← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، و ﴿جِبْرِيل﴾ [البقرة: ٩٨]. ويدلّ على ما قرره أنه أنزل أوّلًا بلسان قريش، ثم سهل على الأمة أن يقرؤوه بغير لسان قريش، وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام، فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة، كما تقدم في حديث أبيّ بن كعب ﵁: "أن جبريل لقي النبي ﷺ ، وهو عند أضَاة بني غِفَار، فقال: إن الله يأمرك أن تُقرِئ أمتك القرآن على حرف، فقال أسأل الله معافاته ومغفرته، فإن أمتي لا تطيق ذلك" … الحديث. أخرجه مسلم (١). وحاصل ما ذهب إليه هؤلاء أن معنى قوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، أي أنزل موسعًا على القارئ أن يقرأه على سبعة أوجه، أي يقرأ بأي حرف أراد منها على البدل من صاحبه، كأنه قال: أنزل على هذا الشرط، أو على هذه التوسعة، وذلك لتسهيل قراءته، إذ لو أخذوا بأن يقرؤوه على حرف واحد لشق عليهم، كما تقدم. قال ابن قتيبة ﵀ في أول تفسير المشكل له: كان من تيسير الله تعالى أن أمر نبيه ﷺ أن يُقرئ كل قوم بلغتهم، فالهذلي يقرأ "عَتَّى حين" يريد "حتى حين"، والأسدي يقرأ "تعلَمون" بكسر أوله، والتميمي يهمز، والقرشي لا يهمز، قال: ولو أراد كل فريق منهم أن يزول عن لغته، وما جرى عليه لسانه طفلًا وناشئًا وكهلًا؛ لشق عليه

стр. 7562

غاية المشقة، فيسر عليهم ذلك بمنه، ولو كان المراد أن كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه، لقال مثلًا: أثزل سبعة أحرف، وإنما المراد أن يأتي في الكلمة وجه، أو وجهان، أو ثلاثة، أو أكثر إلى سبعة. وقال ابن عبد البر ﵀: أنكو أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف اللغات، لا تقدم من اختلاف هشام وعمر، ولغتهما واحدة، قالوا: وإنما المعنى سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة، نحو "أقبل"، و"تعال"، و"هلم"، ثم ساق الأحاديث الماضية الدالة على ذلك. قال الحافظ ﵀: ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ، مع اتفاق المعنى، مع انحصار ذلك في سبع لغات. لكن لاختلاف القولين فائدة أخرى، وهي ما نبه عليه أبو عمرو الداني أن الأحرف السبعة ليست متفرقة في القرآن كلها، ولا موجودة فيه في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية واحدة، فإنما قرأ ببعض الأحرف السبعة، لا بكلها، وهذا إنما يأتي على القول بأن المراد بالأحرف اللغات، وأما قول من يقول بالقول الآخر، فيتأتى ذلك في ختمة واحدة بلا ريب، بل يمكن على ذلك القول أن تحصل الأوجه السبعة في بعض القرآن، كما تقدم. وقد حمل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور على الوجوه التي يقع بها

стр. 7563

التغاير في سبعة أشياء: الأول: ما تتغير حركته، ولا يزول معناه، ولا صورته، مثل: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] بنصب الراء، ورفعها. الثاني: ما يتغير بتغير الفعل، مثل: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، و ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ بصيغة الطلب، والفعل الماضي. الثالث: ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة، مثل: ﴿ننشرها﴾ [البقرة: ٢٥٩] بالراء والزاي. الرابع: ما يتغير بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر، مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] في قراءة علي: و"طلع منضود". الخامس: ما يتغير بالتقديم والتأخير، مثل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] في قراءة أبي بكر الصديق، وطلحة بن مصرف، وزين العابدين: "وجاءت سكرة الحق بالموت". السادس: ما يتغير بزيادة، أو نقصان، مِثالُ الزيادة ما نقل عن ابن عباس ﵄ "وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك منهم المخلصين"، ومِثالُ النقص، قراءة ابن مسعود، وأبي الدرداء ﵄: "والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى". السابع: ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها، مثل ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] في قراءة ابن مسعود، وسعيد بن جبير،

стр. 7564

"كالصوف المنفوش". وهذا وجه حسن، لكن استبعده قاسم بن ثابت في "الدلائل" لكون الرخصة في القراءات إنما وقعت، وأكثرُهم يومئذ لا يكتب، ولا يعرف الرسم، وإنما كانوا يعرفون الحروف بمخارجها. قال: وأما ما وجد من الحروف المتباينة المخرج المتفقة الصورة، مثل ﴿نُنشِرُهَا﴾، و ﴿نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، فإن السبب في ذلك تقارب معانيها، واتفق تشابه صورتها في الخط. قال الحافظ: ولا يلزم من ذلك توهين ما ذهب إليه ابن قتيبة، لاحتمال أن يكون الانحصار المذكور في ذلك وقع اتفاقًا، وإنما اطلع عليه بالاستقراء، وفي ذلك من الحكمة البالغة ما لا يخفى. وقال أبو الفضل الرازي ﵀. الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف: الأول: اختلاف الأسماء، من إفراد، وتثنية، وجمع، أو تذكير وتأنيث. الثاني: اختلاف تصريف الأفعال، من ماض، ومضارع، وأمر. الثالث: وجوه الإعراب. الرابع: النقص والزيادة. الخامس: التقديم والتأخير.

стр. 7565

السادس: الإبدال. السابع: اختلاف اللغات، كالفتح، والإمالة، والترقيق، والتفخيم، والإدغام، والإظهار، ونحو ذلك. قال الحافظ: وقد أخذ كلام ابن قتيبة، ونقّحه. وذهب قوم إلى أن السبعة الأحرف سبعة أصناف من الكلام. واحتجوا بحديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب، على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به، كل من عند ربنا". أخرجه أبو عبيد، وغيره. قال ابن عبد البر ﵀: هذا حديث لا يثبت، لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، ولم يَلْقَ ابنَ مسعود. وقد رده قوم من أهل النظر، منهم أبو جعفر أحمد بن أبي عمران. قال الحافظ: وأطنب الطبري في مقدمة تفسيره في الردّ على من قال به. وحاصله: أنه يستحيل أن يجتمع في الحرف الواحد هذه الأوجه السبعة. وقد صحح الحديث المذكور ابن حبان، والحاكم، وفي تصحيحه نظر، لانقطاعه بين أبي سلمة وأبن مسعود.

стр. 7566

وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر، عن الزهري، عن أبي سلمة مرسلًا، وقال: هذا مرسل جيّد. ثم قال: إن صح فمعنى قوله في هذا الحديث: "سبعة أحرف"، أي سبعة أوجه، كما فسرت في الحديث، وليس المراد الأحرف السبعة التي تقدم ذكرها في الأحاديث الأخرى، لأن سياق تلك الأحاديث يأبى حملها على هذا، بل هي ظاهرة في أن المراد أن الكلمة الوأحدة تقرأ على وجهين، وثلاثة، وأربعة إلى سبعة، تهوينًا وتيسيوًا، والشيء الواحد لا يكون حرامًا وحلالًا في حالة واحدة. وقال أبو علي الأهوازي، وأبو العلاء الهمداني: قوله: "زاجر، وآمر" استئناف كلام آخر، أي هو زاجر، أي القرآن، ولم يُرَدْ به تفسيرُ الأحرف السبعة، وإنما تَوَهَّمَ ذلك مَنْ توهمه من جهة الاتفاق في العدد. ويؤيده أنه جاء في بعض طوقه، "زاجرًا، وآمرًا" إلخ بالنصب، أي نزل على هذه الصفة من الأبواب السبعة. وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب، لا للأحرف، أي هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، وأنزله الله على هذه الأصناف، لم يقتصر منها على صنف واحد كغيره من الكتب. قال الحافظ ﵀: ومما يوضح أن قوله: "زاجر، وآمر" إلخ

стр. 7567

ليس تفسيرًا للأحرف السبعة ما وقع في مسلم (١) من طريق يونس، عن ابن شهاب عقب حديث ابن عباس ﵄، قال ابن شهاب: بلغني أن تلك الأحرف السبعة إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلال، ولا حرام. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض تصرف (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما تقدم مما ساقه الحافظ رحمه الله تعالى من كلام هؤلاء الأئمة الأعلام ﵏ أن الراجح هو قول من قال: إن المراد بالأحرف السبعة في حديث الباب هي أوجه القراءة التي تُؤَدَّى بها المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة، وقد يكون ذلك في لغة واحدة، كما وقع لعمر وهشام بن حكيم ﵄، فإنهما قرشيان. وأما بقية الأقوال فلا تخلو من ضعف، وأضعفها قول من قال: إنه من المتشابه الذي لا يعرف معناه، كما اختاره السيوطي في شرحه لهذا الكتاب، فإنه من المحال أن يكون القرآن نزل على سبعة أحرف، ويؤمر الناس أن يقرؤوه على تلك الأحرف، ولا يدرون ما هي الأحرف؟ هذا من أغرب المحال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 7568

المسألة السادسة: في اختلاف العلماء هل الأحرف الأحرف المذكورة في الحديث مجموعة في المصحف الموجود اليومَ، أم لا؟: قد جمع الحافظ ﵀ في "فتحه" أقوال أهل العلم في هذه المسألة، واستوفاها، ملخصة، فأحببت إيرادها هنا لغزارة فوائدها، وكثرة عوائدها، قال رحمه الله تعالى: قال أبو شامة ﵀: وقد اختلف الناس في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، هل هي مجموعة في المصحف الذى بأيدي الناس اليوم، أو ليس فيه إلا حرف واحد منها؟ مال الباقلاني إلى الأول، وصرح الطبري وجماعة بالثاني، وهو المعتمد. وقد أخرج ابن أبي داود في "المصاحف" عن أبي الطاهر بن أبي السرح، قال: سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين، والعراقيين، هل هي الأحرف السبعة؟، قال. لا، وإنما الأحرف السبعة مثل "هَلُمَّ"، و"تعالَ"، و"أقبل"، أيّ ذلك قلت أجزأك. قال: وقال لي ابن وهب مثله. والحق أن الذي جُمِعَ في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبي ﷺ ، وفيه بعض ما اختلف فيه من الأحرف السبعة، لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾ [التوبة:

стр. 7569

١٠٠] في آخر براءة، وفي غيره بحذف "من"، وكذا وقع من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدة هاآت، وعدة لامات، ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معًا، وأمر النبي ﷺ بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصًا واحدًا، وأمره بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك من القراءة مما لا يوافق الرسم، فهو مما كانت القراءة جوزت له توسعة على الناس وتسهيلًا، فلما آل الحال إلى ما وقغ من الاختلاف في زمن عثمان، وكَفَّر بعضهم بعضًا اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته، وتركوا الباقي. قال الطبري ﵀: وصار ما اتفق عليه الصحابة من الاقتصار، كمن اقتصر مما خير فيه على خصلة واحدة، لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة لم يكن على سبيل الإيجاب، بل على سبيل الرخصة. قال الحافظ ﵀: ويدل عليه قوله ﷺ في حديث الباب: "فاقرؤوا ما تيسر منه". وقد قررالطبري ذلك تقريرًا أطنب فيه، ووَهَّى من قال بخلافه، ووافقه على ذلك جماعة، منهم أبو العباس بن عمار في "شرح الهداية"، وقال: أصح ما عليه الحذاق أن الذي يقرأ الآن بعض الحروف السبعة المأذون في قراءتها، لا كلها. وضابطه: ما وافق رسم المصحف، فأما ما خالفه، مثل "أن تبتغوا

стр. 7570

فضلًا من ربكم في مواسم الحج"، ومثل "إذا جاء فتح الله والنصر"، فهو من تلك القراءات التي تركت، إن صح السند بها، ولا يكفي صحة سندها في إثبات كونها قرآنًا، ولا سيما والكثير منها مما يحتمل أن يكون من التأويل الذي قرن إلى التنزيل، فصار يظن أنه منه. وقال البغوي ﵀ في "شرح السنة": المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله ﷺ ، فأمر عثمان بنسخه في المصاحف، وجَمَعَ الناس عليه، وأذهَبَ ما سوى ذلك قطعًا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع، كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم. وقال أبو شامة ﵀: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديتا، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. وقال ابن عمار أيضًا: لقد فعل مسبِّعُ هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة، أو زاد ليزيل الشبهة، ووقع له أيضًا في اقتصاره عن كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راوٍ ثالثٍ غيرهما أبطلها، وقد تكون هي أشهر، وأصح، وأظهر، وربما بالغ لا يفهم، فخطأ، أو كفر.

стр. 7571

وقال أبو بكر ابن العربي ﵀: ليست هذه السبعة متعينة للجواز، حتى لا يجوز غيرها، كقراءة أبي جعفر، وشيبة، والأعمش، ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم، أو فوقهم. وكذا قال غير واحد: منهم مكي بن أبي طالب، وأبو العلاء الهمداني، وغيرهم من أئمة القراء. وقال أبو حيان: ليس في كتاب ابن مجاهد، ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويًا، ثم ساق أسماءهم، واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيدي، واشتهر عن اليزيدي عشرة أنفس، فكيف يقتصر على السُّوسي، والدُّوري، وليس لهما مزية على غيرهما، لأن الجميع مشتركون في الضبط، والإتقان، والاشتراك في الأخذ، قال: ولا أعرف لهذا سببًا إلا ما قُضِيَ من نقص العلم، فاقتصر هؤلاء على السبعة، ثم اقتصر من بعدهم من السبعة على النزر اليسير. وقال أبو شامة ﵀: لم يُرد ابن مجاهد ما نسب إليه، بل أخطأ من نسب إليه ذلك. وقد بالغ أبو طاهر ابن أبي هاشم صاحبه في الرد على من نسب إليه أدت مراده بالقراءات السبع الأحرف السبعة المذكورة في الحديث، قال ابن أبي هاشم: إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها، أدت الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه

стр. 7572

أهل تلك الجهات، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، قال: فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعًا عن الصحابة شرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط، امتثالًا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن، فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار، مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة. وقال مكي بن أبي طالب ﵀: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم، وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ثم ساق نحو ما تقدم، قال: وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء، كنافع، وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث، فقد غلط غلطًا عظيمًا. قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهِم، ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآنًا، وهذا غلط عظيم، فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين- كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي حاشم السجستاني، وأبي جعفر الطبري، وإسماعيل بن إسحاق القاضي- قد ذكروا أضعاف هؤلاء. قال الحافظ ﵀: قلت: اقتصر أبو عبيدة في كتابه على خمسة عشر رجلًا، من كل مصر ثلاثة أنفس: فدكر من مكة ابنَ كثير، وابن محيصن، وحميدًا الأعرج. ومن أهل المدينة أبا جعفر، وشيبة، ونافعًا، ومن أهل البصرة أبا عمرو، وعيسى بن عمر، وعبد الله بن أبي

стр. 7573

إسحاق. ومن أهل الكوفة يحيى بن وَثّاب، وعاصمًا، والأعمش. ومن أهل الشام عبد الله بن عامر، ويحيى بن الحارث، قال: وذهب عني اسم الثالث، ولم يذكر في الكوفيين حمزة، ولا الكسائي، بل قال: إن جمهور أهل الكوفة بعد الثلاثة صاروا إلى قراءة حمزة، ولم يجتمع عليه جماعتهم، قال: وأما الكسائي، فكان يتخير القراءات، فأخذ من قراءة الكوفيين بعضًا، وترك بعضًا، وقال بعد أن ساق أسماء من نقلت عنه القراءة من الصحابة والتابعين: فهؤلاء هم الذين يُحكَى عنهم عُظْمُ القراءة، وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث، قال: ثم قام بعدهم بالقراءات قوم ليست لهم أسنانهم، ولا تقدمهم، غير أنهم تجردوا للقراءة، واشتدت عنايتهم بها، وطلبهم لها، حتى صاروا بذلك أئمة يقتدي الناس بهم فيها، فذكرهم. وذكر أبو حاتم زيادة على عشرين رجلًا، ولم يذكر فيهم ابن عامر، ولا حمزة، ولا الكسائي. وذكر الطبري في كتابه اثنين وعشرين رجلًا. قال مكي: وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو، ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة، وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك، فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي، وحذف يعقوب، قال: والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجلّ منهم قدرًا، ومثلهم أكثر من

стр. 7574

عددهم- أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرين جدًا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة له، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة، والأمانة، وطول العمر في ملازمة القراءة، والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردوا من كل مصر إمامًا وحدًا، ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات، ولا القراءة له، كقراءة يعقوب، وعاصم الجحدري، وأبي جعفر، وشيبة، وغيرهم. قال: وممن اختار من القراءات كما اختار الكسائي أبو عبيد، وأبو حاتم، والمفضل، وأبو جعفر الطبري، وغيرهم، وذلك واضح في تصانيفهم في ذلك. وقد صنف ابن جمير المكي, وكان قبل ابن مجاهد كتابًا في القراءات، فاقتصر على خمسة اختار من كل مصر إمامًا، وإنما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار، ويقال: إنه وَجَّهَ بسبعة، هذه الخمسة، ومصحفًا إلى اليمن، ومصحفًا إلى البحرين، لكن لم نسمع لهذين المصحفين خبرًا، وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف، فاستبدلوا من غير البحرين واليمن قارئين يكمل بهما العدد، فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر به، وهو "أن القرآن أنزل على سمعة أحرف"، فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسألة، ولم يكن له فطنة، فظن أن المراد بالقراءات السبع

стр. 7575

الأحرف السبعة، ولا سيما، وقد كثر استعمالهم الحرف في موضع القراءة، فقالوا: قرأ بحرف نافع، وبحرف ابن كثير، فتأكد الظن بذلك، وليس الأمر كما ظنه، والأصل المعتمد عليه عند الأئمة في ذلك أنه الذي يصح سنده في السماع، ويستقيم وجهه في العربية، ويوافق خط المصحف، وربما زاد بعضهم الاتفاق عليه، ونعني بالاتفاق كما قال مكي بن أبي طالب ما اتفق عليه قراء المدينة والكوفة، ولا سيما إذا اتفق نافع وعاصم. قال: وربما أرادوا بالاتفاق ما اتفق عليه أهل الحرمين. قال: وأصح القراءات سندًا نافع، وعاصم، وأفصحها أبو عمرو، والكسائي. وقال ابن السمعاني في "الشافي": التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر، ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، فانتشر رأيهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، قال: وقد صنف غيره في السبع أيضا، فذكر شيئًا كثيرًا من الروايات عنهم غير ما في كتابه، فلم يقل أحد: إنه لا تجوز القراءة بذلك لخلو ذلك المصحف عنه. وقال أبو الفضل الرازي في "اللوائح" بعد أن ذكر الشبهة التي من أجلها ظن الأغبياء أن أحرف الأئمة السبعة هي المشار إليها في الحديث، وأن الأئمة بعد ابن مجاهد جعلوا القراءات ثمانية أو عشرة لأجل ذلك. قال: واقتفيت أثرهم لأجل ذلك، وأقول: لو اختار إمام من أئمة القراء حروفًا، وجرد طريقًا في القراءة بشرط الاختيار لم يكن ذلك خروجًا عن الأحرف السبعة".

стр. 7576

وقال الكواشي: كل ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبعة النصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات عن سبعة كانوا، أو سبعة آلاف، ومتى فقد شرط من الثلاثة، فهو الشاذ. قال الحافظ ﵀: وإنما أوسعت القول في هذا لما تجدد في الأعصار المتأخرة من توهم أن القراءات المشهورة منحصرة في مثل "التيسير"، و"الشاطبية"، وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن ذلك، كأبي شامة، وأبي حيان، وآخرُ من صرح بذلك السبكي، فقال في شرح المنهاج عند الكلام على القراءة بالشاذ: صرح كثير من الفقهاء بأن ما عدا السبعة شاذّ، توهمًا منه انحصار المشهور فيها، والحق أن الخارج عن السبعة على قسمين: الأول: ما يخالف رسم المصحف، فلا شك في أنه ليس بقرآن. والثاني: ما لا يخالف رسم المصحف، وهو على قسمين أيضًا: الأول: ما ورد من طريق غريبة، فهذا ملحق بالأول. والثاني: ما اشتهر عند أئمة هذا الشأن القراءة به قديمًا وحديثًا، فهذا لا وجه للمنع منه، كقراءة يعقوب، وأبي جعفر، وغيرهما. ثم نقل كلام البغوي، وقال: هو أولى من يعتمد عليه في ذلك، فإنه فقيه محدث مقرئ. ثم قال: وهذا التفصيل بعينه وارد في الروايات عن السمعة، فإن عنهم شيئًا كثيرًا من الشواذ، وهو الذي لم يأت إلا من

стр. 7577

طريق غريبة، وإن اشتهرت القراءة من ذلك المنفرد. وكذا قال أبو شامة، ونحن وإن قلنا: إن القراءة الصحيحة إليهم نسبت، وعنهم نقلت، فلا يلزم أن جميع ما نقل عنهم بهذه الصفة، بل فيه الضعيف، لخروجه عن الأركان الثلاثة، ولهذا ترى كتب المصنفين مختلفة في ذلك، فالاعتماد في غير ذلك على الضابط المتفق عليه. انتهى ما في الفتح (١). وإلى الشروط الثلاثة المذكورة أشار المحقق ابن الجزري في "طيبة النشر" بقوله: وَكُلّ مَا وَافَقَ وَجْهًا نَحوِي … وَكانَ لِلرَّسمِ احْتِمَالًا يَحْوِي وصَحَّ إِسْنَادًا هُوَ الْقُرْآنُ … فَهذِهِ الثَّلَاثَةُ الأرْكَانُ وَحَيْثُمَا يَخْتَلُّ شَرْطٌ أثْبِتِ … شُذُوذَهُ لَوْ أنَّهُ فِي السَّبْعَةِ وقال صاحب "مراقي السعود": وَلَيْسَ مِنْةُ مَا بِالاحادِ رُوِي … فَلِلْقرَاءَةِ بِه نَفْيٌ قَوِي كالاحْتِجَاجِ غير مَا تَحَصَّلَا … فِيِهِ ثَلَاثَةٌ فَجَوِّزْ مُسْجَلَا صِحَّةُ الاسْنَادِ وَوَجْهٌ عَربِي … ووَفقُ خَطِّ الأمِّ شَرْطٌ مَا أُبِيِ مِثْلُ الثَّلَاثَةِ وَرَجَّحَ النَّظَرْ … تَوَاتُرًا لَهَا لَدَى مَنْ قَدْ غَبَرْ تَوَاتُرُ السَّبعِ عَلَيْهِ أجْمَعُوا … وَلَمْ يَكُنْ فِي الْوَحْي حَشْوٌ يَقَعُ وَمَا بِهِ يُعْنَى بِلَا دَلِيلِ … غَيرُ الَّذي ظَهَرَ لِلْعُقُولِ

стр. 7578

قال الجامع عفا الله عنه: هذا خلاصة ما نقلوه، وتحقيق ما قالوه، وهو تحقيق نفيس، وبحث أنيس، لمن له رغبة في العلم، وتطلع إلى الفهم، والله ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩٣٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ،- عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ (١) أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَجِئْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي (٢) سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا،

стр. 7579

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأْ"، فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَكَذَا أُنْزِلَتْ"، ثُمَّ قَالَ لِي: "اقْرَأْ". فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: "هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ". رجال هذا الإسناد: ثمانية كلهم تقدموا في هذا الباب، فمالك، ومَن قبله تقدموا في الحديث الثاني، ومَن بعده تقدموا في الحديث الماضي، إلا: (عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ (١)) من ولد القَارَة بن الديش بن مُحَلِّم بن غالب بن أيثَع بن الهون بن خُزَيمة بن مدركة. بن إلياس بن مضر ابن نزار. يقال: له صحبة، وقيل: بل ولد على عهد النبي ﷺ ، وقيل: أتي به إليه، وهو صغير. روى عن عمر، وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأبي هريرة. وعنه ابنه محمد، والسائب بن يزيد، وهو من أقرانه، وعروة بن الزبير،

стр. 7580

والأعرج، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأحمد بن عبد الرحمن بن عوف، ويحيى بن جعدة بن هُبَيرة، والزهري. قال ابن معين. ثقة. وقال ابن سعدة توفي بالمدينة سنة -٨٥ - في خلافة عبد الملك، وهو ابن -٧٨ - سنة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة -٨٨ - وكذا أرخه ابن قانع، وابن زبر، والقَرَّاب، وزاد: وهو ابن -٧٨ - سنة. وقال الواقدي: له صحبة، ثم قال. كان على بيت المال زمن عمر، وهو من جِلَّةِ تابعي أهل المدينة وعلمائهم. وأخرج البيهقي في التشهد من طريق ابن إسحاق: حدثني ابن شهاب، وهشام، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، وكان عاملًا لعمر على بيت المال. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وذكره مسلم، وابن سعد، وخليفة في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة. وروى ابن وهب عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عَبْد القَارِيّ، عن أبيه، قال: أتِي بعبد الله، وعبد الرحمن إلى النبي ﷺ ، فمسح على رؤوسهما، فذكر قصة، أوردها البغوي "في معجم الصحابة". أخرج له الجماعة (١). وشرح الحديث والمسائل المتعلقة به واضحة مما سبق في الحديث الماضي.

стр. 7581

(قوله: فكدت أن أعجل عليه) أي قاربت أن آخذه بعَجَلَة وأجُرّه في الصلاة. وكاد يفعل كذا يكاد، من باب تَعبَ: قارب الفعل. قال ابن الأنباري: قال اللغويون: كدتُ أفعلُ مَعناه عند العرب قاربت الفعل، ولم أفعل، وما كِدتُ أفعل: معناه فَعَلْتُ بعد إبطاء. قال الأزهري: وهو كذلك، وشاهده قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، معناه ذبحوها بعد إبطاء لتعذر وِجْدان البقرة عليهم، وقد يكون "ما كدتُ أفعلُ" بمعنى ما قاربت (١). وهي من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر، ويكون خبرها غالبًا فعلًا مضارعًا، ولا يقترن غالبًا بـ"أن"، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]. وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله: كَكَانَ كَاد وعسَى لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهَذَينِ خَبَرْ وكوْئهُ بِدُونِ أنْ بَعْدَ عَسى … نَزْرٌ وَكَادَ الأمرُ فيهِ عُكِسَا ومن اقتران خبرها بـ"أن" قول الشاعر: [الخفيف]: كَادَتِ النَّفسُ أن تَفِيضَ عَلَيْهِ … إِذْ غَدَا حَشْوَ رَيْطَةٍ وَبُرُودِ وبعضهم خص اقترانه بالشعر، والصحيح الأول. (وقوله: ثم لببته بردائه) لتشديد الموحدة الأولى: أي جعلت

стр. 7582

رداءه في عنقه، ثم جررته، قال ابن منظور: ولَبَّبَ الرجلَ: جعل ثيابه في عنقه وصَدْرِهِ في الخصومة، ثم قبضه وجرّه، وأخذ بتلبيبه كذلك. انتهى (١). (وقوله: "فاقرؤوا ما تيسر منه") أي من المُنزَل. وفيه -كما تقدم- إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه للتيسيرَ على القارئ. واستدلّ به على جواز القراءة بكل ما ثبت من القرآن بالشروط التي تقدمت، وهي شروط لابد من اعتمارها، فمتى اختلّ شرط منها لم تكن تلك القراءة معتمدة. وقد قرر ذلك أبو شامة في "الوجيز" تقريرًا بالغًا، وقال: لا يُقطَع بالقراءة بأنها منزلة من عند الله إلا إذا اتفقت الطرق عن ذلك الإمام الذي قام بإمامة المصر بالقراءة، وأجمع أهل عصره، ومن بعدهم على إمامته في ذلك، قال: أما إذا اختلفت الطرق عنه فلا، فلو اشتملت الآية الواحدة على قراءة مختلفة مع وجود الشرط المذكور جازت القراءة بها بشرط أن لا يختل المعنى، ولا يتغير الإعراب. وذكر أبو شامة في "الوجيز" أن فتوى وودت من العجم لدمشق، سألوا عن قارئ يقرأ عشرًا من القرآن، فيخلط القراءات؟. فأجاب ابن الحاجب، وابن الصلاح، وغير واحد من أئمة ذلك العصر بالجواز بالشروط التي ذكرناها، كمن يقرأ مثلًا ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة:

стр. 7583

٣٧] فلا يقرأ لابن كثير بنصب "آدم"، ولأبي عمرو بنصب "كلمات"، وكمن يقرأ ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦١] بالنون ﴿خَطِيئَاتِكُمْ﴾ بالرفع. قال أبو شامة: لا شك في منع مثل هذا، وما عداه فجائز. والله أعلم. قال الحافظ: وقد شاع في زماننا من طائفة من القراء إنكار ذلك، حتى صرح بعضهم بتحريمه، فظن كثير من الفقهاء أن لهم في ذلك معَتمَدًا، فتابعوهم، وقالوا: أهل كل فنّ أدرى بفنهم، وهذا ذهول ممن قاله، فإن علم الحلال والحرام إنما يتلقى من الفقهاء، والذي منع ذلك من القراء إنما هو محمول على ما إذا قرأ برواية خاصة، فإنه متى خلطها كان كاذبًا على ذلك القارئ الخاص الذي شرع في إقراء روايته، فمن أقرأ رواية لم يحسن أن ينتقل عنها إلى رواية أخرى، كما قاله الشيخ محيي الدين، وذلك من الأولوية، لا على الحتم، أما المنع على الإطلاق فلا. والله تعالى أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى من جواز قراءة الآية الواحدة بالروايات المختلفة بالشروط المذكورة هو الصواب الحقيق بالقبول، وما عداه مردود مخذول، لمخالفته للنص الصحيح المنقول: "فاقرؤوا ما تيسر منه". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩٣٨ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،

стр. 7584

قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ، أَخْبَرَاهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ، لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَمَّا سَلَّمَ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَؤُهَا؟، فَقَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ: كَذَبْتَ. فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي تَقْرَؤُهَا، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ، لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، وَأَنْتَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ". فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَؤُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَكَذَا أُنْزِلَتْ"، ثُمَّ قَالَ

стр. 7585

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأْ يَا عُمَرُ". فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَكَذَا أُنْزِلَتْ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ". رجال هذا الإسناد: ثمانية كلهم تقدموا في الإسنادين السابقين، إلا ثلاثة: ١ - (يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفي، أبو موسى المصري، ثقة، من صغار [١٠]، مات سنة ٢٦٤، وله ٩٦ سنة، أخرج له مسلم، والنسائي, وابن ماجه، تقدم في ١/ ٤٤٩. ٢ - (ابن وهب) عبد الله القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد فقيه من [٩]، مات سنة ١٩٧، وله ٧٢ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٣/ ٧٩. ٣ - (يونس بن يزيد) الأيلي، أبو يزيد، ثقة يهم قليلًا، من كبار [٧]، مات سنة ١٥٩، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩/ ٩، وشرح الحديث، والمسائل المتعلقة به واضحة مما سبق. (وقوله: فكدت أساوره) أي قاربت أواثبه، وأقاتله. قال الفيومي ﵀: سارَ يَسُورَ: إذا غَضِبَ، والسَّوْرَة اسم

стр. 7586

منه، والجمع سَوْرَاتٌ، بالسكون للتخفيف، وقال الزُّبَيديّ: السَّوْرة: الحِدَّة، والسَّورة البَطْش، وسار الشرابُ يَسُور سَوْرًا، وسَوْرَةً: إذا أخذ الرَأسَ، ودمسورةْ الجُوعِ والخَمْرِ: الحِدَّةُ أيضًا، ومنه الْمُسَاوَرَةُ، وفي التهذيب: والإنسان يُسَاوِر إنسانًا: إذا تناول رأسه، ومعناه المغالبة. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب, وإليه المرجع والمآب. ٩٣٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ، وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي (٢) لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ، قَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ (٣)

стр. 7587

الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ، يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ، قَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَءُوا عَلَيْهِ، فَقَدْ أَصَابُوا". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الْحَدِيثُ خُولِفَ فِيهِ الْحَكَمُ، خَالَفَهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، رَوَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلاً. رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن بشار) بن عثمان العبدي، أبو بكر البصري، بُندار، ثقة من [١٠]، مات سنة ٢٥٢، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمد بن جعفر غندر) أبو عبد الله البصري، ثقة صحيح الكتاب، وكانت فيه غفلة من [٩]، مات سنة ١٩٣ - أو بعدها، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢.

стр. 7588

٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت الحافظ من [٧]، مات سنة ١٦٠، أخرج له الحماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (الحكم) بن عتيبة، أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلس من [٥]، مات سنة ١١٣، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٦/ ١٠٤. ٥ - (مجاهد) بن جَبْر، أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير والعلم من [٣]، مات سنة ١٠١ وقيل: بعد ذلك وله ٨٣ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٧/ ٣١. ٦ - (ابن أبي ليلى) هو عبد الرحمن الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة من [٢]، مات سنة ٨٦، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٦/ ١٠٤. ٧ - (أبَيّ بن كعب) لن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر، وأبو الطفيل، سيد القراء، من فضلاء الصحابة مات سنة ١٩ وقيل: غير ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢٣/ ٨٠٨. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد مثها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأنهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وكوفيين، وهما الحكم، وابن أبي ليلى، ومكي، وهو مجاهد، ومدني، وهو أبَيُّ ﵁.

стр. 7589

ومنها أن شيخه هو أحد مشايخ الستة الذين يروون عنهم بدون واسطة. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، الحكم، ومجاهد، وابن أبي ليلى. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي بن كعب) ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان عند أضاة بني غفار) بفتح الهمزة، وبضاد معجمة مقصورة: أي عند مُستَنقع مائهم. قال بن سِيدَهْ: الأضَاة: الماء المُستَنقِعُ من سَيْلٍ، أو غيره. والجمع أضَوَاتٌ، وَأضًا، مقصور، مثل قَنَاة وقَنًا، وإضَاءٌ بالكسر والمدّ، وإضُونَ، كما يقال: سَنَة وسنُون، فأضَاةٌ، وأضًا، كحصاة وحصًى، وَأضَاةٌ وإضَاءٌ، كرَحَبَةٍ وَرِحَابٍ، ورَقَبَةٍ ورِقَابٍ، وأنشد ابن بَرِّيٍّ في جمعه على إضينَ للطِّرِمَّاحِ: مَحافِرُها كأسْرِيَةِ الإِضِينَا (١) وضبطه ياقوت في "معجمه" بهمزة بعد الألف، فقال: أضَاءَة بني غِفَار: بعد الألف والأضاءَةُ: همزة مفتوحة، والأضَاءة: الماء المستنقع من سيل أو غيره، ويقال: هو غدير صغير، ويقال: هو مسيل الماء إلى الغدير. وغِفَار قبيلة من كنانة، موضع قريب من مكة فوق سَرفَ قرب التَّنَاضِب، له ذكر في حديث المغازي انتهى (٢).

стр. 7590

(فأتاه جبريل ﵇، فقال: إِن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن) من الإقراء رباعيًا، ونصب "أمتك"، ويحتمل أن يكون من القراءة، و"الأمة" بالرفع على الفاعلية، إن صحت الرواية، والمعنى أوفق بالأول، إذ أمر أحد بفعل غيره غير مستحسن، فليتأمل. أفاده السندي (١). (أمتك القرآن على حرف) تقدم معنى الحرف قريبًا (أسأل الله) بصيغة المضارع المسند إلى ضمير المتكلم (معافاته ومغفرته) بفتح تاء "معافاته"، لكونه مفردًا منصوبًا على المفعولية لـ"أسأل"، وليس جمع مؤنث سالم ينصب بالكسرة. (فإِن أمتي لا تطيق ذلك) بالفاء التعليلية، فالجملة تعليل لسؤاله المعافاة والمغفرة. وفي نسخة بالواو. والمعنى أنه ﷺ يسأل الله سبحانه أن يتجاوز عن أمته عن القراءة على حرف واحد، ويوسع لها، ويغفر لها ذنوبها، فإنها لا تطيق ذلك، لعدم وحدة لغتهم، فلو كلفوا أن يقرؤوا بلغة قريش التي هي لغة النبي ﷺ مثلًا لشق عليهم ذلك، لعدم ممارستهم لها. وقد أخرج الترمذي ﵀ عن زِرّ بن حُبَيش، عن أبي بن كعب ﵁، قال: لقي رسولُ الله ﷺ جبريلَ، فقال: "يا جبريل، إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قطّ، قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف". قال الترمذي. حسن صحيح. وفي الرواية

стр. 7591

الآتية -٩٤١ - أن الذي دلّ النبي ﷺ على أن يطلب الزيادة في الأحرف هو ميكائيل ﵇. (ثم أتاه الثانية) أي أتى جبريل النبي ﷺ المرة الثانية، أو الإتيانة الثانية، فالثانية منصوب على الظرفية، أو على المفعولية المطلقة (فقال: إِن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، فقال) ﷺ ("أسأل الله معافاتَه، ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة)، وفي نسخة: "ثم أتاه الثالثة" (فقال: إِن الله عز جل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاتة أحرف، فقال: "أسأل الله معافاته، ومغفرته، وإِن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاء الرابعة، فقال: إِن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه، فقد أصابوا) أي فَأيُّ حرف من الحروف السبعة قرؤوا عليه فقد وافقوا الصواب. وقال النووي ﵀: معناه: لا تَتَجَاوز أمتك سبعة أحرف، ولهم الخيار في السبعة، ويجب عليهم نقل السبعة إلى من بعدهم بالتخير فيها، وأنها لا تُتَجَاوَز. والله أعلم انتهى (١). (قال أبو عبد الرحمن) النسائي رحمه الله تعالى (هذا الحديث خولف فيه الحكم) بن عتيبة الراوي له عن مجاهد مرفوعًا (خالفه منصور بن المعتمر) أبو عتَّاب الكوفي الإمام الثبت الحجة المتوفى سنة ١٣٢ هـ، تقدم -٢/ ٢ - ثم بين وجه الخلاف، فقال: (رواه عن

стр. 7592

مجاهد) الذي روى عن الحكم. وجملة "رواه" مستأنفة استئنافًا بيانِيًّا، وهو الذي يقع جوابًا عن سؤال مقدر، فكأن سائلًا سأل المصنف، لَمّا قال: خالفه منصور بن المعتمر، فقال: ما وجه مخالفته له؟ فأجابه بقول: "رواه عن مجاهد إلخ". ويحتمل أن تكون الجملة في محل نصب على الحال من "منصور"، أي حال كونه راويًا له عن مجاهد (عن عبيد بن عمير) بن قتادة الليثي، أبو عاصم المكي، ولد في عهد النبي ﷺ ، كما قاله مسلم، وعده غيره في كبار التابعين، وكان قاص أهل مكة، مجمع على توثيقه، مات قبل ابن عمر ﵁، تقدم ١٢/ ٤١٦. (مرسلًا) حال من الضمير المنصوب في "رواه". قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المصنف ﵀ أراد لهذا تضعيف رواية الحكم هذه، لمخالفة منصور له، لكن الذي يظهر أنها صحيحة، لأن مخالفته بالإرسال لا تضره، لأنه ثقة حافظ، فيكون من زيادة الثقة، ولذا أخرج روايته مسلم في صحيحه, كما سيأتي قريبًا. والله تعالى أعلم. تنبيه: رواية منصور التي أشار إليها المصنف لم أر من أخرجها. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته:

стр. 7593

حديث أبي بن كعب هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٣٧/ ٩٣٩ - و"الكبرى" ٣٧/ ١٠١١ - عن محمد ابن بشار، عن غندر، عن شعبة، من الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، كلهم عن غندر- وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه- كلاهما عن شعبة به. أبو داود فيه عن محمد بن المثنى به. وأخرجه أحمد ٥/ ١٢٧ و ١٢٨. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: بيان ما كان عليه رسول الله ﷺ من الشفقة على أمته، حيث راجع ربه، وقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، فهو ﷺ -بأبي هو وأمي- كما وصفه الله بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ومنها: رأفة الله تعالى بهذه الأمة، حيث وسع عليها أن تقرأ القرآن عَلَى سبعة أحرف. ومنها: شدة عناية الله تعالى بحبيبه ﷺ ، حيث أعطاه بكل رَدّة

стр. 7594

دعوة مستجابة. فقد أخرج مسلم في "صحيحه"، فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبِي، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جده، عن أبُيّ بن كعب، قال: كنت في المسجد، فدخل رجل، يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة فى دخلنا جميعًا على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر، فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ ، فقرأ، فحَسَّنَ النبي ﷺ شأنهما، فسُقِطَ في نفسي (١) من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني، ضرب في صدري، فَفِضْتُ عَرَقًا، وكأنما أنظر إلى الله فَرَقًا، فقال لي: "يا أبَيّ أُرْسَلَ إليّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هَونْ على أمتي، فَرَدَّ إليَّ الثانية اقرأه على حرفين، مرددتُ إليه أن هونْ على أمتي، فَرَدَّ إلَيَّ الثالثة اقرأه على سبعة أحرف، فلك بكل رَدَّةٍ رَدَدْتُكها مسألة تسألنيها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليومٍ يرْغَبُ إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ ". انتهى (٢).

стр. 7595

ومنها: أن من قرأ بحرف من الحروف السبعة، فقد وافق الصواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٩٤٠ - أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ نُفَيْلٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةً، فَبَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ جَالِسٌ، إِذْ سَمِعْتُ رَجُلاً، يَقْرَؤُهَا، يُخَالِفُ قِرَاءَتِي، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ عَلَّمَكَ هَذِهِ السُّورَةَ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: لَا تُفَارِقْنِي حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا خَالَفَ قِرَاءَتِي فِي السُّورَةِ الَّتِي عَلَّمْتَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأْ يَا أُبَيُّ". فَقَرَأْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحْسَنْتَ"، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: "اقْرَأ". فَقَرَأَ، فَخَالَفَ قِرَاءَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحْسَنْتَ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أُبَيُّ إِنَّهُ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلُّهُنَّ شَافٍ كَافٍ".

стр. 7596

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِذَلِكَ الْقَوِيِّ. رجال الإسناد: سبعة ١ - (عمرو بن منصور) النسائي، ثقة ثبت من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧. ٢ - (أبو جعفر بن نفيل) هوعبدالله بن محمد بن علي بن نفيل النفيلي الحرّاني، ثقة حافظ، مات سنة ٢٣٤، من كبار [١٠] أخرج له البخاري، والأربعة، تقدم في ٧/ ٤٠٦. ٣ - (معْقِل بن عبيد الله) الجَزَري، أبو عبد الله العبسي -بالموحدة- مولاهم الجَزَوي المُدَيْبِرِي -والْمُدَيبِر بين حَرّان والرُّهَا- صدوق يخطىء من [٨]. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح الحديث، وقال مرة: ثقة، وعن ابن معين: ليس به بأس، وكذلك قال النسائي. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين. ثقة، وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ضعيف. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطىء، ولم يفحش خطؤه، فيستحقَّ الترك. وقال ابن عدي بعد أن سرد له عدة أحاديث: هو حسن الحديث، لم أجد في حديثه منكرًا، وقال النسائي في الكنى: صالح، وقال في هذا الباب: ليس بذلك القوي. وقال

стр. 7597

الذهبي في "الميزان ": قال أبو الحسن القطان: معقل عندهم مستضعف. كذا قال، بل هو عند الأكثرين صدوق لا بأس به. قال النفيلي: مات سنة -١٦٦ - أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي (١). ٤ - (عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله ابن عُمَرَ بن مخزوم القرشي المخزومي المكي، ثقة -٣ - . قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. ووثقه البخاري فيما ذكره أبو الحسن بن القطان. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: لم يسمع من ابن عباس. وقال أبو زرعة: عكرمة بن خالد، عن عثمان مرسل. وقال ابن أبي حاتم: قال أحمد بن حنبل: لم يسمع من عُمَرَ، وسمع من ابنه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد عطاء بن أبي رباح. أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه (٢). وأما الباقون، فتقدموا قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم موثقون، على خلاف في معقل بن عبيد الله، وأنهم ما بين نسائي، وهو شيخه،

стр. 7598

وحرّاني، -نسبة إلى حرّان- بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء- مدينة بالجزيرة. قاله في السمعاني ٢/ ١٩٥ - وجزري، وهو معقل، ومكي، وهو خالد، وكوفي، وهو سعيد، ومدني، ثم بصري، ثم مكي، ثم طائفي، وهو ابن عباس، ﵄. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، خالد، عن سعيد، ورواية صحابي، عن صحابي، ابن عباس، عن أبَي بن كعب رضي الله عنهما. ومنها: أن فيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى -١٦٩٦ - حديثًا، اتفق الشيخان على -٧٥ - وانفرد البخاري بـ ٢٨ - ومسلم بـ ٤٩ حديثًا. وفيه أبَيّ بن كعب ﵁ سيد القرّاء، الذي قرأ عليه رسول الله ﷺ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]، روى -١٦٤ - اتفق الشيخان على -٣ - وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بسبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبَيّ بن كعب) ﵁، أنهأ (قال: أقرأني رسول الله ﷺ سورة، فبينا أنا في المسجد جالس) "بين" هذه هي الظرفية زيدت عليها الألف، كما في قول الشاعر [من الطويل]: فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأمْرُ أمْرنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِم سُوقَة لَيْسَ نُنْصَفُ واختلف النحاة في هذه الألف، فقيل: كافّة تكف "بين" عن الإضافة، وقيل: زائدة، و"بين" مضافة إلى الجملة، وقيل: زائدة،

стр. 7599

و"بين" مضافة إلى زمن محذوف مضاف إلى الجملة، أي بين أوقاتِ نسوسُ الناسَ. ومثل الألف "ما" في نحو قول الشاعر [من الخفيف]: بَيْنَمَا نَحنُ بِالأرَاكِ مَعًا … إِذ أتَى رَاكبٌ عَلَى جَمَلِهْ أفاده ابن هشام الأنصاري ﵀ في "مغنيه" (١). وقوله. "أنا" في محل رفع بالابتداء، و"جالس" خبره، و"في المسجد" متعلق به. وقد تقدم الكلام عليها مطولًا في عدة مواضع، وأنها تتضمن معنى الشرط، فتحتاج إلى جواب، ويقترن جوابها, "إذ"، و"إذا"، ويتجرد عنهما أيضًا، وجوابها هنا قوله (إِذ سمعت رجلًا) يحتمل أن يكون ابن مسعود ﵁، كما سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى (يقرؤها) أي تلك السورة التي أقرأه رسول الله ﷺ (يخالف قراءتي) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يقرأ"، أي حال كونه مخالفًا لقراءتي التي تلقيتها من رسول الله ﷺ . وقال السندي ﵀: قوله: "تخالف قراءتي": أي يقرؤها قراءة تخالف قراءتي، أو هو يخالف قراءتي، وعلى الأول "تخالف" بالمثناة الفوقية، وعلى الثاني بالتحتية. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: نسخ "المجتبى"، وكذا نسخة "الكبرى"

стр. 7600

التي بين يَدَيّ كلها بالتحتانية، ولعل السندي وجد نسخة بالفوقانية. فليحرر. والله تعالى أعلم. (فقلت له: من) بفتح الميم استفهامية (علمك) بتشديد اللام من التعليم، أي من أقرأك (هذه السورة؟ فقال: رسول الله ﷺ ) أي علمني رسول الله ﷺ ، فـ"رسول الله" ليس فاعلًا لـ"قال"، بل هو فاعل لفعل محذوف دل عليه السؤال، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى: ويَرفعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أضْمِرَا … كمِثلِ زَيْدٌ فِي جَوابِ مَنْ قَرَا والجملة من الفعل المقدر، والفاعل المذكور في محل نصب مقول القول. (فقلت: لا تفارقني) يحتمل أن تكون "لا" ناهية، والفعل مجزوم بها، ويحتمل أن تكون نافية، والفعل مرفوع (حتى نأتي رسول الله ﷺ ) بنصب الفعل بعد "حتى" لكونه مستقبلًا، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْد حَتَّى حَالًا أوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا (فأتيته) أي أتيت رسول الله ﷺ مع ذلك الرجل (فقلت: يا رسول الله إِن هذا) الرجل (خالف قراءتي في السورة التي علمتني، فقال رسول الله ﷺ : "اقرأ يا أبي" قال أبيّ رضي الله
следующие страницы →