أي يجهر به. وقال أبو عاصم: أخذ بيدي ابن جريج، فأوقفني على أشعب، فقال: غَنِّ ابنَ أخي ما بلغ من طمعك، فذكر قصة. فقوله: غنّ، أي أخبرني جهرا صريحا. ومنه قول ذي الرُّمَّة: [من الطويل]
أُحِبُّ الْمَكَانَ الْقَفْرَ من أَجْلِ أَنَّنِي … بِهِ أَتَغَنَّى بِاسْمِهَا غَيْرَ مُعْجِمِ
أي أجهر، ولا أكني.
والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة، وهو أنه يحسّن به صوته جاهرا به مترنما على طريق التحزن، مستغنيا به عن غيره من الإخبار، طالبا به غنى النفس، راجيا به غنى اليد. قال: وقد نظمت ذلك في بيتين:
تَغَنَّ بِالْقُرْآنِ حَسِّنْ بِهِ الصَّوْ … تَ حَزِينًا جَاهِرًا رَنِّمِ
وَاسْتَغْنِ عَنْ كتُبِ الألُى طَالِباَ … غِنَى يَدٍ وَالنَّفْسِ ثُمَّ الْزَمِ
انتهى ما في "الفتح" بتصرف يسير. (١)
[قال الجامع عفا الله عنه]: عندي أن الأرجح في معنى: "يتغنى به" في هذا الحديث هو قول من فسره بتحسين الصوت، لكون ظواهر الأخبار تؤيده.
والحاصل أن ما دلت عليه ظواهر الأخبار، وكان واضحًا في استعمال العرب بدون خلاف، وهو كون "يتغنى" بمعنى يحسن صوته، أولى ما يفسر به هذا الحديث. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في بيان اختلاف أهل العلم في القراءة بالألحان:
قال في "الفتح": كان بين السلف اختلاف في جواز قراءة القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت، وتقديم حسن الصوت على غيره، فلا نزاع في ذلك.
فحكى عبد الوهاب المالكي عن مالك تحريم القراءة بالألحان، وحكاه أبو الطيب الطبري، والماوردي، وابن حمدان الحنبلي عن جماعة من أهل العلم، وحكى ابن بطال، وعياض، والقرطبي من المالكية، والماوردي، والبندنيجي، والغزالي من الشافعية، وصاحب "الذخيرة" من الحنفية الكراهة، واختاره أبو يعلى، وابن عقيل من الحنابلة.
وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز، وهو المنصوص للشافعي، ونقله الطحاوي عن الحنفية. وقال الفوراني من الشافعية في "الإبانة": يجوز، بل يستحب، ومحل هذا الاختلاف إذا لم يختلّ شيء من الحروف عن مخرجه، فلو
стр. 8087
تغير قال النووي في "التبيان": أجمعوا على تحريمه، ولفظه:
أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفا، أو أخفاه حَرُمَ، قال: وأما القراءة بالألحان، فقد نص الشافعي في موضع على كراهته، وقال في موضع آخر: لا بأس به، فقال أصحابه:
ليس على اختلاف قولين، بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج بالألحان عن المنهج القويم جاز، وإلا حرم. وحكى الماوردي عن الشافعي أن القراءة بالألحان إذا انتهت إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخرجها حرم، وكذا حَكَى ابن حمدان الحنبلي في "الرعاية". وقال الغزالي، والبندنيجي، وصاحب "الذخيرة" من الحنفية: إن لم يُفرِط في التمطيط الذي يشوش النظم استُحِبَّ، وإلا فلا. وأغرب الرافعي، فحكى عن "أمالي السرخسي" أنه لا يضر التمطيط مطلقا، وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة، وهذا شذوذ، لا يعرّج عليه.
والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنًا، فليحسنه ما استطاع، كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح.
ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النَّغَم، فإن الحَسَنَ الصوتِ يزداد حُسْنًا بذلك، وإن خرج عنها أَثَّرَ ذلك في حسنه، وغيرُ الحسن ربما انجبر بمراعاتها، ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يَفِ تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وُجِد من يراعيهما معا، فلا شك في أنه أرجح من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء. والله أعلم. انتهى ما في "الفتح" (١).
[قال الجامع عفا الله عنه]: هذا التفصيل حسن جدًّا، وحاصله أن القراءة بالألحان والأنغام الحسنة بشرط عدم الخروج عن قواعد القراءة مستحب، لأحاديث الباب، وغيرها، وإن اختل شرط من شروط الأداء، كأن يمد حرفا لا يستحق المد، أو تجاوز في الممدود من المقدار الذي وضعه القراء، أو زاد حرفا، أو نقص، أو أخفى ما يُظهر، أو عكس، أو أدغم ما لا يدغم، أو عكس، أو نحو ذلك فحرام. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 8088
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
١٠١٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ يَعْنِي أَذَنَهُ لِنَبِيٍّ، يَتَغَنَّي بِالْقُرْآنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠]، تقدم ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨]، تقدم ١/ ١.
((٣) (الزهري) محمَّد بن مسلم المدني الإمام الحافظ الحجة [٤] تقدم ١/ ١.
٤ - (٥) تقدما في السند الماضي. وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به تقدّمت هناك. وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "يعني أذنه". بفتحتين مصدر "أَذِنَ" بفتح، فكسر، كما قال في "الخلاصة":
وَفَعِلَ اللاَّزِمُ بَابُهُ فَعَلْ … كَفَرَحِ وَكجَوىَ وَكشَلَلْ
والعناية من بعض الرواة، أتى بها بيانا للمعنى المراد من قوله: "أَذِنَ"، حيث إنه يحتمل أن يكون بمعنى الإباحة، فأزال ذلك به. والله تعالى أعلم.
وقد تقدم أن المراد بقوله: "نبي" جنس النبي، وأما القرآن، فيحتمل أن يكون بمعنى القراءة، فيكون مصدرا، ويحتمل أن يكون بمعنى كلام الله مطلقا، فيكون بمعنى المقروء. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠١٩ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: "لَقَدْ أُوتِيَ مِزْمَارًا، مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ﵇").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سليمان بن داود) بن حماد المهري، أبو الربيع المصري، ثقة [١١]، ت ٢٥٣ (د س) تقدم ٦٣/ ٧٩.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد [٩] ت ١٩٧ (ع) تقدم ٦٣/ ٧٩.
٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب المصري، ثقة فقيه حافظ [٧]، تقدّم في ٦٣/ ٧٩. والباقون تقدموا في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
стр. 8089
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد هو به، وأبو داود (ومنها): أن النصف الأول منهم مصريون، والنصف الثاني مدنيون (ومنها): أنه مسلسل بالإخبار في أربعة مواضع، والعنعنة في موضع، والتحديث في موضع (ومنها) أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وأن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة ﵁ أحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(أن أبي هريرة) ﵁ (حدثه) أي أبا سلمة (أن رسول الله ﷺ سمع) بفتح همزة "أن" في المواضع كلها؛ لأنها سدت فيه مسد المفعول الثاني، والثالث لـ"أخبر"، لأنها تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، والأول هو الضمير المنصوب، قال ابن مالك ﵀ في "خلاصته":
وَكَأَرَى السَّابِقِ نَبَّا أَخْبَرَا … حَدَّثَ أَنْبَأَ كَذَاكَ خَبَّرَا
(قراءة أبي موسى) عبد الله بن قيس بن سُلَيم بن حَضَّار الأشعري، الصحابي الشهير، أمره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الحَكَمَين بصفين، مات ﵁ سنة (٥٠) وقيل: بعدها، تقدمت ترجمته في ٣/ ٣.
(فقال: لقد أوتي) اللام هي الموَطِّئة للقسم، والجملة جواب القسم المقدر، والضمير المرفوع النائب عن الفاعل يعود إلى أبي موسى ﵁. وفي رواية عائشة التالية: "لقد أوتي هذا"، فاسم الإشارة هو النائب عن الفاعل، والمفعول الثاني قوله (مزمارا) أي والله لقد أُعطي أبو موسى مزمارا، أي صوتا حسنا شبيها بالمزمار.
و"المزمار" -بالكسر: آلة الزَّمْرِ، أي التغني. يقال: زَمَر يزمُرُ، من باب قتل، ويزمِر، من باب ضرب، زَمْرًا، وزَمِيرًا، وزَمَّرَ تَزْمِيرًا: إذا غنى في القَصبِ. أفاده في "ق".
والمراد أنه أعطي صوتا حسنًا في قراءة القرآن من أنواع الأصوات والنغمات الحسنة التي كانت لدود ﵇ في قراءة الزبور.
قال في "النهاية": شَبَّهَ حسن صوته، وحلاوة نَغَمه بصوت المزمار. و"داود" هو النبي المشهور ﵇ وإليه المنتهى في حسن الصوت بالقراءة، و"الآل" في قوله: "آل داود" مقحمة. قيل: معناه ها هنا الشخص. انتهى. (١)
وقال الخطاب ﵀: قوله: "آل داود" يريد نفسه؛ لأنه لم ينقل أن أحدا من أولاد
стр. 8090
داود ﵇، ولا من أقاربه كان أعطي من حسن الصوت ما أعطي داود ﵇ انتهى.
وقال في "الفتح": والمراد بالمزمار الصوت الحسن، وأصله الآلة، أطلق اسمه على الصوت للمشابهة. انتهى. (١)
وأخرج البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" من طريق بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "يا أبا موسى، لقد أو تيت مزمارا من مزامير آل داود ﵇".
قال في "الفتح": كذا وقع عنده مختصرا من طريق بريد، وأخرجه مسلم من طريق طلحة بن يحيى، عن أبي بردة بلفظ: "لو رأيتني، وأنا أستمع قراءتك البارحة". . . الحديث. وأخرجه أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، بزيادة فيه: "إن النبي ﷺ وعائشة مرّا بأبي موسى، وهو يقرأ في بيته، فقاما يستمعان لقراءته، ثم إنهما مضيا، فلما أصبح أتى أبو موسى رسول الله ﷺ ، فقال: يا أبا موسى مررت بك"، فذكر الحديث، فقال: "أما إني لو علمت بمكانك لحَبَّرته لك تحبيرا". ولابن سعد من حديث أنس ﵁ بإسناد على شرط مسلم: "إن أبا موسى قام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي ﷺ صوته -وكان حلو الصوت- فقمن يستمعن، فلما أصبح قيل له: فقال: لو علمت لحبّرته لهن تحبيرا". وللروياني من طريق مالك بن مغول، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه نحو سياق سعيد بن أبي بردة، وقال فيه: "لو علمت أن رسول الله ﷺ يستمع قراءتي لحبرتها تحبيرا". (٢) والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح.
[تنبيه]: قد اختلف في حديث أبي هريرة ﵁ هذا على الزهري، فرواه عمرو بن الحارث، عنه عن أبي سلمة موصولا بذكر أبي هريرة ﵁. كما أخرجه المصنف هنا. وأخرجه الدارمي من طريق الزهري، عن أبي سلمة مرسلًا. "أن رسول الله ﷺ كان يقول لأبي موسى -وكان حسن الصوت بالقرآن- لقد أوتي هذا من مزامير آل داود".
стр. 8091
ورواه معمر، وسفيان، كلاهما عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵁ -ا -. كما أخرجه المصنف بعد هذا.
وقال الليث: عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب مرسلًا.
ولأبى يعلى من طريق عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء ﵁: "سمع النبي ﷺ صوت أبي موسى، فقال: كأن صوت هذا من مزامير آل داود". وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي عثمان النهدي قال: دخلت دار أبي موسى الأشعري، فما سمعت صوت صَنْج، ولا بَرْبَط، ولا ناي أحسن من صوته. سنده صحيح، وهو في "الحلية" لأبي نعيم. و"الصنج" -بفتح المهملة، وسكون النون، بعدها جيم-: هو آلة تتخذ من نحاس، كالطبقين يضرب أحدهما بالآخر. و"البربط " -بالموحدتين، بينهما راء ساكنة، ثم طاء مهملة، بوزن جعفر-: هو آلة تشبه العود، فارسي معرب. و"الناي":- بنون بغير همز، هو المزمار. انتهى. (١)
[قال الجامع عفا الله عنه]: الظاهر أن الموصول في هذا هو الراجح، ولا يعلّ بالمرسل؛ لأن من وصله ثقات حفاظ، فمعهم زيادةٌ، وزيادة الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظًا متقنا، مثل عمرو بن الحارث، ومعمر، وابن عيينة، وأما الاختلاف في كونه من حديث أبي هريرة، أو من حديث عائشة ﵄ فلا يضر، لإمكان الحمل على أنه مروي عنهما جميعا (٢). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية). في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٨٣/ ١٠١٩ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ١٠٩٢ - بالسند المذكور.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ق) في "الصلاة" عن محمَّد بن يحيى، عن يزيد بن هارون، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ ولفظه: قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، فسمع قراءة رجل، فقال: "من هذا؟ " فقيل له؛ عبد الله بن قيس، فقال: "فقد أوتي هذا من مزامير آل داود". والله أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): استحباب استماع قراءة القارئ الحسن الصوت (ومنها): مدح الصوت الحسن (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه، وما ورد من النهي محمول على إذا خيف عليه الافتتان بالعجب، ونحوه.
стр. 8092
(ومنها): معجزة داود ﵇ في حسن صوته، فقد تقدم عن ابن عباس ﵄: "أن داود ﵇ كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم". والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٢٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: "لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ﵇").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار) العطار أبو بكر البصري، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [١٠] ت ٢٤٨ (م ت س) تقدم ١٩٩/ ١٣٢.
٢ - (سفيان) و (٣) (الزهري) تقدما قبل حديث.
٤ - (عروة) بن الزبير المدني الفقيه الثقة الثبت [٣]، تقدم ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) ﵂، تقدمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، ومسلم، والترمذي، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
وشرح الحديث تقدم في الذي قبله.
(تنييه): حديث عائشة ﵂ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف أخرجه هنا -٨٣/ ١٠٢٠ - وفي "الكبرى" -٣٠/ ١٠٩٣ - عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عنه. وفي -١٠٢١ - و"الكبرى" -١٠٩٤ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري به. وفي "فضائل القرآن" -٣٨/ ٨٠٥١ - عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرزاق به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٢١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: "لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ﵇").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي، المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت فقيه [١٠]،
стр. 8093
تقدم ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرزاق) بن همام أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، تغير بآخره [٩] ت ١١١ (ع) تقدم ٦١/ ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، ثم اليمني، ثقة ثبت [٧] ت ١٥٤ (ع) تقدم ١٠/ ١٠.
والباقون تقدموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به قد تقدمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٢٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَلَاتِهِ؟ قَالَتْ: مَا لَكُمْ، وَصَلَاتَهُ؟ ثُمَّ نَعَتَتْ قِرَاءَتَه، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَتَهُ مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - قتيبة) بن سعيد الثقة الثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (الليث بن سعد) الإمام الحجة الثبت الفقيه المصري [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.
٣ - (عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيكه) زهير بن عبد الله بن جُدْعان، التيمي المكي، ثقة فقيه أدرك ثلاثين صحابيا [٣] ت ١١٧ (ع) تقدم ١٠١/ ١٣٢.
٤ - (يعلي بن مملك) بوزن جعفر المكي، مقبول [٣].
روى عن أم سلمة، وأم الدرداء. وعنه ابن أبي مليكة. ذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاري، في "الأدب المفرد"، وأصحاب السنن، إلا ابن ماجه، وله عند المصنف ثلاثة أحاديث.
٥ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة، أم المؤمنين ، تقدمت ١٢٣/ ١٨٣. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن يعلي بن مملك) بوزن جعفر المكي (أنه سأل أم سلمة) (عن قراءة رسول الله ﷺ ، صلاته؟) أي تلاوته للقرآن، وعن كيفية صلاته في الليل، ففي رواية أحمد: "قال: سألت أم سلمة عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل، وقراءته؟ ". . . (قالت) أم سلمة (ما لكم، وصلاته) "ما" استفهامية مبتدأ، والجار والمجرور خبره، والواو في "وصلاته" واو المعية، و"صلاته" بالنصب على المعية، كما قال ابن مالك ﵀ في "الخلاصة":
стр. 8094
يُنْصَبُ تَالِي الْوَاوِ مَفْعُولًا مَعَهْ … فِي نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ
بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ … ذَا النَّصَبُ لَا بِالْوَاوِ فِي الْقَوْلِ الأَحَقّ
إلى أن قال:
وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضُعْفٍ أَحَق … وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضُعْفِ النَّسَقْ
وَالنَّصْبُ إِنْ لَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ يَجِبْ … أَوِ اعْتَقِدْ إِضْمَارَ عَامِلٍ تُصِبْ
وتعين النصب لضعف العطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار عند الجمهور، خلافا لابن مالك ﵀، كما قال في "الخلاصة":
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفِ عَلَى … ضَمِيرِ خَفْضٍ لَازِمّا قَدْ جُعِلَا
وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى … فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا
وعند أبي داود: "فقالت: وما لكم، وصلاته" بالواو في الموضعين. قال الطيبي: "وما لكم" عطف على مقدر، أي مالكم وقراءته؟، ومالكم وصلاته؟ والواو في قوله: "وصلاته" بمعنى "مع"، أي ما تصنعون مع قراءته وصلاته. ذكرتها تحسرا، وتلهفا على ما تذكرت من أحوال رسول الله ﷺ ، لا أنها أنكرت السؤال على السائل. انتهى. وقال القاري: أو معناه: أي شيء يحصل لكم مع وصف قراءته، وصلاته؟ وأنتم لا تستطيعون أن تفعلوا مثله، ففيه نوع تعجيب، ونظيره قول عائشة : "وأيكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق". انتهى. (١)
(ثم نعتت قراءته) أي وصفت، وبيّنت بال قوله، أو بالفعل بأن قرأت كقراءته ﷺ ثم إن رواية المصنف رحمه الله تعالى هنا فيها اختصار هنا، حيث لم يذكر فيها نعتها صلاته ﷺ وقد بينه فيما يأتي ١٣/ ١٦٢٩، ولفظه: "فقالت: ما لكم، وصلاته، كان يصلي، ثم ينام قدرَ ما صلى، ثم يصلي قدرما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح".
ولفظه في ١٣/ ١٦٢٨ - من طريق حجاج الأعور، عن ابن جريج، فقالت: "كان يصلي العتمة، ثم يسبح، ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل، ثم ينصرف، فيرقد مثل ما صلى، ثم يستيقظ من نومه ذلك، فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح".
وقوله: "ثم نعتت قراءته". أي وصفتها، يقال: نعت الرجل صاحبه، من باب نَفَعَ: وصفه. قاله في "المصباح" (٢) وقال ابن الأثير: النعت وصف الشيء بما فيه من حُسْن،
стр. 8095
ولا يقال: في القَبِيح إلا أن يتكلف متكلف، فيقولَ نَعْتَ سَوْءٍ، والوصف، يقال: في الْحَسَن والقبيح. انتهى (١).
(فإذا هي تنعت قرأءة مفسّرة، حرفا حرفا) اختلف النحاة في هذه الفاء، فقيل: زائدة لازمة. وقيل: عاطفة. وقيل: هي للسببية المحضة، كفاء الجواب. قاله ابن هشام الأنصاري (٢).
و"إذا" للمفاجأة، وهي مختصة بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال، لا الاستقبال، وهي حرف، وقيل: ظرف مكان، وقيل: ظرف زمان. (٣).
وقوله: "قراءة" بالنصب مفعول "تنعت"، وقوله: "مفسّرة" بصيغة اسم المفعول صفة لـ"قراءة"، ويحتمل أن يكون بصيغة اسم الفاعل حالا من الفاعل، أي حال كونها مبيِّنَة قراءته ﷺ . وقوله: "حرفا حرفا"، قال أبو البقاء: نصبهما على الحال، أي مرتلة، نحو: أدخلتهم رجلا رجلا، أي مُفرَدَين.
قال القاري ﵀: "حرفا حرفا": أي مرتلة، ومجوّدة، ومميزة، غير مخالطة، أو المراد بالحرف الجملةُ المفيدة، فتفيد مراعاة الوقوف بعد تبيين الحروف. قال ميرك: وهذا يحتمل وجهين: (أحدهما): أن تقول: قراءته كيت وكيت. (وثانيهما): أن تقرأ مرتلة مبينة كقراءته ﷺ ، ونحوه قولهم: وجهُها يَصِف الجمال، ومن قوله تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] انتهى. (٤).
[قال الجامع عفا الله عنه]: الاحتمال الثاني هو الذي يدلّ عليه ظاهر النص، ويؤيده ما يأتي من حديث ابن أبي مليكة، عن بعض أزواج النبي ﷺ أنها "سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ ؟ فقراءة قراءة ترسلت فيها".
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم سلمة ﵂ هذا صحيح.
стр. 8096
[فإن قيل]: كيف يصح، وفي سنده يعلي بن مملك، وهو مجهول الحال، لأنه لم يرو عنه غير ابن أبي مليكة، كما تقدم في ترجمته؟.
[أجيب]: بأنه وثقه ابن حبان، وصحح ابن خزيمة حديثه هذا، وله شواهد:
(منها): ما تقدم للمصنف -٨٢/ ١٠١٤ - من حديث أنس ﵁ لما سأله قتادة عن قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: كان يمد صوته مدًّا.
(ومنها): ما أخرجه البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه"، عن قتادة، قال: "سئل أنس كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ ؟ فقال: كانت مدّا، ثم قرأ "بسم الله الرحمن الرحيم"، يمد "بسم الله"، ويمد "بالرحمن"، ويمد "بالرحيم".
(ومنها): ما أخرجه الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" بسند صحيح، قال: حدثنا وكيع، عن نافع بن عمر، وأبو عامر: ثنا نافع، عن ابن أبي مليكة، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، قال أبو عامر: قال نافع: أراها حفصة أنها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ ؟ فقالت: إنكم لا تستطيعونها، قال: فقيل لها: أخبرينا بها، قال: فقرأت قراءة، ترسلت فيها، قال: أبو عامر: قال نافع: فحكى لنا ابن أبي مليكة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم قطع ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قطع ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١).
(ومنها): ما أخرجه ابن أبي داود من طريق قطبة بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قرأ في الفجر ﴿ق﴾ فمر بهذا الحرف ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ فمدّ ﴿نَضِيدٌ﴾. ذكره في "الفتح". (٢)
وهذه شواهد صحاح، يصح بها حديث يعلى بن مملك.
والحاصل أن حديث أم سلمة ﵂ صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قد ضعف الشيخ الألباني رواية المصنف، هذه (٣) وصحح رواية ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، بإسقاط يعلى، وردّ على الترمذي، حيث أعله بالانقطاع. (٤)
[قال الجامع عفا الله عنه]: عندي أن هذا غير صحيح، بل الصواب ما قاله الترمذي، فإنه ﵀ قال بعد إخراج الحديث من طريق يحيى بن سعيد الأموي: ما نصّه: هكذا
стр. 8097
روى يحيى بن سعيد الأموي، وغيره عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، وليس إسناده بمتصل، لأن الليث بن سعد روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن يعلي بن مملك، عن أم سلمة، وحديث الليث أصح. انتهى. (١).
قلت: فالراجح رواية الليث؛ لأن ابن جريج مدلس، وقد رواه بالعنعنة، فأسقط منه يعلي بن مملك، ومما يدلّ على تدليسه أنه رواه أيضًا موافقا لرواية الليث، بذكر يعلى، مصرحا بالإخبار.
فقد أخرج الحديث أحمد في "مسنده"، فقال: حدثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، قال: قال عبد الله بن أبي مليكة: أخبرني يعلي بن مملك، أنه سأل أم سلمة زوج النبي ﷺ عن صلاة النبي ﷺ . . . الحديث، فقد صرح ابن جريج في هذه الرواية بالإخبار بين ابن أبي مليكة، ويعلى، فتبين أن الرواية الأولى التي فيها العنعنة وقع فيها التدليس، كما أشار إليه الترمذي رحمه الله تعالى. وسيأتي للمصنّف أيضًا ١٣/ ١٦٢٨ من رواية حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن أبيه، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، فزاد: "عن أبيه"، وهذا اضطراب منه، فلا تصحّ روايته.
والحاصل أن الرواية الصحيحة هي رواية الليث التي أوردها المصنف في هذا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٨٣/ ١٠٢٢ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ١٠٩٥ - وفي "فضائل القرآن" -٤١/ ٨٠٥٦ - عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن يعلي بن مملك، عنها. وفي ١٣/ ١٦٢٩ - ٢١/ ١٣٢٤ - عن هارون بن عبد الله، عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة به. فزاد "عن أبيه". والله أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) في "الصلاة" عن يزيد بن خالد بن موهب، عن الليث به. (ت) في "فضائل القرآن" عن قتيبة، عن الليث بن سعد به.
وأخرجه أحمد ٦/ ٢٩٤ و ٢٩٧ و ٣٠٠ و ٣٠٨ (والبخاري في "خلق أفعال العباد") ٢٣ (وابن خزيمة) رقم ١١٥٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): استحباب التأني في القراءة، وعدم الإسراع فيها، لأن ذلك زينة للقرآن، وبه
стр. 8098
يتمكن القارئ، والمستمع له من التدبر، والتفكر في معاني القرآن، وذلك هو المقصود الأعظم من التلاوة (ومنها): ما كان عليه السلف من السؤال عن أحوال رسول الله ﷺ في الصلاة، والقراءة، وغير ذلك ليقتدوا به (ومنها): استحباب الوقوف على رؤس الآي، ففي بعض طرق حديث أم سلمة ﵂ هذا: "كان إذا قرأ قطع آية، آية، يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم"، ثم يقف، ثم يقول.، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف". . .الحديث.
قال أبو عمرو الداني ﵀ في باب تفسير الوقف الحسن:-٥/ ٢: ومما ينبغي له أن يُقطع عليه رؤوس الآي، لأنهن في أنفسهن مقاطع، وأكثر ما يوجد التام فيهن لاقتضائهن تمام الجمل، واستبقاء أكثرهن انقضاء القصص.
وقد كان جماعة من الأئمة والقراء الماضين يستحبون القطع عليهن، وإن تعلق كلام بعضهن ببعض، لما ذكرنا من كونهن مقاطع، ولسن بمشبهات لما كان الكلام التام في أنفسهن دون نهاياتهن.
ثم روى عن اليزيد، عن أبي عمرو ﵀ أنه كان يسكت على رأس كل آية، فكان يقول: إنه أحب إلى إذا كان آية أن يسكت عندها. وقد وردت السنة أيضا عن رسول الله ﷺ عند استعماله التقطيع"، ثم ساق هذا الحديث. انتهى. (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
ولما أنهى المصنف رحمه الله تعالى إيراد أحاديث تكبيرة الإحرام، والاستفتاح، والقراءة، وهي من -٨٧٦ - إلى ١٠٢٢ - وجملتها -١٤٦ - حديثا شرع يذكر أحاديث الركوع، فقال:
…
٨٤ - (بَابُ التَّكْبِيرِ لِلرُّكُوعِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على مشروعية التكبير لأجل الركوع.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الركوع" بالضم: الخُضُوع. يقال: ركع يركع-
стр. 8099
بفتح العين فيهما -رَكْعًا -بفتح، فسكون- ورُكوعا -بالضم-: طَأْطَأَ رأسه، وكلُّ قومة يتلوها الركوع والسجدتان من الصلوات، فهي ركعة. ويقال: رَكَعَ المصلي رَكْعَةَ، ورَكْعَتَين، وثلاث رَكَعَات، وأما الركوع، فهو أن يخفض المصلي بعد القومة التي فيها القراءة حتى يطمئن ظهره راكعا، قال لبيد:
أَدِبٌ كَأَنِّي كُلّمَا قُمْتُ رَاكِعُ
فالراكع الْمُنحَنِي في قول لبيد. وكل شيء يَنْكَبُّ لوجهه، فتمسُّ ركبته الأرضَ، أو لا تمسها بعد أن يخفض رأسه، فهو راكع، وجمعه: رُكَعٌ، ورُكُوع.
وفي حديث عليّ ﵁ قال: "نُهِيتُ أن أقرأ، وأنا راكع، أو ساجد". قال الخطابي ﵀: لما كان الركوع والسجود -وهما غاية الذل والخضوع- مخصوصين بالذكر والتسبيح نهاه عن القراءة فيهما، كأنه كرِهَ أن يجمع بين كلام الله ﷺ وكلام الناس في موطن واحد، فيكونان على السواء في المحلّ والمَوْقِعِ.
وكانت العرب في الجاهلية تسمِّي الحَنِيفَ راكعا، إذَا لم يعبد الأوثان، وتقول: ركع إلى الله، ومنه قول الشاعر:
إِلَى رَبهِ رَبِّ الْبَرِيَّةِ رَاكِعُ
ويقال: ركع الرجل: إذا افتقر بعد غِنًى، وانحطّت حالُه، قال الشاعر: [من الخفيف]
لَا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ … كَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ
أراد: لا تهينَنْ، فجعل النون ألفا ساكنة، فاستقبلها ساكن آخر، فسقطت.
والركوع: الانحناء، ومنه ركوع الصلاة، وركع الشيخ: انحنى من الْكِبَر، والركعة: الهُوِيّ في الأرض لغة يمانية. قال ابن بَرِّيّ: ويقال: ركع: أي كبا وعَثَرَ، قال الشاعر: [من الوافر]
وَأَفْلَتَ حَاجِبٌ فَوْتَ الْعَوَالي … عَلَى شَفاءَ تَرْكَعُ فِي الظِّرَابِ
انتهى "لسان العرب" بتصرف (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠٢٣ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ، كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ
стр. 8100
مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ، وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ").
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة [١٠]، ت ٢٤٠ (ت س) تقدم ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله بن المبارك) أبو عبد الرحمن المروزي الإمام الثبت الحجة [٨]، ت ١٨١ (ع) تقدم ٣٢/ ٣٦.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، أبو يزيد، ثقة، من كبار [٧]، ت ١٥٩ (ع) تقدم ٩/ ٩. والباقون تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف ﵀ (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات نُبَلاء، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والترمذي، وأن شيخه، وابن المبارك مروزيان، ويونس أيلي، والباقون مدنيون (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأبا هريرة ﵁ أحد المكثرين السبعة. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف، كذا رواه يونس: "عن أبي سلمة"، وكذا هو عند البخاري من رواية مالك، وعند السرّاج من رواية معمر كلهم عن الزهري، عن أبي سلمة. وقال عُقيل عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة ﵁. وتابعه ابن جريج، عن ابن شهاب، عند مسلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ليس هذا اختلافا قادحا، بل الحديث عند ابن شهاب عنهما معا، كما رواه البخاري من رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ كان يكبر … الحديث. أفاده الحافظ رحمه الله تعالى (١).
(أن أبا هريرة حين استخلفه) أي جعله خليفة له في الصلاة (مروان) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة (٦٤) ومات
стр. 8101
في رمضان سنة (٦٥) وله ثلاث، أو إحدى وستون سنة، ولا تثبت له صحبة (١) (على المدينة) النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، والظاهر أن استخلاف أبي هريرة ﵁ كان حينما كان مروان أميرا على المدينة؛ لأنه كان أمير معاوية ﵁ عليها (كان إذا قام إلى الصلاة) فيه التكبير قائما، وهو بالاتفاق في حق القادر (المكتوبة) أي المفروضة، التي كتبها الله ﷺ على عباده، وليس هذا خاصا بالمكتوبة فقط، بل النافلة كذلك، وقد ثبت في رواية البخاري النص عليه، ولفظه من طريق شعيب بن أبي حمزة: "أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم". . . (كبر) أي قال: "الله أكبر"، وهذا التكبير للدخول في الصلاة فرض عند الجمهور، كما تقدم الكلام عليه في محله (ثم يكبر حين يركع) قال النووي ﵀: فيه دليل على مقارنة التكبير للحركة، وبَسْطِهِ عليها، فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتقال إلى الركوع، ويمده حتى يصل إلى حد الركوع انتهى.
قال الحافظ ﵀: ودلالة هذا اللفظ على البسط الذي ذكره غير ظاهرة. انتهى.
وعبارة النوويّ ﵀ في "شرح مسلم" عند قوله: يكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع، ويكبر حين يقوم من المثنى": هذا دليل على مقارنة التكبير لهذه الحركات، وبسطه عليها، فيبدأ حين يشرع في الانتقال إلى الركوع، ويمده حتى يصل حد الراكعين، ثم يشرع في تسبيح الركوع، ويبدأ بالتكبير حين يشرع في الهُوِيّ إلى السجود، ويمده حتى يضع جبهته على الأرض، ثم يشرع في تسبيح السجود، ويبدأ في قوله: "سمع الله لمن حمده" حين يشرع في الرفع من الركوع، ويمده حتى ينتصب قائما، ثم يشرع في ذكر الانتقال، وهو ربنا ولك الحمد إلى آخره، ويشرع في التكبير للقيام من التشهد الأول حين يشرع في الانتقال، ويمده حتى ينتصب قائما. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (٢).
[قال الجامع عفا الله عنه]: هذا الذي قاله النووي ﵀ من أنه يمد التكبير حتى تتم الحركة، ليس في حديث الباب ما يدلّ عليه، كما أشار إليه الحافظ -رحمه الله تعالى- في كلامه السابق، وإنما يدلّ على أن التكبير يقارن هذه الانتقالات، فيستحب أن ينتقل من ركن إلى آخر مصاحبا للتكبير من أوله، وأَمَّا أن يمده حتى يصل إلى الركن الذي يليه فمما لا يدلّ عليه الحديث، فتبصر. والله تعالى أعلم.
وقال العلامة الصنعاني ﵀: ظاهر قوله: يكبر حين كذا، وحين كذا أن التكبير
стр. 8102
يقارن هذه الحركات، فيشرع في التكبير عند ابتدائه للركن. وأما القول بأنه يمد التكبير حتى يتم الحركة، فلا وجه له، بل يأتي باللفظ من غير زيادة على أدائه، ولا نقصان عنه. انتهى.
وقال صاحب "المنهل" ﵀: وعلى تسليم ما قاله النووي في مد التكبير إلى انتهاء حركات الانتقال، فينبغي للمصلي أن يسرع بحركات الانتقال، ويراعي عدم مدّ لفظ الجلالة أزيد من حركتين، فإنه مدّ طبيعي. وقد اتفق القراء على أنه لا يجوز مدّه أزيد
من حركتين، خلافا لما يفعله بعضهم من مبالغتهم في هذا المدّ إلى ست حركات، أو أكثر. انتهى. (١).
[قال الجامع عفا الله عنه]: وفيما قاله صاحب "المنهل" من الإسراع في الانتقالات نظر، فإن الإسراع أيضًا مخالف للسنة، لأن السنة في الانتقالات وغيرها كونها على سكون وطمأنينة، كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فالإسراع المخل بالسنة مكروه، بل ربما يؤدي إلى بطلان الصلاة، كما ثبت ذلك في حديث المسيء صلاته، فليتنبه. والله تعالى أعلم.
(فإذا رفع رأسه من الركعة) بفتح الراء مصدر رَكَعَ، كما تقدم، فالمراد هنا المعنى المصدريّ الحقيقي، وهو الانحناء المعروف، وهو الركوع، لا المعنى المجازي الذي يطلق على جميع أفعال الركعة الواحدة من الصلاة.
(قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) وفي الرواية الآتية -٩٠/ ١١٥٠ - من رواية الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن: "ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول، وهو قائم. ربنا ولك الحمد". فدلّ على أن التسميع ذكر النهوض، وأن التحميد ذكر الاعتدال، وفيه أن الإمام يجمع بينهما، خلافا لمالك؛ لأن صلاة النبي ﷺ الموصوفة محمولة على حال الإمامة، لكون ذلك هو الأكثر الأغلب من أحواله ﷺ ، وسيأتي البحث عن ذلك في محله، وكذلك شرح قوله: "سمع الله لمن حمده" الخ يأتي هناك إن شاء الله تعالى.
(ثم يكبر حين يهوي) بفتح الياء مضارع هَوَى: أي يسقط، ويهبط. يقال: هَوَى يهوِي، من باب ضَرَبَ، هُوِيًّا -بضم الهاء، وفتحها- وزاد ابن القُوطِيَّة: "هَوَاءَ" بالمد: سقط من أعلى إلى أسفل، قاله أبو زيد وغيره، قال الشاعر: [من الوافر]:
هُوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَهَا الرِّشَاءُ
يُروَى -بالفتح، والضم- واقتصر الأزهري على الفتح. وهَوَى يهوِي أيضا هُوِيًّا-
стр. 8103
بالضم- لا غير: إذا ارتفع. قاله في "المصباح" (١) أي فهو من الأضداد، والمراد به هنا المعنى الأول.
(ساجدًا) حال من فاعل "يهوي". وفيه أن التكبير ذكر الهُويّ، فيبتدىء به حين يشرع في الهويّ بعد الاعتدال.
(ثم يمكبر حين يقوم من الثنتين بعد التشهد) أي الركعتين الأوليين اللتين بعد التشهد الأول. وفيه أنه يَشْرَعُ في التكبير من حين ابتداء القيام إلى الثالثة بعد التشهد الأول، خلافا لمن قال: إنه لا يكبر حتى يستوي قائما. (٢)
(يفعل ذلك) أي المذكور من الأذكار (حتى يفضي صلاته) أي يتمها، يقال: قَضَى فلان صلاتَه، يَقضِي، قَضَاءً، وقَضِيَّةً: إذا فرغ منها. أفاده في "اللسان".
(فإذا قضى صلَاتهُ، وسلم أقبل على أهل المسجد) أي توجه إليهم (فقال: والذي نفسي بيده) فيه القسم بيد الله ؛ لأن اليد صفة من صفات الله تعالى التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها النبي ﷺ في أحاديثه الصحيحة، فهي صفة ثابتة على ما يليق بجلاله، بدون تأويلها إلى القدرة، كما يقول به بعض الناس (إني لأشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ ) جملة "إن" جواب القسم، و"صلاةً" منصوب على التمييز.
زاد في الرواية الآتية ٩٤/ ١١٥٥ - من طريق معمر عن الزهري: "ما زالت هذه صلاته حتى فارق الدنيا". ووافقه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري.
قال أبو داود في "سننه" بعد أن أخرج الحديث من طريق شعيب بت أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة ﵁ وفي آخره: "والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبَهًا بصلاة رسول الله ﷺ ، إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا": ما نصه: هذا الكلام الأخير -يعني قوله: "ما زالت هذه صلاته" الخ-. يجعله مالك، والزبيدي، وغيرهما عن الزهري، عن علي بن الحسين. ووافق عبدُ الأعلى، عن معمر شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري. انتهى.
يعني أن قوله: "إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا" جعله مالك، والزبيدي، وغيرهما عن الزهري، عن علي بن حسين مرسلا.
ولفظ "الموطإ": "حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يكبر في الصلاة كلما خفض، ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله ﷺ ".
стр. 8104
قال ابن عبد البرّ ﵀: لا أعلم خلافا بين رواة "الموطإ" في إرسال هذا الحديث. انتهى.
وجعله شعيب بن أبي حمزة، ووافقه عليه عبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن معمر، كلاهما عن الزهري، عن أبي هريرة ﵁، موصولا.
[قال الجامع عفا الله عنه]: مثل هذا الاختلاف لا يضر، لأنه يحمل على أن الزهري روى الحديث بالطريقين جميعا، طريق علي بن الحسين، وهي مرسلة، وطريق أبي بكر ابن عبد الرحمن، وأبى سلمة بن عبد الرحمن، وهي موصولة بذكر أبي هريرة ﵁.
ويؤيد صحة الطريقة الموصولة ما يأتي للمصنف رحمه الله تعالى -٩٠/ ١١٥٠ - من طريق الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول، وهو قائم: ربنا لك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس".
فهذا صريح في أن الصفة المذكورة في هذا الحديث كلها مرفوعة إلى النبي ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث.
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٨٤/ ١٠٢٣ - وفي "الكبرى" -٣١/ ١٠٩٦ - عن سويد بن نصر، عن عبد الله ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عنه. وفي ٩٤/ ١١٥٥ - و"الكبرى" ٩١/ ٧٤١ - عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب به، مختصرا بلفظ: "أن أبا هريرة ﵁ كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض، ورفع، فإذا انصرف قال: والله إني لأشبهم صلاة برسول الله ﷺ ". وفي ٩٤/ ١١٥٦ - و"الكبرى" -٩١/ ٧٤٢ - عن نصر بن علي، وسوَّار بن عبد الله، كلاهما عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي سلمة، كلاهما عنه. وفي -٢١/ ١٠٦٠ - و"الكبرى" -٢٠/ ٦٤٧ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر،
стр. 8105
عن الزهري، عن أبي سلمة به، مختصرا، ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللَّهم ربنا لك الحمد". وفي -٩٠/ ١١٥٥٠ - و"الكبرى" -٨٧/ ٧٣٦ - عن محمَّد ابن رافع عن حُجَين بن المثنى، عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عنه، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر … وتقدم تمامه. والله أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) في "الصلاة" عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة به. وعن عبد الله ابن يوسف، عن مالك به. وعن يحيى بن بكير، عن الليث به. (م) فيه عن يحيي بن يحيي، عن مالك به. وعن حرمله بن يحيي، عن ابن وهب، عن يونس به. وعن محمَّد ابن مِهْران الرازي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به. وعن محمَّد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن به. وعن محمَّد بن رافع عن حجين به. (د) فيه عن عمر وابن عثمان، عن أبيه، وبقية، كلاهما عن شعيب بن أبي حمزة به. (ت) فيه عن عبد الله ابن مُنِير، عن علي بن الحسين، عن ابن المبارك، عن ابن جريج به.
وأخرجه مالك في "الموطإ" ٧٠ و (أحمد) ٢/ ٢٧٠ و ٢٧٠ و ٥٠٢. و ٥٢٧ و ٤٥٤٣ (والدارمي) رقم ١٢٥١ (وابن خزيمة) رقم ٥٧٨ و ٥٧٩ و ٦١١ أو ٦٢٤. والله أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية التكبير للركوع، وهو مستحب عند جمهور أهل العلم، وأوجبه بعضهم، وسيأتي ترجيحه، إن شاء الله تعالى (ومنها): أن فيه إثبات التكبير في كل خفض ورفع، إلا في رفعه من الركوع، فإنه يقول: "سمع الله لمن حمده"، قال النووي ﵀:وهذا مجمع عليه اليوم، ومن الأعصار المتقدمة، وقد كان فيه خلاف في زمن أبي هريرة ﵁، وكان بعضهم لا يرى التكبير إلا للإحرام، وبعضهم يزيد عليه بعض ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁، وكان هؤلاء لم يبغلهم فعل رسول الله ﷺ ، ولهذا كان أبو هريرة ﵁ يقول: إني لأشبهم صلاة برسول الله ﷺ ، واستقرّ العمل على ما في حديث أبي هريرة ﵁ هذا، ففي كل صلاة ثنائية إحدى عشرة تكبيرة، وهي تكبيرة الإحرام، وخمس في كل ركعة، وفي الثلاثية سبع عشرة، وهي تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وخمس في كل ركعة، وفي الرباعية ثنتان وعشرون تكبيرة، ففي المكتوبات الخمس أربع وتسعون تكبيرة.
стр. 8106
(ومنها): أن الذكر المشروع في الرفع من الركوع هو أن يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، وسيأتي تحقيق الخلاف بين أهل العلم هل يستوي فيه الإمام، والمأموم، والمنفرد، أم لا؟ في محله إن شاء الله تعالى.
(ومنها): أنه يَشرَع في التكبير حين يَشرع في القيام من التشهد الأول، وهو مذهب العلماء كافّة، إلا ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز ﵀، وبه قال مالك: أنه لا يكبر للقيام من الركعتين حتى يستوي قائما، ودليل الجمهور ظاهر هذا الحديث. (١).
(ومنها): إظهار السنة التي أهملها الناس، تعليما للجاهل، وتنبيها للعالم بها الناسي لها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان مذاهب العلماء في حكم التكبير للركوع، وفي كل خفض ورفع:
(قال النووي ﵀: (واعلم): أن تكبيرة الإحرام واجبة، وما عداها سنة، لو تركه صحت صلاته، لكن فاتته الفضيلة، وموافقة السنة، هذا مذهب العلماء كافة، إلا أحمد ابن حنبل في إحدى الروايتين عنه أن جميع التكبيرات واجبة. ودليل الجمهور أن النبي ﷺ علَّمَ الأعرابي الصلاة، فعلمه وأجباتها، فذكر منها تكبيرة الإحرام، ولم يذكر ما زاد، وهذا موضع البيان، ووقته، ولا يجوز التأخير عنه انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى. (٢).
[قال الجامع عفا الله عنه]: سيأتي ما في كلام النوويّ هذا قريبا، إن شاء الله تعالى. وقد حكى الترمذي ﵀ مشروعية التكبير في كل خفض ورفع عن الخلفاء الأربعة ﵃، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، قال: وعليه عامة الفقهاء والعلماء.
وحكاه ابن المنذر ﵀ عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطّاب، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وقيس ابن عباد، والشعبي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وسعيد بن عبد العزيز، وعامة أهل العلم ﵃.
وقال البغوي في "شرح السنة": اتفقت الأمة على هذه التكبيرات. وقال ابن سيد الناس؛ وقال آخرون: لا يشرع إلا تكبيرة الإحرام فقط، يُحكَى ذلك عن عمر بن الخطاب، وقتادة، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، ونقله ابن المنذر عن القاسم بن محمَّد، وسالم بن عبد الله بن عمر. ونقله ابن بطال عن جماعة أيضًا: منهم معاوية بن أبي سفيان، وابن سيرين.
стр. 8107
قال أبو عمر ابن عبد البر ﵀: قال قوم من أهل العلم: إن التكبير ليس بسنة إلا في الجماعة، وأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر. وقال أحمد: أحب إلى أن يكبر إذا صلى وحده في الفرض، وأما التطوع فلا.
وروي عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده. واستدل من قال بعدم مشروعية التكبير كذلك بما أخرجه أحمد، وأبو داود عن ابن أبزى، عن أبيه ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ ، فكان لا يتم التكبير. وفي لفظ لأحمد: "إذا خفض، ورفع". وفي رواية: "فكان لا يكبر إذا خفض "يعني بين السجدتين. وفي إسناده الحسن بن عمران، قال أبو زرعة: شيخ، ووثقه ابن حبان. وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": والحديث معلول، قال أبو داود الطيالسي، والبخاري: لا يصح، ونقل البخاري عن الطيالسي أنه قال: هذا باطل، وقال الطبري في تهذيب الآثار: الحسن مجهول. انتهى (١). فمثل هذا الضعيف لا يصلح لمعارضة أحاديث الباب لكثرتها، وصحتها، وكونها مثبتة، ومشتملة على الزيادة. فأقل أحوال الأحادي؛ الواردة في هذا الباب، أن تدلّ على سنية التكبير في كل خفض ورفع. أفاده الشوكاني رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل إنها تدلّ على وجوب التكبير، كما سيأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى.
وقد روى أحمد عن عمران بن حصين أن أول من ترك التكبير عثمان ﵁ حين كبر، وضعف صوته. وهذا يحتمل أنه ترك الجهر. وروى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ أن أول من ترك التكبير معاوية ﵁. وروى أبو عبيد أن أول من تركه زياد.
وهذه الروايات غير متنافية لأن زيادا تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان، وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء.
وحكى الطحاوي أن بني أمية كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، وما هذه بأول سنة تركوها.
وقد اختلف القائلون بمشروعية التكبير، فذهب جمهورهم إلى أنه مندوب فيما عدا تكبيرة الإحرام، وقال أحمد في رواية عنه، وبعض أهل الظاهر: إنه يجب كله.
واحتج الجمهور على الندبية بأن النبي ﷺ لم يعلمه المسيء صلاته، ولو كان واجبا لعلمه (٣).
стр. 8108
[قال الجامع عفا الله عنه]: في الاستدلال بهذا نظر لا يَخْفَى؛ لأن هذا الحديث ثبت فيه أنه ﷺ علم المسيء صلاته أذكار الانتقالات.
فقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ قال للمسيء صلاته: "إنه لا يتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله ﷺ ، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائما، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى يطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه، فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته" (١).
فقد ثبت بهذا الحديث أنه ﷺ علم المسيء صلاته تكبير الركوع وغيره، فبطل الاستدلال به.
واستدلوا أيضًا بحديث ابن أبزى، فإنه يدل على عدم الوجوب؛ لأن تركه ﷺ له في بعض الحالات لبيان الجواز، والإشعار بعدم الوجوب.
[قال الجامع]: قد عرفت ما فيه من الضعف، فلا يصح الاستدلال به، ولا معارضة الأحاديث الصحيحة الدالة على الوجوب به.
فتبين بهذا أن أدلة القائلين بالوجوب قوية، لكثرتها، وصحتها، وعدم المعارض لها:
(فمنها): حديث أبي هريرة ﵁ المذكرو في هذا الباب. (ومنها): حديث المسيء صلاته المذكور آنفا، فإنه نص صريح في عدم صحة الصلاة بغير تكبيرات الانتقالات.
(ومنها): حديث وائل الحضرمي ﵁: "أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، فكان يرفع يديه مع التكبير، ويكبر كلما خفض، وكلما رفع، ويسلم عن يمينه، وعن يساره". أخرجه أحمد، والدارمي، والسرَّاج، والطيالسي بسند حسن (٢).
(ومنها): حديث ابن مسعود ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كل رفع، وخفض، وقيام، وقعود .. الحديث. وسيأتي للمصنف رقم ٨٣/ ١١٤٢ - ورواه أحمد، والترمذي، وصححه. وغير ذلك من الأحاديث المتقدمة في أوائل "كتاب الافتتاح"، ويأتي بعضها في أبواب السجود، إن شاء الله تعالى. وقد صح عنه ﷺ ، أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
стр. 8109
والحاصل أن القول بوجوب تكبيرات الانتقالات هو الراجح، لقوة دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨٥ - (رَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلرُّكوعِ حِذَاءَ فُرُوعِ الأُذُنَيْنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على مشروعية رفع اليدين لأجل الركوع حِذَاءَ فروع الأذنين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحذاء" -بكسر المهملة، بعدها ذال معجمة: المُقَابِلُ، وهو منصوب على الظرفية متعلق بـ"رفع". والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠٢٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، حَتَّى بَلَغَتَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (علي بن حُجْر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩]، ت ٢٤٤ تقدم ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم ابن علية البصري، ثقة حافظ [٨] تقدم ١٨/ ١٩.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة البصري، ثقة ثبت يدلس، واختلط [٦]، تقدم ٣٤/ ٣٨.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت مدلس [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤.
٥ - (نصر بن عاصم الليثي) البصري، ثقة [٣] تقدم ٤/ ٨٨٠.
٦ - (مالك بن الحويرث) الليثي، صحابي نزل البصرة، مات ﵁ ٧٤ - تقدم ٧/ ٦٣٤.
ولطائف الإسناد، وشرح الحديث، والمسائل المتعلقة به تقدّمت في-٤/ ٨٨. ومحل استدلال المصنف رحمه الله تعالى للترجمة قوله: "حتى بلغتا فروع أذنيه". وقد تقدم في الباب المذكور أنه قال: "رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه"، أي مقابلَهُما،
стр. 8110
وتقدم وجه الجمع بين الروايتين يحمل الاختلاف على اختلاف الأوقات، أو على ما نقل عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه رفع يديه بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه كفيه (١). والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨٦ - (بَابُ رَفْع الْيَدَيْنِ لِلرُّكُوعِ حِذَاءَ الْمَنْكِبَيْنِ)
وفي نسخة: "حَذْوَ المنكبين"، وهو بمعناه.
١٠٢٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠]، تقدم ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت [٨] تقدم ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمَّد بن مسلم المدني الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١.
٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر العدوي المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٢٣/ ٤٩٠.
٥ - (عبد الله بن عمر) بن الخطّاب ﵄، تقدم ١٢/ ١٢.
ولطائف الإسناد، وشرح الحديث، والمسائل المتعلقة به قد تقدّمت مستوفاة في ١/ ٨٧٦. فلتراجعها تستفد. والله تعالى ولي التوفيق.
ومحل استدلال المصنف رحمه الله تعالى على الترجمة من الحدي ث واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 8111
٨٧ - (تَرْك ذَلكَ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز ترك رفع اليدين للركوع.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد احتج بحديث الباب الحنفية، وبعض أهل العلم، فقالوا بعدم مشروعية رفع اليدين في الصلاة، إلا في الافتتاح، لكن الاحتجاج به غير صحيح؛ لعدم صحته، وكذلك الأحاديث المروية في هذا الباب. وعلى تقدير صحتها، فتحمل على بيان الجواز، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسائل، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠٢٦ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: فَقَامَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ لَمْ يُعِدْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سويد بن نصر)
٢ - (عبد الله بن المبارك) تقدما قبل بابين.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧.
٤ - (عاصم بن كليب) بن شهاب الْجَرْمِيّ الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء [٥] تقدم ١١/ ٨٨٩.
٥ - (عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة [٣] ت ٩٩ (ع) تقدم ٣٨/ ٤٢.
٦ - (علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [٢]، ت بعد ٦٠ وقيل: بعد ٧٠ تقدم ٦١/ ٧٧.
٧ - (عبد الله) بن مسعود ﵁، تقدم ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي، وأنهم كوفيون، سوى شيخه، وابن المبارك، فمروزيان (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض (ومنها): أن فيه عبد الله مطلقا، وهو عند الكوفيين ابن مسعود ﵁، وقد تقدم بيان
стр. 8112
الضابط في ذلك غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: ألا) "ألا" هنا للعرض، أو للتحضيض، والفرق بينهما أن العرض حثّ بلين، والتحضيض حث بإزعاج (أخبركم) أي أعلمكم (بصلاة رسول الله ﷺ ) أي بكيفيتها. وفي رواية أبي داود: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ " (قال) أي علقمة (فقام، فرفع يديه) الفاء الأولى للتفصيل، والثانية للتعقيب، أي رفع يديه عقب قيامه (أول مرة) منصوب على الظرفية متعلق بـ"رفع" (ثم لم يعد) يحتمل أن يكون بفتح الياء، وضم العين، من العَودة: بمعنى الرجوع، أي لم يرجع ابن مسعود ﵁ لرفع يديه مرة أخرى. ويحتمل أن يكون بضم الياء، وكسر العين، من الإعادة رباعيا. ومفعوله محذوف، أي لم يُعد رفعَ يديه مرة أخرى. وفي بعض نسخ "المجتبى": "ثم لم يرفع". وهو الذي في "الكبرى". ولفظ أبي داود: "قال: فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة".
والحديث حجة لمن قال بعدم رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه. وسيأتي ما فيه قريبا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن مسعود ﵁ ضعفه الجمهور، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حزم، والعلامة أحمد محمَّد شاكر، والشيخ الألباني، (١) والراجح ما ذهب إليه الجمهور، فإن الحديث معلول، كما سيأتي بيانه في كلام الأئمة، إن شاء الله تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٨٧/ ١٠٢٦ - وفي "الكبرى" -٣٤/ ١٠٩٩ - عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن الثوري، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عنه. وفي -٢٠/ ١٠٥٨ - و"الكبرى" -١٩/ ٦٤٥ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
стр. 8113
أخرجه (د) في "الصلاة" عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع- وعن الحسن بن علي، عن معاوية- وخالد بن عمرو- وأبي حذيفة- أربعتهم عن الثوري به. (ت) فيه عن هناد ابن السري، عن وكيع به.
وأخرجه (أحمد) ١/ ٣٨٨ و ٤٤١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في بيان ما قاله الأئمة الحفاظ في هذا الحديث:
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "جزء رفع اليدين": ويُروى عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال ابن مسعود ﵁: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فصلى، ولم يرفع يديه إلا مرة".
وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى بن آدم: نظرت في كتاب عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب، ليس فيه: "ثم لم يعد". فهذا أصح؛ لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم؛ لأن الرجل يحدث بشيء، ثم يرجع إلى الكتاب، فيكون كما في الكتاب.
حدثنا الحسن بن الربيع، ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبدالرحمن بن الأسود، ثنا علقمة، أن عبد الله ﷺ قال: علمنا رسول الله ﷺ الصلاة، فقام، فكبر، ورفع يديه، ثم ركع، فطبق يديه، فجعلهما بين ركبتيه، فبلغ ذلك سعدا، فقال: صدق أخي، ألا بل قد كنا نفعل ذلك في أول الإسلام، ثم أمرنا بهذا.
قال البخاري: هذا هو المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود. انتهى كلام البخاري رحمه الله تعالى (١).
وقال ابن أبي حاتم في "علل الحديث" جـ ١ ص ٩٦: سألت أبي عن حديث رواه سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله أن النبي ﷺ قام: فكبر، فرفع يديه، ثم لم يعد؟ فقال أبي: هذا خطأ، يقال: وهم الثوري، وروى هذا الحديث عن عاصم جماعة، فقالوا كلهم: إن النبي ﷺ افتتح، فرفع يديه، ثم ركع، فطبق، وجعلها بين ركبتيه، ولم يقل أحد ما روى الثوري. انتهى كلام ابن أبي حاتم.
وقال الحافظ ﵀ في "التلخيص الحبير": حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لأصلين بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ به. ورواه ابن عدي، والدارقطني، والبيهقي من
стр. 8114
حديث محمَّد بن جابر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁: "صليت مع النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة".
وهذا الحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن حزم. وقال ابن المبارك: لم يثبت عندي. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: هذا حديث خطأ. وقال أحمد بن حنبل، وشيخه يحيي بن آدم: هو ضعيف، نقله البخاري عنهما، وتابعهما على ذلك. وقال أبو داود: ليس هو بصحيح. وقال الدارقطني: لم يثبت. وقال ابن حبان في الصلاة: هذا أحسن خبر روي لأهل الكوفة في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه؛ لأن له عللا تبطله.
وهؤلاء الأئمة إنما طعنوا كلهم في طريق عاصم بن كليب الأولى، وأما طريق محمد ابن جابر، فذكرها ابن الجوزي في "الموضوعات"، وقال عن أحمد: محمدُ بنُ جابر لا شيء، ولا يحدث عنه إلا من هو شرّ منه. قال الحافظ: وقد بينت في "المدرج" حال هذا الخبر بأوضح من هذا. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
[قال الجامع عفا الله عنه]: قد تبين بما ذكر من أقوال هؤلاء الأئمة أن حديث ابن مسعود ﵁ هذا غير صحيح، لأمور:
(الأول): اتفاق جمهور هؤلاء الأئمة على خطإ تلك الزيادة.
(الثانية): عدم وجودها في كتاب عاصم بن كليب، والكتاب أضبط من الحفظ، كما بينه الإمام أحمد عن شيخه يحيي بن آدم.
(الثالث): مخالفة عبد الله بن إدريس للثوري فيه، وقد وافق ابنَ إدريس جماعة، كما قال أبو حاتم وغيره. (الرابع): الكلام في عاصم بن كليب، فقد قال فيه ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد، كما في "تهذيب التهذيب" جـ ٥ ص ٥٦. وهو قد تفرد بهذا الحديث، ولا متابع له فيه، فهذه جملة الأمور التي عللوا بها هذا الحديث. والله أعلم.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: في "التمهيد": أما حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان لا يرفع يديه في الصلاة إلا مرة في أول شيء، فهو حديث انفرد به عاصم بن كليب، واختلف عليه في ألفاظه، وقد ضعف الحديث أحمد بن حنبل، وعَلَّلَه، ورمى به.
وأخرج أيضًا بسنده عن محمَّد بن وضاح، أنه قال: الأحاديث التي تروى عن النبي
стр. 8115
- ﷺ في رفع اليدين: "ثم لا يعود" ضعيفة كلها. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى باختصار (١).
والحاصل أن هذا الحديث ضعيف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان مذاهب العلماء في رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام: قال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى في كتابه "المجموع شرح المهذب" جـ ٣ ص ٣٩٩ - ٤٠٦ - : (اعلم): أن هذه المسألة مهمة جدّا، فإن كل مسلم يحتاج إليها في كل يوم مرات متكاثرات، لا سيما طالب الآخرة، ومكثر الصلاة، ولهذا اعتنى العلماء بها اعتناء أشد اعتناء، حتى صنف الإمام أبو عبد الله البخاري كتابا كبيرا في إثبات الرفع في هذين الموضعين، والإنكار الشديد على من خالف ذلك فهو كتاب نفيس.
(اعلم): أن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام سنة بإجماع من يعتدّ به، وفيه شيء ذكرناه في موضعه.
وأما رفعهما في تكبيرة الركوع، وفي الرفع منه، فمذهبنا أنه سنة فيهما، وبه قال أكثر العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، حكاه الترمذي عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وابن الزبير، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة ﵃، وعن جماعة من التابعين، منهم: طاوس، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير، ونافع، وغيرهم، وعن ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق (٢).
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإن من السنة أن يرفع المرء يديه إذا افتتح الصلاة.
واختلفوا في رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع، فقالت طائفة: يرفع المصلي يديه إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، روي هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن التابعين، ومن بعدهم. روينا ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وابن الزبير، وأنس بن مالك. وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم إذا كبروا، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع، كأنها المراوح.
وروي ذلك عن الحسن البصري، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، ومجاهد،
стр. 8116
ونافع، وابن أبي نجيح، وقتادة، والحسن بن مسلم، والقاسم بن محمَّد، ومكحول، وعبد الله بن دينار، وسالم، ونافع، وابن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن أبي عديّ، ومعاذ بن معاذ العنبري، وعبد الوهاب الثقفي، وصفوان بن عيسى، وروح بن عبادة، وعمربن علي بن مقدام (١)، وعبد الملك ابن الصباح، وزهير بن نعيم، البابي (٢)، وحماد بن مسعدة، وأزهر السمان، وأبي داود الطيالسي، وعثمان بن عمر البكراوي، ووهب ابن جرير بن حازم، وبهز، والمعلي بن أسد، وأبي قتيبة، وأبي عبد الرحمن المقرئ، ويحيى بن حماد، ويحيى بن أبي الحجاج المنقري، وأيوب بن المتوكل، ويعقوب بن إسحاق المقرئ، وعبيد الله بن عمر القواريري، وسليمان بن حرب، وأبي الوليد الطيالسي، وعمر بن عون الواسطي، والحميدي، ومسدد، وعلي بن المديني.
وحكى يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن مالك أنه سئل هل يرفع يديه في الركوع في الصلاة؟ قال: نعم، فقيل: وبعد أن يرفع رأسه من الركوع؟ قال: نعم. قال: وهذا في سنة خمس وسبعين. قال يونس: وهي آخر سنة فارق فيها ابن وهب مالكا.
وقال الأوزاعي: الذي بلغنا عن رسول الله ﷺ فيما عليه أهل الحجاز، والشام، والبصرة أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة، ويرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، إلا أهل الكوفة، فإنهم خالفوا في ذلك.
وممن قال بمثل ما ذكرناه عن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين: الليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (٣).
وقال الإمام أبو عبد الله البخاري: يُرْوَى هذا الرفعُ عن سعبة عشر نفسا من أصحاب النبي ﷺ ، منهم: أبو قتادة الأنصاري، وأبو أسيد الساعدي البدري، ومحمد بن مسلم البدري، وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، ووائل بن حجر، ومالك بن
стр. 8117
الحويرث، وأبو موسى الأشعري، وأبو حميد الساعدي ﵃.
قال: وقال الحسن، وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم، فلم يستثن أحدا من أصحاب النبي ﷺ . قال البخاري: ولم يثبت عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه لم يرفع يديه، قال: وروينا الرفع أيضًا عن عدة من علماء أهل مكة، وأهل الحجاز، وأهل العراق، والشام، والبصرة، واليمن، وعدة من أهل خراسان، منهم: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والقاسم بن محمَّد، وسالم بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز، والنعمان بن أبي عياش، والحسن، وابن سيرين، وطاوس، ومكحول، وعبد الله بن دينار، ونافع، وعبيد الله بن عمر، والحسن بن مسلم، وقيس بن سعد، وعدة كثيرة.
وكذلك يروى عن أم الدرداء ﵂ أنها كانت ترفع يديها. وكان ابن المبارك يرفع يديه، وكذلك عامة أصحابه، منهم: علي بن حسين، وعبد الله بن عمر، ويحيى بن يحيي. ومحدثي أهل بخارى، منهم عيسى بن موسى، وكعب بن سعيد، ومحمد بن سلام، وعبد الله بن محمَّد المسندي، وعدة ممن لا يحصى، لا اختلاف بين من وصفنا من أهل العلم، وكان عبد الله بن الزبير -يعني الحميدي شيخه- وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم يثبتون هذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، ويرونها حقا، وهؤلاء أهل العلم من أهل زمانهم. هذا كلام البخاري (١).
ونقله البيهقي عن هؤلاء الصحابة المذكورين، قال: وروينا عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطّاب، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر، وعبد الله ابن جابر البياضي الصحابيي ﵃. ثم رواه عن هؤلاء التابعين الذين ذكرهم البخاري، قال: وروينا أيضًا عن أبي قلابة، وأبي الزبير، ومالك، والأوزاعي، والليث، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن المبارك، ويحيى بن يحيي، وعدة كثيرة من أهل الآثار بالبلدان، فهؤلاء هم أئمة الإسلام شرقا وغربا في كل عصر (٢).
(قال الجامع عفا الله عنه): أما حجج الجمهور لمشروعية رفع اليدين في هذه المواضع فأحاديث كثيرة صحيحة، تقدم بعضها في أوائل "كتاب الافتتاح"، فلا حاجة إلى سردها، فإن شهرتها تغني عن ذلك. وإنما الحاجة في ذكر أدلة القائلين بعدم
стр. 8118
المشروعية، ومناقشتها، على ما حققه المنصفون ممن لم يتأثر بالتعصب المذهبي، فأذكر ذلك هنا بعون الله ﷺ ، فأقول:
ذكر مذهب القائلين بعدم مشروعية الرفع إلا في تكبيرة الإحرام، ومناقشة أدلتهم:
قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى بعد إخراج حديث ابن مسعود ﵁ المذكور في الباب: ما نصّه: وبه يقول غير واحد من أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وهو قول سفيان، وأهل الكوفة. انتهى.
وقال النوويّ ﵀: وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى، وسائر أصحاب الرأي: لا يرفع يديه في الصلاة إلا لتكبيرة الإحرام، وهي أشهر الروايات عن مالك.
وأما القائلون بعدم المشروعية، فاحتجوا على ذلك بحديث ابن مسعود ﵁ المذكور في الباب، وقد عرفت ما فيه.
واحتجوا أيضا بحديث البراء بن عازب ﵄ عند أبي داود، والدارقطني بلفظ: "رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لم يعد". وهو من رواية يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه.
وقد اتفق الحفاظ أن قوله: "ثم لم يعد" مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد. وقد رواه بدون ذلك شعبة، والثوري، وخالد الطحان، وزهير، وغيرهم من الحفاظ. وقال الحميدي: إنما روى هذه الزيادة يزيد، ويزيد يزيد. وقال عثمان الدارمي عن أحمد بن حنبل: لا يصح، وكذا ضعفه البخاري، وأحمد، ويحيى، والدارمي، والحميدي، وغير واحد.
قال يحيي بن محمَّد بن يحيي: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: هذا حديث واهٍ، وكان يزيد يحدث به بُرهَةً من دهره لا يقول فيه: "ثم لا يعود"، فلما لقنوه (١) تلقن، وكان يذكرها. وقال البيهقي: رواه محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، واختلف عليه فيه، فقيل: عن أخيه عيسى، عن أبيهما، وقيل: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، وقيل: عن يزيد بن أبي زياد. قال عثمان الدارمي: لم يروه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أحد أقوى من يزيد بن أبي زياد. وقال البزار: لا يصح قوله في الحديث: "ثم لا يعود". وروى الدارقطني من طريق علي بن عاصم، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن يزيد بن أبي زياد هذا الحديث، قال علي بن عاصم: فقدمت الكوفة، فلقيت يزيد ابن أبي زياد، فحدثني به، وليس فيه؛ "ثم لا يعود"، فقلت له: إن ابن أبي ليلى حدثني
стр. 8119
عنك، وفيه "ثم لا يعود"، قال: لا أحفظ هذا. وقال ابن حزم: إن صح حديث يزيد دلّ على أنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، فلا تعارض بينه وبين حديث ابن عمر، وغيره (١).
واحتجوا أيضًا بأحاديث أخرى:
(منها): ما رُوي عن ابن عمر ﵄: "كان رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود". رواه البيهقي في "الخلافيات"، وهو مقلوب موضوع.
(ومنها): ما روي عن أنس ﵁: "من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له". رواه الحاكم في "المدخل"، وقال: إنه موضوع. وعن أبي هريرة ﵁ مثله. رواه ابن الجوزي في "الموضوعات"، وسبقه بذلك الجوزقاني.
(منها): ما روي عن ابن عباس ﵄: "كان رسول الله ﷺ يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة، وترك ما سوى ذلك". قال ابن الجوزي في "التحقيق": هذا الحديث لا أصل له، ولا يعرف من رواه، والصحيح عن ابن عباس خلافه. وعن ابن الزبير ﵄ نحوه. قال ابن الجوزي: لا أصل له، ولا يعرف من رواه، والصحيح عن ابن الزبير خلافه. وقال ابن الجوزي: وما أبلد من يحتج بهذه الأحاديث ليعارض بها الأحاديث الثابتة (٢).
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: ولا يخفى على المنصف أن هذه الحجج التي أوردوها منها ما هو متفق علهى ضعفه، وهو ما عدا حديث ابن مسعود منها كما بينا، ومنها ما هو مختلف فيه، وهو حديث ابن مسعود ﵁ لما قدمنا من تحسين الترمذي، وتصحيح ابن حزم له، ولكن أين يقع هذا التحسين، والتصحيح من قدح هؤلاء الأئمة الأكابر فيه، غاية الأمر، ونهايته أن يكون ذلك الاختلاف موجبا لسقوط الاستدلال به، ثم لو سلمنا صحة حديث ابن مسعود، ولم نعتبر بقدح أولئك الأئمة فيه فليس بينه وبين الأحاديث المثبتة للرفع في الركوع، والاعتدال منه تعارض؛ لأنها متضمنة للزيادة التي لا منافاة بينها وبين المزيد، وهي مقبولة بالإجماع، لا سيما وقد نقلها جماعة من الصحابة، واتفق على إخراجها الجماعة:
فمن جملة من رواها ابن عمر كما تقدم، وعمر كما أخرجه البيهقي، وابن أبي حاتم، وعلي، كما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، ووائل بن حجر، كما عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه. ومالك بن الحويرث، عند
стр. 8120
الشيخين، وأنس بن مالك عند ابن ماجه. وأبو هريرة، كما عند أبي داود، وابن ماجه. وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، عند ابن ماجه. وأبو موسى الأشعري عند الدارقطني، وجابر عند ابن ماجه، وعمير الليثي عند ابن ماجه أيضا، وابن عباس عند ابن ماجه أيضا، وله طرق أخرى عند أبي داود، فهؤلاء أربعة عشر من الصحابة، ومعهم أبو حميد الساعدي في عشرة من الصحابة، كما سيأتي، فيكون الجميع خمسة وعشرين، أو اثنين وعشرين، إن كان أبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة من العشرة المشار إليهم في رواية أبي حميد، كما في بعض الروايات.
فهل رأيتَ أعجب من معارضة رواية مثل هؤلاء الجماعة بمثل حديث ابن مسعود السابق مع طعن أكثر الأئمة المعتبرين فيه، ومع وجود مانع عن القول بالمعارضة، وهو تضمن رواية الجمهور للزيادة، كما تقدم. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى بتصرف (١).
وقال العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى بعد ذكر نحو ما تقدم: ما نصّه: فثبت بهذا كله أن حديث ابن مسعود ﵁ ليس بصحيح، ولا بحسن، بل ضعيف، لا يقوم بمثله حجة. وأما تحسين الترمذي له فلا اعتماد عليه لما فيه من التساهل. وأما تصحيح ابن حزم، فالظاهر أنه من جهة السند، ومن المعلوم أن صحة السند لا تستلزم صحة المتن، على أن تصحيح ابن حزم لا اعتماد عليه أيضا في جنب تضعيف هؤلاء الحفاظ النقاد، فالاستدلال بهذا الحديث الضعيف على ترك رفع اليدين، ونسخه في غير الافتتاح ليس بصحيح. ولو تنزلنا، وسلمنا أن حديث ابن مسعود ﵁ هذا صحيح، أو حسن، فالظاهر أن ابن مسعود ﵁ قد نسيه، كما قد ينسى أمورا كثيرة.
قال الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" نقلا عن صاحب "التنقيح": ليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب، فقد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعدُ، وهما المعوذتان. ونسي ما اتفق العلماء على نسخه، كالتطبيق. ونسي كيف قيام الاثنين خلف الإمام؟. ونسي ما لم يختلف العلماء فيه، "أن النبي ﷺ صلى الصبح يوم النحر في وقتها. ونسي كيفية جمع النبي ﷺ بعرفة. ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود. ونسي كيف كان يقرأ النبي ﷺ : ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل: ٣].
وإذا جاز على ابن مسعود ﵁ أن ينسى مثل هذا في الصلاة كيف لا يجوز مثله في
стр. 8121
رفع اليدين. انتهى.
[قال الجامع عفا الله عنه]: في دعوى نسيان بعض ما ذكر نظر، لا يخفى. والله أعلم.
قال المباركفوري ﵀: ولو سلم أن ابن مسعود لم ينس في ذلك، فأحاديث رفع اليدين في المواضع الثلاثة مقدمَة على حديث ابن مسعود، لأنها قد جاءت عن عدد كثير من الصحابة ﵃ حتى قال السيوطي ﵀: إن حديث الرفع متواتر عن النبي ﷺ .
وقال العيني ﵀ في شرح البخاري: إن من جمله أسباب الترجيح كثرة عدد الرواة، وشهرة المروي، حتى إذا كان أحد الخبرين يرويه واحد، والآخر يرويه اثنان، فالذي يرويه اثنان أولى بالعمل به. انتهى.
وقال الحافظ الحازمي في "كتاب الاعتبار": ومما يرجح به أحد الحد يثين على الآخر كثرة العدد في أحد الجانبين، وهي مؤثرة في باب الرواية؛ لأنها تقرب مما يوجب العلم، وهو التواتر انتهى.
ثم حديث ابن مسعود لا يدل على نسخ رفع اليدين في غير الافتتاح، بل إنما يدل على عدم وجوبه، كما قال ابن حزم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث البراء ﵁ المتقدم.
هذا كله على تقدير التنزل، وإلا فحديث ابن مسعود ضعيف، لا تقوم به حجة كما عرفت.
وقال أيضا (١): واستدلوا أيضا -يعني القائلين بعدم الرفع- بأثر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، رواه الطحاوي، وأبو بكر بن أبي شيبة عن الأسود، قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود.
قلت (٢): فيه أن هذا الأثر بهذا اللفظ غير محفوظ. قال الحافظ ابن حجر في "الدراية": قال البيهقي، عن الحاكم: رواه الحسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر ابن عليّ بلفظ: "كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود". وقد رواه الثوري، عن الزبير بن عديّ، بلفظ: "كان يرفع يديه في التكبير"، ليس فيه "ثم لا يعود". وقد رواه الثوري، وهو المحفوظ. (٣) انتهى.
стр. 8122
ثم هذا الأثر يعارضه رواية طاوس، عن ابن عمر أن عمر كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه.
قال الزيلعي في "نصب الراية": واعترضه الحاكم بأن هذه الرواية شاذة، لا يقوم بها الحجة، فلا تُعَارَض بها الإخبار الصحيحة عن طاوس بن كيسان، عن ابن عمر: أن عمر كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه انتهى. وقال الحافظ في "الدراية": ويعارضه رواية طاوس، عن ابن عمر: كان (١) يرفع يديه في التكبير، وعند الرفع منه انتهى.
واستدلوا أيضا بأثر علي ﵁، رواه الطحاوي، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن عاصم بن كليب، عن أبيه أن عليا كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يرفع بعدُ. قال الزيلعي: هو أثر صحيح. وقال العيني في "عمدة القاري": إسناد عاصم بن كليب صحيح على شرط مسلم.
قلت (٢): أثر علي ﵁ هذا ليس بصحيح، وإن قال الزيلعي: هو أثر صحيح. وقال العيني: إسناده صحيح على شرط مسلم.
قال الإمام البخاري في "جزء رفع اليدين": قال عبد الرحمن بن مهدي: ذكرت للثوري حديث النهشلي، عن عاصم بن كليب، فأنكره. انتهى.
وانفرد بهذا الأثر عاصم بن كليب، قال الذهبي في "الميزان": كان من العباد الأولياء، لكنه مرجىء، وثقه يحيي بن معين، وغيره، وقال ابن المديني: لا يحتج بما انفرد به. انتهى. (٣)
ولو سلم أن أثر علي هذا صحيح، فهو لايدل على النسخ كما زعم الطحاوي وغيره. قال صاحب "التعليق الممجد" من العلماء الحنفية: ذكر الطحاوي بعد روايته عن علي: لم يكن علي ليرى النبي ﷺ يرفع، ثم يترك إلا وقد ثبت عنه نسخه. انتهى: وفيه نظر، فقد يجوز أن يكون ترك علي، وكذا ترك ابن مسعود، وترك غيرهما من الصحابة ﵃ إن ثبت عنهم لأنهم لم يروا الرفع سنة مؤكدة، يلزم الأخذ بها، ولا ينحصر ذلك في النسخ، بل لا يجترأ بنسخ أمر ثابت عن رسول الله ﷺ بمجرد حسن الظن بالصحابي، مع إمكان الجمع بين فعل الرسول ﷺ وفعله. انتهى كلام "صاحب التعليق الممجد".
واستدلوأ أيضا بأثر ابن عمر رواه الطحاوي، وأبو بكر بن أبي شيبة، والبيهقي في
стр. 8123
"المعرفة" عن مجاهد، قال: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة.
قلت: أثر ابن عمر هذا ضعيف من وجوه:
(الأول): أن في سنده أبا بكر بن عياش، وكان تغير حفظه بآخره. (والثاني): أنه شاذ، فإن مجاهدا خالف أصحاب ابن عمر، وهم ثقات، حفاظ. (والثالث): أن إمام هذا الشأن يحيي بن معين قال: حديث أبي بكر، عن حصين، إنما هو توهم منه، لا أصل له. قال الإمام البخاري في "جزء رفع اليدين": ويروى عن أبي بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد أنه لم ير ابن عمر رفع يديه إلا في أول التكبير، وروى عنه أهل العلم أنه لم يحفظ عن ابن عمر، إلا أن يكون سها، ألا ترى أن ابن عمر كان يرمي من لا يرفع يديه بالحصى، فكيف يترك ابن عمر شيئًا يأمر به غيره، وقد رأى النبي ﷺ فعله. قال البخاري: قال يحيى بن معين: حديث أبي بكر، عن حصين إنما هو توهم منه، لا أصل له. انتهى مختصرا.
وقال البيهقي في "كتاب المعرفة": حديث أبي بكر بن عياش هذا أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، فذكره بسنده، ثم أسند عن البخاري أنه قال: أبو بكر بن عياش اخلتط بآخره، وقد رواه الربيع، والليث، وطاوس، وسالم، ونافع، وأبو الزبير، ومحارب بن دثار، وغيرهم، قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر، وإذا رفع، وكان يرويه أبو بكر قديما عن حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود مرسلا موقوفا: أن ابن مسعود كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعها بعدُ. وهذا هو المحفوظ عن أبي بكر بن عياش، والأول خطأ فاحش، لمخالفته الثقات من أصحاب ابن عمر. قال الحاكم: كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقنين، ثم اختلط حين (١) ساء حفظه، فروى ما خولف فيه، فكيف يجوز دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف، أو نقول: إنه ترك مرة للجواز، إذ لا يقول بوجوبه. ففعله يدلّ على أنه سنة مؤكدة، وتركه يدلّ على أنه أمر غير واجب. انتهى. كذا في "نصب الراية" (٢).
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": وأما الحنفية، فعولوا على رواية مجاهد أنه صلى خلف ابن عمر، فلم يره يفعل ذلك، وأجيبوا بالطعن في إسناده؛ لأن أبا بكر بن عياش راويه ساء حفظه بآخره، وعلى تقدير صحته، فقد أثبت ذلك سالم، ونافع،
стр. 8124
وغيرهما، والعدد الكثير أولى من واحد، لا سيما وهم مثبتون، وهو ناف، مع أن الجمع بين الروايتين ممكن، وهو أنه لم يره واجبا، ففعله تارة، وتركه أخرى. انتهى كلام الحافظ.
وقال الفاضل اللكنوي في تعليقه على "موطإ محمَّد": المشهور في كتب أصول أصحابنا: إن مجاهدا قال: صحبت ابن عمر عشر سنين، فلم أره يرفع يديه إلا مرة، وقالوا: قد روى ابن عمر حديث الرفع عن رسول الله ﷺ ، وتركه، والصحابي الراوي إذا ترك مرويّا ظاهرا في معناه غير محتمل للتأويل يسقط الاحتجاج بالمروي، وقد روى الطحاوي من حديث أبي بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد أنه قال: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة، ثم قال: فهذا ابن عمر قد رأى النبي ﷺ يرفع، ثم قد ترك هو الرفعَ بعد النبي ﷺ ، ولا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخه، وها هنا أبحاث:
(الأول): مطالبة إسناد ما نقلوه عن مجاهد من أنه صحب ابن عمر عشر سنين، ولم يره فيها يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى.
(والثاني): المعارضة بخبر طاوس وغيره من الثقات أنهم رأوا ابن عمر يرفع.
(والثالث): أن في طريق الطحاوي أبا بكر بن عياش، وهو متكلم فيه، لا توازي روايته رواية غيره من الثقات.
قال البيهقي في "كتاب المعرفة" بعد ما أخرج حديث مجاهد من طريق ابن عياش: قال البخاري: أبو بكر بن عياش اختلط بآخره، وقد رواه الربيع، وليث، وطاوس، وسالم، ونافع، وأبو الزبير، ومحارب بن دثار، وغيرهم، قالوا؛ رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر، وإذا رفع. ثم ذكر كلام البيهقي إلى آخر ما نقلته فيما تقدم، ثم قال: (فإن قلت) آخذا من شرح "معاني الآثار": إنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاوس قبل أن تقوم الحجة بنسخه، ثم لما ثبتت الحجة بنسخه عنده تركه، وفعل ما ذكره مجاهد.
(قلتُ): هذا مما لا تقوم به الحجة، فإن لقائل أن يعارض، ويقول: يجوز أن يكون فعل ابن عمر ما رواه مجاهد قبل أن تقوم الحجة بلزوم الرفع، ثم لما ثبت عنده التزم الرفع. على أن احتمال النسخ احتمال من غير دليل، فلا يسمع.
[فإن قال قائل]: الدليل هو خلاف الراوي مرويه.
[قلنا]: لا يوجب ذلك النسخ، كما مر.
(والرابع): وهو أحسنها أنا سلمنا ثبوت الترك عن ابن عمر، لكن يجوز أن يكون
стр. 8125
تركه لبيان الجواز، أو لعدم رؤية الرفع سنة لا زمة، فلا يقدح ذلك في ثبوت الرفع عنه، وعن رسول الله ﷺ .
(والخامس): أن ترك الراوي مرويه إنما يكون مسقطا للاحتجاج عند الحنفية إذا كان خلافه بيقين، كما هو مصرح في كتبهم، وها هنا ليس كذلك، لجواز أن يكون الرفع الثابت عن رسول الله ﷺ حمله ابن عمر على العزيمة، وترك أحيانا بيانا للرخصة، فليس تركه خلافا لروايته بيقين. انتهى ما في "التعليق الممجد" (١).
واستدلوا أيضًا بحديث جابر بن سمرة ﵂، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شُمْس، اسكنوا في الصلاة". رواه مسلم.
والجواب أنه لا دليل فيه على منع الرفع على الهيئة المخصوصة في المواضع المخصوصة، وهو الركوع، والرفع منه؛ لأنه مختصر من حديث طويل، وبيان ذلك أن مسلما رواه أيضا من حديث جابر بن سمرة، قال: كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لنا النبي ﷺ : "على مَ تُومِئُون بأيديكم، كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما كان يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه، ومن عن شماله". وفي رواية: "إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومي بيديه". وقال ابن حبان: "ذكر الخبر المتقصي للقصة المختصرة المتقدمة بأن القوم إنما أمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم دون الرفع الثابت عند الركوع"، ثم رواه كنحو رواية مسلم. قال البخاري من احتج بحديث جابر بن سمرة على منع الرفع عند الركوع، فليس له حظ من العلم، هذا مشهور، لا خلاف فيه أنه إنما كان في حال التشهد. كذا في "التلخيص الحبير" (٢).
وقال الزيلعي في "نصب الراية" بعد ذكر حديث جابر بن سمرة المختصر المذكور: ما ملخصه: واعترضه البخاري في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين، فقال: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طَرَفَة، عن جابر بن سمرة، فذكر حديثه المختصر، وقال: وهذا إنما كان في التشهد، لا في القيام، ففسره رواية عبد الله بن القبطية، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ ، وذكر حديثه الطويل المذكور، ثم قال البخاري، ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه؛ لأنه لم يستثن رفعا دون رفع، بل أطلق. انتهى.