← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

رفع اليدين. انتهى. [قال الجامع عفا الله عنه]: في دعوى نسيان بعض ما ذكر نظر، لا يخفى. والله أعلم. قال المباركفوري ﵀: ولو سلم أن ابن مسعود لم ينس في ذلك، فأحاديث رفع اليدين في المواضع الثلاثة مقدمَة على حديث ابن مسعود، لأنها قد جاءت عن عدد كثير من الصحابة ﵃ حتى قال السيوطي ﵀: إن حديث الرفع متواتر عن النبي ﷺ . وقال العيني ﵀ في شرح البخاري: إن من جمله أسباب الترجيح كثرة عدد الرواة، وشهرة المروي، حتى إذا كان أحد الخبرين يرويه واحد، والآخر يرويه اثنان، فالذي يرويه اثنان أولى بالعمل به. انتهى. وقال الحافظ الحازمي في "كتاب الاعتبار": ومما يرجح به أحد الحد يثين على الآخر كثرة العدد في أحد الجانبين، وهي مؤثرة في باب الرواية؛ لأنها تقرب مما يوجب العلم، وهو التواتر انتهى. ثم حديث ابن مسعود لا يدل على نسخ رفع اليدين في غير الافتتاح، بل إنما يدل على عدم وجوبه، كما قال ابن حزم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث البراء ﵁ المتقدم. هذا كله على تقدير التنزل، وإلا فحديث ابن مسعود ضعيف، لا تقوم به حجة كما عرفت. وقال أيضا (١): واستدلوا أيضا -يعني القائلين بعدم الرفع- بأثر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، رواه الطحاوي، وأبو بكر بن أبي شيبة عن الأسود، قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود. قلت (٢): فيه أن هذا الأثر بهذا اللفظ غير محفوظ. قال الحافظ ابن حجر في "الدراية": قال البيهقي، عن الحاكم: رواه الحسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر ابن عليّ بلفظ: "كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود". وقد رواه الثوري، عن الزبير بن عديّ، بلفظ: "كان يرفع يديه في التكبير"، ليس فيه "ثم لا يعود". وقد رواه الثوري، وهو المحفوظ. (٣) انتهى.

стр. 8122

ثم هذا الأثر يعارضه رواية طاوس، عن ابن عمر أن عمر كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه. قال الزيلعي في "نصب الراية": واعترضه الحاكم بأن هذه الرواية شاذة، لا يقوم بها الحجة، فلا تُعَارَض بها الإخبار الصحيحة عن طاوس بن كيسان، عن ابن عمر: أن عمر كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه انتهى. وقال الحافظ في "الدراية": ويعارضه رواية طاوس، عن ابن عمر: كان (١) يرفع يديه في التكبير، وعند الرفع منه انتهى. واستدلوا أيضا بأثر علي ﵁، رواه الطحاوي، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن عاصم بن كليب، عن أبيه أن عليا كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يرفع بعدُ. قال الزيلعي: هو أثر صحيح. وقال العيني في "عمدة القاري": إسناد عاصم بن كليب صحيح على شرط مسلم. قلت (٢): أثر علي ﵁ هذا ليس بصحيح، وإن قال الزيلعي: هو أثر صحيح. وقال العيني: إسناده صحيح على شرط مسلم. قال الإمام البخاري في "جزء رفع اليدين": قال عبد الرحمن بن مهدي: ذكرت للثوري حديث النهشلي، عن عاصم بن كليب، فأنكره. انتهى. وانفرد بهذا الأثر عاصم بن كليب، قال الذهبي في "الميزان": كان من العباد الأولياء، لكنه مرجىء، وثقه يحيي بن معين، وغيره، وقال ابن المديني: لا يحتج بما انفرد به. انتهى. (٣) ولو سلم أن أثر علي هذا صحيح، فهو لايدل على النسخ كما زعم الطحاوي وغيره. قال صاحب "التعليق الممجد" من العلماء الحنفية: ذكر الطحاوي بعد روايته عن علي: لم يكن علي ليرى النبي ﷺ يرفع، ثم يترك إلا وقد ثبت عنه نسخه. انتهى: وفيه نظر، فقد يجوز أن يكون ترك علي، وكذا ترك ابن مسعود، وترك غيرهما من الصحابة ﵃ إن ثبت عنهم لأنهم لم يروا الرفع سنة مؤكدة، يلزم الأخذ بها، ولا ينحصر ذلك في النسخ، بل لا يجترأ بنسخ أمر ثابت عن رسول الله ﷺ بمجرد حسن الظن بالصحابي، مع إمكان الجمع بين فعل الرسول ﷺ وفعله. انتهى كلام "صاحب التعليق الممجد". واستدلوأ أيضا بأثر ابن عمر رواه الطحاوي، وأبو بكر بن أبي شيبة، والبيهقي في

стр. 8123

"المعرفة" عن مجاهد، قال: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة. قلت: أثر ابن عمر هذا ضعيف من وجوه: (الأول): أن في سنده أبا بكر بن عياش، وكان تغير حفظه بآخره. (والثاني): أنه شاذ، فإن مجاهدا خالف أصحاب ابن عمر، وهم ثقات، حفاظ. (والثالث): أن إمام هذا الشأن يحيي بن معين قال: حديث أبي بكر، عن حصين، إنما هو توهم منه، لا أصل له. قال الإمام البخاري في "جزء رفع اليدين": ويروى عن أبي بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد أنه لم ير ابن عمر رفع يديه إلا في أول التكبير، وروى عنه أهل العلم أنه لم يحفظ عن ابن عمر، إلا أن يكون سها، ألا ترى أن ابن عمر كان يرمي من لا يرفع يديه بالحصى، فكيف يترك ابن عمر شيئًا يأمر به غيره، وقد رأى النبي ﷺ فعله. قال البخاري: قال يحيى بن معين: حديث أبي بكر، عن حصين إنما هو توهم منه، لا أصل له. انتهى مختصرا. وقال البيهقي في "كتاب المعرفة": حديث أبي بكر بن عياش هذا أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، فذكره بسنده، ثم أسند عن البخاري أنه قال: أبو بكر بن عياش اخلتط بآخره، وقد رواه الربيع، والليث، وطاوس، وسالم، ونافع، وأبو الزبير، ومحارب بن دثار، وغيرهم، قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر، وإذا رفع، وكان يرويه أبو بكر قديما عن حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود مرسلا موقوفا: أن ابن مسعود كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعها بعدُ. وهذا هو المحفوظ عن أبي بكر بن عياش، والأول خطأ فاحش، لمخالفته الثقات من أصحاب ابن عمر. قال الحاكم: كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقنين، ثم اختلط حين (١) ساء حفظه، فروى ما خولف فيه، فكيف يجوز دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف، أو نقول: إنه ترك مرة للجواز، إذ لا يقول بوجوبه. ففعله يدلّ على أنه سنة مؤكدة، وتركه يدلّ على أنه أمر غير واجب. انتهى. كذا في "نصب الراية" (٢). وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": وأما الحنفية، فعولوا على رواية مجاهد أنه صلى خلف ابن عمر، فلم يره يفعل ذلك، وأجيبوا بالطعن في إسناده؛ لأن أبا بكر بن عياش راويه ساء حفظه بآخره، وعلى تقدير صحته، فقد أثبت ذلك سالم، ونافع،

стр. 8124

وغيرهما، والعدد الكثير أولى من واحد، لا سيما وهم مثبتون، وهو ناف، مع أن الجمع بين الروايتين ممكن، وهو أنه لم يره واجبا، ففعله تارة، وتركه أخرى. انتهى كلام الحافظ. وقال الفاضل اللكنوي في تعليقه على "موطإ محمَّد": المشهور في كتب أصول أصحابنا: إن مجاهدا قال: صحبت ابن عمر عشر سنين، فلم أره يرفع يديه إلا مرة، وقالوا: قد روى ابن عمر حديث الرفع عن رسول الله ﷺ ، وتركه، والصحابي الراوي إذا ترك مرويّا ظاهرا في معناه غير محتمل للتأويل يسقط الاحتجاج بالمروي، وقد روى الطحاوي من حديث أبي بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد أنه قال: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة، ثم قال: فهذا ابن عمر قد رأى النبي ﷺ يرفع، ثم قد ترك هو الرفعَ بعد النبي ﷺ ، ولا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخه، وها هنا أبحاث: (الأول): مطالبة إسناد ما نقلوه عن مجاهد من أنه صحب ابن عمر عشر سنين، ولم يره فيها يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى. (والثاني): المعارضة بخبر طاوس وغيره من الثقات أنهم رأوا ابن عمر يرفع. (والثالث): أن في طريق الطحاوي أبا بكر بن عياش، وهو متكلم فيه، لا توازي روايته رواية غيره من الثقات. قال البيهقي في "كتاب المعرفة" بعد ما أخرج حديث مجاهد من طريق ابن عياش: قال البخاري: أبو بكر بن عياش اختلط بآخره، وقد رواه الربيع، وليث، وطاوس، وسالم، ونافع، وأبو الزبير، ومحارب بن دثار، وغيرهم، قالوا؛ رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر، وإذا رفع. ثم ذكر كلام البيهقي إلى آخر ما نقلته فيما تقدم، ثم قال: (فإن قلت) آخذا من شرح "معاني الآثار": إنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاوس قبل أن تقوم الحجة بنسخه، ثم لما ثبتت الحجة بنسخه عنده تركه، وفعل ما ذكره مجاهد. (قلتُ): هذا مما لا تقوم به الحجة، فإن لقائل أن يعارض، ويقول: يجوز أن يكون فعل ابن عمر ما رواه مجاهد قبل أن تقوم الحجة بلزوم الرفع، ثم لما ثبت عنده التزم الرفع. على أن احتمال النسخ احتمال من غير دليل، فلا يسمع. [فإن قال قائل]: الدليل هو خلاف الراوي مرويه. [قلنا]: لا يوجب ذلك النسخ، كما مر. (والرابع): وهو أحسنها أنا سلمنا ثبوت الترك عن ابن عمر، لكن يجوز أن يكون

стр. 8125

تركه لبيان الجواز، أو لعدم رؤية الرفع سنة لا زمة، فلا يقدح ذلك في ثبوت الرفع عنه، وعن رسول الله ﷺ . (والخامس): أن ترك الراوي مرويه إنما يكون مسقطا للاحتجاج عند الحنفية إذا كان خلافه بيقين، كما هو مصرح في كتبهم، وها هنا ليس كذلك، لجواز أن يكون الرفع الثابت عن رسول الله ﷺ حمله ابن عمر على العزيمة، وترك أحيانا بيانا للرخصة، فليس تركه خلافا لروايته بيقين. انتهى ما في "التعليق الممجد" (١). واستدلوا أيضًا بحديث جابر بن سمرة ﵂، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شُمْس، اسكنوا في الصلاة". رواه مسلم. والجواب أنه لا دليل فيه على منع الرفع على الهيئة المخصوصة في المواضع المخصوصة، وهو الركوع، والرفع منه؛ لأنه مختصر من حديث طويل، وبيان ذلك أن مسلما رواه أيضا من حديث جابر بن سمرة، قال: كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لنا النبي ﷺ : "على مَ تُومِئُون بأيديكم، كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما كان يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه، ومن عن شماله". وفي رواية: "إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومي بيديه". وقال ابن حبان: "ذكر الخبر المتقصي للقصة المختصرة المتقدمة بأن القوم إنما أمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم دون الرفع الثابت عند الركوع"، ثم رواه كنحو رواية مسلم. قال البخاري من احتج بحديث جابر بن سمرة على منع الرفع عند الركوع، فليس له حظ من العلم، هذا مشهور، لا خلاف فيه أنه إنما كان في حال التشهد. كذا في "التلخيص الحبير" (٢). وقال الزيلعي في "نصب الراية" بعد ذكر حديث جابر بن سمرة المختصر المذكور: ما ملخصه: واعترضه البخاري في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين، فقال: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طَرَفَة، عن جابر بن سمرة، فذكر حديثه المختصر، وقال: وهذا إنما كان في التشهد، لا في القيام، ففسره رواية عبد الله بن القبطية، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ ، وذكر حديثه الطويل المذكور، ثم قال البخاري، ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه؛ لأنه لم يستثن رفعا دون رفع، بل أطلق. انتهى.

стр. 8126

قال الزيلعي: ولقائل أن يقول: إنهما حديثان، لا يفسر أحدهما بالآخر، كما جاء في لفظ الحديث الأول: "اسكنوا في الصلاة"، والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، إنما يقال ذلك لمن يرفع يديه في أثناء الصلاة، وهو حالة الركوع، والسجود، ونحو ذلك، هذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقعت، كما شاهده، وروى الآخر في وقت آخر، كما شاهده، وليس في ذلك بُعْدٌ. انتهى (١). قال المباركفوري: لم يُجِب الزيلعي عن قول البخاري: ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه. فما هو جوابه عنه، فهو جوابنا عن الرفع عند الركوع، والرفع منه. وأما قوله: والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، فهو ممنوع، بل الذي يرفع يديه قبل الفراغ، والانصراف من الصلاة، وإن كان حال التسليم الأول والثاني يقال له: اسكن في الصلاة، فإن الفراغ والانصراف منها إنما يكون بالفراغ من التسليم الثاني، فما لم يفرغ من التسليم الثاني هو في الصلاة. انتهى المقصود من كلام المباركفوري رحمه الله تعالى. (٢) قال العلامة اللكنوي ﵀ عند قوله محمَّد بن الحسن: "وفي ذلك آثار كثيرة". أي في عدم رفع اليدين إلا مرة آثار كثيرة عن جماعة من الصحابة: منهم: ابن عمر، وعلي، وابن مسعود، وقد تقدم الكلام على أثرهم. ومنهم: أبو سعيد الخدري، أخرج البيهقي عن سوّار بن مصعب، عن عطية العوفي أن أبا سعيد الخدري، وابن عمر ﵃ كانا يرفعان أيديهما أولّ ما يكبران، ثم لا يعودان، وأعله البيهقي بأن عطية سيء الحال، وسوّار أسوأ منه. قال البخاري: سوار منكر الحديث. وعن ابن معين: غير محتج به. ويخالف هذا الأثر ما أخرجه البيهقي عن ليث، عن عطاء، قال: رأيت جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبا سعيد، وابن عباس، وابن الزبير، وأبا هريرة ﵃ يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا. وفيه ليث ابن أبي سليم مختلف فيه. وأخرج أيضًا عن سعيد بن المسيّب، قال: رأيت عمر يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. وفي سنده من استُضعف. ومنهم: عبد الله بن الزبير، كما حكاه صاحب "النهاية" وغيره من شراح "الهداية" أنه

стр. 8127

رأى رجلا يرفع يديه في الصلاة عند الركوع، وعند الرفع منه، فقال له: لا تفعل، فإن هذا شيء فعله رسول الله ﷺ ثم تركه، لكن هذا الأثر لم يجده المخرجون مسندا في كتب الحديث، مع أنه أخرج البخاري في رسالة "رفع اليدين" عن عبد الله بن الزبير أنه كان يرفع يديه عند الخفض والرفع، وكذا أخرجه عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد، وجابر، وأبي هريرة، وأنس ﵃ أنهم كانوا يرفعون أيديهم. وأخرج البيهقي عن الحسين، قال: سألت طاوسًا عن رفع اليدين في الصلاة؟ فقال: رأيت عبد الله بن عباس، وابنَ الزبير، وابنَ عمر يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا سجدوا. وأخرج أيضا عن عبد الرزاق، قال: ما رأيت أحسن صلاة من ابن جريج، رأيته يرفع يديه إذا افتتح، وإذا ركع، وإذا رفع، وأخذ ابن جريج صلاته عن عطاء بن أبي رباح، وأخذ عطاء، عن عبد الله بن الزبير، وأخذ ابن الزبير، عن أبي بكر الصديق ﵁. ومنهم: ابن عباس حكى عنه بعض أصحابنا -يعني الحنفية- أنه قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه كلما ركلع، وكلما رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة، وترك ما سوى ذلك. لكنه أثر لم يثبته المحدثون، والثابت عندهم خلافه. قال ابن الجوزي في "التحقيق" بعد ذكر ما حكاه أصحابنا، عن ابن عباس، وابن الزبير: هذان الحديثان لا يرفان أصلا، وإنما المحفوظ عنهما خلاف ذلك، فقد أخرج أبو داود عن ميمون أنه رأى ابن الزبير يشير بكفيه حين يقوم، وحين يركع، وحين يسجد، وحين ينهض للقيام، فانطلقت إلى ابن عباس، فقلت: إني رأيت ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحدا يصليها، فوصفت له، فقال: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله ﷺ فاقتد بصلاة عبد الله بن الزبير. انتهى. ورده العيني بأن قوله: لا يعرفان. لا يستلزم عدم معرفة أصحابنا هذا، ودعوى النافي ليست بحجة على المثبت، وأصحابنا أيضًا ثقات، لا يرون الاحتجاج بما لم يثبت عندهم صحته. انتهى. قال اللكنوي ﵀: وفيه نظر ظاهر، فإنه ما لم يوجد سند أثر ابن عباس، وابن الزبير في كتاب من كتب الأحاديث المعتبرة كيف يعتبر به بمجرد حسن الظن بالناقلين، مع ثبوت خلافه عنهما بالأسانيد العديدة. ومنهم: أبو بكر الصديق ﵁ أخرجه الدارقطني، وابن عدي عن محمَّد بن جابر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبرااهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة. وفيه

стр. 8128

محمَّد بن جابر، متكلم فيه، ويخالفه ما أخرجه أبو داود عن ميمون، كما مر نقلا عن "التحقيق". ومنهم: العشرة المبشرون ﵃، كما حكى بعض أصحابنا، عن ابن عباس أنه قال: لم يكن العشرة المبشرون ﵃ يرفعون أيديهم إلا عند الافتتاح. ذكره الشيخ عبد الحق الدهلوي في "شرح سفر السعادة"، ولا عبرة بهذا الأثر ما لم يوجد سنده عند مهرة الفن، مع ثبوت خلافه في كتب الحديث. ثم ذكر حديث ابن مسعود الذي أخرجه النسائي في الباب، وحديث البراء الذي أخرجه أبو داود، وقد تقدم، ثم قال: وأخرج البيهقي من حديث ابن عمر، وعباد بن الزبير مثله، قال: وللمحدثين على طرق هذه الأخبار كلمات تدل على عدم صحتها، لكن لا يخفى على الماهر أن طرق حديث ابن مسعود تبلغ درجة الحسن. والقدر المتحقق في هذا الباب هو ثبوت الرفعِ، وتركِهِ كليهما عن رسول الله ﷺ إلا أن رواة الرفع من الصحابة جم غَفِير، ورواة الترك جماعة قليلة، مع عدم صحة الطرق عنهم إلا عن ابن مسعود، وكذلك ثبت الترك عن ابن مسعود، وأصحابه بأسانيد محتجة بها، فإذن نختار أن الرفع ليس بسنة مؤكدة يلام تاركها إلا أن ثبوته عن النبي ﷺ أكثر وأرجح. وأما دعوى نسخه كما صدر عن الطحاوي، مغترًّا بحسن الظن بالصحابة التاركين، وابن الهمام والعيني، وغيرهم من أصحابنا، فليست بمبرهن عليها بما يشفي العليل، ويُروي الغليل. انتهى كلام الفاضل اللكنوي رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قرره الفاضل اللكنوي ﵀ مع تعصب كثير ممن له قدم في الحديث، كالطحاوي، وابن الهمام، والعيني إنصاف منه ﵀، وإعطاء لكل ذي حق حقه، فجزاه الله عن السنة خير الجزاء. وهكذا يجب على من فُتح له شيء من العلم أن ينصر السنة مهما أداه ذلك إلى مخالفة من هو أحب الناس إليه؛ لأن السنة أعلى من رأي كل ذي مذهب، وأحق بالتبع من أثر كل مَن ذَهَب. غير أن قوله: والقدر المحقق في هذا الباب هو ثبوت الرفع وتركه عن رسول الله ﷺ فيه نظر، إذ الذي لا شك في ثبوته هو الرفع فقط، وأما الترك، فمحل شك، ولا سيما، وقد اعترف هو بضعفها، غير حديث ابن مسعود ﵁، وقد تقدم بيان ما قاله الأئمة الحفاظ، أئمة هذا الشأن في حديث ابن مسعود ﵁ من الضعف.

стр. 8129

والحاصل أن رفع اليدين في المواضع الثلاثة، قد صح من غير شك بالأحاديث الصحاح المرفوعة، والآثار الثابتة الموقوفة، وسيأتي أيضا ثبوت الرفع أيضا في القيام من التشهد الأول، وكذا تصحيح حديث الرفع عند الرفع من السجود في بابه، إن شاء الله تعالى. وأما أدلة عدم الرفع، فلا يصح شيء منها، غير حديث ابن مسعود المذكور في الباب، فقد حسنه بعضهم، وصححه بعضهم، وضعفه جمهور أهل الحديث، وهو الراجح، كما تقدم تحقيق هذا كله، وعلى تقدير ثبوته فيحمل على بيان الجواز؛ جمعًا بين الأدلّة. والله تعالى أعلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ورَوَى رَفْعَ اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحوٌ من ثلاثين نفسا، واتفق على روايتها العشرةُ، ولم يثبت عنه خلاف ذلك البتة، بل كان ذلك هديَه دائما إلى أن فارق الدنيا، ولم يصح عنه حديث البراء: "ثم لا يعود"، بل هي من زيادة يزيد بن أبي زياد، فليس ترك ابن مسعود الرفعَ مما يُقَدَّمُ على هديه المعلوم، فقد تُرِكَ من فعل ابن مسعود في الصلاة أشياءُ، ليس مُعَارِضها مقاربا، ولا مُدانيا للرفع، فقد تُرِك من فعله التطبيقُ، والافتراشُ في السجود، ووقوفه إماما بين الاثنين في وسطهما، دون التقدم عليهما، وصلاته الفرض في البيت بأصحابه بغير أذان، ولا إقامة لأجل تأخير الأمراء، وأين الأحاديث في خلاف ذلك من الأحاديث التي في الرفع كثرةً، وصحةً، وصراحةً، وعملًا؟. وبالله التوفيق. انتهى كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: إنما أطلت الكلام في هذا المحل لبيان أن حجج القائلين بعدم الرفع غيرُ صالحة للتمسك بها، والاعتماد عليها، وللكشف عن محاولة بعض من انتسب إلى الحديث، كالطحاوي، وابن الهمام، والعيني لرد الأحاديث الصحاح التي اتفق على صحتها أئمة السنة، وهُدَاةُ الأمة، بمثل هذه الأحاديث الضعاف، والآثار الواهية، ويبدو على بعضهم التعصب للمذهب، ومن المححر المستطير أن هؤلاء يثق بهم العوام من المقلدين أكثر من وثوقهم بقوله البخاري، ومسلم، وأمثالهما، من أهل الحديث. فقد بلغني عن بعض من ينتسب إلى العلم منهم أنه قال: كل حديث لا يعرفه كمال ابن الهمام لا يعتمد عليه، أو كلاما قريبا من هذا المعنى. فإنا لله، وإنا إليه راجعون.

стр. 8130

وبالجملة فالواجب على المسلم الحريص على دينه اتباع ما صحّ عن رسول الله ﷺ ، وترك ما لم يصحّ، أو شُكّ في صحّته، ولا سيما إذا عارضه ما هو أقوى، وأصحّ، وأرجح منه، فالخير كلّ الخير في اتباع ما صحّ عنه ﷺ ، وتقديمه على كل قوله خالفه، أيا كان المخالف، فهو ﷺ الحكم بين الأمة، والمرجع في كلّ مدلهمّة، وضمن الله تعالى الهداية لمن تبعه، والضلال لمن خالفه، قال الله ﷺ : ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. اللَّهم أرانا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٨ - (إِقَامَةُ الصُّلْبِ فِي الرُّكُوعِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب إقامة الصلب في الركوع. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: معنى "إقامة الصلب": تعديله، وتسويته. و"الصلب" -بضم، فسكون، وتضم لامه أيضا للإتباع، وبالتحريك-: عظم من لدن الكاهل إلى العَجْب، كالصالِبِ، جمعه أَصلُبٌ، وأَصلَاب، وصلَبَةٌ. قاله في "القاموس" (١)، و"المصباح" (٢). ونحوه في "اللسان"، وقال أيضًا: والصُّلْب من الظهر، وكل شيء من الظهر فيه فَقَار، فذلك الصُّلْب، والصَّلَب بالتحريك لغة فيه، قال العَجَّاج يصف امرأةً: [من الرجز] رَيَّا الْعِظَامِ فَخْمَةُ المُخَدَّمِ … فِي صَلَبِ مِثْلِ الْعِنَانِ الْمُؤْدَمِ

стр. 8131

إِلَى سَوَأءِ قَطَنٍ مُؤَكَّمِ (١) والله تعالى أعلم بالصواب. ١٠٢٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ، لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠]، ت٢٤٠ (ع) تقدم ١/ ١. ٢ - (الفُضَيل) بن عياض بن مسعود التيمي، أبو علي الزاهد المشهور، أصله من خراسان، وسكن مكة، ثقة عابد إمام [٨] ت ١٨٧ وقيل: قبلها (خ م د ت س) تقدم ٢١/ ٣٨٨. [تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى": "حدثنا الفضل" بالتكبير، بدل "الفضيل" بالتصغير، وهو غلط فاحش، والصواب "الفضيل" مصغّرًا، كما في "تحفة الأشراف" ٧/ ٣٣٤. فتنبه، والله تعالى أعلم. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران الكاهلي مولاهم، أبو محمَّد الكوفي، ثقة ثبت يدلس [٥]، ت ١٤٧ (ع) تقدم ١٧/ ١٨. ٤ - (عُمَارة بن عُمَير) التيمي، كوفي ثبت [٤]، ت بعد المائة، وقيل" قبلها بسنتين (ع) تقدم ٤٩/ ٦٠٨. ٥ - (أبو مَعْمَر) عبد الله بن سَخْبَرَة الأزدي الكوفي، ثقة [٢]، ت في إمارة عبيد الله بن زياد (ع) تقدم ٢٣/ ٨٠٧. ٦ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري الصحابي الشهير ﵁ مات قبل (٤٠) أو بعدها (ع) تقدم ٦/ ٤٩٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى الفضيل، فما أخرج له ابن ماجه، وأنهم كوفيون، سوى شيخه، فبغلاني، والفضيل، فخراساني، نزيل مكة (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض؛ الأعمش، وعمارة، وأبو معمر. والله أعلم.

стр. 8132

شرح الحديث (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزىء صلاة) ببناء الفعل للفاعل، و"صلاة" بالرفع فاعله. وهو من الإجزاء رباعيا، ويحتمل أن يكون من الجزاء، ثلاثيا. أي تكفي، ولا تسقط القضاء. قال الفيومي ﵀: جزى الأمرُ يَجزي، جَزَاءَ، مثلُ قَضَى يَقضِي قَضاءً وزنا ومعنى، وفي التنزيل: ﴿يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٤٨] وفي الدعاء: "جزاه الله خيرا"، أي قضاه له، وأثابه عليه، وقد يُستعمل "أجزأ" بالألف والهمزِ بمعنى، جَزَى، ونقلهما الأخفش بمعنى واحد، فقال: الثلاثي من غير همز لغة الحجاز، والرباعي المهموز لغة تميم، وجازيته بذَنْبه: عاقبته عليه، وجزيت الدين: قضيته، ومنه قوله ﷺ لأبي بُرْدَة بن نِيَار ﵁ لما أمره أن يُضَحِّيَ بِجَذَعَة من المَعْزِ: "تَجزِي عنك، ولن تَجزِيَ عن أحد بعدك". قال الأصمعي: أي ولن تقضي، وأجزأت الشاة بالهمز: بمعنى قضت، لغةٌ حكاها ابن القَطَّاع. وأما أجزأ بالألف، والهمز، فبمعنى أغنى. قال الأزهري: والفقهاء يقولون فيه: أجزى من غير همز، ولم أجده لأحد من أئمة اللغة، ولكن إِنْ هُمِزَ أجزأ، فهو بمعنى كَفَى. هذالفظه. وفيه نظر؛ لأنه إن أراد امتناع التسهيل، فقد توقف في موضع التوقف، فإن تسهيل همزة الطَّرَفِ في الفعل المزيد، وتسهيلَ الهمزة الساكنة قياسي، فيقال: أرجأتُ الأمرَ، وأرجيته، وأنسأت، وأنسيت، وأخطأت، وأخطيت، وأشطأ الزرعُ: إذا أخرجَ شطأه، وأشطى، وتوضأت، وتوضيت، وأجزأتُ السكينَ: إذا جعلت له نِصابًا، وأجزيته، وهو كثير، فالفقهاء جرى على ألسنتهم التخفيف. وإن أراد الامتناع من وقوع أجزأ موقع جزى، فقد نقلهما الأخفش لغتين، كيف؟ وقد نص النحاة على أن الفعلين إذا تقارب معناهما جاز وضع أحدهما موضع الآخر، وفي هذا مَقْنَع لو لم يوجد نقل. وأجزأ الشيءُ مَجْزَأَ غيرِهِ: كفى، وأغنى عنه، واجتزأتُ بالشيء: اكتفيتُ. انتهى كلام الفيومي رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: المراد بالإجزاء هنا: الإغناء عن الإعادة مرة ثانية. يعني أن الصلاة التي لي يوجد فيها إقامة الصلب لم تُغنِ، ولم تَكفِ عن إعادتها مرة ثانية؛ لأنها لم تصح. والله تعالى أعلم.

стр. 8133

(لا يقيم) أي لا يعَدِّل، ولا يسوِّي، والمراد به عدم الطمأنينة (الرجل) بالرفع على الفاعلية، والجملة في محل الرفع صفة لـ"صلاة" (فيها) متعلق بـ"يقيم"، أي في الصلاة (صلبه) أي ظهره، وتقدم ضبطه، ومعنا أول الباب (في الركوع والسجود) متعلق بـ"يقيم" أيضًا. أي لا يطمئن في حال الركوع، والسجود. وفيه وجوب الطمأنينة في الركوع، والسجود، وهو مذهب الجمهور ﵏، وخالف في ذلك أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن رحمهما الله، وخالفهما أبو ﵀ يوسفُ، فقال بوجوبه. وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته؛ حديث أبي مسعود ﵁ هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٨٨/ ١٠٢٧ - وفي "الكبرى" -٣٥/ ١١٠٠ - عن قتيبة، عن الفضيل بن عياض، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عنه. وفي ٥٤/ ١١١١ - و"الكبرى" ٥٣/ ٦٩٩ - عن علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش به. والله أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في "الصلاة" عن حفص بن عمر النَّمَرِيّ، عن شعبة، عن الأعمش به. (ق) فيه عن علي بن محمَّد، وعمرو بن عبد الله، كلاهما عن وكيع، عن الأعمش به. (ت) فيه عن أحمد بن منيع، عن أبي معاوية، عن الأعمش به. وأخرجه (الحميدي) برقم ٤٥٤ (وأحمد) -٤/ ١١٩ و ١٢٢ (والدارمي) رقم ١٣٣٣ (وابن خزيمة) رقم ٥٩١ و ٦٦٦ (والدارقطني) ١/ ٣٤٨. والله أعلم. (المسألة الرابعة): دلّ الحديث على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وعليه جمهور أهل العلم، وهو المذهب الحق، وخالف في ذلك بعضهم: قال النوويّ ﵀: وتجب الطمأنينة في الركوع، والسجود، والاعتدال من الركوع، والجلوس بين السجدتين، وبهذا كله قال مالك، وأحمد، وداود. وقال أبو حنيفة: يكفيه في الركوع أدنى انحناء، ولا تجب الطمأنينة في شيء من هذه الأركان (١).

стр. 8134

واحتج له بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والانخفاض، والانحاء قد أتى به (١). واحتج الجمهور بحديث الباب، قال الترمذي ﵀ بعد إخراجه حديث الباب: ما نصّه: والعملُ على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم، يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود. وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فصلاته فاسدة، لحديث النبي ﷺ : "لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود". انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى (٢). واحتجوا أيضا بحديث حذيفة ﵁ أنه رأى رجلًا لا يتم الركوع والسجود، فقال: ما صليت، ولو من من على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا ﷺ ". رواه البخاري. واحتجوا أيضا بحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته: "أن النبي ﷺ قال له: "اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". متفق عليه، وتقدم للمصنف في-٧/ ٨٨٤. فإن هذا الحديث لبيان أقل الواجبات، كما سبق التنبيه عليه. ولهذا قال له النبي ﷺ : "ارجع، فصل، فإنك لم تصل". فإنه صريح في كون التعديل من الأركان بحيث إن فوته يُفَوِّت أصل الصلاة، وإلا لم يقل: "لم تصل". والله أعلم. قال العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى: وأجاب الحنفية عن الاستدلال بحديث المسيء صلاته بوجوه كلها مخدوشة: (منها): ما قالوا: إن آخر حديث المسيء صلاته يدلّ على عدم فرضية التعديل، فإنه ﷺ قال: "وما نقصت من ذلك، فإنما نقصته من صلاتك". فلو كان ترك التعديل مفسدا

стр. 8135

لما سماه صلاة، كما لو ترك الركوع والسجود. ورده العيني في "البناية" بأن للخصم أن يقول: إنما سماه صلاة بحسب زعم المصلي، كما تدل عليه الإضافة، على أنه ورد في بعض الروايات: "وما نقصت شيئًا من هذا"، أي مما ذكر سابقا، ومنه الركوع والسجود أيضا، فيلزم أن تسمى ما لا ركوع ولا سجود فيها صلاة أيضا بعين التقرير المذكور، وإذ ليس، فليس. انتهى. (ومنها): ما قالوا: إن هذا الحديث لا يدلّ على فرضية التعديل، بل على عدم فرضيته؛ لأن النبي ﷺ ترك الأعرابي حين فرغ من صلاته، ولو كان ما تركه ركنا لفسدت صلاته، فكان المضي بعد ذلك من الأعرابي عبثا، ولا يحل له ﷺ أن يتركه، فكان تركه دلالة منه أن صلاته جائزة، إلا أنه ترك الإكمال، فأمره بالإعادة، زجرا له عن هذه العادة. ورده العيني في "البناية" أيضا بأن للخصم أن يقول: كانت صلاته فاسدة، ولذا أمره بالإعادة، وقال: "لم تصل"، وإنما تركه عليه؛ لأنه ربما يهتدي إلى الصلاة الصحيحة، ولم ينكر عليه، لأنه كان من أهل البادية، كما تدل عليه رواية الترمذي: "إذ جاءه رجل كالبدوي"، من المعلوم أن أهل البادية لهم جفاء وغلظة، فلو أمره ابتداء لكان يقع في خاطره شيء، وكان المقام مقام تعليم، وبالجملة لا دلالة لعدم إنكاره ﷺ صلاته ابتداء، وأمره بالإعادة على ما ادعوه. انتهى. (ومنها): ما قالوا: إن الله تعالى أمرنا بالركوع والسجود بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والركوع والسجود لفظ خاص، معناه معلوم، فالركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض، فمطلق الميلان عن الاستواء، ووضع الجبهة على الأرض فرض بالآية المذكورة، وفرضية التعديل الثابتة بقوله ﷺ : "فإنك لم تصل"، وكذا فرضية القومة، والجلسة بحديث: "لا تجزئ صلاة، لا يقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود"، وأمثاله إن ألحقت بالقرآن على سبيل البيان فهو ليس بصحيح؛ لأن البيان إنما يكون للمجمل، ولا إجمال في الركوع والسجود، وإن ألحقت على سبيل التغيير لإطلاق القرآن، فهو ليس بجائز أيضًا؛ لأن نسخ إطلاق القرآن بأخبار الآحاد لا يجوز، كما حققه الأصوليون، ولما لم يجز إلحاق ما ثبت بهذه الأخبار بالثابت بالقرآن، ولم يمكن ترك أخبار الآحاد بالكلية أيضًا، فقلنا ما ثبت بالقطعي، وهو مطلق الركوع والسجود فرض، وما ثبت بهذه الأخبار الظنية الثبوت واجب. والجواب أن المراد بالركوع والسجود في الآية المذكورة معناهما الشرعي، وهو غير معلوم، فهو محتاج إلى البيان، فهذه الأخبار أُلحقت بالقرآن على سبيل البيان، ولا

стр. 8136

إشكال. وقد صرح العلماء الحنفية أن معناهما الشرعي هو المراد عند أبي يوسف ﵀، وأن هذه الأخبار قد ألحقت بالقرآن على سبيل البيان عنده. (واعلم): أن أبا يوسف ﵀ شريك لأبي حنيفة ومحمد في القاعدة الأصولية المذكورة، ويجريها في مواضع كثيرة، ومع هذا فهو قائل بفرضية التعديل، فيرد عليه إشكال عسير، وهو أنه كيف ينسخ إطلاق الكتاب ها هنا بخبر الآحاد، ويجعل التعديل فرضا، وقد ذكر العلماء الحنفية في دفع هذا الإشكال ما نقله ابن عابدين في حواشي "البحر" عن بعض المحققين من أن المراد بالركوع والسجود في الآية عندهما معناه اللغوي، وهو معلوم لا يحتاج إلى البيان، فلو قلنا بافتراض التعديل تلزم الزيادة على النص بخبر الآحاد، وعند أبي يوسف معناهما الشرعي، وهو غير معلوم، فيحتاج إلى البيان. انتهى. (ثم اعلم): أن حمل لفظ الركوع، ولفظ السجود في الآية المذكورة على معناهما الشرعي هو المتعين؛ لأنه قد تقرر أن أمثال هذه الألفاظ في النصوص يجب حملها على معانيها الشرعية إلا أن يمنع مانع، ولا مانع ها هنا. وحاصل الكلام أن القول بأن تعديل الأركان فرض هو الراجح المعول عليه. والله تعالى أعلم. انتهى كلام المباركفوري رحمه الله تعالى (١). وهو تقرير حسن جدًّا. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أنه قد تبيّن مما ذكر في المسألة السابقة أن شبهة عدم إيجاب الحنفية غير أبي يوسف تعديلَ الأركان هو زعمهم أن إيجابه يكون زيادة على الكتاب بخبر الواحد، وهو لا يجوز، وهذه قاعدة تسبب عنها رفضهم كثيرا من أحاديث رسول الله ﷺ التي لا اختلاف في صحتها، كالأحاديث المخرجة في "الصحيحين" وغيرهما، وبسبب هذا دخل ضرر عظيم في الدين حيث دخل في قلوب المقلدة توهين قدر السنن الصحاح التي أوجب الله ﷺ اتباعها، والردَّ إليها عند التنازع، ومن الغريب أنهم لا يَثْبُتُون على هذه القاعدة، بل تراهم ينقضونها في عدة قضايا، ويتعللون لذلك بعلل واهية، لا تروج عند النقد والتنقير، ولا يسلمها من هو بالأمور بصير. ولقد تصدى لتفنيد هذه الشبهة الداحضة، وهدم أساسها الواهية الإمام المحقق، والجِهْبِذ المدقق العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه القيم النافع "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، فأسهب وأعاد، وأجاد وأفاد، أحببت إيراد محل الحاجة منه هنا

стр. 8137

ليكون مسك الختام لما بحثناه في المسألة السابقة، ولنحيل إليه في كل موضع يَوُدُّون فيه الأحاديث الصحيحة بهذه الشبهة الباطلة. قال رحمه الله تعالى: (المثال الرابع عشر): ردُّ المحكم الصريح الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا من وجوب الطمأنينة، وتوقف إجزاء الصلاة، وصحتها عليها، كقوله: "لا تجزئ صلاة، لا يقيم الرجل فيها صلبه في ركوعه وسجوده". وقوله لمن تركها: "صل فإنك لم تصل". وقوله: "ثم اركع حتى تطمئن راكعا"، فنفى إجزاءها بدون الطمأنينة، ونفى مسماها الشرعي بدونها، وأمر بالإتيان بها، فرد هذا المحكم الصريح بالمتشابه من قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. (المثال الخامس عشر): رد المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول في الصلاة بقوله: "إذا قمت إلى الصلاة، فكبر"، وقوله: "تحريمها التكبير"، وقوله: "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه، ثم يستقبل القبلة، ويقول: الله أكبر"، وهي نصوص في غاية الصحة، فردت بالمتشابه من قوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]. (المثال السادس عشر): رد النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة في تعيين قراءة "فاتحة الكتاب" فرضا، بالمتشابه من قوله: ﴿فاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وليس ذلك في الصلاة، وإنما هو بدل عن قيام الليل، وبقوله للأعرإبي: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة، وأن يكون الأعرابي لا يحسنها، وأن يكون لم يسىء في قراءتها، فأمره أن يقرأ معها ما تيسر من القرآن، وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها، فهو متشابه، يحتمل هذه الوجوه، فلا يترك له المحكم الصريح. (المثال السابع عشر): رد المحكم الصريح من توقف الخروج من الصلاة على التسليم، كما في: "تحليلها التسليم"، وقوله: "إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه، مِنْ عن يمينه، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله"، فأخبر أنه لا يكفي غير ذلك، فرد بالمتشابه من قول ابن مسعود: "فإذا قلت هذا، فقد قضيت صلاتك"، وبالمتشابه من عدم أمره ﷺ للأعرابي بالسلام. (المثال الثامن عشر): رد المحكم الصريح في اشتراط النية لعبادة الوضوء والغسل، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [الآية سورة البينة: آية ٥]. وقوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى"، وهذا لم ينو رفع الحدث، فلا يكون له

стр. 8138

بالنص، فردوا هذا بالمتشابه من قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦]، ولم يأمر بالنية: قالوا: فلو أوجبناها بالسنة لكان زيادة على نص القرآن، فيكون نسخا، والسنة لا تنسخ القرآن، فهذه ثلاث مقدمات: (إحداها): أن القرآن لم يوجب النية. (الثانية): أن إيجاب السنة لها نسخ للقرآن. (الثالثة): أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز. وبنوا على هذه المقدمات إسقاط كثير مما صرحت السنة بإيجابه، كقراءة الفاتحة، والطمأنينة، وتعيين التكبير للدخول في الصلاة، والتسليم للخروج منها. ولا يتصور صدق المقدمات الثلاث في موضع واحد أصلا، بل إما أن تكون كلها كاذبة، أو بعضها. فأما آية الوضوء فالقرآن قد نبه على أنه لم يكتف من طاعات عباده إلا بما أخلصوا له فيه الدين، فمن لم ينو التقرب إليه جملة لم يكن ما أتى به طاعة البتة، فلا يكون معتدا به، مع أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إنما يفهم المخاطب منه غسل الوجه، وما بعده لأجل الصلاة، كما يفهم من قوله: إذا واجهت الأمير فترجّلْ، وإذا دخل الشتاء، فاشتر الفَرْوَ، ونحو ذلك، فإن لم يكن القرآن قد دلّ على النية، ودلت عليها السنة لم يكن وجوبها ناسخا للقرآن، وإن كان زائدا عليه، ولو كان كل ما أوجبته السنة، ولم يوجبه القرآن نسخا له لبطلت أكثر سنن رسول الله ﷺ ، ودُفِع في صدورها، وأعجازها، وقال القائل: هذه زيادة على ما في كتاب الله، فلا تُقبَل، ولا يعمل بها، وهذا بعينه هو الذي أخبر رسول الله ﷺ أنه سيقع، وحذّر منه، كما في "السنن" من حديث المقدام بن معد يكرب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيت القرآن، ومثله معه، ألا يوشك رجل شَبْعانُ على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال، فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام، فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة مال المعاهد". وفي لفظ: "يوشك أن يقعد الرجل على أريكته، فيحدَّثُ عني بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله". قال الترمذي: حديث حسن، وقال البيهقي: إسناده صحيح. وقال صالح بن موسى، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني قد تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما:

стр. 8139

كتاب الله، وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض". (١) فلا يجوز التفريق بين ما جمع الله بينهما، ويرد أحدهما بالآخر، بل سكوته عما نطق به، ولا يمكن أحدا يطرد ذلك، ولا الذين أصلوا هذا الأصل، بل قد نقضوه في أكثر من ثلاثمائة موضع، منها ما هو مُجمَع عليه، ومنها ما هو مختلف فيه. مبحث مهم في بيان أوجه السنة مع القرآن: قال رحمه الله تعالى: والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: (أحدها): أن تكون موافقة له من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة، وتضافرها. (الثاني): أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن، وتفسيرا له. (الثالث): أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرَّمةً لما سكت عن تحريمه، ولا تخرج عن هذه الأقسام. فلا تُعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدا على القرآن، فهو تشريع مبتدَأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديما لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله ﷺ ، ولو كان رسول الله ﷺ لا يطاع في هذا القسم، لم تكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب إلا فيما وافق القرآن، لا فيما زاد عليه، لم يكن له طاعة خاصة تختص به، وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وكيف يمكن أحدا من أهل العلم أن لا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله؟، فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها، وعلى خالتها، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب، ولا حديث خيار الشرط، ولا أحاديث الشفعة، ولا أحاديث الرهن في الحضر، مع أنه زائد على ما في القرآن، ولا حديث ميراث الجدة، ولا حديث تخيير الأمة إذا عتقت تحت زوجها، ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة، ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان، ولا أحاديث إحداد المتوفى عنها زوجها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة. فهلاّ قلتم: إنها نسخ للقرآن، وهو لا يُنسَخ بالسنة، وكيف أوجبتم الوتر، مع أنه زيادة محضة على القرآن بخبر مختلف فيه؟. وكيف زدتم على كتاب الله، فجوزتم الوضوء بنبيذ التمر بخبر ضعيف؟. وكيف زدتم على كتاب الله، فشرطتم في الصداق

стр. 8140

أن يكون أقله عشرة دراهم بخبر لا يصح البتة، وهو زيادة محضة على القرآن؟. وقد أخذ الناس بحديث: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم"، وهو زائد على القرآن. وأخذوا بحديث توريثه ﷺ بنت الابن السدس مع البنت، وهو زائد على ما في القرآن، وأخذ الناس كلهم بحديث استبراء الْمَسْبِيَّة بحيضة، وهو زائد على ما في كتاب الله، وأخذوا بحديث: "من قتل قتيلا، فله سلبه"، وهو زائد على ما في كتاب الله من قسمة الغنائم. وأخذوا كلهم بقضائه ﷺ الزائد على ما في القرآن من أن أعيان بني الأبوين يتوارثون، دون بني العلاّت (١)، وأَنَّ الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه، دون أخيه لأبيه، ولو تتبعنا هذا لطال جدًّا. فسنن رسول الله ﷺ أجلّ في صدورنا، وأعظم، وأفرض علينا أن لا نقبلها إذا كانت زائدة على ما في القرآن، بل على الرأس والعينين. وكذلك فرض على الأمة الأخذ بحديث القضاء بالشاهد واليمين، وإن كان زائدا على ما في القرآن. وقد أخذ به أصحاب رسول الله ﷺ ، وجمهور التابعين، والأئمة. والعجب ممن يرده لأنه زائد على ما في كتاب الله، ثم يقضي بالنكول، ومعاقد القُمُط (٢)، ووجوه الَاجُرّ في الحائط، وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ . وأخذتم أنتم، وجمهور الأمة بحديث: "لا يقاد الوالد بالولد" مع ضعفه، وهو زائد على ما في القرآن. وأخذتم أنتم والناس بحديث أخذ الجزية من المجوس، وهو زائد على ما في القرآن. وأخذتم مع سائر الناس بقطع رِجْل السارق في المرّة الثانية، مع زيادته على ما في القرآن. وأخذتم أنتم والناس بحديث النهي عن الاقتصاص من الجرح قبل الاندِمَال، وهو زائد على ما في القرآن. وأخذت الأمةُ بأحاديث الحضانة، وليست في القرآن. وأخذتم أنتم والجمهور باعتداد المتوفى عنها في منزلها، وهو زائد على ما في القرآن. وأخذتم مع الناس بأحاديث البلوغ بالسن والإنبات، وهي زائد على ما في القرآن، إذ ليس فيه إلا الاحتلام. وأخذتم مع الناس بحديث: "الخراجُ بالضمان". مع ضعفه، وهو زائد على ما في القرآن، وأضعاف أضعاف ما ذكرنا. بل أحكام السنة التى ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها، فلو ساغ

стр. 8141

لنا ردّ كل سنة زائدة كانت (١) على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله ﷺ كلها إلا سنة دلّ عليها القرآن، وهذا هو الذي أخبر النبي ﷺ بأنه سيقع، ولابد متن وقوع خبره. [فإن قيل]: السنن الزائدة على ما دلّ عليه القرآن تارة تكون بيانا له، وتارة تكون مُنشِئة لحكم لم يتعرض القرآن له، وتارة تكون مغيرة لحكمه، وليس نزاعنا في القسمين الأولين، فإنهما حجة باتفاق، ولكن النزاع في القسم الثالث، وهو الذي ترجمته بـ"مسألة الزيادة على النص". وقد ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي، وجماعة كثيرة من أصحاب أبي حنيفة إلى أنها نسخ، ومن ها هنا جعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخا، كما لو زاد عشرين سوطا على الثمانين في حد القذف. وذهب أبو بكر الرازي إلى أن الزيادة إن وردت بعد استقرار حكم النص منفردة عنه، كانت ناسخة، وإن وردت متصلة بالنص قبل استقرار حكمه لم تكن ناسخة، وإن وردت، ولا يعلم تاريخها، فإن وردت من جهة يثبت النص بمثلها، فإن شهدت الأصول من عمل السلف، أو النظر على ثبوتهما معا أثبتناهما، وإن شهدت بالنص منفردا عنها أثبتناه دونها، وإن لم يكن في الأصول دلاله على أحدهما، فالوأجب أن يحكم بورودهما معا، ويكونان بمنزلة الخاص والعام، وإذا لم يعلم تاريخهما، ولم يكن في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما على الآخر، فإنهما يستعملان معًا، وإن كان ورود النص من جهة توجب العلم كالكتاب والخبر المستفيض، وورود الزيادة من جهة أخبار الآحاد لم يجز إلحاقها بالنص، ولا العمل بها. وذهب أصحابنا -يعني الحنابلة- إلى أن الزيادة إن غيرت حكم المزيد عليه تغييرا شرعيا بحيث إنه لو فعل على حدِّ ما كان يفعل قبلها لم يكن معتدا به، بل يجب استئنافه كان نسخا، نحو ضم ركعة إلى ركعتي الفجر، وإن لم يغير حكم المزيد عليه بحيث لو فعل على حدَّ ما كان يفعل قبلها كان معتدا به، ولا يجب استئنافه لم يكن نسخا، ولم يجعلوا إيجاب التغيير مع الجلد نسخا، وإيجاب عشرين جلدة مع الثمانين نسخا، وكذلك إيجاب شرط منفصل عن العبادة لا يكون نسخا، كإيجاب الوضوء بعد فرض الصلاة، ولم يختلفوا أن إيجاب زيادة عبادة على عبادة، كإيجاب الزكاة بعد إيجاب الصلاة لا يكون نسخا، ولم يختلفوا أيضا أن إيجاب صلاة سادسة على الصلوات الخمس لا يكون نسخا.

стр. 8142

فالكلام معكم في الزيادة المغيرة في ثلاثة مواضع، في المعنى، والاسم، والحكم. أما المعنى: فإنها تفيد معنى النسخ، لأنه إزالة، والزيادة تزيل حكم الاعتداد بالمزيد عليه، وتوجب استئنافه بدونها، وتخرجه عن كونه جميع الواجب، وتجعله بعضه، وتوجب التأثيم على المقتصر عليه بعد أن لم يكن آثما، وهذا معنى النسخ، وعليه ترتب الاسم، فإنه تابع للمعنى، فإن الكلام في زيادة شرعية مغيرة للحكم الشرعي بدليل شرعي، متراخ عن المزيد عليه، فإن اختل وصف من هذه الأوصاف لم يكن نسخا، فإن لم تغير حكمًا شرعيا، بل رفعت حكم البراءة الأصلية لم تكن نسخا، كإيجاب عبادة بعد أخرى، وإن كانت الزيادة مقارنة للمزيد عليه، لم تكن نسخا وإن غيرته، بل تكون تقييدا، أو تخصيصا. وأما الحكم، فإن كان النص المزيد عليه ثابتا بالكتاب، أو السنة المتواترة لم يقبل خبر الواحد بالزيادة عليه، وإن كان ثابتا بخبر الواحد قبلت الزيادة، فإن اتفقت الأمة على قبول خبر الواحد في القسم الأول علمنا أنه ورد مقارنا للمزيد عليه، فيكون تخصيصا، لا نسخا. قالوا: وإنما لم يقبل خبر الواحد بالزيادة على النص؛ لأن الزيادة لو كانت موجودة معه لنقلها إلينا مَنْ نقل النص، إذ غير جائز أن يكون المراد إثبات النص معقودا بالزيادة، فيقتصر النبي ﷺ على إبلاغ النص منفردا عنها، فواجب إذًا أن يذكرها معه، ولو ذكرها لنقلها إلينا من نقل النص، فإن كان النص مذكورا في القرآن، والزيادة واردة من جهة السنة، فغير جائز أن يقتصر النبي ﷺ على تلاوة الحكم المنزل في القرآن، دون أن يعقبها بذكر الزيادة؛ لأن حصول الفراغ من النص الذي يمكننا استعماله بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه، كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فإن كان الحد هو الجلد والتغريب، فغير جائز أن يتلو النبي ﷺ الآية على الناس عارية من ذكر النفي عقبها؛ لأن سكوته عن ذكر الزيادة معها يلزمنا اعتقاد موجبها، وأن الجلد هو كمال الحد، فلو كان معه تغريب لكان بعضَ الحد، لا كماله، فإذا أخلى التلاوة من النفي عقبها فقد أراد منا اعتقاد أن الجلد المذكور في الآية هو تمام الحد وكماله، فغير جائز إلحاق الزيادة معه، إلا على وجه النسخ، ولهذا كان قوله: "واغْدُ يا أُنَيس على امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها"، ناسخا لحديث عبادة بن الصامت ﵁: "الثيب بالثيّب جلد مائة، والرجم"، وكذلك لَمَّا رجم ماعزًا، ولم يجلده كذلك يجب أن يكون قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، ناسخا لحكم التغريب في قوله: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام".

стр. 8143

والمقصود أن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي ﷺ عقب التلاوة، ولنقلها إلينا من نقل المزيد عليه، إذ غير جائز عليهم أن يعلموا أن الحد مجموع الأمرين، وينقلوا بعضه، دون بعض، وقد سمعوا الرسول ﷺ يذكر الأمرين، فامتنع حينئذ العمل بالزيادة إلا من الجهة التي ورد منها الأصل، فإذا وردت من جهة الآحاد، فإن كانت قبل النص، فقد نسخها النص المطلق عاريا من ذكرها، وإن كانت بعده، فهذا يوجب نسخ الآية بخبر الواحد، وهو ممتنع، فإن كان المزيد عليه ثابتا بخبر الواحد جاز إلحاق الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به، فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد لم تكن نسخا، وكانت بيانا. فالجواب من وجوه: (أحدها): أنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصلتموه، فإنكم قبلتم خبر الوضوء بنبيذ التمر، وهو زائد على ما في كتاب الله، مغير لحكمه، فإن الله جعل حكم عادم الماء التيمم، والخبر يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ، فهذه الزيادة بهذا الخبر الذي لا يثبت رافعة لحكم شرعي، غير مقارنة له، ولا مقاومة بوجه. وقبلتم خبر الأمر بالوتر مع رفعه لحكم شرعي، وهو اعتقاد كون الصلوات الخمس هي جميع الواجب، ورفع التأثيم بالاقتصار عليها، وإجزاء الإتيان في التعبد بفريضة الصلاة، والذي قال هذه الزيادةَ هو الذي قال سائرَ الأحاديث الزائدة على ما في القرآن، والذي نقلها إلينا هو الذي نقل تلك بعينه، أو أوثق منه، أو نظيره، والذي فرض علينا طاعة رسوله، وقبول قوله في تلك الزيادة هو الذي فرض علينا طاعته، وقبول قوله في هذه، والذي قال لنا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، هو الذي شرع لنا هذه الزيادة على لسانه، والله ولّاه منصب التشريع عنه ابتداء، كما ولاه منصب البيان لِما أراده بكلامه، بل كلامه كله بيان عن الله، والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان بوجه من الوجوه، بل كان السلف الصالح الطيب إذا سمعوا الحديث عنه وجدوا تصديقه في القرآن، ولم يقل أحد منهم قط في حديث واحد أبدًا؛ إن هذا زيادة على القرآن، فلا نقبله، ولا نسمعه، ولا نعمل به. ورسول الله ﷺ أجلُّ في صدورهم، وسنته أعظم عندهم من ذلك وأكبر، ولا فرق أصلا بين مجيء السنة بعدد الطواف، وعدد ركعات الصلاة، ومجيئها بفرض الطمأنينة، وتعين الفاتحة والنية، فإن الجميع بيان لمراد الله أنه أوجب هذه العبادة على عباده على الوجه هذا. فهذا هو الوجه المراد، فجاءت السنة بيانا للمراد في جميع وجوهها، حتى في التشريع

стр. 8144

المبتدإ، فإنها بيان لمراد الله من عموم الأمر بطاعته، وطاعة رسول ﷺ ، فلا فرق بين بيان هذا المراد، وبين بيان المراد من الصلاة والزكاة والحج والطواف وغيرها، بل هذا بيان المراد من شيء، وذاك بيان المراد من أعم منه. فالتغريب بيان محض للمراد من قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، وقد صرح النبي ﷺ بأن التغريب بيان لهذا السبيل المذكور في القرآن، فكيف يجوز رده بأنه مخالف للقرآن معارض له. ويقال: لو قلبناه لأبطلنا به حكم القرآن، وهل هذا إلا قلب للحقائق، فإن حكم القرآن العام والخاص يوجب علينا قبوله فرضا، لا يسعنا مخالفته، فلو خالفناه لخالفنا القرآن، ولخرجنا عن حكمه ولابد، ولكان في ذلك مخالفة للقرآن والحديث معًا. يوضحه (الوجه الثاني): أن الله تعالى نصب رسول الله ﷺ منصب المبلغ المبين عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه، ولا فرق بين ما يبلغه عنه من كلامه المتلوّ، ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا. يوضحه (الثالث): أن الله تعالى أمرنا بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، وجاء البيان عن رسول الله ﷺ بمقادير ذلك، وصفاته، وشروطه، فوجب على الأمة قبوله، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب علينا قبول الأصل المفصل، وهكذا أمر الله تعالى بطاعته، وطاعة رسوله، فإذا أمر الرسول بأمر كان تفصيلا، وبيانا للطاعة المأمور بها، وكان فوض قبوله كفرض قبول الأصل المفصل، ولا فرق بينهما. يوضحه (الوجه الرابع): أن البيان من النبي ﷺ أقسام: (أحدها): بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيا. (الثاني): بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك، كما بين أن الظلم المذكور في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] هو الشرك، وأن الحساب اليسير هو العرض، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار، وسواد الليل، وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل، كما فسر قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أنه طلوع الشمس من مغربها، وكما فسر قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] بأنها النخلة، وكما فسر قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] أن ذلك في القبر حين يسأل مَنْ ربك؟، وما دينك؟. وكما فسر الرعد بأنه ملك من الملائكة

стр. 8145

موكل بالسحاب. وكما فسر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم، ورهبانهم أربابا من دون الله بأن ذلك باستحلال ما أحلوه من الحرام، وتحريم ما حرموه عليهم من الحلال، وكما فسر القوة التي أمر الله أن نعِدّها لأعدائه بالرمي، وكما فسر قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بأنه ما يُجزى به العبد في الدنيا من النصب والهم والخوف واللأواء، وكما فسر الزيادة بأنه النظر إلى وجه الله الكريم، وكما فسر الدعاء في قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، بأنه العبادة، وكما فسر إدبار النجوم بأنه الركعتان قبل الفجر، وإدبار السجود بالركعتين بعد المغرب، ونظائر هذا. (الثالث): بيانه بالفعل، كما بين أوقات الصلوات للسائل بفعله. (الرابع): بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن، فنزل القرآن ببيانها، كما سئل عن قذف الزوجة، فجاء القرآن باللعان، ونظائره. (الخامس): بيان ما سئل عنه بالوحي، وإن لم يكن قرآنا، كما سئل عن رجل أحرم في جُبَّة بعد ما تَضَمَّخَ بالْخَلُوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة، ويغسل أثر الْخَلُوق. (السادس): بيانه للأحكام بالسنة ابتداء من غير سؤال، كما حرم عليهم لحوم الْحُمُر، والمتعة، وصيد المدينة، ونكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأمثال ذلك. (السابع): بيانه جوازَ الشيء بفعله هو له، وعدم نهيهم عن التأسي به. (الثامن): بيانه جوازَ الشيء بإقراره لهم على فعله، وهو يشاهده، أو يَعلَمُهُم يفعلونه. (التاسع): بيانه إباحةَ الشيءِ عفوًا بالسكوت عن تحريمه، وإن لم يأذن فيه نطقًا. (العاشر): أن يحكم القرآن بإيجاب شيء، أو تحريمه، أو إباحته، ويكون لذلك الحكم شروط، وموانع، وقيود، وأوقات مخصوصة، وأحوال، وأوصاف، فيحيل الرب على رسوله ﷺ في بيانه، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فالحِلُّ موقوف على شروط النكاح، وانتفاء موانعه، وحضور وقته، وأهلية المحل، فإذا جاءت السنة ببيان ذلك كله لم يكن شيء منه زائدًا على النص، فيكونَ نسخا له، وإن كان رفعا لظاهر إطلاقه. فهكذا كل حكم منه ﷺ زائدًا على القرآن هذا سبيله سواءً بسواءٍ، وقد قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، ثم جاءت السنة بأن القاتل، والكافر، والرقيق لا يرث، ولم يكن نسخا للقرآن مع أنه زائد عليه قطعا، أعني في موجبات الميراث، فإن القرآن أوجبه بالولادة وحدها، فزادت السنة مع وصف الولادة اتحاد الدين، وعدم الرقّ والقتل.

стр. 8146

فهلّا قلتم: إن هذا زيادة على النص، فيكون نسخا، والقرآن لا يُنسَخُ بالسنة، كما قلتم ذلك في كل موضع تركتم فيه الحديث؛ لأنه زائد على القرآن. (الوجه الخامس): أن تسميتكم للزيادة المذكورة نسخا لا توجب، بل لا تجُوِّزُ مُخالَفتَهَا، فإن تسمية ذلك نسخا اصطلاح منكم، والأسماء المتواضع عليها التابعة للاصطلاح منكم لا توجب رفع أحكام النصوص، فأين سمَّى الله ورسوله ذلك نسخا، وأين قال رسول الله ﷺ إذا جاءكم حديثي زائدًا على ما في كتاب الله فردوه، ولا تقبلوه، فإنه يكون نسخا لكتاب الله؟ وأين قال الله: إذا قال رسولي قولا زائدا على القرآن، فلا تقبلوه، ولا تعملو به، ورُدُّوه؟، وكيف يسوغ رد سنن رسول الله ﷺ بقواعدَ قَعَّدتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. (الوجه السادس): أن يقال: ما تعنون بالنسخ الذي تضمنته الزيادة بزعمكم؟ أتعنون أن حكم المزيد عليه من الإيجاب والتحريم والإباحة بطل بالكلية؟ أم تعنون به تغير وصفه بزيادة شيء عليه من شرط، أو قيد، أو حال، أو مانع، أو ما هو أعم من ذلك؟. فإن عنيتم الأول، فلا ريب أن الزيادة لا تتضمن ذلك، فلا تكون ناسخة، وإن عنيتم الثاني، فهو حق، ولكن لا يلزم منها بطلان حكم المزيد عليه، ولا رفعه، ولا معارضته، بل غايتها مع المزيد عليه كالشروط، والموانع، والقيود، والمخصصات، وشيء من ذلك لا يكون نسخا يوجب إبطال الأول، ورفعه رأسا. وإذا كان نسخا بالمعنى العامّ الذي يسميه السلف نسخا، وهو رفع الظاهر بتخصيص، أو تقييد، أو شرط، أو مانع، فهذا كثير من السلف يسميه نسخا، حتى سمى الاستثناء نسخا، فإن أردتم هذا المعنى، فلا مُشاحَّةَ في الاسم، ولكن ذلك لا يسوغ ردَّ السنن الناسخة للقرآن بهذا المعنى، ولا ينكر أحد نسخ القرآن بالسنة بهذا المعنى، بل هو متفق عليه بين الناس، وإنما تنازعوا في جواز نسخه بالسنة النسخَ الخاصَّ الذي هو رفع أصل الحكم وجملته بحيمث يبقى بمنزلة ما لم يشرع البتة. وإن أردتم بالنسخ ما هو أعم من القسمين، وهو رفع الحكم بجملته تارة، وتقييد مطلقه، وتخصيص عامه، وزيادة شرط أو مانع تارة كنتم قد أدرجتم في كلامكم قسمين: مقبولا، ومردودًا، كما تبيّن، فليس الشأن في الألفاظ، فسموا الزيادة ما شئتم، فإبطال السنن بهذا الاسم مما لا سبيل إليه. يوضحه (الوجه السابع): أن الزيادة لو كانت ناسخة لما جاز اقترانها بالمزيد؛ لأن الناسخ لا يقارن المنسوخ، وقد جوزتم اقترانها به، وقلتم: تكون بيانا، أو تخصيصا، فهلا كان حكمها مع التأخير كذلك، والبيان لا يجب اقترانه بالمبين، بل يجوز تأخيره

стр. 8147

إلى وقت حضور العمل، وما ذكرتموه من إيهام اعتقاد خلاف الحق، فهو منتقض بجواز، بل وجوب تأخير الناسخ، وعدم الإشعار بأنه سينسخه، ولا محذور في اعتقاد موجب النص ما لم يأت ما يرفعه، أو يرفع ظاهره، فحينئذ يعتقد موجبه كذلك، فكان كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. يوضحه (الوجه الثامن): أن المكلف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيدا بعدم ورود ما يرفع ظاهره، كما يعتقد المنسوخ مؤبدا اعتقادا مقيدا بعدم ورود ما يبطله، وهذا هو الواجب عليه الذي لا يمكنه سواه. (الوجه التاسع): أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخا، وإن تضمن رفع الإجزاء بدونه، كما صرح بذلك بعض أصحابكم، وهو الحق، فكذلك إيجاب كل زيادة، بل أولى أن لا تكون نسخا، فإن إيجاب الشرط يرفع إجزاء المشروط عن نفسه، وعن غيره، وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة. (الوجه العاشر): أن الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا يكون نسخا، وذلك أن الأحكام لم تشرع جملة واحدة، وإنما شرعها أحكم الحاكمين شيئًا بعد شيء، وكل منها زائد على ما قبله، وكان ما قبله جميع الواجب، والإثم محطوط عمن اقتصر عليه، وبالزيادة تغير هذان الحكمان، فلم يبق الأول جميع الواجب، ولم يُحَطّ الإثم عمن اقتصر عليه، ومع ذلك فليس الزائد ناسخا للمزيد عليه، إذ حكمه من الوجوب وغيره باق، فهذه الزيادة المتعلقة بالمزيد لا تكون نسخا له، حيث لم ترفع حكمه، بل هو باق على حكمه، وقد ضُمَّ إليه غيرُهُ. يوضحه (الوجه الحادي عشر): أن الزيادة إن رفعت حكمًا خطابيا كانت نسخًا، وزيادة التغريب، وشروط الحكم، وموانعه (١) لا ترفع حكم الخطاب، وإن رفع حكم الاستصحاب. يوضحه (الوجه الثاني عشر): أن ما ذكروه من كون الأول جميع الواجب، وكونه مجزئا وحده، وكون الإثم محطوطا عمن اقتصر عليه إنما هو من أحكام البراءة الأصلية، فهو حكم استصحابي، لم نستفده من لفظ الأمر الأول، ولا أريدَ به، فإن معنى كون العبادة مجزئة أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها، وحط الذم عن فاعلها: معناه أنه قد خرج من عهدة الأمر، فلا يلحقه ذمّ، والزيادة -وإن رفعت هذه الأحكام- لم ترفع حكمًا دلّ عليه لفظ المزيد.

стр. 8148

يوضحه (الوجه الثالث عشر): أن تخصيص القرآن بالسنة جائز، كما أجمعت الأمة على تخصيص قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بقوله ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها" (١)، وعموم قوله: تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر" (٢)، وعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] بقوله ﷺ : "لا قطع في ثَمَر، ولا كَثَر" (٣) ونظائر ذلك كثير، فإذا جاز التخصيص، وهو رفع بعض ما تناوله اللفظ، وهو نقصان من معناه، فلأن تجوز الزيادة التي لا تتضمن رفع شيء من مدلوله، ولا نقصانه بطريق الأولى والأحرى. (الوجه الرابع عشر): أن الزيادة لا توجب رفع المزيد لغة، ولا شرعا، ولا عرفا، ولا عقل، ولا تقول العقلاء لمن ازداد خيره، أو ماله، أو جاهه، أو علمه، أو ولده: إنه قد ارتفع شيء مما في الكيس. (الوجه الخامس عشر) أن الزيادة قررت حكم المزيد، وزادته بيانا وتأكيدا، فهي كزيادة العلم والهدى والإيمان، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، وقال: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، فكذلك زيادة الواجب على الواجب إنما يزيد قوة وتأكيدا وثبوتا، فإن كانت متصلة به اتصال الجزاء والشرط كان ذلك أقوى له، وأثبت، وآكد، ولا ريب أن هذا أقرب إلى المعقول والمنقول والفطرة من جعل الزيادة مبطلة للمزيد عليه، ناسخة له. (الوجه السادس عشر): أن الزيادة لم تتضمن النهي عن المزيد، ولا المنع منه، وذلك حقيقة النسخ، وإذا انتفت حقيقة النسخ استحال ثبوته. (الوجه السابع عشر): أنه لابد في النسخ من تنافي الناسخ والمنسوخ، وامتناع اجتماعهما، والزيادة غير منافية للمزيد عليه، ولا اجتماعهما ممتنع. (الوجه الثامن عشر): أن الزيادة لو كانت نسخا لكانت إما نسخا بانفرادها عن المزيد، أو بانضمامها إليه، والقسمان محال، فلا يكون نسخا: أما الأولى فظاهر، فلأنها لا حكم لها بمفردها البتة، فإنها متابعة للمزيد عليه في حكمه.

стр. 8149

وأما الثاني فكذلك أيضا؛ لأنها إذا كانت ناسخة بانضمامها إلى المزيد، كان الشيء ناسخا لنفسه، ومبطلا لحقيقته، وهذا غير معقول. وأجاب بعضهم عن هذا بأن النسخ يقع على حكم الفعل دون نفسه وصورته، وهذا الجواب لا يُجدي عليهم شيئًا، والإلزام قائم بعينه، فإنه يوجب أن يكون المزيد عليه قد نسخ حكم نفسه، وجعل نفسه إذا انفرد عن الزيادة غير مجزىء لعد أن كان مجزئا. (الوجه التاسع عشر): أن النقصان من العبادة لا يكون نسخا لما بقي منها، فكذلك الزيادة عليها لا تكون نسخا لها، بل أولى لما تقدم. (الوجه العشرون): أن نسخ الزيادة للمزيد عليه، إما أن يكون نسخا لوجوبه، أو لإجزائه، أو لعدم وجوب غيره، أو لأمر رابع، وهذا كزيادة التغريب مثلا على المائة جلدة، لا يجوز أن تكون ناسخة لوجوبها، فإن الوجوب بحاله، ولا لإجزائها؛ لأنها مجزئة عن نفسها، ولا لعدم وجوب الزائد، لأنه رفع لحكم عقلي، وهو البراءة الأصلية، فلو كان رفعها نسخا كان كلما أوجب الله شيئًا بعد الشهادتين، قد نسخ به ما قبله، والأمر الرابع غير متصور، ولا معقول، فلا يحكم عليه. [فإن قيل]: بل ها هنا أمر رابع معقول، وهو الاقتصار على الأول، فإنه نسخ بالزيادة، وهذا غير الأقسام الثلاثة. [فالجواب]: أنه لا معنى للاقتصار غيرُ عدم وجوب غيره، وكونه جميع الواجب، وهذا هو القسم الثالث بعينه، غَيَّرْتُم التعبير عنه، وكسوتموه عبارة أخرى. (الوجه الحادي والعشرون): أن الناسخ والمنسوخ لابد أن يتواردا على محل واحد يقتضي المنسوخ ثبوته، والناسخ رفعه، أو بالعكس، وهذا غير متحقق في الزيادة على النص. (الوجه الثاني والعشرون): أن كل واحد من الزائد والمزيد عليه دليل قائم بنفسه، مستقل بإفادة حكمه، وقد أمكن العمل بالدليلين، فلا يجوز إلغاء أحدهما، وإبطاله، وإلقاء الحرب بينه وبين شقيقه وصاحبه، فإن كل ما جاء من عند الله فهو حق، يجب اتباعه، والعمل به، ولا يجوز إلغاؤه، وإبطاله إلا حيث أبطله الله ورسوله ﷺ بنص آخر ناسخ له، لا يمكن الجمع بينه وبين المنسوخ، وهذا -بحمد الله- منتف في مسألتنا، فإن العمل بالدليلين ممكن، ولا تعارض بينهما، ولا تناقض بوجه، فلا يسوغ لنا إلغاء ما اعتبره الله ﷺ ورسوله ﷺ ، كما لا يسوغ لنا اعتبار ما ألغاه، وبالله تعالى التوفيق. (الوجه الثالث والعشرون): أنه إن كان القضاء بالشاهد واليمين ناسخا للقرآن، وإثبات التغريب ناسخا للقرآن، فالوضوء بالنبيذ أيضًا ناسخ للقرآن، ولا فرق بينهما

стр. 8150

البتة، بل القضاء بالنكول، ومعاقد القُمُط يكون ناسخا للقرآن، وحينئذ فنسخ كتاب الله بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها أولى من نسخه بالرأي والقياس، والحديث الذي لا يثبت. وإن لم يكن ناسخا للقرآن لم يكن هذا ناسخا له، وأما أن يكون هذا نسخا، وذاك ليس بنسخ، فتحكم باطل، وتفريق بين متماثلين. (الوجه الرابع والعشرون): أن ما خالفتموه من الأحاديث التي زعمتم أنها زيادة على نص القرآن، إن كانت نستلزم نسخه، فقطع رجل السارق في المرة الثانية نسخ، لأنه زيادة على القرآن، وإن لم يكن هذا نسخا، فليس ذلك نسخا. (الوجه الخامس والعشرون): إنكم قلتم: لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم، وذلك زيادة على ما في القرآن، فإن الله ﷺ أباح استحلال البُضْع بكل ما يسمى مالا، وذلك يتناول القليل والكثير، فزدتم على القرآن بقياس في غاية الضعف، وبخبر في غاية البطلان، فإن جاز نسخ القرآن بذلك، فلم لا يجوز نسخه بالسنة الصحيحة الصريحة، وإن كان هذا ليس بنسخ لم يكن الآخر نسخًا. (الوجه السادس والعشرون): إنكم أوجبتم الطهارة للطواف بقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة"، وذلك زيادة على القرآن، فإن الله ﷺ إنما أمر بالطواف، ولم يأمر بالطهارة، فكيف لم تجعلوا ذلك نسخا للقرآن، وجعلتم القضاء بالشاهد واليمين، والتغريب في حد الزنا نسخا للقرآن. (الوجه السابع والعشرون): إنكم مع الناس أوجبتم الاستبراء في جواز وطء المَسْبيّة بحديث ورد زائد على كتاب الله، ولم تجعلوا ذلك نسخا له، وهو الصواب بلا شك، فهلّا فعلتم ذلك في سائر الأحاديث الزائدة على القرآن. (الوجه الثامن والعشرون): إنكم وافقتم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها بخبر الواحد، وهو زائد على ما في كتاب الله تعالى قطعا، ولم يكن ذلك نسخا، فهلا فعلتم ذلك في خبر القضاء بالشاهد واليمين، والتغريب، ولم تعدوه نسخا، وكل ما تقولونه في محل الوفاق يقوله لكم منازعوكم في محل النزاع حرفا بحرف. (الوجه التاسع والعشرون): أنكم قلتم: لا يفطر المسافر، ولا يقصر في أقل من ثلاثة أيام، والله قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وهذا يتناول الثلاثة، وما دونها، فأخذتم بقياس ضعيف، أو أثر لا يثبت في التحديد بالثلاث، وهو زيادة على القرآن، ولم تجعلوا ذلك نسخا، فكذلك الباقي.

стр. 8151

(الوجه الثلاثون): أنكم منعتم قطع من سرق ما يُسرع إليه الفسادُ من الأموال، مع أنه سارق حقيقة، ولغة، وشرعا، لقوله؛ "لا قطع في ثمر، ولا كَثَرَ"، ولم تجعلوا ذلك نسخا للقرآن، وهو زائد عليه. (الوجه الحادي والثلاثون): إنكم رددتم السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ في المسح على العمامة، وقلتم: إنها زائدة على نص الكتاب، فتكودن ناسخة له، فلا تقبل، ثم ناقضتم، فأخذتم بأحاديث المسح على الخفين، وهي زائدة على القرآن، ولا فرق بينهما، واعتذرتم بالفرق بأن أحاديث المسح على الخفين متواترة، بخلاف المسح على العمامة، وهو اعتذار فاسد، فإن من له اطلاع على الحديث لا يشك في شهرة كل منهما، وتعدد طرقها، واختلاف مخارجها، وثبوتها عن النبي ﷺ قولا وفعلا. (الوجه الثاني والثلاثون): إنكم قبلتم شهادة المرأة الواحدة على الرضاع والولادة، وعيوب النساء، مع أنه زائد على ما في القرآن، ولم يصح الحديث به صحته بالشاهد واليمين، ورددتم هذا ونحوه بأنه زائد على القرآن. (الوجه الثالث): إنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ في أنه لا يُحَرِّم أقلُّ من خمس رضعات، ولا تحُرِّمُ الرضعة، والرضعتان، وقلتم: هي زائدة على القرآن، ثم أخذتم بخبر لا يصح بوجه مّا في أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم، أو ما يساويها، ولم تَرَوْه زيادة على القرآن، وقلتم: هذا بيان للفظ السارق، فإنه مجمل، والرسول ﷺ بينه بقوله: "لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم". فيا للعجب كيف كان هذا بيانا، ولم يكن حديث التحريم بخمس رضعات بيانا لمجمل قوله: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: ٢٣]، ولا تأتون بعذر في آية القطع، إلا كان مثله، أو أولى منه في آية الرضاع سواءً بسواءٍ. (الوجه الرابع والثلاثون): إنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بالمسح على الجوربين، وقلتم: هي زائدة على القرآن، وجوزتم الوضوء بالخمر المحرمة من نبيذ التمر المسكر بخبر لا يثبت، وهو بخلاف القرآن. (الوجه الخامس والثلاثون): إنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ في الصوم عن الميت، والحج عنه، وقلتم: هو زائد على قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ثم جوزتم أن تُعمَل أعمالُ الحج كلها عن المغمى عليه، ولم تروه زائدا على قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وأخذتم بالسنة الصحيحة، وأصبتم في حمل العاقلة الدية عن القاتل خطأ، ولم تقولوا: هو زائد على قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، واعتذاركم

стр. 8152

بأن الإجماع ألجأكم إلى ذلك لا يفيد؛ لأن عثمان الْبَتِّي، وهو من فقهاء التابعين يرى أن الدية على القاتل، وليس على العاقلة منها شيء، ثم هذا حجة عليكم أن تجُمِعَ الأمةُ على الأخذ بالخبر، وإن كان زائدا على القرآن. (الوجه السادس والثلاثون): إنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ في اشتراط المحرم أن يحل حيث حبس، وقلتم: هو زائد على القرآن، فإن الله أمر بإتمام الحج والعمرة، والإحلال خلاف الإتمام، ثم أخذتم، وأصبتم بحديث تحريم لبن الفحل، وهو زائد على ما في القرآن قطعا. (الوجه السابع والثلاثون): ردكم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بالوضوء من مس الفرج، وأكل لحوم الإبل، وقلتم: ذلك زيادة على القرآن؛ لأن الله تعالى إنما ذكر الغائط، ثم أخذتم بحديث ضعيف في إيجاب الوضوء من القهقهة، وخبر ضعيف في إيجابه من القيء، ولم يكن ذاك زائدا على ما في القرآن، إذ هو قول متبوعكم. فمن العجب إذا قال من قلدتموه قولًا زائدا على ما في القرآن قبلتموه، وقلتم: ما قاله إلا بدليل، وسهل عليكم مخالفة ظاهر القرآن حينئذ، وإذا قال رسول الله ﷺ قولا زائدا على ما في القرآن قلتم. هذا زيادة على النص، وهو نسخ، والقرآن لا ينسخ بالسنة، فلم تأخذوا به، واستعصيتم خلاف ظاهر القرآن، فهان خلافه إذا وافق قول من قلدتموه، وصعب خلافه إذا وافق قول رسول الله ﷺ !. (الوجه الثامن والثلاثون): إنكم أخذتم بخبر ضعيف، لا يثبت في إيجاب المضمضة والاستنشاق في الغسل من الجنابة، ولم تروه زائدًا على القرآن، ورددتم السنة الصحيحة الصريحة في أمر المتوضىء بالاستنشاق، وقلتم: هو زائد على القرآن، فهاتوا لنا الفرق بين ما يقبل من السنن الصحيحة، وما يرد منها، فإما أن تقبلوها كلها، وإن زادت على ما القرآن، وإما أن تردوها كلها، إذا كانت زائدة على ما في القرآن، وأما التحكم في قبول ما شئتم منها، ورد ما شئتم منها، فمما لم يأذن به الله، ولا رسوله ﷺ ، ونحن نشْهِدُ اللهَ شهادة يسألنا عنها يوم نلقاه أنا لا نرد لرسول الله ﷺ سنة واحدة صحيحة أبدا، إلا بسنة صحيحة مثلها، نعلم أنها ناسخة لها. (الوجه التاسع والثلاثون): إنكم رددتم السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ في القسم للبكر سبعا، يفضلها بها على من عنده من النساء، وللثيب ثلاثا، إذا أعرس بهما، وقلتم؛ هذا زائد على العدل المأمور به في القرآن، ومخالف له، فلو قبلنا كنا قد نسخنا به القرآن، ثم أخذتم بقياس فاسد واهٍ، لا يصح في جواز نكاح الأمة لواجد الطَّوْل غير خائف العَنَت، وإذا لم تكن تحته حرة، وهو خلاف ظاهر القرآن، وزائد عليه قطعا.

стр. 8153

(الوجه الأربعون): ردكم السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بإسقاط نفقة المبتوتة وسكناها، وقلتم: هو مخالف للقرآن، فلو قبلناه كان نسخا للقرآن به، ثم أخذتم بخبر ضعيف، لا يصح أن عدة الأمة قُرآنِ، وطلاقها طلقتان، مع كونه زائدا على ما في القرآن قطعا. (الوجه الحادي والأربعون): ردكم السنة الثابتة عق رسول الله ﷺ فى تخيير ولي الدم بين الدية، أو القَوَد، أو العفو، بقولكم: إنها زائدة على ما في القرآن، ثم أخذتم بقياس من أفسد القياس أنه لو ضربه بأعظم دَبُّوسٍ (١) يوجد حتى يَنثُرَ دماغه على الأرض، فلا قود عليه، ولم تَرَوْا ذلك مخالفا لظاهر القرآن، والله تعالى يقول: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ويقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. (الوجه الثالث والأربعون): إنكم أخذتم بخبر لا يصح عن رسول الله ﷺ في أنه: "لا جمعة، إلا في مصر جامع" (٢)، وهو مخالف لظاهر القرآن قطعا، وزائد عليه، ورددتم الخبر الصحيح الذي لا شك في صحته عند أحد من أهل العلم في أن كل بَيَّعَين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في وجوب الوفاء بالعقد. (الوجه الرابع والأربعون): إنكم أخذتم بخبر ضعيف: "لا تقطع الأيدي في الغزو"، وهو زائد على القرآن، وعَدَّيتموه إلى سقوط الحدود عمن فعل أسبابها في دار الحرب، وتركتم الخبر الصحيح الذي لا ريب في صحته في المصرّاة، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن من عدة أوجه. (الوجه الخامس والأربعون): إنكم أخذتم بخبر ضعيف، بل باطل في أنه لا يؤكل الطافي من السمك، وهو خلاف القرآن، إذ يقول تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، فصيده ما صِيدَ منه حيا، وطعامه قال أصحاب رسول الله ﷺ : هو ما مات فيه، صح ذلك عن الصديق، وابن عباس، وغيرهما ﵃، ثم تركتم الخبر الصحيح المصرح بأن ميتته حلال، مع موافقته لظاهر القرآن. (الوجه السادس والأربعون): إنكم أخذتم، وأصبتم بحديث تحريم كل ذي ناب من السباع، وذي مِخْلَب من الطير، وهو زائد على ما في القرآن، ولم تروه ناسخا، ثم تركتم حديث حل لحوم الخيل الصحيح الصريح، وقلتم: هو مخالف لما في القرآن، زائد عليه، وليس كذلك.

стр. 8154

(الوجه السابع والأربعون): إنكم أخذتم بحديث المنع من توريث القاتل، مع أنه زائد على القرآن، وحديث عدم القود على قاتل ولده، وهو زائد على ما في القرآن مع أن الحديثين ليسا في الصحة بذاك، وتركتم الأخذ بحديث إعتاق النبي ﷺ لصفية، وجعل عتقها صداقها، فصارت بذلك زوجة، وقلتم: هذا خلاف ظاهر القرآن، والحديث في غاية الصحة. (الوجه الثامن والأربعون): إنكم أخذتم بالحديث الضعيف الزائد على ما في القرآن، وهو: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه"، فقلتم: هذا يدل على وقوع طلاق المكره والسكران، وتركتم السنة الصحيحة التي لا ريب في صحتها فيمن وجد متاعه بعينه عند رجل، قد أفلس، فهو أحق به، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، والعجب أن ظاهر القرآن والحديث متوافقان متطابقان، فإن منع البائع من الوصول إلى الثمن، وإلى عين ماله إطعام له بالباطل الغرماءَ، فخالفتم ظاهر القرآن مع السنة الصحيحة الصريحة. (الوجه التاسع والأربعون): إنكم أخذتم بالحديث الضعيف، وهو: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"، ولم تقولوا: هو زائد على القرآن في قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وتركتم الحديث الصحيح في بقاء الإحرام بعد الموت، وأنه لا ينقطع به، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وخلاف ظاهر قوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع منه عمله، إلا من ثلاث". (الوجه الخمسون): رد السنة الثابتة عن وسول الله ﷺ في وجوب الموالاة، حيث أمر الذي تركَ لُمعة من قدمه بأن يعيد الوضوء والصلاة (١)، وقالوا: هو زائد على كتاب الله، ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على كقال الله في أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة. (الوجه الحادي والخمسون): رد الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ في أنه لا نكاح إلا بولي، وأنّ مَنْ أنكحت نفسها، فنكاحها باطل، وقالوا: هو زائد على ما في كتاب الله، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [القبرة:٢٣٤]، ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على القرآن قطعًا في اشتراط الشهادة في صحة النكاح،

стр. 8155

والعجب أنهم استدلوا على ذلك بقوله: "لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل"، ثم قالوا: لا يفتقر إلى حضور الولي، ولا عدالة الشاهدين، فهذا طرف من بيان تناقض مَنْ ردَّ السننَ بكونها زائدة على القرآن، فتكون ناسخة، فلا تقبل. (الوجه الثاني والخمسون): إنكم تُجوّزون الزيادة على القرآن بالقياس الذي أحسن أحواله أن يكون للأمة فيه قولان: أحدهما: أنه باطل مناف للدين. والثاني: أنه صحيح مؤخر عن الكتاب والسنة، فهو في المرتبة الأخيرة، ولا تختلفون في جواز إثبات حكم زائد على القرآن به، فهلّا قلتم: إن ذلك يتضمن نسخ الكتاب بالقياس. [فإن قيل]: قد دلّ القرآن على صحة القياس، واعتباره، وإثبات الأحكام به، فما خرجنا عن موجب القرآن، ولا زدنا على ما في القرآن إلا بما دلنا عليه القرآن. [قيل]: فهلّا قلتم مثل هذا في السنة الزائدة على القرآن، وكان قولكم ذلك في السنة أسعد، وأصلح من القياس الذي هو محل آراء المجتهدين، وعُرْضةٌ للخطأ، بخلاف قول من ضُمِنَتْ لنا العصمة في قوله، وفرض الله علينا اتباعه وطاعته. [فإن قيل]: القياس بيان لمراد الله ، ورسوله ﷺ من النصوص، وأنه أريد بها إثبات الحكم في المذكور في نظيره، وليس ذلك زائدا على القرآن، بل تفسير له، وتبيين. [قيل]: فهلا قلتم: إن السنة بيان لمراد الله من القرآن تفصيلا لما أجمله، وتبيينا لما سكت عنه، وتفسيرا لما أبهمه، فإن الله أمر بالعدل والإحسان والبر والتقوى، ونهى عن الظلم والفوحش والعدوان والإثم، وأباح لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، فكل ما جاءت به السنة، فإنها تفصيل لهذا المأمور به، والمنهي عنه، والذي أَحَلَّ لنا هو الذي حَرَّمَ علينا. انتهى كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. (١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد دافع هذا الإمام رحمه الله تعالى عن السنة دفاعا لا نظير له، وبَيَّنَ تناقضات القائلين بعدم قبول السنة الصحيحة إذا كانت زائدة على الكتاب بدعوى أن ذلك يؤدي إلى النسخ، حيث إنهم يقبلونها إذا وافقت قول إمامهم، ويلتمسون لها مخارج، وتأويلات لا رَوَاج لها عند النقد، والتحقيق، فلقد كشف ﵀ عَوَارَهُم، وأبان خللهم، وفَنَّدَ أباطيلهم بما لا تجده في كتاب غيره، فجزاه الله تعالى عن السنة أحسن الجزاء.

стр. 8156

وإنما نقلت كلامه بطوله لما فيه من الفوائد الحسان، وليمكنني الإحالةُ إليه في كل موضع يخالفون فيه السنة، ويدفعونها، ويدافعون عن مذهبهم، فيتيسر الرجوع إليه، والوقوف عليه، والله ولي التوفيق، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٩ - الاعْتِدالُ فِي الرُّكُوعِ أي هذا باب ذكر الحديث؛ الدَّالّ على مشروعية الاعتدال في حال الركوع. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الاعتدال": مصدر اعتدل: إذا استقام. والمراد به هنا: استواء الظهر والعنق، فلا يرفع رأسه، ولا يطأطئه، بل يجعله متساويا مع ظهره. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٠٢٨ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "اعْتَدِلُوا فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ، كَالْكَلْبِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل، لقبه الشَّاهْ، المروزي، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠]، ت ٢٤٠ (ت س) تقدم ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله بن المبارك) الحنظلي المروزي الإمام الحافظ الحجة الثبت [٨]، ت ١٨١ (ع) تقدم ٣٢/ ٣٦. ٣ - (سعيد بن أبي عروبة) مهران أبو النضر البصري، ثقة ثبت اختلط بآخره [٦] ت ١٥٦ (ع) تقدم ٣٤/ ٣٨. ٤ - (حماد بن سلمة) بن دينار أبو سلمة البصري، ثقة عابد، تغير حفظه في آخره، من كبار ٨ - ت ١٦٧ (ع) تقدم ١٨١/ ٢٨٨. ٥ - (قتادة) بن دعامة، السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، رأس الطبقة [٤] ت سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم ٣٠/ ٣٤. ٦ - (أنس) بن مالك بن النضر الأنصاري الصحابي الشهي ﵁ تقدم ٦/ ٦.

стр. 8157

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف ﵀ (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والترمذي، وأنهم بصريون، سوى شيخه، وابن المبارك، فمروزيان (ومنها): أنه يُقَدَّر قبل قولهه: "عن قتادة" لفظ "كلاهما"، فيقال؛ كلاهما عن قتادة، يعني أن كلا من سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة يرويان هذا الحديث عن قتادة (ومنها): أن فيه أنسا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى -٢٢٨٦ - حديثا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، مات سنة ١ أو ٢ أو ٩٣ - والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس) بن مالك ﵁، وفي الرواية الآتية ٥٣/ ١١١٠ من طريق شعبة، عن قتادة التصريح بسماع قتادة، عن أنس ﵁ (عن رسول الله ﷺ ) أنه (قال: اعتدلوا في الركوع) أي توسطوا فيه بين الارتفاع والانخفاض، وقد تقدم في أول الباب أن المراد به استواء الظهر والعنق (و) اعتدلوا في (السجود) أي استووا فيه بوضع الكفين على الأرض، ورفع المرفقين عنها، والبطن عن الفخذين. أفاده الطيبي. وقال في "الفتح": قوله: "اعتدلوا في السجود": أي كونوا متوسطين بين الافتراش والقبض. وقال ابن دقيق العيد ﵀: لعل المراد بالاعتدال هنا وضع هيئة السجود على وفق الأمر؛ لأن الاعتدال الحسي المطلوب في الركوع لا يتأتى هنا، فإنه هناك استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي. قال: وقد ذكر الْحُكم هنا مقرونا بعلته، فإن التشبه بالأشياء الخسيسة يناسب تركه في الصلاة. انتهى. والهيئة المنهي عنها أيضا مشعرة بالتهاون، وقلة الاعتناء بالصلاة. انتهى (١). (ولا يبسط) "لا" ناهية، والفعل مجزوم بها، وهو من باب نصر (أحدكم) بالرفع على الفاعلية (ذراعيه) بالنصب على المفعولية (كالكلب) أي مثل بسط الكلب، وهو وضع المرفقين مع الكفين على الأرض. وشبهه بالكلب للتنفير عنه. قال القرطبي ﵀: لا شك في كراهة هذه الهيئات، ولا في استحباب نقيضها. والحكمة في النهي عن ذلك أن رفع ذراعيه عن الأرض أقرب إلى التواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة، والأنف من الأرض في السجود، وأبعد عن هيئات الكسالى، فإن الباسط يشعر حاله بالتهاون بالصلاة، وقلة الاعتناء بها (٢). والله أعلم

стр. 8158

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٨٩/ ١٠٢٨ - وفي "الكبرى" -٣٦/ ١١٠١ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، كلاهما عن قتادة، عنه. وفي ٥٣/ ١١١٠ - و"الكبرى" -٥٢/ ٦٩٨ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد به بلفظ؛ "أتمّوا الركوع والسجود، فو الله إني لأراكم من خلف ظهري في ركوعكم، وسجودكم". وعن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث الْهُجَيمي، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسا به. وفي ١٤٠/ ١١٠٣، و"الكبرى" ٤٨/ ٦٩٠ عن إسحاق بن إبراهيم، عن يزيد بن هارون، عن أبي العلاء، عن قتادة، عنه، بلفظ: "لا يفترش أحدكم ذراعيه في السجود افتراش الكلب". والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في "الصلاة" عن محمَّد بن بشار، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة به. (م) فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع- وعن محمَّد بن المثنى، وابن بشار، كلاهما عن محمَّد بن جعفر- وعن يحيي بن حبيب، عن خالد بن الحارث- ثلاثتهم عن شعبة به. (د) فيه عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة به. (ت) فيه عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به. (ق) فيه عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، به. وأخرجه (أحمد) ٣/ ١١٥ و ١٧٧ و ١٧٩ و ٢٠٢ و ٢٧٤ و ٢٩١ و ١٩١ و ٢١٤ و ١٠٩ و ٢٣١ (والدارمي) برقم ١٣٢٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو الاعتد الذي الركوع، ومعناه استواء الظهر والعنق، والظاهر أن الأمر للوجوب، إذ لا صارف له. (ومنها): الاعتدال في السجود، والظاهر أن الأمر فيه أيضا للوجوب، لكن ذكر بعضهم فيه صارفا عن الوجوب، وسيأتي ما فيه في [باب الاعتدال في السجود] ٥٣/ ١١١٠ إن شاء الله تعالى. (ومنها): النهي عن مشابهة الكلب في بسط الذراعين في السجود، وقد تقدم قريبا حكمة النهي عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 8159

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. … ٩٠ - (بَابُ التَّطْبِيقِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التطبيق في الصلاة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا هو الذي في النسخة "الهنديّة"، وأما ما وقع في النسخة المطبوعة في المطبعة الميمنية بمصر سنة (١٣١٢) من كتابة الترجمة بلفظ: "كتاب التطبيق"، وهو الذي وقع في "الكبرى" أيضًا، وجرى عليه أصحاب الترقيمات، مثل "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبويّ، و"مفتاح كنوز السنة"، و"تيسير المنفعة بكتابي مفتاح كنوز السنة، والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبويّ" فمما لا وجه له؛ لأن التطبيق ليس أنواعا حتى يعنون له بـ"كتاب" يتنوع إلى أبواب، فالمناسب أن يُترجم له بـ"باب"، ويُجعل تابعًا للكتاب السابق، فتأمل، والله تعالى أعلم. و"التطبيق": مصدر طَبَّقَ: قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: هو أن يجمع بين أصابع يديه، ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع والتشهّد. انتهى (١). وقال في "مختار الصحاح": التطبيقُ في الصلاة: جعلُ اليدين بين الفخذين. انتهى (٢). وحاصل المعنى الذي تفيده مجموع الروايات: أن التطبيق هو جمع الكفين، وتشبيك أصابعهما، حتى تختلف، ثم وضعهما بين الركبتين في حالة الركوع. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٠٢٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالأَسْوَدِ، أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلَاءِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَأَمَّهُمَا، وَقَامَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ، قَالَ: إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَاصْنَعُوا هَكَذَا، وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَفْرِشْ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدَري، البصري، ثقة [١٠]، تقدم ٤٢/ ٤٧.

стр. 8160

٢ - (خالد بن الحارث) الهُجَيميّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصري [٧]، تقدم ٢٤/ ٢٦. ٤ - (سليمان) بن مهران الأعمش الإمام الحافظ الحجة الكوفي [٥]، تقدم ١٧/ ١٨. ٥ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي الفقيه الكوفي، ثقة حجة [٥]، تقدم ٢٩/ ٣٣. ٦ - (علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [٢]، تقدم ٦١/ ٧٧. ٧ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي مخضرم ثقة مكثر فقيه [٢] تقدم ٢٩/ ٣٣. ٨ - (عبد الله) بن مسعود الهذلي الصحابي الشهير ﵁ تقدم ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف ﵀ (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد انفرد هو به (ومنها): أن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون كوفيون (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، والأسود كليهما (ومنها): أن فيه عبد الله مهملا، وقد تقدم غير مرة أنه إذا أطلقه أهل الكوفة، فهو عبد الله بن مسعود ﵁ والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن سليمان) الأعمش، أنه (قال: سمعت إبراهيم) أي النخعي (يحدث) جملة في محل نصب على الحال، وقيل: مفعول ثان لـ"سمع"؛ لأنها من أخوات "ظن" (عن علقمة) بن قيس النخعي (والأسود) ابن يزيد بن قيس النخعي، وهو ابن أخي علقمة (أنهما كانا مع عبد الله) بن مسعود ﵁ (في بيته) أي بيت عبد الله ﷺ (فقال: أصلى هؤلاء) يعني الأمير، والذين يتبعونه، وفيه إشارة إلى إنكار تأخيرهم الصلاة (قلنا: نعم) أي صلوا، وفيه مخالفة لما تقدم في ٢٧/ ٧١٩ - من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش، ففيه: "قلنا: لا"، فيحتمل أن الواقعة كانت مرتين، أو أرادا بقولهما: نعم بعض من صلى مراعاة لأول الوقت، وبقولهما: "لا" الذين أخروا متابعة للأمير. والله تعالى أعلم. (فأمهما) أي صلى ابن مسعود بعلقمة، والأسود إماما، وقد تقدم في شرح الحديث -٧٩٩ - أن الصلاة التي صلى بهما هي الظهر (وقام بينهما) أي توسط في القيام للصلاة
следующие страницы →