السهو واجبًا في هذا القسم الأخير قطعًا.
وأما في الثاني: فسجود السهو له واجب قطعًا، وكذلك هو أيضًا واجب إذا سها بزيادة فعل في الصلاة، يُبطلها عمدُهُ، كالكلام والسلام، ونحو ذلك، فإن تعمّد ترك سجود عن واجب محله قبل السلام بطلت صلاته عندهم، وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل، وإذا شكّ في ترك واجب، فهل يلزمه السجود؟ فعلى وجهين، وإن شكّ في زيادة لم يسجد.
واحتجّ أصحاب الشافعي ﵀ على أن سجود السهو سنة، وليس بواجب بما روى أبو داود في "سننه" من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شكّ أحدكم في صلاته فليُلق الشكّ، وليبن على اليقين، فإن استيقن التمام سجد سجدتين, فإن كانت صلاته تامّةً كانت الركعة نافلة، والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تمامًا لصلاته، وكانت السجدتان مُرغمتي الشيطان".
قالوا: فهذا الحديث يدلّ على أن السجدتين نافلة، والحديث حسن، لأن ابن عجلان روى عنه مالك، وشعبة، ووثقه الجمهور، وأخرج له مسلم في مواضع من كتابه، لكن يَردُ على هذا أن الحديث رواه جماعة عن زيد بن أسلم، لم يذكروا هذه الزيادة، وقد تقدم ذلك، وابن عجلان متكلّم في حفظه، وقد أدخله البخاريّ في "كتاب الضعفاء"، فعلى تقدير قبوله إذا خالف من هو أوثق منه، وأحفظ، وأكثر عددًا في قبوله نظر.
وأما القائلون بوجوب سجود السهو، فلهم ثلاث مسالك:
الأول: الأمر بذلك في قوله ﷺ : "ثم ليسجد سجدتين"، وهو صحيح ثابت في حديث ابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما ﵃.
والثاني: التمسك بفعله ﷺ ، وسجوده له كما ثبت في أحاديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة.
قال العلائي ﵀: وهذا إما على القول بأن فعله ﷺ يدلّ على الوجوب فيما ظهر فيه قصد القربة، وإما على القول بأن فعله ﷺ وقع هنا بيانًا لأفعال الصلاة الواجبة، لأنها مُجملة فيما يتعلق بالسهو فيها أيضًا، لم يتبين ذلك إلا بفعله ﷺ ، وبيان الواجب واجب، وهذا فيما إذا كان قبل السلام واضح.
وأما فيما إذا كان بعد السلام فهو على قول من يقول: إن هذا السلام يحصل به التحلل من الصلاة، كالحنفية، وبعض المالكية.
стр. 8822
وأما على طريق الجمع بأن يُضمّ إلى سجوده ﷺ قوله: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، وهو كالذي قبله فيما كان منه قبل السلام أو بعده.
والمسلك الثالث: اعتبار سجود السهو بالمقتضي له الذي يُجبر به.
وقد ناقش هذه المسالك الحافظ العلائي، فانظر كلامه في "نظم الفرائد" ص ٣٦٤ - ٣٦٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن قول من قال بالوجوب هو الراجح؛ لوروده بصيغة الأمر، كما مر بيانه والأمر للوجوب إلا إذا وُجد ما يصرفه، ولم يذكروا هنا ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية عشرة: في اختلاف أهل العلم في تدارك سجود السهو:
روى ابن أبي شيبة عن سلمة بن نُبيط، قال: قلت للضحّاك بن مُزاحم: إني سهوت، ولم أسجد، قال: ها هنا فاسجد، وعن وضّاح، قال: سألت قتادة؟ فقال: يُعيد سجدتي السهو. وعن الحسن، وابن سيرين قالا: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد سجدتي السهو. وعن إبراهيم النخعي، قال: هما عليه حتى يخرج، أو يتكلّم. وعن حماد بن أبي سليمان في رجل نسي سجدتي السهو حتى يخرج من المسجد قال: لا يعيد. وقال ابن شُبرُمة: يعيد الصلاة. وعن الحكم أنه لقي ذلك، فأعاد الصلاة.
وروى عبد الرزاق عن الحسن في رجل نسي سجدتي السهو، قال: إذا لم يذكرهما حتى ينصرف لم يسجدهما، وقد مضت صلاته على الصحّة، وإن ذكرهما وهو قاعد لم يقم سَجَدَهما.
وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: نسيت سجدتي السهو، فتحدثتُ أو تكلمت، ولم أقم؟ قال: فاسجدهما، قلت: فإن قمتُ حين فرغت، ولم أتكلم، ثم ذكرت؟ قال: فاجلس فاسجدهما.
وعن علقمة أنه صلى، فسها، ثم انفتل عن القبلة، فقال له رجل: إنك لم تسجد سجدتي السهو، فقال: كذلك؟ قال: نعم، فانحرف إلى القبلة، فسجدهما.
وأما الأئمة الأربعة ففي مذاهبهم تفاصيل قد استوعبها العلائي ﵀ في كتابه المذكور ص ٣٦٧ - ٣٧٠.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي أن المصلي يَتدارَك سجود السهو، وإن انحرف عن القبلة، أو تكلم، أو خرج من المسجد، ناسيًا؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه سجد للسهو بعد ما انحرف عن القبلة، وتكلم، ودخل حجرته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 8823
المسألة الثالثة عشرة:
تضمنت هذه الأحاديث أن الأفعال المنافية للعبادات التي تقتضي بُطلانها إذا وقعت سهوًا ونسيانًا لا تبطلها، فيؤخذ من ذلك مسألة أصولية، وهي أن المقتضي، وهو اللفظ الذي لابد فيه من أحد تقديرات ليستقيم الكلام، هل له عموم في جميعها أم لا؟، ويُمثّل ذلك بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فإن التحريم لا يضاف إلى الأعيان، فلا بُد من محذوف مقدر، يتم به الكلام.
فيَحتَمل أن يكون المقدّر: حرم عليكم أكل الميتة، وأن يكون بيع الميتة إلى غير ذلك، فهل يضمر جميع هذه المقدرات أم لا؟
الذي اختاره الإمام فخر الدين أنه لا يقدّر الكلِّ، للاستغناء عنه، وكثرة مخالفته للأصل، إذ الضرورة تندفع بواحد، ثم أورد على ذلك أنه ليس إضمار أحد الحكمين أولى من الآخر، فإما أن لا يضمر شيء أصلا، وهو باطل، أو يضمر الكلّ، وهو المطلوب.
وتوقف الآمدي في المسألة لتعارض المحذورين، أحدهما تكثير الإضمار إذا قيل بالتعميم، والآخر الإجمال إذا قيل بإضمار حكم مّا.
واختار ابن الحاجب عدم التعميم، ورأى أن التزام الإجمال أقرب من مخالفة الأصل بتكثير الإضمار، وهذا بعينه اختيار الكرخي في مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي تكون مجملة.
قال العلائي ﵀: والراجح من جهة الدليل القولُ بالتعميم، وأن التزام تكثير الإضمار أولى من التزام الإجمال، لأن المحذور فيه أقوى من الإضمار، لكثرة وجود الإضمار في اللغة، وقلّة المجمل، وللإجماع على التزام الإضمار في مواضع، والاختلاف في وجود المجمل، ولقوله ﷺ : "لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها". متفق عليه.
وهو يدلّ على إضمار جميع التصرفات المتعلقة بالشحوم في التحريم، وإلا لما لزمهم الذمّ ببيعها.
وفي كلام الشافعي ﵁ ما يقتضي اختلاف قول في أن المقتضي له عموم أو لا؟، فقد حكى صاحب "الحاوي" عنه أنه قال في "الأم" في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أن يقدر الآية: فمن كان منكم مريضًا، فتطيب، أو لبس، أو أخذ ظفره لأجل مرضه، أو به أذى من رأسه، فحلقه، ففدية من صيام. فقدّر جميع ما يضمر في الآية مما يصح الكلام بإضمار واحد منها.
стр. 8824
وقال في "الإملاء": ليس هذا كله مضمرًا في الآية، وإنما الذي تضمنته حلق الرأس، والبقية مقيس عليه.
والذي يتعلق بهذه المسألة في هذا الحديث الكلامُ في قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه". أخرجه ابن ماجه، والبيهقي في "سننهما" من حديث بشر بن بكر التنيسي، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رَباح، عن عبيد بن عُمير، عن ابن عباس ﵄، عنه ﷺ . وقال فيه البيهقي: إسناده مستقيم، ورواته ثقات.
قال العلائي رحمه الله تعالى: وهذا الإسناد على شرط "الصحيحين" سوى بشر بن بكر، فإنه من أفراد البخاري، والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" مصححًا له.
وذكر ابن أبي حاتم في "كتاب العلل" عن أبيه أن محمد بن المصفّى رواه عن الوليد ابن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس من غير ذكر عُبيد بن عُمير، ثم ذكر له طرقًا أُخَرَ وضعفها.
ولفظه عند ابن أبي حاتم: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان".
فاختلف العلماء في هذا الحديث، هل المقدر فيه حكم الخطإ، أو إثمه، أو كلّ منهما جميعًا.
فأبو حنيفة ﵀ قدّر المضمر الإثم فقط لمّا ذهب إلى أن الكلام ناسيًا في الصلاة يُبطلها.
والشافعي ﵀ قدر المجموع من الإثم والحكم، ورأى أن الكلام ناسيًا لا يبطل الصلاة، وكذلك سلام التحلّل، ونية الخروج منها، وكذلك الأكل في الصوم ناسيًا.
فيؤخذ من أحاديث ذي اليدين هذه صحة ما ذهب إليه الشافعي ﵀ من تقدير الجميع، لأن النبي ﷺ بني على صلاته غير مرّة بعد ما. سلّم منها، وتكلم، وفعل أفعالًا ناسيًا في ذلك كله، فدلّ على أن المقدّر حكم الخطإ والنسيان وإثمهما أيضًا، إذ لا خلاف في رفع الإثم، لأن فائدة التكليف، وغايته تَمَيُّزُ المطيع عن العاصي ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة.
والطاعة والمعصية تستدعيان قصدًا وإرادةً لإيقاعهما، وعليه يترتب الثواب والعقاب، والمخطىء والناسي لا قصدَ لهما، وكذلك المكره أيضًا، لأنه كالآلة لمن أكرهه.
ثم هنا تفصيل حسن لأقسام المنسي ينبغي ذكره لما فيه من الفائدة، وهو أن الشيء المنسي على أقسام:
стр. 8825
الأول: نسيان العبادات المأمور بها رأسًا، وذلك على ضربين:
أحدهما: أن تفوت المصلحة التي شُرعت لها العبادةُ، ولا تَقبَلُ التدارك، كالجهاد، والجمعات، وصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة في بعض الصور، فهذه وأمثالها تسقط بالفوات، ولا يشرع تداركها.
وثانيهما: ما يَقبل التدارك لأن غرض الشرع تحصيل مصلحته، كمن نسي صلاة أو صومًا أو حجًا أو عمرة أو نذرًا أو كفارة، فيجب عليه تداركها، قال رسول الله ﷺ : "من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها". وهذا لا خلاف فيه بين الأمة.
القسم الثاني: نسيان المنهيات عنها لذواتها إذا فعلت على وجه النسيان، وهو على ضربين أيضًا:
أحدها: ما لا يتضمن إتلاف حقّ للغير، كمن نسي نجاسة الطعام فأكله، أو كون هذا الشراب خمرًا فشربه، ونحو ذلك، فلا شكّ أنه لا يتعلق هنا إثم ولا حدّ، ولا تعزير لنسيانه، ولا تدارك هنا، لأن المنهي إذا وقع، وتحققت مفسدته لم يمكن رفعها، وما شرع في معاملته من الحدّ أو التعزير إنما شُرع زاجرًا عن المعاودة، وذلك إنما يكون في حالة الذكر دون النسيان.
والضرب الثاني: ما يتضمن إتلافًا لملك الغير، كمن باع طعامًا، ثم نسي أنه باعه، فأكله، فلا إثم عليه في ذلك، ولكنه يلزمه ضمانه، إما بالمثل، أو بالقيمة لمالكه، لأن الضمان من الجوابر، والجوابر لا تسقط بالنسيان.
وينشأ من هذين الضربين ما كان من المنهيات له جهتان، ويتعلق به حقٌّ لله، وحقٌّ للعباد، كالقتل والزنا، فإذا قتل خطأ فهو كالنسيان، فلا إثم، والقصاص الذي هو زاجر سقط لنسيانه، والضمان بالدية لا يسقط، فإنها كبدل المتلف الذي فوّته، وهو حقّ للآدمي، وكذلك الكفّارة لا تسقط لأنها شرعت جابرة لعدم التحفظ، لا مكفّرة للإثم، إذ لا إثم هنا.
ومثل هذا الزنا، فإذا أبان زوجته، ثم نسي طلاقها، فوطئها، أو باع جاريته، أو أعتقها، ثم نسي ذلك فوطئها، فلا إثم لنسيانه، ولا حدّ أيضًا لما تقدّم أن الزجر إنما يصلح للذكر، ولكن يلزمه ضمان ما أتلف من البضع بمهر المثل، لأنه حق للآدمي جابر لما أتلفه، ولا يسقط بالنسيان.
القسم الثالث: نسيان الشروط المصححة للعبادة بالترك، أو المفسدة لها بالفعل، وهذا أيضًا على ضربين:
أحدهما: نسيان المأمورات التي وجودها شرط في صحة العبادة، كالوضوء مثلًا،
стр. 8826
فالذي يُسقطه النسيان هنا الإثم، والعقوبة في الإقدام على العبادة من غير شرطها، ويجب عليه إعادة الصلاة تداركًا للمأمور، لأن الغرض من تحصيل مصلحته لم يوجد.
وثانيهما: نسيان المنهيات المنافية، كالكلام في الصلاة، والأكل والأفعال فيها، والأكل في الصوم، وغير ذلك من منافيات العبادات، فلا يبطلها الإتيان بهذه الأشياء على وجه النسيان، لأنه لم يقصد إفسادها، وبالأدلة الدّالّة على مفردات ذلك، لقوله ﷺ : "من نسي، وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتمّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه"، وقوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، على ما تقدّم من تعميم الإضمار المقدّر، وبنائه ﷺ في أحاديث ذي اليدين هذه على صلاته، مع كلامه وأفعاله المنافية على وجه النسيان، هذا إذا لم يكثر ذلك، فإن كثر ففيه خلاف يأتي ذكره فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
أما إذا كان ذلك من قببل الإتلاف، كقتل الصيد في الإحرام، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، فلا تسقط كفّارته، لما تقدمت الإشارة إليه أنها جابرة، والجوابر لا تسقط مع النسيان. ولو صلّى ناسيا لنجاسة لا يعفى عن مثلها في حال الاختيار، ففي بطلان صلاته قولان للعلماء، مأخذهما أن الطهارة عن النجس، هل هي من قبيل المأمورات كالطهارة عن الحدث، أو أن استصحاب النجاسة في الصلاة من قبيل المنهيات؟
والجديد من قولي الشافعي هو القول الأول، والقديم هو الثاني، وهو مذهب مالك ﵀.
فإن قيل: هذا التفصيل يُنافي القول المتقدّم في تعميم الإضمارات المقدّرة في قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان" لإيجاب التدارك في صور كثيرة من نسيان المأمورات، وكذلك إيجاب ضمان المتلفات من الأبضاع والأموال، وكذلك إيجاب الكفّارات، فكلّ هذا ينافي القول بإضمار حكم الخطأ والنسيان، فيتعين إضمار الإثم في الحديث ليعمّ جميع الصور، ولا تختلف.
قلنا: ليس كذلك، فإن الحكم المتعلق بالمأمورات إذا تركت عمدًا هو المؤخذة والعقاب المترتّب عليها، إما حدًا، كقتل تارك الصلاة، أو تعزيرًا كتأديب تارك الصوم ونحوه، وكلّ ذلك ساقط مع النسيان، ولا يترتّب إلا في حال تعمّد الترك، وأما التدارك وإيجاب القضاء، فغير مأخوذ من النسيان، بل من أمر آخر، وهو تدارك المصلحة التي شُرع لها ذلك الفعل، وكذلك ضمان الإتلافات، إما بالغرامات، أو بالمهر، أو بالدية، ونحو ذلك لأمر خارجيّ، لا تعلق له بالنسيان، بل هو من خطاب الوضع، وربط الحكم بالأسباب، بدليل وجوب ذلك في مال الصبي والمجنون الذين هما غير
стр. 8827
مكلفين.
فثبت أن الأحكام المتعلقة بترك الفعل في حال العمدية مرفوعة حالة النسيان. والله سبحانه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة عشرة:
في الكلام على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو يتضمن بحثين:
أحدهما: جواز السهو عليهم في الأفعال الدينية.
والثاني: ما يتعلق بالأقوال، والعصمة فيها.
والمذكور في هذه المسألة هو البحث الأول:
قال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه "الفصل" جـ ٤ ص ٢ - ٣: ذهب جميع أهل الإسلام من أهل السنة، والمعتزلة، والنجارية، والخوارج، والشيعة إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلًا معصيةٌ بعمد، لا صغيرة، ولا كبيرة، وهو قول ابن مجاهد الأشعري شيخ ابن فورك والباقلاّني.
وهذا القول الذي ندين الله تعالى به، ولا يحلّ لأحد أن يدين الله بسواه، ونقول: إنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، ويقع منهم أيضًا قصد الشيء يريدون وجه الله تعالى، والتقرّب منه، فيوافق خلاف مراد الله تعالى، إلا أنه تعالى لا يُقرّهم على شيء من هذين الوجهين أصلًا، بل ينبههم على ذلك، ولا يكثر وقوعه منهم، وُيظهر ذلك لعباده، ويبين لهم، كما فعل نبيه ﷺ في سلامه من اثنتين، وقيامه من اثنتين، وربما عاتبهم على ذلك بالكلام، كما فعل بنبيه ﵇ في أمر زينب أم المؤمنين، وطلاق زيد لها ﵄، وفي قصة ابن أم مكتوم ﵁. انتهى كلام أبي محمد رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى:
اتفق جميع أهل الملل والشرائع على وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن تعمد الكذب فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه، وذلك مما طريقه التبليغ عن الله من دعوى الرسالة، وما يُنَزَّل عليهم من الكتب الإلهية، إذ لو جاز خلاف ذلك لأدَّى إلى إبطال دلالة المعجزة، وهو محال.
وأما السهو والنسيان، فقال سيف الدين الآمديّ: اختلف الناس فيه، فذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وكثير من الأئمة إلى امتناعه.
وذهب القاضي أبو بكر الباقلّاني إلى جوازه، وادعى الإمام فخر الدين الرازي في بعض كتبه الإجماع على امتناعه، ونقل الخلاف فيه في بعضها.
стр. 8828
وحاصل الخلاف: يرجع إلى أن ذلك، هل هو داخل تحت دلالة المعجزة على التصديق؟ فمن جعله غير داخل فيها جوّزه لعدم انتقاض الدلالة.
وفي كلام إمام الحرمين ﵀ أن ذلك فيما يتعلق ببيان الشرائع، سواءٌ كان قولًا أو فعلًا نازلًا منزلة قول في اقتضاء البيان.
وميل كلامه إلى جواز السهو في ذلك، واحتجّ عليه بقصة ذي اليدين.
قال العلائي: وقال شيخنا إمام الأئمة أبو المعالي ابن الزملكاني ﵀: الذي يظهر أن ما طريقه التبليغ فيه ما يُقطع بدخوله تحت دلالة المعجزة على الصدق، فهذا لا نزاع في أنه لا يجوز فيه التحريف، ولا الخيانة، ولا الكذب، ولا السهو، وما لا يكون كذلك، وهو مما طريقه التبليغ والبيان للشرائع، فهل يجوز فيه النسيان؟ هذا محلّ الخلاف.
ويُحمل إطلاق فخر الديق الإجماع في بعض كتبه على القسم الأول، وذكره الخلاف في بعض كتبه على القسم الثاني، فإنه والآمديّ نَقَلا الخلاف مطلقًا، وهو محمول على التفصيل الذي أشار إليه إمام الحرمين.
وقد قال القاضي أبو بكر الباقلّاني في كتابه "الانتصار": المعجزة تدلّ على صدق النبي فيما هو متفكر فيه عامد له، وذهول النفس، وطريان النسيان، وبوادر اللسان لا تدخل تحت الصدق المقصود الذي هو مدلول المعجزة.
قال: وأما من زعم أن في تجويز ذلك القدحَ في الثقة بتبليغ الأنبياء، فهو قول عري عن التحصيل، وإنما يلزم هذا إذا جوّز تقريرهم عليه معنى، وذلك ممتنع.
ثم قال: وأما الحديث المشهور في تحللَّه عن اثنتين، فالنسيان فيه ظاهر، وهو حكمة من الله تعالى لظهور السنة فيه.
وأما القاضي عياض ﵀، فإنه نقل الإجماع على عدم جواز السهو والنسيان في الأقوال البلاغية، كما سيأتي ذكره، وخصّ الخلاف بالأفعال.
وحاصل الخلاف يرجع إلى اندراجها تحت دلالة المعجزة، كما ذكرناه.
قال القاضي عياض: ذهب الأكثرون من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهوًا، وعن غير قصد منه جائز عليه ﷺ كما تقرر من أحاديث السهو في الصلاة، وفرقوا بين ذلك، وبين الأقوال البلاغية بقيام دلالة المعجزة على الصدق في القول، ومخالفةُ ذلك يُناقضها.
وأما السهو في الأفعال فغير مناقض لها، ولا قادح في النبوّة، بل غلطات الفعل، وغفلات القلب من سمات البشر، كما قال ﷺ : "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا
стр. 8829
نسيت، فذكروني"، نعم، بل حالة النسيان والسهو هنا في حقه ﷺ لإفادة علم، وتقرير شرع، وهي زيادة له في التبليغ، وتمام عليه في النعمة، بعيدة عن سمات النقص، وأغراض الطعن، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول، وأرفع للاحتمال.
ثم حكى عن طائفة أنهم قالوا: كان النبي ﷺ يسهو في الصلاة، ولا ينسى، لأن النسيان ذهول وغفلة وآفة، والنبي ﷺ منزّه عنها، والسهو شغلٌ، فكان يسهو في الصلاة، ويَشغله عن حركتها ما في الصلاة شغلًا بها، لا غفلة عنها.
ثم نقل القاضي عياض عن الإمام أبي المظفّر الإسفرايني وغيره أنهم قالوا: لا يجوز عليه ﷺ السهو أصلًا، وحملوا جميع أحاديث السهو على أنه ﷺ تعمّد ذلك ليقع البيان فيه بالفعل.
وهذا قول ضعيف، بل باطل لوجوه:
أحدها: أنه ﷺ صرّح عن نفسه بالنسيان، فقال في حديث ابن مسعود ﵁ المتفق عليه: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكّروني".
وثانيها: أن الأفعال العمدية تبطل الصلاة.
وثالثها: أن صورة الفعل العمدي والنسياني سواء، وإنما يتميز للغير بالإخبار بذلك.
ورابعها: أن البيان كاف بالقول، فلا ضرورة إلى تعمّد الفعل.
فالحاصل أن الراجح الذي ذهب إليه جمهور العلماء جواز السهو والنسيان على الأنبياء صلوات الله عليهم في الأفعال، كما دلت عليه هذه الأحاديث، ولكن شرط ذلك بالاتفاق أن لا يقرّ عليه فيما طريقه البلاغ، لما يؤدي ذلك إليه من فوات المقصود بالتشريع.
نعم اختلفوا في أنه هل يُشترط التنبيه على ذلك متصلًا بالفعل، أو لا يشترط ذلك، بل يجوز التراخي إلى أن تنقطع مدة التبليغ، وهو العمر؟ على قولين، ليس هذا موضع بسطهما.
والجمهور شرطوا أن يتصل التنبيه بالواقعة، وميل إمام الحرمين إلى جواز التأخير، ولا شكّ أن أحاديث السهو كلها قد وقع فيها البيان على الاتصال.
قال القاضي عياض ﵀: وأما ما ليس طريقه البلاغ، ولا بيان الأحكام من أفعاله ﷺ ، وما يختصّ به من أمور دينه، وأذكار قلبه، مما لم يفعله ليُتَّبَعَ فيه، فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه في ذلك، لما كُلَّفَه من مقاسات الخلق، وسياسات الأمة، ولكن يكون ذلك على سبيل الندور، لا على سبيل التكرار.
стр. 8830
ثم حكى عن طائفة أنهم ذهبوا إلى منع السهو والنسيان، والغفلات في هذا أيضًا جملة.
وذكر الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ﵀ أن بعض العلماء خالف القاضي عياضًا في تقسيمه الفعل إلى ما طريقه البلاغ، وما ليس طريقه البلاغ، وقال: إن أقوال الرسول ﷺ وأفعاله، وتقريراته كلها بلاغ، واستنتج بذلك العصمة في الكلِّ، بناءً على أن المعجزة تدلّ على العصمة فيما طريقه البلاغ، وهذه كلها بلاغ، فهذه كلها تتعلق بها العصمة، أعني القول والفعل والتقرير.
قال الشيخ تقي الدين: ولم يُصرّح في ذلك بالفرق بين عمد وسهو، فإن كان يقول: إن العمد والسهو سواءٌ في الأفعال، فهذا الحديث يردّ عليه. والله تعالى أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تلخص مما ذكر أن الراجح هو ما عليه جمهور أهل العلم من جواز السهو والنسيان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال، لوضوح الأدلة وصراحتها في ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة عشرة:
في الكلام على البحث الثاني، وهو ما يتعلق بأقواله ﷺ .
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وأما أقواله ﷺ ، فقامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة على صدقه، وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدًا، وعمدًا، ولا سهوًا وغلطًا.
أما تعمّد الخُلْف في ذلك فمنتف، بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله تعالى: صدقت، اتفاقًا بإطباق أهل الملّة إجماعًا.
وأما وقوعه على جهة الغلط فى ذلك فبهذه السبيل عند الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، ومن قال بقوله، ومن جهة الإجماع فقط، وورود الشرع بانتفاء ذلك، عصمة النبي ﷺ ، لا من مقتضى المعجزة نفسها عند القاضي أبي بكر الباقلّاني، ومن وافقه لاختلاف بينهم في مقتضى دليل المعجزة.
فلنعتمد على ما وقع عليه إجماع المسلمين أنه لا يجوز عليه خلف في القول في إبلاغ الشريعة، والإعلام بما أخبر عن ربه، وما أوحاه إليه من وحيه، لا على وجه العمد، ولا غير وجه العمد، ولا في حال الرضا والسخط، والصحة والمرض.
ثم احتجّ على ذلك بقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: يا رسول الله أكتب كل ما أسمع منك؟ قال: "نعم"، قال: في الرضا والغضب؟ قال: "نعم"، فإني لا
стр. 8831
أقول إلا حقّا (١).
ثم قرّر أن المعجزة دالّة على صدقه ﷺ فيما يدّعيه، ويبلّغه عن الله تعالى، وأنه لا يقول إلا حقّا، وأن المعجزة قائمة مقام قول الله تعالى له: "صدقت"، فلو جوّزنا عليه الغلط والسهو فيما يبلغه عن الله لاختلط الحق بالباطل، وحصل ضد المقصود من البعثة الذي دلّت عليه المعجزة، فتنزيه النبي ﷺ عن ذلك كله واجب شرعًا، وإجماعًا، كما قال الأستاذ.
قال العلائي ﵀: وفي كلام إمام الحرمين ما يشعر بخلاف في ذلك، وهو مؤول على إرادة القسم الثاني الذي ليس طريقه البلاغ، كما سيأتي.
وكذلك قال فخر الدين في "تفسيره": أما ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على عصمتهم فيه عن الكذب والتحريف، لا عمدًا ولا سهوًا، ومن الناس من جوّز ذلك سهوًا.
قال العلائي: وهذا كلام متناقض كما تراه، لأن هذا القائل إن كان ممن يعتدّ بخلافه، فكيف يكون إجماعًا؟، وإن لم يُعتدّ بخلافه، فلا أثر لقوله، وهو محجوج بالإجماع، فالصواب ما قاله القاضي عياض ﵀.
ثم قال القاضي عياض بعد ذلك: أما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الأخبار التي لا مستند لها إلى الأحكام، ولا أخبار المعاد، ولا تضاف إلى وحي، بل في أمور الدنيا، وأحوال نفسه، فالذي يجب اعتقاده تنزيه النبي ﷺ عن أن يقع خبره في شيء من ذلك بخلاف مُخْبَره، لا عمدًا ولا سهوًا، ولا غلطًا، وإنه ﷺ معصوم من ذلك في حال رضاه وغضبه، وجدّه ومزاحه.
ودليل ذلك اتفاق المسلمين، وإجماعهم عليه، وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره في أي باب كانت، وعن أي شيء وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف، ولا تردد في شيء منها، ولا استثبات عن حالة ما، هل وقع فيها سهو، أم لا؟.
وأيضًا فإن أخباره ﷺ ، وآثاره، وسيره، وشمائله معتنى بها، مستقصّى تفاصيلها، ولم يرد أصلًا في شيء منها استدراكه ﵊ لغلط في قول قاله، ولا اعترافه بوهم في شيء أخبر به، ولو كان ذلك لنُقل كما نقل من قصته ﵇ في رجوعه عما كان أشار به في تلقيح النخل، وكان ذلك رأيًا دنيويًا، لا خبرًا، ولا تشريعًا،
стр. 8832
وكذلك قوله ﷺ : "لا أحلف على يمين, فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفّرت عن يميني، وفعلت الذي هو خير".
وأيضًا فإن الكذب متى عُرف من أحد في شيء من الأخبار حصلت الريبة به، واتهم في حديثه، ولم يقع قوله في النفوس موقعًا، ولهذا ما ترك المحدثون الحديث عمن عرف بالوهم والغفلة، وسوء الحفظ، وكثرة الغلط مع ثقته في التعمد.
وأيضًا فإن تعمّد الكذب في أمور الدنيا معصية، والإكثار منه كبيرة بإجماع، مسقط للمروءة، وكلّ هذا مما يُنزّه عنه منصب النبوّة، وأما المرّة الواحدة منه فما كانت شنيعةً يُستبشع صاحبها، وتُخلّ به، فهي كذلك أيضًا، وما لا تقع هذا الموقع, فإن عددناها من الصغائر فهل تجري على حكمها من الخلاف؟ هذا مختلف فيه.
ثم قال رحمه الله تعالى: والصواب تنزيه النبوّة عن قليله وكثيره، سهوه وعمده، إذ عمدة النبوّة الإبلاغ، والإعلام، والتبيين، وتصديق ما جاء به، وتجويز شيء من هذا قادح في ذلك، ومشكك فيه، ومناقض للمعجزة, فلنقطع عن يقين بأنه لا يجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام خلف في القول في وجه من الوجوه، لا بقصد، ولا بغير قصد، ولا نتسامح مع من تسامح في تجويز ذلك عليهم في حال السهو فيما ليس طريقه البلاغ.
هذا كله كلام القاضي عياض. قال العلائي: وهو الصواب الحقّ، إن شاء الله تعالى.
وحينئذ فيشكل على ذلك حديث ذي اليدين هذا، وقوله ﷺ له: "كل ذلك لم يكن" نافيًا لما كان قد وقع، وقد ذكر الأئمة عن هذا أجوبةً كثيرةً.
أحدها: التزام تجويز السهو والنسيان فيما ليس طريقه الإبلاع من الأقوال، وهو القول الذي أشار إليه القاضي عياض وضعفه، فلا تفريع عليه.
ثانيها: أن المراد أن القصر والنسيان لم يكونا معًا، بل كان أحدهما، فيكون النفي للمجموع، لا للأفراد، أو لا يلزم من نفي الكلية نفي كلّ جزء من أجزائها. وهذا حكاه النووي ﵀ عن جماعة من الشافعية، وهو ضعيف لوجهين:
أحدهما: القاعدة المستقرّة عند أرباب المعاني والبيان أن "كلًّا" إذا تقدمت، وخرجت من حيّز النفي، ثم كان بعدها، فإنها تقتضي نفي كلّ فرد فرد، لا نفي المجموع، ويدل عليه جواب ذي اليدين ﵁ بقوله: قد كان بعض ذلك. فدلّ على أن النبي ﷺ نفى كل فرد، لا الكلية.
وثانيهما: أن قوله ﷺ في الرواية: "لم أنس، ولم تقصر" يبطل هذا الوجه، فإنه
стр. 8833
صريح في نفي كلّ منهما، وهو صحيح ثابت كما تقدّم.
ثالثها: أن قوله ﷺ : "لم أنس" راجع إلى السلام، أي سلّمت قصدًا، وسهوت عن العدد، فكأنه نفى السهو فى نفس السلام، لا في غيره. ولا شكّ أن هذا كلام صحيح، وهذا وجه محتمل، ولكنه بعيد من جهة أن مقتضاه أن النبي ﷺ حين قال: هذا مُريدًا لهذا المعنى كان عالمًا بسهوه في العدد، ولو كان كذلك لم يسأل القوم الحاضرين مُستثبتًا منهم، هل سها، أم لا؟.
رابعها: الفرق بين السهو والنسيان، وأن النبي ﷺ كان يسهو، ولا ينسى، ولذلك نفى عن نفسه النسيان، وقد سبقت الإشارة إلى هذا القول، وأن الفرق بين السهو والنسيان من حيث اللغة بعيد.
وحاصل ما يقول هذا القائل أن النسيان عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو عدم الذكر لأمر يتعلق بها، أو نقول: النسيان الإعراض عن تفقد أمور الصلاة حتى يحصل عدم الذكر، والسهو عدم الذكر لا لأجل الإعراض.
وكل من هذين تخصيص للّفظ بلا دليل، ثم إنه يبطل من أصله بما ثبت عنه ﷺ ، أنه قال: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت، فذكّروني".
خامسها: ذكره القاضي عياض، وقال: ويظهر لي أنه أقرب من هذه الوجوه أن قوله ﷺ : "لم أنس" إنكار منه للّفظ الذي نفاه عن نفسه، وأنكره على غيره بقوله: "بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو أُنسي"، فلمّا قال له السائل: أقصرت الصلاةُ أم نسيتَ؟ " أنكر قصرها كما كان، ونسيانه هو من قبل نفسه، وإنه وإن كان جرى شيء من ذلك، فقد نُسّي، حتى سأل غيره، فتحقق أنه نُسّي، فكأنه قال: لم أنس حقيقةً، ولكن الله نَسّانِي لأَسُنَّ.
وأيد هذا القول بما رُوي أنه ﷺ قال: "لستُ أنسى، ولكن أُنَسّى لأسنّ".
فقوله ﷺ هنا: "كلُّ ذلك لم يكن"، أو "لم أنس، ولم تقصر" حقٌّ وصدقٌ، لا خلف فيه أصلًا، فإن الصلاة لم تقصر حقيقة، ولم ينس هو ﷺ حقيقة، ولكنه نسي.
وهذا الوجه أيضًا فيه نظر من وجوه:
أحدها: ما ثبت من قوله ﷺ : "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ، فذكّروني"، فقد أضاف هنا النسيان إلى نفسه.
وثانيهما: أن هذا القول لم يصدر من النبي ﷺ على جهة الزجر والإنكار، بل على جهة النفي لما قال ذو اليدين، ولذلك سأل الصحابة ﵃، واستثبت منهم، ولو كان هذا الكلام منه على جهة الزجر عن إضافة النسيان إليه، أو الإنكار لذلك لم يكن ذلك
стр. 8834
جوابًا لذي اليدين.
وثالثها: أن الذي ذمّه النبي ﷺ في قوله: "بئسما لأحدهم" ونهى عنه هو إضافة نسيان الآية من القرآن إلى نفسه، وليس يلزم من النهي عن إضافة النسيان للآية إلى نفسه النهي عن إضافته إلى كلّ شيء، فإن الآية من كلام الله المعظم، ويقبُحُ بالمرء أن يضيف نسيان كلام الله تعالى إلى نفسه، ولا يلزم من ذلك تعديه إلى غير كلام الله، لأنه لا يلزم من النهي عن الخاصّ النهي عن العامّ مع قيام الفرق بينهما، لأن إضافة نسيان الآية إلى نفسه يُشعر بتهاونه في استذكاره وبحفظه، ولذلك أتبع النبي ﷺ قوله: "بئسما لأحدهم أن يقول: نسيتُ آية كيتَ وكَيتَ، بل هو نُسي" بقوله: "استذكروا القرآن، فو الذي نفسي بيده، لهو أشدُّ تفلُّتًا من صدور الرجال من النَّعَم من عُقُلها".
فلا يلتحق غير القرآن به في كراهة إضافة النسيان إليه.
وسادسها: وهو الأصح الذي اختاره المحققون: أن نفيه ﷺ إنما كان بناءً على ما في اعتقاده وظنه، وهو أنه لم يفعل شيئًا من ذلك، فأخبر بحقّ، إذ خبره موافق لما في نفسه ﷺ ، وكأنّ النطق مقدّر بذلك، وإن كان محذوفًا، لأنه لو صرّح به، وقال: لم تقصر الصلاة، وليس في ظني أني نسيتُ، ثمّ تبين أنه كان في خلافه في نفس الأمر كان إخباره صدقًا، ولم يقتض ذلك أن يكون خلافه في ظنه، فكذلك إذا كان مقدّرًا مُرادًا ليس فيه خُلف ولا كذبٌ.
وهذا أولى الأوجه بالصواب، وأحسنها، وهو خارج على مذهب من يقول: إن مدلول اللفظ الخَبَريّ هو الأمور الذهنية، فإنه وإن لم يُذكر في اللفظ، فهو الثابت في نفس الأمر.
ولهذا ذهب أكثر العلماء إلى عدم تحنيث الجاهل، ومن جملة صوره أن يحلف على شيء يعتقده، فيظهر أنه بخلاف ما حلف عليه، فتلك اليمين لا غية لا حنث فيها، لأنه لم يقصد انتهاك الاسم المعظم بالمخالفة مع القسم به، وهي التي لم يُضفها الله إلى كسب القلب، حيث قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥] (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما أطلت الكلام في هذا الحديث، لكثرة فوائده، وغزارة عوائده، ولقد أحسن من قال، وأجاد فى المقال: [من البسيط]
لَقَدْ أَطَالَ ثَنَائِي طُولُ لَابِسِهِ … إِنَّ الثنَاءَ عَلَى التِّنْبَالِ تِنْبَالُ
والتنبال بالكسر: القصير. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع
стр. 8835
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن سلمة) المرادي الجَمَلي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقي المصري الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] تقدم ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه المشهور [٧] تقدم ٧/ ٧.
٤ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] تقدم ٤٢/ ٤٨.
والباقيان تقدما في السند الماضي.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث الماضي، فلا حاجة إلى إعادتها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ"، فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ. فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (داود بن الحُصين) الأموي مولاهم، أبو سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة،
стр. 8836
ورمي برأي الخوارج [٦].
روى عن أبيه، وعكرمة، وأبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، وغيرهم. وعنه مالك، وابن إسحاق، وإبراهيم بن أبي يحيى، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال علي بن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر. قال: وقال ابن عُيينة: كنا نتقي حديث داود، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ولولا أن مالكًا روى عنه لَتُرك حديثه. وقال أبو داود: أحاديثه عن شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة مناكير. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: صالح الحديث إذا روى عنه ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يذهب مذهب الشُّرَاةُ (١) وكلُّ مَنْ تَرَكَ حديثَهُ على الإطلاق وَهِمَ؛ لأنه لم يكن بداعية. وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة. وقال الساجي: منكر الحديث، يُتّهم برأي الخوارج. وقال العُقَيليّ: قال ابن المديني: مرسل الشعبي أحبّ إلى من داود، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد ابن صالح: هو من أهل الثقة والصدق. وقال الجوزقاني: لا يَحْمَدُ الناس حديثَه، وقال ابن أبي خيثمة: حدثني أبي، ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، وكان ثقة. وعاب غير واحد على مالك الرواية عنه، وتركه الرواية عن سعد بن إبراهيم. وذكره ابن المديني في الطبقة الرابعة من أصحاب نافع. قال ابن نُمَير، وغير واحد: مات سنة (١٣٥). زاد الواقدي: وهو ابن (٧٢) سنة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث.
٣ - (أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد) الأسدي، هو مولى عبد الله بن أبي أحمد بن جحش، وقيل: كان مولى بني عبد الأشهل، وانقطع إلى ابن أبي أحمد، فنسب إليه، ثقة [٣].
قال الدارقطني: اسمه وهب، وقال غيره: اسمه قُزْمان -بضم القاف، وسكون الزاي-.
روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الله، وداود بن الحُصين، وخالد بن رباح.
قال إبراهيم بن أبي حبيب، عن داود بن الحُصين: كان أبو سفيان يؤم بني
стр. 8837
عبد الأشهل، وفيهم ناس من الصحابة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطني: ثقة. وقال ابن عبد البرّ: قيل: اسمه قُزْمان، ولا يصحّ له اسم غير كنية. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا، وحديث رقم (٤٥٤٣).
ومالك، وأبو هريرة تقدما في السند الماضي.
والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث الذي قبله. وبالله التوفيق.
[فائدة]: قوله ﷺ : "كل ذلك لم يكن"، وجواب ذي اليدين ﵁ له بقوله: قد كان بعض ذلك، فيه دليلٌ لقاعدة اتفق عليها أهل "المعاني والبيان"، وهي:
أن النفي إذا تسلط على "كلّ"، أو كانت في حَيّزه تكون "كلّ" حينئذ لنفي الشمول عن المجموع، لا لنفي الحكم عن كلّ فرد فرد.
وإن أخرجت "كل" من حيّز النفي، بأن قدّمت عليه لفظًا، ولم تكن معمولةً للفعل المنفي توجه النفي إلى أصل الفعل، وعمّ كل ما أضيفت إليه "كل"، فكان السلب عن كل فرد فرد.
قال العلائي ﵀: والاحتجاج لهذه القاعدة بهذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أن السؤال بـ"أم" عن أحد الأمرين لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم على وجه الإبهام، فجوابه إما بالتعيين، أو بنفي كل واحد منهما، فلما قال النبي ﷺ : "كل ذلك لم يكن" كان جوابه لنفي كل واحد منهما بالنسبة إلى ظنه ﷺ ، فلو كان تقديم "كلّ" على المنفي إنما يفيد نفي الكلية، لا نفي الحكم عن كل فرد فرد لكان قوله ﷺ : "كل ذلك لم يكن" غير مطابق للسؤال، ولا ريب في بطلانه.
والوجه الثاني: قول ذي اليدين في جواب هذا الكلام. "قد كان بعض ذلك", وهو من العرب الفصحاء، فدل على أن المراد بـ "كل ذلك لم يكن" سلب الحكم عن كلّ فرد فرد، لا عن المجموع، لأن الإيجاب الجزئي يقتضيه السلب الكلي (١). انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٧ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
стр. 8838
صَلَّى صَلَاةَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْن، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَالُوا: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟ (١)، فَقَامَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سليمان بن عُبيد الله) بن عمرو بن جابر الغَيْلانيّ المازني، أبو أيوب البصري، صدوق [١١] تقدم ٣٦/ ٧٢٩.
٢ - (بهز بن أسد) العَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] تقدم ٢٤/ ٢٨.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦.
٤ - (سَعْد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني القاضي، ثقة فاضل عابد [٥] تقدم ١١/ ٥١٨.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) ﵁. تقدم في السند الماضي.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" في هذا السند خطأ في موضعين:
أحدهما: قوله: "سليمان ابن عَبْد الله"، والصواب: "سليمان بن عُبيد الله" بتصغير الاسم الثاني، كما في "الهندية" و"السنن الكبرى".
الثاني: قوله: "سعيد بن إبراهيم"، والصواب: "سَعْد بن إبراهيم"، كما في "الهندية"، و"السنن الكبرى" أيضًا. فليُتنبه. والحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه، والمسائل المتعلقة به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٨ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى يَوْمًا، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَدْرَكَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُقِصَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ، فَقَالَ: "لَمْ تُنْقَصِ الصَّلَاةُ، وَلَمْ أَنْسَ"، قَالَ: بَلَى، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عيسى بن حمّاد) أبو موسى التجيبي المصري الملقّب زُغّبَة، ثقة [١٠] تقدم
стр. 8839
١٣٥/ ٢١١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحافظ الحجة الفقيه المصري [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.
٣ - (يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصري، ثقة فقيه يرسل [٥] تقدم ١٣٤/ ٢٠٧.
٤ - (عمران بن أبي أنس) القُرشي العامري المدني نزيل الإسكندرية، ثقة [٥] تقدم ٨/ ٦٩٧.
والباقيان تقدما في السند الماضي.
وقوله: "ذو الشمالين" اختلف العلماء، هل هو ذو اليدين المتقدّم، أم غيره؟، والأكثرون على أن قوله "ذو الشمالين" وَهَمٌ، والصواب "ذو اليدين".
قال الجامع: عندي أن دعوى الوَهَم في هذا محلّ نظر، لاتفاق كلِّ من الزهري كما يأتي قريبًا، وعمران بن أبي أنس، كما في هذه الرواية، ومعمر، كما رواه عبد الرزاق في "جامعه"، عنه، عن أيوب، عن ابن سيرين، وسفيان بن حسين، عن ابن سيرين، فكلهم قالوا: "ذو الشمالين".
فتغليط هؤلاء الرواة غير صحيح، بل الذي يظهر لي أن ذا اليدين يسمى بذي الشمالين، ويؤيد هذا قول النبي ﷺ في هذا الحديث: "أصدق ذو اليدين"، بعد أن سماه أبو هريرة ذا الشمالين، فدلّ على أنه كان يسمى بالاسمين معا. وقد تقدم البحث في هذا مستوفًى في المسألة الخامسة في الحديث الأول من هذا الباب، فمن أراد الاستفادة فليُراجع هناك. وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "أَنُقصت الصلاة"، وقوله: "لم تنقص الصلاة" يحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، و"الصلاة" مرفوع على الفاعلية، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، و"الصلاة" نائب فاعله.
وذلك لأن "نَقَصَ" يتعدى، ويلزم، قال الفيّومي ﵀: نقَصَ نَقّصًا، من باب قتل، ونُقْصانًا، وانتقص: ذهب منه شيء بعد تمامه، ونقصتُهُ، يتعدّى، ولا يتعدّى، هذه اللغةُ الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدّى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال. نَقَصتُ زيدًا حقهُ، وانتقصتُهُ مثلُهُ. انتهى.
وقوله: "بلى" حرف جواب تأتي بعد نفي، فترفع حكم النفي، وتثبت نقيضه، وهو الإثبات، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت في الجواب: "بلى"، فمعناه إثبات القيام لزيد،
стр. 8840
فالمعنى هنا: إثبات أحد الأمرين، وهو النسيان.
وقوله: "والذي بعثك بالحق" قسم ذُكر تأكيدًا لوقوع النسيان.
والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به، قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٩ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى الْفَرْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ضَمْرَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلَّمَ فِي سَجْدَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هارون بن موسى الفَرْوي) بن أبي علقمة عبد الله بن محمد بن أبي فَرْوة، أبو موسى المدني، مولى آل عثمان، لا بأس به من صغار [١٠].
روى عن أبيه، وجدّه، وأخيه، وأبي ضمرة، وغيرهم. وعنه الترمذي، والنسائي، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال مسلمة: ثقة. وقال الدارقطني: هو وأبوه ثقتان. قال ابن عساكر: مات سنة (٢) ويقال: سنة (٢٥٣). وقال ابن منده: كان مولده سنة (١٧٤).
انفرد به الترمذي، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٢٢٩) وحديث رقم (٣٨٣٨).
[تنبيه]: "الْفَرْوي" -بفتح الفاء، وسكون الراء المهملة-: نسبة إلى جده.
٢ - (أبو ضمرة) أنس بن عياض بن ضمرة، ويقال: أنس بن عياض بن جُعْدُبَة، ويقال: أنس بن عياض بن عبد الرحمن الليثي، المدني، ثقة [٨].
روى عن شريك بن أبي نمر، وأبي حازم، وربيعة، وهشام بن عروة، ويونس بن يزيد، وغيرهم. وعنه ابن وهب، وبقية بن الوليد، وابن جريج، وهارون بن موسى الفَرْويّ.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الخطإ. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة. وقال إسحاق ابن منصور عنه: صويلح. وقال أبو زرعة، والنسائي: لا بأس به. وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أحدًا ممن لقينا أحسن منه خلقًا، ولا أسمح بعلمه منه، ولقد قال لنا مرّة: والله لو تهيّأ لي أن أحدثكم بكلّ ما عندي في مجلس واحد لحدثتكموه.
стр. 8841
وحكى ابن شاهين في "الثقات" من طريق يوسف بن عديّ، ثنا إسماعيل بن رشيد، قال: كنا عند مالك في المسجد، فأقبل أبو ضمرة، فأقبل مالك يُثني عليه, ويقول فيه الخيرَ، وإنه، وإنه، وقد سمع، وكتب، وقال الآجري عن أبي داود، عن أحمد بن صالح، قال: ذُكر أبو ضمرة عند مالك، فقال: لم أر عند المحدثين غيره، ولكنه أحمق يدفع كتبه إلى هؤلاء العراقيين. قال أبو داود: وحدثنا محمود، ثنا مروان، وذكر أبا ضمرة، فقال: كانت فيه غفلة الشاميين، ووثقه، ولكنه كان يعرض كتبه على الناس.
قال أبو داود: وسمعت الأشجّ يقول: سمعت أبا ضمرة وقيل له شيء؟ فقال: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، كلّ شيء في هذا البيت عَرْض، يعني أحاديثه. وقال ابن حبّان في "الثقات": من زعم أنه أخو يزيد بن عياض بن جُعْدُبة، فقد وهم، نعم هما جميعًا من بني ليث من أهل المدينة.
قال دُحَيم: سمعته يقول: ولدت سنة (١٠٤) وقال البخاري عن عبد الرحمن بن شيبة. مات سنة (٢٠٠) وقال ابن منجويه: سنة (١٨٠) والصحيح الأول. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث (١).
٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩.
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١.
والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث يعلم مما تقدم. وهو حديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، أَوِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَانْصَرَفَ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ بْنُ عَمْرٍو: أَنُقِصَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَتَمَّ بِهِمُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نَقَصَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة عابد [١١] تقدم ٩٢/ ١١٤.
٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام الصنعاني، ثقة حافظ، تغير في الآخر، وكان يتشيع [٩] تقدم ٦١/ ٧٧.
стр. 8842
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الصنعاني، ئقة ئبت فاضل [٧] تقدم ١٠/ ١٠.
٤ - (أبو بكر بن سُليمان بن أَبِي حَثْمَة) واسم أبي حثمة عبد الله بن حُذَيفة، وقيل: عديّ بن كعب بن حذيفة بن تمام بن عبد الله بن عُبيد بن عُوَيج بن عديّ بن كعب العدويّ المدني، ثقة عارف بالنسب [٤].
روى عن أبيه، وجدّته الشفاء، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه الزهري، وابن المنكدر، وصالح بن كيسان، وغيرهم.
قال الزهري: كان من علماء قريش، وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث (١٢٣٠) وحديث (١٢٣٢). والباقون تقدّموا قريبًا.
وقد تقدّم الكلام في قول الزهري: "ذو الشمالين بن عمرو"، وأن أكثر الحُفّاظ على أنه أخطأ في ذلك، وقال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: لم يتابع الزهري في ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: في قوله: "لم يتابع" نظر لا يخفى، فقد تابعه عمران بن أبي أنس، كما تقدم للمصنف قبل حديث، وتابعه أيضا أيوب، كما تقدم عن "جامع عبد الرّزّاق". والله تعالى أعلم.
وقوله: "أنقصت" يحتمل كونه بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول، كما تقدم قبل حديث. وأما قوله: "نقص" في الأخير فهو بالبناء للفاعل، وهو متعدّ، وفاعله ضمير النبي ﷺ ، ومفعوله محذوف لكونه فضلة، كما قال في "الخلاصة":
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوابًا أَوْ حُصِرْ
أي نقصهما.
والحديث صحيح، وقد مضى شرحه، والمسائل المتعلقة به قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٣١ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: (١) حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ نَحْوَهُ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي هَذَا الْخَبَرَ (٢) سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
стр. 8843
وَأَخْبَرَنِيهِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو داود) سليمان بن سيف الحرّاني، ثقة حافظ [١١] تقدم ١٠٣/ ١٣٦.
٢ - (يعقوب) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري، أبو يوسف المدني نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] تقدم ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، نزيل بغداد، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٩٦/ ٣١٤.
٤ - (صالح) بن كَيْسَان، أبو محمد المدني، ثقة ثبت فقيه [٤] تقدم ١٩٦/ ٣١٤.
والباقيان تقدّما في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فحرّاني. ومنها: ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح، وابن شهاب، وأبو بكر بن سليمان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن شهاب) الزهري (أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حَثْمَةَ أخبره) أي أخبر الزهري (أنه بلغه) أي بلغ أبا بكر، وقوله (أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين) في تأويل المصدر فاعل "بلغ"، أي بلغه صلاةُ رسول الله ﷺ ركعتين من الصلاة غير الثنائية.
(فقال له ذو الشمالين نحوه) أي ذكر للنبي ﷺ نحو ما تقدم في رواية معمر عن الزهري.
ولفظه -كما في "السنن الكبرى" للبيهقي جـ ٢ ص ٣٥٩ من طريق أبي صالح، عن ابن شهاب: "أن رسول الله ﷺ صلى الركعتين، ثم سلم، فقال ذو الشمالين بن عبد: يا رسول الله، أقصرت الصلاة، أم نسيتَ؟، فقال رسول الله ﷺ : "لم تقصر الصلاة، ولم أَنْسَ"، فقال ذو الشمالين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله ﷺ على القوم، فقال: "أصدق ذو الشمالين؟ "، فقالوا نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فأتمّ ما بقي من الصلاة، ولم يسجد السجدتين اللتين تُسجَدان إذا شكّ الرجل في صلاته حين لقّاه الناس. انتهى.
وهذه الرواية مرسلة، وكذا رواه مالك في "الموطإ" عن ابن شهاب مرسلًا مثلَ رواية
стр. 8844
صالح بن كيسان هذه، وكذا رواه شعيب بن أبي حمزة، عن ابن شهاب مرسلا أيضًا. أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" جـ ٢ ص ١٢٦.
(قال ابن شهاب) الزهري (أخبرني هذا الخبر) وفي نسخة "هذا الحديث" (سعيد بن المسيب) القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩ (عن أبي هريرة) ﵁، أي موصولًا بذكر أبي هريرة ﵁.
(قال) أي ابن شهاب (وأخبرنيه) عطف على "أخبرني" السابق (أبو سلمة بن عبد الرحمن) المتقدّم (وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث) بن هشام المخزومي المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، ثقة فقيه عابد [٣] تقدّم ٥١/ ٩٦٣ (وعبيد الله بن عبد الله) بن عُتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه من [٣] تقدم ٤٥/ ٥٦.
والمعنى أن كلًّا من أبي سلمة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله أخبره عن أبي هريرة ﵁، فيكون الحديث متصلًا، كرواية سعيد بن المسيب.
ولفظ البيهقي ﵀: "قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ مثله".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا بيان الاختلاف على الزهري في هذا الحديث وصلًا وإرسالًا.
قال الإمام أبو بكر البيهقي ﵀ جـ ٢ ص ٣٥٨ - بعد ذكر طريق صالح بن كيسان المذكورة: ما نصه: وهذا حديث مختلف فيه على الزهري، فرواه صالح بن كيسان هكذا، وهو أصح الروايات فيما نُرى حديثه عن ابن أبي حَثْمَة، مرسل، وحديثه عن الباقين موصول، وأرسله مالك بن أنس عنه، عن ابن أبي حثمة، وابن المسيب، وأبي سلمة، وأسنده يونس بن يزيد عنه، عن جماعتهم، دون روايته عن ابن أبي حَثْمَة، وأسنده معمر عنه، عن أبي سلمة، وأبي بكر بن أبي سليمان بن أبي حَثْمَة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية معمر تقدمت قبل حديث، رواها المصنف عن محمد بن رافع، عن عبد الرزّاق، عنه.
وقال الحافظ أبو بكر ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" جـ ٢ ص ١٢٧: سمعت محمد ابن يحيى يقول: وهذه الأسانيد عندنا محفوظة عن أبي هريرة، إلا حديث أبي بكر بن سليمان بن حثمة، فإنه يتخالج في النفس منه أن يكون مرسلًا، لرواية مالك، وشعيب، وصالح بن كيسان، وقد عارضهم معمر، فذكر في الحديث أبا هريرة. والله أعلم. انتهى.
стр. 8845
والحاصل أن الراجح في رواية الزهري عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة كونها مرسلة، ليس فيها ذكر أبي هريرة، وروايته عن كل من سعيد بن المسيب، وأبي سلمة ابن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة موصولة بذكر أبي هريرة ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنّي القدير، محمد ابن الشيخ علي بن آدم بن موسى الإِتْيُوبي الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا الله تعالى عنه وعن والديه ومشايخه آمين:
قد انتهيت من كتابة الجزء الرابع عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائي رحمه الله تعالى، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتبى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، فى مكة المكرمة زادها الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعظِمْ به تكريمًا.
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللَّهمَّ صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللَّهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة الله، وبركاته".
ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء الخامس عشر مفتتحًا بالباب ٢٣ "ذكرُ الاختلاف على أبي هريرة ﵁ في السجدتين" الحديث رقم ١٢٣٢.
"سبحانك اللَّهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
стр. 8846
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد بن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجزء الخامس عشر
دار آل بروم للنشر والتوزيع
стр. 8847
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 8848
شرح سنن النسائي
стр. 8849
جميع الحقوق محفوظة الطعبة الأولى
١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م
دار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 8850
٢٣ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَة فِي السَّجْدَتَيْنِ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالة على اختلاف الرواة على أبي هريرة ﵁ في إثبات سجدتي السهو، ونفيهما في قصّة ذي اليدين رضي الله تعالى عنه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه:
(اعلم): أن إثبات السجدتين في حديث أبي هريرة في قصّة ذي اليدين ﵄ هو الذي عليه جمهور الرّواة عنه، وأما نفيهما ففي رواية الزهري.
ثم إن الزهريّ رحمه الله تعالى اختلفوا عليه، فمنهم من روى عنه النفيَ بالجزم، كما في رواية الأوزاعيّ عنه، فقال في آخر الحديث. "ولم يسجد سجدتي السهو حين يقّنه الناس"، رواه ابن خزيمة في "صحيحه" جـ ٢ ص ١٢٤.
ومنهم من روَى عنه نفي العلم، كما في رواية يونس بن يزيد عنه، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، كلهم عن أبي هريرة ﵁ بحديث ذي اليدين، وسماه ذا الشمالين، وفي آخره: "قال الزهري: ولم يحدثني أحد منهم أن رسول الله ﷺ سجد سجدتين، وهو جالس في تلك الصلاة، وذلك فيما نُرى -والله أعلم - من أجل أن الناس يقّنوا رسول الله ﷺ حتى استيقن. رواه ابن خزيمة أيضًا جـ ٢ ص ٥٢.
قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى في كتاب "التمييز" له: قول ابن شهاب: إن رسول الله ﷺ ما سجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو خطأ وغلط، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه سجد سجدتي السهو ذلك اليوم من أحاديث الثقات، كابن سيرين وغيره. انتهى.
وقال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث ابن شهاب في قصّة ذي اليدين، وكلهم تركوه لاضطرابه فيه، وأنه لم يُقمه إسنادًا ولا متنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه أحد، والكمال ليس لمخلوق. انتهى.
وقال الحافظ أبو بكر بن خُزيمة رحمه الله تعالى: إن قوله: "ولم يسجد سجدتي السهو حين يقّنه الناس" مدرج من كلام الزهري رحمه الله تعالى.
وعبارته في "صحيحه" جـ ٢ ص ١٢٣ - ١٢٨: [باب ذكر خبر رُوي في قصة ذي اليدين، أُدرجَ لفظة الزهري في متن الحديث، فتوهّم من لم يتبحّر في العلم، ولم يكتب
стр. 8851
من الحديث إلا نُتَفًا أن أبا هريرة قال تلك اللفظة التي قالها الزهري في آخر الخبر، وتوهم أيضًا أن هذا الخبر الذي زاد فيه الزهري هذه اللفظة خلاف الأخبار الثابتة أن النبي ﷺ سجد يوم ذي اليدين بعد ما أتمّ صلاته].
ثم أخرج بسنده روايات الزهري، ثم قال بعد ما ذكر أن قوله: "ولم يسجد الخ" من كلام الزهري، لا من كلام أبي هريرة ﵁: ما نصه:
(واعلم): أن الزهري إنما قال: "ولم يسجد النبي ﷺ يومئذ" أنه لم يحدّثه أحد منهم أن النبي ﷺ سجد يومئذ، لا أنهم حدّثوه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ لم يسجد يومئذ، وقد تواترت الأخبار عن أبي هريرة من الطرق التي لا يدفعها عالم بالأخبار أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو يوم ذي اليدين. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعد ذكر اختلاف الرواة على الزهري، وأنّ غير واحد من الأئمة أنكروا على الزهري، وأن مسلم بن الحجّاج عدّه في كتاب "التمييز" له من أوهام الزهري: ما نصه:
قلت: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن الزهري روى هذا الحديث عن سعيد، وأبي سلمة، وغيرهما من غير ذكر سجود السهو بنفي، ولا إثبات، وأن الزهريّ أَتْبَعَ ذلك بقول من عنده: "لم يسجد النبي ﷺ يومئذ للسهو"، فهذا مما أرسله الزهري، وأدرجه في الحديث، فمن اقتصر على هذا القدر من حديث الزهري، ووصله، فقد وَهم، لأنه أسند المدرج بانفراده، وقد ذكر الزهري أنه لم يُجز السجودَ أحدٌ من أهل العلم بالمدينة، فكان ينفي السجود لهذا، وهذا بمجرده لا يبطل رواية الحفاظ الأثبات للسجود.
وقد رُوي عن الزهريّ أنه حمل ترك السجود للسهو في هذه القصّة على أحد وجهين:
أحدهما: أنه قال: كان هذا قبل أن يُشرع سجودُ السهو، فرَوَى عنه مَعْمَر أنه قال: كان هذا قبل بدر، ثم استُحكمت الأمور.
والثاني: أنه كان يرى أنه لم يسجد يومئذ للسهو، لأن الناس يقّنوا النبي ﷺ حتى استيقن، وكلا الوجهين ضعيف.
أما الأول: فلأن أبا هريرة شهد هذه القصّة، وكان إسلامه بعد بدر بكثير.
وأما الثاني: فمضمونه أنه إنما يُسجد للسهو إذا استدام الشكّ، فإما إذا تيقّن الأمر، وعَمل عليه، فإنه لا يسجد، وإن كان قد زاد في الصلاة، وهذا مذهب غريب.
وقد روي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ سجد للسهو في هذه القصة من وجوه أُخَر، ثم
стр. 8852
ذكر ابن رجب ﵀ تلك الوجوه، وقد تقدم بيانها، فلا حاجة إلى إعادتها، ثم قال: ورَوَى السجود أيضًا في هذه القصّة (١) عمرانُ بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ ، فذكره، وهو الحديث الآتي للمصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب برقم -١٢٣٦ و ١٢٣٧ - انتهى كلام ابن رجب ﵀ ملخصًا (٢).
وقال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى بعد ذكر ما تقدّم عن الإمام مسلم، وابن عبد البرّ رحمهما الله تعالى: ما نصه:
قلت: وعلى تقدير قبول هذا الحديث من الزهريّ، والحُكم بتصحيحه، فإما أن نعتبر روايته التي نفى فيها عدم العلم بوقوع سجود السهو من النبي ﷺ يوم ذي اليدين، أو نعتبر الرواية التي جزم فيها بعدمه.
فعلى التقدير الأول لا تعارض بينه وبين بقيّة الروايات، لأنه لم ينف ما أثبتوه، بل ذكر أنّ أحدًا من شيوخه لم يرو له، فلا يردّ مثل هذا على من حفظ ذلك، ورواه إجماعًا.
وأما على التقدير الثاني: فهو يتخرّج على تعارض المثبت والنافي، وجمهور العلماء على ترجيح المثبت على النافي، لما عنده من زيادة العلم، ونُسب الخلافُ في ذلك إلى القاضي عبد الجبار من المعتزلة وغيره، فقالوا: هما متعارضان، وهو ضعيف، لما ذكرنا من أن المثبت معه زيادة علم، وقد حفظها، وقصر النافي عنها. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى.
وقد تقدم نقل كلامه هذا مطوّلًا، وبالله تعالى التوفيق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما ذُكر عن الأئمة الحفاظ أن قوله: "ولم يسجد رسول الله ﷺ يومئذ قبل السلام، ولا بعده" من كلام الزهري، أدرجه بعض الرواة في الحديث، وتصرفوا فيه بالاقتصار، ويكون المراد منه نفي علمه به، لا النفي المطلق، فلا يعارض ما رواه الثقات الحُفّاظ الآخرون من إثبات سجوده ﷺ للسهو يومئذ.
وعلى تقدير صحة كونه من الحديث، فإنه من وَهَم الزهري، فلا يعارض ما حفظه الآخرون. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٣٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ (٣)، قَالَ:
стр. 8853
حَدَّثَنَا (١) اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَسْجُدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (محمد بن عبد الله بن عبد الحكم) المصري الفقيه، ثقة [١١] تقدم ١٢٠/ ١٦٦.
٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد المصري، ثقة نبيل فقيه، من كبار [١٠] تقدم ١٢٠/ ١٦٦.
٣ - (عُقَيل) بن خالد الأيلي، ثقة ثبت [٦] تقدم ١٢٥/ ١٨٧.
والباقون كلهم تقدموا في الباب الماضي، والحديث ضعيف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٣٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن سوّاد بن الأسود بن عمرو) العامري، أبو محمد المصري، ثقة [١١] تقدم ٤٥/ ٥٩٤.
٢ - (عبد الله بن وهب) أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٦٣/ ٧٩.
٣ - (جعفر بن ربيعة) الكندي المصري، ثقة [٥] تقدم ١٢٢/ ١٧٣.
٤ - (عرَاك بن مالك) الغفاري الكناني المدني، ثقة فاضل [٣] تقدم ١٣٤/ ٢٠٧.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بثقات المصريين إلى جعفر، والباقيان مدنيان. وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يزيد، عن جعفر، عن عراك. والله تعالى أعلم.
стр. 8854
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله ﷺ سجد يوم ذي اليدين) أي يوم تذكير ذي اليدين له ﷺ كونه سها في صلاته، حيث سلم من ركتعين، فإضافة "يوم" إلى "ذي اليدين" لاختصاصه بالتذكير المذكور (سجدتين بعد السلام) هذا محل الاختلاف، فإن فيه إثبات أبي هريرة ﵁ لسجود النبي ﷺ الذي ثبت نفيه له في الحديث الأول الذي رواه ابن شهاب عن سعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمَة، كلهم عن أبي هريرة ﵁.
وهذه الرواية التي فيها الإثبات هي الراجحة عن أبي هريرة ﵁، كما سبق تقريره أوّل الباب، فالحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٣٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا قريبًا، إلا اثنين:
١ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب، أبو أيوب المصري، ثقة فقيه حافظ [٧] تقدم ٦٣/ ٧٩.
٢ - (قتادة) بن دعامة السَّدُوسي، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت مدلس، من رؤوس [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤.
وقوله: "بمثله"، أي بمثل حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب. وقد تقدم بيان الفرق بين "مثله" و"نحوه" غيرّ مرة، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٣٥ - (أَخْبَرَنَا (١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ (٢)، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) شُعْبَةُ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي (٤) ابْنُ عَوْنٍ، وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ
стр. 8855
أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي وَهْمِهِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ (١)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عُثمان بن سعيد بن كثير بن دينار)، أبو حفص الحمصي، صدوق [١٠] تقدم ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (بَقيّة) بن الوليد الكلاعي، أبو يُحمد الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [٨] تقدم ٤٥/ ٥٩٢.
٣ - (خالد الحَذّاء) هو ابن مهران، أبو المنازل البصري، ثقة يرسل [٥] تقدم ٧/ ٦٣٤.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: "في وهمه": -بفتح، فسكون- أي في سهوه. قال المجد اللغوي ﵀:
"الوَهْمُ": من خَطَرَات القلب، أو مرجوح طرفي المُتَرَدَّد فيه، جمعه أَوْهام، وَوُهُومٌ، ووُهُمٌ، ووَهِمَ في الحساب، كوَجِلَ: غَلِط، ووَهَمَ في الشيء، كوعَدَ: ذهب وَهْمُهُ إليه، وأوهَمَ كذا من الحساب: أسقط، أو وَهَمَ كوَعَدَ، ووَرِثَ، وأوهم: بمعنى. انتهى "ق".
وقال الفيّومي رحمه الله تعالى: وَهَمْتُ إلى الشيء وَهْمًا، من باب وَعَدَ: سَبَق القلبُ إليه مع إرادة غيره، ووَهَمْتُ وَهْمًا: وقَعَ في خَلَدي، والجمعُ أوهام، وشيءٌ موهومٌ، وتوهّمتُ: أي ظننتُ، ووهِمَ في الحساب يَوْهَمُ وَهَمًا، مثلُ غَلِط يَغْلَطُ غَلَطًا وزنًا ومعنىً، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، وقد يُستَعمَلُ المهموز لازمًا، وأوهم من الحساب مائةً، مثلُ أسقط وزنًا ومعنىً، وأوهم من صلاته ركعةً: تركها. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، ولا يضر فيه وجود بقية في سنده، لكونه في المتابعة، ولأنه صرح بالتحديث فيه, وفي شيخه، فخفّ أمره. والله تعالى أعلم.
وفيه إثبات سجود النبي ﷺ ، حيث سها في صلاته، وهو مختصر من حديث أبي هريرة ﵁ في قصّة ذي اليدين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ (٢)، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ،
стр. 8856
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ، فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ (١)، ثُمَّ سَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري) الذهلي، ثقة حافظ إمام [١١] تقدم ١٩٦/ ٣١٤.
٢ - (محمد بن عبد الله الأنصاري) هو محمد بن عبد الله بن المُثنّى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاريّ، أبو عبد الله البصري القاضي، ثقة [٩].
روى عن أبيه، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وأشعث بن عبد الملك، وغيرهم. وعنه البخاري، وابن المديني، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن يحيى الذهلي، وغيرهم.
قال الأحوص بن المفضّل بن غَسّان الغَلّابي عن ابن معين: ثقة وقال أبو حاتم: صدوق، وقال مرّةً: لم أرَ من الأئمة إلا ثلاثةً: أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ. وقال أبو داود: تغيّر تغيّرًا شديدًا. وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال زكريّا الساجيّ. رجل جليل عالم، لم يكن عندهم من فُرسان الحديث مثل يحيى القطان، ونظرائه، غلب عليه الرأي، قال: وحُدّثت عن ابن معين قال: كان محمد بن عبد الله الأنصاري يليق به القضاء، فقيل له: يا أبا زكريّا فالحديث؟ قال:
لَلْحَرْبِ أَقْوَامٌ لَهَا خُلِقُوا … وَلِلدَّوَاوِينِ كُتَّابٌ وَحُسَّابُ
وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: وقال أبو خَيثمة: أنكر معاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد حديثَ الأنصاريّ عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس ﵄: "احتجم النبي ﷺ وهو محرم صائم".
وقال الأثرم عن أحمد: ما كان يَضَعُ الأنصاريَّ عند أصحاب الحديث إلا النظرُ في الرأي، وأما السماعُ فقد سمع، قال: وقد سمعت أبا عبد الله ذَكَرَ الحديثَ الذي رواه الأنصاري عن حبيب بن الشهيد، فضعّفه، وقال. كانت ذهبت للأنصاريّ كُتُب، فكان بعدُ يحدّث من كتب غلامه أبي حكيم أُراه قال: فكأن هذا من ذلك. وقال يعقوب بن سفيان: سئل علي بن المديني عن حديث الأنصاريّ عن حبيب بن الشهيد؟ قال: ليس من ذلك شيء، إنما أراد حديث حبيب، عن ميمون، عن يزيد بن الأصمّ: "تزوج النبي ﷺ ميمونة محرمًا".
стр. 8857
قال الخطيب: كان الأنصاري قد جالس في الفقه سوّار بن عبد الله، وعبد الله بن الحسن العنبريّ، وعُثمان البَتِّيَّ، وولي قضاء البصرة أيام الرشيد بعد معاذ بن معاذ، ومات بالبصرة. قال يعقوب بن سفيان: مات الأنصاري سنة (٢١٤)، قال: وسمعته سنة (٢١٢) يقول: أشرفت على أربع وتسعين سنةً. قال الخطيب: وَهمَ يعقوب في تاريخ وفاته، ثم روى بإسناده عن أبي موسى محمد بن المثنى، قال: مات سنة (٢١٥)، وفيها أرّخه إسماعيل بن إسحاق القاضي، وزاد ابن سعد: لم يزل الأنصاري بالبصرة يُحدّث إلى أن مات بها في رجب سنة (٢١٥)، قال: وكان صدوقًا، وأرخه عمرو بن علي سنة (٢١٨). وقال معاذ: ما رأيته عند الأشعث قطّ، وذكر عمر بن شَبّة في أخبار البصرة أنه ذُكر للقضاء أيام المهديّ سنة (١٦٦)، فقال عثمان بن الربيع الثقفي للفضل بن الربيع: إنه فتيه، وعفيف، ولكنه يأتمّ بقول أبي حنيفة، ولنا في مصرنا أحكام تخالفه، فلا يصلحنا إلا من أجاز أحكامنا، فتركوا ولايته إذ ذاك. وقال الساجي: سمعت محمد بن المثنّى يقول: سمعت الأنصاري يقول: من زعم من أصحاب أشعث ممن كان يلزمه أنه لا يراني إلى جنجه فهو من الكذابين، كأنه يعرّض بمعاذ بن معاذ، وعلى هذا فقد تعارضا، فتساقطا، قال: وسمعت بشر بن آدم ابن بنت أزهر يقول: سمعت الأنصاري يقول: قد وليت القضاء مرتين، والله ما حكمت بالرأي، ولقد بعتُ مدبّرًا، قال: وسمعت محمد بن عبد الله الزياديّ يقول: سألت الأنصاري عن شيء قضى به علينا معاذ بن معاذ، فأفتاني بخلافه، فلمّا ولي القضاء قضى في تلك المسألة بما قضى به معاذ، فسألته؟ فقال: كنت أنظر في كتب أبي حنيفة، فإذا جاء دخول الجنة والنار لم نجد القول إلا ما قال معاذ: أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث.
٣ - (أشعث) بن عبد الملك الْحُمْراني، أبو هانىء البصري، ثقة فقيه [٦] تقدم ٩٧/ ١٠٤٠.
٤ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال، قيل: فيه نصب يسير [٣] تقدم ١٠٣/ ٣٢٢.
٥ - (أبو المهلّب) الْجَرْميّ البصري، عم أبي قلابة، اسمه معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معاوية، ثقة [٢].
روى عن عمر، وعثمان، وأُبَيّ بن كعب، وعمران بن حصين، وأبي مسعود الأنصاري، وتميم الداريّ، وأبي موسى الأشعريّ، وسمرة بن جندب. وعنه ابن أخيه
стр. 8858
أبو قلابة، ومحمد بن سيرين، وسعيد الْجُرَيريّ، وعوف الأعرابي.
قال العجلي: بصري تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة: كان ثقةً قليل الحديث. وذكر ابن عبد البرّ الخلاف في اسمه، ثم قال: معاوية بن عمرو أصحّ، وقال ابن حبّان في "صحيحه": اسمه عمرو بن معاوية بن زيد. انتهى.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٦ - (عمران بن حُصين) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعيّ، أبو نُجَيد البصري، صحابي أسلم عام خيبر، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، ومات بالبصرة سنة (٥٢)، تقدم ٢٠١/ ٣٢١.
والباقيان تقدّما في السند السابق، وشرح الحديث يأتي في الذي بعده، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٣٧ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْخِرْبَاقُ، فَقَالَ -يَعْنِي-: نَقَصَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، فَخَرَجَ مُغْضَبًا، يَجُرُّ رِدَاءَهُ، فَقَالَ: "أَصَدَقَ"، قَالُوا: نَعَمْ، فَقَامَ، فَصَلَّى تِلْكَ الرَّكْعَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْهَا، ثُمَّ سَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدّموا قريبًا (١)، إلا واحدًا، وهو:
١ - (أبو الأشعث) أحمد بن المقدام العجلي البصري، صدوق طَعَنَ أبو داود في مروءته [١٠] تقدم ١٣٨/ ٢١٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بثقات البصريين. وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: خالد، وأبو قلابة، وأبو المهلب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عمران بن حُصين) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: سلّم رسول الله ﷺ في
стр. 8859
ثلاث ركعات من العصر) أي في آخر ثلاث ركعات من صلاة العصر. وفي رواية البيهقي من طريق هُشَيم، قال: أنبأنا خالد، عن أبي قلابة، ثنا أبو المُهلّب، عن عمران ابن حُصين: "أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، أو العصر ثلاث ركعات". . . الحديث، فرواه بالشكّ بين الظهر والعصر.
(فدخل منزله) وفي لفظ لمسلم: "فدخل الْحُجْرة" (فقام إليه رجل يقال له: الخرباق) -بكسر المعجمة، وسكون الراء- زاد في رواية مسلم من طريق ابن علية، عن خالد الحذّاء: "وكان في يديه طول"، وفي رواية له من طريق عبد الوهّاب الثقفي، عن خالد: "فقام رجل بسيط اليدين".
(فقال -يعنى-) العناية من بعض الرواة، ولم يتبين لي من هو؟، وإنما أتى بها لشكّه في اللفظ الذي سأل به الخرباقُ، أهو "نقصت الصلاة"، أم "قصرت الصلاة"، أو نحو ذلك (نقصت الصلاة يا رسول الله) تقدم ضبط "نقصت" بالبناء للفاعل، أو المفعول، و"الصلاة" فاعل على الأول، ونائب فاعل على الثاني. وفي الرواية الآتية -٧٦/ ١٣٣١ - من طريق حماد بن زيد، عن خالد الحذاء: "فقال له الخرباق: إنك صليت ثلاثًا" (فخرج مُغْضَبًا) بصيغة اسم المفعول (يَجُرّ رداءه) لكونه لم يتمهّل حتى يتمكن من لبسه (فقال) للقوم (أصدق؟) ولمسلم: "أصدق هذا؟ " (قالوا: نعم) أى صدق فيما قاله (فقام، فصلى تلك الركعة) ولمسلم: "فصلى الركعة التي كان ترك" (ثم سلم، ثم سجد سجدتيها) المراد سجدتا السهو الذي حصل في تلك الصلاة، فإضافة السجدتين إلى ضمير الصلاة لحصولهما فيها جبرًا لها. وفي رواية حماد بن زيد الآتية: "ثم سجد سجدتي السهو" (ثم سلّم) أي تسليم التحلّل من الصلاة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر تصرف المصنف رحمه الله تعالى يدلّ على أنه يرى اتحاد حديث أبي هريرة، وحديث عمران ﵄، حيث أورد حديث عمران ﵁ بعد حديث أبي هريرة الذي فيه إثبات سجدتي السهو في قصة ذي اليدين، ترجيحًا له على رواية الزهري التي فيها نفي السجدتين في تلك القصة، فرجح المصنف بكون القصة مروية من غير رواية أبي هريرة ﵁، وهي رواية عمران رضي الله تعالى عنه هذه، لكونهما في واقعة واحدة، وهذا هو الذي مال إليه الحافظ في "الفتح".
ولكن الذي يترجح عندي حمل الحديثين على واقعتين، وهذا هو الذي رجحه ابن خزيمة ﵀، ونصه في "صحيحه" جـ ٢ ص ١٢٨ - ١٢٩:
أنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبي وشُعيب، قالا: أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن سُويد بن قيس أخبره، عن معاوية بن حُدَيج: أن رسول الله ﷺ -
стр. 8860
صلى يومًا، فسلّم، وانصرف، وقد بقي من الصلاة ركعة.
نا بُندار، نا وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدّث، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن سُويد بن قيس، عن معاوية بن حُدَيج، قال: صليت مع رسول الله ﷺ (١)، فسها، فسلّم في ركعتين، ثم انصرف، فقال له رجل: يا رسول الله إنك سهوت، فسلّمت في ركعتين، فأمر بلالًا، فأقام الصلاة، ثم أتمّ تلك الركعة، وسألت الناس عن الرجل (٢) الذي قال: يا رسول الله إنك سهوت، فقيل لي: تعرفه؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي رجل، فقلت: هذا هو، قالوا: طلحة بن عُبيد الله. هذا حديث بُندار.
قال أبو بكر: هذه القصّة غير قصّة ذي اليدين، لأن المعلّم للنبي ﷺ أنه سها في هذه القصّة طلحة بن عبيد الله، ومخبر النبي ﷺ في تلك القصّة ذو اليدين، والسهو من النبي ﷺ في قصّة ذي اليدين إنما كان في الظهر أو العصر، وفي هذه القصّة إنما كان السهو في المغرب، لا في الظهر، ولا في العصر.
وقصّة عمران بن حُصين قصة الخرباق قصّة ثالثة، لأن التسليم فى خبر عمران من الركعة الثالثة، وفي قصّة ذي اليدين من الركعتين، وفي خبر عمران دخل النبي ﷺ حُجْرته، ثمّ خرج من الحجرة، وفي خبر أبي هريرة: قام النبي ﷺ إلى خشبة معروضة في المسجد، فكل هذه أدلّة أن هذه القصص هي قصص: سها النبي ﷺ ، فسلّم من الركعتين، وسها مرّة أخرى، فسلّم في ثلاث ركعات، وسها مرّة ثالثة، فسلّم في الركعتين من المغرب، فتكلّم في المرّات الثلاث، ثم أتم صلاته. انتهى كلام ابن خزيمة رحمه الله تعالى.
وقد تقدم أن الحافظ العلائي رحمه الله تعالى رجّح هذا القول أيضًا.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في "النيل": والظاهر ما قاله ابن خزيمة، ومن تبعه من التعدد، لأن دعوى الاتحاد تحتاج إلى تأويلات مُتعسّفة انتهى.
والحاصل أن الجمع بين الأحاديث بالحمل على التعدد هو الطريق الأسهل الذي لا تكلف، ولا تعسّف فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: