التي تتصل بها. اهـ (١). وقال في "المصباح": سَعَلَ يسعُل، من باب قتل، سُعْلة بالضم، والسُّعال اسم منه. اهـ.
وعند ابن ماجه: فلما بلغ ذكر عيسى وأمه، أخذته سعلة، أو قال: "شهقة"، وفي رواية: "شَرْقة" بمعجمة وقاف. قال السندي ﵀: قيل: أخذته بسبب البكاء. انتهى (٢).
(فركع) وفي رواية لمسلم من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج: "فحذَفَ، فركع". أي ترك القراءة، وفسره بعضهم برمي النُّخَامة الناشئة عن السعلة، والأول أظهر، لقوله: "فركع"، ولو كان أزال ما عاقه عن القراءة لتمادى فيها. وفي هذا الحديث: ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز قراءة بعض السورة، قال النووي ﵀: وهذا جائز بلا خلاف، ولا كراهة فيه إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن له عذر، فلا كراهة فيه أيضًا, ولكنه خلاف الأولى، هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وبه قال مالك ﵀ في رواية عنه، والمشهور عنه كراهته. انتهى (٣).
تنبيه:
حديث الباب قد تقدم الكلام على مسائله برقم ٢٥/ ٧٧٦ - بما أغنى عن إعادته هنا، فلنذكر هنا ما لم يسبق له ذكر:
стр. 8017
(الأول): أنه استدل المصنف وغيره بهذا الحديث على جواز الاقتصار على بعض السورة، لكن فيه نظر؛ لأن تركه ﷺ القراءة هنا للضرورة، لأجل السعلة، فلا يتم الاستدلال به للترك حالة الاختيار. فكان الأولى له الاستدلال بما تقدم له -٦٧/ ٩٩١ - من قراءته ﷺ سورة الأعراف في المغرب في ركعتين، ففيها القراءة بالأول وبالأخير دون ضرورة. وبما تقدم له أيضًا -٣٨/ ٩٤٤ - من القراءة ﷺ في ركعتي الفجر، في الأولى آية "البقرة" ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية، وفي الثانية آية "آل عمران" ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] ولا فرق في ذلك بن النافلة والفريضة.
وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه أمَّ الصحابة في صلاة الصبح بسورة البقرة، فقرأها في الركعتين. قال في "الفتح": وهذا إجماع منهم.
وروى محمد بن عبد السلام الخُشَني (١) من طريق الحسن البصري، قال: "غزونا خراسان، ومعنا ثلاثمائة من الصحابة، فكان الرجل منهم يصلي بنا، فيقرأ الآيات من السورة، ثم يركع". أخرجه ابن حزم محتجًا به.
وروى الدارقطني بإسناد قوي من ابن عباس ﵄ أنه قرأ "الفاتحة"، وآية من "البقرة" في ركعة. انتهى (٢).
стр. 8018
الثاني: أنه احتج به بعضهم على جواز قراءة بعض آية، أخذًا من قوله: "حتى جاء ذكر موسى، وهارون، أو ذكر عيسى" لأن كلًا من الموضعين يقع في وسط آية. وفيه أن ذلك للضرورة. نعم الكراهة -كما قال في "الفتح"- لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل على الكراهة. والله أعلم.
الثالث: أنه استدل به أيضًا على أن السعال لا يبطل الصلاة، وهو واضح فيما إذا غلبه، وقال الرافعي ﵀ في "شرح المسند": قد يستدل به على أن "سورة المؤمنين" مكية، وهو قول الأكثر، قال: ولمن خالف أن يقول: يحتمل أن يكون قوله: "بمكة"، أي في الفتح، أو حجة الوداع.
قال الجامع عفا الله عنه: كونه في فتح مكة هو المتعين، لرواية المصنف في الباب. والله تعالى أعلم.
الرابع: أنه استدل به أيضًا على أن قطع القراءة لعارض السعال ونحوه أولى من التمادي في القراءة مع السعال والتنحنح، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما يستحب فيه تطويلها (١). والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 8019
٧٧ - تَعَوُّذُ الْقَارِىءِ إذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على استحباب تعوذ القارئ في الصلاة أو غيرها إذا مر بآية فيها ذكر العذاب.
ومعنى تَعَوُّذِ القارئ: التجاؤُه إلى الله تعالى. قال الراغب الأصفهاني ﵀: العَوْذُ: الالتجاء إلى الغير، والتعلق به. انتهى (١). وفي "اللسان": عاذَ يَعُوذ عَوْذًا، وعِيَاذًا، ومَعَاذًا: لاذ به. ولجأ إليه، واعتصم. انتهى (٢).
و"العذاب" قال الراغب: هو الإيجاع الشديد، وقد عذّبه تعذيبًا: أكثرَ حبسَهُ في العذاب. واختُلِف في أصله، فقال بعضه: هو من قولهم: عَذَبَ الرجلُ: إذا ترك المَأكَلَ والنوم، فهو عاذِبٌ، وعَذُوبٌ، فالتعذيب في الأصل هو حمل الإنسان أن يَعْذِبَ، أي يَجُوعَ، ويَسْهَرَ. وقيل: أصله من العَذْبِ، فَعذّبْتُهُ، أي أزلتُ عَذْبَ حيَاته، علي بناء مَرَّضتُهُ، وقَذَّيْتُهُ. وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب بِعَذَبَة السوط، أي طَرَفها، وقد قال أهل اللغة: التعذيب هو الضرب. وقيل: هو من قولهم: ماء عَذَبٌ: إذا كان فيه قَذىً وكَدَرٌ، فيكون عَذَّبْتُهُ كقولك: كدّرت عَيْشَهُ، وزَلَّقت حياته. انتهى (٣).
стр. 8020
تنبيه:
أخرج المصنف رحمه الله تعالى حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه المذكور في هذا الباب في عدة أبواب بأسانيد مختلفة، يستنبط منه الأحكام المناسبة لكل باب، فأخرجه في ٧٧/ ١٠٠٨ و ٧٨/ ١٠٠٩ و ٩/ ١٠٤٦ و ٧٤/ ١٣٣ أو ٢٥/ ١٦٦٤. وسأتكلم في كل موضع بما تدعو إليه الحاجة إن شاء الله تعالى.
١٠٠٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الأَحْنَفِ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ صَلَّى إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فَقَرَأَ، فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ، وَقَفَ، وَتَعَوَّذَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ، وَقَفَ، فَدَعَا، وَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ"، وَفِي سُجُودِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى".
رجال هذا الإسناد: عشرة
١ - (محمد بن بشار) بُنْدَار، أبو بكر البصري، ثقة حافظ، من [١٠]، تقدم في ٢٤/ ٢٧.
стр. 8021
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحافظ الحجة، من [٩]، تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (عبد الرحمن) بن مهدي الإمام الحافظ الحجة، من [٩]، تقدم في ٤٢/ ٤٩.
٤ - (ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم بن أبي عدي البصري، أبو عمرو البصري، ثقة، من [٩]، تقدم في ١٢٢/ ١٧٥.
٥ - (شعبة) بن الحجاج تقدم في الباب الماضي.
٦ - (سليمان) بن مهران الأعمش، تقدم في الباب الماضي أيضًا.
٧ - (سعد بن عُبَيدة) السلمي، أبو حمزة الكوفي، خَتَن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ على ابنته، ثقة، من [٣].
روى عن المغيرة بن شعبة، وابن عمر، والبراء بن عازب، والمستورد بن الأحنف، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وغيرهم. وعنه الأعمش، ومنصور، والحكم بن عتيبة، وفطر بن خليفة، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: كان يرى رأي الخوارج ثم تركه، يُكتَب حديثُهُ، وقال الكَلَاباذي: مات في ولاية عُمَر ابن هُبَيرة على العراق، وكذا قال ابن سعد، وقال: كان ثقة كثير الحديث، وكذا أرخه ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: تابعي ثقة. روى له الجماعة (١).
стр. 8022
٨ - (الْمُسْتَورِد (١) بن الأحنف) الكوفي، ثقة، من [٣].
روى عن حذيفة، وابن مسعود، ومعقل بن عامر، وصلة بن زفر. وعنه سعد بن عبيدة، وعلقمة بن مرثد وسلمة بن كهيل، وأبو حصين الأسدي. قال ابن المديني: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. روى له الجماعة (٢).
٩ - (صِلَة بن زُفَر (٣)) العبسي، أبو العلاء، ويقال: أبو بكر الكوفي تابعي كبير ثقة جليل، من [٢].
روى من عمار بن ياسر، وحذيفة، وابن مسعود، وعلي، وابن عباس. وعنه أبو وائل، وهو أكبر منه، وربعي ابن حِرَاش، وهو من أقرانه، والمستورد بن الأحنف، وأبو إسحاق السبيعي، وأيوب السختياني، وغيرهم.
قال ابن خراش: كوفي ثقة. وقال الخطيب: كان ثقة. وقال شعبة: قلب صِلَةَ من ذهب. يعني أنه منور كالذهب. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال خليفة: مات في ولاية مصعب بن الزبير. وكذا قال ابن سعد، وزاد: "وكان ثقة، وله أحاديث". وقال إسحاق بن منصور،
стр. 8023
عن ابن معين. ثقة. ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير، وابن صالح- يعني العجلي. روى له الجماعة (١).
١٠ - (حذيفة) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل، ويقال: حِسْل العبسي، حليف الأنصار، صحابي شهير، من السابقين، وأبوه صحابي أيضًا، ﵄، تقدم في ٢/ ٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من ثمانيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة.
ومنها: أن الخمسة الأولين بصريون، والخمسة الآخرين كوفيون.
وممها: أن فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، الأعمش, عن سعد، عن المستورد، عن صلة.
ومنها: أن شيخه ممن اتفق الجماعة على الرواية عنهم دون واسطة والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حذيفة) بن اليمان ﵄ (أنه صلى إِلى جنب النبي ﷺ ليلة) أي ليلة من الليالي، فالتنوين للتنكير (فقرأ) وفي الرواية الآتية -٧٤/ ١١٣٣ من طريق جرير، عن الأعمش: "صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فاستفتح بسورة "البقرة" … (فكان إِذا مر
стр. 8024
بآية عذاب) أي بآية تذكر فيها النار، أو الوعيد (وقف) عند تلك الآية (وتعوذ) أي اعتصم بالله تعالى من عذابه. يقال: استعذت بالله، وعُذْتُ له مَعَاذًا، وعِيَاذًا: اعتصمت به. قاله في "المصباح (١).
(وإذا مر بآية رحمة) أي بآية تذكر فيها الرحمة، أو الجنة، أو الوعد (وقف، فدعا) أي سأل الله تعالى أن يعطيه إياها. وفي الرواية الآتية ٢٥/ ١٦٦٤ - من طريق عبد الله بن نمير، عن الأعمش: "إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ" …
(وكان) ﷺ (يقول في) حال (ركوعه: (سبحان ربي العظيم"، و) يقول (في) حال (سجوده: "سبحان ربي الأعلى") سيأتي الكلام على هذا في مبحث الركوع -٩/ ١٠٤٦ - والسجود -٧٤/ ١١٣٣ - إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٧٧/ ١٠٠٨، وفي "الكبرى" ٢٤/ ١٠٨٠ - بالإسناد
стр. 8025
المذكور. وفي ٧٨/ ١٠٠٩، والكبرى ٢٥/ ١٠٨١ - عن محمد بن آدم، عن حفص بن غياث، وفي ٩/ ١٠٤٦، والكبرى ١٠/ ٦٣٤ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي معاوية، وفي ٧٤/ ١١٣٣، و"الكبرى" ٧١/ ٧١٩ - عن إسحاق بن إبراهيم، من جرير، وفي ٢٥/ ١٦٦٤ - عن الحسين بن منصور، عن عبد الله بن نمير- أربعتهم عن الأعمش به. و ٧٨/ ١٠٠٩ عن محمد بن آدم، عن حفص بن غياث، و ٢٥/ ١٦٦٥ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن محمد المروزي- كلاهما عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن طلحة بن يزيد، عن حذيفة ﵁.
قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث عندي مرسل، وطلحة بن يزيد لا أعلمه سمع من حذيفة شيئًا، وغير العلاء بن المسيب قال في هذا الحديث: عن طلحة، عن رجل، عن حذيفة. انتهى. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله ابن نمير، وأبي معاوية به. وعن زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن جرير به. وعن محمد بن نمير، عن أبيه به.
وأبو داود فيه عن حفص بن عمر، عن شعبة به.
والترمذي فيه عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به. وعن محمد بن بشار، عن ابن مهدي به.
стр. 8026
وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن حفص بن غياث، وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش به.
وأخرجه أحمد ٥/ ٣٨٢ و ٣٨٤ و ٣٩٤ و ٣٩٧. والدارمي برقم ١٣١٢.
وابن خزيمة ٥٤٣ و ٦٦٠ و ٦٠٣ و ٦٠٤ و ٦٦٨ و ٦٦٩ و ٦٨٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في استحباب التعوذ ونحوه للقارئ إذا مر بآية العذاب ونحوها مطلقًا:
قال النووي رحمه الله تعالى: قال الشافعي وأصحابنا: يسن للقارئ في الصلاة وخارجها إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة، أو بآية عذاب أن يستعيذ به من العذاب، أو بآية تسبيح أن يسبح، يستحب ذلك للإمام، والمأموم، والمنفرد، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف، ومن بعدهم. وقال أبو حنيفة ﵀: يكره السؤال عند آية الرحمة، والاستعاذة في الصلاة. انتهى. كلام النووي ﵀ مختصرًا (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لكن المعروف عند الحنفية أن الكراهة في الفريضة فقط، لا في النافلة. فليتنبه.
стр. 8027
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم ﵀: ويستحب لكل مصل إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من النار. ثم أخرج بسنده حديث حذيفة ﵁ المذكور في الباب، وأخرج بسند صحيح عن عائشة ﵂، أنها مرت بهذه الآية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، فقالت: مُنَّ علي، وقني عذاب السموم. وأخرج أيضًا عن عبد خير، قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ قرأ في صلاة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فقال: سبحان ربي الأعلى.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁، أنه قرأ في الجمعة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فقال: سبحان ربي الأعلى. وعن ابن عباس ﵄، أنه كان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] قال: اللهم بلى، وإذا قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى. وعن علقمة أنه قرأ ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فقال: رب زدني علمًا.
وعن حُجْر المدَرِيّ (١) أنه كان يصلي، فإذا قرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩,٥٨] قال: بل أنت رب. انتهى كلام ابن حزم ﵀ باختصار (٢).
стр. 8028
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى عند قوله: "فقرأها مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ"، ما نصه: فيه استحباب الترسل، والتسبيح عند المرور بآية فيها تسبيح، والسؤال عند قراءة آية فيها سؤال، والتعوذ عند تلاوة آية فيها تعوذ. فالظاهر استحباب هذه الأمور لكل قارئ من غير فرق بين المصلي وغيره، وبين الإمام والنفرد والمأموم، وإلى ذلك ذهبت الشافعية. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر صنيع المصنف ﵀ أنه يوافق مذهب الجمهور القائلين باستحباب هذه الأمور لكل مصل، حيث أطلق الترجمة، ولم يقيدها بالنافلة. وهذا هو المذهب الراجح عندي، وليس لمن قال بالكراهة في الفريضة دليل، وأما عدم كونه ﷺ لا يفعلها في الفريضة فلأنه كان يصلي إمامًا، فيخشى من التطويل، وهكذا ينبغي للإمام إذا خشي التطويل أن لا يفعلها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 8029
٧٨ - مَسْأَلَةِ الْقَارِئِ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على استحباب سؤال القارئ إذا مر بآية فيها ذكر رحمة. فـ "المسألة" بمعنى السؤال مصدر ميمي لـ "سأل".
١٠٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، وَالأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الأَحْنَفِ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ "الْبَقَرَةَ"، وَ"آلَ عِمْرَانَ"، وَ"النِّسَاءَ" فِي رَكْعَةٍ، لَا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إِلاَّ سَأَلَ، وَلَا بِآيَةِ عَذَابٍ إِلاَّ اسْتَجَارَ".
رجال هذا الإسناد: عشرة
١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الجُهني المِصّيصِيّ، صدوق من [١٠].
روى عن ابن المبارك، وحفص بن غياث، وأبي خالد الأحمر، وغيرهم. وعنه أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: صدوق، لا
стр. 8030
بأس له. وقال مسلمة في "الصلة". ثقة. وقال ابن عساكر: مات سنة (٢٥٠) انفرد به أبو داود، والمصنف (١).
٢ - (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، من [٨]، مات سنة ١٩٤ - أو ١٩٥ - ، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٦/ ١٠٥.
٣ - (العلاء بن المسيب) بن رافع الأسدي الكاهلي، ويقال: الثعلبي الكوفي، ثقة ربما وهم (٢)، من [٦].
روى عن أبيه، وعكرمة، وعطاء، وعمرو بن مرة، وغيرهم. وعنه حفص بن غياث، ومحمد الواحد بن زياد، وزهير بن معاوية،
وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة مأمون. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن عمار: ثقة يحتج بحديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: ثقة، وأبوه من خيار التابعين. وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الحاكم: له أوهام في الإسناد والمتن. وقال الأزدي. في بعض حديثه نظر، وتعقبه النباتي بأنه كان يجب أن يذكر ما فيه النظر. وفي الميزان: قال بعضهم: كان يهم كثيرًا، وهو قول لا يعبأ به. أخرج له الجماعة، إلا الترمذي (٣).
стр. 8031
٤ - (عمرو بن مرة) الجَمَلِيّ الكوفي، ثقة عابد، من [٥]، تقدم قبل بابين.
٥ - (طلحة بن يزيد) الأيلي، أبو حمزة مولى قَرَظَة بن كعب الأنصار، نزيل الكوفة، وثقه النسائي، من [٣].
روى عن حذيفة، وقيل: عن رجل، عنه، وعن زيد بن أرقم. وعنه عمرو بن مرة. قال ابن معين: لم يرو عنه غيره. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال النسائي لما خرج حديثه، عن رجل، عن حذيفة في "صلاة الليل": هذا الرجل يشبه أن يكون أصله (١) وطلحة هذا ثقة. أخرج له الجماعة سوى مسلم.
والباقون تقدموا في السند الماضي. وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به، فلا حاجة إلى إعادتها، بل أوَضِّح بعض ما يُحتاج إليه هنا، فأقول:
قوله: "والأعمش" بالجر عطفًا على قوله: "العلاء بن المسيب"، فحفص بن غياث له في هذا الحديث، إسنادان:
أحدهما: عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن طلحة بن يزيد، عن حذيفة ﵁.
стр. 8032
والثاني: من الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم.
وإنما ذكر المصنف ﵀ الإسناد الثاني تقوية للأول, لأن طلحة يقال: ما سمع هذا الحديث من حذيفة، كما سيأتي للمصنف رحمه الله تعالى برقم ٢٥/ ١٦٦٥ - وسيأتي الكلام عليه هناك، إن شاء الله تعالى.
وقوله: (قرأ "البقرة"، و"آل عمران"، و"النساء" في ركعة). قال القاضي عياض ﵀: فيه دليل لمن يقول: إن ترتيب السور
اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف، وإنه لم يكن ذلك من ترتيب النبي ﷺ بل وَكَلَه إلى أمته بعده، قال: وهذا قول مالك، وجمهور العلماء، واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني، قال ابن الباقلاني: هو أصح القولين مع احتمالهما، قال: والذي نقوله: إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة، ولا في الصلاة، ولا في الدرس، ولا في التلقين والتعليم، وإنه لم يكن من النبي ﷺ في ذلك نص، ولا حد تحرُمُ مخالفته، ولذلك اختلف ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان، قال: واستجاز النبي ﷺ والأمة بعده في جميع الأعصار ترك ترتيب السور في الصلاة والدرس والتلقين.
قال: وأما على قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك بتوقيف
стр. 8033
من النبي ﷺ حدده لهم كما استقر في مصحف عثمان، وإنما اختلفت المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف والعرض الأخير، فيتأول قراءته ﷺ "النساء" أوّلًا، ثم "آل عمران" هنا على أنه كان قبل التوقيف والترتيب، وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبَيّ ﵁.
قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة، ولمن يتلو في غير صلاة، قال: وقد أباحه بعضهم، وتأول نهي السلف عن قراءة القرآن منكوسًا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها، قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف، وهكذا نقلته الأمة عن نبيها ﷺ . انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى منقولًا من شرح النووي على "صحيح مسلم" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي قول من قال: إن ترتيب السور على ما هي عليه الآن كان بتوقيف من النبي ﷺ ، كما هو "المجمع عليه في ترتيب الآيات، فلا فرق بينهما في ذلك، وأما ما ثبت من قراءة النبي ﷺ "النساء" قبل "آل عمران" ونحو ذلك فيحمل على بيان الجواز، وأن الترتيب غير لازم في القراءة، بل في الرسم والكتابة فقط، فيجوز أن يقرأ بالسورة قبل التي قبلها، أو يُحْمَلُ على أن ذلك كان قبل أن يُوحَى إليه يالترتيب، وأما اختلاف مصاحف الصحابة ﵃ في ترتيبها، فيحمل على عدم وصول العلم إليهم بتوقيف النبي ﷺ
стр. 8034
بالترتيب. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 8035
٧٩ - تَرْدِيدُ الآيَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على جواز ترديد الآية الواحدة في الصلاة. و"الترديد": مصدر ردّد الشيءَ: إذا كرره.
١٠١٠ - أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُدَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَسْرَةُ بِنْتُ دَجَاجَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ بِآيَةٍ، وَالآيَةُ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (نوح بن حبيب) القُوْمَسِي الْبَذَشِيّ (١) أبو محمد، ثقة سنين من [١٠].
стр. 8036
روى عن يحيى القطان، وعبد الله بن إدريس، وحفص بن غياث، وغيرهم.
وعنه أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وأبو زرعة الدمشقي، وموسى بن هارون، وغيرهم. قال الْمَرُّوِذّي عن أحمد: إن الخير عليه
لبَيِّنٌ، قلت: أكتب عنه؟ قال: نعم. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به.
وقال أحمد بن سيَّار المروزي: كانت ثقة صاحب سنة وجماعة. وقال الخطيب: كان ثقة. وذكره ابن حبالت في الثقات. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة. مات في رجب سنة (٢٤٢) وفيها أرخه جماعة. انفرد به أبو داود، والمصنف (١).
٢ - (يحيى بن سعيد القطان) أبو سعيد البصري الإمام الحافظ الحجة، من [٩]، تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (قُدَامَة بن عبد الله) بن عبدة، ويقال: ابن عبد البكري العامري الذهلي، أبو رَوح الكوفي، قيل: إنه فُلَيت العامري، مقبول،
من [٦].
روى عن جسرة بنت دجاجة. وعنه إسماعيل بن أبي خالد، والثوري، وابن المبارك، ويحيى القطان، وغيرهم. ذكره ابن حبان في
"الثقات". وقال ابن ماكولا: فُلَيْتُ العامري، عن جسرة بنت دجاجة،
стр. 8037
اسمه قُدامة بن عبد الله، وقد سبقه إليه الدارقطني، وفرق بينه وبين فُليت بن خليفة الذي يكنى أبا حسان، وذكر ابن أبي خيثمة أن سفيان الثوري كان يسمي قُدامة بن عبد الله العامري فُلَيْتًا. انفرد به المصنف، وابن ماجه، وليس له عند ابن ماجه غير حديث الباب (١).
٤ - (جَسْرَة بنت دَجَاجة (٢)) العامرية الكوفية، موثقة، من [٣]، ويقال: إن لها إدراكًا.
روت عن أبي ذرّ، وعلي، وعائشة، وأم سلمة. وعنها قُدامة بن عبد الله العامري، وأفلت بن خليفة، ومحدوج الذهلي، وعمر بن عمير بن محدوج. قال العجلي: ثقة تابعية، وذكرها ابن حبان في "الثقات". وذكرها أبو نعيم في الصحابة. وقال البخاري: عند جسرة عجائب. قال أبو الحسن القطان: هذا القول لا يكفي لمن يسقط ما روت، كأنه يعرض بابن حزم, لأنه زعم أن حديثها باطل. أخرج لها أبو داود، والمصنف، وابن ماجه (٣).
стр. 8038
٥ - (أبو ذرّ) جندب بن جُنادهّ رضي الله تعالى عنه، تقدم في ٢٠٣/ ٣٢٢. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قالت) جَسْرَةُ بنتُ دَجَاجَةَ (سمعت أبا ذرّ) ﵁ (يقول: قام النبي ﷺ حتى أصبح) قال السندي: كذا في بعض النسخ المصححة، أي إلى أن دخل وقت الصبح، وفي بعض النسخ: "حتى إذا أصبح". وعلى هذا فجواب "إذا" مقدر، أي ترك الآية. انتهى (١) (لآية) آي بآية واحدة. زاد ابن ماجه: "يرددها". وفي رواية لأحمد من طريق محمد بن فضيل، عن فليت العامري، عن جسرة، عن أبي ذرّ: "صلى رسول الله ﷺ ليلة، فقرأ بآية حتى أصبح يركع، ويسجد بها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ " [المائدة: ١١٨].
وقد ساقه أحمد ﵀ مطولًا, قال: حدثنا يحيى, ثنا قدامة ابن عبد الله، حدثتني جسرة بنت دجاجة. أنها انطلقت معتمرة، فانتهت إلى الرَّبذَة، فسمعت أبا ذرّ يقول: "قام النبي ﷺ ليلة من الليالي في صلاة العشاء، فصلى بالقوم، ثم تخلف أصحاب له يصلون، فلما رأى قيامهم، وتخلفهم انصرف إلى رَحْله، فلما رأى القومَ قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى، فجئت فقمت خلفه، فأومأ إليَّ بيمينه، فقمت عن يمينه، ثم جاء ابن مسعود، فقام خلفي وخلفه، فأومأ إليه بشماله،
стр. 8039
فقام عن شماله، فقمنا ثلاثتنا، يصلي كل رجل منا بنفسه، ويتلو من القرآن ما شاء الله أن يتلوه، فقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة، فبعد أن أصبحنا أومأتُ إلى عبد الله ابن مسعود، أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة؟، فقال ابن مسعود بيده: لا أسألُهُ عن شيء حتى يُحْدثَ إليَّ، فقلت: بأبي أنت وأمي، قمت بآية من القرآن، ومعك القرآن، لو فعل هذا بعضنا وَجَدْنا عليه، قال: "دعوت لأمتي"، قال: فماذا أجبتَ؟ أو فماذا رُدّ عليك؟ قال: "أجبتُ بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعةً تركوا الصلاة". قال: أفلا أبشر الناس؟ قال: "بلى"، فانطلقت مُعْنِقًا قريبًا من قَذْفَة بحجر، فقال عمر: يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناَس بهذا نَكلُوا عن العبادة، فنادى أن ارجع، فرجع، وتلك الآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] " (١).
(والآية) التي أصبح يرددها هي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
و"الآية" مبتدأ، وقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ الآية خبر محكي، ويحتمل العكس، والأول أولى.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله ، فإنه الفعال لما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى
стр. 8040
رسوله ﷺ وجعلوا لله نِدًّا، وصاحبة، وولدًا، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. وهذه الآية لها شأن عظيم، ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قام بها ليلة حتى أصبح يرددها. انتهى (١).
وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي ﵀: قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] شرط، وجوابه ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] مثله. واختُلِفَ في تأويله: فقيل: قاله على وجه الاستعطاف لهم، والرأفة بهم، كَما يُستَعطَف السيدُ لعبده؛ ولهذا لم يقل: فإنهم عصوك. وقيل: قاله على وجه التسليم لأمره، والاستجارة من عذابه، وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر. وقيل: الهاء والميم في ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ لمن مات منهم على الكفر، والهاء والميم في ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لمن تاب منهم قبل الموت، وهذا حسن.
وأما قول من قال: إن عيسي ﷺ لم يعلم أن الكافر لا يغفر له، فقولٌ مجترئ على كتاب الله ؛ لأن الإخبار من الله لا تنسخ. وقيل: كان عند عيسى أنهم أحدثوا معاصي، وعملوا بعده بما لم يأمرهم به. إلا أنهم على عَمُود دينه، فقال: وإن تغفر لهم ما أحدثوا بعدي من المعاصي.
وقال. ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لأمره، والتفويض لحكمه،
стр. 8041
ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على تركه، وذلك مستحيل، فالتقدير: إن تبقهم على كفرهم حتى يموتوا، وتعذبهم، فإنهم عبادك، وإن تهدهم إلى توحيدك، وطاعتك، فتغفر لهم، فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده، الحكيم فيما تفعله، تضل من تشاء، وتهدي من تشاء.
وقد قرأ جماعة: "فإنك أنت الغفور الرحيم"، وليست من المصحف. ذكره القاضي عياض في كتاب "الشفا".
وقال أبو بكر الأنباري: وقد طعن علي القرآن من قال: إن قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ليس بمشاكل لقوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لأن الذي يشاكل المغفرة "فإنك أنت الغفور الرحيم".
والجواب: أنه لا يحتمل إلا ما أنزله الله، ومتى نُقِل إلى الذي نقله إليه ضَعُفَ معناه؛ فإنه ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني، فلا يكون له بالشرط الأول تعلق، وهو على ما أنزله الله ، واجتمع على قراءته المسلمون مقرون بالشرطين كليهما، أولهما وآخرهما، إذ تلخيصه: إن تعذبهم، فإنك أنت العزيز الحكيم، وإن تغفر لهم، فإنك أنت العزيز الحكيم، في الأمرين كليهما من التعذيب والغفران، فكان "العزيز الحكيم" أليق بهذا المكان لعمومه، فإنه يجمع الشرطين، ولم يصلح "الغفور الرحيم"، إذ لم يحتمل من العموم ما احتمله "العزيز الحكيم"، وما شهد لتعظيم الله تعالى وعدله والثناء عليه في الآية كلها،
стр. 8042
والشرطين المذكورين أولى، وأثبت معنىً في الآية مما يصلح لبعض الكلام دون بعض.
خَرَّجَ مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ تلا قوله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]. وقال عيسى ﷺ : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] فرفع يديه، وقال: "اللهم أمتي أمتي"، وبكى، فقال الله : "يا جبريل اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فسله ما يبكيك؟ " فأتاه جبريل ﵊، فسأله, فأخبره رسول الله ﷺ بما قال: -وهو أعلم- فقال الله: "يا جبريل اذهب إلى محمد، فقل له: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك" (١).
وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: إن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وإن تغفر لهم فإنهم عبادك. ووجه الكلام على نَسَقِه أولى، لما بيناه. وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى (٢). والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان وعليه التكلان.
стр. 8043
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه هذا حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر الصنف له:
أخرجه هنا ٧٩/ ١٠١٠، وفي "الكبرى" ٢٦/ ١٠٨٣ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه في "الصلاة" من بكر بن خلف أبي بشر، عن يحيى القطان، بسند المصنف.
وأخرجه أحمد ٥/ ١٥٦ و ١٧٠ و ١٧٧ و ١٤٩. وبالله تعالى التوفيق.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف، وهو جواز ترديد آية واحدة في الصلاة للتدبر والاتعاظ، والتضرع إلى الله بما تتضمنه من
المعاني.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من الاجتهاد في العبادة حتى يستغرق الليل كله بآية واحدة يتدبر فيما اشتملت عليه من المعاني.
стр. 8044
ومنها: ما كان عليه من الشفقة لأمته، والدعاء لهم بالغفرة العامة الشاملة للمطيع والعاصي من المؤمنين منهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
ومنها: ما كان للنبي ﷺ عند الله تعالى من المكانة العليا، والدرجة الزلفى، حيث إنه تعالى وعده أن يرضيه في أمته، ويعطيه سؤله، ولا يسوءه فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]. والله تعالى ولي التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 8045
٨٠ - قَوْلُهُ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على بيان سبب نزول، وتوضيح مَعنىَ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] الآية.
ومناسبة ذكر هذا الباب هنا من حيث إن فيه بيان كيفية القراءة من حيث رفعُ الصوت، وإخفاؤه، فيستفاد منه أنه ينبغي للإمام أن يجهر في القراءة الجهرية جهرًا وسطًا بحيث يسمعه المؤتمون به، ولا يرفع صوته رفعًا بليغًا بحيث يترتب عليه مفسدة والله تعالى أعلم.
١٠١١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ، وَهُوَ ابْنُ إِيَاسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ، -وَقَالَ ابْنُ مَنِيعٍ-: يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا سَمِعُوا صَوْتَهُ سَبُّوا الْقُرْآنَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أَيْ بِقِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعُ الْمُشْرِكُونَ، فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ ﴿وَلَا
стр. 8046
تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ، فَلَا يَسْمَعُوا، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (أحمد بن منيع) بن عبد الرحمن، أبو جعفر البغوي، نزيل بغداد الاسم، ابن عم إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن البغوي، وجد أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي لأمه، ثقة حافظ من [١٠].
روى عن ابن عيينة، وابن علية، وهشيم، وغيرهم. وعنه الجماعة، لكن البخاري بواسطة، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال النسائي، وصالح جزرة: ثقة. وقال أبو القاسم البغوي: أخِبْرتُ عن جدي، أنه قال: أنا أختم منذ أربعين سنة، أو نحو ذلك في كل ثلاث، قال: ومات سنة (٢٤٤) لأيام بقيت من شوال، وكان مولده سنة (١٦٠)، وقال غير أبي القاسم: مات سنة (٣) وذكر ابن حبان وفاته كأبي القاسم. وقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي، وأبو زرعة، ونقل عنهما أن كنيته أبو عبد الله، وقال أبي: هو صدوق. وقال الدارقطني: لا بأس به. وقال مسلمة بن قاسم، وهبة الله السجزي: ثقة. وقال البغوي: كان جدي من الأبدال، وما خلف لبنة في لبنة، ولقد بعنا جميع ما يملك سوى كتبه بأربعة وعشرين درهمًا. وقال الخليلي: يقرب من أحمد بن حنبل وأقرانه في العلم، ووثقه ابن عساكر، والذهبي. وقد روى عنه البخاري خارج "الصحيح". أخرج له الجماعة (١).
стр. 8047
٢ - (يعقوب بن إِبراهيم الدورقي) أبو يوسف البغدادي، ثقة، من [١٠]، مات سنة ٢٥٢، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢.
٣ - (هُشَيم بن بَشِير)، أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت يدلس من [٧]، مات سنة ١٨٣، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٨/ ١٠٩.
٤ - (أبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وهو ابن إِياس) ثقة، من أثبت الناس في سعيد بن جبير من [٥]، ت ١٢٥، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٣/ ٥٢٠.
٥ - (سعيد بن جبير) الأسدي الوالبي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه من [٣]، مات سنة ٩٥، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عباس) ﵄، تقدم في ٢٧/ ٣١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة.
ومنها: أن شيخه بغداديان، وهشيم، وجعفر واسطيان، وسعيد كوفي، وابن عباس مدني، بصري، طائفي.
ومنها: أن شيخه يعقوب أحد المشايخ التسعة الذين اتفق أصحاب الأصول الستة على الرواية عنهم بلا واسطة، وهم المجموعون في قولي:
اشْتَرَكَ الأئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … النَّاقِدِينَ الْحَافِظِينَ الْبَرَرهْ
أولَئِكَ الأشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ والسَّرِي
стр. 8048
وَابْنُ الْعَلاِء وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ جعفر، عن سعيد.
ومنها: أن فيه ابن عباس أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، وقد تقدم غير مرة. وبالله تعالى التوفيق.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، كذا وصله هشيم بذكر ابن عباس، وأرسله شعبة، كما أخرجه الترمذي من طريق الطيالسي، عن شعبة، وهشيم مفصلًا. قاله في الفتح (١).
(في قوله أي في بيان سبب نزول وتوضيح معنى قوله . ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قال) أي ابن عباس ﵄: (نزلت) أي هذه الآية (ورسول الله ﷺ مختف بمكة) أي متستر عن المشركين لئلا يعتدوا عليه، يعني في أول الإسلام.
والجملة الاسمية في محل نصب على الحال من فاعل "نزلت"، والرابط الواو.
ووقع في بعض النسخ "مختفي" بالياء، والصواب ما هنا, لأنه
стр. 8049
منون، فتسقط الياء لالتقائها مع التنوين. فتنبه. والله أعلم.
(فكان) وفي بعض النسخ: "وكان" بالواو (إِذ صلى بأصحابه رفع صوته) ليتدبروه، ويأخذوه عنه.
وفي رواية الطبري من وجه آخر عن ابن عباس: "فكان إذا صلى بأصحابه، وأسمع المشركين، فآذوه". وفسرت رواية الباب الأذى، حيث قال: "سبوا القرآن". وللطبري من وجه آخر عن سعيد بن جبير: "فقالوا له: لا تجهر، فتؤذي آلهتنا، فنهجو إلهك". ومن طريق داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: "كان النبي ﷺ إذا جهر بالقرآن، وهو يصلي تفرقوا (١) عنه وأبوا أن يستمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلو، وهو يصلي، استرق السمع دونهم، فَرَقًا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهبَ خشيةَ أذاهم، فلم يستمع، فإذا خفض رسول الله ﷺ صوته لم يسمع الذين يستمعون من قراءته، فنزلت" (٢).
(وقال ابن منيع: ويجهر بالقرآن) أي قال أحمد بن منيع في روايته: "يجهر بالقرآن" بدلًا من قول يعقوب: "رفع صوته". يعني أن
قوله: "رفع صوته" من لفظ شيخه يعقوب، وأما لفظ شيخه ابن منيع: فهو "يجهر بالقرآن".
стр. 8050
ومعنى قوله: "بالقرآن"، أي بقراءة القرآن، فهو على حذف مضاف، ويحتمل أن يراد بـ"القرآن" معناه المصدري، أي بالقراءة، فلا
حاجة إلى تقدير مضاف. والله تعالى أعلم.
(وكان المشركون إِذا سمعوا صوته) ﷺ (سبوا القرآن)، قال الراغب: السب: الشتمُ الوَجِيعُ (ومن أنزله) وهو الله تعالى ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٦].
قال الراغب: وسبهم لله ليس على أنهم يسبونه صريحًا, ولكن يخوضون في ذكره، فيذكرونه بما لا يليق به، ويتمادون في ذلك بالمجادلة، فيزدادون في ذكره بما تنزه تعالى عنه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا مانع من أن يكون سبهم صريحًا، فإنهم جُرَآءُ على الله تعالى، فلا يُستَبْعَدُ أن يصرحوا بسبه، والحاصل أنهم يسبونه بما استطاعوا من صريح، أو كناية. والله تعالى أعلم.
(ومن جاء به) هو النبي ﷺ ، أو الملك الذي جاء به إليه من ربه ﵎ (فقال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي بقراءتك) تفسير من ابن عباس ﵄. وقال السندي ﵀: ﴿وَلَا تَجْهَرْ﴾ أي كل الجهر بقرينة الأمر بالتوسط، وقد يقال: مقتضى الآية أن الجهر هو الإعلان البالغ حَدَّه. فليتأمل. انتهى (٢).
стр. 8051
وقال أبو عبد الله القرطبي ﵀: عبر تعالى بالصلاة هنا عن القراءة كما عبر بالقراءة عن الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر, لأن الصلاة تشتمل على قراءة، وركوع، وسجود، فهي من جملة أجزائها، فعبر بالجزء عن الجملة، وبالجملة عن الجزء على عادة العرب في المجاز، وهو كثير، ومنه الحديث الصحيح: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي" أي قراءة الفاتحة، كما تقدم. انتهى (١).
(فيسمع الشركون) بالثصب بـ"أن" مضمرة وجوبًا بعد الفاء المجاب بها طَلَبٌ مَحضٌ، وهو النهي في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ﴾، كما قال
ابن مالك ﵀ في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوابِ نَفيٍ أو طَلَبْ … مَحْضَينِ "أن"وَسَتْرهُ حَتْمٌ نَصَبْ
ومفعول "يسمع" محذوف، تقديره: قِرَاءَتَكَ (فيسبوا القرآن) عطف على "يسمع" فهو منصوب يحذف نون الرفع ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ الضمير للقراءة، أي لا تسر بقراءتك، يقال: خَفَتَ الصوتُ من بابي ضرب، وجلس: إذا سكن، ويعدى بالباء، فيقال. خَفَتَ الرجلُ بصوته: إذا لم يرفعه، وخافت بقراءته مُخافَتَةً: إذا لم يرفع صوته بها. أفاده في "المصباح"، و"المختار". وفي "السمين": والمخافتة: المسارّة بحيث لا يسمع الكلام، وضربته حتى خَفَتَ: أي لم يسمع له صوت.
стр. 8052
انتهى (١).
(عن أصحابك، فلا يسمعوا) أي قراءتك (﴿وَابْتَغِ﴾) أي اطلب (﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾) أي بين الجهر والمخافتة (﴿سَبِيلًا﴾) أي طريقًا وسطًا. وحاصل المعنى أن الله أمر نبيه ﷺ أن يطلب بين ما ذكر من الجهر والمخافتة، ما يحصل به الأمران جميعًا، وهو عدم الإخلال بسماع الحاضرين، والاحتراز عن سب أعداء الدين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
تنبيه:
هذا الذي ذكر في حديث ابن عباس ﵄ هنا في سبب نزول هذه الآية الكريمة هو أرجح الأقوال في ذلك، وفيه أقوال أخرى، ذكرها القرطبي رحمه الله تعالى:
منها: ما رواه مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: نزلت في الدعاء.
ومنها: قول ابن سيرين ﵀: كان الأعراب يجهرون بتشهدهم، فنزلت الآية في ذلك.
ومنها: ما روي عن ابن سيرين أيضًا أن أبا بكر ﵁ كان يسرّ قراءته، وكان عمر ﵁ يجهر بها، فقيل لهما: في ذلك؟ فقال أبو بكر: إنما أناجي ربي، وهو يعلم حاجتي إليه، وقال عمر: أنا
стр. 8053
أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر: ارفع قليلًا، وديل لعمر: اخفض أنت قليلًا. ذكره الطبري وغيره.
ومنها: ما روي عن ابن عباس ﵄ أيضًا أن معناها: ولا تجهر بصلاة النهار، ولا تخافت بصلاة الليل. ذكره يحيى بن سلام، وغيره.
ومنها: قول الحسن: يقول الله تعالى: لا ترائي بصلاتك، تُحسِنُها في العلانية، ولا تُسِئْها في السرّ. وقال ابن عباس ﵄: لا تُصَلِّ مرائيًا للناس، ولا تدعها مخافة الناس. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: فجملة الأقوال ستة، وقد تقدم أن أولها هو الأرجح، على أن بعضها لا ينافي أن يراد بالآية أيضًا. فتأمل. والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٨٠/ ١٠١١، وفي "الكبرى" ٢٧/ ١٠٨٤ - عن يعقوب ابن إبراهيم، وأحمد بن منيع، كلاهما عن هشيم، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عنه. وفي "التفسير" ١١٣٠٠ - عن يعقوب وحده
стр. 8054
به. وفي ١٠١٢، و"الكبرى" ١٠٨٥ - عن محمد بن قُدامة، من جرير، عن الأعمش، من جعفر به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "التفسير" عن يعقوب بن إبراهيم، وفي "التوحيد" عن حجاج بن منهال، ومسدد، وعمرو بن زرارة - كلهم عن
هشيم به.
ومسلم في "الصلاة" عن محمد بن الصباح، وعمرو الناقد - كلاهما عن هشيم به.
والترمذي في "التفسير" عن أحمد بن منيع به. وعن عبد بن حميد، عن سليمان بن داود الطيالسي، عن هشيم به. وعن عبد بن حُميَد، عن سليمان بن داود، عن شعبة، عن جعفر به. ولم يذكر ابن عباس. وقال: حسن صحيح. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، حيث أورده في كتاب الصلاة، في أبواب القراءة، وهو أنه ينبغي للقارئ أن يكون رفعه لصوته وسطًا بحيث لا يحصل منه أيّ ضررٍ، لا له، ولا لمن يستمع منه.
ومنها. ما كان عليه النبي ﷺ في بداية أمره من إيذاء قومه له، حتى كان يعبد ربه مختفيًا, ولكنه يواصل في الدعوة إلى الله تعالى حتى أتاه نصره تعالى، وكذلك ينبغي للداعي أن يأخذ أسباب الوقاية عن أعدائه،
стр. 8055
ويدعو ما استطاع، ويصبر عليهم حتى يأتيه النصر من الله تعالى.
ومنها: ما كان عليه المشركون من شدة عنادهم، وهجرهم للحق، ومبارزتهم له بكل قُواهم، ولكنّ الله غالبٌ على أمره، فحفظ نبيه ﷺ ، ونصر دينه، ورفع قدر كتابه.
ومنها: أنه يجب على الداعي في حال الدعوة أن يبتعد عن كل ما يؤدب إلى الطعن في الله، أو في كتابه، أو في نبيه ﷺ ، وذلك بأن تكون دعوته بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ولا يجهر، ولا يعلن في مجتمع الجهلاء ما يدعوهم إلى أن يتجرءوا على الله تعالى، أو على رسوله ﷺ أو كتابه، أو دينه بالسب والطعن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠١٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا سَمِعُوا صَوْتَهُ سَبُّوا الْقُرْآنَ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْفِضُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، مَا كَانَ يَسْمَعُهُ أَصْحَابُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ