والثوري، وأحمد بن حنبل، وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: لا يطيل الركعة الأولى على الثانية، إلا في الفجر خاصة، وفي "شرح المهذب": لأصحابنا وجهان، أشهرهما لا يطول، والثاني: يستحب تطويل القراءة في الأولى قصدًا، وهو الصحيح المختار. واتفقوا عى كراهة إطالة الثانية على الأولى، إلا مالكًا, فإنه قال: لا بأس أن يطيل الثانية على الأولى؛ مستدلا بأنه ﷺ قرأ في الركعة الأولى بـ"سورة الأعلى"، وهي تسع عشرة آية، وفي الثانية بـ"الغاشية"، وهي ست وعشرون آية. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: يستحب تطويل الركعتين الأوليين على الأخريين، وتطويل الأولى على
الثانية في كل الصلوات، لصحة حديث سعد بن أبي وقاص، وأبي قتادة رضي الله تعالى عنهما في ذلك، وأما ما قاله مالك ﵀ فيحمل على الندور. والله تعالى أعلم.
(قال) عمر ﵁ عندما بيَّن له سعد ﵁ كيفية صلاته (ذاك الظن بك) أي هذا الذي تقوله هو الذي كنا نظنه فيك.
وفي رواية البخاري: "ذاك الظن بك يا أبا إسحاق". ونحوه لمسلم، وفي رواية له: "ذاك الظن بك"، أو "ذاك ظني بك". بالشك. وزاد مِسْعَر عن عبد الملك، وأبي عون معا: "فقال سعد: أتعلمني الأعراب الصلاة". أخرجه مسلم. وفيه دلالة على أن الذين شكوه لم يكونوا من أهل العلم، وكأنهم ظنوا مشروعية التسوية بين الركعات، فأنكروا على سعد
стр. 7982
التفرقة، فيستفاد منه ذم القول بالرأي الذي لا يستند إلى أصل، وفيه أن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار.
وأبو إسحاق كنية سعد، كني بأكبر أولاده، وهذا تعظيم من عمر ﵄ له، وفيه دلالة على أنه لم تقدح فيه الشكوى عنده. قاله في الفتح (١).
وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته.
حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٧٤/ ١٠٠٢، وفي "الكبرى" ٢١/ ١٠٧٤ - بالسند المذكور. وفي ١٠٠٣ و"الكبرى" ١٠٧٥ - عن حماد بن إسماعيل بن عُلَيّة، عن أبيه، عن داود الطائي، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، عنه بنحوه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن سليمان بن حرب، عن شعبة به.
وعن موسى بن إسماعيل، وأبي النعمان -فرقهما- كلاهما عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر به.
стр. 7983
ومسلم فيه عن محمد بن المثنى، عن ابن مهدي، عن شعبة به. وعن أبي كريب، عن محمد بن بشر، عن مسعر، عن عبد الملك بن عمير، وأبي عون الثقفي به. وعن يحيى بن يحيى، عن هشيم- وعن قتيبة، وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن جرير- كلاهما عن عبد الملك بن عمير به.
وأبو داود فيه عن حفص بن عمر، عن شعبة به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
اعلم: أن المراد بذكر الفوائد هنا هي الفوائدُ التي اشتمل عليها الحديث بطوله، لا خصوص سياق المصنف:
فمنها: ما بوّب له المصنف، وهو استحباب تطويل الركعتين الأوليين، وقد تقدم الكلام عليه.
ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدة اهتمامهم في متابعة النبي ﷺ فكانوا يصلون كما رأوه ﷺ يصلي.
ومنها: جواز عزل الإمام بعضَ عماله إذا شُكِيَ إليه، وإن لم يثبت عليه شيء، إذا اقتضت المصلحة ذلك.
قال مالك ﵀: قد عزل عمر سعدًا، وهو أعدل من يأتي بعده إلى يوم القيامة. قال في "الفتح": والذي يظهر أن عمر عزله حسمًا لمادة الفتنة، ففي رواية سيف: "قال عمر: لولا الاحتياط، وألاّ يتقى من أمير مثل سعد لما عزلته". وقيل: عزله إيثارًا لقربه منه لكونه من أهل
стр. 7984
الشورى. وقيل: لأن مذهب عمر أنه لا يُستمَرُّ بالعامل أكثر من أربع سنين، وقال المازري: إختلفوا، هل يعزل القاضي بشكوى الواحد، أو الاثنين، أو لا يعزل حتى يجتمع الأكثر على الشكوى منه؟.
ومنها: استفسار العامل عما قيل فيه، والسؤال عمن شُكِيَ في موضع عمله، والاقتصار في المسألة على من يظن به الفضل، حيث سُئل عن سعد أهلُ المساجد فقط.
ومنها: أن السؤال عن عدالة الشاهد ونحوه يكون ممن يجاوره، وأن تعريض العدل للكشف عن حاله لا ينافي قبول شهادته في الحال.
ومنها: تكنية الرجل الجليل بكنيته، والاعتذار لمن سُمِعَ في حقه كلامٌ يسوءه.
ومنها: الفرق بين الافتراء الذي يقصد به السب، والافتراء الذي يقصد به دفع الضرر، فيعزر الأول دون الثاني، ويحتمل أن يكون سعد لم يطلب حقه منهم، أو عفا عنهم، واكتفى بالدعاء على الذي كشف قناعه في الافتراء عليه دون غيره، فإنه صار كالمنفرد بأذيته. وقد جاء في الخبر: "من دعا على ظالمه فقد انتصر". فلعله أراد الشفقة عليه بأن عجل له العقوبة في الدنيا، فانتصر لنفسه، وراعى حال من ظلمه لما كان فيه من وفور الديانة.
ويقال: "إنما دعا عليه لكونه انتهك حرمة من صحب صاحب الشريعة، وكأنه قد انتصر لصاحب الشريعة".
ومنها: جواز الدعاء على الظالم المعين بما يستلزم النقص في دينه،
стр. 7985
وليس هو مِن طلب وقوع المعصية، ولكن من حيث إنه يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته، ومن هذا القبيل مشروعية طلب الشهادة، وإن كانت تستلزم ظهور الكافر على المسلم، ومن الأول قول موسى ﷺ : ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] الآية.
ومنها: كرامة سعد بن أبي وقاص ﵁، حيث كان مجاب الدعوة، فقد كان معروفًا بإجابة الدعوة، روى الطبراني من طريق الشعبي، قال: قيل لسعد: متى أصبت الدعوة؟ قال: يوم بدر، قال النبي ﷺ : "اللهم استجيب لسعد". وروى الترمذي، وابن حبان، والحاكم من طريق قيس بن أبي حازم، عن سعد أن النبي ﷺ قال: "اللهم استجيب لسعد إذا دعاك".
ومنها: سلوك الورع في الدعاء، حيث قال سعد ﵁: "اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياء وسمعة … " (١).
ومنها: جواز مدح الرجل الجليل في وجهه إذا لم يُخَفْ عليه فتنةٌ بإعجاب ونحوه، والنهي عن ذلك إنما هو لمن خيف عليه الفتنة، وقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة بالأمرين، فجمع العلماء بينهما بما ذُكِرَ، كما قاله النووي ﵀. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٠٣ - أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
стр. 7986
ابْنِ عُلَيَّةَ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ دَاوُدَ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: "وَقَعَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي سَعْدٍ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (حماد بن إِسماعيل بن إِبراهيم ابن علية، أبو الحسن) البصري نزيل بغداد، ثقة، من [١١].
روى عن أبيه، ووهب بن جرير بن حازم. وعنه مسلم، والنسائي، وعثمان بن خُرَّزاذ، ومحمد بن إسحاق الصَّغَاني، ويعقوب بن سفيان، ومحمد بن إسحاق السراج، وغيرهم. قال النسائي: بغدادي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال السراج: مات سنة ٢٤٤. انفرد به مسلم، والمصنف (١).
٢ - (إِسماعيل بن إِبراهيم ابن علية) الأسدي مولاهم، أبو بِشْر
стр. 7987
البصري، ثقة حافظ، من [٨]، مات سنة ١٩٣، أخرج له الجماعة. تقدم في ١٨/ ١٩.
فائدة: قوله: "ابن علية" صفة لإسماعيل، لا لإبراهيم, لأن "علية" اسم أم إسماعيل، ولذا تكتب همزة الوصل في "ابن"؛ لأن قاعدة حذفها أن يقع "ابن" بين علمين صفة للأول، ويكون الثاني أبًا له حقيقة، فحينئذ تحذف ألف "ابن"، ويحذف التنوين أيضًا من العلم الأول، نحو محمدُ بنُ عبد الله، فلو كان جَدَّه، أو أمَّه (١)، أو غير ذلك ثبتت الألف، والتنوين. انظر تفاصيل المسألة في "حاشية الخضري، على شرح ابن عقيل، لألفية ابن مالك" جـ ٢ ص ٧٤ - في باب "المنادى" عند قوله:
وَنَحْوَ زَيْدٍ ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ أزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ
٣ - (داود الطائي) هو ابن نُصيْر، أبو سليمان الكوفي، ثقة فقيه زاهد من [٨].
روى عن عبد الملك بن عمير، وإسماعيل بن أبي خالد، وحميد الطويل، وسعد بن سعيد الأنصاري، وابن أبي ليلى، والأعمش، وغيرهم. وعنه عبد الله بن إدريس، وابن عيينة، وابن علية، ومصعب ابن المقدام، وإسحاق بن منصور السَّلُولي، ووكيع، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال ابن المديني، عن ابن عيينة: كان داود ممن عَلِمَ وفَقِهَ، ثم أقبل على العبادة، وكان الثوري إذا ذكره قال: أبصر الطائي أمره.
стр. 7988
وقال عطاء بن مسلم: كنا ندخل على داود الطائي، فلم يكن في بيته إلا بَارِيَّة (١) ولَبِنَة يضع رأسه عليها، وإجَّانَة (٢) فيها خبز، ومطهرة يتوضأ منها، ومنها يشرب.
وقال الآجري عن أبي داود: دَفَنَ داودُ الطائي كتبه. وقال ابن معين: ثقة. وقال البخاري: مات بعد الثوري، قاله لي علي. وقال أبو
نعيم: مات سنة ١٦٠. وقال ابن نمير: مات سنة ١٦٥. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال محارب بن دثار: لو كان داود في الأم الماضية لقص الله علينا من خبره. انفرد به المصنف (٣).
تنبيه:
قوله: "الطائي": بفتح الطاء المهملة: نسبة إلى طيِّئ، واسمه جلهمة ابن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقيل: خرج من طيِّئ ثلاثة لا نظير لهم: حاتم في جوده، وداود في فقهه وزهده، وأبو تَمَّام في شعره. انتهى. الأنساب جـ ٤ ص ٣٥ - ٤٠، اللباب جـ ٢ ص ٢٧١ - ٢٧٢.
٤ - (عبد الملك بن عمير) بن سُوَيد اللَّخْمي الفَرَسي الكوفي، ثقة فقيه، تغير حفظه، وربما دلس، من [٣]، مات سنة ١٣٦ وله ١٠٣،
стр. 7989
أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٩٤٧.
٥، ٦ - تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به قد مضى إيضاحها، فلا حاجة إلى إعادتها. ولنوضح هنا بعض ما لم يتقدم إيضاحه:
قوله: (الكوفة): بضم الكاف. قال ابن منظور ﵀: الكُوفة: الرَّمْلَةُ المجتمعة، وقيل الكوفة: الرملة ما كانت. وقيل: الكوفة الرملة الحَمْراء، وبها سميت الكوفة. وقال الأزهري، والليث: كُوفَانُ اسم أرض، وبها سميت الكوفة، وقال ابن سِيدَهْ: الكوفة بلد، سميت بذلك لأن سعدًا لَمّا أراد أن يبني الكوفة ارتادها لهم، وقال: تَكَوَّفُوا في هذا المكان، أي اجتمعوا فيه.
وقال المفضل: إنما قال. كَوِّفُوا هذا الرمل، أي نَحُّوه، وانزِلُوا، ومنه سميت الكوفة، وكُوفَان اسم الكوفة، قال اللحياني: وبها كانت تُدْعَى قبلُ، وقال الكسائي: كانت الكوفة تُدعَى كُوفَانَ. وكَوَّفَ القومُ أتَوا الكوفة. قال الشاعر [من بحر الطويل]:
إِذَا مَا رَأتْ يَومًا منَ النَّاسِ رَاكِبا … يُبَصِّرُ مِن جِيرَانِهَا وَيُكَوِّف
وكَوَّفْتُ تكويفًا: أي صرتُ إلى الكوفة، وتكوّفَ الرجلُ: أي تشبه بأهل الكوفة، أو انتسب إليهم، وتكوف الرملُ، والقومُ: أي استداروا. انتهى كلام ابن منظور (١).
стр. 7990
وقوله: (ما يحسن) يحتمل أن يكون من "الإحسان" أو التحسين.
وقوله: (لا أخرم) من باب ضرب، أي لا أترك، ولا أنقص. وقوله: "أركد" من باب قتل، أي أسكن، وأطيل القيام.
وقوله: (أما أنا …) إلخ. "أما" هنا ليست للتفصيل، وإنما هي لمجرد التوكيد، فإن جمهور النحاة على أنها تأتي للتفصيل غالبا، وقد تأتي لغير تفصيل، نحو "أما بعد"، ومن قال بأنها للتفصيل دائمًا فقد تعسف، كما هو محقق في محله من كتب النحاة. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 7991
٧٥ - قِرَاءَةُ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ
١٠٠٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "إِنِّي لأَعْرِفُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِشْرِينَ سُورَةً، فِي عَشْرِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلْقَمَةَ فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا عَلْقَمَةُ، فَسَأَلْنَاهُ؟ فَأَخْبَرَنَا بِهِنَّ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي ابن راهويه المروزي، ثم النيسابوري، الإمام الحافظ الحجة من [١٠]، مات سنة ٢٣٨، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي، أخو إسرائيل الكوفي نزيل الشام مرابطًا، ثقة مأمون، من [٨]، مات سنة ١٨٧ وقيل: غير ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨/ ٨.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت
стр. 7992
فقيه، يدلس، من [٥]، مات سنة ١٤٧، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - (شقيق) بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، ثقة مخضرم من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢.
٥ - (عبد الله) بن مسعود الهذلي الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي، ثم نزيل نيسابور.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله) بن مسعود ﵁، أنه (قال: إِني لأعرف النظائر) أي السور المتماثلة في المعاني، كالموعظة، أو الحكم، أو القصص، لا المتماثلة في عدد الآي، لما سيظهر عند تعيينها. قال المحب الطبري: كنت أظن أن المراد أنها متساوية في العد، حتى اعتبرتها، فلم أجد فيها شيئًا متساويًا. انتهى (١).
стр. 7993
وسبب قول ابن مسعود ﵁ هذا، ما بُيِّنَ في رواية عمرو ابن مرة، قال: "سمعت أبا وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: "قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هَذًّا كَهذِّ الشِّعْر، لقد عرفت النظائر" (١).
وعند مسلم في "صحيحه" من طريق وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: جاء رجل، يقال له: نَهِيك بن سنَان إلى عبد الله، فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف تقرأ هذا الحرف، ألفًا تجده، أم ياءً، ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]، أو "ياسن"؟ قال: فقال عبد الله: "وكلَّ القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة، فقال عبد الله؟ هذًّا كهذِّ الشعر، إن أقوامًا يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فَرَسَخَ فيه نَفَعَ، وإن أفضل الصلاة الركوعُ والسجود، إني أعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، سورتين في ركعة" … (٢).
(التي كان يقرأ بهن رسول الله ﷺ )، وفي الرواية التالية: "يقرن بينهن" بالنون بدل الهمزة، وهو من باب قتل، وضرب، أي يجمع بينهن في القراءة (عشرين سورة في عشر ركعات) بنصب "عشرين" على أنه مفعول لمحذوف دلَّ عليه ما قبله، أي يقرأ عشرين. و"سورة" منصوب على التمييز. والجار والمجرور متعلق بالفعل المقدر.
стр. 7994
وفي رواية عمرو بن مرة الآتية: "فذكر عشرين سورة من المفصل؛ سورتين، سورتين في كل ركعة". وفي رواية مسروق الآتية أيضًا: "كان يقرن النظائر، عشرين سورة من المفصل، من آل حم".
(ثم أخذ) أي ابن مسعود ﵁ (بيد علقمة، فدخل) منزله (ثم خرج إلينا علقمة، فسألناه) أي سألنا علقمة عن النظائر
التي أشار إليها ابن مسعود (فأخبرنا بهن) أي بتلك النظائر.
وفي رواية لابن خريمة: أن علقمة سأل ابن مسعود عنها، فأخبرهم بها, ولفظه. "فدخل علقمة، فسأله, ثم خرج إلينا، فقال: عشرون
سورة من أول "المفصل" في تأليف عبد الله". وفي رواية مسلم المذكورة: "ثم قام عبد الله، فدخل علقمة في إثره، ثم خرج، فقال: قد أخبرني بها".
تنبيه:
لم يقع عند المصنف، ولا عند الشيخين تفسير تلك النظائر العشرين، وقد وقع في رواية أبي داود من طريق أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، قالا: أتى ابن مسعود رجلٌ، فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: اهَذًّا كهذّا الشِّعْر، وَنثْرًا كَنثْرِ الدَّقَل، لكن النبي ﷺ كان يقرن بين النظائر، السورتين في ركعة: "الرحمن"، و"النجم" في ركعة، و "اقتربت"، و "الحاقة" في ركعة، و "الطور"، و "الذاريات" في ركعة، و "إذا وقعت"، و "نون" في ركعة، و "سأل سائل"، و "النازعات"
стр. 7995
في ركعة، و "ويل للمطففين"، و "عبس" في ركعة، و "المدثر"، و "المزمل" في ركعة، و "هل أتى"، و "لا أقسم بيوم القيامة" في ركعة، و "عم يتساءلون"، و "المرسلات" في ركعة، و "الدخان"، و "إذا الشمس كورت" (١) في ركعة. قال أبو داود ﵀: هذا تأليف ابن مسعود ﵁. انتهى (٢).
وعند ابن خزيمة في صحيحه: قال الأعمش: وهي عشرون سورة على تأليف عبد الله، أولهن "الرحمن"، وآخرهن "الدخان": "الرحمن" و "النجم"، و "الذاريات"، و "الطور"، هذه النظائر، و "اقتربت"، و "الحاقة"، و "الواقعة"، و "ن"، و "النازعات"، و "سأل سائل"، و "المدثر"، و "المزمل"، و "ويل للمطففين"، و "عبس"، و "لا أقسم"، و "هل أتى"، و "المرسلات"، و "عم يتساءلون"، و "إذا الشمس كورت"، و "الدخان". انتهى (٣).
وقال في "الفتح": وقع في "فضائل القرآن" من رواية واصل، عن أبي وائل: "ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم"، وَبَيَّنَ في رواية أبي حمزة عن الأعمش أن قوله: "عشرين سورة" إنما
стр. 7996
سمعه أبو وائل من علقمة، عن عبد الله، ولفظه: فقام عبد الله، ودخل علقمة معه، ثم خرج علقمة، فسألناه؟ فقال: عشرون سورة من المفصل على تأليف ابن مسعود، آخرهن "حم الدخان"، و"عم يتساءلون". ولابن خزيمة من طريق أبي خالد الأحمر، عن الأعمش، مثله، وزاد فيه: فقال الأعمش: أولهن "الرحمن"، وآخرهن "الدخان"، ثم سردها، وكذلك سردها أبو إسحاق، عن علقمة والأسود، عن عبد الله فيما أخرجه أبو داود متصلًا بالحديث بعد قوله: كان يقرأ النظائر، السورتين في ركعة: "الرحمن"، و"النجم" في ركعة. . . إلى آخر ما تقدم، ثم قال: هذا لفظ أبي داود، والآخر مثله، إلا أنه لم يقل: "في ركعة" في شيء منها، وذكر السورة الرابعة قبل الثالثة، والعاشرة قبل التاسعة، ولم يخالفه في الاقتران، وقد سردها أيضًا محمد بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي وائل، أخرجه الطبراني، لكن قدم وأخر في بعض، وحذف بعضها، ومحمد ضعيف.
وعُرِفَ بهذا أن قوله في رواية واصل: "وسورتين من آل حم" مشكل؛ لأن الروايات لم تختلف أنه ليس في العشرين من "الحواميم" غير "الدخان"، فيحمل على التغليب، أو فيه حذف، كأنه قال: وسورتين إحداهما من "آل حم"، وكذا قوله في رواية حمزة: "آخرهن حم "الدخان"، و"عم يتساءلون"" مشكل؛ لأن "حم الدخان" آخرهن في جميع الروايات، وأما "عم" فهي في رواية أبي خالد السابعة عشرة، وفي رواية أبي إسحاق الثامنة عشرة، فكأن فيه تجوزًا, لأن "عم" وقعت
стр. 7997
في الركعتين الأخيرتين في الجملة.
ويتبين بهذا أن في قوله: في حديث الباب: "عشرون سورة من المفصل" تجوزًا, لأن "الدخان" ليست منه، ولذلك فصلها من المفصل في رواية واصل، نعم يصح ذلك على أحد الآراء في حد "المفصل"، كما تقدم. انتهى ما في "الفتح" (١).
وقال في موضع آخر: والجمع بينهما (٢) أن الثاني عشرة غير سورة "الدخان" والتي معها، وإطلاق "المفصل" على الجميع تغليب، وإلا فـ"الدخان" ليست من المفصل على المرجح، لكن يحتمل أن يكون تأليف ابن مسعود على خلاف تأليف غيره، فإن في آخر رواية الأعمش على تأليف ابن مسعود آخرهن "حم الدخان"، و"عم". فعلى هذا لا تغليب. انتهى (٣). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٧٥/ ١٠٠٤ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٠٧٦ بالسند المذكور. وفي ١٠٠٥، و"الكبرى" ١٠٧٧ - عن إسماعيل بن مسعود،
стр. 7998
عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل، عنه. وفي ١٠٠٦، و"الكبرى" ١٠٧٨ - عن عمرو بن منصور، عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن يحيى بن وَثَّاب، عن مسروق، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة به. وفي "فضائل القرآن" عن عبدان، عن أبي حمزة السكري، عن الأعمش به. وعن أبي النعمان، عن مهدي بن ميمون، عن واصل الأحدب، عن شقيق به.
ومسلم في "الصلاة" عن شيبان بن فروخ، عن مهدي به مطولًا. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن وكيع- ومن أبي كريب، عن أبي معاوية- وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، كلهم عن الأعمش به. وعن محمد بن المثنى، ومحمد ابن بشار، كلاهما عن غندر، عن شعبة به. وعن عَبد بن حُمَيد، عن حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن منصور، عن شقيق به.
وأبو داود فيه عن عباد بن موسى، عن إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل به.
والترمذي فيه عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به.
وأخرجه أحمد ١/ ٣٨٠ و ٤١٢ و ٤١٧ و ٤١٨ و ٤٢١ و ٤٢٧ و ٤٣٦. وابن خزيمة برقم ٥٣٨. والله تعالى أعلم.
стр. 7999
المسألة الرابعة: في فوائده (١):
منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو جواز قراءة سورتين غير الفاتحة في ركعة. وقد روى أبو داود، وصححه ابن خزيمة من طريق عبد الله بن شقيق، قال: "سألت عائشة، أكان رسول الله ﷺ يجمع بين السور؟ قالت: نعم من المفصل".
ولا يخالف هذا ما ثبت عنه ﷺ أنه جمع بين "البقرة" وغيرها من الطوال, لأنه يحمل على النادر.
وقال القاضي عياض ﵀: في حديث ابن مسعود ﵁ هذا ما يدلّ على أن هذا القدر كان قدر قراءته غالبًا، وأما تطويله فإنما كان في التدبر والترتيل، وما ورد من قراءة البقرة وغيرها في ركعة، فكان نادرًا. قال الحافظ ﵀: لكن ليس في حديث ابن مسعود ما يدل على المواظبة، بل فيه أنه كان يقرن بين هذه السور المعينات إذا قرأ من المفصل.
ومنها: أن فيه موافقة لقول عائشة، وابن عباس ﵃ أن صلاته ﷺ بالليل كانت عشر ركعات غير الوتر.
ومنها: كراهة الإفراط في سرعة التلاوة، والإنكار على من يَهُذُّ القرآن هَذًّا, لأن ذلك ينافي المطلوب من التدبر والتفكر في معاني
القرآن، قال في "الفتح": ولا خلاف في جواز السرد بدون تدبر، لكن
стр. 8000
القراءة بالتدبر أعظم أجرًا. انتهى (١). وقال النووي ﵀: وفيه النهي عن الهَذّ، والحث على الترتيل والتدبر، وبه قال جمهور العلماء، قال القاضي: وأباحت طائفةٌ قليلةٌ الهَذَّ. انتهى.
ومنها: جواز تطويل الركعة الأخيرة على ما قبلها, لأن بعض هذه السور أطول من التي قبلها.
ومنها: أن فيه ما يقوي قول من قال: إن تأليف السور كان عن اجتهاد من الصحابة ﵃, لأن تأليف عبد الله المذكور مغاير لتأليف مصحف عثمان ﵁.
قال في "الفتح": قال ابن بطال: لا نعلم أحدًا قال بوجوب ترتيب السور في القراءة، لا داخل الصلاة، ولا خارجها، بل يجوز أن يقرأ "الكهف" قبل "البقرة"، و"الحج" قبل "الكهف" مثلًا. وأما ما جاء عن السلف من النهي عن قراءة القرآن منكوسًا، فالمراد به أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها، وكان جماعة يصنعون ذلك في القصيدة من الشعر، مبالغة في حفظها، وتذليلًا للسانه في سردها، فمنع السلف ذلك في القرآن، فهو حرام فيه.
وقال القاضي عياض في شرح حديث حذيفة ﵁: إن النبي ﷺ قرأ في صلاته في الليل بسورة "النساء" قبل "آل عمران": هو كذلك في مصحف أبَيّ بن كعب، وفيه حجة لمن يقول: إن ترتيب السور
стр. 8001
اجتهاد، وليس بتوقيف من النبي ﷺ وهو قول جمهور العلماء، واختاره القاضي الباقلاني، قال: وترتيب السور ليس بواجب في التلاوة، ولا في الصلاة، ولا في الدرس، ولا في التعليم، فلذلك اختلفت المصاحف، فلما كتب مصحف عثمان رتبوه على ما هو عليه الآن، فلذلك اختلف ترتيب مصاحف الصحابة. ثم ذكر نحو كلام ابن بطال، ثم قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن في المصحف توقيف من الله تعالى، وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها ﷺ . انتهى. المقصود من "الفتح" (١). وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٠٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ، قَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
стр. 8002
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَرِيّ البصري، ثقة من [١٠]، تقدم في قبل باب.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (عمرو بن مُرَّة) بن عبد الله بن طارق الجَمَلِيّ، أبو عبد الله الكوفي الأعمى، ثقة عابد، لا يدلس، ورمي بالإرجاء من [٥]، مات
سنة ١١٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧١/ ٢٦٥.
٥، ٦ - تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به قد تقدمت هناك، ولنوضح هنا بعض ما يستشكل:
قوله: "رجل" تقدم أنه نَهِيك بن سنان البجلي.
وقوله: "المفصل" بصيغة اسم الفعول، اختلف في أوله، فقيل: من "القتال"، وقيل: من "الحجرات"، وقيل: من "ق". وسمي مفصلًا
لقصر سوره، وقرب انفصال بعضهن من بعض.
قال العلماء ﵏: أول القرآن السبع الطوال، ثم ذوات المئين، وهو ما كان في السور منها مائة آية ونحوها، ثم المثاني، ثم المفصل. ذكره النووي ﵀ في شرح مسلم (١).
стр. 8003
وقوله: (هَذًّا كهَذِّ الشعر) بفتح الهاء، وتشديد الذال المعجمة، أي سردًا وإفراطًا في السرعة، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق لعامل محذوف، أي أتهُذُّهُ هَذًّا. قال الفيومي: الهَذّ: سرعة القطع، وهَذَّ قراءته هَذّا، وهو من باب قتل: أسرع فيها. انتهى (١).
والكلام بتقدير أداة الاستفهام، وقد وقع التصريح بها في رواية لمسلم، والاستفهام للإنكار، أي أتسرع في قراءة القرآن كإسراعك في إنشاد الشعر؟! وإنما قال ذلك لأن تلك الصفة عادتهم في إنشاد الشعر (٢).
وقوله: (يقرن) بضم الراء، وكسرها، من بابي قتل، وضرب: أي يجمع بينهن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٠٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنِّي قَرَأْتُ اللَّيْلَةَ "الْمُفَصَّلَ" فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
стр. 8004
كَانَ يَقْرَأُ النَّظَائِرَ؛ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ "الْمُفَصَّلِ"، مِنْ "آلِ حم".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن منصور) النسائي، ثقة ثبت، من [١١]، انفرد به النسائي، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (عبد الله بن رجاء) بن عُمَر، ويقال: ابن المثنى، الغُدَاني، أبو عُمَر، ويقال: أبو عَمْرو البصري، صدوق يهم قليلًا، من [٩].
روى من عكرمة بن عمار، وإسرائيل، وحرب بن شداد، وشعبة، والمسعودي، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي، عن ابن معين: كان شيخًا صدوقًا، لا بأس به. وقال هاشم بن مرثد، عن ابن معين: كثير التصحيف، وليس به بأس. وقال عمرو بن علي: صدوق كثير الغلط والتصحيف ليس بحجة. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه؟ فجعل يثني عليه. وقال: حسن الحديث عن إسرائيل. وقال أبو حاتم: كان ثقة رِضًى. وقال ابن المديني: اجتمع أهل البصرة على عدالة رجلين، أبي عُمَر الحَوْضي، وعبد الله بن رجاء.
وقال النسائي: عبد الله بن رجاء المكي، والبصري ليس بهما بأس. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو القاسم اللالكائي: مات سنة (٢١٩)، وقال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة (٢٢٠). وقال
стр. 8005
محمد بن المثنى: مات في آخر ذي الحجة سنة (٢١٩). وحكاه الكلاباذي أيضًا عن غيره. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وقال الدوري عن ابن معين: ليس من أصحاب الحديث. وفي "الزهرة": روى عنه البخاري خمسة عشر حديثًا. أخرج له البخاري، وأبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، والنسائي، وابن ماجه (١).
٣ - (إِسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني، أبو يوسف الكوفي، أخو يونس، وهو الأكبر، ثقة تكلم فيه بلا حجة،
من [٧].
روى عن جده، وزياد بن عِلَاقة، وزيد بن جبير، وعاصم بن بهدلة، وعاصم الأحول، وسماك بن حرب، والأعمش، وغيرهم، وعنه ابنه مهدي، وأبو أحمد الزبيري، والنضر بن شميل، وعبد الرزاق، ووكيع، وغيرهم.
قال ابن مهدي، عن عيسى بن يونس: قال لي إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة من القرآن. وقال علي بن المديني، عن يحيى القطان: إسرائيل فوق أبي بكر بن عياش. وقال حرب، عن أحمد بن حنبل: كان شيخًا ثقة، وجعل يَعجَب من حفظه. وقال صالح ابن أحمد، عن أبيه: إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لين، سمع منه بآخره. وقال أبو طالب: سئل أحمد، أيما أثبت شريك، أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل كان يؤدي ما سمع، كان أثبت من شريك، قلت: مَنْ أحَبُّ
стр. 8006
إليك، يونس، أو إسرائيل في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل, لأنه كان صاحب كتاب. وقال أبو داود: قلت: لأحمد بن حنبل: إسرائيل إذا انفرد بحديث، يحتج به؟ قال: إسرائيل ثبت الحديث، كان يحيى -يعني القطان- يحمل عليه في حال أبي يحيى القتات، وقال: روى عنه مناكير، قال أحمد: ما حدث عنه يحيى فليس بشيء. وقال الدُّوري عن ابن معين: سئل يحيى بن معين، عن إسرائيل؟ فقال: قال يحيى بن آدم: كنا نكتب عنده من حفظه, قال يحيى: كان إسرائيل لا يحفظ، ثم حفظ بعدُ، وقال أيضًا: إسرائيل أثبت في أبي إسحاق من شيبان، وقال أيضًا: إسرائيل أثبت حديثًا من شريك.
وقال أبو حاتم: ثقة صدوق من أتقن أصحاب أبي إسحاق. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، وفي
حديثه لين، وقال في موضع آخر: ثقة صدوق، وليس في الحديث بالقوي, ولا بالساقط.
وقال عيسى بن يونس: كان أصحابنا، سفيان، وشريك، وعدّ قومًا إذا اختلفوا في حديث أبي إسحاق يجيئون إلى أبي، فيقول: اذهبوا إلى ابني إسرائيل فهو أروى عنه مني، وأتقن لها مني، هو كان قائد جده. وقال شبابة بن سوّار: قلت ليونس بن أبي إسحاق: أمْلِ عليَّ حديث أبيك، قال: اكتب عن ابني إسرائيل، فإن أبي أملاه عليه. وقال محمد ابن الحسين بن أبي الْحُنَين: سمعت أبا نعيم، سئل أيهما أثبت، إسرائيل، أو أبو عوانة؟ فقال: إسرائيل. وقال أبو داود: إسرائيل أصح
стр. 8007
حديثًا من شريك. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال محمد بن عبد الله ابن نمير: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وحدث عنه الناس حديثًا كثيرًا، ومنهم من يستضعفه. وقال ابن معين: زكرياء، وزهير، وإسرائيل حديثهم في أبي إسحاق قريب من السواء، إنما أصحاب أبي إسحاق, سفيان، وشعبة.
وقال حجاج الأعور: قلنا لشعبة: حدثنا حديث أبي إسحاق، قال: سلوا عنها إسرائيل، فإنه أثبت فيها مني. وقال ابن مهدي: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوري. وقال أبو عيسى الترمذي: إسرائيل ثبت في أبي إسحاق، حدثني محمد بن المثنى: سمعت ابن مهدي يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل, لأنه كان يأتي به أتم.
وقال ابن عدي: هو ممن يحتج به. وذكره ابن حبان في الثقات. وروى ابن البراء عن علي بن المديني: إسرائيل ضعيف.
قال الحافظ: وأطلق ابن حزم ضعف إسرائيل، وَرَدَّ به أحاديث من حديثه، فما صنع شيئًا.
وقال عثمان ابن أبي شيبة، عن عمد الرحمن بن مهدي: إسرائيل لص يسرق الحديث. وقال دُبَيس بن حُميَد: ولد سنة (١٠٠) ومات سنة (١٦١)، وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة (١٦٠) وقال خليفة، وابن سعد: مات سنة (١٦٢). روى له الجماعة (١).
стр. 8008
٤ - (أبو حَصِين (١)) عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي، الكوفي، ثقة ثبت سُنِّيّ، ربما دلس، من [٤]، مات سنة ١٢٧، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٢/ ١٥٢.
٥ - (يحيى بن وَثَّاب) -بتشديد المثلثة- الأسدي مولاهم، الكوفي المقرئ، ثقة عابد، من [٤].
روى عن ابن عمر، وابن عباس، وزِرّ بن حُبَيش، وعلقمة، ومسروق، وغيرهم. وعنه أبو إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق الشيباني، وأبو حَصِين الأسدي، والأعمش، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش: كان يحيى بن وثاب من أحسن الناس قراءة، وربما اشتهيت أن أقَبِّل رَأسه من حسن قراءته، وكان إذا قرأ لا يُسمع في المسجد حركةٌ، وكأن ليس في المسجد أحد. وقال عطاء بن مسلم الحلبي، عن الأعمش: كنت إذا رأيت يحيى بن وثاب قد جاء قلت: هذا قد وقف للحساب، يقول: أي رب أذنبت كذا، أذنبت كذا، فعفوت عني، فلا أعود، فأقول: هذا كل يوم يوقف للحساب.
وقال أبو محمد بن حيان الأصبهاني. يقال: كان وثاب من أهل قاسان، فوقع إلى ابن عباس، فأقام معه، فاستأذنه في الرجوع إلى قاسان، فأذن له, فرحل مع ابنه يحيى، فلما بلغ الكوفة قال له ابنه
стр. 8009
يحيى: إني مؤثر حظ العلم على حظ المال، فأعطني الإذن في المقام، فأذن له، فأقام في الكوفة، فصار إمامًا, وله أحاديث كثيرة، ورُوي عن أبي عمرو بن العلاء، عن نهشل الإيادي، عن أبيه، قال: خرجت مع أبي موسى الأشعري إلى أصبهان، فبعث سراياه إلى قاسان، ففتحها، وسبى أهلها، فكان منهم يزدويه بن ماهويه فتى من أبناء أشرافها، فصار إلى ابن عباس، فسماه وَثّابًا، وهو والد يحيى إمام أهل الكوفة في القرآن.
وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وكان مقرئ أهل الكوفة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث صاحب قرآن. وقال ابن معين، وأبو
زرعة: ثقة. وقال عمرو بن علي، وغيره: مات سنة (١٠٣) روى له الجماعة سوى أبي داود (١).
٦ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهَمْدَاني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، من [٢]، مات سنة ٦٢ أو
٦٣، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٠/ ١١٢.
٧ - تقدم في الذي قبله. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم كوفيون، سوى شيخه، فنسائي، وعبد الله بن رجاء، فبصري، وفيه
ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. والله أعلم.
стр. 8010
وأما شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به فتقدم تمام البحث عنها في الحديث الأول. فراجعها تستفد. وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (عشرين سورة) بالنصب بدل من "النظائر". وقوله: (من آل حم) أي من السور التي أولها "حم"، كقولك: فلان من آل فلان، وقال القاضي عياض ﵀: ويجوز أن يكون المراد "حم" نفسها، كما في الحديث: "من مزامير آل داود"، أي داود نفسه. انتهى (١).
وظاهر رواية المصنف تدل على أن "حم" من "المفصل"، وهو على تأليف ابن مسعود ﵁، كما تقدم الكلام عليه، فلا إشكال.
وأشار في هامش الهندية إلى أنه وقع في بعض النسخ: "وآل حم" بالعطف، وهو ظاهر. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 8011
٧٦ - قِرَاءَةُ بَعْضِ السُّورَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز قراءة بعض السورة الواحدة في الصلاة، وهو قول الجمهور، ونقل عن مالك ﵀
كراهته، وفي استدلال المصنف على الجواز بحديث الباب نظر سيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى.
١٠٠٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ حَدِيثًا، رَفَعَهُ إِلَى ابْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَصَلَّى فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ "الْمُؤْمِنِينَ"، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى، أَوْ عِيسَى ﵉ أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ، فَرَكَعَ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٥/ ٥.
стр. 8012
تنبيه:
وقع في بعض نسخ "المجتبى" "محمد بن علي" بدلًا من "محمد بن عبد الأعلى"، وهو خطأ، والصواب ما هنا، وهو الذي في النسخة الهندية ص ١٥٦ (١) و"الكبرى" جـ ١ ص ٣٤٥، و"تحفة الأشراف" جـ ٤ ص ٣٤٦. فتنبه.
٢ - (خالد) بن الحارث الهجيمي البصري، ثقة ثبت، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه من [٦]، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (محمد بن عباد) بن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي المكي، ثقة، من [٣]، تقدم في ٢٥/ ٧٧٦.
٥ - (ابن سفيان) هو عبد الله بن سفيان المخزومي، ثقة، من [٤]، تقدم في ٢٥/ ٧٧٦.
٦ - (عبد الله بن السائب) بن أبي السائب، واسمه صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أبو عبد الرحمن المخزومي المكي، له ولأبيه صحبة، كان قارئ أهل مكة، مات سنة بضع وستين، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٢٥/ ٧٧٦.
стр. 8013
تنبيه:
اختُلِفَ على ابن جريج في إسناد هذا الحديث، فقال ابن عيينة عنه، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن السائب. أخرجه ابن ماجه، وقال أبو عاصم عنه عن محمد بن عباد، عن أبي سلمة بن سفيان، أو سفيان ابن أبي سلمة. وكأن البخاري لهذا الاختلاف علقه في صحيحه بصيغة التمريض، فقال: "ويذكر عن عبد الله بن السائب: قرأ النبي ﷺ "المؤمنون" … الحديث". لكن الصحيح أن هذا الاختلاف لا يضر، فقد أخرجه مسلم عن هارون بن عبد الله، عن حجاج بن محمد الأعور - وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق -.
وأخرجه أبو داود عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق- وأبي عاصم - ثلاثتهم عن ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي سلمة بن سفيان، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن المسيب العابدي، ثلاثتهم، عن عبد الله بن السائب ﵄.
وأخرجه الصنف عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن جريج، عن محمد بن عباد، من ابن سفيان، عنه.
فقد اتفق حجاج الأعور، وعبد الرزاق، وأبو عاصم، وخالد بن الحارث على أنه عن ابن جريج، عن محمد بن عباد، فلا يضرهم مخالفة ابن عيينة فيه.
والحاصل أن الحديث مما تقوم به الحجة، ولذلك أخرجه مسلم في "صحيحه".
стр. 8014
على أنه يحتمل أن يكون لابن جريج في هذا الحديث إسنادان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
شرح الحديث
(قال) ابن جريج: (أخبرني محمد بن عباد حديثًا رفعه إِلى ابن سفيان) , أي أسنده إليه، وقد وقع عند مسلم التصريح بسماع محمد بن عباد عن ابن سفيان، ولفظه: "قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر، يقول: أخبرني أبو سلمة بن سفيان، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن المسيب العابدي، عن عبد الله بن السائب. . .". والله تعالى أعلم.
تنبيه:
وقع في بعض النسخ: "إلى سفيان" بدلًا من "ابن سفيان", وهو خطأ. فتنبه.
(عن عبد الله بن السائب) ﵄ أنه (قال: حضرت رسول الله ﷺ يوم الفتح، فصلى)، وَقَد بَينَ في رواية مسلم أن تلك الصلاة هي الصبح، ولفظه: "صلى لنا النبي ﷺ الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنين". . . (في قبل الكعبة) أي مقابل بابها، قال الفيومي: والقُبُل -بضمتين- من كل شيء خلاف دُبُره، قيل: سمي قُبُلًا لأن صاحبه يقابل به غيره، ومنه القبْلة لأن المصلي يقابلها، وكل شيء جعلته تلقاء وجهك، فقد استقبلته. انتهى (١).
стр. 8015
(فخلع نعليه) فيه جواز الصلاة بدون النعلين، وأن الأمر الوارد بالصلاة في النعلين، وهو ما أخرجه الطبراني من حديث شداد بن أوس ﵁ مرفوعًا: "صلوا في نعالكم، ولا تشبهوا باليهود". (١) محمول على الاستحباب (فوضعهما عن يساره) فيه أن المصلي إذا لم يُصَلِّ بنعليه يجعلهما عن يساره، إذا لم يكن عن يساره أحد، وإلا فليضعهما بين رجليه، لئلا يؤدي غيره، وقد تقدم ذكر الأحاديث الواردة في ذلك في شرح الحديث ٢٥/ ٧٧٦.
(فافتتح بسورة "المؤمنين") وفي بعض النسخ: فاستفتح سورة "المؤمنين". أي ابتدأ قراءة "سورة المؤمنين"، والمراد أنه قرأ بها بعد الفاتحة, وإنما لم يذكره لكونه معلومًا عندهم (فلما جاء ذكر موسى، أو عيسى ﵉ بالشك، وفي الهندية: "وعيسى" بالواو بدل "أو"، ولفظ مسلم: حتى جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى "محمد بن عباد يشك، أو اختلفوا عليه" أخذت النبي ﷺ سلعة، فركع، وعبد الله بن السائب حاضر ذلك.
(أخذته سعلة) بفتح أوله من السُّعَال، ويجوز الضم، وقال النووي: بالفتح. وقال العيني: بفتح السين، وضمها. والذي في كتب اللغة: أن السُّعْلَة بالضم. ففي "القاموس": سَعَلَ، كنصر، سُعالًا، وسُعْلَة، بضمهما، وهي حركة تَدْفع بها الطبيعةُ أذَىً عن الرِّئَةِ والأعضاء
стр. 8016
التي تتصل بها. اهـ (١). وقال في "المصباح": سَعَلَ يسعُل، من باب قتل، سُعْلة بالضم، والسُّعال اسم منه. اهـ.
وعند ابن ماجه: فلما بلغ ذكر عيسى وأمه، أخذته سعلة، أو قال: "شهقة"، وفي رواية: "شَرْقة" بمعجمة وقاف. قال السندي ﵀: قيل: أخذته بسبب البكاء. انتهى (٢).
(فركع) وفي رواية لمسلم من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج: "فحذَفَ، فركع". أي ترك القراءة، وفسره بعضهم برمي النُّخَامة الناشئة عن السعلة، والأول أظهر، لقوله: "فركع"، ولو كان أزال ما عاقه عن القراءة لتمادى فيها. وفي هذا الحديث: ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز قراءة بعض السورة، قال النووي ﵀: وهذا جائز بلا خلاف، ولا كراهة فيه إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن له عذر، فلا كراهة فيه أيضًا, ولكنه خلاف الأولى، هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وبه قال مالك ﵀ في رواية عنه، والمشهور عنه كراهته. انتهى (٣).
تنبيه:
حديث الباب قد تقدم الكلام على مسائله برقم ٢٥/ ٧٧٦ - بما أغنى عن إعادته هنا، فلنذكر هنا ما لم يسبق له ذكر:
стр. 8017
(الأول): أنه استدل المصنف وغيره بهذا الحديث على جواز الاقتصار على بعض السورة، لكن فيه نظر؛ لأن تركه ﷺ القراءة هنا للضرورة، لأجل السعلة، فلا يتم الاستدلال به للترك حالة الاختيار. فكان الأولى له الاستدلال بما تقدم له -٦٧/ ٩٩١ - من قراءته ﷺ سورة الأعراف في المغرب في ركعتين، ففيها القراءة بالأول وبالأخير دون ضرورة. وبما تقدم له أيضًا -٣٨/ ٩٤٤ - من القراءة ﷺ في ركعتي الفجر، في الأولى آية "البقرة" ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية، وفي الثانية آية "آل عمران" ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] ولا فرق في ذلك بن النافلة والفريضة.
وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه أمَّ الصحابة في صلاة الصبح بسورة البقرة، فقرأها في الركعتين. قال في "الفتح": وهذا إجماع منهم.
وروى محمد بن عبد السلام الخُشَني (١) من طريق الحسن البصري، قال: "غزونا خراسان، ومعنا ثلاثمائة من الصحابة، فكان الرجل منهم يصلي بنا، فيقرأ الآيات من السورة، ثم يركع". أخرجه ابن حزم محتجًا به.
وروى الدارقطني بإسناد قوي من ابن عباس ﵄ أنه قرأ "الفاتحة"، وآية من "البقرة" في ركعة. انتهى (٢).
стр. 8018
الثاني: أنه احتج به بعضهم على جواز قراءة بعض آية، أخذًا من قوله: "حتى جاء ذكر موسى، وهارون، أو ذكر عيسى" لأن كلًا من الموضعين يقع في وسط آية. وفيه أن ذلك للضرورة. نعم الكراهة -كما قال في "الفتح"- لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل على الكراهة. والله أعلم.
الثالث: أنه استدل به أيضًا على أن السعال لا يبطل الصلاة، وهو واضح فيما إذا غلبه، وقال الرافعي ﵀ في "شرح المسند": قد يستدل به على أن "سورة المؤمنين" مكية، وهو قول الأكثر، قال: ولمن خالف أن يقول: يحتمل أن يكون قوله: "بمكة"، أي في الفتح، أو حجة الوداع.
قال الجامع عفا الله عنه: كونه في فتح مكة هو المتعين، لرواية المصنف في الباب. والله تعالى أعلم.
الرابع: أنه استدل به أيضًا على أن قطع القراءة لعارض السعال ونحوه أولى من التمادي في القراءة مع السعال والتنحنح، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما يستحب فيه تطويلها (١). والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 8019
٧٧ - تَعَوُّذُ الْقَارِىءِ إذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على استحباب تعوذ القارئ في الصلاة أو غيرها إذا مر بآية فيها ذكر العذاب.
ومعنى تَعَوُّذِ القارئ: التجاؤُه إلى الله تعالى. قال الراغب الأصفهاني ﵀: العَوْذُ: الالتجاء إلى الغير، والتعلق به. انتهى (١). وفي "اللسان": عاذَ يَعُوذ عَوْذًا، وعِيَاذًا، ومَعَاذًا: لاذ به. ولجأ إليه، واعتصم. انتهى (٢).
و"العذاب" قال الراغب: هو الإيجاع الشديد، وقد عذّبه تعذيبًا: أكثرَ حبسَهُ في العذاب. واختُلِف في أصله، فقال بعضه: هو من قولهم: عَذَبَ الرجلُ: إذا ترك المَأكَلَ والنوم، فهو عاذِبٌ، وعَذُوبٌ، فالتعذيب في الأصل هو حمل الإنسان أن يَعْذِبَ، أي يَجُوعَ، ويَسْهَرَ. وقيل: أصله من العَذْبِ، فَعذّبْتُهُ، أي أزلتُ عَذْبَ حيَاته، علي بناء مَرَّضتُهُ، وقَذَّيْتُهُ. وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب بِعَذَبَة السوط، أي طَرَفها، وقد قال أهل اللغة: التعذيب هو الضرب. وقيل: هو من قولهم: ماء عَذَبٌ: إذا كان فيه قَذىً وكَدَرٌ، فيكون عَذَّبْتُهُ كقولك: كدّرت عَيْشَهُ، وزَلَّقت حياته. انتهى (٣).
стр. 8020
تنبيه:
أخرج المصنف رحمه الله تعالى حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه المذكور في هذا الباب في عدة أبواب بأسانيد مختلفة، يستنبط منه الأحكام المناسبة لكل باب، فأخرجه في ٧٧/ ١٠٠٨ و ٧٨/ ١٠٠٩ و ٩/ ١٠٤٦ و ٧٤/ ١٣٣ أو ٢٥/ ١٦٦٤. وسأتكلم في كل موضع بما تدعو إليه الحاجة إن شاء الله تعالى.
١٠٠٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الأَحْنَفِ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ صَلَّى إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فَقَرَأَ، فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ، وَقَفَ، وَتَعَوَّذَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ، وَقَفَ، فَدَعَا، وَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ"، وَفِي سُجُودِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى".
رجال هذا الإسناد: عشرة
١ - (محمد بن بشار) بُنْدَار، أبو بكر البصري، ثقة حافظ، من [١٠]، تقدم في ٢٤/ ٢٧.