وهذا أصحّ إسناد لهذه الرواية، وليس فيه رفع ابن عباس ذلك إلى النبي ﷺ .
[تَتمَّةٌ]:
قال الإمام أبو بكر بن خزيمة ﵀ في "صحيحه" بعد سياقه حديث معاوية بن حُدَيج المتقدم:
هذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم للنبي ﷺ أنه سها في هذه القصة طلحة ابن عبيد الله، ومُخبر النبي ﷺ في تلك القصة ذو اليدين، والسهو من النبي ﷺ في قصّة ذي اليدين إنما كان في الظهر، أو العصر، وفي هذه القصّة إنما كان السهو في المغرب، لا في الظهر، ولا في العصر.
وقصة عمران بن حصين قصة، والخرباق قصة ثالثة، لأن التسليم في خبر عمران من الركعة الثالثة، وفي قصة ذي اليدين من الركعتين، وفي خبر عمران: دخل النبي صلى الله وسلم حجرته، ثم خرج من الحجرة، وفي خبر أبي هريرة: قام النبي ﷺ إلى خشبة معروضة في المسجد، فكلّ هذه أدلة على أن هذه القصص ثلاث قصص، سها النبي ﷺ مرّة، فسلم من الركعتين، وسها مرة أخرى، فسلم في ثلاث ركعات، وسها مرة ثالثة، فسلم في الركعتين من المغرب، وتكلم في المرّات الثلاث، ثم أتمّ صلاته. انتهى كلامه.
وكذلك قال الشيخ محيي الدين -يعني النووي-﵀ في حديث أبي هريرة وعمران: إنهما واقعتان، لكنه زاد شيئا آخر، فجعل حديث أبي هريرة أيضا واقعتين، كان السهو في إحداهما في صلاة الظهر، وفي الأخرى في صلاة العصر، وجمع بذلك بين الروايات المختلفة فيه في تعيين الصلاة المسهوّ فيها، ونقل هذا عن المحققين.
قال العلائي: وفي ذلك نظر، بل الظاهر الذي يقتضيه كلام ابن عبد البرّ، والقاضي عياض، وغيرهما أن حديث أبي هريرة قضية واحدة، ولكن اختلف رواتها، فمنهم من تردد في تعيين الصلاة، هل هي الظهر، أو العصر، ومنهم من جزم بإحداهما، والعلم عند الله .
ورأيت فيما علقه بعض شيوخنا من أهل الحديث يذكر أن حديثي أبي هريرة وعمران قصة واحدة، وتأول قوله في حديث عمران: "سلّم في ثلاث" أي في ابتداء ثلاث ركعات، وتأول قوله: "فقضى تلك الركعة" على أنه أراد أكثر منها، كما يقال: "كلمة" للخطبة، والقصيدة. وفي ذلك كله نظر لا يخفى، بل الظاهر أنهما قضيتان، كما قال الجمهور، وما ذكره من الجمع بينهما فبعيد، لا اتجاه له. انتهى كلام العلائي ﵀، وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 8787
المسألة السابعة:
تقدم في ألفاظ طرق حديث أبي هريرة ﵁ تباينٌ في مواضع عديدة، لا يمكن الجمع بينها، والكلّ في الصحيح، وترتب عليها فوائد فقهية مما اختلف فيه العلماء.
ففي بعض الطرق أن النبي ﷺ قال لذي اليدين: "لم أَنْسَ، ولم تُقصَر"، فقال ذو اليدين بعد ذلك: بلى قد نسيتَ، ولم تُذكَر هذه الزيادة في كثير من الروايات.
وفي رواية أخرى، فقال النبي ﷺ : "كل ذلك لم يكن", فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله.
وفي رواية: أن النبي ﷺ قال للناس: "ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: صدق يا رسول الله، لم تُصلِّ إلا ركعتين.
وفي رواية أخرى: فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم يا رسول الله. وفي رواية أخرى: فأومؤوا: أي نعم.
وقد جمع بعض الأئمة بين هاتين الروايتين بأن بعض الناس أجاب النبي ﷺ بقول "نعم" باللفظ، وبعضهم أجابه بالإيماء.
وهذا الجمع إنما يقوى إذا كان الاختلاف واقعًا من رواية صحابيين،، فنقول سمع أحدهما الإجابة باللفظ، والآخر رأى الذين أومأوا ولم يسمع المجيب باللفظ، وهذا الحديث بهذه الألفاظ مداره على أبي هريرة ﵁.
والظاهر أن القصة واحدة، ولكن الرواة تصرّفوا فيها، فرواه بعضهم بالمعنى على نحو مما سمع، فحصلت هذه الاختلافات.
فيتعين حينئذ إما الجمع بينها بوجه مّا، وإما الترجيح، وهذا يتعلق بقاعدة شريفة عظيمة الجَدْوَى في علم الحديث، وهي: الاختلاف الواقع في المتون بحسب الطرق، وردّ بعضها إلى بعض، إما بتقييد الإطلاق، أو تفسير المجمل، أو الترجيح حيث لا يمكن الجمع، أو اعتقاد كونها وقائع متعددة.
قال العلائي رحمه الله تعالى: ولم أجد إلى الآن أحدًا من الأئمة الماضين شفَى النفس في هذا الموضع بكلام جامع يُرجَع إليه، بل إنما يوجد عنهم كلمات متفرّقة، وللبحث فيها مجال طويل.
فنقول -وبالله التوفيق-: إذا اختلفت مخارج الحديث، وتباعدت ألفاظه، فالذي ينبغي أن يجعلا حديثين مستقلين، وذلك كحديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن حُدَيج في هذا الباب، كما سبق بيانه، وهذا لا إشكال فيه.
وأما إذا اتحد مخرج الحديث، وتقاربت ألفاظه، فالغالب حينئذ على الظنّ أنه حديث
стр. 8788
واحد، وقع الاختلاف فيه على بعض الرواة، لا سيما إذا كان ذلك في سياقة واقعة يبعد أن يتعدد مثلها في الوقوع، كحديث أبي هريرة وحده في قصة السهو.
فالذي يسلكه كثير من الفقهاء أن يحمل اختلاف الألفاظ على تعدد الوقائع، ويُجعل كلُّ لفظ بمنزلة حديث مستقلّ، وهذه الطريقة يسلكها الشيخ محيي الدين ﵀ في كتبه كثيرًا، كما تقدم عنه من جعله حديث أبي هريرة الذي نتكلم عليه وقع مرتين للنبي ﷺ ، أحدهما في صلاة الظهر، والآخر في العصر من أجل صحة كلّ من اللفظين، حتى إنه قال في حديث ابن عمر: أن عمر ﵁ كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، فسأل النبي ﷺ عنه، فأمره أن يفي بنذره، وجاء في رواية: اعتكاف يوم، وكلاهما في الصحيح.
فقال الشيخ محيي الدين ﵀: هما واقعتان، وكان على عمر ﵁ نذران، فسأل النبي ﷺ عن هذا مرّة، وعن الآخر مرّة أخرى، واستدلّ بذلك على صحة الاعتكاف بغير الصوم، لأن عمر ﵁ اعتكف ليلة وحدها.
قال العلائي: وفي هذا القول نظر لا يخفى، لأنه من البعيد جدًا أن يستفتي عمر ﵁ النبي ﷺ في شيء واحد مرتين في أيام يسيرة لا ينسى في مثلها، لأن في كل من القصتين أن ذلك كان عقب غزوة حُنين، أيام تفرقة السبي، ثم إعتاقهم.
وإلحاق اليوم بالليلة فى حكم الاعتكاف المنذور من الأمر الجلي الذي يقطع بنفي الفارق، كما في الأمة والعبد في العتق، ولا يظن بعمر ﵁ أنه يخفى عليه ذلك.
والذي يقتضيه التحقيق ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، بأن كل من قال لفظًا عبّر به عن المجموع، وهو أمر يُستَعمَل كثيرًا في كلام العرب أن تُطلق اليوم، وتريد به بلليلته، وبالعكس.
فكان على عمر ﵁ اعتكاف يوم وليلة، سأل النبي ﷺ عنه، فأمره بالوفاء به، عبّر عنه بعض الرواة بيوم، وأراد بليلته، والآخر بليلة وأراد بيومها.
وأغرب من ذلك ما ذكره الشيخ محيي الدين ﵀ أيضا في حديث: "بني الإسلام على خمس"، لأنه جاء في "الصحيح" أنه سمع النبي ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"، فقال رجل: "وحج البيت، وصوم رمضان"؟، فقال ابن عمر ﵄: لا، "وصوم رمضان، وحج البيت"، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ .
ثم جاء الحديث في "الصحيح" أيضا من رواية ابن عمر، ولفظه: "وحج البيت، وصوم رمضان".
فقال الشيخ محيي الدين: هذا محمول على أن ابن عمر ﵄ سمع الحديث من
стр. 8789
النبي ﷺ على الوجهين. وهذا بعيد جدًّا، لأنه لو سمع على الوجهين لم ينكر على من قاله بأحدهما، إلا أن يكون حينئذ ناسيًا لكون النبي ﷺ قاله على ذلك الوجه الذي أنكره. والظاهر القويّ أن أحد رواة هذه الطرق رواه على المعنى، فقدّم وأخّر، ولم يبلغه نهي ابن عمر عن هذا التصرف، وغفل هذا الراوي عن المناسب المقتضي لتقدم صوم رمضان على الحج، وكونه وجب قبله، وكونه يتكرّر كلّ سنة بخلاف الحجّ، وكونه يعم جميع المكلفين، والحج يتخلف عن كثير منهم لعدم الاستطاعة، وهذا الاحتمال أولى من تطرّق النسيان إلى ابن عمر ﵄، أو الإنكار والرّدّ لشيء سمعه من النبي ﷺ .
وإذا عرف ضعف هذه الطريقة، فنقول:
إذا اتحد مخرج الحديث، واختلفت ألفاظه، فإما أن يمكن ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، أو يتعذر ذلك، فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه.
ولهذا القسم أمثلة:
أحدها: ما تقدم في حديث اعتكاف عمر ﵁، وردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى على عادة العرب.
الثاني: رد إحداهما إلى الأخرى بتقييد الإطلاق، كما في حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في النهي عن مس الذكر باليمين، فإن الروايات ترجع إلى يحيى بن أبي كثير فيه.
فقال فيه بعضهم: "ولا يمسنّ ذكره بيمينه" مطلقًا، وغيره قيد النهي بحالة الاستنجاء، فهذا يمكن أن يكونا جميعًا ملفوظًا بهما، فيحمل رواية من تركه على رواية من ذكره، ويجعلا دليلًا على تقييد النهي بحالة البول والاستنجاء منه.
ولو جعلنا ذلك كالحديثين المستقلّين لم نحكم بتقيُّد النهي بحالة الاستنجاء والبول، لأن الحديث الذي تضمّن النهي مطلقًا لا يعارض الذي فيه النهي مقيّدًا بالاستنجاء أو البول، فهو من باب ذكر بعض أفراد العام، وإنما يُردّ أحد اللفظين إلى الآخر في العموم إلى الخصوص، والإطلاق إلى التقييد عند التعارض، والتنافي في بعض المدلولات.
اللَّهمّ إلّا أن يكون مفهوم التقييد يقتضي مخالفةَ المطلق، وكذلك مفهوم الخاصّ يُخالف حكم العامّ، فَيُقَيَّدُ، ويُخَصَّص بالمفهوم عند من يرى ذلك.
الثالث: ردّ إحداهما إلى الأخرى بتخصيص العامّ، ويمثّل هذا بزيادة مالك ومن تابعه عن نافع، عن ابن عمر في حديث: "صدقةُ الفطر على كلّ حرّ، أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين"، فإن مخرج الحديث واحدٌ، فيتخصص إيجاب إخراج زكاة الفطر
стр. 8790
بكونه عن كلّ مسلم، عملًا بهذه القاعدة.
وهذا كلّه إذا لم تكن الرواية المتضمنة للتقييد، أو التخصيص شاذّة مخالفة لبقية الروايات، بل يكون الذي جاء بها حافظًا متقنًا، يُقبل تفرّده وزيادته.
فأما إذا كان سيء الحفظ قليل الضبط، وكانت الروايات الأخرى من طرق أهل الضبط والإتقان، وهم أكثر منه عددا، فالحكم لروايتهم، ولا نظر إلى رواية ذاك الذي هو دونهم.
المثال الرابع: ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى بتفسير المبهم، وتبيين المجمل، وذلك مثل حديث كفارة الوقاع في رمضان، فإن مدار الحديث على الزهري، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، واختلفوا على الزهري فيه:
فقال عنه الإمام مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وجماعة آخرون: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره النبي ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا، فقال: لا أجد. . .وذكروا الحديث.
وقالت فيه طائفة آخرون أكثر منهم عددا، منهم: سفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد، معمر، وشعيب بن أبي حمزة، وعُقَيل، وإبراهيم بن سعد، والليث، والأوزاعي، وغيرهم: أن رجلًا قال للنبي ﷺ : وقعت على امرأتي في شهر رمضان، فقال له النبي ﷺ : "تجد ما تُعتقُ رقبةً؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ " قال: لا. . . الحديث.
فهذا يَقْوَى فيه القولُ بأن تجعل رواية هؤلاء مفسّرة لما أبهُمَ في رواية أولئك من جهة المفطِّر، ومقيّدًا للكفّارة بالترتيب، لا بالتخيير, كما هو ظاهر هذه الرواية الثانية، لأن الحديث واحد، اتحد مخرجه.
وأما إذا لم يتَأَتَّ الجمع بين الروايات، وتعذّر ردّ إحداهما إلى الأخرى، فهذا محلّ النظر، ومجال الترجيح.
ومثال ذلك حديث الواهبة نفسها، فإنه قصّة واحدةٌ، ومداره على أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁، واختلف الرواة فيه على أبي حازم:
فقال فيه مالك بن أنس، وحمّاد بن زيد، وفُضَيل بن سُليمان، وعبد العزيز الدّراورْديّ، وزائدة: "فقد زوّجتكها على ما معك من القرآن".
وقال فيه سفيان بن عيينة عنه: "فقد أنكحتكها".
وقال فيه يعقوب بن عبد الرحمن، وعبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: "فقد ملكتكها".
стр. 8791
وقال فيه معمر، وسفيان الثوري: "أملكتكها".
وقال أبو غَسّان: "أمكناكها بما معك من القرآن".
وأكثر هذه الروايات في "الصحيحين"، أو أحدهما، فهذا لا يتأتّى أن تكون هذه الألفاظ كلها قالها النبي ﷺ في تلك الواقعة، وتلك الساعة إلا على سبيل التجويز العقلي المخالف للظنّ القويّ جدًّا، فلم يبقَ إلا أنه ﷺ قال لفظًا منها، وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى.
فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك، وأنه من صرائحه يَحتَجّ بمجيئه في هذا الحديث الصحيح.
فإذا عُورض ببقية الألفاظ التي في بقية الروايات لم ينتهض احتجاجه.
فإن قال: إنّ النكاح في القصة انعقد بلفظ التمليك، ومن قال غيرَه عبّر بالمعنى، يقلبه خصمه عليه، ويقول مثل ذلك في التزويج، والإنكاح، فلم يبقَ حينئذ إلا الترجيح بأمر خارجيّ، وليس هذا موضع ذكره (١).
ولا سبيل إلى القول بتعدد القصة، لأنه وإن كان العقل يُجوّزه فهو مخالف للظنّ القويّ القريب من القاطع.
ولهذا الضرب أمثلة كثيرة، منها:
حديث ترك الجهر بالبسملة، وحديث نزول آية التيمم، وقصة الرجلين الذين ذهبا نحو عقد عائشة ﵂، وحديث فَضَالة في القلادة من الذهب، وغيره المبيعة يوم خيبر.
لكن أكثر الأحاديث المختلفة لا يتضمن اختلافُها اختلافَ حكم شرعيّ، وبعضها يتضمّن.
ومنه حديث أبي هريرة ﵁ في قصة ذي اليدين هذا، فإن من قال من العلماء بأن الكلام في الصلاة فيما يتعلق بمصلحتها لا يُبطله يحتجّ بما جاء في بعض الروايات الصحيحة من قول ذي اليدين: بلى قد نسيت يا رسول الله بعد قوله ﷺ : "لم أنس، ولم تُقصَر".
قالوا: فقد تحقق ذو اليدين أن حكم الصلاة باق بعدُ لتحققه عدم القصر، وتكلّمَ بعد ذلك، وأقرّه النبي ﷺ ، ولم يبطل صلاته، وكذلك قول الصحابة للنبي ﷺ بعد قوله: "لم أنسَ، ولم تقصر": صدق يا رسول الله، لم تصلّ إلا ركعتين.
стр. 8792
وأما من قال بأن الكلام لمصلحة الصلاة فيها لا يجوز، ويبطلها، فيحتجّون بالرواية الأخرى من طريق حمّاد بن زيد: فأومأوا، أي نعم، ويقولون: لم يقع كلام من الصحابة بعد تحققهم عدم القصر، ويجيبون عن قول ذي اليدين ثانيًا: بلى قد نسيت يا رسول الله. انتهى كلام العلائي، وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثامنة:
قال الحافظ العلائي ﵀: دلت هذه الأحاديث على مشروعية سجود السهو في مثل هذه الصورة، ودلالتها على مشروعيته من حيث الجملة بطريق الأولى.
وقد اتفقت المذاهب على مشروعية سجود السهو لمن وقع له في الصلاة ما جرى من النبي ﷺ ، أو نحوه على وجه السهو، عملًا بهذه الأحاديث في الصورة الخاصّة، وقياسًا عليها في غيرها، لتحقق المقتضي الذي شرع سجود السهو له فيها، وقد تقدم أن روايات الزهري لحديث ذي اليدين نفى فيها كون النبي ﷺ سجد يومئذ للسهو، إما جزمًا، كما قال في رواية الأوزاعي عنه في آخر الحديث: ولم يسجد سجدتي السهو حين يقّنه الناس، وإما نفيًا للعلم, كما في رواية يونس بن يزيد عنه، عن سعيد المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، كلهم عن أبي هريرة ﵁ بحديث ذي اليدين، وسمّاه ذا الشمالين، وفي آخره: قال الزهري: ولم يحدثني أحد منهم أن رسول الله ﷺ سجد سجدتين، وهو جالس في تلك الصلاة، وذلك فيما نرى -والله أعلم- من أجل أن الناس يقّنوا رسول الله ﷺ حتى استيقن.
وهاتان الروايتان في "صحيح ابن خزيمة" كما تقدم.
وكان ابن شهاب يقول: إذا عَرَفَ الرجلُ ما نسي من صلاته، فأتمّها، فليس عليه سجود سهو.
قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ في كتابه "التمييز" له: قول ابن شهاب: إن رسول الله ﷺ ما سجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو خطأ وغَلَطٌ، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه سجد سجدتي السهو ذلك اليوم من أحاديث الثقات، كابن سيرين وغيره.
وقال ابن عبد البرّ ﵀: لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه، لاضطرابه فيه، وأنه لم يقمه إسنادًا ولا متنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه أحد،
стр. 8793
والكمال ليس لمخلوق.
قال العلائي ﵀: وعلى تقدير قبول هذا الحديث من الزهري، والحكم بتصحيحه، فإما أن نعتبر روايته التي نفى فيها عدمَ العلم بوقوع سجود السهو من النبي ﷺ يوم ذي اليدين، أو نعتبر الرواية التي جزم فيها بعدمه.
فعلى التقدير الأول لا تعارض بينه وبين بقية الروايات، لأنه لم ينف ما أثبتوه، بل ذكر أن أحدًا من شيوخه لم يروه له، فلا يرد مثل هذا على من حفظ ذلك، ورواه إجماعًا.
وأما على التقدير الثاني، فهو يَتَخرّج على تعارض المثبت والنافي، وجمهور العلماء على ترجيح المثبت على النافي، لما عنده من زيادة العلم، ونُسب الخلافُ في ذلك إلى القاضي عبد الجبار من المعتزلة وغيره، فقالوا: هما متعارضان، وهو ضعيف، لما ذكرنا من أن المثبت معه زيادة علم، وقد حفظها، وقصر النافي عنها.
وقد ذكر بعض المتأخرين من الأئمة أن هذا التقديم إنما يكون في نفي مطلق، وإثبات مطلق، فأما متى كانا محصورين في قضية واحدة، فإنهما يكونان متعارضين.
ومثَّل ذلك باختلاف بلال وأسامة ﵄ حيث دخل النبي ﷺ الكعبة، فنفى أسامة أن يكون صلى فيها، وأثبت ذلك بلال، وحديثُ ذي اليدين قريب من هذا.
والجواب عن هذا أن غاية الأمر بعد تسليم أن الزهري اتصلت له الرواية جازمة بعدم سجود السهو يومئذ، وأنه ما غلط في ذلك أن يكونا متعارضين، وحينئذ يُرجع إلى الترجيح.
والترجيح هنا للروايات المثبتة لسجود السهو، لكثرتها، وتعدد الثقات الحفّاظ الناقلين لها، كما تقدم سياق ذلك، فالأخذ بها هو المتعيّن.
ثم نلزم الحنفية القائلين بتصحيح حديث الزهري، والاحتجاج على أن القصة قبل بدر، وأن المتكلم ذو الشمالين أن يقبلوا نفيه لسجود السهو يومئذ، ولا يقولون بمشروعيته في هذه الصورة. انتهى كلام العلائي، وهو بحث مفيد جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة التاسعة:
في بيان مذاهب أهل العلم في محل سجود السهو:
(اعلم): أنه اختلف في محل سجود السهو، هل هو قبل السلام، أم بعده على أقوال، أوصلها الحافظ العراقي في شرح الترمذي -على ما نقله الشوكاني في "نيله" جـ ٣ ص ١٣٢ - ١٣٥ - ثمانية:
стр. 8794
الأول: أن سجود السهو كله محله بعد السلام.
الثاني: أنه قبل السلام.
الثالث: التفرقة بين الزيادة والنقص، فيسجد للزيادة بعد السلام، وللنقص قبله.
الرابع: أنه يستعمل كلّ حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء سجد قبل السلام.
الخامس: أنه يستعمل كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء، فما كان نقصًّا سجد له قبل السلام، وما كان زيادة فبعد السلام.
السادس: أن الباني على الأقلّ في صلاته عند شكه يسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد الآتي، والمتحري في الصلاة عند شكه يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود الآتي أيضًا.
السابع: أنه يتخيّر الساهي بين السجود قبل السلام وبعده، سواء كان لزيادة أو نقص.
الثامن: أن محله كله بعد السلام، إلا في موضعين، فإن الساهي فيهما مخير، أحدهما من قام من ركعتين، ولم يجلس، ولم يتشهد. والثاني: أن لا يدري أصلى ركعة، أم ثلاثًا، أم أربعًا، فيبني على الأقل، ويتخير في السجود، وهو مذهب الظاهرية، وبه قال ابن حزم، كما في "نيل الأوطار".
وزاد الشوكاني تاسعا: وهو أنه يستعمل كلّ ما ورد كما ورد، وما لم يرد فيه شيء، فيتخير. وسيأتي أن هذا القول هو الراجح، إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر في "النيل" القائلين بهذه الأقوال وأدلتهم، تركت نقله هنا استغناءً بما يأتي في كلام الحافظ العلائي مفصلًا مبسوطًا، إن شاء الله تعالى.
فلقد حقق ﵀ أدلة معظم هذه الأقول، وناقشها، وبيّن ما لها وما عليها، وتوسع في ذلك، فأجاد وأفاد، فقال:
احتج الحنفية بهذه الأحاديث على أن محل سجود السهو بعد السلام على الإطلاق. والمالكية على أن السهو إذا كان زيادة، فالسجود بعد السلام، لأن النبي ﷺ تكلم، وسلم، ومشى في صلاته هذه سهوًا، ثم سجد لذلك بعد السلام.
والعلماء مختلفون في هذه المسألة قديمًا وحديثًا، فالمشهور من مذهب الشافعي أن سجود السهو قبل السلام على الإطلاق، سواءٌ كان عن نقص، أو زيادة.
قال ابن عبد البرّ ﵀: روي هذا القولُ عن أبي هريرة، والسائب بن أبي السائب، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية، وعبد الله بن عباس ﵃، وبه قال مكحول، وابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، والأوزاعي، والليث بن سعد.
стр. 8795
قال العلائي: ونقله ابن الصبّاغ في "الشامل" أيضًا عن أبي سعيد الخدري من الصحابة، وسعيد بن المسيب من التابعين.
وقد روى ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب، وأبي عبيدة أنهما كانا إذا وهما في صلاتهما، فلم يدريا ثلاثًا صليا، أم أربعًا سجَدَا سجدتين قبل أن يسلما.
وقال أبو حنيفة وأصحابه جميعًا: سجود السهو كله بعد السلام، سواءٌ كان عن نقص أو زيادة، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعمران بن حصين، والضحاك بن قيس، والمغيرة بن شعبة، نقله ابن عبد البرّ عنهم، ثم قال: واختلُف فيه عن معاوية بن أبي سفيان، وابن عباس، وابن الزبير ﵃.
قال العلائي ﵀: ورواه ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك، وأبي هريرة، والسائب القاري.
والذي روى الترمذي في "جامعه" عن أبي هريرة والسائب القاريّ بإسناد متصل أيضًا أن السجود قبل السلام، والإسناد واحد، فأحدهما وهم.
وهو في "جامع عبد الرزاق" عن ابن عمر، وابن عباس ﵄ جميعًا، لكن بإسناد مرسل.
وبه قال الحسن البصري، وقتادة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم النخعي, وسفيان الثوري، والحسن بن صالح بن حيّ، وأبن أبي ليلى.
وقال مالك، وجماعة من أصحابه: إن كان السهو بزيادة، فالسجود له بعد السلام، وإن كان بنقصان، فالسجود قبل السلام، وهو قول أبي ثور، والمزني من أصحاب الشافعي، ونقله الشيخ أبو إسحاق، وجماعة عن القديم من مذهب الشافعي.
وقال القاضي الماوردي في "الحاوي": أشار إليه الشافعي في كتاب "اختلافه مع مالك"، والمشهور من مذهبه في القديم والجديد أنه قبل السلام في الزيادات والنقصان. وكذلك قال صاحب "الشامل".
وعن مالك قول آخر أن الكلّ سواءٌ. ما قبل السلام وما بعده في الزيادة والنقص، لورود الأحاديث بذلك، حكاه في "المجموعة" فيما نقله القرطبي.
وهذا كله حيث تحقق الزيادة والنقصان، فأما في صورة الشكّ، فقال الاودي: اختلف قول مالك في الذي لا يدري صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فقال: يسجد قبل السلام، وقال: يسجد بعد السلام.
стр. 8796
فتحصل بذلك ثلاثة أقوال في مذهب مالك ﵀.
وأما أحمد بن حنبل ﵀ فإنه قال باستعمال الأحاديث كلها، فحكى الأثرم أنه سمعه يقول: كل سهو سجد له النبي ﷺ قبل السلام أو بعده، فمحله حيث سجد النبي ﷺ ، وما سوى المواضع التي ورد السهو فيها عنه ﷺ ، فالسجود لها قبل السلام، لأنه يُتم ما نقص من صلاته، قال: ولولا ما روي عن النبي ﷺ لرأيت السجود كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة أن يقضيها قبل السلام، ولكن أقول: كل ما روي عن النبي ﷺ أنه سجد فيه بعد السلام، فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام.
وقال داود الظاهري نحوًا من هذا القول، لكنه اقتصر في مشروعية سجود السهو على المواضع التي ثبت أن النبي ﷺ سجد فيها، ولم يقل به فيما عداها جريًا على طريقته المعروفة من الجمود، وعدم الإلحاق مع فهم المعنى.
وعن أحمد أيضًا روايتان أخريان: إحداهما كمشهور مذهب الشافعي، والأخرى كقول مالك.
وقول إسحاق بن راهويه كقول أحمد المتقدم في تبعية الأحاديث، وفيما عداها يُفرّق بين الزيادة والنقصان كمذهب مالك.
ثم هذا الخلاف، هل هو في الأولوية مع جواز الأمرين، أم في الاستحقاق؟
صرّح ابن عبد البرّ بأن الخلاف إنما هو في الأولوية، وأن كل من قال بأنه بعد السلام، فسجد قبل السلام، أو بالعكس، فلا شيء عليه.
وكذلك قال الماوردي في كتابه "الحاوي": ولا خلاف بين الفقهاء أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده، وإنما اختلفوا في المسنون.
وحكى إمام الحرمين أبو المعالي ﵀ في مذهب الشافعي طريقين: أحدهما: نقل ثلاثة أقوال: أحدها: وهو الصحيح من المذهب أن السجود قبل السلام، ولو أوقع بعده لم يُعتدّ به.
والثاني: الفصل بين الزيادة والنقصان كما تقدّم، وعزاه إلى القديم.
والثالث: أن الساهي بالخيار، إن شاء قدّم، وإن شاء أخّر، فهما سواء -يعني في حالتي الزيادة والنقص.
قال العلا الحافظ العلائي: وهذا القول غريب في المذهب، وقد عزاه الحازمي إلى القديم، وهو موافق للمقول المحكي عن مالك فيما تقدّم عن "المجموعة"، وهو قول محمد بن جرير الطبريّ، حكاه عنه القاضي عياض رحمه الله تعالى.
стр. 8797
ثم قال الإمام: وقال بعض أئمتنا: لا خلاف أنه يُجزىء التقديم والتأخير، وإنما التردد في بيان الأولى والأفضل، ففي قول يقول: الأفضل التقديم، وفي قول: لا نفضل، ولا نفرّق، ونجوز الأمرين جميعًا، وفي قول: نفرّق بين الزيادة والنقصان في الأفضل لا في الإجزاء، فإن الأمرين جميعًا جائزان مجزيان، ووجّه هذه الطريقة بصحة الإخبار في التقديم والتأخير جميعًا.
ثم قال: والطريقة المشهورة ردّ التردد إلى الإجزاء والجواز كما تقدّم، ويظهر توجيهها من جهة المعنى، فإن السجود إذا وقع قبل السلام كان زيادة في الصلاة، وإذا وقع وراء التحلل كان منفصلًا عن حكم الصلاة، وهما أمران متباعدان, والتخيير بينهما بعيد.
وكذلك قال الرّافعي بعد حكاية الأقوال الثلاثة التي ذكرناها آنفًا: ثم هذا الاختلاف في الإجزاء على المشهور بين الأصحاب، وحكى القاضي ابن كج، وإمام الحرمين طريقة أخرى أنه في الأفضل.
وقد تقدم نقل ابن عبد البرّ عن الفقهاء أن الاختلاف في الأولوية، وكذلك صرّح به عن مذهبه.
فقال: جملة مذهب مالك: أن من وضع السجود الذي قلنا: إنه قبلُ بعدُ، أو وضع السجود الذي قلنا بعدُ قبلُ، فلا شيء عليه، إلا أنهم أشدّ استثقالًا لمن وضع السجود الذي بعد السلام قبل السلام.
وقال القرطبي في "شرح مسلم": وهل هذا الترتيب هو الواجب، أو هو الأولى؟ قولان للأصحاب.
وصرّح صاحب "الهداية" عن مذهب الحنفية أن الكلام في الأولوية، لا في التعيُّن.
وظاهر مذهب أحمد أن الخلاف في الإجزاء والتعيّن، لأن سجود السهو عندهم واجب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ونصّ الشيخ موفق الدين في "المقنع" على أن من ترك سجود السهو الذي محله قبل السلام عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا قضاه بعد السلام ما لم يتطاول الفصل، قال: وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل صلاته.
قال العلائي: فدلّ هذا على أن الخلاف يرجع عندهم إلى التعيين، وهو أقوى في ذلك من الراجح عند إمام الحرمين والرافعي، لأن أحدًا من أصحابنا لم يقل ببطلان الصلاة إذا تعمّد ترك سجود السهو الذي قبل السلام.
ولكن فائدة القول بالتعيين أنه إذا سلّم قبل السجود، فقد فات محلّه، فلا يتدارك،
стр. 8798
بخلاف الطريقة الأخرى. فهذا نقل المذهب في المسألة.
وأما بيان ما احتجّ به كلّ فريق، فذلك يستدعي تقديم الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في مواضع سجود السهو قولًا وفعلًا، ثم بيان تمسكهم بها.
قال الإمام أبو عبد الله المازري ﵀: أحاديث السهو كثيرة، والثابت منها خمسة أحاديث، وهي حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد الخدري، وهما جميعًا فيمن شكّ كم صلى، وذكر في حديث أبي هريرة أنه سجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما، وفي حديث أبي سعيد الخدري أنه سجد قبل السلام، وحديث ابن مسعود، وفيه القيام إلى خامسة، وأنه سجد بعد السلام، وحديث ذي اليدين، وفيه السلام من اثنتين، والسجود بعد السلام، وحديث ابن بُحَينة، وفيه القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام، ثم ذكر كيفية أخذ الأئمة بهذه الأحاديث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقال الشيخ محيي الدين ﵀ في "شرح المهذب": الأحاديث الصحيحة التي عليها مدار باب سجود السهو، وعنها تشعّبت مذاهب العلماء ستة أحاديث، فذكر هذه الخمسة، وحديث عبد الرحمن بن عوف الذي أخرجه الترمذي، وفيه الأمر بالسجود قبل التسليم.
قال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: حديث ذي اليدين تقدم بجميع طرقه، وأما حديث أبي هريرة، فهو في "الصحيحين" من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نودي بالأذان أدبر الشيطان. له ضُراط حتى لا يسمع الأذان، فإذا قُضي الأذان أقبل، فإذا ثوب بها أدبر. فإذا قُضي التثويب أقبل، حتى يَخْطر بين المرء ونفسه, فيقول اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر، حتى يظلّ الرجل إن يدر كم صلى, فإذا لم يدر أحدكم كم صلى، فليسجد سجدتين، وهو جالس".
وأخرجاه أيضًا من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به مختصرًا، لم يذكر قصة الأذان، بل لفظه: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين، وهو جالس".
ثم رواه مسلم من حديث سفيان بن عُيينة، والليث بن سعد، عن الزهري، كذلك.
وكذلك رواه أبو داود، والنسائي من حديث مالك. وكذلك رواه أيضًا معمر عن الزهري. ثم رواه أبو داود من حديث ابن أخي الزهري، عن عمه، قال بهذا الحديث بإسناده، وزاد: "وهو جالس قبل التسليم".
وإلى هذه الرواية أشار الشيخ محيي الدين ﵀.
стр. 8799
ومحمد بن عبد الله ابن أخي الزهري احتجّ به الشيخان، وقد تكلم في حفظه، وضعفّه ابن معين، وقال مرّةً: ليس بالقويّ، وذكر الذهلي أنه روى عن عمه ثلاثة أحاديث ليس لها أصل.
وقد تابعه على ذكر هذه الزيادة ابن إسحاق، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، من حديثه، قال: حدثنا الزهري، فذكره.
ورواه ابن ماجه، والبيهقي أيضًا من حديث ابن إسحاق، حدّثنا سلمة بن صفوان بن سلمة الأنصاريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. . .الحديث، وفيه: "إذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس قبل أن يسلم، ثم يسلم".
ثم رواه البيهقيّ هكذا أيضًا من مسند الحسن بن سفيان، حدّثنا عبد الله بن الرومي، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سها أحدكم، فلم يدر أزاد، أم نقص، فليسجد سجدتين، وهو جالس، ثم يسلم".
قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن مرزوق، عن عمر بن يونس.
قال العلائي ﵀: فقويت هذه الزيادة حينئذ بمجموع هذه الروايات. والله تعالى أعلم.
وأما حديث أبي سعيد ﵁، فأخرجه مسلم في "الصحيح" عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شكّ أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى، ثلاثًا، أو أربعًا، فليطرح الشكّ، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن صلى إتماما لأربع كانت ترغيمًا للشيطان".
هكذا رواه من حديث سليمان بن بلال، وداود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد به.
ورواه أبو داود، والنسائي (١) من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم.
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وهشام بن سعد، عن زيد بن أسلم مسندًا، كما رواه مسلم. وكذلك رواه أيضًا محمد بن مطرّف أبو غسان، وفليح بن سليمان، عن زيد بن أسلم. ورواه مالك في "الموطأ" عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن النبي ﷺ قال:. . . فذكره مرسلًا. وكذلك رواه سفيان بن عُيينة، وحفص بن ميسرة، ومحمد جعفر بن أبي كثير،
стр. 8800
عن زيد بن أسلم مرسلًا.
واتفق الحُفّاظ على تصحيح المسند، وقبوله ممن حفظه، ولذلك أخرجه مسلم في "صحيحه"، قال ابن عبد البرّ: الحديث متصل مسند صحيح، ولا يضره تقصير من قصّر به، لأن الذين وصلوه حُفّاظ مقبولة زيادتهم.
وقال المازري ﵀: إرسال مالك للحديث غير قادح، لأنه قد عُلم من عادته ذلك، ثقةً منه مما علم من عادته، وأن ذلك لا يوقع في النفوس منه استرابة. وكذلك قال البزّار: الحديث صحيح، وإن كان مالك أرسله.
قال العلائي ﵀: وقد رواه الوليد بن مسلم، عن مالك مسندًا كما رواه سليمان بن بلال ومن تابعه، فكأن مالكًا ﵀ أسنده في وقت فحفظه عنه الوليد بن مسلم. والله أعلم.
وأما حديث ابن مسعود ﵁، فروى الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل: أزيد في الصلاة؟ فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم. أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي بهذا اللفظ، إلا أن مسلما لم يقل فيه: بعد ما سلم.
وأخرج مسلم أيضًا من حديث الأعمش، ومنصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁، قال: صلى رسول الله ﷺ -قال إبراهيم: زاد أو نقص، الشك مني- فلما سلم، قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك؟ "، قالوا: صليت كذا وكذا، قال: فثنى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: "إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكّروني، وإذا شكّ أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين". هذه رواية منصور.
وفي رواية الأعمش ذكر هذا الكلام أولًا، ثم ذكر أن سجود السهو جرى بعده.
وكذلك أخرجه مسلم أيضًا مختصرًا من جهة الأعمش بهذا السند عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام.
ورواه مسلم من حديث الأسود، عن ابن مسعود ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فقلنا: يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمسًا، قال: "إنما أنا بشر مثلكم، أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون"، ثم سجد سجدتي السهو.
стр. 8801
فجميع روايات مسلم لم يُقيّد فيها الأمرَ بسجود السهو بعد التسليم. وكذلك رواه البزار في "مسنده" من طريق حُصَين بن عبد الرحمن، عن إبراهيم، عن علقمة بالحديث.
ورواه البخاري من حديث جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، ولفظه: "وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين". وأخرجه أبو داود بهذا اللفظ أيضًا من حديث جرير بهذا السند، وكذلك ابن خزيمة في "صحيحه". وكذلك رواه ابن خزيمة أيضًا، والنسائي في "سننه" من حديث فُضَيل بن عياض، عن منصور، وهو عند النسائي أيضًا من رواية ابن المبارك، وعند ابن خزيمة أيضًا من حديث زائدة، كلاهما عن منصور، وكلهم قال فيه: "ثم ليسلّم، ثم ليسجد سجدتين".
وهو عند مسلم من حديث جرير بن عبد الحميد بدون هذه الزيادة كما تقدّم، ومن طرق أُخَرَ كثيرة أيضًا بدونها.
قال البيهقي ﵀: حفظ هذه اللفظة -يعني ثم ليسلم- سفيان الثوريّ، وشعبة، وووهيب بن خالد أيضًا، عن منصور. ورواه عبد العزيز بن عبد الصمد، ومسعر، وكذا روى غيرهما عن منصور، فلم يذكروا هذه اللفظة.
ورواه جماعة عن إبراهيم، منهم الحكم بن عُتَيبة، والأعمش، فلم يذكروها، وكذلك رواه إبراهيم بن سُويد النخعي، عن علقمة، فلم يذكرها، وهو غير إبراهيم بن يزيد النخعي. وكذلك لم يذكرها الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود. والله أعلم.
قال أبو داود في "السنن": حدثنا النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن خصيف، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكبر ظنك على أربع، تشهّدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس، قبل أن تسلم، ثم تشهّد أيضًا، ثم تسلّم".
ثم قال أبو داود: ورواه عبد الواحد، عن خُصيف، ولم يرفعه، ووافق عبد الواحد أيضًا سفيان، وشريك، وإسرائيل، واختلفوا في الكلام في متن الحديث، ولم يسندوه.
قال العلائي ﵀: فالراجح حينئذ أنه موقوف، وأبو عبيدة ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه باتفاق. وخُصيف الجَزَري ضعفه أحمد بن حنبل، وقَبِلَه غيره، وقال أبو حاتم: تُكُلِّمَ في سوء حفظه.
وأما حديث ابن بُحَينة ﵁، فهو عند مالك، والجماعة كلهم بإسناد متصل عن عبد الله بن مالك الأسدي،، ابن بُحينة، حليف بني المطلب، قال: صلى لنا رسول الله
стр. 8802
- ﷺ ركعتين، ثم قام، ولم يجلس، وقام الناس معه، فلما قضى صلاته، ونظرنا تسليمه، كبّر، وسجد سجدتين، وهو جالس قبل التسليم، ثم سلم. هذا لفظ "الموطأ" و"الصحيحين".
وعند مسلم أيضًا في رواية أخرى: أن رسول الله ﷺ قام في صلاة الظهر، وعليه جلوس، فلما أتمّ صلاته سجد سجدتين، فكبّر في كل سجدة، وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس.
وروى النسائي من حديث الليث، عن ابن عجلان، عن محمد بن يوسف مولى عثمان، عن أبيه يوسف: أن معاوية ﵁ صلى إمامهم، فقام في الصلاة، وعليه جلوس، فسبّح الناس، فتمّ على قيامه، ثم سجد بنا سجدتين، وهو جالس بعد أن أتمّ الصلاة، ثم قعد على المنبر، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نسي من صلاته، فليسجد مثل هاتين السجدتين (١). ورجال هذا الحديث ثقات.
ورواه الطبراني في "معجمه" من حديث يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، ولفظه: فلما كان آخر صلاته سجد سجدتين قبل التسليم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع.
وقد أخرجه البيهقي من حديث عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ، عن العجلان مولى فاطمة حدثه أن محمد بن يوسف حدثه عن أبيه، فذكر القصة، وقال فيه: فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل السلام، قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع.
وإسناد هذه الرواية صحيح أيضًا (٢)، وقال بيّن فيه ما أبهم في رواية النسائي، لأن قوله: بعد أن أتمّ الصلاة يَحتَملُ أن يكون أتمها بالكلية، فيكون ذلك بعد التسليم، وأن يكون أتم أفعالها، فيكون السجود قبل السلام.
ففي رواية البيهقي تَبَيّن أن المراد المعنى الثاني، كما صرّح به في حديث ابن بُحينة، وعلى ذلك أيضًا ينبغي حمل حديث سعد بن أبي وقّاص الذي أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، كلاهما من حديث أبي مُعاوية الضرير، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد ﵁ أنه نهض في الركعتين، فسبحوا به، فاستتمّ قائمًا، ثم سجد سجدتي السهو حين انصرف، ثم قال: أكنتم تروني
стр. 8803
أجلس؟ إنما أصنع كما رأيت رسول الله ﷺ يصنع.
وقال فيه الحاكم: على شرط الشيخين، قال العلائي. وهو كما ذكر.
وحمل أبو داود هذا الحديث على أن السجود كان بعد السلام، لقوله: حين انصرف، وهذا هو الظاهر.
وقد صرّح به المغيرة بن شعبة ﵁ في حديثه، أخرجه أبو داود من حديث المسعودي، عن زياد بن علاقة، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فنهض في الركعتين، قلنا: سبحان الله، قال: سبحان الله، ومضى، فلما أتم صلاته، وسلّم سجد سجدتي السهو، فلما انصرف، قال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع كما صنعت. قال أبو داود: وكذلك رواه ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، ورفعه. ورواه أبو عُمَيس -أخو المسعودي- عن ثابت بن عبيد، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، مثل حديث زياد بن علاقة.
قال العلائي: أما السند الأول، فالمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله الكوفي، وثقه أحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومحمد بن سعد، وغيرهم، وكلهم اتفقوا على أنه اختلط في آخر عمره، وغلط في كثير من حديثه.
فعلى هذا لا يعلم، هل هذا الحديث مما رواه قبل الاختلاط أو بعده، ولم يخرج له الشيخان شيئًا لذلك المعنى.
وأما الطريق الثاني، فهي عند عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، أنه قام في الركعتين الأوليين، فسبحوا به، فلم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين بعد التسليم، ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ . وابن أبي ليلى ضعيف متكلم فيه من قبل حفظه.
وقد رواه ابن عبد البرّ في "التمهيد" من حديث أبي قلابة الرّقاشي، عن بكر بن بكار، عن علي بن مالك، عن عامر الشعبي، عن المغيرة بن شعبة به، هكذا.
وعلي بن مالك هذا إن كان العبدي، فقد قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء.
وقال البيهقي بعد ذكر حديث معاوية المتقدم: وكذلك فعل عقبة ابن عامر الجُهَني.
وحديث عقبة هذا رواه ابن عبد البرّ من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه أن عقبة بن عامر قام في صلاته، وعليه جلوس، فقال الناس: سبحان الله، فعرف الذي يريدون، فلما أتم صلاته سجد سجدتين، وهو جالس، ثم قال إني سمعت قولكم، وهذه السنة.
قال العلائي: وإسناد هذه الرواية صحيح، وحملها البيهقي على الرواية التي رواها
стр. 8804
عن معاوية مفسرةً أن سجود السهو كان قبل التسليم.
والحاصل: أن هذه الروايات بعضها محتمل لا يُحمل على ذلك، والذي صرّح فيها بأن السجود كان بعد التسليم، كحديث المغيرة بن شعبة لا يقاوم حديث ابن بُحينة المتفق على صحته وثبوته. والله سبحانه أعلم.
وأما حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ الذي أشار إليه الشيخ محيى الدين ﵀، فأخرجه الترمذي من حديث إبراهيم بن سعد، وابن ماجه من حديث أبي سلمة، كلاهما عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن ابن عوف ﵃، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى، أو اثنتين، فليبن على واحدة، وإن لم يدر اثنتين صلى، أو ثلاثًا، فليبن على اثنتين، وإن لم يدر ثلاثًا صلى، أو أربعًا، فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلّم". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف من غير هذا الوجه، رواه الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف. انتهى كلامه.
ورواه ابن عبد البرّ في "التمهيد" من حديث أحمد بن خالد الوهبي، عن ابن إسحاق، عن مكحول به، وفيه زيادة قصة أن عمر بن الخطاب سأل ابن عباس عن هذا الحكم، وذكر أنه لم يسمع فيه شيئًا، فدخل عليهما عبد الرحمن بن عوف ﵃، فقال: لكني عندي منه علم، سمعت ذلك من النبي ﷺ ، فقال له عمر ﵁: فأنت العدل الرضى، فماذا سمعت؟ فذكر الحديث كما تقدّم، وفي آخره: "حتى يكون الوهم في الزيادة, ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم".
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" بهذه القصة من حديث ابن إسحاق هكذا، وقال فيه: على شرط مسلم.
قال الحافظ العلائي ﵀: وفيما قال نظر من وجهين:
أحدهما: أن مسلمًا ﵀ لم يحتج بابن إسحاق في الأصول، بل في المتابعات في مواضع يسيرة، فليس على شرطه في الأصول.
الثاني: أنه لو احتجّ به في الأصول لم يكن هذا على شرطه، بل ولا صحيحًا، كما قال الترمذي، لأن ابن إسحاق مدلس عن الضعفاء، وقد قال هنا: عن مكحول، فلا يُحتَجّ به على القاعدة المعروفة في مثله من المدلسين.
وهذا الحديث مما دلّسه، فقد رواه البزّار في "مسنده" من حديث عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن إسحاق، حدثنا حُسين بن عبد الله، عن مكحول، عن
стр. 8805
كريب، عن ابن عباس به.
وبين ذلك إسماعيل ابن عُليّة، فقال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن ابن عبّاس، قال: كنّا عند عمر، فذكر الحديث.
قال محمد بن إسحاق: فلقيت حُسين بن عبد الله، فذاكرته هذا الحديث، فقال لي: هل أسنده لك؟ فقلت لا، فقال: لكن حدثني مكحول عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، فذكر الحديث. أخرجه البيهقي هكذا من حديث إسماعيل ابن علية، وكذلك رواه البزّار أيضًا من طريقه. وكذلك رواه ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، عن ابن إسحاق، عن مكحول: أن رسول الله ﷺ ، فذكره مرسلًا، ثم أسنده عن حسين بن عبد الله، كما قال ابن عُلية، والمحاربي.
فتبين أن ابن إسحاق لم يسمع الحديث متصلًا، إلا من حسين بن عبد الله, عن مكحول، لا من مكحول نفسه.
وحسين هذا ضعيف باتفاقهم، قال علي بن المديني: تركت حديثه. وقال النسائي: متروك. وقال أحمد بن حنبل: له أشياء منكرة.
قال العلائي: والعجب من تصحيح الترمذي الحديث مع هذه العلة!!.
وأما الرواية التي أشار إليها الترمذي من طريق الزهري، فهي من رواية إسماعيل بن مسلم المكي، عنه، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف.
قال البيهقي: ورواها أيضًا بقية، عن بحر بن كنيز السقاء، وكذلك روي عن سفيان ابن حسين، عن الزهري.
قال العلائي: إسماعيل بن مسلم المكي متروك، قاله النسائي، وقال الجُوزجاني: واه جدًّا، واتفقوا على ضعفه.
وبحر بن كنيز السقاء متروك باتفاقهم، لم يُخرّجوا له.
وطريق سفيان بن حسين لا أراها تصحّ إليه.
وللحديث طريق أخرى، رواها البيهقي من حديث عبد الله بن واقد الحَرّاني، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، كرواية ابن إسحاق.
وعبد الله بن واقد هذا وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في رواية، وقال في رواية أخرى: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ضعيف، لا يُحدَّث عنه. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ذهب حديثه. وقال البخاري: تركوه. وقال النسائي: ليس بثقة.
فهذه طرق حديث عبد الرحمن بن عوف، وليس شيء منها مما يُحتجّ به، فلا يُغتَرّ
стр. 8806
بتصحيح الترمذي، والحاكم له، كما قلدهما الشيخ محيي الدين -يعني النووي في "مجموعه" جـ ٤ ص ١٠٩ - في ذلك. وبالله التوفيق.
فإذا عرفت هذه الأحاديث، فالكلام الآن في مآخذ الأئمة في العمل بها.
أما داود فلم يَتَعَدَّها، ولم يقل بمشروعية سجود السهو في غير ما ورد في الأحاديث كما تقدم، جريًا على عادته في الظاهرية، وفصّل السجودَ فيها قبل السلام وبعده حسبما ورد في الأحاديث المتقدمة.
وأما باقي الأئمة، فإنهم عَدَّوُا الحكمَ إلى غيرها، لعدم الفارق، وقوة المقتضي للإلحاق، بل لو قيل بأن ذلك من باب الأمة والعبد في العتقال في قُطع فيه بنفي الفارق لم يكن بعيدًا لأنه من المعلوم أنه لا فرق بين زيادة فعل وفعل في الصلاة، ولا بين السلام من اثنتين، والسلام من ثلاث في الرباعية، ولا بين السهو في الصبح والظهر، فالاقتصار على ما ورد في الحديث ظاهر البطلان.
ثم اختلف الأئمّة في كيفية العمل بهذه الأحاديث:
فأبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله سلكا مسلك الترجيح بينها، وردّ بعضها إلى بعض.
ومالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه سلكوا مسلك الجمع بين جميع الأحاديث، والعمل بكلها.
فأما أبو حنيفة ﵀، فإنه اعتمد حديث ابن مسعود ﵁ الذي قال فيه النبي ﷺ : "وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين".
وقد تقدم الحديث، وأنه صحيح بهذه الزيادة، وانضمّ إلى ذلك فعله ﷺ في أحاديث ذي اليدين، وما تابعها من رواية أبي هريرة، وعمران بن حصين، وغيرهما: أن النبي ﷺ سجد بعد التسليم، واحْتُجّ له أيضًا بأحاديث أُخر قولية صرّح فيها بالسجود بعد التسليم.
منها: حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من شكّ في صلاه، فليسجد سجدتين بعد ما يسلم". أخرجه أبو داود، والنسائي من حديث ابن جريج، عن عبد الله بن مسافع، عن مُصعب بن شيبة، عن عُتبة بن محمد بن الحارث، عن عبد الله بن جعفر.
وعُتبة هذا ذكره ابن حبان في "الثقات"، ولم يضعّفه أحد.
قال العلائي: وكذلك لم أر أحدًا ضعف عبدَ الله بن مسافع، ولا من وثّقه، ولكنه
стр. 8807
معروف روى عنه جماعة، وهو مقلّ.
وأما مصعب بن شيبة، فقد احتجّ به مسلم، ووثقه يحيى بن معين، وقال فيه أحمد ابن حنبل: روى مناكير، وقال أبو حاتم الراوي: ليس بقوي، وقال النسائي: منكر الحديث.
ومنها: حديثُ ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لكل سهو سجدتان بعد ما تُسلّمُ". أخرجه أبو داود، وابن ماجه.
وهذا أقوى ما يحتجّون به لتعميم محالّ السهو بصيغة "كل"، ولأن أبا داود أخرجه، وسكت عنه، والقاعدة التي يسلكها الشيخ محيي الدين ﵀ كثيرًا بأن كلّ ما سكت عنه أبو داود فهو حجة لا زمة له هنا، لكنه قال في "شرح المهذب": هذا حديث ضعيف ظاهر الضعف، ولم يُبيّن ضعفه من أي وجه.
والحديث مداره على إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير بن سالم العنسي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن ثوبان ﵁.
وعبيد الله بن عُبيد، وزُهير بن سالم، وثقهما ابن حبان، ولم يُتَكَلَّم فيهما ما علمتُ. وعبد الرحمن بن جُبير، وأبوه احتجّ بهما مسلم.
فالذي يُتَعَلَّق عليه في هذا الحديث هو إسماعيل بن عياش، فقد ضعفه النسائي وجماعة، وقال ابن حبان: لا يُحتجّ به.
وفي هذا التعلق نظر، فقد وثقه ابن معين، ويعقوب بن سُفيان، وجماعة. وقال يزيد ابن هارون: ما رأيت أحفظ من إسماعيل بن عياش، وقال أحمد بن حنبل والبخاري: إذا حدّث عن أهل بلده -يعني الشاميين- فصحيح، وإذا حدّث عن غيرهم ففيه نظر، وكذلك قال يحيى بن معين في رواية: ليس به بأس في أهل الشام، وقال دُحَيم: هو في الشاميين غاية. وهكذا ابن عديّ بعد ذكر ما قيل فيه: وفي الجملة هو ممن يُحتجّ به في الشاميين خاصّةً.
فهذا القول هو الصحيح الذي استقرّ عليه العمل، وهذا الحديث من روايته عن أهل الشام، فتضعيفه فيه نظر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الذي يظهر -كما قال بعض المحققين- أن إعلال هذا الحديث ليس من جهة إسماعيل، بل من جهة زهير بن سالم، فإنه -وإن وثقه ابن حبان- قال فيه الدارقطني: حمصي منكر الحديث، روى عن ثوبان، ولم يسمع منه. انظر "تهذيب التهذيب" جـ ٣ ص ٣٤٤.
стр. 8808
فتين بهذا أن الحديث فيه زهير بن سالم منكر الحديث، وسيأتي عن العلائي أن فيه علةً أخرى، وهو الانقطاع، فلا يصحّ. فتنبه. والله تعالى أعلم.
قال العلائي رحمه الله تعالى: والذي اعتمده البيهقي في ردّ هذا الحديث بعد ما ضعّفه: الروايات المستفيضة الثابتة عن النبي ﷺ أنه سلم، وتكلّم، ومشى، واقتصر على سجدتين، مع تعدد السهو، كما تقدم ذلك في أحاديث ذي اليدين، وسيأتي ما يتعلق بهذه المسألة إن شاء الله تعالى، وأن هذا الحديث لا يلزم منه الدلالة على تعدد السجود بتعدد السهو.
وإذا ردّ هذا الفصل لمعارضته ما هو أرجح منه وأثبت، وأكثر طرقًا، وأصحّ، لا يلزم منه ردّ الأمر الآخر، أعني تعيّن السجود بعد السلام، لأنه معتضد بحديث ابن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وبفعل النبي ﷺ غير مرّة.
فهذا معتمد القائلين بأن سجود السهو بعد السلام على الإطلاق، ويَردّ عليهم حديثُ أبي سعيد الخدري ﵁ الذي عَيَّن فيه النبيُّ ﷺ الأمر بسجود السهو قبل السلام، وهو صحيح أخرجه مسلم كما تقدم.
وكذلك الروايات التي تقدمت في حديث أبي هريرة ﵁ بتعيين سجود السهو قبل السلام، وهي مما يحتجّ بها، وحديث عبد الله ابن بُحَينة المتفق على صحته، ولم يُختلف فيه أن النبي ﷺ سجد قبل السلام.
فأجابوا عن حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بأن مالكًا وجماعةً أرسلوه، وهو جواب ضعيف، لأن وصله، وإسناده ثابت محكوم بصحته كما تقدم، ثم هو أرجح من جهة السند من حديث عبد الله بن جعفر، ومن حديث ثوبان، لخلوّ إسناد أبي سعيد عن متكلم فيه، واشتمال حديث ابن جعفر على مصعب بن شيبة، وهو متكلم فيه، وهذا، وإن كان مندفعًا باحتجاج مسلم به، ولكن يظهر فائدته في الترجيح عند التعارض، كما صرّح به الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في كتابه "علوم الحديث".
وحديث ثوبان فيه إسماعيل بن عيّاش، وقد تُكُلِّم فيه كثيرًا، وقال فيه أبو إسحاق الفزاري: لا تأخذوا عن إسماعيل بن عيّاش شيئًا، لا ما روى عن المعروفين، ولا غيرهم، ثم لو قبلناه على قول أحمد والبخاري، فحديث أبي سعيد الخدري أصحّ منه.
ثم لحديث ثوبان علة أخرى غيرُ إسماعيل بن عيّاش، وهي أنه اختلف فيه عليه، فرواه هكذا عنه عمرو بن عثمان الحمصي وحده متصلًا، وخالفه عثمان بن أبي شيبة، وشُجاع بن مخلد، وأبو توبة الربيع بن نافع، فرووه عن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عُبيد، عن زهير بن سالم، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نفير، عن ثوبان،
стр. 8809
ولم يقولوا فيه: "عن أبيه"، وعبد الرحمن بن جُبير لم يدرك ثوبان، فالراجح أنه منقطع، لقول الجماعة.
ولا يبقى النظر إلا في الترجيح بين حديث ابن مسعود، وحديث أبي سعيد الخدري ﵄، وما تابعه في بعض طرق حديث أبي هريرة ﵁.
وقد تقدم أن حديث ابن مسعود لم تتفق الروايات فيه على قوله: "ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين"، ولكنها زيادة صحيحة.
وحديث أبي سعيد اتفقت الروايات فيه على تعيين السجود قبل التسليم، ففي تقديم أحدهما على الآخر نظر من حيث الإسناد، بل إن اتفق أمر خارجيٌّ رُجح به، وإلا فلا.
وأما حديث ابن بُحينة فقد أجاب عنه الطحاوي وغيره بأن حديث المغيرة بن شعبة قد عارضه، وفيه السجود بعد السلام في صورة النقص التي انتفت في حديث ابن بُحينة بعينها.
وتأول بعضهم حديث ابن بُحينة بأن المراد بالسجود هنا سجود الصلاة الذي من صُلب الركعة، أو بأن المراد بقوله: "قبل السلام" السلام الثاني.
وقال بعضهم: يَحتَملُ أن يكون النبي ﷺ سجد في قصة ابن بحينة قبل السلام سهوًا.
قال العلائي ﵀: وهذه كلها خلاف الظاهر، أو باطلة، وكيف يُحمل السجود هنا على ركن الصلاة، وقد قال عبدُ الله ابن بحينة: فلمّا قضى الصلاة، وانتظرنا تسليمه سجد سجدتين، ثم سلّم؟!!
وكذلك حملُ السلام على التسليمة الثانية، فإن سجود السهو لا يكون إلا بعد التسليمتين اتفاقًا، وأما السهو فالأصل عدمه، وتطريقه إلى الأفعال الشرعية من غير دليل يدل على ذلك الفعل لا يجوز، ثم إنه مقابل بعكسه، فقد قال جماعة من أصحابنا: إن سجود النبي ﷺ في قصة ذي اليدين بعد السلام محمول على أنه أخّره سهوًا.
وفي كلام الشافعي إشارة إليه، بل هذا الاحتمال أولى، لأن نقل ما ليس من نفس الصلاة إليها بعيد، بخلاف سجود السهو من قبل السلام إلى ما بعده.
والحقّ أنه لا يُحمل شيء من هذين الفعلين على السهو، لمخالفته للأصل من غير دليل، وتطرق ذلك إلى ما لا يسوغ في الاستدلال بفعله ﷺ .
وأما معارضة حديث المغيرة بن شعبة لحديث ابن بُحينة ﵄، فقد تقدم أن إسناد حديث المغيرة ليس بالقويّ، وأن حديث ابن بحينة أصح منه، وقد اعتضد بحديث معاوية ﵁. وحكى أنه شاهد هذا من النبي ﷺ ، ومعاوية متأخر الإسلام من مسلمة الفتح.
стр. 8810
فالترجيح ظاهر لحديث ابن بحينة، ومن تابعه هذا فلا ريب فيه (١).
وحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ يُمكن ردّه إلى حديث ابن بحينة كما تقدم.
قال ابن عبد البرّ ﵀: ويكفي حجةً في ذلك أن الإمام أحمد من أكبر أئمة الحديث المعتبر قولهم المطلعين على جميع طرقه، قد قال بأنه في النهوض من الركعتين، والسهو عن التشهد الأول يسجد قبل السلام لا غير، فدلّ ذلك على ترجيحه حديث ابن بُحينة، وأنه لم يَعتبر حديث المغيرة بن شعبة.
واحتج الطحاوي بما رُوي عن عمر ﵁ أنه صلى صلاة المغرب، فلم يقرأ في الركعة الأولى شيئًا، فلمّا كان في الثانية قرأ فيها بفاتحة الكتاب، وسورة مرتين، فلما سلم سجد سجدتي السهو، وهو عنده من رواية شعبة، عن عكرمة بن عمّار, عن ضَمْضَم بن جَوْس، عن عبد الرحمن بن حنظلة بن الراهب، أن عمر ﵁، فذكره.
وأشار بذلك إلى أن عمر ﵁ لم يسجد بعد السلام في النقص إلا وقد علم من النبي ﷺ أن فاعله في حديث ابن بُحينة قد نُسخ.
قال الحافظ العلائي ﵀: وجواب هذا أنه لا يلزم منه النسخ، ولا يعارض فعل النبي ﷺ بفعل غيره، وما الذي يدلّ على أن عمر ﵁ اطلع على سجود النبي ﷺ يوم ابن بُحينة قبل السلام، ثم خالفه حتى تعذر اطلاعه على ناسخ؟
ثم روى عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: سجود السهو بعد التسليم، ولم يفرّقوا, منهم ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وآخرون.
وجوابه ما تقدم أن فعل النبي ﷺ ، وما ثبت عنه أمرًا وفعلًا لا يُعارضه غيره من عمل الصحابة، ولو قدر اطلاعهم على سجود النبي ﷺ قبل السلام، فما المانع من اعتقادهم تسويغ كل واحد من الأمرين.
وهذا هو الأولى كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
ويدلّ على ذلك اختلاف الرواية عنهم، فقد اختلف عن ابن عباس، وابن الزبير ﵃ كما تقدّم.
ثم قال الطحاوي: وأما من جهة النظر، فإنا رأينا سجود السهو يُؤخر عن موضع السهو بخلاف سجود التلاوة، ومن نسي سجدة من صلاته إلى آخر الصلاة، فإنه اختلف في تقديمه على السجود، أو تقديم السجود عليه، فكان النظر أن يكون حكمه في تقديمه على السجود حكم ما قبله من الصلاة المتفق على تقديمه عليه.
стр. 8811
وجواب هذا أنه ليس بقياس صحيح، ولو كان قياسًا معتبرًا فهو في مقابلة النصوص الصحيحة، فلا يُقبل.
ثم هو معارض بقياس أقوى منه، وهو أن سجود السهو شُرع جبرًا لما وقع في الصلاة من الخلل، إما بزيادة، أو نقص، والأصل أن الجابر يقع في المجبور لينجبر باتصاله به، لأن الإصلاح والجبر بعد الانفصال عن الصلاة بعيد، فالقياس يقتضي أن يكون قبل السلام مطلقًا، وإذا كان لا بدّ من اعتبار القياس، فهذا أولى، والله أعلم.
وأما الشافعية على المشهور عندهم من أقوال الشافعي ﵀، فإنهم رأوا أن تقديم حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أولى من حديث ابن مسعود ﵁ من جهة اتفاق الرواة في الأول على التصريح بكون السجود قبل السلام، واختلافهم في ذلك في حديث ابن مسعود، كما تقدم، ومن جهة أن أبا سعيد الخدري ﵁ من أحداث الصحابة، فتشعر روايته بالتأخر بخلاف ابن مسعود، ومن جهة اعتضاد حديث أبي سعيد بما في حديث أبي هريرة ﵁ من التصريح بكونه قبل السلام، وهو متأخر الإسلام كما تقدّم.
قالوا: وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ شمل القسمين الزيادة والنقص على كلا التقديرين، لقوله ﷺ : "فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى تمامًا لأربع كانت السجدتان ترغيمًا للشيطان"، وقال في كلّ منهما: "ثم يسجد قبل أن يسلم"، والزيادة المقدّرة كالمحققة، فكانت دلالة الحديث تقتضي أن السجود قبل السلام مطلقًا في حالتي السهو بالزيادة والنقص.
قالوا: وهذا أولى بالأخذ من أحاديث ذي اليدين، لأن دلالة حديث أبي سعيد قولية لا تحتمل تأويلًا، ودلالة حديث ذي اليدين فعلية تحتمل أنه كان عن سهو منه ﷺ -أعني تأخير السجود إلى بعد السلام- وقد تقدم الاعتراض على تقدير السهو في تأخير السجود إلى بعد السلام في حديث ذي اليدين، إذ لا دليل عليه، بل كيف يقال ذلك، وقد تكرر هذا منه ﷺ غير مرة كما تقدم في أحاديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن حُديج ﵃، وأنها وقائع متعددة، فاحتمال السهو فيها بعيد، أو باطل لا وجه له.
وقد اعترض بعض المالكية على حديث أبي سعيد بالإرسال فيه، وتقدّم أن هذا اعتراض ضعيف، فالحديث صحيح لا ريب فيه.
ومنع بعضهم إلحاق الزيادة المتوَهَّمَة بالمتحققة، فقال: إنما نقول بسجود السهو بعد السلام حيث تتحقق الزيادة، كما في قصة ذي اليدين، وإذا كانت الزيادة متوهمة، فالسجود لها قبل السلام، وهذا إنما يتمشّى على القول الذي حكاه الداودي عن مالك:
стр. 8812
أن السجود في صورة الشك يكون قبل السلام كما دل عليه حديث أبي سعيد، وليس هذا الراجح عند المالكية، بل الصحيح عندهم أن توهم الزيادة كتحققها في كونها تقتضي السجود بعد السلام.
ثم قال أصحاب الشافعي: أحاديث ذي اليدين على أن المراد بالسلام الذي وقع السجود بعده هو السلام على النبي ﷺ الذي في التشهد، وهذا تأويل بعيد، لأن السابق إلى الفهم عند إطلاق السلام في سياق ذكر الصلاة هو الذي به التحلل.
وأشار الشافعي في القديم إلى شيء آخر، فقال: أخبرنا مطرّف بن مازن، عن معمر، عن الزهري، قال: سجد رسول الله ﷺ سجدتي السهو قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين قبل السلام.
فاعتمد كثير من الشافعية هذا، وقالوا: السجود بعد السلام منسوخ، وهذا فيه نظر من وجوه:
أحدها: من جهة مطرّف بن مازن، فقد ضعفه الجماعة كلهم، وقال فيه ابن معين: كذاب.
الثاني: أن هذا قول من الزهري غير مسند، بل مرسل، أو منقطع، فكيف يثبت بمثله النسخ؟!!
الثالث: أنه لو كان مسندًا صحيحًا لم يلزم منه النسخ لو جهين:
أحدهما: ما ذكره إمام الحرمين: أن فعل النبي ﷺ لا يتضمّن الإيجاب عند المحققين، ولكنه يتضمن الجواز والإجزاء، فلئن صحّ ما ذكره الزهري أنه سجد آخرًا فهذا لا يعين ذلك، ولا ينفي جواز ما تقدم.
الثاني: ما ذكره تقي الدين ابن دقيق العيد: أن شرط النسخ التعارض باتحاد المحلّ، ولم يقع ذلك مصرحًا به في رواية الزهريّ، فيحتمل أن يكون الأخير هو السجود قبل السلام، لكن في محلّ النقص، وإنما يقع التعارض المحوج إلى النسخ لو تبين أن المحلّ واحد، ولم يتبّين ذلك.
قال الحافظ العلائي: وهذا بخلاف قول جابر ﵁: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، إذ هما متعارضان من كلّ وجه، لتحريم الصلاة بدون الوضوء إذا كان أكله ناقضًا للوضوء، فدلّ تركه، والصلاة بدونه على النسخ.
وسلك بعض أصحاب الشافعي في هذه الأحاديث مسلكًا آخر، وهو الترجيح، فجعله من جانب مَنْ قال بأنه على الإطلاق قبل السلام لكثرة الرواة، وهذا أيضًا فيه نظر من وجهين:
стр. 8813
أحدهما: منع كثرة الرواة من هذا الجانب، بل الظاهر أن الأكثر رواةً هو ما يدلّ عن تأخره بعد السلام، بدليل أحاديث ذي اليدين المتقدمة، وتعدد طرقها وصحتها.
الثاني: أن الترجيح إنما يُصار إليه عند تعذر إمكان الجمع والتعارض في محلّ واحد، وذلك كله ممنوع هنا. فهذا ما يتعلق بهذه الطريق. والعلم عند الله .
وقد روى عبد الرزاق في "مصنفه": أخبرنا معمر وابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمران بن حصين ﵁، عن النبي ﷺ قال: "التسليم بعد سجدتي السهو".
وهذا حديث غريب بهذا اللفظ، ويمكن حمله على السلام الذي بعد سجود السهو، لا على سلام التحلل من الصلاة. والله أعلم.
وأما الطريق الثاني: وهو الجمع بين الروايات، والعمل بها فقد تقدم أنها تشتمل على ثلاث مذاهب:
أحدها: قول مالك ﵀ المشهور عند أصحابه أن ما كان السهو فيه بزيادة، فمحلّ السجود له بعد السلام، وما كان بنقص، فمحله قبل السلام، وهو القول القديم للشافعي، واختيار المزني كما تقدم.
قال المالكية: وبهذا يحصل الجمع بين حديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة، وأيدوا ذلك من حيث المعنى بأن السجود في النقصان لصلاح الصلاة وجبرها، والإصلاح والجر لا يكونان بعد الخروج من الصلاة، وأما السجود في الزيادة، فإنما هو ترغيم للشيطان، وذلك ينبغي أن يكون بعد الفراغ، هكذا قاله ابن عبد البرّ.
ولقائل أن يمنع أن السجود في سهو الزيادة ترغيم للشيطان، بل هو أيضًا جبر لما حصل في الصلاة من النقص والخلل بالزيادة فيها، فإنه نقص في المعنى، وخلل يحتاج إلى جبر، وإنما السجود الذي سماه النبي ﷺ ترغيمًا للشيطان هو السجود للشكّ إذا أخذ المصلي بالاحتياط، وبنى الأمر على اليقين، وهو الأقلّ، ثم كان الأمر كذلك في نفس الأمر، فإن صلاته، والحالة هذه تامّة، لا نقص فيها ولا زيادة، فأشار النبي ﷺ إلى أن السجود في هذه الصورة ترغيم للشيطان، لئلا يوسوس له أن في صلاته خللًا، فإنه حينئذ يخيّبه بأن الخلل قد انجبر بسجود السهو، وهذا ظاهر من لفظ الحديث في قوله ﷺ : "فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى تمامًا لأربع كانت السجدتان ترغيمًا للشيطان.
فيحتاج من يقول: إن سجود السهو في حال الزيادة ترغيم للشيطان إلى دليل على
стр. 8814
ذلك، ثم إن المشهور من قول مالك ﵀ في صورة الشك أنه يسجد بعد السلام سواءٌ توهم الزيادة أو النقص كذلك قال القرطبي وغيره: إنه الصحيح من مذهبه.
فعلى هذا لم يحصل الجمع بين الأحاديث، لأنه ألغى حديث أبي سعيد بالكلية الذي صرّح فيه بالسجود قبل السلام، وهو ثابت مجمع على صحته كما تقدم، فلم يجمع مالك ﵀ إلا بين أحاديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة فقط.
وطريق أحمد بن حنبل ﵀ في الجمع بين الأحاديث أقوى من جهة أنه جمع حديثي ابن مسعود وأبي سعيد الخدري، فقال: إذا شك في عدد الركعات فله حالتان:
إحداهما: أن يبني على اليقين, وهو الأقلّ، ويأتي بما بقي, فحينئذ يسجد قبل السلام، عملًا بحديث أبي سعيد الخدري.
والثانية: أن يتحرى، ويعمل بما غلب على ظنه أنه أقرب إلى الصواب، فحينئذ يسجد بعد السلام، عملًا بحديث ابن مسعود، وظاهر مذهبه أن المنفرد يبني على اليقين، والإمام يبني على غالب ظنه، كذلك قاله في "المقنع"، فكأنه حمل حديث أبي سعيد على المنفرد، وحديث ابن مسعود على الإمام، ورأى أن ذلك أولى من تعطيل أحدهما، وتقديم الآخر عليه.
وقال فيمن نسي التشهد الأول، ونهض من الركعتين: إنه يسجد قبل السلام، عملًا بحديث ابن بحينة، وتقديمًا له على غيره كما تقدم لصحته. وفيين سلّم من ركعتين، أو من ثلاث، وتكلم، أو مشى: يسجد بعد السلام، عملًا بأحاديث ذي اليدين، ثم قال فيما سوى ذلك من أنواع السهو: إنه يسجد له قبل السلام، لأن جبر الخلل الواقع في الصلاة إنما يكون في صلبها، لا خارجًا عنها، وقد تقدّم قوله: لولا ما روي عن النبي ﷺ لرأيت السجود كله قبل السلام.
وقد اعترض بعض الأئمة على هذا القول، وجعل اختصاص السجود بما بعد السلام بالمواضع التي وردت في حديث ذي اليدين، وما تابعه نوعَ ظاهرية.
وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ﵀: يترجح قول مالك بأن تُذكر المناسبة في كون سجود السهو قبل السلام عند النقص، وبعده عند الزيادة، وإذا ظهرت المناسبة، وكان الحكم على وفقها كانت علة، وإذا كانت علةً عم الحكم جميع محالها، فلا يتخصص ذلك بمورد النصّ.
قال العلائي: ولقائل أن يقول: إن كانت المناسبة المشار إليها هي ما تقدم عن ابن عبد البرّ، ففي كونها مناسبة نظر، وقد مضى الكلام عليها، وإن كانت غيرَها فلتُبَيَّن، بل الذي تقتضيه المناسبة أن يكون سجود السهو قبل السلام مطلقًا كما تقدم.
стр. 8815
وأما إسحاق بن راهويه فكأنه اعتبر هذه المناسبة، فقال بالأحاديث كلها على نحو مما قاله الإمام أحمد، ثم فرق فيما عداها بين الزيادة والنقص، فقال كقول الإمام مالك، ويرُدُّ عليهما جميعًا أن اختصاص الإمام بالتحرّي والاجتهاد في حالة الشكّ، واختصاص المنفرد بالبناء على اليقين يحتاج إلى دليل،، فإن كان ذلك للجمع بين الحديثين، فلم لا قيل العكس؟
فإن أبدوا مناسبة ذلك بأن المنفرد ليس له من يذكّره، فيحتاج إلى البناء على اليقين بخلاف الإمام، فإنه يتحرى لأنه يرجع إلى قول المأمومين، قلنا: لا نسلّم أن الإمام يلزمه الرجوع إلى قول المأمومين ما لم يتذكر، بل لا فرق بين الإمام والمنفرد، وقد قال الخطابي: إن حقيقة التحرّي هو طلب أحرى الأمرين، وأولاهما بالصواب، وأحراهما ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ من البناء على اليقين، لما فيه من كمال الصلاة, وللاحتياط لها، قال: ويدلّ على أن التحرّي قد يكون بمعنى اليقين قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤].
قال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: فهذا ما يتعلق بهذه الأقوال الخمسة في موضع سجود السهو.
والقول السادس لعله أقربها إلى الصواب، وهو ردّ الأمر إلى التخيير، واستواء الأمرين، لثبوت الأحاديث فيها من كل جهة، وبُعْد الجمع بينها على وجه يعم جميعها، وبُعْد المناسبة الفارقة بين الزيادة والنقصان، ولا ينافي القولُ بهذا القول بالأولوية في بعض الصور، إما قبل السلام أو بعده حسب ما ثبت في الأحاديث، وقد اختار هذا القول الشيخ أبو حامد الإسفرايني من أصحاب الشافعي. والله سبحانه أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختاره الحافظ العلائي ﵀، وهو ردّ الأمر إلى التخيير فيما لا نص فيه هو الأرجح عندي.
وحاصله أن ما نُصّ فيه بأن النبي ﷺ سجد فيه قبل السلام فهو قبل السلام، وما كان فيه أنه سجد فيه بعد السلام فهو بعد السلام، وما ليس فيه نص فهو بالتخيير.
وقد اختار هذا القول العلامة الشوكاني ﵀ في "نيل الأوطار" جـ ٣ ﷺ ، ١٣٤ وعبارته هناك: وأحسن ما يقال في المقام: إنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله ﷺ من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب السجود مقيدًا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيّدًا ببعد السلام سجد له بعده، وما لم يرد تقييده بأحدهما كان مخيّرًا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص، لما أخرجه مسلم في "صحيحه" عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد
стр. 8816
سجدتين". وجميع أسباب السجود لا تكون إلا زيادة أو نقصًا، أو مجموعهما. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة العاشرة: في اختلاف أهل العلم في حكم التشهد والسلام بعد سجدتي السهو:
(اعلم): أنهم اختلفلوا أيضا في سجود السهو، هل يعقبه تشهد وسلام، أم لا؟، أم أحدهما؟ وهل يحتاج إذا وقع بعد السلام إلى تكبيرة الإحرام، أم لا؟
فروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁ أنه يتشهد فيها، ويسلم. وعن حماد بن أبي سليمان، والحكم كذلك، وعن إبراهيم النخعي أيضًا، ورواه عبد الرزاق عن قتادة.
وقال آخرون: لا تشهد بعدها، ولا تسليم، روى ابن أبي شيبة ذلك عن أنس بن مالك، والحسن البصري، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح على خلاف عنه.
وقال آخرون: يُسلّم بعدها، ولا يتشهد، روي هذا عن سعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن إبراهيم النخعي، والحسن البصري أيضًا، وحكاه ابن عبد البرّ عن ابن سيرين. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: أحبّ إلي أن يتشهد فيهما. وحكى ابن عبد البرّ أيضًا عن يزيد بن قُسيط أنه يتشهّد بعدهما، ولا يسلم، قال: وهو رواية أيضًا عن الحكم بن عُتيبة، وحماد، والنخعي. فهذه أقوال المتقدمين.
وأما الأئمة الأربعة، فقال القاضي عياض ﵀: مذهب مالك ﵀ أنه إذا كانتا -يعني السجدتين- بعد السلام، فيتشهد لهما، ثم يسلم، ثم اختُلفَ عنه، هل يجهر بسلامهما الإمام كسائر الصلوات، أم يسرّ، ولا يجهر؟، واختُلف عنه، هل لهما تكبيرة إحرام أم لا؟، واختلف عنه، هل يتشهد لهما إذا كانتا قبل السلام أم لا؟.
وأشار القرطبي إلى ترجيح القول باشتراط تكبيرة الإحرام إذا كانتا بعد السلام، لكن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام، وما يُتحلل منه بسلام لابدّ من تكبير يُتَحرّم به كسائر الصلوات.
ومذهب أبي حنيفة أنه يتشهد بعد سجدتي السهو، ثم يسلم، ولا يحتاج عندهم إلى تكبيرة إحرام، لأنه لم يخرج بالسلام الذي قبل سجود السهو من الصلاة أصلًا.
هذا قول محمد بن الحسن، حتى قال: يجوز للمقتدي أن يأتمّ به ابتداء بعد ما سلّم، ويكون كالمسبوق.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن سجد للسهو بعد ما سلم لم يكن خارجًا من الصلاة بسلامه ذلك، وجاز أن يُؤتمّ به، وإن أعرض عن السجود، وكان بذلك السلام خارجًا
стр. 8817
من الصلاة، فلم يجز ربط القدوة به. ويظهر فائدة الخلاف بينهم في انتقاض الطهارة بالقهقهة على أصلهم، واتفقوا على أنه لو سلّم يريد به قطع الصلاة لَغَت هذه الإرادة، وأتى بسجود السهو الذي عليه، لأن نيته تغيير للمشروع.
وقال أحمد ﵀: متى سجد قبل السلام لم يَحتج إلى تشهد، وكان سلامه بعد السجود هو الذي يتحلل به من الصلاة، ليس معلقًا بسجود السهو، وأما إذا سجد بعد السلام، فإنه يتشهد بعده، ثم يسلّم، ولم يذكر تكبيرة إحرام.
وأما مذهب الشافعي، ﵀، فإن سجد قبل السلام، فلا تشهد، ولا تسليم قطعًا، وإن سجد بعده ففيه تفاصيل لأصحابه قد ذكرها العلائي ﵀، وتركتها اختصارًا، فراجعه ص ٣٤٧ - ٣٥٠.
وقد ذكر العلائي ﵀ أدلتهم بعد ذكر أقوالهم، فقال:
أما تكبيرة التحريم فلم يأت ذكرها في حديث صريحًا، إلا ما تقدم أن حمّاد بن زيد روى عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ في حديث ذي اليدين أن النبي ﷺ لمّا أتم الصلاة، وسلم منها كبّر، ثم كبّر، وسجد للسهو. أخرجه أبو داود، وقال: إنها تفرّد بها هشام بن حسان من رواية حماد بن زيد عنه، وقد رواه حماد ابن سلمة، وأبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان لم يذكروا هذه اللفظة- أعني قوله: "كبّر، ثم كبّر".
وكذلك رواه عن ابن سيرين جماعة كثيرون فوق العشرة بدونها.
فالحاصل: أن هذه الزيادة شاذّة، وإن كان راويها ثقةً، ولكنه خالف فيها جماعة حُفّاظًا أكثر عددا منه، فكانت مردودة.
والذي اعتمده القرطبي في اشتراط تكبيرة التحريم ما تكرر في روايات حديث ذي اليدين في "الصحيح" من قول أبي هريرة ﵁: فصلى ركعتين، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر ورفع، ثم كبّر وسجد، ثم كبر فرفع.
قال: فعَطَفَ السجود على التكبير الأول بـ "ثم" التي تقتضي التراخي، ولو كان التكبير للسجود لكان معه مصاحبًا له، ولأتى الراوي به بالواو المتقتضية للجمع، كما فعل في بقية انتقالات السجود.
قال العلائي: وهذا الاستدلال ليس بالظاهري القويّ، بل هو مُحتمل، أو قريب من الظهور.
وأقوى ما يُستدَلُّ به لذلك ما ثبت عن النبي ﷺ من التسليم بعد سجود السهو الذي فعله بعد السلام، كما ثبت هذا من حديث عمران بن حُصين ﵄ عند مسلم.
стр. 8818
والقاعدة تقتضي أن السلام لا يُتحلّل به إلا من عَقْد انعقد قبله بتحرّم، فهذا إذا انضمّ إلى ما قاله القرطبي أفاد قوّةً في تكبيرة الإحرام.
ولكن هذا إذا قلنا بأنه ليس في الصلاة الأولى، أما إذا جعلناه عائدًا إليها كأحد الوجهين لأصحاب الشافعي فيما إذا سلم ناسيًا سجود السهو، وكمذهب أبي حنيفة في أن السلام الأول لم يُخرج به من الصلاة، إذ كان عليه سجودُ سهو، فلا معنى هنا لتكببرة الإحرام، لكن القول بأنه لم يخرج من الصلاة بالتسليم الذي أَتَى به قصدًا بعيدٌ لا وجه له، وقد قال النبي ﷺ : "وتحليلها بالتسليم"، فيحتاج من يقول بأنه لا يخرج من الصلاة إذا تعمد التسليم إلى دليل.
وأما التشهد، فقد روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه جميعًا عن محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرني أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبى قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵄، أن النبي ﷺ صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلّم. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
قال العلائي: أشعث هذا هو ابن عبد الملك الحُمراني، وثقه يحيى بن سعيد القطان، والنسائي وغيرهما. وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: خرج حفص بن غياث إلى عَبّادان، فاجتمع إليه البصريون، فقالوا: لا تحدّثنا عن أشعث بن عبد الملك.
ولم يخرّج الشيخان له شيئا في كتابيهما، لكن البخاري ذكره تعليقًا، وقد ذكره ابن عديّ في كتابه "الكامل في الضعفاء"، لكنه لم يذكر شيئًا يدلّ على تليينه أكثر من قول أهل البصرة هذا، وفي كونه تضعيفًا نظر، لو انفرد، فكيف به مع توثيق يحيى بن سعيد القطان وغيره؟.
والذي اعتمده البيهقي في ردّ هذا الحديث أنه تفرّد به أشعث هذا، وقد رواه شعبة بن الحجاج، ووهيب بن خالد، وإسماعيل ابن عُلية، وحماد بن زيد، وهُشيم بن بَشير، ويزيد بن زريع، وعبد الوهاب الثقفي، كلهم عن خالد الحذّاء، من حديث عمران بن حُصين مطوّلًا ومختصرًا، ولم يذكر أحد منهم التشهّد بعد سجدتي السهو، فهذه الزيادة شاذّة مخالفة للثقات الحُفّاظ المتقنين، فكانت مردودة، هذا لو كان أشعث مقاومًا لمن ذكر، فكيف، وهو دونهم في الإتقان والحفظ بكثير؟، وقد مُسّ أيضًا، وهذا وحده كاف في ردّ زيادة التشهد.
ويدلّ عليه أيضًا ما ثبت من طُرُق عديدة عن ابن سيرين في حديث ذي اليدين بعد
стр. 8819
سياقه حديث أبي هرير ﵁، قال: ونُبِّئتُ عن عمران بن حصين أنه قال: ثم سلم.
فلم يذكر مع السلام تشهدًا، وهو هنا راوي هذا الحديث، فلو كان محفوظًا عنده لذكره ولو مرّةً واحدة.
وفي "صحيح البخاري" عن حماد بن زيد قال سلمة بن علقمة: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة. ولفظ الإسماعيلي: لم أحفظ فيه عن أبي هريرة شيئًا، وأحبّ إليّ أن يتشهد.
وفي سنن البيهقي من حديث محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثني الشعبي، عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ تشهّد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو.
قال البيهقي: وهذا تفرّد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الشعبي، ولا يُفرح بما تفرد به.
ثمّ روى من حديث محمد بن سلمة، عن خُصَيف، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلّم، ثم تشهّدت أيضًا، ثم سلّمت".
ثم قال البيهقي: وهذا غير قويّ، ومختلف في رفعه ووقفه.
قال العلائي: خُصيف الجزري تقدم أن أحمد بن حنبل ضعّفه، وقال مرّةً: ليس بقويّ، وقال أبو حاتم: تُكُلّم في سوء حفظه.
وتقدّم أيضًا أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه شيئًا، لأنه كان صغيرًا جدًا في حياته، قال عمرو بن مرّة: سألت أبا عُبيدة هل تذكر من عبد الله شيئًا؟، قال: لا.
وأما حديث المغيرة، ففيه ابن أبي ليلى، كما قال البيهقي، وهو القاضي الفقيه محمد بن عبد الرحمن كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وقال فيه أحمد بن حنبل: سيء الحفظ مضطرب الحديث، وفقهه أحبّ إلينا من حديثه، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: كان سيء الحفظ شُغل بالقضاء، فساء حفظه، ومع ذلك فقال فيه: محله الصدق، وكذلك قال فيه العجلي: كان صدوقًا جائز الحديث، وقد أثنى عليه جماعة.
قال العلائي: فقد يقال: إن هذه الأحاديث الثلاثة باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، ويُحتجّ بها، وهذا ليس ببعيد، ولكن قال ابن عبد البرّ: أما التشهّد في سجدتي
стр. 8820
السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبي ﷺ ، وكذلك قال النووي: إنه لا يثبت في التشهد حديث. فالله أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لي في تضعيف هذه الأحاديث نظر، ولا سيما رواية أشعث الحمراني، فقد قال ابن التركماني ﵀ تعال بعد ذكر من وثقه من أهل العلم: ما حاصله: وإذا كان كذلك، فلا يضرّه تفرّده بذلك، ولا يصير سكوت من سكت عن ذكره حجةً على من ذكره وحفظه، لأنه زيادة ثقة، كيف، وقد جاء له الشاهدان اللذان ذكرهما البيهقي. انتهى "الجوهر النقي" جـ ٢ ص ٣٥٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الحادية عشرة: في اختلاف أهل العلم في حكم سجود السهو:
(اعلم): أنهم اختلفوا في سجود السهو، هل هو واجب لابدّ منه، أو سنة؟:
فمذهب الشافعي ﵀، وكافة أصحابه أنه سنة، وحكاه الشيخ أبو حامد عن جمهور العلماء.
وقال القاضي عبد الوهّاب المالكي: الذي يقتضيه مذهبنا أنه واجب في سهو النقصان.
وقال القرطبي: من أصحابنا من قال: سجود السهو مندوب، وقال بعض أصحابنا: السجود للنقص واجب، وللزيادة فضيلة، ئم اختلفوا هل ذلك في كلّ نقص، أو يختص الوجوب بما كان المسقط فعلًا، ولم يكن قولًا روايتان.
والصحيح من مذهب الحنفية: أن سجود السهو واجب كذلك، قاله في "الهداية"، وكذلك حكاه الشيخ أبو حامد الاسفرايني وغيره عنهم أنه واجب يأثم بتركه، وليس بشرط لصحّة الصلاة، وهو اختيار الكرخي منهم، وبعض أصحابهم قال: إنه سنة كمذهب الشافعي.
وأما مذهب أحمد ﵀، فأفعال الصلاة منقسمة عندهم على ثلائة أنواع:
أحدها: أركان يُبطل الصلاةَ الإخلال بها عمدًا، ويجب تداركها إذا تركت سهوًا، كتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع والسجود ونحوها.
وثانيها: واجبات، من ترك منها شيئًا عمدًا بطلت صلاته، ومن تركه سهوا لم تبطل، ولم يتداركه، بل يسجد للسهو، كتكبيرات الانتقالات، والتشهد الأول، والجلوس له، والتسبيح في الركوع، وفي السجود وأشباهها.
وثالثها: سننٌ قوليةٌ، كالاستفتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة، والجهر، والإسرار، ونحو ذلك، فهل يُشرَع سجود السهو لتداركها؟ فيه روايتان، وليس سجود
стр. 8821
السهو واجبًا في هذا القسم الأخير قطعًا.
وأما في الثاني: فسجود السهو له واجب قطعًا، وكذلك هو أيضًا واجب إذا سها بزيادة فعل في الصلاة، يُبطلها عمدُهُ، كالكلام والسلام، ونحو ذلك، فإن تعمّد ترك سجود عن واجب محله قبل السلام بطلت صلاته عندهم، وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل، وإذا شكّ في ترك واجب، فهل يلزمه السجود؟ فعلى وجهين، وإن شكّ في زيادة لم يسجد.
واحتجّ أصحاب الشافعي ﵀ على أن سجود السهو سنة، وليس بواجب بما روى أبو داود في "سننه" من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شكّ أحدكم في صلاته فليُلق الشكّ، وليبن على اليقين، فإن استيقن التمام سجد سجدتين, فإن كانت صلاته تامّةً كانت الركعة نافلة، والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تمامًا لصلاته، وكانت السجدتان مُرغمتي الشيطان".
قالوا: فهذا الحديث يدلّ على أن السجدتين نافلة، والحديث حسن، لأن ابن عجلان روى عنه مالك، وشعبة، ووثقه الجمهور، وأخرج له مسلم في مواضع من كتابه، لكن يَردُ على هذا أن الحديث رواه جماعة عن زيد بن أسلم، لم يذكروا هذه الزيادة، وقد تقدم ذلك، وابن عجلان متكلّم في حفظه، وقد أدخله البخاريّ في "كتاب الضعفاء"، فعلى تقدير قبوله إذا خالف من هو أوثق منه، وأحفظ، وأكثر عددًا في قبوله نظر.
وأما القائلون بوجوب سجود السهو، فلهم ثلاث مسالك:
الأول: الأمر بذلك في قوله ﷺ : "ثم ليسجد سجدتين"، وهو صحيح ثابت في حديث ابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما ﵃.
والثاني: التمسك بفعله ﷺ ، وسجوده له كما ثبت في أحاديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة.
قال العلائي ﵀: وهذا إما على القول بأن فعله ﷺ يدلّ على الوجوب فيما ظهر فيه قصد القربة، وإما على القول بأن فعله ﷺ وقع هنا بيانًا لأفعال الصلاة الواجبة، لأنها مُجملة فيما يتعلق بالسهو فيها أيضًا، لم يتبين ذلك إلا بفعله ﷺ ، وبيان الواجب واجب، وهذا فيما إذا كان قبل السلام واضح.
وأما فيما إذا كان بعد السلام فهو على قول من يقول: إن هذا السلام يحصل به التحلل من الصلاة، كالحنفية، وبعض المالكية.
стр. 8822
وأما على طريق الجمع بأن يُضمّ إلى سجوده ﷺ قوله: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، وهو كالذي قبله فيما كان منه قبل السلام أو بعده.
والمسلك الثالث: اعتبار سجود السهو بالمقتضي له الذي يُجبر به.
وقد ناقش هذه المسالك الحافظ العلائي، فانظر كلامه في "نظم الفرائد" ص ٣٦٤ - ٣٦٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن قول من قال بالوجوب هو الراجح؛ لوروده بصيغة الأمر، كما مر بيانه والأمر للوجوب إلا إذا وُجد ما يصرفه، ولم يذكروا هنا ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية عشرة: في اختلاف أهل العلم في تدارك سجود السهو:
روى ابن أبي شيبة عن سلمة بن نُبيط، قال: قلت للضحّاك بن مُزاحم: إني سهوت، ولم أسجد، قال: ها هنا فاسجد، وعن وضّاح، قال: سألت قتادة؟ فقال: يُعيد سجدتي السهو. وعن الحسن، وابن سيرين قالا: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد سجدتي السهو. وعن إبراهيم النخعي، قال: هما عليه حتى يخرج، أو يتكلّم. وعن حماد بن أبي سليمان في رجل نسي سجدتي السهو حتى يخرج من المسجد قال: لا يعيد. وقال ابن شُبرُمة: يعيد الصلاة. وعن الحكم أنه لقي ذلك، فأعاد الصلاة.
وروى عبد الرزاق عن الحسن في رجل نسي سجدتي السهو، قال: إذا لم يذكرهما حتى ينصرف لم يسجدهما، وقد مضت صلاته على الصحّة، وإن ذكرهما وهو قاعد لم يقم سَجَدَهما.
وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: نسيت سجدتي السهو، فتحدثتُ أو تكلمت، ولم أقم؟ قال: فاسجدهما، قلت: فإن قمتُ حين فرغت، ولم أتكلم، ثم ذكرت؟ قال: فاجلس فاسجدهما.
وعن علقمة أنه صلى، فسها، ثم انفتل عن القبلة، فقال له رجل: إنك لم تسجد سجدتي السهو، فقال: كذلك؟ قال: نعم، فانحرف إلى القبلة، فسجدهما.
وأما الأئمة الأربعة ففي مذاهبهم تفاصيل قد استوعبها العلائي ﵀ في كتابه المذكور ص ٣٦٧ - ٣٧٠.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي أن المصلي يَتدارَك سجود السهو، وإن انحرف عن القبلة، أو تكلم، أو خرج من المسجد، ناسيًا؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه سجد للسهو بعد ما انحرف عن القبلة، وتكلم، ودخل حجرته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 8823
المسألة الثالثة عشرة:
تضمنت هذه الأحاديث أن الأفعال المنافية للعبادات التي تقتضي بُطلانها إذا وقعت سهوًا ونسيانًا لا تبطلها، فيؤخذ من ذلك مسألة أصولية، وهي أن المقتضي، وهو اللفظ الذي لابد فيه من أحد تقديرات ليستقيم الكلام، هل له عموم في جميعها أم لا؟، ويُمثّل ذلك بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فإن التحريم لا يضاف إلى الأعيان، فلا بُد من محذوف مقدر، يتم به الكلام.
فيَحتَمل أن يكون المقدّر: حرم عليكم أكل الميتة، وأن يكون بيع الميتة إلى غير ذلك، فهل يضمر جميع هذه المقدرات أم لا؟
الذي اختاره الإمام فخر الدين أنه لا يقدّر الكلِّ، للاستغناء عنه، وكثرة مخالفته للأصل، إذ الضرورة تندفع بواحد، ثم أورد على ذلك أنه ليس إضمار أحد الحكمين أولى من الآخر، فإما أن لا يضمر شيء أصلا، وهو باطل، أو يضمر الكلّ، وهو المطلوب.
وتوقف الآمدي في المسألة لتعارض المحذورين، أحدهما تكثير الإضمار إذا قيل بالتعميم، والآخر الإجمال إذا قيل بإضمار حكم مّا.
واختار ابن الحاجب عدم التعميم، ورأى أن التزام الإجمال أقرب من مخالفة الأصل بتكثير الإضمار، وهذا بعينه اختيار الكرخي في مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي تكون مجملة.
قال العلائي ﵀: والراجح من جهة الدليل القولُ بالتعميم، وأن التزام تكثير الإضمار أولى من التزام الإجمال، لأن المحذور فيه أقوى من الإضمار، لكثرة وجود الإضمار في اللغة، وقلّة المجمل، وللإجماع على التزام الإضمار في مواضع، والاختلاف في وجود المجمل، ولقوله ﷺ : "لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها". متفق عليه.
وهو يدلّ على إضمار جميع التصرفات المتعلقة بالشحوم في التحريم، وإلا لما لزمهم الذمّ ببيعها.
وفي كلام الشافعي ﵁ ما يقتضي اختلاف قول في أن المقتضي له عموم أو لا؟، فقد حكى صاحب "الحاوي" عنه أنه قال في "الأم" في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أن يقدر الآية: فمن كان منكم مريضًا، فتطيب، أو لبس، أو أخذ ظفره لأجل مرضه، أو به أذى من رأسه، فحلقه، ففدية من صيام. فقدّر جميع ما يضمر في الآية مما يصح الكلام بإضمار واحد منها.
стр. 8824
وقال في "الإملاء": ليس هذا كله مضمرًا في الآية، وإنما الذي تضمنته حلق الرأس، والبقية مقيس عليه.
والذي يتعلق بهذه المسألة في هذا الحديث الكلامُ في قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه". أخرجه ابن ماجه، والبيهقي في "سننهما" من حديث بشر بن بكر التنيسي، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رَباح، عن عبيد بن عُمير، عن ابن عباس ﵄، عنه ﷺ . وقال فيه البيهقي: إسناده مستقيم، ورواته ثقات.
قال العلائي رحمه الله تعالى: وهذا الإسناد على شرط "الصحيحين" سوى بشر بن بكر، فإنه من أفراد البخاري، والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" مصححًا له.
وذكر ابن أبي حاتم في "كتاب العلل" عن أبيه أن محمد بن المصفّى رواه عن الوليد ابن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس من غير ذكر عُبيد بن عُمير، ثم ذكر له طرقًا أُخَرَ وضعفها.
ولفظه عند ابن أبي حاتم: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان".
فاختلف العلماء في هذا الحديث، هل المقدر فيه حكم الخطإ، أو إثمه، أو كلّ منهما جميعًا.
فأبو حنيفة ﵀ قدّر المضمر الإثم فقط لمّا ذهب إلى أن الكلام ناسيًا في الصلاة يُبطلها.
والشافعي ﵀ قدر المجموع من الإثم والحكم، ورأى أن الكلام ناسيًا لا يبطل الصلاة، وكذلك سلام التحلّل، ونية الخروج منها، وكذلك الأكل في الصوم ناسيًا.
فيؤخذ من أحاديث ذي اليدين هذه صحة ما ذهب إليه الشافعي ﵀ من تقدير الجميع، لأن النبي ﷺ بني على صلاته غير مرّة بعد ما. سلّم منها، وتكلم، وفعل أفعالًا ناسيًا في ذلك كله، فدلّ على أن المقدّر حكم الخطإ والنسيان وإثمهما أيضًا، إذ لا خلاف في رفع الإثم، لأن فائدة التكليف، وغايته تَمَيُّزُ المطيع عن العاصي ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة.
والطاعة والمعصية تستدعيان قصدًا وإرادةً لإيقاعهما، وعليه يترتب الثواب والعقاب، والمخطىء والناسي لا قصدَ لهما، وكذلك المكره أيضًا، لأنه كالآلة لمن أكرهه.
ثم هنا تفصيل حسن لأقسام المنسي ينبغي ذكره لما فيه من الفائدة، وهو أن الشيء المنسي على أقسام:
стр. 8825
الأول: نسيان العبادات المأمور بها رأسًا، وذلك على ضربين:
أحدهما: أن تفوت المصلحة التي شُرعت لها العبادةُ، ولا تَقبَلُ التدارك، كالجهاد، والجمعات، وصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة في بعض الصور، فهذه وأمثالها تسقط بالفوات، ولا يشرع تداركها.
وثانيهما: ما يَقبل التدارك لأن غرض الشرع تحصيل مصلحته، كمن نسي صلاة أو صومًا أو حجًا أو عمرة أو نذرًا أو كفارة، فيجب عليه تداركها، قال رسول الله ﷺ : "من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها". وهذا لا خلاف فيه بين الأمة.
القسم الثاني: نسيان المنهيات عنها لذواتها إذا فعلت على وجه النسيان، وهو على ضربين أيضًا:
أحدها: ما لا يتضمن إتلاف حقّ للغير، كمن نسي نجاسة الطعام فأكله، أو كون هذا الشراب خمرًا فشربه، ونحو ذلك، فلا شكّ أنه لا يتعلق هنا إثم ولا حدّ، ولا تعزير لنسيانه، ولا تدارك هنا، لأن المنهي إذا وقع، وتحققت مفسدته لم يمكن رفعها، وما شرع في معاملته من الحدّ أو التعزير إنما شُرع زاجرًا عن المعاودة، وذلك إنما يكون في حالة الذكر دون النسيان.
والضرب الثاني: ما يتضمن إتلافًا لملك الغير، كمن باع طعامًا، ثم نسي أنه باعه، فأكله، فلا إثم عليه في ذلك، ولكنه يلزمه ضمانه، إما بالمثل، أو بالقيمة لمالكه، لأن الضمان من الجوابر، والجوابر لا تسقط بالنسيان.
وينشأ من هذين الضربين ما كان من المنهيات له جهتان، ويتعلق به حقٌّ لله، وحقٌّ للعباد، كالقتل والزنا، فإذا قتل خطأ فهو كالنسيان، فلا إثم، والقصاص الذي هو زاجر سقط لنسيانه، والضمان بالدية لا يسقط، فإنها كبدل المتلف الذي فوّته، وهو حقّ للآدمي، وكذلك الكفّارة لا تسقط لأنها شرعت جابرة لعدم التحفظ، لا مكفّرة للإثم، إذ لا إثم هنا.
ومثل هذا الزنا، فإذا أبان زوجته، ثم نسي طلاقها، فوطئها، أو باع جاريته، أو أعتقها، ثم نسي ذلك فوطئها، فلا إثم لنسيانه، ولا حدّ أيضًا لما تقدّم أن الزجر إنما يصلح للذكر، ولكن يلزمه ضمان ما أتلف من البضع بمهر المثل، لأنه حق للآدمي جابر لما أتلفه، ولا يسقط بالنسيان.
القسم الثالث: نسيان الشروط المصححة للعبادة بالترك، أو المفسدة لها بالفعل، وهذا أيضًا على ضربين:
أحدهما: نسيان المأمورات التي وجودها شرط في صحة العبادة، كالوضوء مثلًا،