← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قال العلامة ابن قدامة في المغني: النوع الثاني ما اختلف فيه: وهو سائر سباع البهائم إلا السنور وما دونها في الخلقة، وكذلك جوارح الطير والحمار الأهلي، والبغل، فعن أحمد أن سؤرها نجس إذا لم يجد غيره تيمم وتركه، وروي عن ابن عمر أنه كره سؤر الحمار، وهو قول الحسن، وابن سيرين، والشعبي، والأوزاعي، وحماد، وإسحاق. وعن أحمد أنه قال في البغل والحمار: إذا لم يجد غير سؤرهما تيمم معه، وهو قول أبي حنيفة والثوري. ثم قال: والصحيح عندي طهارة البغل والحمار لأن النبي ﷺ كان يركبها، وتركب في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسا لبين النبي ﷺ ذلك، ولأنهما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما فأشبها السنور، وقول النبي: "إنها رجس" أراد أنها محرمة لقوله تعالى في الخمر والميسر، والأنصاب، والأزلام إنها رجس، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي كان في قدورهم، فإنه رجس فإن ذبح ما لا يحل أكله لا يطهره. اهـ المغني جـ ١/ ص ٤٨ - ٤٩. وقد ذكر النووي ﵀ المسألة في شرح المهذب بأدلتها، وهاك بيانه: قال ﵀: فرع: سؤر الحيوان مهموز، وهو ما بقي في الإناء بعد شربه أو أكله، ومراد الفقهاء بقولهم: سؤر الحيوان طاهر أو نجس، لعابه ورطوبة فمه. ومذهبنا أن سؤر الهرة طاهر غير مكروه، وكذا سؤر جميع الحيوانات من الخيل، والبغال، والحمير، والسباع، والفار، والحيات وسام أبرص وسائر الحيوان المأكول، وغير المأكول، فسؤر الجميع، وعَرَقه طاهر غير مكروه إلا الكلب والخنزير، وفرع أحدهما.

стр. 842

وحكى صاحب الحاوي مثل مذهبنا، عن عمر بن الخطاب، وعلي، وأبي هريرة، والحسن البصري، وعطاء، والقاسم بن محمَّد. وكره أبو حنيفة، وابن أبي ليلى سؤر الهرة، وكذا كرهه ابن عمر، وقال ابن المسيب، وابن سيرين: يغسل الإناء من ولوغه مرة، وعن طاوس قال: يغسل سبعا، وقال جمهور العلماء: لا يكره، كقولنا. وقال أبو حنيفة: الحيوان أربعة أقسام: أحدها: مأكول: كالبقر والغنم، فسؤره طاهر. والثاني: سباع الدواب كالأسد والذئب، فهي نجسة. والثالث: سباع الطير كالبازي والصقر، فهي طاهرة السؤر إلا أنه يكره استعماله، وكذلك الهر. الرابع: البغل والحمار، مشكوك في سؤرهما لا يقطع بطهارته، ولا بنجاسته، ولا يجوز الوضوء به. واختلف قوله في سؤر الفرس والبرْذَوْن. واحتج من منع الطهارة بسؤر السباع بحديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ سئل عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس" قالوا: فهذا يدل على أن لوُرُود السباع تأثيرا في تنجيس الماء، ولأنه حيوان، لَبَنُهُ نجس فكذا سؤره كالكلب. واحتج أصحابنا -يعني الشافعية- بحديث أبي قتادة في الهرة "إنها ليست بنجس" وهو صحيح كما سبق بيانه، واحتجوا، أيضا برواية الشافعي عن إبراهيم بن محمَّد، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن أبيه، عن جابر أن النبي ﷺ قيل له: أنتوضأ بما أفضلت الحُمُر؟ قال: "نعم وبما أفضلت السباع" وهذا الحديث

стр. 843

ضعيف؛ لأن الإبراهيمين ضعيفان جدًا عند أهل الحديث، لا يحتج بهما، وإنما ذكرت هذا الحديث وإن كان ضعيفا، لكونه مشهورا في كتب الأصحاب، وربما اعتمده بعضهم، فنبهت عليه، ولم يذكره الشافعي، والمحققون من أصحابنا معتمدين عليه، بل تقوية واعتضادا، واعتمدوا على حديث أبي قتادة، وقد قال البيهقي في حديث الإبراهيمين إذا ضمت أسانيده بعضها إلى بعض أخذت القوة. ومما احتج به أصحابنا ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب ﵁ "خرج في ركب فيه عمرو بن العاص، حتى وردوا حوضا، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تخبره، فإنا نَردُ على السباع، وتَردُ علينا". وموضع الدلالة أن عمر قال: نَردُ على السباع، وترد علينا، ولم يخالفه عمرو ولا غيره من الصحابة ﵃، وهذا الأثر إسناده صحيح إلى يحيى بن عبد الرحمن لكنه مرسل منقطع، فإن يحيى وإن كان ثقة فلم يدرك عمر، بل ولد في خلافة عثمان، هذا هو الصواب، قال يحيى بن معين: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عمر باطل وكذا قاله غير ابن معين إلا أن هذا المرسل له شواهد تقويه، والمرسل عند الشافعي إذا اعتضد احتج به، وهو حجة عند أبي حنيفة مطلقًا، فيحتج به عليهم. واحتج أصحابنا من القياس بأنه حيوان يجوز بيعه فكان سؤره طاهرًا كالشاة، فإن قال المخالف: لا حجة لكم في هذه الأحاديث لأنها محمولة على ماء كثير. فالجواب: أن الحديث عام فلا يخص إلا بدليل، فإن قالوا: هذا الخبر ورد قبل تحريم لحوم السباع، فالجواب من أوجه:

стр. 844

أحدها: هذا غلط، فلم تكن السباع في وقت حلالا (١) وقائل هذا يدعي نسخا والأصل عدمه. الثاني: هذا فاسد إذ لا يسألون عن سؤره وهو مأكول اللحم، فإنه لا فرق حينئذ بين السباع وغيرها. الثالث: لو صح هذا وكان لحمها حلالا، ثم حرم بقي السؤر على ما كان من الطهارة حتى يرد دليل تنجيسه. وأما الجواب عما احتجوا به من الخبر فمن أوجه: أحدها: أنه تمسك بدليل الخطاب وهم لا يقولون به. الثاني: أن السؤال كان عن الماء الذي ترده الدواب والسباع فتشرب منه، وتبول فيه غالبا. الثالث: أن الكلاب كانت من جملة ما يرد، فالتنجيس بسببها، ويدل علي دخول الكلاب في ذلك أوجه: أحدها: أنه جاء في رواية "الدواب والسباع والكلاب". الثاني: أنها من جملة السباع. الثالث: أنها داخلة في الدواب. وأما قياسهم على الكلب فهو قياس في مقابلة النص فلا يقبل، ولأن الكلب ورد الشرع بتغليظ نجاسته وغسلها سبعا للتنفير منه، وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، وليس غيره في معناه، فلا يصح قياسه عليه. اهـ المجموع جـ ١/ ص ١٧٣ - ١٧٤. قال الجامع: عندي أن الذي صححه العلامتان ابن قدامة والنووي من طهارة البغل والحمار هو الصحيح؛ لأنهما كانا يركبان في عهده ﷺ ، وبعده، فلو كانا نجسين لبين ذلك، لشدة الحاجة إليه، وكذلك سائر

стр. 845

سباع البهائم للحجج التي ذكرها النووي ﵀، والله أعلم. المسألة الخامسة: دل الحديث على تحريم الحمر الأهلية، قال الحافظ ﵀: قال النووي ﵀: قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافا لهم إلا عن ابن عباس، وعند المالكية ثلاث روايات، ثالثها الكراهة. وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود عن غالب بن الحر قال: أصابتنا سنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، وقد أصابتنا سنة، قال: "أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جَوَّال القرية" يعني الجَلالة، فإسناده ضعيف،، والمتن منكر مخالف للأحاديث الصحيحة فالاعتماد عليها. وأما الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أم نصرالمحاربية أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الحمر الأهلية، فقال: "أليس ترعى الكلأ وتاكل الشجر؟ قال: نعم، قال: فأصبْ من لحومها" وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق رجل من بني مُرَّة قال: سألت .. فذكر نحوه ففي السندين مقال، ولو ثبتا احتمل أن يكون قبل التحريم، قال الطحاوي: لو تواتر الحديث عن رسول الله ﷺ بتحريم الحمر الأهلية، لكان النظر يقتضي حلها؛ لأن كل ما حرم من الأهلي أجمع على تحريمه إذا كان وحشيا كالخنزير، وقد أجمع العلماء على حل الحمار الوحشي، فكان النظر يقتضي حل الحمار الأهلي. قال الحافظ: ما ادعاه من الإجماع مردود، فإن كثيرا من الحيوان الأهلي مختلف في نظيره من الحيوان الوحشي كالهر اهـ فتح جـ ١/ ص ٥٣٠. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 846

٥٦ - باب سُؤْرِ الْحَائِضِ أي هذا باب ذكرالحديث الدال على حكم سؤر الحائض. والحائض: وصف خاص بالمرأة، جمعه حُيَّض، كراكع ورُكَّع. وجاء أيضا حائضة، وجمعه حائضات، مثل قائمة، وقائمات، أفاده في المصباح. ٧٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ، فَيَضَعُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاهُ حَيْثُ وَضَعْتُ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَكُنْتُ أَشْرَبُ مِنَ الإِنَاءِ، فَيَضَعُ فَاهُ حَيْثُ وَضَعْتُ، وَأَنَا حَائِضٌ. رجال الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي البصري، ثقة حافظ من [١٠] تقدم في ٤/ ٤. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي بن حَسَّان الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري، اللؤلؤي الحافظ الإمام العلم، ثقة ثبت -٩ - تقدم ٤٢/ ٤٩.

стр. 847

٣ - (سفيان) بن سعيد أبو عبد الله الثوري الكوفي ثقة ثبت حجة من [٧] تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٤ - (المقدام بن شريح) بكسر الميم وتصغير شريح الكوفي، ثقة من [٦] تقدم في ٨/ ٨. ٥ - (شريح) بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي أبو المقدام مخضرم ثقة من [٢] تقدمت ترجمته في ٨/ ٨. ٦ - (عائشة) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم ما بين بصريينِ وهما الأولان، وكوفيينَ وهم الباقون، ومدنية وهي عائشة ﵂، وأن شيخ المصنف، هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين اتفقوا في الرواية عنهم بدون واسطة، وتقدم غير مرة. وأن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ. شرح الحديث (عن عائشة) أم المؤمنين ﵂ أنها (قالت: كنت أتعرق العرق) أي آخذ ما عليه من اللحم بالأسنان، يقال: عَرَقتُ العظمَ، من باب قتل، وتعرَّقته، واعتَرَقْته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك، والعَرْق: بفتح فسكون: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم، وفي (ق) العَرْق: أي بفتح فسكون، وكغُرَاب: العظم أكل لحمه، جمعه ككتاب، وغُرَاب نادر، أو العَرْق: العظم بلحمه، فإذا أكل لحمه فعُرَاق، أي كغُراب، أو كلاهما لكليهما. (فيضع رسول الله ﷺ فاه) أي فمه وهي من الأسماء الستة، التي تعرب بالحروف نيابة عن الحركات، كما قال ابن مالك ﵀:

стр. 848

منْ ذَاكَ ذُو إنْ صُحْبَةً أبَانَا … وَالفَمُ حَيثُ الميمُ منْهُ بَانَا أبٌ أخٌ حَمٌ كَذَاكَ وَهَنُ … والنَّقْصُ في هَذَا الأخير أحْسَنُ وَفي اب وَتَاليَيْه يَنْدُرُ … وقَصْرُهَا من نَقْصهنَّ أشْهَرُ وفي المصباح: والفم من الإنسان، والحيوان أصله: فوه بفتحتين، ولهذا يجمع على أفواه، مثل سبب وأسباب، ويثنى على لفظ الواحد، فيقال: فإن وهو من غريب الألفاظ التي لم يطابق مفردها جمعها، وإذا أضيف إلى الياء قيل: فيَّ وفَمي، وإلى غير الياء أعرب بالحروف، فيقال: فوه، وفاه، وفيه، ويقال أيضا: فمه اهـ. فقوله: "فاه" منصوب بالألف لأنه مفعول به ليضع (حيث وضعتُ) أي في المحل الذي وضعت عليه فمي من الإناء، فحيث ظرف "لوضع" مضاف إلى جملة "وضعت" (وأنا حائض) جملة حالية من فاعل "وضعت". وكان ﷺ يفعل ذلك مع عائشة ﵂ إشارةً إلى أن الحائض طاهرة لا تجتنب في المؤاكلة، والمجالسة، وغيرهما، -خلافا لما عليه اليهود من اعتزالهم عنها- وإظهارًا لمودته إياها، وإدخالا للسرور عليها. (وكنت أشرب) الشراب (من الإناء فيضع فاه حيث وضعت وأنا حائض). مسائل تتعلق بحديث الباب المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب: أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٧٠ وفي الكبرى ٦٢ بالسند المذكور، وفي كتاب الحيض (باب الانتفاع بفعل الحائض) ١٧٨، عن محمَّد بن منصور، عن

стр. 849

سفيان، عن مسعر، عن المقدام بن شريح به، وعن محمود بن الربيع، عن وكيع، عن مسعر، وسفيان، عن المقدام به، وفي الباب الذي قبله عن قتيبة، عن يزيد بن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جده به، وعن أيوب بن محمَّد الوَزَّان، عن عبد الله بن جعفر، عن عبيد الله بن عمر، وعن الأعمش، عن المقدام به، وفي (عشرة النساء) من الكبرى عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن المقدام ابن شريح به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب كلاهما عن وكيع، عن مسعر، وسفيان، كلاهما عن المقدام بن شريح به. وأخرجه أبو دواد في الطهارة عن مسدد، عن عبد الله بن داود، عن مسعر، عن المقدام، به. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن المقدام به وأخرجه أحمد، والبيهقي. المسألة الرابعة: يستفاد من الحديث طهارة سؤر الحائض، وجميع أعضائها، من يد، وفم، وغيرهما إلا محل الأذى، وجواز مؤاكلة الحائض ومشاربتها، ومجالستها، وكمال تواضع النبي ﷺ وحسن عشرته. وأنه ينبغي للزوج أن يلاطف زوجته، ويعمل معها ما يُدخلُ السرور عليها، وسيأتي بقية مباحث الحديث في كتاب الحيض إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 850

٥٧ - بَابُ وُضُوءِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز وضوء الرجال والنساء جميعا، والوضوء هنا بضم الواو لا غير. ٧١ - أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمِيعًا. رجال الإسناد: سبعة ١ - (هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي، أبو موسى الحمَّال ثقة [١٠] تقدم في ٥٠/ ٦٢. ٢ - (معن) بن عيسى القَزَّاز المدني ثقة ثبت، أثبت أصحاب مالك من كبار [١٠] تقدم في ٥٠/ ٦٢. ٣ - (مالك) بن أنس العلَم الشهير ثقة حجة [٧] تقدم في ٧/ ٧. ٤ - (الحارث بن مسكين) محمَّد بن يوسف أبو عمرو المصري ثقة فقيه [١٠] تقدم في ٩/ ٩. ٥ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنَادة

стр. 851

العُتَقيُّ أبو عبد الله، المصري الفقيه الحافظ ثقة من كبار [١٠] تقدم في ١٩/ ٢٠. ٦ - (نافع) مولى ابن عمر المدني الثقة فقيه [٣] تقدم في ١٢/ ١٢. ٧ - (ابن عمر) عبد الله ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته ثقات أجلاء، وأنهم ما بين بغدادي، وهو هارون، ومصريين، وهما الحارث، وابن القاسم، ومدنيين، وهم البا قون. ومنها: أنه كتب خلال السند بعد مالك كلمة (ح) إشارة إلى تحويل السند. واختلف فيها، فقيل: مختصرة من صح، وقيل: من الحديث، وقيل: من الحائل، وقيل: من التحويل، وإلى ذلك أشار السيوطي في الألفية حيث قال: وكَتَبُوا (ح) عنْدَ تَكْرير سَنَدْ … فقيل: من صَحَّ وقيلَ: ذَا انْفَرَدْ منَ الحَديث أوْ لتحويل وَرَدْ … أو حَائل ولفْظُهَا قَولْا أسَدْ يعني أنها تقرأ كما كتبت، فيقول القارئ إذا وصل إليها: (ح) ويستمر في قراءة ما بعدها. وفائدتها: أن لا يتوهم أن حديث هذا الإسناد ساقط، ولئلا يركب الإسناد الثاني على الإسناد الأول، فيجعلا إسنادا واحدا، قاله ابن الصلاح ﵀. ومنها: أن قوله: والحارث بن مسكين بالرفع عطفا على هارون. ومنها: أن المصنف ومثله أبو داود التزما غالبا كلما ذكر الحارث أن يقولا قراءة عليه، وأنا أسمع، وسبب ذلك أنه كان بينهما وبين الحارث شيء، فلم يمكنهما من الدخول عليه، فكانا يسمعان قراءةَ مَن يقرأ بحيث لا يراهما الحارث فبينا ذلك في الأداء. كما تقدم البحث عنه في مقدمة هذا الشرح.

стр. 852

شرح الحديث (عن ابن عمر) ﵄ أنه (قال: كان الرجال والنساء) قال الحافظ ظاهره التعميم، لكن اللام للجنس، لا للاستغراق، اهـ وهذا الكلام أخذه من كلام الكرماني حيث قال: فإن قلت: تقرر في الأصول أن الجمع المحلى بالألف واللام للاستغراق، فما حكمه هنا. قلت: قالوا: بعمومه إلا إذا دل الدليل على الخصوص، وها هنا القرينة العادية قوية مخصصة بالبعض. انتهى. وتعقبه العيني بما حاصله يرجع إلى كلام الكرماني، فلا فائدة لذكره (يتوضئون) التذكير للتغليب (في زمان رسول الله ﷺ ) قال في المصباح: الزمان مدة قابلة للقسمة، ولهذا يطلق على الوقت القليل والكثير، والجمع أزْمنَة، والزمن مقصور منه، والجمع أزمان مثل سبب، وأسباب، وقد يجمع على أزْمُن اهـ. أي في وقت رسول الله ﷺ . (جميعا) أي مجتمعين في آن واحد، فيستفاد منه أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحدة، وسيأتي تحقيق البحث في المسائل. مسائل تتعلق بحديث الباب الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ أخرجه البخاري. الثانية: في مواضع ذكره عند المصنف: أخرجه هنا ٧١ بالسندين المذكورين، وأخرجه أيضا في كتاب المياه في الباب العاشر منه (باب الرخصة في فضل المرأة) بسند هارون بن عبد الله عن معن، به وكذا في الكبرى ٧٢. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في الطهارة عن عبد الله بن يوسف عن مالك به.

стр. 853

وأبو داود في الطهارة عن القعنبي وابن ماجه، عن هشام بن عمار كلهم عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄. وأخرجه البيهقي، وابن خزيمة، والدارقطني. المسألة الرابعة: قوله في زمان رسول الله ﷺ : يستفاد منه أن الصحابي إذا أضاف الفعل إلى زمن الرسول ﷺ يكون حكمه الرفعَ، وهو الصحيح. قال في التقريب: قول الصحابي: كنا نقول، أو نفعل كذا، إن لم يضفه إلى زمن النبي ﷺ فهو موقوف، وإن أضافه فالصحيح أنه مرفوع، وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي: موقوف، والصواب الأول، وكذا قوله: كنا لا نرى بأسا بكذا في حياة رسول الله ﷺ ، أو وهو فينا، أو بين أظهرنا، أو كانوا يقولون أو يفعلون، أو لا يرون بأسا بكذا في حياته ﷺ فكله مرفوع اهـ. قال الجامع: وصحح العراقي، والحافظ ابن حجر في الأول الرفع أيضا، وإلى ذلك كله أشار السيوطي في الألفية حيث قال: وليُعْطَ حُكْمَ الرَّفْع في الصَّوَابِ … نَحْوُ من السُّنَّة منْ صَحَابِي كَذَا أُمرْنَا وَكَذا كُنَّا نَرَى … في عَهْده أوْ عَنْ إضَافَة عَرَا ثَالثُهَا إنْ كَانَ لا يَخْفَى وفِي … تَصْريحه بعلْمه الخُلْفُ نُفيِ اهـ قال الحافظ في الفتح بعد ذكر القول الصحيح: وحكي عن قوم خلافه لاحتمال أنه لم يطلع عليهم، وهو ضعيف لتوفر دواعي الصحابة على سؤالهم إياه عن الأمور التي تقع لهم، ومنهم، ولو لم يسألوه لم يقروا على فعل غير الجائز في زمن التشريع فقد استدل أبو سعيد، وجابر على إباحة العزل بكونهم، كانوا يفعلونه والقرآن ينزل، ولو كان منهيا

стр. 854

لنهى عنه القرآن اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٥٨. المسألة الخامسة: دل قوله جميعا على جواز توضؤ الرجال والنساء من إناء واحد في وقت واحد؛ لأنه صرح في رواية أبي داود وابن ماجه بقوله "من الإناء الواحد" وزاد أبو داود من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر "نُدْلي فيه أيدينا". قال الحافظ: وفيه دليل على أن الاغتراف من الماء القليل لا يصيره مستعملا لأن أوانيهم كانت صغارا، كما صرح به الشافعي في الأم في عدة مواضع، وفيه دليل على طهارة الذمية، واستعمال فضل طهورها وسؤرها لجواز تزوجهن، وعدم التفرقة في الحديث بين المسلمة وغيرها. قال: قوله (جميعا) ظاهره أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحده، وحكى ابن التين عن قوم أن معناه أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤن جميعا في موضع واحد، هؤلاء على حدة، وهؤلاء على حدة والزيادة المتقدمة في قوله "من إناء واحد" ترد عليه، وكأن هذا القائل استبعد اجتماع الرجال والنساء الأجانب، وقد أجاب عنه ابن التين بما حكاه عن سحنون: أن معناه كان الرجال يتوضؤون، ويذهبون، ثم تأتي النساء فيتوضأن وهو خلاف الظاهر من قوله "جميعا"، قال أهل اللغة: الجميع ضد المفترق، وقد وقع مصرحا بوحدة الإناء في صحيح ابن خزيمة في هذا الحديث من طريق معتمر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه أبصر النبي ﷺ ، وأصحابه يتطهرون، والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهرون منه، والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارم. ونقل الطحاوي، ثم القرطبي، والنووي الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر، لما حكاه ابن النذر عن أبي

стр. 855

هريرة أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم، وهذا الحديث حجة عليهم. ونقل النووي أيضا: الاتفاق علي جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، وفيه نظر أيضا فقد أثبت الخلاف فيه الطحاوي، وثبت عن ابن عمر والشعبي، والأوزاعي المنع لكن مقيدا بما إذا كانت حائضا، وأما عكسه فصح عن عبد الله بن سَرْجس الصحابي، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري أنهم منعوا من التطهير بفضل المرأة، وبه قال أحمد، وإسحاق لكن قيداه بما إذا خَلَت به؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة في الجواز إذا اجتمعا، ونقل الميموني عن أحمد أن الأحاديث الواردة في منع التطهير بفضل المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة، وقال: لكن صح عن عدة من الصحابة المنع، فيما إذا خلت به، وعورض بصحة الجواز عن جماعة من الصحابة منهم ابن عباس والله أعلم. وأشهر الأحاديث الواردة في ذلك من الجهتين حديث الحكَم بن عمرو الغفاري في المنع وحديث ميمونة في الجواز. أما حديث الحكم بن عمرو: فأخرجه أصحاب السنن، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه. وأما حديث ميمونة: فأخرجه مسلم، لكن أعله قوم لتردد وقع في رواية عمرو بن دينار حيث قال: علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني .. فذكر الحديث، وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد لكن راويها غير ضابط، وقد خولف. والمحفوظ ما أخرجه الشيخان بلفظ: "أن النبي ﷺ وميمونه كانا يغتسلان من إناء واحد" وفي المنع أيضا ما أخرجه أبو داود، والنسائي

стр. 856

من طريق حميد بن عبد الرحمن الحميري قال: لقيت رجلا صحب النبي ﷺ أربع سنين فقال: نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعا" رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقي أنه في معني المرسل مردودة؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حميد بن عبد الرحمن هو ابن يزيد الأودي وهو ضعيف مردودة، فإنه ابن عبد الله الأودي، وهو ثقة، قد صرح باسم أبيه أبو داود وغيره. ومن أحاديث الجواز: ما أخرجه أصحاب السنن والدارقطني، وصححه الترمذي وابن خزيمة، وغيرهما من حديث ابن عباس عن ميمونة قالت: "أجنبت فاغتسلت من جَفْنَة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي ﷺ يغتسل منه فقلت له، فقال: الماء ليس عليه جنابة واغتسل منه" لفظ الدارقطني، وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم، وقول أحمد: إن الأحاديث من الطريقين مضطربة، إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وهو ممكن بأن تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء والجواز على ما بقي من الماء، وذلك جمع الخطابي، أو يحمل النهي على التنزيه جمعا بين الأدلة، والله أعلم اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٥٩ - ٣٦٠. قال الجامع: الجمع الأول غير واضح لأنه قد سبق لنا أن الماء المستعمل طاهر مطهر على الأصح، بل الثاني هو الواضح الأولى والله أعلم. وسنعود لتحقيق المسألة في كتاب الغسل، إن شاء الله تعالى.

стр. 857

٥٨ - باب فَضْلِ الْجُنُبِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم ما فضل من الجنب من الماء في الإناء، والفضل بمعنى الباقي: يقال: فَضَل فضلا من باب قتل: بقي، وفيه لغة من باب تَعِبَ، وفيه أيضا فضل بالكسر يَفضُلُ بالضم، ولكن ليست هذه بالأصل، ولكنها على تداخل اللغتين، ونظيره في السالم نَعم يَنعُمُ ونَكلَ يَنكُلُ، وفي المعتل دِمت تَدُوم، ومتَّ تَمُوتُ. أفاده في المصباح. والجنب: يطلق على الذكر، والأنثى، والمفرد، والتثنية، والجمع، وربما طابق على قلة، فيقال: أجناب وجُنُبُون ونساء جُنُبَات، والفعل جَنُب وزان قرب، وأجنب أيضا أفاده في المصباح. وأراد المصنف ﵀: بفضل الجنب ما يبقى في الإناء بعد الاغتراف منه فهو طاهر، يجوز استعماله، له ولغيره؛ لأن الحديث يدل على أن عائشة كانت تغتسل مع النبي ﷺ يغترفان من الإناء الواحد، تارة تسبق هي، وتارة يسبق هو، كما هو في بعض الروايات الآتية في كتاب الغسل: قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، يبادرني، وأبادره، حتى يقول: دعي لي، وأقول أنا: دع لي". فدل الحديث على أن ما بقى من الماء طاهر سواء كان خلال الاغتسال، أو بعده، وأراد بذلك أن النهي الوارد عن ذلك محمول على التنزيه، كما يرشد إليه قوله في كتاب الغسل بعد ذكر باب النهي عن الاغتسال بفضل الجنب "باب الرخصة في ذلك". والفرق بين الباب المتقدم، وبين هذا الباب، أن الباب المتقدم بَيَّن استعمال الجنسين، في وقت واحد مغترفتين جميعا، وهذا الباب بين استعمالهما متعاقبين.

стр. 858

٧٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الإِنَاءِ الْوَاحِدِ. رجال الإسناد: خمسه ١ - (قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت [١٠] تقدم في ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث، إمام أهل مصر ثقة حجة مشهور من [٧] تقدم في ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الزهري المدني العلم الثقة الحجة المشهور من [٤] تقدم في ١/ ١. ٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني أحد الفقهاء السبعة ثقة من [٣] تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عائشة) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته، ومنها أن رواته كلهم ثقات أجلاء، ومنها أنه ما بين بغلاني، وهو الأول، ومصري، وهو الثاني، ومدنيين، وهم الباقون ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. ومنها: أن فيه من هو من الفقهاء السبعة، وهو عروة وتقدم غير مرة.

стр. 859

ومنها: أن صحابيته من المكثرين السبعة روت [٢٢١٠]. ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. شرح الحديث (عن عائشة) أم المؤمنين ﵂ (أنها كانت تغتسل مع رسول الله ﷺ في الإناء الواحد) أي من الإناء الواحد، "ففي" بمعنى "من" كما صرح بهذا في الروايات الآتية في الغسل، وفي رواية البخاري "من إناء واحد من قدح يقال له الفرق". مسائل تتعلق بحديث الباب المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، أخرجه المصنف هنا [٧٢] وفي الكبرى ٥١/ ٧٣ بالسند المذكور فقط. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في الطهارة عن قتيبة، ومحمد بن رمح، كلاهما عن ليث به، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد ابن رمح به. المسألة الرابعة: يستفاد من الحديث جواز استعمال ما بقي من الماء بعد استعمال الجنب، سواء كان رجلا أو امرأة، واستدل به الداودي على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه، ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته؟ فقال: سألت عطاء فقال: سألت عائشة فذكرت هذا الحديث بمعناه، وهو نص في المسألة. والله أعلم قاله الحافظ في الفتح جـ ١/ ص ٤٧٤. المسألة الخامسة: أنه وقع في رواية البخاري تفسير الإناء المذكور في هذا الحديث حيث قال: "من قَدَح يقال له الفَرَق" قال الحافظ:

стр. 860

ولمالك: "هو الفَرَق" وزاد في روايته "من الجنابة" أي بسبب الجنابة، ولأبي داود الطيالسي عن ابن أبي ذئب "وذلك القدح يومئذ يدعى الفرق" قال ابن التين الفَرْق بتسكين الراء، ورويناه بفتحها، وجوز بعضهم الأمرين، وقال القتيبي وغيره هو بالفتح، وقال النووي: الفتح أفصح وأشهر، وزعم الباجي أنه الصواب قال: وليس كما قال، بل هما لغتان. قال الحافظ: لعل مستند الباجي ما حكاه الأزهري عن ثعلب وغيره، الفرق بالفتح، والمحدثون يسكنونه، وكلام العرب بالفتح انتهى، وقد حكى الإسكان أبو زيد، وابن دريد، وغيرهما من أهل اللغة، والذي في روايتنا هو بالفتح، والله أعلم. وحكى ابن الأثير أن الفَرَق بالفتح ستة عشر رطلا، وبالإسكان مائة وعشرون رطلا، وهو غريب. وأما مقداره: فعند مسلم في آخر رواية ابن عيينة عن الزهري في هذا الحديث قال سفيان -يعني ابن عيينة-: الفرق ثلاثة آصع، قال النووي: وكذا قال الجماهير، وقيل الفرق صاعان، لكن نقل أبو عبيد الاتفاق على أن الفرق ثلاثة آصع، وعلى أن الفرق ستة عشر رطلا، ولعله يريد اتفاق أهل اللغة، وإلا فقد قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم: أن الصالح ثمانية أرطال، وتمسكوا بما روي عن مجاهد في الحديث الآتي عن عائشة، أنه حزر الإناء ثمانية أرطال، والصحيح الأول. فإن الحزر لا يعارض به التحديد، وأيضا فلم يصرح مجاهد بأن الإناء المذكور صاع، فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها، ويؤيد كون الفرق ثلاثة آصع ما رواه ابن حبان من طريق عطاء عن عائشة بلفظ "قدر ستة أقساط" والقسط بكسر الكاف وهو باتفاق أهل اللغة نصف

стр. 861

صاع والاختلاف بينهم أن الفرق ستة عشر رطلا، فصح أن الصاع خمسة أرطال وثلث، وتوسط بعض الشافعية فقال: الصالح الذي لماء الغسل ثمانية أرطال، والذي لزكاة الفطر وغيرها خمسة أرطال وثلث، وهو ضعيف اهـ فتح جـ ١/ ص ٤٣٣ - ٤٣٤. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 862

٥٩ - باب الْقَدْرِ الَّذِي يَكْتَفِي بِهِ الرَّجُلُ مِنَ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على القدر الذي يجتزئ الرجل به من الماء لأجل وضوئه. وقوله: "الرجل" ليس قيدا، بل المرأة كذلك. ٧٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ، وَيَغْتَسِلُ بِخَمْسَةِ مَكَاكِيَّ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (عمرو بن علي) بن بَحْر بن كُنَيز الفلاس الصيرفي، أبو حفص البصري ثقة ثبت حافظ من [١٠] تقدم ٤/ ٤. ٢ - (يحيي) بن سعيد القطان أبو سعيد الأحول البصري ثقة حجة ثبت [٩] تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي البصري الثقة الحجة [٧] تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (عبد الله بن عبد الله بن جبر) قال الحافظ في تهذيب التهذيب: عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عَتيك، وقيل: ابن جَبْر بن عتيك

стр. 863

الأنصاري المدني، وقيل: إنهما اثنان، روى عن ابن عمر، وأنس، وجده لأمه عتيك بن الحارث، وعن أبيه عبد الله بن جبر، إن كان محفوظا. وعنه مالك، وشعبة، ومسعر، وأبو العُمَيس المسعودي، وعبد الله بن عيسى بن أبي ليلى، وغيرهم، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: ثقة، فقلت له: عبد الله أحب إليك أو موسى الجُهَني؟ قال: عبد الله أحب إلى. وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو بكر بن منجويه: أهل العراق يقولون: جبر، ولا يصح، إنما هو جابر، وطول الكلام الحافظ فيه، فانظره تت ج ٥/ ص ٢٨٢ - ٢٨٤، أخرج له الجماعة. وفي "ت" ثقة من الرابعة. ٥ - (أنس) بن مالك بن النضر أبو حمزة الأنصاري، ﵁ تقدم في ٦/ ٦. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم بصريون، إلا ابن جبر فإنه مدني، وأن شيخ المصنف أحد المشايخ الذين اتفق أصحاب الأصول الستة بالرواية عنهم بلا واسطة، وتقدم غير مرة. شرح الحديث (كان رسول الله ﷺ يتوضأ بمكُّوك) أي بماء في إناء يسمى بمكوك وهو بفتح الميم وتشديد الكاف، قال في النهاية: أراد به المد، وقيل: الصاع، والأول أشبه لأنه جاء في حديث آخر مفسرًا بالمد، وأصله اسم مكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس في البلاد. اهـ زهر. وفي المصباح: والمَكُّوك: مكيال، وهو مذكر، وهو ثلاث كَيْلجَات، والكَيْلَجَة مَنًا وسبعة أثمان منًا. اهـ

стр. 864

(ويغتسل بخمس مكاكي) جمع مَكُّوك بإبدال الياء من الكاف الأخيرة وإدغامها في ياء الجمع. وفي "ق": والمَكُّوك كتَنُّور، طاسٌ يُشْرَبُ به، ومكيال يسع صاعا ونصفا، أو نصف رطل إلى ثمان أواقي، أو نصف الوَيْبَة، والوَيْبَة اثنان وعشرون، أو أوبع وعشرون مُدًا بمد النبي ﷺ ، أو ثلاث كَيْلجَات، والكَيْلَجَةُ: منا وسبعة أثمان منا، والمن رطلان، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية: إستار وثلثا إستار، والإستار: أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال: درهم وثلاثة أسباع درهم، والدرهم ستة دَوَانق، والدَّانقُ قيراطان، والقيراط طَسُّوجَان، والطَّسُّوج حَبَّتَان، والحَبَّة: سدس درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءا من درهم اهـ. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. ٧٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يُحَدِّثُ عَنْ جَدَّتِي -وَهِيَ أُمُّ عُمَارَةَ بِنْتُ كَعْبٍ-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَأُتِيَ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ قَدْرَ ثُلُثَيِ الْمُدِّ. قَالَ شُعْبَةُ: فَأَحْفَظُ أَنَّهُ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَجَعَلَ يَدْلُكُهُمَا، وَيَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بَاطِنَهُمَا وَلَا أَحْفَظُ أَنَّهُ مَسَحَ ظَاهِرَهُمَا.

стр. 865

رجال الإسناد: ستة ١ - (محمَّد بن بشار) أبو بكر بن بُندار البصري ثقة حافظ [١٠] تقدم في ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمَّد) بن جعفر غندر البصري ثقة حافظ [٩] تقدم في ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام العيشي البصري الحجة المثبت [٧] تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (حبيب) بن زيد بن خَلاد بفتح الخاء وتشديد اللام المدني، روى عن عباد بن تميم، وأنيسة بنت زيد، وليلى مولاة جدته أم عمارة، وعنه شعبة، وابن إسحاق، وشريك النَّخَعي، وثقه النسائي، وابن معين، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات رَوَى له أبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه. وفي "ت" ثقة من السابعة. ٥ - (عباد بن تميم) بن غَزيَّة بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي ابن عمرو بن عطية الأنصاري، وقيل: تميم بن زيد بن عاصم المازني المدني، روئ عن أبي سعيد الخدري، وأبي قتادة، وعبد الله بن زيد، وغيرهم وعنه أبو بكر بن حزم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والزهري، وحبيب بن زيد، ومحمود بن لبيد، قال عباد: كنت يوم الخندق ابن خمس سنين، فأذكر أشياء، وأعيها وكنا مع النساء في الآطام (١)، وثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: تابعي ثقة روى له الجماعة. وفي "ت" ثقة من الثالثة. ٦ - (أم عمارة) بضم العين المهملة بتخفيف الميم نَسيبة بفتح النون،

стр. 866

وكسر السين على الأشهر، وقيل: لُسَينة باللام المضمومة والنون (بنت كعب) بن عمرو بن عوف الأنصارية النجارية، شهدت أحدا مع زوجها زيد بن عاصم، وبيعة الرضوان، ثم شهدت قتال مسيلمة باليمامة، وجُرحت يومئذ اثني عشر جرحا، وقطعت يدها، وخَلَف عليها بعد زيد ابن عاصم، غَزيَّة بن عمرو، فولدت له تميما، وخولة، وشهدت العقبة، وبايعت ليلتئذ، ثم شهدت أحدا والحديبية، وخيبر، والفتح، روت عن النبي ﷺ أحاديث، وروى عنها الحارث بن عبد الله بن كعب، وعكرمة، وليلى، وأم سعيد بنت سعد بن الربيع، روى لها أبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون، ومدنيين، وهم الباقون، وأن شيخه هو أحد مشايخ الستة، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. شرح الحديث (عن أم عمارة) نَسيبة (بنت كعب) الأنصارية (أن رسول الله ﷺ توضأ) أي أراد الوضوء (فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد) وفي رواية أبي داود "فأتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد" بجر قدر صفة الإناء، وجوز في المنهل نصبه على الحالية، أي حال كونه مقدرا بهذا المقدار، ورفعه خبرًا لمحذوف أي هو قدر ثلثي المد. والمعنى أن الإناء الذي فيه ذلك الماء قدر ثلثي المد، فثلثا المد أقل ما روي من وجه يُعَوَّل عليه أنه توضأ به رسول الله ﷺ . والمد بالضم: قيل وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز، فهو ربع صاع لأن الصاع خمسة أرطال وثلث، والمد رطلان عند أهل العراق، والجمع

стр. 867

أمداد، ومداد بالكسر. اهـ المصباح. قيل: سمي بذلك لأنه يملأ كفي الإنسان إذا مَدَّهُمَا. اهـ سندي. (قال شعبة) بن الحجاج (فأحفظ أنه) ﷺ (غسل ذراعيه، وجعل يدلكهما) من باب قتل: أي يَمْرُسُهُما، بمعنى يبالغ في غسلهما، يقال: مَرَسْتُ التمر مَرْسًا من باب قتل: دلكته بالماء، حتى يتحلل أجزاؤه قاله في المصباح. (ويمسح) ﵊ (أذنيه باطنهما) بالنصب بدل من اشتمال أذنيه، قال شعبة: (ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما) أي الأذنين. والمعنى أن شعبة حفظ من حديث حبيب هذا غسل الذراعين، ودَلْكَهما، ومَسْحَ باطن الأذنين، فقط، ولا يحفظ مسح ظاهرهما، وإن كان مرويا من طرق أخرى، كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. مسائل تتعلق بحديثي الباب المسألة الأولى: في درجتهما: حديثا الباب صحيحان. أما الأول: فقال النووي: حديث أنس صحيح، إلا أن فيه شريك ابن عبد الله القاضي، وقد ضعفه الأكثرون، وقد ذكر أبو داود أن شعبة وسفيان روياه أيضا، فلعله اعتضد عنده فصار حسنا فسكت عليه اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: رواية المصنف عن طريق شعبة، فهي صحيحة، لا كلام فيها. وأما الثاني: فصححه أبو زرعة، وقال النووي: حديث أم عمارة حسن، وأخرجه ابن خزيمة، وصححه، عن أبي كريب محمَّد بن العلاء، وابن حبان في صحيحه من طريق أبي كريب، قاله في المنهل. ج ١/ ص ٣٠٩.

стр. 868

المسألة الثانية: في بيان مواضعهما عند المصنف: أخرج حديث أنس هنا [٧٣] وفي الكبرى [٧٤] بالسند المذكور، وفي [٢٢٩] عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن شعبة به، وأما حديث أم عمارة فأخرجه هنا [٧٤] وفي الكبرى [٧٦] بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجهما معه: أما حديث أنس فأخرجه البخاري في الطهارة عن أبي نعيم، ومسلم فيه عن قتيبة كلاهما عن مسعر، وعن عبيد الله معاذ عن أبيه، وعن أبي موسى محمَّد بن المثنى، عن ابن مهدي كلاهما عن شعبة، كلاهما عن ابن جبربه، وأخرجه أبو داود في الطهارة عن محمَّد بن الصباح، عن شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن جبر، نحوه، قال أبو داود: ورواه يحيى بن آدم، عن شريك، وقال ابن جبر بن عتيك، ورواه شعبة قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن جبر، ورواه سفيان عن عبد الله بن عيسى، قال أخبرني جبر بن عبد الله. وأخرجه الترمذي في أواخر كتاب الصلاة عن هناد، عن وكيع، عن شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن ابن جبر، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: "يجزئ في الوضوء رطلان من ماء" ولم يسم ابن جبر، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك بهذا اللفظ وأما حديث أم عمارة: فأخرجه أبو داود في الطهارة عن محمَّد بن بشار، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة، عن حبيب الأنصاري، قال: سمعت عباد بن تميم، عن جدتي، أم عمارة ﵄. وأخرجه البيهقي، وابن خزيمة، وابن حبان.

стр. 869

وأخرج الحاكم في مستدركه من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد "أن النبي ﷺ أتي بثلثي مد من ماء، فتوضأ فجعل يدلك ذراعيه" قال الحاكم: هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ورواه أحمد أيضا من حديث عبد الله بن زيد بلفظ "توضأ بنحو ثلثي المد". وأما ما رواه الطبراني في الكبير، والبيهقي، من حديث أبي أمامة من "أنه ﷺ توضأ بنصف مد" ففي إسناده الصلت بن دينار وهو متروك. وحديث "أنه ﷺ توضأ بثلث المد" قال الحافظ في التلخيص: لم أجده، وفي سبل السلام: لا أصل له. اهـ المنهل ج ١/ ص ٣٠٩. المسألة الرابعة: يستفاد من الحديثين أن القدر الذي يكفي في الوضوء والغسل يختلف باختلاف الأحوال، والأشخاص فلا يحدد بمقدار معين، فقد كان ﷺ له تارات، فتارة يقلل، وتارة يكثر، فقد وردت روايات مختلفة للمصنف وغيره. قال العلامة بدر الدين العيني ﵀: ثم اعلم أن الروايات مختلفة في هذا الباب، ففي رواية أبي داود من حديث عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد" ومن حديث جابر كذلك، ومن حديث أم عمار "أن النبي ﷺ توضأ فأتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد" وفي روايته عن أنس "كان النبي ﷺ يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع" وفي رواية ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحهما، والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن زيد ﵁ "أن النبي ﷺ أتي بثلثي مد من ماء فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه" وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم

стр. 870

يخرجاه، وفي رواية مسلم من حديث عائشة ﵂ "كانت تغتسل هي، والنبي ﷺ في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد" وفي رواية "من إناء واحد تختلف أيدينا فيه" وفي رواية "فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت فيه، وفي أخرى: "كانت تغتسل بخمسة مكاكيك وتوضأ بمكوك" وفي أخرى "كانت تغسله ﷺ بالصاع وتوضئه بالمد" وفي أخرى "يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد" وفي رواية البخاري "بنحو صاع" وفي لفظ "من قدح يقال له الفرق" وعند النسائي في كتاب التمييز "نحو ثمانية أرطال" وفي مسند أحمد بن منيع "حرزته ثمانية أو تسعة أو عشرة أرطال" وعند ابن ماجه بسند ضعيف عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "يجزئ من الوضو مد، ومن الغسل صاع" وكذا رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس، وعند أبي نعيم في معرفة الصحابة من حديث أم سعد بنت زيد بن ثابت ترفعه "الوضوء مد، والغسل صاع" وقال الشافعي، وأحمد: ليس معنى االحديث على التوقيت أنه لا يجوز أكثر منه، ولا أقل، بل هو قدر ما يكفي. وقال النووي: قال الشافعي، وغيره من العلماء: الجمع بين هذه الروايات أنها كانت اغتسالات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله، وأقله، فدل على أنه لا حد في قدر ماء الطهارة يجب استيفاؤه. اهـ عمدة القاري ج ٢/ ص ٤٠. قال الجامع: الحاصل أن الماء الذي يتوضأ به، أو يغتسل به لا حد له يُلتزَم، ما لم يبلغ في الزيادة حد الإسراف، فيمنع، أو في النقص حدا لا يسمى غسلا، فيكونَ باطلا، وقد جعل الشيخ عز الدين بن عبد السلام للمتوضئ والمغتسل ثلاث أحوال:

стр. 871

أحدها: أن يكون معتدل الخلق، كاعتدال خلقه ﷺ ، فيقتدي به في اجتناب النقص عن المد والصاع. الثاني: أن يكون ضئيلا نَحيف الخلق بحيث لا يعادل جسده جسده ﷺ فيستحب له أن يستعمل من الماء ما تكون نسبته إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسده ﷺ . الثالث: أن يكون متفاحش الخلق طولا، وعرضا، وعظم البطن وثخانة الأعضاء فيستحب أن لا ينقص عن مقدار تكون النسبة إلى بدنه كنسبة المد والصاع إلى رسول الله ﷺ اهـ أفاده في عمدة القاري ج ٢/ ص ٤٠. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 872

٦٠ - باب النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب النية في الوضوء. والنية: اسم من نوى الشيء إذا قصده. قال في المصباح: نَوَيتُهُ أنويه: قصدته، والاسم النية، والتخفيف لغة حكاها الأزهري، وكأنه حذفت اللام، وعوض عنها الهاء على اللغة، كما قيل في ثُبَة وظُبَة. وفي المُحْكَم: النية مثقلة، والتخفيف عن اللحياني وحده، وهو على الحذف، ثم خصصت النية في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمر من الأمور، والنية الأمر، والوجه الذي تنويه اهـ المصباح. ٧٥ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ حَمَّادٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، (ح) وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ

стр. 873

هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". رجال الأسانيد [١١] شخصا ١ - (يحيي بن حبيب بن عربي) الحارثي، أبو زكريا البصري، عن يزيد بن زريع، والمعتمر بن سليمان، وطائفة، وعنه مسلم، والأربعة، قال النسائي: ثقة مأمون، قال السراج: مات سنة ٢٤٨ وقيل بعدها، وفي "ت" ثقة من العاشرة، أخرج عنه مسلم والأربعة. ٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الأزدي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم في ٣/ ٣. ٣ - (الحارث بن مسكين) بن محمَّد بن يوسف، أبو عمرو المصري ثقة [١٠] تقدم في ٩/ ٩. ٤ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد، أبو عبد الله المصري ثقة فقيه من كبار [١٠] تقدم في ١٩/ ٢٠. ٥ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة حجة ثبت فقيه [٧] تقدم في ٧/ ٧. ٦ - (سليمان بن منصور) الدُّهني بضم المهملة أبو هلال، ابن أبي هلال، البلخي زرغنده (بفتح الزاي والراء بعدها معجمة، ثم نون ساكنة) لقبه، البزار، عن أبي الأحوص، وابن المبارك، وعنه النسائي،

стр. 874

قال ابن حبان: مستقيم الحديث، قيل توفي سنة ٢٤٠. وفي "ت" لقبه زرغنده بفتح الزاي وسكون الراء بعدها معجمة مفتوحة ثم نون ساكنة، ثقة لا بأس به من العاشرة، وهو من أفراد المصنف. ٧ - (عبد الله بن المبارك) بن واضح، المروزي، الحنظلي، الإمام ثقة حجة [٨] تقدم في ٣٢/ ٣٦. ٨ - (يحيي بن سعيد) الأنصاري المدني ثقة ثبت [٥] تقدم في ٢٢/ ٢٣. ٩ - (محمَّد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد بن صخر التيمي، المدني، أبو عبد الله، أحد العلماء المشاهير، عن أنس، وجابر، وعائشة في الترمذي، والنسائي، قال في "صه": فما أدري سمع منه (١) أم لا، فأرسل عن أسامة، وعنه يزيد بن الهاد، ويحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأوزاعي، وابن إسحاق وعدة، قال ابن سعد: كان فقيها محدثا، وقال أحمد: يروي أحاديث منكرة، وثقه ابن معين، والناس، وتوفي سنة ١٢٠، أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة له أفراد من الرابعة. وفي تهذيب التهذيب: روى عن أبي سعيد الخدري، وعمير مولى آبي اللحم، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وقيس بن عمرو الأنصاري، ومحمود بن لبيد، وعائشة، وعلقمة بن وقاص الخ. ثم قال: قال ابن أبي حاتم:، عن أبيه: لم يسمع من جابر، ولا من أبي سعيد انتهى. وحديثه عن عائشة عند مالك، والترمذي، وصححه، وعائشة ماتت قبل أبي سعيد، وجابر اهـ.

стр. 875

١٠ - (علقمة بن وقاص) الليثي المدني، عن عمر، وعائشة، وعمرو بن العاص، وعنه ابناه عبد الله وعمرو، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وثقه النسائي، مات في خلافة عبد الملك، وقيل إنه ولد في عهد النبي ﷺ ، أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة ثبت من الثانية، وأخطأ من قال: إن له صحبة. ١١ - (عمر بن الخطاب) بن نُفَيل بن عبد العُزَّى العدوي، أبو حفص المدني أحد فقهاء الصحابة، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأول من سُمِّيَ أميرالمؤمنين، له خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثا، اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، وعنه أبناؤه: عبد الله، وعاصم، وعبيد الله، وعلقمة بن وقاص، وغيرهم شهد بدرا، والمشاهد إلا تبوك، وولي أمر الأمة بعد أبي بكر ﵄، وفتح في أيامه عدة أمصار، أسلم بعد أربعين رجلا. عن ابن عمر مرفوعا: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ولما دفن قال ابن مسعود: ذُهِبَ اليومَ بتسعة أعشار العلم، اسُتشهد في آخر سنة ٢٣، ودفن في أول سنة ٢٤، وهو ابن ٦٣ سنة، وصلى عليه صهيب، ودفن في الحجرة النبوية، ومناقبه جمة أخرج له الجماعة. لطائف الأسانيد منها: أن الأول والثالث من سداسياته، والثاني من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بصريين وهما: يحيى بن حبيب، وشيخه، ومصريين: وهما الحارث وشيخه، وبلخي وهو سليمان، ومر وزي، وهو عبد الله، ومدنيين، وهم الباقون. ومنها: ما في قوله: "والحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع"،

стр. 876

وتقدم البحث عنه قريبا. ومنها: قوله: واللفظ له، يعني أن حمادا، ومالكا، وابن المبارك، رووا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، إلا أن اللفظ المذكور هو لفظ ابن المبارك، وأما لفظ حماد، ومالك، فغير هذا، بل وافقاه في المعنى. والحاصل أن المصنف روى هذا الحديث هنا عن ثلاثة شيوخ: أحدها: عن شيخه يحيى بن حبيب، عن حماد. والثاني: عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك. والثالث: عن سليمان بن منصور، عن عبد الله بن المبارك، والثلاثة عن يحيى بن سعيد، ثم إن اللفظ الذي ساقه هنا هولفظ ابن المبارك، وأما الآخران فروياه بالمعنى. وهذا الذي سلكه من نسبة اللفظ لأحدهم هو الأحسن، كما أشار إليه السيوطي في الألفية، حيث قال: ومَنْ رَوَى مَتْنًا عَنْ أشْيَاخ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ ما اتَّحَدْ مُقْتَصرًا بلَفْظ واحد وَلَمْ … يُبَيّن اخْتصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ أوْ قَال قَدْ تَقَاربَا في اللَّفْظ أوْ … وَاتَّحَدا المعَنَى عَلَى خُلْف حَكَوْا وَإنْ يكُنْ للفظه يُبَيِّنُ … مَعْ قَالَ أو قَالا فَذَاكَ أحْسَنُ وقد تقدم تمام هذا البحث، وسيأتي أيضًا، وسننبه عليه حيث يمر بنا إن شاء الله تعالى. ومنها: كتابة "ح" بين الإسنادين وتقدم البحث عنها قريبا. ومنها: أن إسناد حماد، وعبد الله عاليان، بخلاف إسناد مالك، فإنه نازل بدرجة، فقد وصل المصنف إلى يحيي بن سعيد، بواستطين

стр. 877

فيهما، ويثلاث فيه. ومنها: أن فيه رواية ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض، وهم يحيى بن سعيد، ومحمد بن إبراهيم، وعلقمة، وهذا على قول الجمهور، حيث إنهم لم يثبتوا صحبة علقمة، وقيل: إن له صحبة، فعلى هذا ففيه رواية صحابي عن صحابي، والأول أصح. ومنها: أن فيه الإخبار، والعنعنة، والتحديث، والإنباء، وكلها من صيغ الاتصال في غير المدلس على الصحيح. فائدة: من ألطف ما وقع في الأسانيد رواية أربعة من الصحابة بعضهم عن بعض، أو خمسة، ولا يوجد أكثر من ذلك، قال السيوطي في ألفيته: وفي الصِّحَاب أرْبَعٌ في سَنَد … وخَمْسَةٌ وبَعْدَهَا لم يُزدِ وقد أفرد الحافظ أبو موسى الأصفهاني جزءا لرباعي الصحابة وخماسيهم، ومن الغريب العزيز رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض، وقد أفرده الخطيب البغدادي بجزء جمع اختلاف طرقه، وهو حديث منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن الرَّبيع بن خُثَيْم، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ في "إن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن". وقال يعقوب بن أبي شيبة: وهو أطول إسناد روي، قال الخطيب: والأمر كما قال، قال: وقد روي هذا الحديث أيضا من طريق سبعة من التابعين، ثم ساقه من حديث أبي إسحاق الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن هلال، عن عمرو، عن الرَّبيع، عن عبد الرحمن، فذكره، قاله البدر العيني في العمدة ج ١/ ص ٢١ والله أعلم.

стр. 878

شرح الحديث (عن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : إنما الأعمال) جمع عمل، مصدر قولك: عَملَ يَعْمَلُ عَمَلًا، والتركيب يدل على فعل يُفْعل،، والفرق بينه وبين الفعل كما قال الصغاني: أن الفعل أعم من العمل؛ لأنَّ الفعل إحداث شيء من العمل وغيره، أفاده العيني، وفي "ق" وشر حه: العمل محركة: المهنة، والفعل، جمعه أعمال، وزعم بعض أئمة اللغة والأصول: أن العمل أخص من الفعل؛ لأنه الفعل بنوع مشقة، قالوا: ولذا لا ينسب إلى الله تعالى، وقال الراغب: العمل كل فعل يصدر من الحيوان بقصده، فهو أخص من الفعل؛ لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بقصد، وقد ينسب إلى الجمادات، والعمل قلما ينسب إلى ذلك، ولم يستعمل في الحيوانات إلا في قولهم الإبل والبقر العوامل، وقال شيخنا: العمل حركة البدن بكله أو بعضه، وربما أطلق على حركة النفس، فهو إحداث أمر، قولا كان أو فعلا بالجارحة، أو القلب، لكن الأسبق للفهم اختصاصه بالجارحة وخصه البعض بما لا يكون قولا، ونوقش بأن تخصيص الفعل به أولى من حيث استعمالهما متقابلين، فيقال: الأقوال، والأفعال، وقيل: القول لا يسمى عملا عُرْفا، ولذا يعطف عليه، فمن حلف لا يعمل، فقال، لم يحنث، وقيل التحقيق: إنه لا يدخل في العمل، والفعل إلا مجازا. اهـ تاج العروس ج ٨/ ص ٣٤. (بالنية) بالإفراد، وسنبين اختلاف ألفاظه في المسائل إن شاء الله تعالى، والنية: مصدر نَوَى ينوي، قال الجوهري: نويت نيَّة ونواة، أي عزمت، وانتويت مثله، وهي بالتشديد على المشهور، وحكي تخفيفها كما تقدم في أول الباب.

стр. 879

واختلفوا في تفسيرها: فقيل: هو القصد إلى الفعل، وقال الخطابى: هو قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له، وقال التيمي: هنا وجهة القلب، وقال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع، أو دفع ضر، حالا أو مآلا، وقال النووي: النية القصد، وهي عزيمة القلب، وقال الكرماني: ليس هو عزيمة القلب، لما قال المتكلمون: القصد إلى الفعل، هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد، والعزم قد يتقدم عليه، ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد، ففرقوا بينهما من جهتين فلا يصح تفسيره به. قال البدر العيني: قلت: العزم هو إرادة الفعل، والقطع عليه، والمراد من النية هنا هو هذا المعنى، فلذلك فسر النووي القصد الذي هو النية بالعزم، فافهم. على أن الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي قد جعل في أربعينه النية، والإرادة، والقصد والعزم بمعنى، ثم قال: وكذا أزمعت على الشيء وعمدت إليه، وتطلق الإرادة على الله تعالى ولا يطلق عليه غيرها. اهـ عمدة جـ١/ ص ٢٦. قال في الفتح: قال الكرماني: هذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين، واختلف في وجه إفادته، فقيل: لأن "الأعمال" جمع مُحَلى بالألف واللام، مفيد للاستغراق، وهو مستلزم للقصر؛ لأن معناه كل عمل بنية، فلا عمل إلا بنية، وقيل: لأن "إنما" للحصر، وهل إفادتها له بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع، أو العرف، أو تفيده بالحقيقة أو المجاز؟ ومقتضى كلام الإمام، وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعا حقيقيا، بل نقله شيخنا شيخ الإسلام عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة، إلا اليسير كالآمدي، وعلى العكس من ذلك أهل

стр. 880

العربية، واحتج بعضهم بأنها لو كانت للحصر لما حسن، إنما قام زيد، في جواب هل قام عمرو؟ وأجيب بأنه يصح أن يقع في مثل هذا الجواب ما قام إلا زيد، وهي للحصر اتفاقا، وقيل: لو كانت للحصر لاستوى إنما قام زيد، مع ما قام إلا زيد، ولا تردد في أن الثاني أقوى من الأول، وأجيب بأنه لا يلزم من هذه القوة نفي الحصر، فقد يكون أحد اللفظين أقوى من الآخر مع اشتراكهما في أصل الوضع كسوف والسين، وقد وقع استعمال "إنما" موضع استعمال النفي والاستثناء كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: آية ١٦] وكقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: آية ٣٩]، وقوله: ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: آية ٩٢]، وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: آية ٩٩] ومن شواهده قول الأعشى: ولسْتَ بالأكْثَر منهم حَصىً … وَإنَّمَا العزَّة للكَاثرِ يعني: ما ثبتت العزة إلا لمن كان أكثر حصى. اهـ فتح جـ ١/ ص ١٨ - ١٩. وسيأتي مزيد بسط في هذا البحث في المسائل إن شاء الله تعالى. والمراد بالأعمال: الأعمال الصادرة عن المكلفين، وهل تخرج أعمال الكفار؟ الظاهر الإخراج؛ لأن المراد أعمال العبادة، وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطبا بها معاقبا على تركها، ولا يرد العتق، والصدقة؛ لأنهما بدليل آخر. وقوله (بالنية) الباء للمصاحبة، ويحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقومة للعمل، فكأنها سبب في إيجاده، وعلى الأول فهي من نفس العمل، فلا يشترط أن لا تتخلف عن أوله. قاله في الفتح، وسيأتي تمام البحث في المسائل إن شاء الله تعالى. (وإنما لامريء) قال السندي ﵀: وقوله "لامرئ" بمعنى لكل
следующие страницы →