← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

و "كيف" اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل، في قولهم: على كيف تبيع الأحمرين، وتستعمل شرطية، نحو: كيف تصنعْ أصنعْ، واستفهامية، نحو كيف زيدٌ، ولغير ذلك، وهي هنا للاستفهام. و"الوحي": الإشارة، والكتابة، والرسالة، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلام، وأوحيت، وَوَحَى وَحْيًا، وأوحَى أيضًا، أي كتب، قال العَجَّاجَ [من الرجز]: حَتَّى نَحَاهُمْ جَدُّنَا وَالنَّاحِي … لِقَدَرٍ كَانَ وَحَاه الْوَاحِي والوَحْيُ المكتوبُ، والكتاب أيضًا، وعلى ذلك جمعوه، فقالوا: وُحِيٌّ، مثل حَلْيٍ، وحُلِيٍّ. قال لَبِيد [من الكامل]: فَمَدَافعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا … خَلَقًا كَمَا ضَمِنَ الْوُحِيَّ سِلَامُهَا أراد ما يُكتَب في الحجارة، ويُنقَش عليها. وأوحىَ إليه: بعثه، وأوحى إليه: ألهمه، وفي التنزيل ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وفيه ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي إليها، فمعنى هذا أمَرَها، ووَحَى في هذا المعنى؛ قال العَجّاج [من الرجز]: وَحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ … وَشَدَّهَا بِالرَّاسيَاتِ الثُّبَّتِ ووَحَى إليه، وأوحى: كلَّمه بكلام يخفيه من غيره، ووحَى إليه، وأوحَى: أومأ، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً

стр. 7492

وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. وقال أبو الهَيْثَم: وأما اللغة الفاشية في القرآن فبالألف، وأما في غير القرآن فوحيت إلى فلان مشهورة. انتهى ملخصًا من لسان العرب (١). هذا من حيث اللعْة، وأما شرعًا، فهو الإعلام بالشرع، وقد يطلق الوحي، ويراد به اسم المفعول منه، أي الْمُوحَى، وهو كلام الله المنزل على النبي ﷺ (٢). وله أقسام، وصور، فأما أقسامه في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فعلى ثلاثة أضرب: (أحدها): سماع كلام الله تعالى، كسماع موسى ﵊. (والثاني): وحي رسالة بواسطة الملك. (والثالث): وحي تَلَقٍّ بالقلب، كقوله ﷺ : "إن روح القدس نفث في رُوعي. . ."، أي في نفسي. وأما الوحي إلى غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهو الإلهام، كالوحي إلى النحل. وأما صوره فسبعة، على ما ذكره السهيلي ﵀: (الأولى): المنام، كما جاء في حديث عائشة ﵂ المشهور. (الثانية): أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس، كما في هذا

стр. 7493

الحديث، (الثالثة): أن ينفث في رُوعه الكلام، كما مر آنفًا. (الرابعة): أن يتمثل له الملك رجلًا، كما في هذا الحديث أيضًا. (الخامسة): أن يتراءى له جبريل في صورته التي خُلقَ عليها. (السادسة): أن يكلمه الله من وراء حجاب. (السابعة): وحي إسرافيل ﵇، ففي مسند أحمد بإسناد صحيح عن الشعبي: أن رسول الله ﷺ نزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقُرِنَ بنبوته إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين؛ قرن لنبوته جبريل ﵇، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة: عشرًا بمكة، وعشرًا بالمدينة، فمات، وهو ابن ثلاث وَستين سنة. وأنكر بعضهم كونه وكل به غير جبريل ﵇. اهـ ملخصًا من عمدة القاري (١). (قال) وفي الرواية التالية: "فقال رسول الله ﷺ ": (في مثل صلصلة الجرس) متعلق بمحذوف، أي يأتيني في مثل صلصلة الجرس. وفي الرواية التالية: "أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس". وفي رواية البخاري: "مثل صلصلة الجرس". أي يأتيني في صوت متدارك، لا يدرك في أول الوَهْلَة، كصوت الجرس، أي يجيء في صورة وهيئة لها مثل هذا الصوت، فنبه بالصوت الغير المعهود على أنه يجيء في هيئة غير معهودة، فلذا قابله لقوله في

стр. 7494

"صورة الفتى"، وعلى الوجهين فصلصلة الجرس مثال لصوت الوحي. قاله السندي رحمه الله تعالى (١). و"الصلصلة" -بمهملتين مفتوحتين، بينهما لام ساكنة- في الأصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين. وقيل: هو صوت متدارك، لا يدرك في أول وهلة. قاله في الفتح. وقال العلامة العيني ﵀: "الصلصلة" -بفتح الصادين المهملتين-: الصوت الذي لا يفهم أوّلَ وَهْلَة. ويقال: هي صوت كل شيء مصوّت، كصلصلة السلسلة. وفي "العباب": صلصلة اللجام: صوته إذا ضوعف. وقال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه، ولا يتبينه أولَ ما يقرع سمعه حتى يفهمه من بعدُ. وقال أبو علي الهجري في أماليه: "الصلصلة" للحديد، والنحاس، والصفر، ويابس الطين، وما أشبه ذلك صوته. وفي "المحكم": صَلَّ يَصِلُّ صَلِيلًا، وصَلْصَلَ، وتصَلْصَل صَلْصَلَةً، وتَصَلْصُلًا: صوّت. وقال القاضي: الصلصلة: صوت الحديد فيما له طنين. وقيل: معنى الحديث هو قوةُ صوت حَفِيفِ أجنحة الملائكة، لتشغله عن غير ذلك، وتؤيده الرواية الأخرىَ: "كأنه سلسلة على صفوان"، أي حفيف

стр. 7495

الأجنحة (١). انتهى كلام العيني رحمه الله تعالى (٢). و"الجرس" -بفتح الجيم، والراء-: الجُلْجُل الذي ما يعلق في رؤوس الدواب، واشتقاقه من الجَرْسِ -بإسكان الراء- وهو الحِسّ. وقال الكرماني: الجَرَس: شبه ناقوس صغير، أو سَطْل في داخله قطعة نُحاس معلق منكوسًا على البعير، فإذا تحركت النحاسة، فأصابت السطل، فتحصل صلصلة، والعامة تقول: جرص بالصاد، وليس في كلام العرب كلمة اجتمع فيها الصاد والجيم، إلا الصمج، وهو القِندِيل، وأما الجص فَمُعَرّب. وقال ابن دريد: اشتقاقه من الجَرْس، أي الصوت والحس. وقال ابن سيَده: الجَرْس أي ما بالفتح، والجِرْس أي بالكسر، والجَرَسُ أي بفَتحتين: الحركة والصوت من كل ذي صوت. وقيل: الْجَرْس بالفتح إذا أفرد، فإذا قالوا: ما سمعتُ له حِسّا ولا جِرْسًا كسروا، فأتبعوا اللفظ باللفظ. اهـ (٣). قال في "الفتح": [فإن قيل]: المحمود لا يُشَبَّهُ بالمذموم، إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل، والمشبه الوحي، وهو محمود، والمشبه به صوت الجرس، وهو مذموم، لصحة النهي عنه، والتنفير من مرافقة ما هو معلق فيه، والإعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة، كما أخرجه مسلم،

стр. 7496

وأبو داود، وغيرهما، فكيف يشبه ما فعله الملك بأمر تنفر منه الملائكة؟ [والجواب]: أنه لا يلزم في التشبيه تساوي المشبه بالمشبه في الصفات كلها، بل ولا في أخص وصف له، بل يكفي اشتراكهما في صفةٍ مَّا، فالمقصود هنا ليان الجنس، فذكر ما ألِفَ السامعون سماعَهُ تقريبًا لأفهامهم. والحاصل أن الصوت له جهتان: جهة قوة، وجهة طَنِين، فمن حيث وقع التشبيه به، ومن حيث الطرب وقع التنفير عنه، وعلَل بكونه مزمار الشيطان. ويحتمل أن يكون النهي عنه وقع بعد السؤال المذكور، وفيه نظر. قيل: والصلصة المذكورة صوت الملك بالوحي. قال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك، يسمعه، ولا يتبينه أولَ ما يسمعه حتى يفهمه بعدُ. وقيل: بل هو صوت حفيف أجنحة الملك. والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحيُ، فلا يبقى فيه مكان لغيره، ولما كان الجرس لا تحصل صلصلته إلا متداركة وقع التشبيه به، دون غيره من الآلات. انتهى ما في الفتح (١). (فيفصم عني) قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر ﵀: أي ينفرج عني، ويذهب. كما يُفصَمُ الخلخالُ إذا فتحته لتخرجه عن

стр. 7497

الرجل، وكل عُقدة حللتها، فقد فصمتها، قال الله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وانفصام العروة أن تُنفَكَّ عن موضعها، وأصل الفصم عند العرب أن تفكّ الخَلْخال، ولا تُبينَ كسره، فإذا كسرته، فقد قصمته -بالقاف- قال ذو الرمة [من البسيط]: كأنَّهُ دُمْلُجٌ مِن فِضةٍ نَبَهٌ (١) … فِي مَلْعَبٍ من جَوَارِي الْحَي مَفْصُومُ (٢) وقال الحافظ ﵀: قوله "فيفصِمُ عني" أي يُقلعُ، ويتجلى ما يَغشَاني، وأصل الفصم: القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقيل الفصم بالفاء: القطع بلا إبانة، وبالقاف: القطع بإبانة، فذُكِرَ بالفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود، والجامع بينهما بقاء العلقة. أفاده في الفتح (٣). وقال العلامة العيني رحمه الله تعالى: فيه ثلاث روايات: [الأولى]: وهي أفصحها لفتح الياء، وإسكان الفاء، وكسر الصاد المهملة. قال الخطابي: معناه، يقلع، ويتجلى ما يغشاني منه، قال: وأصل الفصم: القطع، ومنه ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقيل: إنه الصدع بلا إبانة، وبالقاف قطعٌ بإبانة، فمعنى الحديث أن الملك فارقه ليعود.

стр. 7498

[الثانية]. بضم أوله، وفتح ثالثه، على صيغه المجهول من المضارع الثلاثي. [الثالثة]: بضم أوله، وكسر ثالثه، من أفصم المطرُ: إذا أقلع، وهي لغة قليلة. وقال العلامة ابن منظور ﵀: الفَصْمُ: الكسر من غير بَيْنُونَة، فَصَمَه يَفْصمُهُ فَصمًا -من باب ضرب-: كسره من غير أن يَبِينَ، وتَفَصَّمَ مثله. قال: وأما القَصْمُ بالقاف، فأن ينكسر الشيءُ، فَيبيَنَ. وانفَصَمَ المطرُ: انقطع، وأقلع، وأفصمَ المطرُ، وأفْصىَ: إذا أقلع، وانكشف، وأفصمتْ عنه الحُمَّى. انتهى (١). (وقد وَعيتُ عنه ما قال) بفتح العين، أي حفظت، وفهمت. قال ابن منظور ﵀: الوَعْيُ حفظ القلب الشيءَ، يقال: وَعَى الشيءَ، والحديثَ يَعِيه وَعْيًا، من باب وَعَدَ، وأوعاه: حَفِظَه، وفَهِمَهُ، وقَبِلَه، فهو واعٍ، وفلان أوعى من فلان، أي أحفظ، وأفهم. وقَال الجوهري ﵀: أوعَيتُ الزادَ والمتاعَ: إذا جعلته في الوعاء، قال عَبِيدُ بنُ الأبْرَصِ [من البسيط]: الْخَيْرُ يَبْقَى وإِنْ طَالَ الزَّمَان بِهِ … وَالشَّرُّ أخبثُ مَا أوْعَيْتُ مِنْ زَادِ انتهى كلام ابن منظور بتصرف، واختصار (٢). والجملة في محل نصب على الحال من فاعل "يفصم". و"ما" في

стр. 7499

قوله: "ما قال": مصدرية حرفية، أو اسم موصول، والعائد مقدر، أي والحال أني قد حفظت عن ذلك الملك قوله، أو القول الذي قاله. وفيه إسناد الوحي إلى قول اللك، ولا معارضة بينه وبين قوله تعالى حكاية عمن قال من الكفار: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] لأنهم كانوا ينكرون الوحي، وينكرون مجيء الملك به. قاله في الفتح. (وهو أشده عليّ) أي إن هدْا النوع من الوحي، أشد أنواع الوحي علي. قال الحافظ ﵀: ويفهم منه أن الوحي كله شديد، ولكن هذه الصفة أشدها، وهو واضح، لأن الفهم من كلام مثلِ الصلصلة أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود. والحكمة فيه أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع، وهي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية، وهو النوع الأول، وإما باتصاف القائل بوصف السامع، وهو البشرية، وهو النوع الثاني، والأول أشد بلا شك. قال: وقال شيخنا شيخ الإسلام البُلْقيني. سبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به، كما سيأتي في حديت ابن عباس: "وكان يعالج من التنزيل شدة". قال: وقال بعضهم: وإنما كان شديدًا عليه ليستجمع قلبه، فيكون أوعى لما سمع اهـ. وقيل: إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد، أو تهديد. وهذا

стр. 7500

فيه نظر. والظاهر أنه لا يختص بالقرآن، كما سيأتي بيانه في حديث يعلى بن أمية في قصة لابس الجمة المتضمخ بالطيب في الحج، فإن فيه أنه رآه ﷺ حال نزول الوحي عليه، وإنه ليغط. وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزُّلْفَى والدرجات. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). (وأحيانًا) جمع حين، يطلق على كثير الوقت وقليله، والراد به هنا مجرد الوقت، فكأنه قالَ: أوقاتًا يأتيني، وانتصابه على الظرفية، وعامله "يأتيني" موخرًا عنه. وفي رواية للبخاري في "بدء الخلق": "كل ذلك يأتي الملك"، أي كل ذلك حالتان، فذكرهما. وروى ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون أنه بلغه أن النبي ﷺ كان يقول: "كان الوحي يأتيني على نحوين. يأتيني به جبريل، فيلقيه عليّ كما يلقي الرجل على الرجل، فذاك ينفلت مني، ويأتيني في بيتي مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي، فذاك الذي لا يتلفت مني". قال الحافظ ﵀. وهذا مرسل مع ثقة رجاله، فإن صح فهو محمول على ما كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] كما سيأتي، فإن الملك قد تمثل رجلًا في صور كثيرة، ولم ينفلت منه ما أتاه به، كما في قصة مجيئه في صورة دحية، وفي صورة أعرابي، وغير ذلك، وكلها في الصحاح.

стр. 7501

[وأوردَ على ما اقتضاه الحديث]-وهو أن الوحي منحصر في الحالتين- حالات أخرى: إما من صفة الوحي، كمجيئه كدَوِي النحل، والنَّفْثِ في الرُّوع، والإلهام، والرؤيا الصالحة، والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة. وإما من حامل الوحي، كمجيئه في صورته التي خلق عليها، له ستمائة جناح، ورويته على كرسي بين السماء والأرض، وقد سد الأفق. (والجواب) منع الحصر في الحالتين المتقدم ذكرهما، وحملهما على الغالب، أو حمل ما يغايرهما على أنه وقع بعد السؤال، أو لم يتعرض لصفتي الملك المذكورتين لندورهما، فقد ثبت عن عائشة أنه لم يره كذلك إلا مرتين، أو لم يأته في تلك الحالة بوحي، أو أتاه به، فكان على مثل صلصلة الجرس، فإنه بَيَّنَ بها صفة الوحي، لا صفة حامله. وأما فنون الوحي، فدويّ النحل لا يعارض صلصلة الجرس، لأن سماع الدوي بالنسة إلى الحاضرين -كما في حديث عمر- يُسمَع عنده كدوي النحل، والصلصلة بالنسبة إلى النبي ﷺ ، فشبهه عمر بدوي النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبهه هو ﷺ بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه. وأما النَّفْث في الرُّوع، فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين، فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس نفث حينئذ في رُوعه.

стр. 7502

وأما الإلهام فلم يقع السؤال عنه، لأن السؤال وقع عن صفة الوحي الذي يأتي بحامل، وكذا التكليم ليلة الإسراء. وأما الرؤيا الصالحة، فقال ابن بطال: لا تَرِدُ، لأن السؤال وقع عما ينفرد له عن الناس، لأن الرؤيا قد يَشرَكُهُ فيها غيره اهـ. والرؤيا الصادقة، وإن كانت جزءًا من النبوة، فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيًا، وليس كذلك. ويحتمل أن يكون السؤال وقع عما في اليقظة، أو لكون حال المنام لا يخفى على السائل، فاقتصر على ما يخفى عليه، أو كان ظهور ذلك له ﷺ في المنام أيضًا على الوجهين المذكورين، لا غير. قاله الكرماني. قال الحافظ: وفيه نظر. وقد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعًا -فذكرها- وغالبها من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذكر. وحديثُ: "إن روح القدس نفتْ في رُوعي". أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة، وصححه الحاكم من طريق ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). (يأتيني في صورة الفتى) "الصُّورة". التِّمْثال، وجمعها صُوَر،

стр. 7503

مثل غُرْفَة وغُرَف، وتَصوّرت الشيءَ: مَثَّلْتُ صورته، وشَكْلَه في الذهن، فتصور هو، وقد تطلق الصور، ويراد بها الصفة، كقولهم: صورة الأمر كذا، أي صفته، ومنه قولهم: صورة المسألة كذا، أي صفتها. قاله في المصباح (١). و"الفتى" -بفتحتين مقصورًا-: الشاب الحدث، ويستعار للعبد، وإن كان شيخًا مجازًا، تسمية باسم ما كان عليه. وجمعه في القلة فتْيَةُ، وفي الكثرة فِتْيَانٌ، والأنثى فَتَاة، وجمعها فَتَيَات. أفاده في المصباح (٢). والمعنى هنا: أي يأتيني في بعض الأوقات في مثال رجل شابّ. (فيَنْبِذُه إِلي) من باب ضرب: أي يُلقي ذلك الملك الوحي الذي أتى به إلي. وفي الرواية التالية: "وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني فأعي ما يقول". وسيأتي شرحه هناك، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. ومسائل هذا الحديث ستأتي بعد شرح الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. ٩٣٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ

стр. 7504

عَائِشَةَ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً، فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي مَا يَقُولُ". قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. رجال هذا الإسناد: سبعه ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي الْجَمَليّ، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [١١]، مات سنة ٢٤٨، أخرج له مسلَم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد ين يوسف مولى بني أمية، أبو عمرو المصري، قاضيها، ثقة فقيه [١٠] مات سنة ٢٥٠ أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في ٩/ ٩. ٣ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن خالد بن جُنَادة الْعُتَقِيّ، أبو عبد الله المصري الفقيه، صاحب مالك، ثقة من كبار [١٠]، مات سنة ١٩١، أخرج له البخاري، وأبو داود في "مراسيله"، والنسائي، تقدم في ١٩/ ٢٠.

стр. 7505

٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الثبت الحجة [٧]، مات سنة ١٧٩، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. والباقون تقدموا في السند الماضي. ومن لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالفقهاء الثقات الأثبات. (قال الجامع عفا الله عنه): شرح الحديث تقدم في الذي قبله، وأشرح هنا ما لم يسبق شرحه: قوله: (يتمثل لي الملك رجلًا) التمثل مشتق من المثل، أي يتصور، "وأل" في "الملك" للعهد، والمعهود هو جبريل، وقد وقع التصريح به في رواية ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون، ولفظه: "كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل، فيلقيه علي، كما يلقي الرجل على الرجل … " الحديث. وهو مرسل تقدم الكلام عليه في الحديث الماضي. وفيه دليل على أن الملك يتشكل بشكل البشر، قال المتكلمون: الملائكة أجسام علوية لطيفة، تتشكل أيَّ شكل أرادوا، وزعم بعض الفلاسفة أنها جواهر روحانية. ذكره في الفتح (١). وقوله: (رجلًا) منصوب على أنه مفعول مطلق على النيابة، والأصل تَمَثُّلَ رجلٍ، وقيل: منصوب على الحال، أي مُتَصَوِّرًا بصورة رجل، وقيل: منصوب على التمييز. ولا يخفى بُعْدُه.

стр. 7506

قال الحافظ السيوطي ﵀: قال المتكلمون: الملائكة أجسام علوية لطيفة، تتشكل أيَّ شكل أرادواه. وقد سأل عبد الحق الصَّقَلِيُّ إمامَ الحرمين حين اجتمع به بمكة عن هذه، وكيف كان جبريل يجيء مرّة في صورة دحية، وجاء مرة في هيئة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، وصورته الأصلية له ستمائة جناح، وكل جناح منها يسد الأفق؟. فقال. مِنْ قائل: إنه سبحانه يُفنيِ الرْائدَ من خلقه، ثم يعيده، ومن قائل: إن ذلك إنما هو تمثيل في عين الرائي، لا في جسم جبريل، وهو الذي يعطيه قوله. "يتمثل لي". قال: وتحقيقه أن جبريل عمارة عن الحقيقة الملكية الخاصة، والملك لا يتغير بالصورة والقوالب، كما أن حقيقتنا لا تتغير بها، ألا ترى أن الجسم يتغير، ويفنى مع أن الأوواح لا تتغير, كما أنها في الجنة تركب على أجسام لطيفة نورانية ملكية، تنعكس الأبدان الآدمية الكثيفة هناك إلى عالم الكمال الجسماني على نحو الأجسام الملكية الآن، فحقيقة جبريل كانت معلومة عند النبي ﷺ مجعولة في أيّ قَالَب كان. قلت (١): ولهذا وود في حديث مجيئه، وسؤاله عن الإيمان: "ما جاءني قط، إلا وأنا أعرفه، إلا أن يكون هذه المرة". انتهى المقصود من

стр. 7507

كلام السيوطي رحمه الله تعالى (١). وقال في الفتح: قال إمام الحرمين: تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه، ثم يعيده إليه بَعْدُ. وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء، وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبًا لموته، بل يجوز أن يبقى الجسد حيًا، لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلًا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تَسْرَحُ في الجنة. وقال شيخنا شيخ الإسلام -يعني البلقيني-: ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكله الأصلي، إلا أنه انضم، فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشًا، فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير، وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر أيضًا أن القدر الزائد لا يزول، ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. انتهى كلام

стр. 7508

الحافظ (١). (قال الجامع عفا الله عنه): مثل هذا الاختلاف، ومثله الاختلاف السابق في حقيقة الملائكة من فضول الكلام، ومن الخوض فيما لا يعني، لأمور: (الأول): أنه مما لم يكلف الشرع أحدًا بالخوض فيه. (الثاني): أنه من القول بلا علم، لأنه ليس عليه أثارة من علم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. (الثالث): أنه مما لم يخض فيه السلف، ولو كان فيه خير لكانوا أسبق الناس إليه. فالواجب على العاقل أن لا يخوض في مثل هذا إلا بدليل، فما جاءنا من النبي ﷺ بيانه من كون الملائكة خلقوا من نور، وأن لهم أجنحة، وأنهم يتشكلون بشكل البشر، وأن جبريل يأتيه بصورة رجل، ونحو ذلك آمنا به، وتكلمنا بتفاصيله، وما لا فلا. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فيكلمني) كذا للأكثر، ووقع في رواية البيهقي من طريق القعنبي، عن مالك. "فيعلمني" بالعين بدل الكاف. والظاهر أنه

стр. 7509

تصحيف، فقد وقع في الموطأ روايةِ القعنبي بالكاف، وكذا للدارقطني في حديث مالك من طريق القعنبي وغيره. قاله في الفتح. (فأعي ما يقول) زاد أبو عوانة في صحيحه: "وهو أهونه عليّ". وقد وقع التغاير في الحالتين، حيث قال في الأول: "وقد وعَيتُ" بلفظ الماضي، وهنا بلفظ الاستقبال، لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم، وفي الثاني حصل بعد المكالمة، أو أنه في الأول قد تلبس بالصفات الملكية، فإذا عاد إلى حالته الجبلّية كان حافظًا لما قيل له، فعبر عنه بالماضي، بخلاف الثاني، فإنه علَىَ حالته المعهودة (١). (قالت عائشة) ﵂. قال في الفتح: هو بالإسناد الذي قبله، وإن كان بغير حرف العطف، كما يستعمله البخاري وغيره كثيرًا، وحيث يريد التعليق يأتي بحرف العطف. وقد أخرجه الدارقطني في حديث مالك من طريق عتيق بن يعقوب، عن مالك، مفصولًا عن الحديث، وكذا فصلهما مسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام، ونكتة الاقتطاع هنا اختلاف التحمل، لأنها في الأول أخبرت عن مسألة الحارث، وفي الثاني أخبرت عما شاهدت تأييدًا للخبر الأول. انتهى. (ولقد رأيته) الواو للقسم، واللام للتأكيد، و"قد" للتحقيق، "رأيت" بمعنى أبصرت، فلذلك اكتفى بمفعول واحد.

стр. 7510

وفيه من المؤكدات واو القسم، ولام التأكيد، و"قد" التي وَضْعُهَا للتحقيق في مثل هذا الموضع، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٩]. أكدت به عائشة ﵂ ما تقدم من قوله ﷺ : "وهو أشده عليّ". (ينزل عليه) الفاعل ضمير الوحي، وقد صرح به في رواية البخاري، ولفظه: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي". ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والجار والمجرور نائب فاعله. والجملة في محل نصب على الحال من المفعول به، أي والله لقد رأيت رسول الله ﷺ حال كونه نازلًا عليه الوحي (في اليوم الشديد البرد) من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، وهي صفة جرت على غير صاحبها، لأنها صفة للبرد، لا لليوم. وفيه دلالة على معاناته ﷺ التعبَ والكربَ عند نزول الوحي، لما فيه من مخالفة العادة، وهو كثرة العرق في شدة البرد، فإنه يشعر بوجود أمر طارئ زائد على الطباع البشريه. قاله مي الفتح (١). (فيفصم عنه) أي ينفرج، ويذهب عنه. وتقدم ضبطه ومعناه في الحديث الماضي، (وإِن جبينه) بفتح الجيم، وكسر الباء. قال ابن منظور: الجَبِين: فوق الصُّدْغ، وهما جبينان عن: يمين الجبهة، وشمالها،

стр. 7511

وقال ابن سيدَهْ: والجبينان حرفان مُكتنفا الجبهةِ من جانبيها فيما بين الحاجبْين، مُصْعِدًا إلى قُصَاصِ الشعرِ. وقيل: هما ما بين القُصاص إلى الحاجبين. وقيلَ: حروف الجبهة ما بين الصُّدْغَين متصلًا عدا الناصيةَ كلُّ ذلك جَبِينٌ واحد. قال. وبعضٌ يقول: هما جبينان. والجمع أجْبُنٌ، وأجْبِنَةٌ، وجُبُنٌ. انتهى (١). (ليَتفصد) بالفاء، وتشديد المهملة: أي يسيل، مأخوذ من الفَصْد، وهو قطع العِرْقِ لإسالة الدم، شُبهَ جبينُهُ بالعِرْقِ المفصودِ، مبالغةً في كثرة العَرَق. (عَرَقًا) منصوب على التمييز، وهو تمييز محول عن الفاعل، قال ابن منظور ﵀: تفصَّدَ جبينه عرقًا، أي تفصّدَ عرقُ جبينه، وكذلك هذا الضرب من التمييز إنما هو في نية الفاعل، وانفصد الشيءُ، وتفصد. سال. انتهى (٢). زاد ابن أبي الزناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي في الدلائل: "وإن كان لَيوُحَى إليه، وهو على ناقته، فيضرب حِزَامَهَا، من ثِقَلِ ما يوحَى إليه" (٣).

стр. 7512

وأرادت عائشة ﵂ بهذا الإشارةَ إلى كثرة معاناته ﵊ التعَبَ والكربَ عند نزول الوحي، وذلك لأنه ﵊ كان إذا ورد عليه الوحي يجد له مشقة، ويغشاه الكرب، لثقل ما يُلقَى عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، كما روي "أنه كان يأخذه عند الوحي الرُّحَضَاء" (١). أي البُهْرُ (٢) والعرق من الشدة، وأكثر ما يسمى به عرق الحُمَّى، ولذلك كان جبينه يتفصد عَرَقا، وإنما كان ذلك ليبلو صبره، ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوة. وقد ذكر البخاري ﵀ في حديث يعلى بن أمية: "فأدخل رأسه، فإذا رسول الله ﷺ مُحْمَرٌّ وجهه، وهو يغطّ، ثم سُري عنه". ومنه في حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: "كان نبي الله ﷺ إذا نزل عليه كُرِب لذلك، وتَرَبَّدَ وجهه". وفي حديث الإفك، "قالت عائشة ﵂: فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاء (٣) عند الوحي، حتى إنه لينحدر منه مثل الجُمَان من العرق في اليوم الشَّاتِي، من ثقل الوحي الذي ينزل عليه". أفاده العيني ﵀

стр. 7513

تعالى (١). تنبيه: حكى العسكري في التصحيف عن بعض شيوخه أنه قرأ: "ليتقصد" بالقاف، تم قال العسكري: إن ثبت فهو من قولهم: تَقَصَّدَ الشيءُ: إذا تكسر، وتقطع، ولا يخفى بُعده. انتهى. قالط الحافظ: وقد وقع في هذا التصحيف أبو الفضل ابن طاهر، فرده عليه المؤتمن الساجي بالفاء، قال: فأصرّ على القاف. وذكر الذهبي في ترجمة ابن طاهر عن ابن ناصر أنه رد على ابن طاهر لما قرأها بالقاف، قال: فكابرني. قال الحافظ: ولعل ابن طاهر وجّهَهَا بما أشار إليه العسكري (٢). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٣٧/ ٩٣٣ - وفي "الكبرى" -٣٧/ ١٠٠٥ - وفي فضائل القرآن جـ ٥ ص ٣ رقم -٧٩٧٩ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بن عيينة،

стр. 7514

عن هشام بن عروة، عن أبيه عنها. و -٩٣٤ - و"الكبرى" ١٠٠٦ - عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن هشام به، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. وفي "بدء الخلق" عن فَرْوَة بن أبي المَغْرَاء، عن علي بن مسهر، عن هشام به. ومسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة ح. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن عيينة ح. وعن أبي كريب، عن أبي أسامة، ومحمد بن بشر ح. وعن محمد بن عبد الله نمير، عن محمد بن بشر كلهم عن هشام به. والترمذي عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك به. وأخرجه مالك في "الموطأ" رقم ١٤٣، والحميدي ٢٥٦ وأحمد جـ ٦ ص ٥٨ و ٢٠٢ و ١٥٨ و ١٦٣ و ٢٥٦ و ٢٥٧، وعبد بن حميد رقم ١٤٩٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: منها: أن فيه دليلًا على أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسألونه ﷺ عن كثير من المعاني، وكان رسول الله ﷺ يجيبهم، ويعلمهم، وكانت طائفة منهم تسأل، وطائفة تحفظ، وكلهم أدّى، وبلّغ

стр. 7515

ما علم، ولم يكتم حتى أكمل الله دينه، والحمد لله (١). ومنها: أن السؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح في اليقين. ومنها: جواز السؤال عن أحوال الأنبياء من الوحي وغيره. وممْها: أن المسؤول عنه إذا كان ذا أقسام يذكر المجيب في أول جوابه ما يقتضي التفصيل (٢). ومنها: ما قاله الحافظ أبو عمر ﵀: وفي هذا الحديث: نوعان أو ثلاثة من أنواع نزول الوحي. وقد ورد في غير ما حديث من نزول الوحي أنواع، حتى الرؤيا الصالحة جعلها جزءًا من أجزاء النبوة، ولكنه أراد بهذا الحديث نزول ما يتلى، والله أعلم. وقد روى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان الوحي إذا نزل سمعت الملائكة صوتًا كإمرار السلسلة على الصَّفَا (٣). وفي حديث يوم حنين أنهم سمعوا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد. وقالت عائشة: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا

стр. 7516

الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. متفق عليه. وقد كان ﷺ يتبدى له جبريل بين السماء والأرض، وذلك بُيّنَ في حديث جابر بن عبد الله الذي أخرجه الشيخان. وأحيانًا يأتيه جبريل في هيئة إنسان، فيكلمه مشافهة كما يكلم المرء أخاه، وذلك بُيّن في حديتْ عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر في الإيمان، والإسلام، وحديثه حين جاء جبريل في صفة دحية الكلبي. وفي حديث عمر بن الخطاب، ويعلى بن أمية إذا نزل عليه الوحي يحمرّ وجهه، ويَغطّ غَطيط البكر، وينفخ. إلى غير ذلك من أنواع الوحي الكثيرة. وروى ابن وهب عن يوثس بن يزيد، عن ابن شهاب أنه سئل عن هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]. قال: نرى هذه الَاية تعم مَنْ أوحَى الله إليه من البشر كلهم، والكلام ما كلم الله موسى ﵇ من وراء حجاب. والوحي ما يوحي الله إلى النبي من أنبيائه، فيثبت الله ما أراد من الوحي في قلب النبي، فيتكلم به النبي، ويكتبه، فهو كلام الله ووحيه.

стр. 7517

ومنه ما يكون بين الله ورسله لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدًا من الناس، ولكن يكون سر غيب بين الله وبين رسله. ومنه ما يتكلم به الأنبياء، ولا يكتمونه أحدا، ولا يؤمرون بكتمانه، ولكنهم يحدثون به الناس حديثًا، ويبينون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس، ويبلغوهم إياه. ومن الوحي ما يرسل الله من يشاء من ملائكته، فيوحيه وحيًا في قلوب من يشاء من أنبيائه ورسله. وقد بين في كتابه أنه كان يرسل جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام، فقال في كتابه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] الآية. وقال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وروي عن مجاهد في قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] قال: أن ينفث في نفسه ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] قال: موسى حين كلمه الله. ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] قال: جبريل إلى محمد، وأشباهه من الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١). والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 7518

٩٣٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٦، ١٧]. قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٦، ١٧]، قَالَ: جَمْعَهُ فِي صَدْرِكَ، ثُمَّ تَقْرَأَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ، فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ، وَأَنْصِتْ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ قَرَأَهُ كَمَا أَقْرَأَهُ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، تقة ثبت [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (أبو عوانة) الوَضَّاحُ بن عبد الله اليشكري مولاهم الواسطي البزاز، مشهور بكنيته، ثقة ثبت [٧]، مالت سنة ١٧٥، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٤٦. ٣ - (موسى بن أبي عائشة) الهمْداني -بسكون الميم- مولاهم، أبو الحسن الكوفي، ثقة عابد، يرسل [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٨٣٤.

стр. 7519

٤ - (سعيد بن جُبَير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٣] قتل سنة ٩٥ - ولم يكمل الخمسين, أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٤٣٦. ٥ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵁، تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أثبات، وأنهم من رجال الجماعة، وأن شيخه بغلاني، وشيخ شيخه واسطي، والصحابي بصري، والباقيان كوفيان. ومنها: أنهم من الأفراد، لا يشاركهم أحد من الرواة في أسمائهم مع أسماء آبائهم. ومنها: أن أبا عوانة كان كتابه في غاية الإتقان. ومنها: أن موسى بن أبي عائشة لا يعرف اسم أبيه. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي موسى، عن سعيد. ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى -١٦٩٦ - حديثًا، اتفق الشيخان منها على ٧٥ وانفرد البخاري بـ ٢٨ ومسلم بـ ٤٩ حديثًا. ومنها: أن فيه الإخبارَ في أوله، والتحديث في ثانيه، والعنعنة في الباقي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عباس) ﵄ (في قوله تعالى) أي في توضيحِ معانيه، وبيان سبب نزوله ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧]. قال الحافظ ابن كثير ﵀: هذا تعليم من الله تعالى لرسوله

стр. 7520

- ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له، ويفسره، ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره، وإيضاح معناه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] أي بالقرآن، كما قال تعالى. ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] انتهى (١). (قال: كان النبي ﷺ ) لفظة "كان" في مثل هذا التركيب تفيد الاستمرار (يعالج من التنزيل شدة) المعالجة: محاولة الشيء بمشقة. و"شدة" بالنصب مفعول "يعالج". وقال الكرماني ﵀: يجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا له، أي يعالج معالجة شديدة. اهـ. فعلى هذا يحتاج إلى شيئين: أحدهما: تقدير المفعول به لـ"يعالج". والثاني: تأويل الشدة بالشديدة، وتقدير الموصوف لها، فافهم. قاله البدر العيني رحمه الله تعالى. (وكان مما يحرك شفتيه) إنما كرر لفظة "كان" لطول الكلام، وقد قال العلماء: إذا طال الكلام جاز إعادة اللفظ، ونحوه، كقوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأعاد "أنكم" لطول الكلام، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ

стр. 7521

﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩]. قاله النووي رحمه الله تعالى (١). واختلفوا في معنى هذا الكلام، وتقديِرِه، فقال القاضي عياض معناه: كثيرًا ما كان يفعل ذلك. قال: وقَيل: معناه هذا من شأنه، ودَأبِهِ، فجعل "ما" كناية عن ذلك، وأدغمت نون "مِنْ" في ميم "ما". ومنه قوله في حديث سمرة ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح مما يقول لأصحابه مَنْ رأى منكم رؤيا" أي هذا شأنه. وحديث البراء ﵁: "كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ مما نحب أن نكون عن يمينه". أي هذا شأننا. وقال بعضهم: معناه "ربما" لأن "مِنْ" إذا وقع بعدها "ما" كانت بمعنى "ربما"، قاله الشيرازي، وابن خروف، وابن طاهر، والأعلم، وخرّجوا عليه قول سيبويه: "واعلم أنهم مما يحذفون كذا". وأنشدوا قول الشاعر [من الطويل]: وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً … عَلى رَأسهِ نُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الفَمِ وقال الكرماني: أي كان العلاج ناشئًا من تحريك الشفتين، أي مبدأ العلاج منه. وفيه نظر، لأنه جعل اسم كان ضميرًا يعود على العلاج المفهوم من "يعالج"، والأقرب كونه ضمير النبي ﷺ ، ولأن الشدة -كما قال الحافظ- حاصلة قبل التحريك.

стр. 7522

قال الكرماني: أو "ما" بمعنى "مَنْ"، إذ قد تجيء للعقلاء أيضًا، أي وكان ممن يحرك شفتيه (١). زاد في الرواية الآتية في التفسير من "الكبرى" جـ ٦ ص ٥٠٣ - : "قال ابن عباس: أنا أحركهما لك كما كان رسول الله ﷺ يحركهما، قال سعيد: وأنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] … ونحوه عند الشيخين، ولفظ البخاري في "بدء الوحي": "فقال ابن عباس، فأنا أحركهما لكم، كما كان رسول الله ﷺ يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما، كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]. قال في الفتح: قوله: "فقال ابن عباس: فأنا أحركهما" جملة معترضة بالفاء، وذلك جائز، كما في قول الشاعر: وَاعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ ينْفَعُهُ … أن سَوْفَ يأتِي كُلُّ ما قُدرَا وفائدة هذا زيادة البيان في الوصف على القول، وعَبَّرَ في الأول بقوله: "كان يحركهما"، وفي الثاني بـ "رأيت"، لأن ابن عباس لم ير النبي ﷺ في تلك الحالة، لأن سورة "القيامة" مكية باتفاق، بل الظاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر، وإلى هذا جنح البخاري في إيراده في "بدء الوحي"، ولم يكن ابن عباس إذ ذاك وُلِدَ، لأنه ولد قبل

стр. 7523

الهجرة بثلاث سنين. لكن يجوز أن يكون النبي ﷺ أخبره بذلك بَعْدُ، أو بعض الصحابة أخبره أنه شاهد النبي ﷺ ، والأول هو الصواب، فقد ثبت ذلك صريحًا عند أبي داود الطيالسي، في مسنده من أبي عوانة بسنده بلفظ: "قال ابن عباس: فأنا أحرك لك شفتي كما رأيت رسول الله ﷺ " (١). وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من ابن عباس بلا نزاع. ولا تنافي بين قوله: "فحرك شفتيه"، وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامه: ١٦]، لأن تحريك الشفتين بالكلام المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان يلزم منه تحريك اللسان، أو اكتفى بالشفتين، وحذف اللسان لوضوحه، لأنه الأصل في النطق، إذ الأصل حركة الفم، وكل من الحركتين ناشئ عن ذلك. ويدل عليه رواية البخاري في التفسير من طريق جرير: "يحرك لسانه وشفتيه"، فجمع بينهما. وكان النبي ﷺ في ابتداء الأمر إذا لقن القرآن نازع جبريل القراءة، ولم يصبر حتى يتمها، مسارعةً إلى الحفظ، لئلا ينفلت منه شيء. قاله الحسن وغيره.

стр. 7524

ووقع في رواية الترمذي: "يحرك به لسانه يريد أن يحفظه". وللنسائي: "يعجل بقراءته ليحفظه". ولابن أبي حاتم: "يتلقى أوله، ويحرك به شفتيه، خشية أن ينسى أولَه قبل أن يفرغ من آخره". وفي رواية الطبري، عن الشعبي: "عجل يتكلم به من حبه إياه". وكلا الأمرين مراد. ولا تنافي بن محبته إياه، والشدة التي تلحقه في ذلك، فأمر بأن يُنصتَ حتى يُقضَى إليه وَحْيُه، وَوُعِدَ بأنه آمن من تفلته منه بالنسيان، أو غيره. ونحوُهُ قوله تعالى. ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]. أي بالقراءة. انتهى ما في "الفتح" بزيادة من "عمدة القاري" (١). (قال الله وفي رواية "الكبرى" في التفسير: "فأنزل الله " (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الضمير عائد على القرآن، وإن لم يجر له ذكر، لكن القرآن يرشد إليه، بل دلّ عليه سياق الآية. أي لا تعجل بقراءة القرآن ما دام جبريل يقرؤه. واحتج بهذا من جوز اجتهاد النبي ﷺ ، وجوز الفخر الرازي أن يكون أذن له في الاستعجال إلى وقت ورود النهي عن ذلك، فلا يلزم وقوع الاجتهاد في ذلك (٢).

стр. 7525

(﴿لِتَعْجَلَ بِه﴾ [القيامة: ١٦]) أي لتأخذه على عجلة، ثم علل النهي عن العجلة بقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]) أي جمعه في صدرك، وإثبات قراءته في لسانك، كما أشار إليه بقوله: (قال) أي ابن عباس ﵄ مفسرًا لهذه الجملة (جمعه في صدرك) رواية المصنف أوضح من رواية البخاري في "بدء الوحي"، ولفظه: "جمعه لك صَدْركُ". برفع صدرُك على الفاعلية، قال في الفتح: كذا في أكثر الروايات، وفيه إسناد الجمع إلى الصدر بالمجاز، كقوله أنبت الربيع البقل، أي أنبت الله في الربيع البقل، واللام في "لك" للتبيين، أو للتعليل. انتهى (١). (ثم تقرأه) بالنصب بـ "ـأن" مضمرة، لكونه معطوفًا على اسم خالص، وهو "جَمْعُهُ"، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَإِنْ عَلَى اسمٍ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ … تَنْصِبُهُ أنْ ثَابِتًا أوْ مُنْحَذِفْ ومنه قول الشاعر [من البسيط]: إِنِّي وَقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أعْقِلَهُ … كَالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عَافَتِ الْبَقَرُ فـ "ـأعقله" منصوب لعطفه على اسم صريح، وهو "قتلي". والتقدير هنا: "ثم قِرَاءتُكَ له". (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨]) أي إذا تلاه عليك جبريل ﵇، ففيه إضافة ما يكون عن أمر الله تعالى إليه ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]) أي فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك. قاله ابن كثير في

стр. 7526

تفسيره. فالقرآن هنا بمعناه المصدري، وهو القراءة. (قال) ابن عباس ﵄ (فاستمع له، وأنصِتْ) فيه لغتان: قطع همزته، ووصلها، يقال: أنصت إنصاتًا: استمع، يتعدى بالحرف، فيقال: أنصت الرجلُ للقارئ، وقد يحذف الحرف، فيُنصَبُ المفعولُ، فيقال: أنصت الرجلُ القارئَ، ضُمنَ "سمعه". ونَصَتَ له يَنْصتُ، من باب ضرب، لغةٌ: أي سكت مستمعًا، وهذا يتعدى بالهمزة، فيَقال: أنصته، أي أسكته. قاله الفيومي (١). وقال الأزهري: يقال: أنصت، ونَصَتَ، وانتصت، ثلاث لغات، أفصحهن "أنصت"، وبها جاء القرآن العزيز. انتهى. والاستماع أخص من الإنصات، لأن الاستماع: الإصغاء، والإنصات: السكوت، ولا يلزم من السكوت الإصغاء، فقد يستمع، ولا ينصت، فلهذا جُمِعَ بينهما، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. أفاده في شرح مسلم (٢). زاد في رواية البخاري: " ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، ثم إن علينا أن تقرأه"، وفي رواية له: "علينا أن نبينه بلسانك" وفي رواية "على لسانك". البيان الإجمالي؛ فلا يتم الاستدلال.

стр. 7527

(فكان رسول الله ﷺ ) بعد نزول هذه الآية (إِذا أتاه جبريل استمع) لقراءته (فإِذا انطلق جبريل) أي ذهب، وانصرف من عنده (قرأه كما أقرأه) فاعل "قرأ" الأول ضمير النبي ﷺ ، وفاعل "قرأ" الثاني ضمير جبريل ﵇. يعني أن رسول الله ﷺ كان بعد نزول هذه الآية إذا أتاه جبريل ﵇ استمع لقراءته، فإذا انصرف جبريل قرأ النبي ﷺ مثل ما قرأ جبريل ﵇ من غير زيادة، ولا نقصان. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر الصنف له: أخرجه هنا -٣٧/ ٩٣٤ - و "الكبرى" ٣٧/ ١٠٠٥ - وفي التفسير -١١٦٣٤ - عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن موسى بن عقبة أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عنه. و"الكبرى" في "فضائل القرآن" -٧٩٧٨ - عن هناد بن السري، عن عَبِيدة، عن موسى به، مختصرًا: "كان إذا نزل عليه الوحي يعالج من ذلك شدة".

стр. 7528

وفي "التفسير" -١١٦٣٥ - عن أحمد بن سليمان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قال. "كان يحرك لسانه، مخافة أن يُفِلتَ منه". وفي -١١٦٣٦ - أيضًا عن أحمد بن عَبْدَة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "كان النبي ﷺ إذا نزل القرآن عليه، يُعجلُ بقراءته، ليحفظه، فأنزل الله : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] إلى قوله: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في "بدء الوحي"، عن موسى بن إسماعيل- وفي "التوحيد" عن قتيبة- كلاهما، عن أبي عوانة-، وفي "التفسير" عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل- وعن الحميدي، عن ابن عيينة-، وفي "التفسير"، وفي "فضائل القرآن" عن قتيبة، عن جرير- أربعتهم عن موسى بن أبي عائشة به. ومسلم في الصلاة عن قتيبة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن جرير به. وعن قتيبة، عن أبي عوانة به. والترمذي في "التفسير" عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة به. وقال: حسن صحيح.

стр. 7529

وأخرجه الحميدي رقم ٥٢٧ - وأحمد جـ ١ ص ٢٢٠ و ٣٤٣. (المسألة الرابعة): في فوائده: منها: بيان ما كان النبي ﷺ يلقاه من معالجة الشدة عند نزول الوحي عليه، وذلك لثقل الوحي، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. ومنها: أنه كان يحرك شفتيه، لئلا ينسى، وقيل: إنما كان يفعل ذلك من حبه له، وحلاوته في لسانه، فنهي عن ذلك حتى يجتمع، لأن بعضه مرتبط لبعضه. ومنها: أن فيه من مصطلح الحديث النوعَ المسمى بـ "المسلسل بتحريك الشفتين"، فقد تسلسل بتحريك النبي ﷺ لابن عباس، كما تقدم في رواية أبي داود الطيالسي، أنه رآه يحرك شفتيه، ثم بتحريك ابن عباس ﵄ لسعيد، ثم بتحريك سعيد لموسى بن أبي عائشة، وهلم جرّا حتى وصل إلينا من أحد مشايخنا، وهو الشيخ إسماعيل عثمان زين اليمني رحمه الله تعالى. وفائدة التسلسل اشتماله على زيادة الضبط، واتصال السماع، وعدم التدليس، لكن غالب المسلسلات لا يصح تسلسلها، كحديث الرحمة المسلسل بالأولية، فإنه انقطع اتصاله على سفيان بن عيينة، فمن رواه مسلسلًا إلى آخره، فقد وهم.

стр. 7530

وقد بين الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى المسلسل مع بيان فائدته في ألفيته "منظومة الأثر" حيث قال: هُوَ الَّذي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ … قدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أوْ حَالَهْ قَوْلِيَّة فِعْليَّةٍ كِلَيْهمَا … لَهُمْ أَوِ الإِسنَادِ فِيمَا قُسِّمَا وَخَيْرُهُ الدَّالُ عَلَى الْوَصْفِ وَمِنْ … مُفَادِهِ زيَادَةُ الضَّبْطِ زُكِنْ وَقَلَّمَا يًسْلَمُ في التَّسلْسُلِ … مِن خَللٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ كَأوَّلِيَّةٍ لِسُفْيَانَ انْتَهَى … وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا ومنها: أن الله تعالى تكفل لرسوله ﷺ أن لا ينسى القرآن، وأنه كان لعد نزول هذه الآية يستمع، وينصت لجبريل، فإذا انتهى جبريل من قراءته، وذهب من عنده، قرأه النبي ﷺ على أصحابه كما أقرأه، من غير زيادة، ولا نقص، كما قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]. ومنها. أن فيه إشارة إلى أن أحدًا لا يحفظ القرآن إلا بعون الله تعالى، وفضله، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]. ومنها: أنه استُدلّ به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما هو مذهب الجمهور من أهل السنة، وهو الصحيح في الأصول، ونص عليه الشافعي ﵀، لما تقتضيه "ثُمَّ" من التراخي.
следующие страницы →