المائعة، وغير ذلك من النجاسات، فأما بول الآدمي وما في معناه، فينجس الماء، وإن كان أكثر من القلتين، وأما غيره من النجاسات فتعتبر فيه القلتان، وكأنه رأى أن الخبث المذكور في حديث القلتين، عام بالنسبة إلى النجاسات، وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمي، فيقدم الخاص على العام بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء الكثير، ويخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين بخصوصه، فينجس الماء دون غيره من النجاسات ويلحق بالبول المنصوص عليه ما يعلم أنه في معناه اهـ كلام ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام جـ ١/ ص ٢١ - ٢٢.
(قال الجامع) قد عرفت فيما سبق أن المذهب الراجح هو العمل بما اقتضاه حديث القلتين. فتبصر. والله أعلم.
المسألة السادسة:
قال ابن دقيق العيد أيضا: واعلم أن هذا الحديث لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد، لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدًا لا تؤثر فيه النجاسة، والاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته
стр. 733
النجاسة امتنع استعماله.
فمالك ﵀ إذا حمل النهي على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير لابد أن يخرج صورة التغير بالنجاسة، أعني عن الحكم بالكراهة، فإن الحكم ثمة التحريم، فإذًا لا بد من الخروج عن الظاهر عند الكل، فلأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا: خرج عنه المستبحر الكثير جدا بالإجماع فيبقى ما عداه على حكم النص فيدخل تحته ما زاد عن القلتين، ويقول أصحاب الشافعي خرج الكثير المستبحر الذي ذكرتموه، وخرج القلتان، فما زاد بمقتضى حديث القلتين، فيبقى ما نقص عن القلتين
داخلا تحت مقتضى الحديث.
ويقول من نصر قول أحمد ﵀ المذكور: خرج ما ذكرتموه، وبقي ما دون القلتين داخلا تحت النص، إلا أن ما زاد على القلتين مقتضى حديث القلتين فيه عام في الأنجاس، فيخص بول الآدمي، ولمخالفهم أن يقول: قد علمنا جزما أن هذا النهي إنما هو لمعنى في النجاسة وهو عدم التقرب إلى الله بما خالطها، وهذا المعنى تستوي فيه سائر الأنجاس، ولا يتجه تخصيص بول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا المعنى فإن المناسب لهذا المعنى أعني التنزه عن الأقذار أن يكون ما هو أشد استقذارًا أوقع في هذا المعنى، وأنسب له فلا يبقى تخصيصه دون غيره بالنسبة إلى المنع معنى فيحمل الحديث على أن ذكر البول وقع تنبيها على غيره مما يشركه في معناه من الاستقذار.
والوقوف على مجرد الظاهر ها هنا مع وضوح المعنى وشموله لسائر الأنجاس ظاهرية محضة.
وأما مالك رحمه الله تعالى فإذا حمل النهي على الكراهة ويستمر حكم الحديث في القليل والكثير غير المستثنى بالاتفاق، وهو المستبحر مع
стр. 734
حصول الإجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير الماء بالبول، فهذا يلتفت إلى حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين وهي مسألة أصولية، فإن جعلنا النهي للتحريم، كان استعماله في الكراهة، والتحريم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والأكثرون على منعه والله أعلم.
وقد يقال على هذا إن حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ، فلا يلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، وهذا متجه إلا أنه يلزم منه التخصيص في هذا الحديث. اهـ كلام ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام جـ ١/ ص ٢٢ - ٢٣.
(قال الجامع): قد تبين لك مما سبق أن ما ذهب إليه الشافعي ﵀ ومن معه هو الأقوى. فتبصر. والله أعلم.
المسألة السابعة: في مذاهب العلماء في أخذ الأجرة على التحديث، وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعض أقوال العلماء، ونزيد الآن شرحا، وإيضاحا للمسألة، ملخصا ما كتبه العلامة الحافظ السخاوي ﵀ في فتح المغيث شرح ألفية الحديث، فإنه قد استوعب الكلام هناك، وحاصله أن في أخذ الأجرة على التحديث مذاهب للعلماء:
الأول: أنه لا تقبل رواية من يأخذ الأجرة على التحديث:
وممن قال بذلك: إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، وآخرون، أما إسحاق، فإنه حين سئل عن المحدث يحدث بالأجر، قال: لا يكتب عنه، وكذا قال أبو حاتم الرازي حين سئل عمن يأخذ على التحديث.
وأما أحمد: فإنه قيل له: أيكتب عمن يبيع الحديث؟ فقال: لا ولا كرامة. فأطلق أبو حاتم جواب الأخذ الشامل للإجارة، والجعَالة، والهبَة، والهدية، وهو ظاهر في الجعالة لوجود العلة فيها أيضا، وإن كانت الإجارة أفحش.
وقد قال سليمان بن حرب: لم يبق من أمر السماء إلا الحديث،
стр. 735
والقضاء، وقد فسدا جميعا، القضاة يَرشُون حتى يُوَلَّوْا، والمحدثون يأخذون على حديث رسول الله ﷺ الدراهم.
قال الخطيب: إنما منعوا من ذلك تنزيها للراوي عن سوء الظن به، فإن بعض من كان يأخذ الأجرة على الرواية عثر على تزيده، وادعائه ما لم يسمع لأجل ما كان يعطى، ومن هذا بالغ شعبة فيما حكي عنه، وقال: لا تكتبوا عن الفقراء شيئا، فإنهم يكذبون، ولذا امتنع من الأخذ مَن امتنع، بل تورع الكثير منهم عن قبول الهدية والهبة.
فقال سعيد بن عامر: لما جلس الحسن البصري للحديث أهدي له فرده، وقال: إن مَن جلس هذا المجلس، فليس له عند الله خلاق، يعني إن أخذ.
وكذا لم يكن النووي يقبل ممن له به علقة من إقراء، أو انتفاع ما.
قال ابن العطار: للخروج من حديث إهداء القوس، يعني الوارد في الزجر عن أخذه ممن علمه القرآن، قال: وربما أنه كان يرى نشر العلم متعينا عليه مع قناعة نفسه وصبرها، قال: والأمور المتعينة لا يجوز أخذ الجزاء عليها كالقرض الجارّ إلى منفعة، فإنه حرام باتفاق العلماء. انتهى.
وقال جعفر بن يحيى البرمكي: ما رأينا في القراء مثل عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عرضت عليه مائة ألف، فقال: لا والله، لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمنا ألا كان هذا قبل أن ترسلوا إلى، فأما على الحديث فلا، ولا شَرْبَة ماء ولا إهْليلَجَة (١).
وهذا بمعناه، وأزيد عند أبي الفرج النهرواني في "الجليس الصالح" قال: دخل الرشيد الكوفة، ومعه ابناه الأمين والمأمون، فسمعا من عبد الله بن إدريس وعيسى بن يونس، فأمر لهما بمال جزيل، فلم يقبلا، وقال له عيسى: لا، ولا إهليلجة، ولا شربة ماء على حديث رسول الله ﷺ ، ولو ملأت لي هذا المسجد إلى السقف ذهبًا.
стр. 736
وقال جرير بن عبد الحميد: مر بنا حمزة الزيات فاستسقى، فدخلت البيت فجئته بالماء، فلما أردت أن أناوله نظر إلى فقال: أنت هو؟ قلت نعم، فقال: أليس تحضرنا في وقت القراءة؟ قلت: نعم، فرده، وأبى أن يشرب ومضى.
وأهدى أصحاب الحديث للأوزاعى شيئا، فلما اجتمعوا، قال لهم: أنتم بالخيار إن شئتم قبلته، ولم أحدثكم، أورددته وحدثتكم، فاختاروا الرد وحدثهم، ونحوه عن حماد بن سلمة كما قال الخطيب في الكفاية.
وقال هبة الله بن المبارك السقطي: كان أبو الغنائم محمد بن علي بن الحسن بن الدجاجي البغدادي ذا وجاهة وتقدم وحال واسعة وعهدي بي، وقد أخذني عليه الزمان بصروفه، وقد قصدته في جماعة مثرين لنسمع منه، وهو مريض، فدخلنا عليه، وهو على بادية، وعليه جبة قد أكلت النار أكثرها، وليس عنده ما يساوي درهما، فحمل على نفسه حتى قرأنا عليه بحسب شرهنا، ثم قمنا، وقد تحمل المشقة في إكرامنا، فلما خرجنا قلت: هل مع سادتنا ما نصرفه إلى الشيخ؟ فمالوا إلى ذلك، فاجتمع له نحو خمسة مثاقيل، فدعوت ابنته وأعطيتها، ووقفت لأرى تسليمها إليه، فلما دخلت وأعطته لَطَمَ حُرَّ وجهه، ونادى وافضيحتاه! آخذ على حديث رسول ﷺ عوضا؟ لا والله، ونهض حافيا، فنادى بحرمة ما بيننا إلا رجعت، فعدت إليه، فبكى، وقال: تفضحني مع أصحاب الحديث؟ الموت أهون من ذلك، فأعدت الذهب إلى الجماعة، فلم يقبلوه، وتصدقوا به.
ومرض أبو الفتح الكروخي راوي الترمذي، فأرسل إليه بعض من كان يحضر مجلسه شيئا من الذهب، فما قبله، وقال: بعد السبعين، واقتراب الأجل آخذ على حديث رسول الله ﷺ شيئا، ورده مع الاحتياج إليه.
стр. 737
المذهب الثاني: الجواز للحاجة والفقر:
وممن قال بهذا: أبو نعيم الفضل بن دُكَين، فقد كان يأخذ على التحديث الأجر بحيث كان إذا لم يكن معهم دراهم صحاح، بل مكسرة أخذ صرفها.
ومنهم: عفان بن مسلم، أحد الحفاظ الأثبات من شيوخ البخاري، فقد قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله، يعني الإمام أحمد يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نَلقَى من الناس في أمرهما ما اللهُ به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد مثل ما قاما به: عفان وأبو نعيم، يعني بقيامهما عدم الإجابة في المحنة، وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث، ووصف أحمد مع هذا عفان بالثبت، وقيل له: مَن تابع عفان على كذا؟ فقال: وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد؟ وأبا نعيم الحجةَ الثبتَ، وقال مرة: أنه يزاحَمُ به ابنُ عيينة، وهو على قلة روايته أثبت من وكيع، إلى غير ذلك من الروايات عنه، بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله.
فيمكن الجمع بين هذا وإطلاقهما كما مضى أولا عدم الكتابة بأن ذلك في حق من لم يبلغ هذه المرتبة في الثقة والتثبت، أو الأخذ مختلف في الموضعين، كما يشعر به السؤال لأحمد هناك، ومضايقة البغوي التي كانت سببا لامتناع النسائي من الرواية عنه، كما سيأتي قريبًا.
وعلى هذا يحمل قول محمد بن عبد الملك بن أيمن: لم يكونوا يعيبون مثل هذا، إنما العيب عندهم الكذب.
وممن كان يأخذ ممن احتج به الشيخان: يعقوب الدورقي، كما ذكره النسائي هنا، ومنهم هشام بن عمار، فقد قال ابن عدي: سمعت قسطنطين يقول: حضرت مجلسه، فقال له المستملي: من ذكرتَ؟ فقال له: بعض مشايخنا، ثم نعس، فقال لهم المستملي: لا تنتفعون به، فجمعوا له شيئا، فأعطوه، فكان بعد ذلك يُمْلي عليهم.
стр. 738
بل قال الإسماعيلي: عن عبد الله بن محمد بن سَيَّار: أن هشاما كان يأخذ على كل ورقتين درهما ويشارط، ولذا قال ابن وَارَة: عزمت أن أمسك عن حديث هشام؛ لأنه كان يبيع الحديث، وقال صالح بن محمد: إنه كان لا يحدث ما لم يأخذ.
ومنهم: علي بن عبد العزيز البغوي نزيل مكة وأحد الحفاظ المكثرين مع علو الإسناد، فإنه كان يطلب الأجر على التحديث، وآخرون.
وهؤلاء فعلوه ترخصا للحاجة فقد قال علي بن خشرم: سمعت أبا نعيم الفضل يقول: يلومونني على الأخذ، وفي بيتي ثلاثة عشر نفسا، وما فيه رغيف، ورآه بشر بن عبد الواحد في المنام بعد موته فسأله: ما فعل بك ربك في ذلك؟ فقال: نظر القاضي في أمري، فوجدني ذا عيال، فعفا عني.
وكذا كان البغوي يعتذر بأنه محتاج، وإذا عاتبوه على الأخذ حين يقرأ كتب أبي عبيد على الحاج إذا قدم عليه مكة يقول: يا قوم أنا بين الأخشبين إذا خرج الحاج نادى أبو قبيس قُعَيقعَان مَن بقي؟ فيقول: بقي المجاورون، فيقول: أطبقْ.
لكن قد قبحه النسائي ثلاثا، ولم يرو عنه شيئا، لا لكذبه، بل لأنه اجتمع قوم للقراءة عليه فبروه بما سهل عليهم، وفيهم غريب فقير، فأعفوه لذلك، فأبى إلا أن يدفع كما دفعوا، أو يخرج عنهم، فاعتذر
الغريب بأنه ليس معه إلا قصعة صغيرة فأمره بإحضارها، فلما أحضرها حدثهم.
ونحوه أن أبا بكر الأنصاري المعروف بقاضي المرستان، شَمَّ من أبي الحسن سعد الخير الأنصاري رائحة طيبة، فسأله عنها؟ فقال: هي عود، فقال: ذا عود طيب، فحمل إليه نزرا قليلا، ودفعه لجارية الشيخ،
فاستحيت من إعلامه به لقلته، وجاء سعد الخير على عادته، فاستخبر الشيخ عن وصول العود، فقال له: لا، وطلب الجارية، فاعتذرت
стр. 739
لقلته، وأحضرت ذلك فأخذه الشيخ بيده، وقال لسعد الخير: أهو هذا؟ قال: نعم، فرمى به إليه، وقال: لا حاجة لنا فيه، ثم طلب منه سعد الخير أن يسمع ولده جزء الأنصاري، فحلف أن لا يسمعه إياه إلا أن يحمل إليه خمسة أمناء من عود، فامتنع، وألح على الشيخ في تكفير يمينه فما فعل، ولا حمل هو شيئا، ومات الشيخ ولم يسمع ابنه الجزء ولكنه في المتأخرين أكثر.
ومنهم: من كان يمتنع من الأخذ من الغرباء خاصة، فروى السِّلَفيّ في معجم السَّفَر له، من طريق سهل بن بشير الإسفرائيني قال: اجتمعنا بمصر طبقة من طلبة الحديث، فقصدنا علي بن مُنير الخلال، فلم يأذن لنا في الدخول، فجعل عبد العزيز بن علي النخشبي فاه على كوة بابه ورفع صوته بقوله: قال رسول الله ﷺ : "من سئل عن علم" الحديث، قال: ففتح لنا الباب ودخلنا، فقال: لا أحدث اليوم إلا من وزن الذهب، فأخذ من كل من حضر من المصريين، ولم يأخذ من الغرباء شيئا، وكان فقيرًا لم يكن له من الدنيا شيء وهو من الثقات.
ومنهم: من لم يكن يشترط شيئا ولا يذكره غير أنه لا يمتنع من قبول ما يعطى له بعد ذلك أو قبله.
ومنهم: من كان يقتصر في الأخذ على الأغنياء.
ومنهم: من كان يمتنع في الحديث فقط، قال أبو أحمد بن سكينة: قلت للحافظ ابن ناصر أريد أن أقرأ عليك شرح ديوان المتنبي لأبي زكريا، وكان يرويه عنه، فقال: إنك دائما تقرأ علي الحديث مَجَّانًا، وهذا شعر، ونحن نحتاج إلى دفع شيء من الأجر عليه، لأنه ليس من الأمور الدينية، قال: فذكرت ذلك لوالدي فدفع إلى كاغدًا (١) فيه خمسة دنانير، فأعطيته إياه، وقرأت عليه الكتاب، وكان مع ذلك فقيرا.
стр. 740
ونحوه أن أبا نصر محمد بن موهوب البغدادي الضرير الفرضي كان يأخذ الأجرة ممن يعلمه الجبر والمقابلة دون الفرائض والحساب، ويقول: الفرائض مهمة، وهذا من الفضل حكاهما ابن النجار.
ومنهم: من كان لا يأخذ شيئا، ولكن يقول: إن لنا جيرانا محتاجين، فتصدقوا عليهم، وإلا لم أحدثكم، قال زيد بن الحباب عن شيخه: إنه كان يفعله.
المذهب الثالث: الجواز لمن كان مشغولا عن الكسب لعياله، وهذا هو المختار كما يأتي للسيوطي في ألفيته.
وممن أفتى بذلك: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، حين سأله مُسْند العراق في وقته أبو الحسين بن النَّقُّور، لكون أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله فكان يأخذ كفايته، وعلى نسخة طالوت ابن عباد أبي عثمان الصيرفي بخصوصها دينارا، واتفق أنه جاء غريب فأراد أن يسمعها منه، فاحتال بأن اقتصر على كنية طالوت لكونه لم يكن يعرفه بها، وذلك أنه قال له: أخبرك أبو القاسم بن حبابة، قال: حدثنا البغوي، حدثنا أبو عثمان الصيرفي، وساق النسخة إلى آخرها،
فبلغ مقصوده بدون دينار، لكون ابن النقور لم يعلم أن أبا عثمان الصيرفي هو طالوت.
وممن أفتى بالجواز قبل أبي إسحاق: ابنُ عبد الحكم المالكي ﵀، فقال خالد بن سعد الأندلسي: سمعت محمد بن فطيس وغيره يقولون: جمعنا لابن أخي ابن وهب، يعني أحمد بن عبد الرحمن دنانير أعطيناها إياه، وقرأنا عليه موطأ ابن عمه وجامعه، قال محمد: فصار في نفسي من ذلك، فأردت أن أسأل ابن الحكم، فقلت: أصلحك الله، العالم يأخذ على قراءة العلم؟ فاستشعر فيما ظهر لي، أني إنما أسأله عن أحمد، فقال لي: جائز، عافاك الله حلال، ألا أقرأ لك ورقة إلا بدرهم، ومن أخذني أن أقعد معك طول النهار، وأدع ما يلزمني