قال الجامع: هذا الذي اختاره النووي هو التحقيق الراجح عندي لما ذكره والله أعلم.
المسألة الثانية عشرة: محل الأمر بغسل الإناء سبعا من نجاسة الكلب، وكذلك محل الأمر بالإراقة هو ما إذا كان ما في الإناء مائعا، أما إذا كان جامدا، فإن الواجب حينئذ إلقاء ما أصاب الكلب بفمه، ولا يجب غسل الإناء حينئذ إلا إذا أصابه فم الكلب مع وجود الرطوبة، فيجب غسل ما أصابه فقط سبعا، كالفأرة تقع في السمن سواء، ولقائل أن يقول: ليست هذه الصورة داخلة في الحديث؛ لأنه إن كان ما فيه جامدا لا يسمى أخْذُ الكلب منه شربا، ولا ولوغا بل هو أكل، وإنما الولوغ الأخذ بطرف اللسان، أفاده العراقي ﵀ جـ ٢/ ص ١٢٦.
قال الجامع: وهذا الذي قاله العراقي آخرًا حسن جدًا. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 807
٥٢ - الأَمْرِ بِإِرَاقَةِ مَا فِي الإِنَاءِ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على الأمر بإراقة ما في الإناء من الماء وغيره إذا ولغ فيه الكلب.
والإراقة: مصدر أراق الشيء: إذا صبه.
قال في المصباح: راق الماءُ وغيرُه، رَيْقًا من باب باع: انصَبَّ، ويتعدى بالهمزة فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُريق والمفعول مُرَاق، وتبدل الهمزة هاء فيقال: هراقه، اهـ وقد مضى تحقيق هذا في باب "ترك التوقيت في الماء".
٦٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنْبَأَنَا (١) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيُرِفْهُ، ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ عَلِيَّ بْنَ مُسْهِرٍ عَلَى قَوْلِهِ "فَلْيُرِقْهُ".
رجال الإسناد: سته
١ - (علي بن حجر) بضم فسكون السعدي المروزي ثقة من
стр. 808
صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (علي بن مسهر) بصيغة اسم الفاعل، القرشي أبو الحسن الكوفي الحافظ، عن الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، وعنه خالد بن مخلد، وهناد، وعبيد بن محمَّد المحاربي، وثقه ابن معين، قال ابن منجويه: مات سنة ١٨٩. أخرج له الجماعة اهـ صة وفي (ت) ثقة له غرائب بعد ما أضَرَّ من الثامنة.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي الثقة ثبت من [٥] تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - (أبو رَزين) بفتح الراء وكسر الزاي، مسعود بن مالك؛ الأسدي الكوفي. عن علي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وغيرهم، وعنه ابنه عبد الله، وعاصم بن أبي النَّجُود، والأعمش، وغيرهم، وثقه أبو زرعة، مات سنة ٨٥، وهو غير أبي رَزين عبيد الذي قتله عبيد الله بن زياد بالبصرة، ووهم من خلطهما، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة اهـ صة بزيادة، وفي (ت) ثقة فاضل من الثانية.
٥ - (أبو صالح) السمان ذكوان المدني ثقة من [٣] تقدم في ٣٦/ ٤٠.
٦ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزي، وهو شيخه، وكوفيين وهما: علي بن مسهر، وأبو رزين، ومدنيين: وهما أبو صالح، وأبو هريرة، وأن فيه الإخبار، والإنباء، والعنعنة، والقول.
ومنها: أنه يقرأ قبل قوله: "عن أبي هريرة" لفظ "كلاهما" كما تقدم غيرة مرّة.
стр. 809
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : إذا ولغ الكلب) قال النووي ﵀: قال أهل اللغة يقال: وَلَغَ الكلب يَلَغ بفتح اللام فيهما، وحكى أبو عمر الزاهد عن ثعلب عن ابن الأعرابي أن من العرب من يقول: ولِغ بكسرها، والمصدرمنها ولَغًا ووُلوغا، ويقال: أولغه صاحبه، قال: الولوغ في الكلب، والسباع كلها: أن يدخل لسانه في المائع فيحركه، ولا يقال: ولغ بشيء من جوارحه غير اللسان، ولا يكون الولوغ لشيء من الطير، إلا الذباب، ويقال: لَحَسَ الكلبُ الإناءَ، وقَفَنَه ولَجَنَه ولَجَدَه بالجيم فيهما كله بمعنى، إذا كان فارغًا، فإن كان فيه شيء، قيل: ولغ، وقال صاحب المطالع: الشرب أعم من الولوغ فكل ولوغ شرب، ولا عكس. قال الجوهري: قال أبو زيد: يقال: ولغ الكلب بشرابنا، وفي شرابنا ومن شرابنا. والله أعلم. اهـ المجموع جـ ٢/ ص ٥٨٨.
(في إناء أحدكم) تقدم عن العراقي أن ذكر الإناء خرج مخرج الغالب، فلا فرق بين الإناء وغيره، وكذا إلغاء اعتبار الإضافة، فلا يشترط كون الإناء ملكه، وكذا قوله (فليرقه) أي ليصبه (ثم ليغسله) لا يشترط أن يكون المريق، والغاسل صاحب الإناء (سبع مرات) تقدم إعرابه.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي صاحب الكتاب (لا أعلم أحدا تابع علي بن مسهر على قوله "فليرقه") يعني أنه تفرد بزيادة "فليرقه" على غيره من أصحاب الأعمش، فإنهم كلهم قالوا: "فليغسله سبع مرات" وكذا قال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة.
وقال ابن عبد البر: لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي
стр. 810
معاوية، وشعبة. وقال ابن منده: لا نعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلا عن علي بن مسهر بهذا الإسناد.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المصنف ﵀ أراد بهذا تضعيف هذه الزيادة بسبب تفرد علي بن مسهر بها، ومثله حمزة الكناني وابن عبد البر، وابن منده. ولكن غيرهم لم يضعفوها، بل قالوا: إنها زيادة ثقة، فتقبل، ولذا أخرجها مسلم في صحيحه، وقال الحافظ العراقي بعد نقل كلامهم ما نصه: قلت: وهذا غير قادح فيه، فإن زيادة الثقة مقبولة عند أكثر العلماء من الفقهاء والأصوليين، والمحدثين، وعلي ابن مسهر قد وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وغيرهم، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان، وما علمت أحدا تكلم فيه فلا يضره تفرده به. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١٢١ - ١٢٢.
وقال الدارقطني: إسناده حسن، رواته كلهم ثقات، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريقه ولفظه "فليهرقه" اهـ تلخيص الحبير جـ ١/ ص ٢٣.
وقال الحافظ: قد ورد الأمر بالإراقة من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعا، أخرجه ابن عدي لكن في رفعه نظر، والصحيح أنه موقوف، وكذا ذكر الإراقة حماد بن زيد عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موقوفا وإسناده صحيح، أخرجه الدارقطني وغيره. اهـ زهر.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن تصحيح هؤلاء مقدم على تضعيف الأولين؛ لأن علي بن مسهر ثقة حافظ، وزيادته ليست منافية لروايات الآخرين، فتكون مقبولة، والله أعلم.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم كما مر آنفا، وأن العلة التي ذكرها المصنف لا تقدح فيه كما قال الحافظ العراقي.
стр. 811
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٦٥ وفي الكبرى ٦٥ بالسند المذكور، وفي الزينة عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي معاوية عن الأعمش به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في الطهارة عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، وعن محمَّد بن الصباح، عن إسماعيل بن زكريا كلاهما، عن الأعمش، عن أبي رَزين، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، به. أفاده المزي.
وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، والدارقطني، كما مر آنفا وابن حبان في صحيحه.
المسألة الرابعة: يستفاد من الأمر بالإراقة وكذا مما ثبت في صحيح مسلم وغيره من قوله "طهور إناء أحدكم" نجاسة ولوغ الكلب وهو الراجح من أقوال العلماء كما تقدم تحقيقه في الباب السابق، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب التالي إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 812
٥٣ - باب تَعْفِيرِ الإِنَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب.
والتعفير: مصدر عَفَّر مضعفا، قال في المصباح: العَفَر بفتحتين وجه الأرض، ويطلق على التراب، وعَفَرت الإناء عَفْرًا من باب ضرب: دَلَكْتُهُ بالعَفَر، فانعفر هو، واعتفر، وعفَّرته بالتثقيل مبالغة،
فتعفر اهـ.
فمعنى قوله تعفير الإناء بالتراب: دَلْكُهُ به.
٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ، وَكَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) القيسي أبو عبد الله (الصنعاني) (١)
стр. 813
ثم البصري، روى عن يزيد بن زُريَعْ وعثَّام بن علي، وعنه مسلم، وأبو داود في القدر، والنسائي وابن ماجه، وثقه أبوزرعة، وأبو حاتم، قال البخاري: مات سنة ٢٥٤، وفي (ت) ثقة من العاشرة، أخرجوا له إلا البخاري.
٢ - (خالد) بن الحارث الهجيمي، أبو عثمان البصري ثقة ثبت من [٨] تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي الواسطي ثم البصري الحجة المثبت من [٧] تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (أبو التياح) بفتح المثناة والتحتانية الثقيلة يزيد بن حميد الضُّبَعي بضم المعجمة البصري أحد الأئمة، عن أنس، ومطرف بن عبد الله، وأبي عثمان النَّهْدي، وجب عة، وعنه هَمّام، والحمادان، وطائفة. قال أحمد: ثقة ثبت، قال عمرو بن علي: مات سنة ١٢٨، أخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة ثبت من الخامسة.
٥ - (مطرف) بن عبد الله بن الشِّخير العامري، الحَرَشي، بفتح المهملتين، آخره معجمة، أبو عبد الله البصري، أحد سادة التابعين، عن أبيه، وعثمان، وعلي، وأبي ذر، وجماعة، وعنه أخوه أبو العلاء، ويزيد الرِّشْك، وابن واسع، وطائفة: قال ابن سعد: ثقة له فضل، وَوَرعَ، وعقل، وأدب، ومن كلامه: عقول الناس على قدر زمانهم، فضل العلم أحب إلى من فضل العبادة وخير دينكم الورع. قال عمرو بن علي: مات سنة ٩٥، أخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة عابد فاضل من الثانية.
стр. 814
٤٦ - (عبد الله بن المغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء بن عبيد بن نهيم، صحابي نزل البصرة ﵁، وتقدم في ٣٢/ ٣٦.
(فائدة) يقال في ابن المغفل: ابن مغفل بدون "ال" وهي للمح الصفة، كالحسن، وحسن، قاله في زهر جـ ١/ ص ٥٤.
قال ابن مالك في الخلاصة:
وَبعْضُ الأعْلام عَلَيْه دَخَلَا … للَمْح مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقلا
كَالْفَضْل وَالحَارث وَالنُّعْمَانِ … فَذكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سيَّانِ
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وكلهم بصريون، وهذا من أغرب اللطائف فإن كونهم من بلدة واحدة وهم ثقات أجلاء قلما يتفق، اتفقوا عليهم إلا شيخه، فلم يخرج له البخاري، وأخرج له أبو داود في القدر.
وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، يزيد، عن مطرف، وأن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن المغفل) ﵁ (أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب) وسبب ذلك كما في صحيح مسلم عن ابن عباس، عن ميمونة ﵃: أن جبريل وَعَدَ النبي ﷺ أن يأتيه، فلم يأته، فقال النبي ﷺ : "أما والله ما أخلفني" قال: فَظَلَّ رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب كان تحت فسطاط لنا، فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل ﵇، فقال له: "قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة، قال: أجل،
стр. 815
ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة" فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ، فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير.
وقيل: إنما أمر بذلك تغليظا عليهم؛ لأنهم كانوا مُولَعين به.
والأمر بقتل الكلاب كان أوّلا، ثم نسخ في غير الكلب الأسود والعقور، فقد أخرج مسلم عن جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تَقْدَم من البادية بكلبها، فنقتله، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها، وقال: "عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان".
وعن ابن عمر أنه ﷺ قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور" رواه الجماعة إلا الترمذي، وإذا جاز للمحرم فغيره أولى.
قال القاضي عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث بقتل الكلاب إلا ما استثني، وهذا مذهب مالك وأصحابه، وذهب آخرون إلى جواز اقتنائها جميعا، ونسخ قتلها إلا الأسود البهيم، قال: وعندي أن النهي أوّلا كان نهيا عاما عن اقتنائها جميعا، والأمر بقتلها جميعًا، ثم نهى عن قتل ما عدا الأسود، ومنع الاقتناء في جميعها إلا المستثنى، ونقل النووي عن إمام الحرمين أن الأمر بقتل الأسود البهيم كان في الابتداء وهو الآن منسوخ. اهـ المنهل جـ ١ / ص ٢٦٣.
(ورخص) أي سَهَّل ويسَّر، يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصا، وأرخص إرخاصا: إذا يسره وسهله، والرخصة، وزان غُرْفَة، وتضم خاؤه للإتباع جمعه رُخَص مثل غُرَف: التسهيل في الأمر والتيسير. أفاده في المصباح.
стр. 816
(في) اقتناء كلب (الصيد) أي الكلاب التي تصيد (والغنم) أي الكلاب التي تحرس الغنم، زاد في رواية مسلم "والزرع" أي التي تحرس الزرع (وقال) ﷺ (إذا ولغ الكلب) من باب نفع، وشرب، ووعد، وورث، ووجل، كما تقدم، أي شرب بطرف لسانه (في الإناء) فحركه، وقوله "في الإناء" مبين أن قوله فيما تقدم "في إناء أحدكم" بالإضافة غير معتبر تقييده كما حققناه فيما مضى (فاغسلوه سبع مرات) فيه دلالة على نجاسة ولوغه وما ولغ فيه وسيأتي تحقيق المسألة (وعفروه) أي ادلكوا الإناء (الثامنه) أي في الغسلة الثامنة (بالتراب) متعلق بـ"عفروه"، وظاهر الحديث وجوب غسلة ثامنة، وأن غسله بالتراب غير الغسلات السبع بالماء، وبه قال الحسن البصري، وأحمد بن حنبل في
رواية حرب الكرماني عنه، وروي عن مالك أيضا، وهو المذهب الراجح، وسيأتي تمام البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: أخرجه هنا ٦٧، ٣٦٦، وفي الكبرى بهذا السند، وفي ٣٣٧ عن عمرو بن يزيد، عن بهز عن شعبة به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في الطهارة، عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، وعن محمَّد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، وعن يحيى بن حبيب بن عربي، عن خالد بن الحارث، وعن محمَّد بن الوليد، عن غندر: أربعتهم عن شعبة، عن أبي التياح، عن مطرف بن عبد الله، عن عبد الله بن مغفل ﵁، وفي البيوع عن هؤلاء الأربعة، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شميل، وعن أبي
стр. 817
موسى، عن وهب بن جرير كلاهما عن شعبة به، ولم يذكر في البيوع قصة الولوغ عن أحد منهم.
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، بتمامه.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة، وفي الصيد، مُقَطَّعا، عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن شبابة بن سَوَّار، عن شعبة به، وفي الصيد أيضًا عن بندار، عن عثمان بن عمر، وعن محمَّد بن الوليد، عن محمَّد بن جعفر، كلاهما عن شعبة، دون قصة الولوغ. أفاده الحافظ المزي ﵀.
وأخرجه أحمد، وابن منده، والدارقطني، والبيهقي. اهـ المنهل.
المسألة الرابعة: دل الحديث زيادة على ما تقدم، على وجوب التعفير في تطهير ما ولغ فيه الكلب، وقد اختلف العلماء في وجوب التتريب.
فذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، ومحمد بن جرير الطبري، وأكثر الظاهرية إلى وجوبه.
وذهب أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، إلى أنه لا يجب التتريب، وإنما الواجب الماء فقط، وأوجب بعضهم التتريب فيما لا يفسد به كالإناء، دون ما يفسد به كالثياب ونحوها أفاده العراقي ﵀ في
طرح جـ ١/ ص ١٢٨.
وقال الشوكاني ﵀: وقد خالفت الحنفية، والعترة في وجوب التتريب، كما خالفوا في التسبيع، ووافقهم ها هنا المالكية مع إيجابهم التسبيع على المشهور عندهم، قالوا: لأن التتريب لم يقع في، رواية مالك، قال القرافي منهم: قد صحت فيه الأحاديث، فالعجب
стр. 818
منهم كيف لم يقولوا بها؟ وقد اعتذر القائلون بأن التتريب غير واجب بأن رواية التتريب مضطربة لأنها ذكرت بلفظ "أولاهن"، وبلفظ " أخراهن" وبلفظ "إحداهن" وفي رواية "السابعة"، وفي رواية "الثامنة" والاضطراب يوجب الاطراح.
وأجيب بأن المقصود حصول التتريب في مرة من المرات، وبأن "إحداهن" مبهمة و"أولاهن" معينة، وكذلك "أخراهن" و"السابعة" و"الثامنة" ومقتضى حَمْل المطلق على المقيد أن تحمل المبهمة على إحدى المرات المعينة، ورواية "أولاهن" أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضا لأن تتريب الآخرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نص الشافعي على أن الأولى أولى كذا في الفتح اهـ نيل جـ ١/ ص ٦٧ - ٦٨.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأولى حمل المبهمة على الثامنة لأنها أرجح كما سيأتي تحقيقه قريبا إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة: اختلفت الروايات في المرة التي يجعل فيها التراب فعند مسلم "أولاهن" أو قال "أخراهن بالتراب"، وفي رواية لأبي بكر البزار في مسنده "إحداهن" بالحاء والدال المهملتين، ومن ذكر من المصنفين أنها لم ترد من حديث أبي هريرة فمردود عليه بذكر البزار لها في مسنده، وقد رواها الدارقطني هكذا أيضا من حديث علي فقال فيه: "إحداهن بالبطحاء" وذكر النووي في الفتاوى أنها رواية ثابتة، ولمسلم من حديث عبد الله بن مغفل "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب".
وقد اختلف كلام الشارحين في الجمع بينها، فجمع النووي بينها بأن التقييد بالأولى، وبغيرها ليس على الاشتراط، بل المراد احداهن، قال: وأما رواية "وعفره الثامنة بالتراب" فمذهبنا، ومذهب الجماهير أن
стр. 819
المراد اغسلوه سبعا واحدة منهن بتراب مع الماء، فكأن التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة لهذا، وأشار ابن دقيق العيد إلى تضعيف هذا الجواب بأنه تأويل فيه استكراه، وهكذا يدل كلام البيهقي في السنن على تعذر الجمع بين رواية الثامنة بالتراب وبين ما تقدم فإنه صار إلى الترجيح، دون الجمع، فقال بعد ذكر حديث ابن مغفل في الثامنة: ما صورته: وأبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، فروايته أولى، فرجح البيهقي روايته بكونه أحفظ، وهو أحد وجوه الترجيح عند المعارضة، وقد استشكل ابن دقيق العيد إجزاء التتريب في أي غسلة شاء من الغسلات السبع بأن رواية إحداهن على تقدير ثبوتها مطلقة، وقد قيدت في بعضها بأولاهن وفي بعضها بالسابعة فلا يجزي التتريب في غيرهما لاتفاق القيدين على نفيه وما ذكره استشكالا وبحثا قد نص عليه الشافعي في مختصر البويطي فقال: وإذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبعا أولاهن أو أخراهن بالتراب ولا يطهر غير ذلك، وكذلك روي عن النبي ﷺ هذا لفظه بحروفه، وعبارته في الأم قريبة من ذلك، وقد تبعه من أصحابه على تقييد ذلك بالأولى أو الأخرى الزبيري في الكافي والمرعشي في كتاب ترتيب الأقسام، ونقله الدارمي أيضا في الاستذكار عن ابن جابر.
وقد ضعف بعض مصنفي الحنفية الرواية التي ذكر فيها التراب بهذا الاضطراب من كونها أولاهن، أو أخراهن، أو إحداهن، أوالسابعة، أو الثامنة، فقال: يقتضي طرح ذكر التراب رأسا، وكذا قال صاحب المفهم: أن هذه الزيادة مضطربة وفيما قالاه نظر، فإن الحديث المضطرب إنما تتساقط الروايات إذا تساوت وجوه الاضطراب، أما إذا ترجح بعض الوجوه فالحكم للرواية الراجحة، فلا يقدح فيها رواية من خالفها، كما هو معروف في علوم الحديث، وإذا تقرر ذلك فلا شك أن رواية "أولاهن" أرجح من سائر الروايات فإنه رواها عن محمَّد بن سيرين
стр. 820
ثلاثة: هشام بن حسان، وحبيب بن الشهيد، وأيوب السختياني، وأخرجها مسلم في صحيحه من رواية هشام، فترجح بأمرين: كثرة الرواة، وتخريج أحد الشيخين لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض، وأما رواية "أخراهن" بالخاء المعجمة والراء فلا توجد منفردة مسندة في شيء من كتب الحديث، إلا أن ابن عبد البر ذكر في التمهيد أنه رواها خلاس عن أبي هريرة، إلا أنها رويت مضمومة مع "أولاهن"، وأما رواية "السابعة بالتراب" فهي وإن كانت بمعناها فإنه تفرد بها عن محمَّد بن سيرين قتادة، وانفرد بها أبو داود، وقد اختلف فيها على قتادة، فقال أبان عنه هكذا، وهي رواية أبي داود، وقال سعيد بن بشير عنه: "الأولى با لتراب" فوافق الجماعة، رواه كذلك الدارقطني في سننه، والبيهقي من طريقه، وهذا يقتضي ترجيح رواية "أولاهن" المُوَافقة للجماعة.
وأما رواية "إحداهن" بالحاء المهملة والدال، فليست في شيء من الكتب الستة، وإنما رواها البزار كما تقدم، وأما رواية "أولاهن" أو "أخراهن" فقد رواها الشافعي، والبيهقي في سننه من طريقه بإسناد صحيح، وفيه بحث أذكره، وهو أن قوله "أولاهن" أو "أخراهن" لا تخلو إما أن تكون مجموعة من كلام الشارع، أو هو شك من بعض رواة الحديث، فإن كانت مجموعة من كلام النبي ﷺ فهو دال على التخيير بينهما، ويترجح حينئذ ما نص عليه الشافعي ﵀ من التقييد بهما، وذلك لأن من جمع بينهما معه زيادة علم على من اقتصر على الأولى، أو السابعة لأن كلا منهن (١) حفظ مرة فاقتصر عليها، وحفظ هذا الجامع بين الأولى والأخرى فكان أولى، وإن كان ذلك شكا من بعض الرواة فالتعارض قائم ويرجع إلى الترجيح، فترجح الأولى كما تقدم، ومما
стр. 821
يدل على أن ذلك شك من بعض الرواة لا من كلام الشارع: اقول الترمذي في روايته "أولاهن" أو قال "أخراهن بالتراب" فهذا يدل على أن بعض الرواة شك فيه، فيترجح حينئذ تعيين الأولى، ولها شاهد أيضا من رواية خلاس عن أبي رافع، عن أبي هريرة، كما سيأتي في الوجه الذي يليه، وإذا كان ذكر الأولى أرجح ففيه حجة لما ذكر أصحابنا (يعني الشافعية) من كون التتريب في المرة الأُولى أوْلي، وذكروا له معنى آخر، وهو أنه إذا قدم التتريب في الأولى فتناثر من بعض الغسلات رشاش إلى غير الموضع المتلوث بالنجاسة الكلبية لم يجب تتريبه بخلاف ما إذا أخر، فكان هذا أرفق، لكن حمله على الأولوية متقاصر عما دلت عليه الرواية "الصحيحة" فينبغي حمله على تعيين المرة الأولى والله أعلم. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١٣١.
وقال الحافظ في التلخيص: وأجاب أصحابنا (يعني الشافعية) عنه (يعني حديث ابن مغفل "وعفروه الثامنة بالتراب") بأجوبة:
أحدها: قال البيهقي بأن أبا هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، فروايته أولى، وهذا الجواب متعقب؛ لأن حديث عبد الله بن مغفل صحيح، قال ابن منده: إسناد مجمع على صحته، وهي زيادة
ثقة فيتعين المصير إليها، وقد ألزم الطحاويُّ الشافعيةَ بذلك.
ثانيها: قال الشافعي: هذا الحديث لم أقف على صحته، وهذا العذر لا ينفع أصحاب الشافعي الذين وقفوا على صحة الحديث، لا سيما مع وصيته.
ثالثها: يحتمل أن يكون جعلها الثامنة لأن التراب جنس غير جنس الماء، فجعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدودا باثنين، وهذا جواب الماوردي وغيره.
стр. 822
رابعها: أن يكون محمولا على من نسي استعمال التراب، فيكون التقدير: اغسلوا سبع مرات إحداهن بالتراب كما في رواية أبي هريرة، فإن لم تعفروه في إحداهن فعفروه الثامنة، ويغتفر مثل هذا الجمع بين اختلاف الروايات، وهو أولى من إلغاء بعضها والله أعلم اهـ تلخيص جـ ١/ ص ٢٤.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي الأخذ بحديث ابن مغفل كما هو مذهب الحسن البصري، والإمام أحمد في رواية، وروي عن مالك أيضا.
قال العلامة ابن دقيق العيد: والرواية التي فيه "وعفروه الثامنة بالتراب تقتضي زيادة ثامنة ظاهرا، والحديث قوي فيه، ومن لم يقل به احتاج إلى تأويل بوجه فيه استكراه. اهـ باختصار من إحكام الأحكام جـ ١/ ص ٢٩ والله أعلم.
المسألة السادسة: قال ابن دقيق العيد: قوله ﷺ : "فاغسلوه سبعا أولاهن أو أخراهن بالتراب" يدل لما قاله أصحاب الشافعي، أو بعضهم أنه لا يكتفى بذَرِّ التراب على المحل، بل لابد أن يجعله في الماء، ويوصله إلى المحل، ووجه الاستدلال أنه جعل مرة التتريب داخلة في مسمى الغسلات، وذَرّ التراب على المحل لا يسمى غسلا، وهذا ممكن، وفيه احتمال أنه إذا ذر التراب على المحل، فأتبعه بالماء يصح أن يقال غسل بالتراب، ولابد من مثل هذا في أمره ﷺ في غسل الميت بماء وسدر عند من يرى أن الماء المتغير بالطاهر غير طهور إن جرى على ظاهر الحديث
في الاكتفاء بغسلة واحدة إذ بها يحصل مسمى الغسل، وهذا جيد، إلا أن قوله "وعفروه" قد يشعر بالاكتفاء بالتتريب بطريق ذر التراب على المحل، وإن كان خلطه بالماء لا ينافي كونه تعفيرا لغة، فقد ثبت ما
стр. 823
قالوه؛ لأن لفظ التعفير حينئذ ينطلق على ذر التراب على المحل، وعلى إيصاله بالماء إليه، والحديث الذي دل على اعتبار مسمى الغسلة يدل على خلطه بالماء، وإيصاله إلى المحل به، وذلك أمر زائد على مطلق التعفير على التقدير الذي ذكرناه من شمول اسم التعفير للصورتين معا أعني ذر التراب وإيصاله بالماء اهـ إحكام جـ ١/ ص ٢٩ - ٣٠.
المسألة السابعة: قال ابن دقيق العيد أيضا: قوله بالتراب يقتضي تعينه، وفي مذهب الشافعي ﵀ قول، أو وجه أن الصابون والأشنان والغسلة الثامنة يقوم مقام التراب في ذلك.
قال الجامع: ومثله عن أحمد، فإنه يقول: يقوم الأشنان، والصابون، والنخالة، ونحوها من كل ما له قوة في الإزالة مقام التراب ولو مع وجوده، وعدم تضرر المحل به؛ لأنها أبلغ منه في الإزالة، فنصه
على التراب تنبيه عليها، ولأنه جامد أمر به في إزالة النجاسة فالحق به ما هو أقوى منه في ذلك، أفاده في كشاف القناع، وغيره قاله في المنهل جـ ١/ ص ٢٥٣.
قال ابن دقيق العيد ﵀: وهذا عندنا ضعيف؛ لأن النص إذا ورد بشيء معين، واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء النص واطراح خصوص المعين فيه، والأمر بالتراب، وإن كان محتملا لما ذكروه، وهو زيادة التنظيف، فلا يجزم بتعيين ذلك المعنى، فإنه يزاحمه معنى آخر، وهو الجمع بين مطهرين أعني الماء والتراب، وهذا المعنى مفقود في الصابون والأشنان، وأيضا فإن هذه المعاني المستنبطة إذا لم يكن فيها سوى مجرد المناسبة، فليست بذلك الأمر القوي، فإذا وقعت فيها الاحتمالات، فالصواب اتباع النص، وأيضًا فإن المعنى المستنبط إذا عاد على النص بالإبطال والتخصيص، فمردود عند جميع
стр. 824
الأصوليين اهـ إحكام جـ ١/ ص ٣٢.
قال الجامع: وهذا الذي قاله العلامة ابن دقيق العيد هو الصواب الحقيق بالقبول، والحاصل أنه يتعين التراب، اتباعا للنص الوارد فيه، إذ التنصيص عليه مع وجود غيره في ذلك الوقت، وتيسيره يدل على أن في التراب معنى ملائما لإزالة أثر ولوغ الكلب، فلا ينبغي تجاوزه إلى غيره. فتبصر. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 825
٥٤ - سُؤْرِ الْهِرَّةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم سؤر الهرة.
وتقدم معنى السؤر.
وفي اللسان: والهرّ: السّنّور جمعه هِرَرَة، مثل قرد وقِرَدَة اهـ.
وفي المصباح: الهرّ: الذكر، وجمعه هرَرَة، مثل قرد وقردة، والأنثى هرّة، وجمعها هرَر، مثل سدْرَة وسدَر، قاله الأزهري، وقال ابن الأنباري: وقد يُدخلون الهاء في المؤنث، وتصغير الأنثى هُرَيْرَة، وبها كني الصحابي المشهور ﵁. اهـ.
٦٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، ثُمَّ ذَكَرَتْ كَلِمَةً مَعْنَاهَا فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ".
стр. 826
رجال الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي الثقة المثبت من [١٠] تقدم في١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة ثقة حجة من [٧] تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري أبو يحيى المدني، عن أبيه، وأنس والطفيل بن أبي بن كعب، وعنه حماد ابن سلمة، وابن عيينة، ومالك، قال ابن معين: ثقة حجة، قال ابن سعد: توفي سنة ١٣٢، وقال الفلاس: سنة أربع، أخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة حجة من الرابعة.
٤ - (حُمَيْدة بنت عُبَيْد بن رفَاعة) زوج إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، والدة ولده يحيى، المدنية، عن خالتها كبشة بنت كعب، وعنها يحيى بن إسحاق بن عبد الله، وزوجها إسحاق، مقبولة من الخامسة، أخرج لها الأربعة. قال ابن عبد البر: هي بضم الحاء، وفتح الميم، عند رواة الموطأ إلا يحيى الليثي، فقال: إنها بفتح الحاء وكسر الميم. اهـ المنهل.
٥ - (كبشة بنت كعب بن مالك) الأنصارية المدنية زوج عبد الله بن أبي قتادة، قال ابن حبان: لها صحبة وتبعه الزبير بن بكار، وأبو موسى قاله في "تت". وفي الخلاصة روت عن أبي قتادة، وعنها بنت أختها حميدة أم يحيى، وثقها ابن حبان، وصحح الترمذي حديثها، أخرج لها الأربعة.
٦ - (أبو قتادة) الأنصاري الحارث بن ربعي، ﵁، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
стр. 827
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم مدنيون إلا شيخه فبغلاني وأن فيه رواية صحابية عن صحابي، على قول لابن حبان، وأن فيه الإخبار، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة (بنت كعب بن مالك) الأنصارية زوج عبد الله بن أبي قتادة (أن أبا قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ (دخل عليها) أي كبشة (ثم ذكرت) كبشة (كلمة) أي كلاما لأن قوله "فسكبت له وضوءا" جملة وإطلاق الكلمة على الكلام شائع لغةً كما قال ابن مالك في ألفيته:
وَكِلْمَةٌ بهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إشارة إلى قوله ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] و"لا إله إلا الله" كلمة الإخلاص.
(معناها) أي معنى تلك الكلمة، وحاصل معنى الكلام أن الراوية عن كبشة نسيت لفظ كبشة، وحفظت معناه، فعبرت به، فقوله "معناها" مبتدأ خبره جملة قوله (فسكبتْ له وَضُوءا) أي صَبَّتْ كبشةُ لأبي قتادة ماء يتوضأ به، فالوضوء بفتح الواو لا غير، والتاء الساكنة للتأنيث، أو هي مضمومة للمتكلم، قال السندي: ولا يخلو عن بُعْد.
قال الجامع: لابعد فيه، بل في بعض الرواية ما يؤيده كما يأتي في كلام النووي في المسألة الرابعة فتنبه.
(فجاءت هرة فشربت منه) أي أرادت أن تشرب، أو شرعت في الشرب من ذلك الوَضوء (فأصغى) أي أمال أبو قادة (لها) أي للهرة
стр. 828
(الإناء) أي الوعاء الذي فيه الماء لتتمكن من الشرب منه رفقا بها (حتى شربت) الهرة منه (قالت كبشة: فرآني انظر إليه) متعجبة من فعله (فقال: أتعجين) من باب تَعبَ، قال في المصباح: وعَجِبتُ من الشيء عَجَبًا، من باب تَعب وتَعَجَّبْت، واستعجبت، وهو شيء عجيب، أي يُعجَب منه، وأعجبني حسنه.
قال: ويستعمل التعجب على وجهين: أحدهما: ما يحمده الفاعل، ومعناه الاستحسان والإخبار عن رضاه به، والثاني: ما يكرهه، ومعناه الإنكار، والذم له، ففي الاستحسان يقال: أعجبني بالألف، وفي الذم يقال: عجبت، وزان تعبت، وقال بعض النحاة: التعجب انفعال النفس لزيادة وَصف المتعجب منه، نحو ما أشجعه. اهـ باختصار.
قال الجامع عفاالله عنه: والتعجب هنا هو من النوع الثاني: أي أتنكرين عَلَيَّ؟.
(يا ابنة أخي) إِمَالتَي الإناء للهرة وشربها منه.
وأراد أخوة الإسلام على عادة العرب من أن بعضهم يقول لبعض: يا ابن أخي، ويا ابن عمي، وإن لم يكن بينهما نسب على سبيل التلطف والإكرام، قالت كبشة (فقلت: نعم) بفتح العين المهملة، وكنانة تكسرها، وبها قرأ الكسائي، وبعضهم يبدلها حاء، وبها قرأ ابن مسعود، وبعضهم يكسر النون اتباعا لكسرة العين قاله في المنهل.
وفي المصباح: وقولهم: نَعَم في الجواب معناها: التصديق إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد؟ والوعد إن وقعت بعد المستقبل، نحو هل تقوم: قال سيبويه: نعم عدَةٌ وتصديق، قال ابن باب شاذ: يريد أنها عدة في الاستفهام، وتصديق للإخبار، ولا يريد إجتماع الأمرين
стр. 829
فيها في كل حال، قال النِّيليُّ: وهي تُبقي الكلام على ما هو عليه من إيجاب أو نفي؛ لأنها وضعت لتصديق ما تقدم من غير أن ترفع النفي وتبطله، فإذا قال القائل: ما جاء زيد، ولم يكن قد جاء، وقلت في جوابه: نعم، كان التقدير: نعم ما جاء، فصدقت الكلام على نفيه، ولم تبطل النفي كما تبطله "بلى" وإن كان قد جاء قلت في الجواب "بلى" والمعنى قد جاء، فنعم تبقي النفي على حاله، ولا تبطله، وفي التنزيل ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولو قالوا: نعم كان كفرا، إذ معناه نعم لست بربنا؛ لأنها لا تزيل النفي بخلاف "بلى"، فإنها للإيجاب بعد النفي، اهـ. المصباح.
(قال) أبو قتادة مزيلا لاستغرابها (إن رسول الله ﷺ قال) مبينا لحكم الهرة (إنها ليست بنجس) قال المنذري، ثم النووي، ثم ابن دقيق العيد، ثم ابن سيد الناس: مفتوح الجيم من النجاسة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] اهـ. زهر ص ٥٥.
وقال السندي: بفتحتين مصدر نجس الشيء بالكسر، فلذلك لم يؤنث، كما لم يجمع في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، كون والصفة نجس بكسر الجيم وفتحها، ولو جعل المذكور في الحديث صفة يحتاج التذكير إلى التأويل أي ليس بنجس ما تَلَغُ فيه. اهـ، أي ليست الهرة نجسة الذات، بل هي طاهرة.
ثم ذكر علة عدم نجاستها بقوله (إنها من الطوافين عليكم) فالجملة مستأنفة، فيها معنى التعليل إشارة إلى أن علة الحكم بعدم نجاستها هي الضرورة الناشئة من كثرة دورانها في البيوت ودخولها فيها بحيث يصعب صون الأواني والثياب ونحوها عنها، فجعلها الله تعالى طاهرة رأفة بالعباد للحرج، قاله في المنهل جـ ١/ ص ٢٦٥.
стр. 830
و"الطوَّافين": جمع طوَّاف، وهو مَن يُكثر الدَّوَرَان على الشيء، ويُطلَق على الخادم الذي يخدُم برفق وعناية، شبهها بالخادم الذي يطوف على مولاه ويدور حوله أخذا من قوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] وألحقها بهم حيث أطلق عليها الصيغة الموضوعة للعقلاء، لأنها خادمة أيضا فإنها تقتل المؤذيات.
ويحتمل أنه شبهها بمن يطوف للحاجة يريد أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواسات من يطوف للحاجة، والأول هو المشهور، وقول الأكثر، وصححه النووي في شرح أبي داود، وقال: ولم يذكر جماعة سواه. أفاده في زهر، والمنهل.
(والطوافات) وفي رواية الترمذي، أو "الطوافات"، وكلا الوجهين يُروى عن مالك قال المباركفوري: شك من الراوي كذا قاله ابن الملك، وقال في الأزهار شبه ذكورها بالطوافين وإناثها بالطوافات، وقال ابن حجر: وليست للشك لوروده بالواو في روايات أخر، بل للتنويع، ويكون ذكر الصنفين من المذكور والإناث كذا في المرقاة. اهـ تحفة الأحوذي جـ ١/ ص ٣٠٩.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب، قال الترمذي: حسن صحيح، وقال المنذري: قال البخاري: جوَّد مالك هذا الحديث وروايته أصح من رواية غيره، وقال الشوكاني: وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والعقيلي، وأعله ابن منده بأن في سنده حُمَيدة وكَبْشَة، وهما مجهولتان، لم يعرف لهما إلا هذا الحديث. اهـ.
وتعقبه الحافظ بأن لحميدة حديثا آخر في تشميت العاطس، رواه أبو داود، ولها ثالث رواه أبو نعيم في المعرفة، وقد روى عنها مع إسحاق
стр. 831
ابنه يحيى، وهو ثقة عند ابن معين، فارتفعت جهالتها، وأما كبشة فقيل: إنها صحابية فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها على ما هو الحق من قبول مجاهيل الصحابة.
وقال ابن دقيق العيد: لعل من صححه اعتمد على تخريج مالك وأن كل من أخرج له فهو ثقة عند ابن معين، كما صح عنه، فإن سلكت هذه الطريقة في تصحيحه أعني تخريج مالك، وإلا فالقول ما قال ابن منده. اهـ. تلخيص الحبير.
قال الجامع: الأولى أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن، لما عرفت من أن حميدة غير مجهولة، وأما كبشة فوثقها ابن حبان، ويؤيده تخريج مالك لها كما قال ابن دقيق العيد، بل هو صحيح لشواهده، كما حققه الشيخ الألباني في إروائه. جـ ١/ ص ١٩١ - ١٩٣. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف:
أخرجه هنا ٦٨ وفي الكبرى ٦٣ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرج حديث الباب أبو داود في الطهارة عن القعنبي، والترمذي فيه عن إسحاق بن موسى، عن معن، وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحُبَاب أربعتهم عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة، عن أبي قتادة ﵁. أفاده المزي ﵀.
وأخرجه مالك، وأحمد، والدارمي، والدارقطني، والبيهقي. قاله في المنهل جـ ١/ ص ٢٦٦.
المسألة الرابعة: أنه ذكر الإمام النووي ﵀ في المجموع في هذا
стр. 832
الحديث كلاما نفيسا، ولنفاسته أسوقه هنا برمته، وإن كان جُلُّهُ تقدم فيما سبق إذ فيه زوائد حسان، فأقول: قال ﵀: وأما الحديث المذكور فصحيح، رواه الأئمة الأعلام، مالك في الموطأ، والشافعي في مواضع، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، وهذا الحديث عمدة مذهبنا في طهارة سؤر السباع، وسائر الحيوان غير الكلب، والخنزير، وفرع أحدهما، فأنا أنقله بلفظه، واختلاف طرقه لشدة الحاجة إلى تحقيقه.
فلفظ رواية مالك، عن كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت أبي قتادة، فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قلت: نعم فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إنها ليست بنجس إنما
هي من الطوافين عليكم، أو الطوافات" هذا لفظ رواية مالك.
ورواية الترمذي مثلها وبحروفها، إلا أن رواية مالك "أو الطوافات" "بأو"، ورواية الترمذي "إنما هي من الطوافين والطوافات" بالواو بحذف عليكم.
قال الجامع: قلت: نسخة الترمذي التي شرح عليها المباركفوري "بأو" وزيادة "عليكم"، فلا اختلاف بين رواية مالك وروايته، ولعل نسخة النووي على ما ذكره.
قال النووي: وفي رواية الدارمي، وأبي داود، عن كبشة بنت كعب ابن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة، ثم في رواية أبي داود: "والطوافات" وفي رواية الدارمي: "أو الطوافات" بأو، وفي رواية ابن ماجه عن كبشة بنت كدب، وكانت تحت بعض ولد أبي قتادة وفيها "والطوافات" بالواو ورواه الرَّبيع عن الشافعي، عن مالك بالإسناد،
стр. 833
وقال في كبشة، وكانت تحت ابن أبي قتادة أو أبي قتادة، قال البيهقي: الشك من الربيع، وقال فيه "أو الطوافات بأو، وقال البيهقي: ورواه الربيع في موضع آخر عن الشافعي، وقال: وكانت تحت ابن أبي قتادة، ولم يشك، ورواه الشافعي بإسناده عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مثله، أو مثل معناه، وروى أبو داود، وابن ماجه هذا الحديث أيضا من رواية عائشة، وفيه زيادة قالت عائشة: وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها. قال الترمذي: حديث أبي قتادة حسن صحيح، قال: وهو أحسن شيء في الباب، قال البيهقي: إسناده
صحيح، وعليه الاعتماد.
وأما لفظة "والطوافات" فرويت "بأو"، وبالواو كما ذكرناها، قال صاحب مطالع الأنوار: يحتمل "أو" أن تكون للشك، ويحتمل أن تكون للتقسيم، ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث، وهذا الذي قاله محتمل، وهو الأظهر لأنه للنوعين كما جاء في روايات بالواو.
قال أهل اللغة: "الطوافون": الخَدَم والمماليك، وقيل: هم الذين يخدمون برفق، وعناية. ومعنى الحديث: أن الطوافين من الخدم والصغار الذين سقط في حقهم الحجاب، والاستئذان في غير الأوقات الثلاث التي ذكرها الله تعالى إنما سقط في حقهم دون غيرهم للضرورة، وكثرة مداخلتهم بخلاف الأحرار البالغين، فكذا يُعفى عن الهرة للحاجة، وقد أشار إلى نحو هذا المعنى أبو بكر بن العربي في كتابه "عارضة الأحوذي في شرح الترمذي"، وذكر أبو سليمان الخطابي أن هذا الحديث يتأول على وجهين:
أحدهما: أنه شبهها بخدم البيت ومن يطوف على أهله للخدمة.
والثاني: شبهها بمن يطوف للحاجة، والمسألة، ومعناه الأجر في
стр. 834
مواساتها كالأجر في مواساة من يطوف للحاجة والمسألة، وهذا التأويل الثاني قد يأباه سياق قوله ﷺ : "إنها ليست بنجس" والله أعلم اهـ المجموع جـ ١/ ص ١٧١ - ١٧٢.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في سؤر الهرة:
ذهب الجمهور إلى أن سؤرها طاهر.
وذهب الإمام أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وزفر، والحسن بن زياد، إلى كراهة سؤرها.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: وفيه -أي في حديث أبي قتادة- أن الهر ليس بنجس ما شرب منه، وأن سؤره طاهر.
وهذا قول مالك وأصحابه، والشافعي، والأوزاعي، وأبي يوسف القاضي، والحسن بن صالح بن حي.
وقال أيضا: وممن روينا عنه أن الهر ليس بنجس وأنه لا بأس بفضل سؤره للوضوء والشرب: العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وأبو قتادة، والحسن، والحسين، وعلقمة، وإبراهيم، وعكرمة، وعطاء بن يسار.
واختلف في ذلك عن أبي هريرة، والحسن البصري، فروى عطاء عن أبي هريرة: أن الهر كالكلب يغسل منه الإناء سبعا، وروى أبو صالح ذكوان عن أبي هريرة، قال: السنور من أهل البيت، وروى أشعث عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بسؤر السنور، وروى يونس عن الحسن أنه قال: يغسل الإناء من ولوغه مرة، وهذا يحتمل أن يكون رأى في فمه أذى ليصح مخرج الروايتين عنه. ولا نعلم أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ روي عنه في الهر أنه لا يتوضأ بسؤره إلا أبا هريرة على اختلاف عنه.
стр. 835
وأما التابعون فروينا عن عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، أنهم أمروا بإراقة ما ولغ فيه الهر، وغسل الإناء منه، وسائر التابعين بالحجاز، والعراق يقولون في الهر: إنه طاهر، لا بأس بالوضوء بسؤره، وروى الوليد بن مسلم قال: أخبرني سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب، والحسن أنهما كرها الوضوء بفضل الهر، قال الوليد: فذكرت ذلك لأبي عمرو الأوزاعي، ومالك بن أنس، فقالا: توضأ به فلا بأس به، وإن وجدت غيره.
قال أبو عمر: الحجة عند التنازع والاختلاف سنة رسول الله ﷺ ، وقد صح عنه من حديث أبي قتادة في هذا الباب ما ذكرنا، وعليه اعتماد الفقهاء في كل مصر إلا أبا حنيفة، ومن قال بقوله.
قال أبو عبد الله محمَّد بن نصر المروزي: الذي صار إليه جل أهل الفتوى من علماء الأمصار من أهل الأثر والرأي جميعا أنه لا بأس بسؤر السنور اتباعا للحديث الذي روينا، يعني حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ .
قال: وممن ذهب إلى ذلك: مالك بن أنس، وأهل المدينة، والليث ابن سعد، فيمن وافقه من أهل مصر، والمغرب، والأوزاعي في أهل الشام، وسفيان الثوري فيمن وافقه من أهل العراق، قال: وكذلك قول الشافعي، وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيدة، وجماعة من أصحاب الحديث، قال: وكان النعمان يكره سؤره، وقال: إن كان توضأ به أجزأه، وخالفه أصحابه، فقالوا: لا بأس به.
قال أبو عمر: ما حكاه المروزي عن أصحاب أبي حنيفة فليس كما حكاه عندنا، وإنما خالفه من أصحابه أبو يوسف وحده، وأما محمَّد، وزفر، والحسن بن زياد، فيقولون بقوله وأكثرهم يروونه عنه أنه لا
стр. 836
يجزئ الوضوء بفضل الهر، ويحتجون لذلك، ويروون عن أبي هريرة،، وابن عمر ﵄ أنهما كرها الوضوء بسؤر الهر، وهو قول ابن أبي ليلى.
وأما الثوري، فقد اختلف عنه في سؤر الهر، فذكر في جامعه أنه كان يكره سؤر ما لا يؤكل لحمه، وما يؤكل لحمه فلا بأس بسؤره، وهو ممن يكره أكل الهر.
وذكر المروزي بسنده عن سفيان قال: لا بأس بفضل السنور.
قال أبو عمر: لا أعلم لمن كره سؤر الهر حجة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة، وقد بلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر على الكلب، وقد فرقت السنة بين الهر والكلب في باب التعبد، وجمعت بينهما على حسب ما قدمنا ذكره من باب الاعتبار والنظر، ومن حَجَّتْهُ
السنة خَصَمَتهُ، وما خالفها مطروح اهـ. تمهيد باختصار جـ ١/ ص ٣٢٣ - ٣٢٥.
وقال النووي ﵀: وأما الهرة فاستدل أصحاب أبي حنيفة ﵀ لكراهة سؤرها بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا ومن ولوغ الهرة مرة" ولأنها لا تجتنب النجاسة، فكره سؤرها، واحتج أصحابنا بحديث أبي قتادة، وحديث عائشة، وغير ذلك.
ولأنه حيوان يجوز اقتناؤه لغير حاجة فكان سؤره طاهرا وغير مكروه كالشاة، وأما الجواب عن حديث أبي هريرة: فهو أن قوله من ولوغ الهرة مرة ليس من كلام النبي ﷺ ، بل هو مدرج في الحديث من كلام أبي هريرة موقوفا عليه، كذا قاله الحفاظ، وقد بين البيهقي، وغيره ذلك، ونقلوا دلائله وكلامَ الحفاظ فيه، قال البيهقي: وروي عن أبي صالح، عن أبي
стр. 837
هريرة "يغسل الإناء من الهرة كما يغسل من الكلب" وليس بمحفوظ، وعن عطاء عن أبي هريرة وهو خطأ من ليث بن أبي سليم إنما رواه ابن جريج وغيره عن عطاء من قوله، قال وروي عن ابن عمر كراهة الوضوء بفضل الهرة.
قال الشافعي ﵀: الهرة ليست بنجس فنتوضأ بفضلها، ونكتفي بالخبر عن النبي ﷺ ، ولا يكون في أحد قال خلاف قول النبي حجة.
قال أصحابنا: ولو صح حديث أبي هريرة لم يكن فيه دليل؛ لأنه متروك الظاهر بالاتفاق، فإن ظاهره يقتضي وجوب غسل الإناء من ولوغ الهرة، ولا يجب ذلك بالإجماع.
قال البيهقي: وزعم الطحاوي ان حديث أبي هريرة صحيح، ولم يعلم أن الثقة من أصحابه ميزه من الحديث، وجعله من قول أبي هريرة.
وأما قولهم: لا تجتنب النجاسة فمنتقض باليهودي، وشارب الخمر، فإنه لا يكره سؤرهما، والله أعلم. المجموع جـ ١/ ص ١٧٥.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ذكرأن الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن سؤر الهرة طاهر، لا كراهة فيه لقوة دليله، والله أعلم.
المسألة السادسة: من فوائد هذا الحديث عدم نجاسة سؤر الهرة وأنها طاهرة، وإباحة اتخاذها، وما أبيح اتخاذه للانتفاع به جاز بيعه، وأكل ثمنه إلا أن يخص شيئا من ذلك دليلٌ، فيخرجه عن أصله (١)، وفيه أن خبر الواحد من النساء والرجال سواء، وإنما المراعاة في ذلك الحفظ والإتقان، والصلاح، وهذا لا خلاف فيه بين أهل الأثر، قاله الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 838
٥٥ - باب سُؤْرِ الْحِمَارِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم سؤر الحمار.
وقد تقدم معنى السؤر.
والحمار: الذكر، والأنثى: أتَان، وحمارة بالهاء نادر، والجمع: حَمير وحُمُر بضمتين، وأحْمرَة. اهـ. المصباح.
٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَانَا مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (محمَّد بن عبد الله بن يزيد) العدوي مولاهم أبو يحيى بن أبي عبد الرحمن المقرئ المكي، ثقة من -١٠ - ت ٢٥٠ تقدم في ١١/ ١١.
٢ - (سفيان) بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمَّد الكوفي، ثم المكي الثقة الحجة من [٨] تقدم في ١/ ١.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة: كَيْسان السَّخْتياني، البصري الثقة الحجة من [٥] تقدم في ٤٢/ ٤٨. ٤ - (محمَّد) بن سيرين أبو بكر الأنصاري مولاهم البصري الحجة المثبت من [٣] تقدم في ٤٦/ ٥٧.
стр. 839
٥ - (أنس) بن مالك أبو حمزة الأنصاري، البصري، خادم رسول الله ﷺ ﵁، تقدم في ٦/ ٦.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته ثقات، وهم ما بين مكيين وهما الأول والثاني، وبصريينَ وهم الباقون.
وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
وأن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك الأنصاري ﵁ أنه (قال: أتانا منادي رسول الله ﷺ ) هو أبو طلحة الأنصاري كما بينه مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك قال: "لما كان يوم خيبر جَاءَ جَاءٍ، فقال: يا رسول الله، أكلت الحُمُرُ، ثم جاء آخر، فقال: يا رسول الله أُفنيت الحمرُ، فأمر رسول الله ﷺ أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمرُ فإنها رجس، أو نجس قال: فأكفئَت القدور بما فيها" (فقال) المنادي (إن الله ورسوله ينهاكم) الضمير المستتر يرجع إلى الله، فالجملة خبر "إن"، وأما "ورسوله" فمرفوع على الابتداء، وخبره محذوف، أي
ينهاكم مُبَلِّغًا عنه، والجملة معترضة، فذكر الرسول لأنه مبلغ، ويحتمل أن تكون الجملة خبرا عن "رسوله"، وذكر "الله" للتنبيه على أن نهي الرسول ﷺ نهي الله تعالى، وفي نسخة عند المصنف وعند الشيخين أيضا بصيغة التثنية "ينهيانكم"، وهو ظاهر لا إشكال فيه لفظا، لكن يستشكل مَعْنى من حيث نهيُ النبي ﷺ الخطيبَ الذي قال"ومن يعصهما" والجواب
стр. 840
أن مثل هذا اللفظ يَختَلفُ بحسب المتكلم والمخاطب، قاله السندي ﵀.
وقيل: إنما نهاه عن ذلك لأن الخطبة مقام إطناب، لا إيجاز، وقيل غير ذلك.
(عن لحوم الحمر) بضمتين جمع حمار، ثم علل النهي بقوله (فإنها) أي لحوم الحمر، أو الحمر نفسها (رجس) أي قَذَر، قال السندي: وقد يطلق على الحرام، والنجس، وأمثالهما، والظاهر ها هنا النجس، فإرجاع الضمير على الحمر يؤدي إلى أن لا يطهر جلده بالدباغ أيضا، والله أعلم اهـ.
قال الجامع: ويدل على أن الرجس ها هنا النجس، وقوعه عند البيهقي بلفظ "فإنها نجس" وعند مسلمًا "فإنها رجس" أو "نجس" بالشك.
مسانل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٦٩ وفي الكبرى ٦٤ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه الشيخان، وأبو داود، والترمذي وابن ماجه، ومالك، وأحمد، والبيهقي، وغيرهم.
المسألة الرابعة: الظاهر من صنيع المصنف أنه يستدل بهذا الحديث على نجاسة سؤر الحمارحيث إنه نص في تحريم لحمها، فيكون ما يتولد منه نجسا والله أعلم.
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:
стр. 841
قال العلامة ابن قدامة في المغني: النوع الثاني ما اختلف فيه: وهو سائر سباع البهائم إلا السنور وما دونها في الخلقة، وكذلك جوارح الطير والحمار الأهلي، والبغل، فعن أحمد أن سؤرها نجس إذا لم يجد غيره تيمم وتركه، وروي عن ابن عمر أنه كره سؤر الحمار، وهو قول الحسن، وابن سيرين، والشعبي، والأوزاعي، وحماد، وإسحاق.
وعن أحمد أنه قال في البغل والحمار: إذا لم يجد غير سؤرهما تيمم معه، وهو قول أبي حنيفة والثوري.
ثم قال: والصحيح عندي طهارة البغل والحمار لأن النبي ﷺ كان يركبها، وتركب في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسا لبين النبي ﷺ ذلك، ولأنهما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما فأشبها السنور، وقول النبي: "إنها رجس" أراد أنها محرمة لقوله تعالى في الخمر والميسر، والأنصاب، والأزلام إنها رجس، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي كان في قدورهم، فإنه رجس فإن ذبح ما لا يحل أكله لا يطهره. اهـ المغني جـ ١/ ص ٤٨ - ٤٩.
وقد ذكر النووي ﵀ المسألة في شرح المهذب بأدلتها، وهاك بيانه: قال ﵀:
فرع: سؤر الحيوان مهموز، وهو ما بقي في الإناء بعد شربه أو أكله، ومراد الفقهاء بقولهم: سؤر الحيوان طاهر أو نجس، لعابه ورطوبة فمه.
ومذهبنا أن سؤر الهرة طاهر غير مكروه، وكذا سؤر جميع الحيوانات من الخيل، والبغال، والحمير، والسباع، والفار، والحيات وسام أبرص وسائر الحيوان المأكول، وغير المأكول، فسؤر الجميع، وعَرَقه طاهر غير مكروه إلا الكلب والخنزير، وفرع أحدهما.
стр. 842
وحكى صاحب الحاوي مثل مذهبنا، عن عمر بن الخطاب، وعلي، وأبي هريرة، والحسن البصري، وعطاء، والقاسم بن محمَّد.
وكره أبو حنيفة، وابن أبي ليلى سؤر الهرة، وكذا كرهه ابن عمر، وقال ابن المسيب، وابن سيرين: يغسل الإناء من ولوغه مرة، وعن طاوس قال: يغسل سبعا، وقال جمهور العلماء: لا يكره، كقولنا.
وقال أبو حنيفة: الحيوان أربعة أقسام:
أحدها: مأكول: كالبقر والغنم، فسؤره طاهر.
والثاني: سباع الدواب كالأسد والذئب، فهي نجسة.
والثالث: سباع الطير كالبازي والصقر، فهي طاهرة السؤر إلا أنه يكره استعماله، وكذلك الهر.
الرابع: البغل والحمار، مشكوك في سؤرهما لا يقطع بطهارته، ولا بنجاسته، ولا يجوز الوضوء به.
واختلف قوله في سؤر الفرس والبرْذَوْن.
واحتج من منع الطهارة بسؤر السباع بحديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ سئل عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس" قالوا: فهذا يدل على أن لوُرُود السباع تأثيرا في تنجيس الماء، ولأنه حيوان، لَبَنُهُ نجس فكذا
سؤره كالكلب.
واحتج أصحابنا -يعني الشافعية- بحديث أبي قتادة في الهرة "إنها ليست بنجس" وهو صحيح كما سبق بيانه، واحتجوا، أيضا برواية الشافعي عن إبراهيم بن محمَّد، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة،
عن داود بن الحصين، عن أبيه، عن جابر أن النبي ﷺ قيل له: أنتوضأ بما
أفضلت الحُمُر؟ قال: "نعم وبما أفضلت السباع" وهذا الحديث
стр. 843
ضعيف؛ لأن الإبراهيمين ضعيفان جدًا عند أهل الحديث، لا يحتج بهما، وإنما ذكرت هذا الحديث وإن كان ضعيفا، لكونه مشهورا في كتب الأصحاب، وربما اعتمده بعضهم، فنبهت عليه، ولم يذكره الشافعي، والمحققون من أصحابنا معتمدين عليه، بل تقوية واعتضادا، واعتمدوا على حديث أبي قتادة، وقد قال البيهقي في حديث الإبراهيمين إذا ضمت أسانيده بعضها إلى بعض أخذت القوة.
ومما احتج به أصحابنا ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب ﵁ "خرج في ركب فيه عمرو بن العاص، حتى وردوا حوضا، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تخبره، فإنا نَردُ على السباع، وتَردُ علينا".
وموضع الدلالة أن عمر قال: نَردُ على السباع، وترد علينا، ولم يخالفه عمرو ولا غيره من الصحابة ﵃، وهذا الأثر إسناده صحيح إلى يحيى بن عبد الرحمن لكنه مرسل منقطع، فإن يحيى وإن
كان ثقة فلم يدرك عمر، بل ولد في خلافة عثمان، هذا هو الصواب، قال يحيى بن معين: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عمر باطل وكذا قاله غير ابن معين إلا أن هذا المرسل له شواهد تقويه، والمرسل عند الشافعي إذا اعتضد احتج به، وهو حجة عند أبي حنيفة مطلقًا، فيحتج به عليهم.
واحتج أصحابنا من القياس بأنه حيوان يجوز بيعه فكان سؤره طاهرًا كالشاة، فإن قال المخالف: لا حجة لكم في هذه الأحاديث لأنها محمولة على ماء كثير. فالجواب: أن الحديث عام فلا يخص إلا بدليل، فإن قالوا: هذا الخبر ورد قبل تحريم لحوم السباع، فالجواب من أوجه:
стр. 844
أحدها: هذا غلط، فلم تكن السباع في وقت حلالا (١) وقائل هذا يدعي نسخا والأصل عدمه.
الثاني: هذا فاسد إذ لا يسألون عن سؤره وهو مأكول اللحم، فإنه لا فرق حينئذ بين السباع وغيرها.
الثالث: لو صح هذا وكان لحمها حلالا، ثم حرم بقي السؤر على ما كان من الطهارة حتى يرد دليل تنجيسه.
وأما الجواب عما احتجوا به من الخبر فمن أوجه:
أحدها: أنه تمسك بدليل الخطاب وهم لا يقولون به.
الثاني: أن السؤال كان عن الماء الذي ترده الدواب والسباع فتشرب منه، وتبول فيه غالبا.
الثالث: أن الكلاب كانت من جملة ما يرد، فالتنجيس بسببها، ويدل علي دخول الكلاب في ذلك أوجه:
أحدها: أنه جاء في رواية "الدواب والسباع والكلاب".
الثاني: أنها من جملة السباع.
الثالث: أنها داخلة في الدواب.
وأما قياسهم على الكلب فهو قياس في مقابلة النص فلا يقبل، ولأن الكلب ورد الشرع بتغليظ نجاسته وغسلها سبعا للتنفير منه، وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، وليس غيره في معناه، فلا يصح قياسه عليه. اهـ المجموع جـ ١/ ص ١٧٣ - ١٧٤.
قال الجامع: عندي أن الذي صححه العلامتان ابن قدامة والنووي من طهارة البغل والحمار هو الصحيح؛ لأنهما كانا يركبان في عهده ﷺ ، وبعده، فلو كانا نجسين لبين ذلك، لشدة الحاجة إليه، وكذلك سائر
стр. 845
سباع البهائم للحجج التي ذكرها النووي ﵀، والله أعلم.
المسألة الخامسة: دل الحديث على تحريم الحمر الأهلية، قال الحافظ ﵀: قال النووي ﵀: قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك
خلافا لهم إلا عن ابن عباس، وعند المالكية ثلاث روايات، ثالثها الكراهة.
وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود عن غالب بن الحر قال: أصابتنا سنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، وقد أصابتنا سنة، قال: "أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جَوَّال القرية"
يعني الجَلالة، فإسناده ضعيف،، والمتن منكر مخالف للأحاديث الصحيحة فالاعتماد عليها.
وأما الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أم نصرالمحاربية أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الحمر الأهلية، فقال: "أليس ترعى الكلأ وتاكل الشجر؟ قال: نعم، قال: فأصبْ من لحومها" وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق رجل من بني مُرَّة قال: سألت .. فذكر نحوه ففي السندين
مقال، ولو ثبتا احتمل أن يكون قبل التحريم، قال الطحاوي: لو تواتر الحديث عن رسول الله ﷺ بتحريم الحمر الأهلية، لكان النظر يقتضي حلها؛ لأن كل ما حرم من الأهلي أجمع على تحريمه إذا كان وحشيا كالخنزير، وقد أجمع العلماء على حل الحمار الوحشي، فكان النظر
يقتضي حل الحمار الأهلي. قال الحافظ: ما ادعاه من الإجماع مردود، فإن كثيرا من الحيوان الأهلي مختلف في نظيره من الحيوان الوحشي كالهر اهـ فتح جـ ١/ ص ٥٣٠.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.