٣٥ - فَضْلُ التَّأمِينِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على فضل التأمين.
الظاهر أن المصنف ﵀ أراد أن التأمين لا يختص بحالة الصلاة فقط، بل ينبغي التأمين لقراءة القارئ مطلقًا، ولهذا أورد فيه
رواية الأعرج، لأنها مطلقة غير مقيدة بحال.
قال ابن المُنَيِّر ﵀: وأيُّ فضل أعظم من كونه قولًا يسيرًا، لا كلفة فيه، ثم قد ترتبت عليه المغفرة. انتهى.
قال الحافظ ﵀: ويؤخذ منه مشروعية التأمين لكل من قرأ الفاتحة، سواء كان داخل الصلاة، أو خارجها، لقوله: "إذا قال أحدكم"، لكن في رواية مسلم من هذا الوجه: "إذا قال أحدكم في صلاته"، فيحمل المطلق على القيد.
نعم في رواية همام، غن أبي هريرة عند أحمد -وساق مسلم إسنادها-: "إذا أمن القارئ، فأمنوا"، فهذا يمكن حمله على الإطلاق،
فيستحب التأمين إذا أمّن القارئ مطلقًا لكل من سمعه، من مصل، أو غيره.
ويمكن أن يقال: المراد بالقارئ الإمام إذا قرأ الفاتحة، فإن الحديث واحد, اختلفت ألفاظه. انتهى (١).
стр. 7457
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الإطلاق هو الأولى، والأحوط؛ عملًا بإطلاق قوله: "إذا أَمّنَ القارئ فأَمِّنُوا"، حديث الباب، فينبغي التأمين لقراءة فاتحة الكتاب مطلقًا، في الصلاة، أو خارجها. والله تعالى أعلم.
٩٣٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
كلهم تقدموا قريبًا، إلا اثنين:
١ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة فقيه، مات سنة ٢٣، وقيل: بعدها، من [٥]، أخرج له
الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
٢ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، مات لسنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
وشرح الحديث ومتعلقاته واضحة مما تقدم، فلا حاجه إلى إطالة
стр. 7458
الكتاب بإعادتها. والله تعالى ولي التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7459
٣٦ - قَوْلُ الْمَأمُومِ إِذَا عَطَسَ خَلْفَ الإِمَامِ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على الذكر الذي ينبغي أن يقوله المأموم خلف إمامه وقت العطاس.
فالقول بمعنى القول، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول. والله تعالى أعلم.
٩٣١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَمِّ أَبِيهِ، مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَطَسْتُ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا، وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ، فَقَالَ: "مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِى الصَّلَاةِ؟ "، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ: "مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟ "، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ عَفْرَاءَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "كَيْفَ قُلْتَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا، طَيِّبًا، مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا، وَيَرْضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
стр. 7460
"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدِ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا؟ ".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (رفاعة بن رافع بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع) ابن مالك بن العجلان الأنصاري الزرقي، إمام مسجد بني زريق، صدوق من [٨].
روي عن عم أبيه معاذ بن رفاعة بن رافع. وعنه بشر بن عمر الزهراني، وسعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، وقتيبة، وعبد العزيز بن أبي
ثابت.
ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الذهبي في "الكاشف": ثقة (١) أخرج له أبو داود، والترمذي، وصحح حديثه، والنسائي، وله عندهم حديث الباب فقط (٢).
٣ - (معاذ بن رفاعة بن رافع) بن مالك بن عجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي المدني، صدوق من [٤]، روى له
стр. 7461
البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
روى عن أبيه، وجابر بن عبد الله، ورجل من بني سلمة، يقال له: سُلَيم، قصةَ معاذ بن جبل في الصلاة، مرسل، ومحمد بن عبد الرحمن ابن عمرو بن الجموح، وخولة بنت قيس. وعنه ابن أخيه رفاعة بن يحيى ابن عبد الله بن رفاعة، وحفيداه: موسى، وعيسى ابنا النعمان بن معاذ، وهشام بن هارون، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الآجري: سألت أبا داود عن معاذ ابن رفاعة؟ فقال: ليس به بأس (١). وحكى أبو الفتح الأزدي، عن عباس الدوري، عن ابن معين أنه قال فيه: ضعيف، قال الأزدي: ولا يحتج بحديثه (٢).
٤ - (رفاعة بن رافع) بن مالك بن العجلان، أبو معاذ الأنصاري، صحابي ابن صحابي، من أهل بدر، مات في أول خلافة معاوية ﵃، تقدم في ٢٧/ ٦٦٧.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٦٧) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد.
стр. 7462
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه، وأن صحابيه ابن صحابي، ومن أهل بدر، له عند المصنف، والبخاري، وأبي داود، والترمذي،
وابن ماجه، ستة أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه) رفاعة بن رافع ﵄، أنه (قال: صليت خلف النبي ﷺ ، فعَطَسْتُ) قال الفَيُّومي: عَطَسَ عَطْسًا، من باب ضرب، وفي لغة من باب قتل. انتهى.
وفي "المعجم الوسيط": عَطَسَ الرجلُ يَعْطِسُ عَطسًا، وعُطَاسًا: اندفع الهواء من أنفه بعُنْف لعارض، وسُمِعَ له صوت عَطْسٍ. انتهى (١).
ووقع في الرواية الآتية للمصنف ٢٢/ ١٠٦٢، من طريق علي بن يحيى الزُّرَقِيّ، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، قال: كنا يومًا نصلي وراء رسول الله ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة، قال "سمع الله لمن حمده"، قال رجل: ربنا، ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: "من المتكلم آنفًا؟ "، فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا، يبتدرونها، أيُّهُم يكتبها أولُ".
стр. 7463
فقال ابن بشكوال ﵀: هذا الرجل هو رفاعة بن رافع راوي الخبر، واستدلّ على ذلك برواية الباب حيث قال: "صليتُ خلف
النبي ﷺ ، فعطستُ، فقلت: الحمد لله … ".
ونوزع في قوله هذا، لاختلاف سياق السبب والقصة. وأجيب بأنه لا تعارض بينهما، بل يحمل على أن عُطَاسَهُ وقع عند رفع رأس رسول الله ﷺ ، ولا مانع أن يكني عن نفسه، لقصد إخفاء عمله، أو كُنِيَ عنه لنسيان بعض الرواة لاسمه، وأما ما عدا ذلك من الاختلاف، فلا يتضمن إلا زيادة، لعل الراوي اختصرها.
وأفاد بشر بن عمر الزهراني في روايته عن رفاعة بن يحيى أن تلك الصلاة كانت المغرب. أفاده في الفتح (١).
(فقلت: الحمد لله حمدًا) منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل مقدر دلّ عليه قوله: "الحمد لله" (كثيرًا طيبًا) أي خالصًا من الرياء والسمعة (مباركًا فيه) أي كثير الخير (مباركًا عليه) يحتمل أن يكون تأكيدًا للأول، وهو الظاهر، وقيل: الأول بمعنى الزيادة، والثاني بمعنى البقاء، قال الله تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فُصِّلَت: ١٠]، فهذا يناسب الأرض؛ لأن المقصود به النماء، والزيادة، لا البقاء، لأنه بصدد التغير، وقال تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [الصافات: ١١٣]، فهذا يناسب
стр. 7464
الأنبياء؛ لأن البركة لاقية لهم، ولما كان الحمد يناسبه المعنيان جمعهما (١).
(كما يحب ربنا، ويرضى) أي حمدًا موصوفًا بما ذكر، وبأنه مماثل للحمد الذي يحبه الله سبحانه، ويرضاه، فالجار والمجرور متعلق
بمحذوف، حال من "حمدًا".
قال في "الفتح": وأما قوله: "كما يحب ربنا، ويرضى"، ففيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد. انتهى.
(فلما صلى سول الله ﷺ انصرف) أي سلم من الصلاة، وأقبل على الناس (فقال: "من التكلم في الصلاة؟ ") "من" اسم استفهام في محل رفع بالابتداء، و"المتكلم" خبره، و"في الصلاة" متعلق به، أي من هو الشخص الذي تكلم بهؤلاء الكلمات (فلم يكلمه أحد) أي لم يُجِبِ النبيَّ ﷺ أحد من الصحابة الحاضرين تلك الصلاة، خوفًا على المتَكلَم لظنهم أنه أتى بما لا ينبغي، وأن استفهام النبي ﷺ للإنكار عليه (ثم قالها الثانية) أي قال الجملة المذكورة المرة الثانية ثم بَيَّنَ الضمير بقوله: (مَنِ التكلمُ في الصلاة) فهذه الجملة بدل من الضمير المنصوب في "قالها"، وهو مما عاد الضمير فيه على متأخر لفظا ورتبة، وهي ست مسائل جمعتها بقولي:
стр. 7465
وَعَوْدُ مُضْمَرٍ عَلَى مَا أُخِّرَا … لَفْظًا وَرتبَةً أَتَى مُغتَفَراَ
فِي مُضْمَرِ الشَّأنِ وَنِعْمَ رَجُلَا … وَرُبَّهُ فَتًى كَذَا مَا أُبْدِلَا
مَا بَعْدَهُ عَنْهُ وَمَا قَدْ فُسِّرَا … بِخَبَرٍ وَفِي التَّنَازُعِ جَرَى
فَتلْكَ سِتٌّ وَسِوَاهَا أَوجَبُوا … تَقَدُّمَ الْمَرجِعِ نِعمَ الْمَطْلَبُ
و"الثانية" منصوب على الظرفية، أي المرةَ الثانيةَ، أو مفعول مطلق على النيابة، أي قالها القولةَ الثانية.
زاد الترمذي في روايته عن قتيبة شيخ المصنف: "ثم قالها الثالثة مَنِ المتكَلمُ في الصلاة؟ ".
(فقال رفاعة بن رافع بن عَفْرَاء) هكذا وقع عند المصنف، والترمذي في نسبه هنا: "ابن عفراء". فلعل اسم أم رافع، أو جدته عفراء، كما يفيده كلام الحافظ ﵀ في "الإصابة" جـ ٣ ص ٢٨١.
(أنا يا رسول الله) أي أنا المتكلم بهؤلاء الكليات.
قال في الفتح: وقد استشكل تأخير رفاعة، إجابة النبي ﷺ حين كرر سؤاله ثلاثًا، مع أن إجابته واجبة عليه، بل وعلى كل من سمع رفاعة، فإنه لم يسأل المتكلم وحده.
وأجيب بأنه لا لم يعين واحدًا بعينه لم تتعين المبادرة بالجواب من المتكلم، ولا من واحد بعينه، فكأنهم انتظروا بعضَهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيء، ظنًا منهم أنه أخطأ فيما فعل،
стр. 7466
ورَجَوْا أن يقع العفو عنه، وكأنه ﷺ لمَّا رأى سكوتهم فَهِمَ ذلك، فَعَرَّفَهم أنه لم يقل بأسًا.
ويدل على ذلك أن في رواية سعيد بن عبد الجبار، عن رفاعة بن يحيى عند ابن قانع، قال رفاعة: "فَوَدِدْتُ أني خرجت من مالي، وأني لم أشهد مع النبي ﷺ تلك الصلاة".
ولأبي داود من حديث عامر بن ربيعة، قال: "من القائل الكلمة؟ فإنه لم يقل بأسًا"، فقال: أنا قلتها، لم أرد بها إلا خيرًا.
وللطبراني من حديث أبي أيوب: "فسكت الرجل، ورأى أنه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء كرهه، فقال: "من هو؟ فإنه لم يقل إلا صوابًا"، فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قلتها، أرجو بها الخير.
ويحتمل أيضًا أن يكون المصلون لم يعرفوه بعينه، إما لإقبالهم على صلاتهم، وإما لكونه في آخر الصفوف، فلا يرد السؤال في حقهم، والعذر عنه هو ما قدمناه.
والحكمة في سؤاله ﷺ عمن قال أن يتعلم السامعون كلامه، فيقولون مثله. انتهى ما في الفتح (١).
(قال) ﷺ ("كيف قلت؟ ") استفهمه استحسانًا لقوله، وتعجبًا مما ترتب عليها من الفضل العظيم (قال) رفاعة ﵁ (قلت:
стр. 7467
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا، مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا، ويرضى، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لقد ابتدرها) أي سارعوا إليها، وسابق بعضهم بعضًا. يقال: بدَرتُ إلى الشيء أبْدُر بُدُورًا من باب دخل: أسرعت، وكذلك بادَرتُ إليه، وتبادَر القومُ: أسرعوا، وابتدروا السلاح: تبادرا إلى أخذه، وبادرَ الشيءَ مُبَادرةً، وبِدَارًا، وابتدَرُهُ، وبَدَرَ غيره إليه يَبْدُرُهُ: عاجله. أفاده في اللسان (١).
(بضعة وثلاثون ملكًا) قال في الفتح: فيه ردّ على من زعم، كالجوهري أن البضع يختص بما دون العشرين. انتهى.
وعبارة ابن منظور ﵀: البَضْعُ، والبِضْعُ -بالفتح، والكسر-: ما بين الثلاث إلى العشر، وبالهاء من الثلاثة إلى العشرة، يضاف إلى ما تضاف إليه الآحاد، لأنه قطعة من العدد، كقوله تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤]، وتبنى مع العشرة، كما تبنى سائر الآحاد، وذلك من ثلاثة إلى تسعة، فيقال: بضعةَ عشر رجلًا، وبضع عشرة جارية. قال ابن سيدَه: ولم نسمع بضعة عشر، ولا بضع عشرة، ولا يمتنع ذلك. وقيل: البضع من الثلاث إلى التسع. وقيل: من أربع إلى تسع. وفي التنزيل: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]. قال الفرّاء: البضع ما بين الثلاثة إلى ما دون العشرة. وقال
стр. 7468
شَمِرٌ: البضع لايكون أقلّ من ثلاثة، ولا أكثر من عشرة. وقال أبو زيد: أقمت عنده بضع سنين -أي بالكسر-. وقال بعضهم: بَضْع
سنين- أي بالفتح. وقال أبو عبيدة: البضع ما لم يبلغ العِقْدَ، ولا نصفه، يريد ما بين الواحد إلى أربعة. وقال: البضع سبعة، وإذا
جاوزت لفظ العشر ذهب البضع، ولا تقول: بضع وعشرون رجلًا، وله بضع وعشرون امرأة. قال ابن بَرِّيٍّ: وحكي عن الفراء في قوله: ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] أن البضع لا يذكر إلا العشر والعشرين إلى التسعين، ولا يقال فيما بعد ذلك. يعني أنه يقال: مائة ونَيِّفٌ، وأنشد أبو تمَّام في باب الهجاء من الحَمَاسة لبعض العرب [من البسيط]:
أَقُولُ حِينَ أَرَى كَعْبًا وَلِحْيَتَهُ … لَا بَارَكَ اللهُ فِي بِضْعٍ وَسِتِّيِنِ
مِنَ السِّنِينَ تَمَلاَّها بِلا حَسَبٍ … وَلَا حَيَاءٍ وَلَا قَدْرٍ وَلا دِينِ
وقد جاء في الحديث: "بضعًا وثلاثين ملكًا"، و"صلاة الجماعة تفضل صلاة الواحد ببضع وعشرين درجة" انتهى كلام ابن منظور
رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّنَ بما ذكر أن الراجح من أقوال أهل اللغة أن البضع -بالكسر، والفتح- يطلق على ما بين الثلاث والتسع،
стр. 7469
ويستعمل بدون عشرة، كما في قوله تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤]، وقوله: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]،
ومع العشرة، والعشرين، والثلاثين، إلى التسعين، كما في الحديثين المذكورين. والله تعالى أعلم.
قال فى الفتح: والظاهر أن هؤلاء الملائكة غير الحفظة، ويؤيده ما في الصحيّحين عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "إن لله ملائكة يطوفون في الطُّرُق، يلتمسون أهل الذكر … " الحديث.
واستدل به على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة. انتهى (١).
(أيهم يصعد بها) قال الفيومي ﵀: صَعدَ في السلمِ والدرجة يَصْعَد، من باب تَعِبَ، صُعُودًا، وصَعِدت السطَحَ، وإليه، وصَعَّدت في الجبل -بالتثقيل-: إذا علوته، وصَعِدت في الجبل، من باب تَعِبَ لغة قليلة. انتهى (٢).
والمعنى هنا: يتسابق هؤلاء الملائكة أيهم يعرُج بتلك الكلمات إلى الله .
وفي الرواية الَاتية ٢٢/ ١٠٦٢، "أيهم يكتبها أوّلًا"، وعند البخاري: "أيهم يكتبها أولُ"، وللطبراني من حديث أبي أيوب: "أيهم
стр. 7470
يرفعها".
و"أوَّلُ" روي بالضم على البناء؛ لأنه من الظروف التي تقطع عن الإضافة، ويُنوَى معناها، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْرًا انْ عَدِمْتَ مَا … لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا
قَبْلُ كغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ … وَدُونُ وَالجِهَاتُ أَيْضًا وَعَلُ
وروي بالنصب على الحال، كما أفاده السهيلي رحمه الله تعالى. انتهى.
قال الجوهري ﵀: أصل "أول" أوْ أل، على وزن أفعل، مهموز الوسط، فقلبت الهمزة واوًا، وأدغمت الواو في الواو، وقيل: أصله "وَوَّلٌ" على فَوْعَلٍ، فقلبت الواو الأولى همزة، وإذا جعلته صفة لم تصرفَه، تقول: لقيته عامًا أوّلَ، وإذا لم تجعله صفة صرفته، نحو رأيته عاما أوّلًا (١).
وأما "أيهم" فروي بالرفع، وهو مبتدأ، وخبره "يصعد بها"، أفاده الطيبي وغيره تبعًا لأبي البقاء في إعراب قوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، قال: وهو في موضع نصب، والعامل فيه ما دل عليه: ﴿يُلْقُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، و"أيُّ" استفهامية،
стр. 7471
والتقدير مقول فيهم: أيهم يصعد بها. ويجوز في أيهم النصب بأن يقدر المحذوف، "فينظرون أيَّهم".
وعند سيبويه: أيّ موصولة، والتقدير: يبتدرون الذي يصعد بها أولى، وأنكر جماعة من البصريين ذلك.
ولا تعارض بين روايتي: "يصعد بها"، و"يكتبها"؛ لأنه يحمل على أنهم يكتبونها، ثم يصعدون بها إلى الله . والله تعالى أعلم،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
السألة الأولى: في درجته:
حديث رفاعة بن رافع ﵄ هذا صحيح.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح أن حديث رفاعة هذا هو الحديث الذي يأتي للمصنف ﵀ ٢٢/ ١٠٦٢، من طريق علي بن يحيى بن خلاّد، وهو حديث أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه، كما سيأتي قريبًا، فقد أشار إلى اتحادهما الحافظ أبو الحجاج المزي ﵀ في "تحفة الأشراف" جـ ٣ ص ١٧٠ - حيث قال بعد إيراده حديث الباب إثر الحديث المذكور ما نصه: وهو في معنى الذي قبله. وقد تقدم ما قاله الحافظ في تأييده اتحاد القصتين. والله تعالى أعلم.
стр. 7472
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٦/ ٩٣١، وفي الكبرى ٣٠/ ١٠٠٣، عن قتيبة، عن رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة أبن رافع، عن أبيه.
وأخرجه هنا ٢٢/ ١٠٦٢، والكبرى ٢١/ ٦٤٩، عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن نعيم بن عبد الله، عن علي بن يحيى الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع ﵁، قال: كنا يومًا، نصلي وراء رسول الله ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة، قال: "سمع الله لمن حمده"، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف رسول الله ﷺ : "من المتكلم آنفًا؟ "، فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا، يبتدرونها، أيهم يكتبها أوّلًا". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أما رواية معاذ بن رفاعة فأخرجها أبو داود عن قتيبة بن سعيد -وسعيد بن عبد الجبار- كلاهما عن رفاعة بن يحيى به. والترمذي عن قتيبة، عن رفاعة، به.
وأما رواية يحيى بن خلاد، فأخرجها البخاري عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، به. وأبو داود عن القعنبي، به.
стр. 7473
ومالك في الموطأ رقم ١٤٨. وأحمد جـ ٤ ص ٣٤٠. وابن خزيمة رقم ٦١٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية الذكر المذكور للمأموم إذا عطس خلف الإمام، وهذا ليس خاصًا بالمأموم، بل هو لكل مصل، وإنما ترجم عليه لكونه المذكور في الحديث، وسيأتي في المسألة التالية بيان اختلاف العلماء فيه، إن شاء الله تعالى.
ومنها: ما قاله في "الفتح": استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور، إذا كانت غير مخالف للمأثور. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الاستنباط نظر، إذ الصلاة عبادة قولية وفعلية مبنية على التعليم النبوي، لا يجوز إحداث شيء سن القول والفعل فيها، بل يقتصر فيها على ما نقل عنه ﷺ ، وأما هذا الذكر، فقد ثبتت مشروعيته بالنص، حيث أقر ﷺ قائله، وأخبره بفضله، فلا يكون دليلًا لما ادعاه.
ولا يعترض هذا بالدعاء عقب التشهد، لأنه لا يتعين له شيء غير التعوذ من الأربع التي ورد الأمر بالتعوذ منها، لأن ذلك جاء التخيير فيه، بقوله ﷺ : عقب تعليمه التشهد: "ثم ليتخير بعدُ من الدعاء ما شاء"، وفي لفظ: "وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه، فليدع الله عز
стр. 7474
وجل". وسيأتي تمام البحث فيه في محله، إن شاء الله تعالى.
ومنها: جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على غيره.
ومنها: أن العاطس في الصلاة يحمد الله تعالى بغير كراهة.
ومنها: أن العاطس في الصلاة لا يستحق التشميت، وإن حمد الله؛ لأنه ﷺ ما شمته، ولا أحد من أصحابه، فدل على أن التشميت من كلام الناس الذي يبطل الصلاة.
ومنها: مشروعية تطويل الاعتدال بالذكر، خلافًا لمن قال: إنه لا يشرع ذلك، إذ هو ركن قصير، وسيأتي الكلام عليه في محله، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن ابن بطال استنبط منه جواز رفع الصوت بالتبليغ خلف الإمام. وتعقبه الزين ابن المنير بأن سماعه ﷺ لصوت الرجل لا يستلزم رفعه لصوته، كرفع صوت المبلغ.
قال الحافظ: وفي هذا التعقب نظر؛ لأن غرض ابن بطال إثبات جواز الرفع في الجملة، وقد سبقه إليه ابن عبد البر، واستدل له بإجماعهم على أن الكلام الأجنبي يبطل عمده الصلاة، ولو كان سرًا، قال: وكذلك الكلام المشروع في الصلاة لا يبطلها، ولو كان جهرًا. انتهى (١).
стр. 7475
ومنها: بيان فضيلة هذا الذكر.
ومنها: أن بعض الأعمال يكتبها غير الحفظة. والله تعالى أعلم.
السألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في الحمد للعاطس:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في العاطس يحمد الله، وهو في الصلاة، فقالت طائفة: يحمد الله. كذلك قال النخعي، ومكحول، وأحمد بن حنبل، وروينا عن ابن عمر أنه قال: العاطس في الصلاة يجهر بالحمد، فإن عطس رجل، فشمته، وهو ذاكر أنه في الصلاة، فسدت على المصلي صلاته.
قال: وعلى هذا مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١).
وقال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في "جامعه" بعد إخراج حديث رفاعة المذكور في هذا الباب، ما نصه: وكأن هذا الحديث عند بعض أهل العلم أنه في التطوع، لأن غير واحد من التابعين قالوا: إذا عطس الرجل في الصلاة المكتوبة إنما يحمد الله في نفسه، ولم يوسعوا بأكثر من ذلك. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم من رواية بشر بن عمر الزهراني،
стр. 7476
عن رفاعة بن يحيى أن تلك الصلاة التي عطس فيها الرجل خلف النبي ﷺ ، فحمد الله تعالى كانت المغربَ، فيرد قول من حمل الحديث على التطوع.
وقال القاري في "المرقاة": قال ابن الملك: يدل الحديث على جواز الحمد للعاطس في الصلاة. يعني على الصحيح المعتمد، بخلاف رواية البطلان، فإنها شاذة، لكن الأولى أن يحمد في نفسه، أو يسكت خروجًا من الخلاف، على ما في شرح "المنية". انتهى.
فتعقبه العلامة المباركفوري ﵀، قائلًا: لو سكت القاري عن قوله: أو يسكت- لكان خيرًا له، فإن حديث الباب يدل على جواز الحمد للعاطس بلا مرية، انتهى (١).
قال الجامع: وأنا أقول: لو سكت القاري عن قوله: لكن الأولى أن يحمد في نفسه إلى آخر كلامه لكان عاملًا بما وجب عليه؛ لأن عدم معارضة النص بقول فلان وفلان من واجب كل مؤمن ومؤمنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآية.
وحديث الباب نص في الجهر بالحمد المذكور، والخروجُ من الخلاف المعارضِ للنص مرفوضٌ ومهجور، ولقد أحسن من قال، وأجاد في
стр. 7477
المقال [من البسيط]:
وَلَيْسَ كُلُّ خِلافٍ جَاءَ مُعْتَبَرَا … إلاَّ خِلافٌ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ
ومن قال [من الوافر]:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رَؤُسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والحاصل أن القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن العاطس يحمد الله تعالى، لصحة الحديث عن رسول الله ﷺ بذلك، ولكن لا يشرع تشميته، لعدم ثبوته عنه ﷺ ، ولا عن أصحابه ﵃.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٩٣٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ أَسْفَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَلَمَّا قَرَأَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قَالَ: "آمِينَ"، فَسَمِعْتُهُ، وَأَنَا خَلْفَهُ، قَالَ: فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً، يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ،
стр. 7478
فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: "مَنْ صَاحِبُ الْكَلِمَةِ فِي الصَّلَاةِ؟ ". فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا أَرَدْتُ بِهَا بَأْسًا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَقَدِ ابْتَدَرَهَا اثْنَا عَشَرَ مَلَكًا، فَمَا نَهْنَهَهَا شَيْءٌ دُونَ الْعَرْشِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عبد الحميد بن محمد) الْمُسْتَام -بضم الميم، وسكون المهملة، بعدها مثناة- بن حكيم بن عمرو الإمام، أبو عمر الحَرَّاني،
إمام مسجد حرّان، مولى حذيفة بن اليمان، ثقة من [١١]، أخرج له النسائي.
روى عن عبد الجبار بن محمد الخطابي، وعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، ومخلد بن يزيد، والمغيرة بن سقلاب، وأبي جعفر النفيلي.
وعنه النسائى، وأبو عروبة، وأبو علي محمد بن سعيد الرقي الحافظ، وإبراهيم بن محمد بن متويه، وأبو عوانة الإسفراييني، وابن
صاعدة، وعدة. قال النسائي. ثقة. وقال ابن أبي حاتم: كتب عنه بعض أصحابنا، ولم يُقضَ لي السماع منه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في جمادى الآخرة سنة ٢٦٦. انفرد به المصنف رحمه الله تعالى (١).
стр. 7479
٢ - (مخلد) بن يزيد القرشي الحَرَّاني، صدوق له أوهام، مات سنة ١٩٣، من كبار [٩]، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود
والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ١٤١/ ٢٢٢.
٣ - (يونس بن أبي إِسحاق) السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلًا، مات سنة ١٥٢ من [٥]، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم والأربعة، تقدم في ١٦/ ٦٥٢.
٤ - (أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السَّبيعي الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره، مات سنة ١٢٩ وقيل: قبل ذلك، من
[٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٣.
٥ - (عبد الجبار بن وائل) بن حُجْر، ثقة، لكنه أرسل عن أبيه، مات سنة ١١٢، من [٣]، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في ٤/ ٨٧٩.
٦ - (وائل بن حجر) بن سعد بن مسروق الحضرمي، الصحابي الشهير، كان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، ومات في ولاية
معاوية ﵄، تقدم في ٤/ ٨٧٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم موثقون، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فحرانيان، نسبة إلى حرّان -
стр. 7480
بالفتح والتشديد- مدينة بالجزيرة، قال السمعاني: هي من ديار ربيعة (١)، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه الإخبار، والتحديث،
والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن وائل بن حجر) ﵁، أنه (قال: صليت خلف رسول الله ﷺ ، فلما كبر رفع يديه أسفل من أذنيه) وتقدم من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق ٤/ ٨٧٩: "ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه"، ولعل الاختلاف لاختلاف الأوقات. والله تعالى أعلم (فلما قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: "آمين"، فسمعته) فيه استحباب الجهر بـ "آمين"، وقد تقدم البحث عنه مستوفى برقم ٣٣/ ٩٢٥، (وأنا خلفه) جملة اسمية في محل نصب على الحال من الفاعل في "فسمعته" (قال) وائل (فسمع رسول الله ﷺ رجلًا) لم أعرفه (يقول: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما سلم النبي ﷺ من صلاته، قال: "من صاحب هذه الكلمة؟ ") إطلاق "الكلمة" على الجملة سائغ في اللغة، كما قال ابن مالك في "خلاصته":
. . . . . . . . . … وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمّ
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]
стр. 7481
إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠].
(في الصلاة) متعلق بحال مقدر من "الكلمة"، أي حال كونها واقعة في الصلاة (فقال الرجل) الذي تكلم بها، (أنا يا رسول الله)
أي أنا المتكلم بها (وما أردت بها بأسًا) أي ما قصدت بها سوءًا (قال النبي ﷺ : لقد ابتدرها اثنا عشر ملكًا) أي تسابقوا في كتابتها، ورفعها إلى الله تعالى (فما نهنهها شيء دون العرش) أي ما منعها، وكفها عن الوصول إليه.
قال ابن منظور ﵀: النَّهْنَهَةُ: الكَفُّ. تقول: نَهْنَهْتُ فلانًا: إذا زجرته، فَتَنَهْنَهَ: أي كَفَفْتُه، فكفّ، قال الشاعر [من مجزوّ
الكامل المُرَفَّل]:
نَهْنِهْ دُمُوعَكَ إِنَّ مَنْ … يَغتَرُّ بِالْحِدثَانِ عَاجِزْ
كأنّ أصله من النَّهْيِ. وفي حديث وائل: "لقد ابتدرها اثنا عشر ملكًا، فما نَهْنَهَهَا شيءٌ دون العرش". أي ما منعها، وكفها عن الوصول إليه. ونَهْنَهَهُ عن الشيء: زجره. قال أبو جُنْدَب الهُذَلي [من الطويل]:
فَنَهْنَهْتُ أُولَى الْقَوْمِ عنهُم بِضَربَةِ … تَنَفَّس عَنْهَا كلُّ حَيْشَانَ مُحْجَرِ (١)
وقد تَنَهْنَهَ، ونَهْنَهْتُ السبُعَ: إذا صِحْتَ به لِتكفَّهُ، والأصل في
стр. 7482
"نَهْنَهَ": نَهْهَهَ بثلاث هاءات، وإنما أبدلوا من الهاء الوُسطى نونا للفرق بين فَعْلَلَ، وفَعَّلَ، وزادوا النون من بين الحروف؛ لأن في الكلمة نونًا. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى (١).
والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث وائل بن حُجر هذا صحيح.
فإِن قيل: إن فيه انقطاعًا؛ لأن عبد الجبار لم يسمع من أبيه، فكيف يصح؟
أجيب: بأن له شاهدًا من حديث أنس رضي الله تعالى عنه تقدم في ١٩/ ٩٠١، ولفظه: قال: كان رسول الله ﷺ ، يصلي بنا، إذ جاء رجل، فدخل المسجد، وقد حَفَزَه النفَسُ، فقال: الله أكبر، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: "أيكم الذي تكلم بكلمات"، فَأرَمَّ القومُ، قال: "إنه لم يقل بأسًا"، قال: أنا يا رسول الله، جئت، وقد حفزني النفس، فقلتها، قال النبي ﷺ : "لقد رأيت اثني عشر ملكًا، يبتدرونها، أيهم يرفعها". وأما ما قاله الشيخ الألباني من أنه صحيح بما قبله، دون قوله: "فما
стр. 7483
نهنهها. . ."، وهو تمام الحديث المتقدم انتهى (١) - ففيه نظر، إذ هو مخالف لما قبله مخالفة ظاهرة، وليس تمامَهُ، فهناك الملائكة بضعة وثلاثون، وهنا اثنا عشر، وهنا زيادة قوله: "فما نهنهها شيء دون العرش". وفي محاولة الجمع بين الحديثين تكلف بارد، وتعسف ظاهر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٦/ ٩٣٢، وفي الكبرى ٣٦/ ١٠٠٤، عن عبد الحميد بن محمد، عن مخلد بن يزيد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، ﵁. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه عن علي بن محمد، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق مختصرًا على الذكر فقط. وعن محمد بن
الصباح، وعمار بن خالد الواسطي، كلاهما عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، به مختصرًا على التأمين فقط.
وأخرجه أحمد جـ ٤ ص ٣١٧، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به، وليس فيه ذكر الملائكة، ولفظه.
قال: صليت مع النبي ﷺ ، فقال رجل: الحمد لله كثيرًا طيبًا
стр. 7484
مباركًا فيه، فلما صلى رسول الله ﷺ قال: "من القائل؟ "، قال الرجل: أنا يا رسول الله، وما أردت إلا الخير، فقال: "لقد فتحت لها أبواب السماء، فلم ينهها دون العرش". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7485
٣٧ - جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْقرْآن
أي هذا باب جامعٌ لما جاء عن رسول الله ﷺ فيما يتعلق بالقرآن، من كيفية نزوله، ومن تسهيل الله تعالى على الأمة حيث أنزله على سبعة أحرف، حتى لا تقع في حرج شديد، لو أنزله على حرف واحد، ومن نهيه ﷺ عن الاختلاف فيه، وعن التساهل عن مراجعته حتى ينساه الشخص، وفي حثه على تعاهده لئلا يتفلت عنه. وغير ذلك.
٩٣٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟، قَالَ: "فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، وَأَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صُورَةِ الْفَتَى، فَيَنْبِذُهُ إِلَيَّ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي, نزيل نيسابور، ثقة ثبت فقيه، من [١٠] مات سنة ٢٣٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت فقيه حجة [٨]، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
стр. 7486
٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير بن العوَّام الأسدي، أبو المنذر المدني، ثقة فقيه, ربما دلس [٥] مات سنة ١٤٥، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير العوّام الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه [٣]، مات سنة ٩٤، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين ﵄، تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها. أنه من خماسيات المصنف
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
ومنها: أن شيخه مروزي، ثم نيسابوري، وسفيان كوفي، ثم مكي، والباقون مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه، ورواية الراوي عن خالته.
ومنها: أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عروة، وهم المجموعون في قول بعضهم [من الطويل]:
ألَا إِنَّ مَن لَا يَقْتَدِي بأئِمَّةٍ … فَقِسْمَتُهُ ضِيزَى عَنِ الْحَق خَارِجَهْ
فَخُذْهُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمُ … سَعِيدٌ أبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
стр. 7487
ومنها: أنه فيه عائشةَ ﵂ من المكثرين السبعة، روت -٢٢١٠ - أحاديث.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء: الإخبارَ، والإنباءَ، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال على الراجح في "عن" من غير المدلس.
قال القاضي عياض ﵀: لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعته يقول: وقال لنا فلان، وذكر فلان، وإليه مال الطحاوي، وصحح هذا المذهب ابن الحاجب، ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، وهو مذهب جماعة من المحدثين، منهم الزهري، ومالك، وسفيان بن عيينة، ويحيى القطان، وقيل: إنه قول معظم الحجازيين، والكوفيين.
وقال آخرون بالمنع في القراءة على الشيخ إلا مقيدًا، مثل حدثنا فلان قراءةً عليه، وأخبرنا قراءةً عليه، وهو مذهب ابن المبارك، وأحمد ابن حنبل، ويحيى بن يحيى التميمي، والمشهور عن النسائي، وصححه الآمدي، والغزالي، وهو مذهب المتكلمين.
وقال آخرون بالمنع في حدثنا، والجواز في أخبرنا، وهو مذهب الشافعي، وأصحابه، ومسلم بن الحجاج، وجمهور أهل المشرق، ونقل عن أكثر المحدثين، منهم ابن جريج، والأوزاعي، والنسائي، وابن وهب، وقيل: إنه أول من أحدث هذا الفرق بمصر، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث، والأحسن أن يقال فيه: إنه اصطلاح منهم
стр. 7488
أرادوا التمييز بين النوعين، وخصصوا قراءة الشيخ بحدثنا لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة.
واختلف في المعنعن فقال بعضهم: هو مرسل، والصحيح الذي عليه الجماهير أنه متصل إذا أمكن لقاء الراوي المروي عنه.
قال النووي: ادعى مسلم إجماع العلماء على أن المعنعن، وهو الذي فيه فلان عن فلان محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضًا -يعني مع براءتهم من التدليس-، ونقل -أي مسلم- عن بعض أهل عصره أنه قال: لا يحمل على الاتصال حتى يثبتا أنهما التقيا في عموهما مرة فأكثر، ولا يكفي إمكان تلاقيهما، وقال: هذا قول ساقط، واحتج عليه بأن المعنعن محمول على الاتصال إذا ثبت التلاقي مع احتمال الإرسال، وكذا إذا أمكن التلاقي.
قال النووي: والذي رده هو الختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن، البخاري وغيره، وقد زاد جماعة عليه، فاشترط القابسي أن يكون قد أدركه إدراكًا بينًا، وأبو المظفر السمعاني طولَ الصحبة بينهما. انتهى (١).
(قال الجامع عفا الله عنه): عندي أن مذهب مسلم أقوى، لقوة أدلِته، كما بينها في مقدمة صحيحه. والله تعالى أعلم.
стр. 7489
شرح الحديث
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، أنها (قالت: سأل الحارث بن هشام) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أخو أبي جهل شقيقه، وابن عم خالد بن الوليد، شهد بدرًا كافرًا، فانهزم، وأسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وأعطاه النبي ﷺ يوم حنين مائة من الإبل، قتل باليرموك سنة -١٥ - ، وكان شريفًا في قومه، وله اثنان وثلاثون ولدًا، منهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أحد الفقهاء السبعة على قول، وليس في الصحابة الحارث بن هشام إلا هذا، وإلا الحارث بن هشام الجُهَنِيّ، روى عنه المصريون. ذكره ابن عبد البر (١).
قال الحافظ ﵀: قوله: (سأل) هكذا رواه أكثر الرواة عن هشام بن عروة.
فيحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك، وعلى هذا اعتمد أصحاب الأطراف، فأخرجوه في مسند عائشة.
ويحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك بعدُ، فيكون من مرسل الصحابة، وهو محكوم بوصله عند الجمهور، وقد جاء ما يؤيد الثاني، ففي "مسند أحمد"، و"معجم البغوي"، وغيرهما، من طريق عامر بن
стр. 7490
صالح الزبيري، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام، قال: سألت … وعامر فيه ضعف، لكن وجدت له متابعًا عند ابن منده، والمشهور الأول. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
(رسول الله ﷺ ) بالنصب مفعولًا به لـ"سأل"، (كيف يأتيك الوحي) مقول لقول مقدر، أي قائلًا: "كيف يأتيك الوحي". وفي رواية البخاري. "فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي".
ثم إنه يحتمل أن يكون المسؤول عنه صفة الوحي نفسه، ويحتمل أن يكون صفة حامله، أو ما هو أعم من ذلك، وعلى كل تقدير فإسناد الإتيان إلى الوحي مجاز، لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله. قاله في الفتح.
وقال السندي ﵀: ظاهره أن السؤال عن كيفية الوحي نفسه، لا عن كيفية الملك الحامل له، ويدل عليه أول الجواب، لكن آخر الجواب يميل إلى أن المقصود بيان كيفية الملك الحامل، فيقال: يلزم من كون الملك في صورة الإنسان كون الوحي في صوت مفهومٍ متبينٍ أولَ الوَهْلَة، فبالنظر إلى هذا اللازم صار بيانًا لكيفية الوحي، فلذلك قوبل بصلصلة الجرس، ويحتمل أن يكون السؤال عن كيفية الحامل، أي كيف يأتيك حامل الوحي. انتهى (٢).
стр. 7491
و "كيف" اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل، في قولهم: على كيف تبيع الأحمرين، وتستعمل شرطية، نحو: كيف تصنعْ أصنعْ،
واستفهامية، نحو كيف زيدٌ، ولغير ذلك، وهي هنا للاستفهام.
و"الوحي": الإشارة، والكتابة، والرسالة، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلام، وأوحيت، وَوَحَى
وَحْيًا، وأوحَى أيضًا، أي كتب، قال العَجَّاجَ [من الرجز]:
حَتَّى نَحَاهُمْ جَدُّنَا وَالنَّاحِي … لِقَدَرٍ كَانَ وَحَاه الْوَاحِي
والوَحْيُ المكتوبُ، والكتاب أيضًا، وعلى ذلك جمعوه، فقالوا: وُحِيٌّ، مثل حَلْيٍ، وحُلِيٍّ.
قال لَبِيد [من الكامل]:
فَمَدَافعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا … خَلَقًا كَمَا ضَمِنَ الْوُحِيَّ سِلَامُهَا
أراد ما يُكتَب في الحجارة، ويُنقَش عليها.
وأوحىَ إليه: بعثه، وأوحى إليه: ألهمه، وفي التنزيل ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وفيه ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي إليها، فمعنى هذا أمَرَها، ووَحَى في هذا المعنى؛ قال العَجّاج [من الرجز]:
وَحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ … وَشَدَّهَا بِالرَّاسيَاتِ الثُّبَّتِ
ووَحَى إليه، وأوحى: كلَّمه بكلام يخفيه من غيره، ووحَى إليه، وأوحَى: أومأ، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً
стр. 7492
وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. وقال أبو الهَيْثَم: وأما اللغة الفاشية في القرآن فبالألف، وأما في غير القرآن فوحيت إلى فلان مشهورة. انتهى ملخصًا من لسان العرب (١).
هذا من حيث اللعْة، وأما شرعًا، فهو الإعلام بالشرع، وقد يطلق الوحي، ويراد به اسم المفعول منه، أي الْمُوحَى، وهو كلام الله المنزل على النبي ﷺ (٢).
وله أقسام، وصور، فأما أقسامه في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فعلى ثلاثة أضرب:
(أحدها): سماع كلام الله تعالى، كسماع موسى ﵊.
(والثاني): وحي رسالة بواسطة الملك.
(والثالث): وحي تَلَقٍّ بالقلب، كقوله ﷺ : "إن روح القدس نفث في رُوعي. . ."، أي في نفسي.
وأما الوحي إلى غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهو الإلهام، كالوحي إلى النحل. وأما صوره فسبعة، على ما ذكره السهيلي ﵀:
(الأولى): المنام، كما جاء في حديث عائشة ﵂ المشهور. (الثانية): أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس، كما في هذا
стр. 7493
الحديث، (الثالثة): أن ينفث في رُوعه الكلام، كما مر آنفًا. (الرابعة): أن يتمثل له الملك رجلًا، كما في هذا الحديث أيضًا. (الخامسة): أن يتراءى له جبريل في صورته التي خُلقَ عليها. (السادسة): أن يكلمه الله من وراء حجاب. (السابعة): وحي إسرافيل ﵇، ففي مسند أحمد بإسناد صحيح عن الشعبي: أن رسول الله ﷺ نزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقُرِنَ بنبوته إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين؛ قرن لنبوته جبريل ﵇، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة: عشرًا بمكة، وعشرًا بالمدينة، فمات، وهو ابن ثلاث وَستين سنة. وأنكر بعضهم كونه وكل به غير جبريل ﵇. اهـ ملخصًا من عمدة القاري (١).
(قال) وفي الرواية التالية: "فقال رسول الله ﷺ ": (في مثل صلصلة الجرس) متعلق بمحذوف، أي يأتيني في مثل صلصلة الجرس.
وفي الرواية التالية: "أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس". وفي رواية البخاري: "مثل صلصلة الجرس".
أي يأتيني في صوت متدارك، لا يدرك في أول الوَهْلَة، كصوت الجرس، أي يجيء في صورة وهيئة لها مثل هذا الصوت، فنبه بالصوت الغير المعهود على أنه يجيء في هيئة غير معهودة، فلذا قابله لقوله في
стр. 7494
"صورة الفتى"، وعلى الوجهين فصلصلة الجرس مثال لصوت الوحي. قاله السندي رحمه الله تعالى (١).
و"الصلصلة" -بمهملتين مفتوحتين، بينهما لام ساكنة- في الأصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين. وقيل: هو صوت متدارك، لا يدرك في أول وهلة. قاله في الفتح.
وقال العلامة العيني ﵀: "الصلصلة" -بفتح الصادين المهملتين-: الصوت الذي لا يفهم أوّلَ وَهْلَة. ويقال: هي صوت كل
شيء مصوّت، كصلصلة السلسلة. وفي "العباب": صلصلة اللجام: صوته إذا ضوعف.
وقال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه، ولا يتبينه أولَ ما يقرع سمعه حتى يفهمه من بعدُ. وقال أبو علي الهجري في أماليه:
"الصلصلة" للحديد، والنحاس، والصفر، ويابس الطين، وما أشبه ذلك صوته.
وفي "المحكم": صَلَّ يَصِلُّ صَلِيلًا، وصَلْصَلَ، وتصَلْصَل صَلْصَلَةً، وتَصَلْصُلًا: صوّت.
وقال القاضي: الصلصلة: صوت الحديد فيما له طنين. وقيل: معنى الحديث هو قوةُ صوت حَفِيفِ أجنحة الملائكة، لتشغله عن غير ذلك، وتؤيده الرواية الأخرىَ: "كأنه سلسلة على صفوان"، أي حفيف
стр. 7495
الأجنحة (١). انتهى كلام العيني رحمه الله تعالى (٢).
و"الجرس" -بفتح الجيم، والراء-: الجُلْجُل الذي ما يعلق في رؤوس الدواب، واشتقاقه من الجَرْسِ -بإسكان الراء- وهو الحِسّ.
وقال الكرماني: الجَرَس: شبه ناقوس صغير، أو سَطْل في داخله قطعة نُحاس معلق منكوسًا على البعير، فإذا تحركت النحاسة، فأصابت السطل، فتحصل صلصلة، والعامة تقول: جرص بالصاد، وليس في كلام العرب كلمة اجتمع فيها الصاد والجيم، إلا الصمج، وهو القِندِيل، وأما الجص فَمُعَرّب.
وقال ابن دريد: اشتقاقه من الجَرْس، أي الصوت والحس. وقال ابن سيَده: الجَرْس أي ما بالفتح، والجِرْس أي بالكسر، والجَرَسُ أي
بفَتحتين: الحركة والصوت من كل ذي صوت. وقيل: الْجَرْس بالفتح إذا أفرد، فإذا قالوا: ما سمعتُ له حِسّا ولا جِرْسًا كسروا، فأتبعوا اللفظ باللفظ. اهـ (٣).
قال في "الفتح": [فإن قيل]: المحمود لا يُشَبَّهُ بالمذموم، إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل، والمشبه الوحي، وهو محمود، والمشبه به صوت الجرس، وهو مذموم، لصحة النهي عنه، والتنفير من مرافقة ما هو معلق فيه، والإعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة، كما أخرجه مسلم،