و١٠٣٢ (ت) ٣٩٧ (ق) ١٢١٦ و ١٢١٧.
وأخرجه مالك في (الموطإ) ٨٣ (والحميدي) ٩٤٧ (وأحمد) ٢/ ٢٤١ و ٢/ ٢٧٣ و٢/ ٢٨٣ و٢/ ٢٨٤ و٢/ ٤٨٣ و ٢/ ٥٠٥ و ٢/ ٥٢٢ (والدارمي) رقم ١٢٠٧ و ١٥٠٢ (وابن خزيمة) ١٠٢٠. والله تعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٥٣ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، لَهُ ضُرَاطٌ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ، أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ ذَلِكَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (بشر بن هلال) الصوّاف، أبو محمد النُّميري البصري، ثقة له [١٠] تقدم ١١٧/ ١٦٢.
٢ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العَنْبري مولاهم، أبو عُبَيدة التّنُوريّ البصري، ثقة ثبت رمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] تقدم ٦/ ٦.
٣ - (هشام الدستوائي) ابن أبي عبد الله سَنْبَر، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، وقد رمي بالقدر، من كبار [٧] تقدم ٣٠/ ٣٤.
٤ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، يدلس ويرسل [٥] تقدم ٢٣/ , ٢٤ والباقيان تقدما في السند الماضي.
والحديث متفق عليه, وقد مضى مُستَوفَى الشرح في ٣٠/ ٦٧٠ - حيث أورده المصنف ﵀ من رواية الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، مستدلًا به على فضل التأذين، رواه عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج به، بلفظ: "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان، وله ضُراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قُضي النداء أقبل حتى إذا ثوّب بالصلاة أدبر، حتى إذا قُضي التثويب أقبل حتى يخطُر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر، حتى يظلّ المرء إن يدر كم صلى".
قوله: وله ضُرَاط" بالضم اسم من ضَرِط يَضْرَطُ، من باب تَعِبَ، وهو ريح له صوت، يخرج من دبر الإنسان، وغيره.
والصحيح أن خروج الضراط من الشيطان حقيقة، كما قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى، لأنه جسم يأكل ويشرب، كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
ولم يُذكر سبب إدباره في حديث الباب، وذُكِرَ في رواية الأعرج المذكورة، ولفظه: "حتى لا يسمع التأذين"، فبين أن هروبه لئلا يسمع الأذان، لأنه إذا سمع يلزمه أن يشهد
стр. 8892
للمؤذن يوم القيامة، لما في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: "لا يَسمَع مَدَى صوت المؤذن جنّ، ولا إنس، ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة". والله تعالى أعلم.
وقوله: "فإذا قُضي التثويب أقبل" الخ في هذه الرواية اختصار، تبيّنه رواية الأعرج المذكورة، ولفظها: "فإذا قُضي النداء أقبل، حتى إذا ثوّب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل". . . الحديث. والمراد بالتثويب: الإقامة.
وقوله: "حتى يخطر" بضم الطاء وكسرها، ومعناه: يوسوس. والمراد أنه يدنو منه، فيمرّ بينه وبين قلبه، فيشغله عما هو فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٦ - (بَابُ مَا يَفْعَلُ مَنْ صَلَّى خَمْسًا)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الفعل الذي يفعله من صلّى الرباعيةَ خمسَ ركعات ناسيًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "باب" مضاف إلى "ما يفعل"، و"ما" اسم موصول بمعنى "الذي"، و"يفعل" بالبناء للفاعل صلتها، والعائد محذوف، أي يفعله، و"من" اسم موصول فاعل "يفعل"، وتقدير المعنى باب بيان الفعل الذي يفعله مَنْ صلى خمسًا.
ويحتمل أن تكون "ما" موصولًا حرفيًّا، فلا تحتاج إلى عائد، والتقدير "باب بيان فِعْلِ مَنْ صلّى خمسًا". والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٥٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لاِبْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟، قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن المثنّى) أبو موسى العَنَزيّ، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٦٤/ ٨٠.
стр. 8893
٢ - (محمد بن بشّار) بُندار، أبو بكر البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧.
٣ - (يحيى) بن سعيد القطان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] تقدم ٤/ ٤، والباقون تقدموا في الباب الماضي.
والحديث متفق عليه، وقد سبق شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به، في الباب الذي قبله.
واستدلال المصنف رحمه الله تعالى بالحديث على ما ترجم له واضح، لأنه بَيَّنَ أن حكم من زاد في الصلاة الرباعية ركعة خامسة يسجد سجدتي السهو، ثم يسلم.
وفيه ردّ على الحنفية في قولهم: يضم ركعة سادسة.
قال السندي ﵀: قوله: "خمسًا": حمله علماؤنا الحنفية على أنه جلس على رأس الرابعة، إذ ترك هذا الجلوس عندهم مُفسد، ولا يخفى أن الجلوس على رأس الرابعة إما على ظنّ أنها رابعة، أو على ظنّ أنها ثنائية، وكلّ من الأمرين يفضي إلى اعتبار الواقعة منه أكثر من سهو واحد، وإثبات ذلك بلا دليل مشكل، والأصل عدمه، فالظاهر أنه ما جلس أصلًا، وذلك لأنه إن ظنّ أنها رابعة، فالقيام إلى الخامسة يحتاج إلى أنه نسي ذلك، وظهر له أنها ثالثة مثلًا، واعتقد أنه أخطأ في جلوسه، وعند ذلك ينبغي أن يسجد للسهو، فتركه لسجود السهو، أولًا يحتاج إلى القول أنه نسي ذلك الاعتقاد أيضًا، ثم قوله: "وما ذاك" بعد أن قيل له، يقتضي أنه نسي بحيث ما تنبّه له بتذكيرهم أيضًا، وهذا لا يخلو عن بعد، وإن قلنا: إنه ظنّ أنها ثانية سهوًا ونسيانًا، فذاك النسيان مع بعده يقتضي أن لا يجلس على رأس الخامسة، بل يجلس على رأس السادسة، فالجلوس على رأس الخامسة يحتاج إلى اعتبار سهو آخر. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحنفية في هذه المسألة مما لا دليل عليه، بل مصادم لما دلّ عليه النصّ الصحيح، فلا يلتفت إليه، بل يوخذ بما دلّ عليه حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب، وهو أن يسجد سجدتي السهو، ثم يسلم، ولا يزيد سادسة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٥٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، وَمُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ
стр. 8894
الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: إِنَّكَ صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ، وَهُوَ جَالِسٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عبدة بن عبد الرحيم) بن حسّان المروزي، أبو سعيد نزيل دمشق، صدوق، من صغار [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٩٧.
٢ - (ابن شُميل) هو النضر بن شُميل المازني، أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] تقدم ٤١/، ٤٥ والباقون تقدموا قريبًا.
والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام الحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلُ بْنُ مُهَلْهَلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: صَلَّى عَلْقَمَةُ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ؟، فَقَالَ: مَا فَعَلْتُ، قُلْتُ بِرَأْسِي: بَلَى، قَالَ: وَأَنْتَ يَا أَعْوَرُ؟، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ صَلَّى خَمْسًا، فَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟، قَالَ: "لَا"، فَأَخْبَرُوهُ، فَثَنَى رِجْلَهُ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة، كلهم تقدّموا قريبًا إلا:
١ - (الحسن بن عبيد الله) بن عروة النخعي، أبو عروة الكوفي، ثقة فاضل [٦] تقدم ٥/ ٥٠١.
٢ - (إبراهيم بن سُويد) النخعي الكوفي، ثقة. [٦].
روى عن الأسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد، وعلقمة بن قيس. وعنه الحسن ابن عُبيد الله النخعي، وزُبيد بن الحارث اليامي، وسلمة بن كُهيل. قال ابن معين: مشهور، وقال النسائي: ثقة، ونقل صاحب "الميزان" تبعًا لابن الجوزي أن النسائي ضعّفه. وقال في "ت": لم يثبت أن النسائي ضعفه. وقال الدارقطني: ليس في حديثه شيء منكر، إنما هو حديث السهو، وحديث الرفاء، قال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة سوى البخاري، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث رقم (١٢٥٨).
وقوله: "صلى علقمة خمسًا": ولفظ مسلم من طريق جرير بن عبد الحميد: "عن إبراهيم بن سويد، قال: صلى بنا علقمة الظهر خمسًا، فلمّا سلّم قال القوم: يا أبا شبل قد صلّيت خمسًا، قال: كلّا ما فعلت قالوا: بلى، قال: وكنتُ في ناحية القوم، وأنا غلام، فقلت بلى قد صلّيت خمسًا، قال لي: وأنت أيضًا يا أعور تقول ذاك؟ قال:
стр. 8895
قلت: نعم، قال: فانفتل، فسجد سجدتين، ثم سلّم، ثم قال: قال عبد الله: صلى بنا رسول الله ﷺ خمساً … " الحديث.
وقوله: "فقيل له": أي ذُكر له أنه صلّى خمساً، فمفعول "قيل" محذوف.
وقوله: "ما فعلتُ": "ما" نافية: أي لم أفعل ذلك بحسب ظني.
وقوله: "قلت برأسي بلى": أي أشرت برأسي إلى أنك فعلت ذلك، ففيه إطلاق القول على الفعل.
وقوله: "وأنت يا أعور": أي وأنت أيضاً تشهد علي بذلك؟.
قال النووي ﵀: فيه دليل على جواز قول مثل هذا الكلام لقريبه، وتلميذه، وتابعه إذا لم يُتَأَذّ به. انتهى (١)
قوله: "فوشوش القوم بعضهم إلى بعض" ولفظ مسلم "توشوش القوم بينهم". قال النووي ﵀: ضبطناه بالشين المعجمة، وقال القاضي: روي بالمعجمة، وبالمهملة، وكلاهما صحيح، ومعناه تحرّكوا، ومنه وسواس الحليّ بالمهملة، وهو تحرّكه، ووسوسة الشيطان. قال أهل اللغة: الوشوشة بالمعجمة صوت في اختلاط، قال الأصمعي: ويقال: رجل وشواش: أي خفيف. انتهى (٢).
والحديث أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٥٧ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: سَهَا عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ فِي صَلَاتِهِ، فَذَكَرُوا لَهُ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ، فَقَالَ: أَكَذَلِكَ يَا أَعْوَرُ، قَالَ: نَعَمْ. فَحَلَّ حُبْوَتَهُ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ، وَقَالَ (٤): هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَكَمَ يَقُولُ: كَانَ عَلْقَمَةُ صَلَّى خَمْسًا).
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا قريباً، سوى:
١ - (مالك بن مغول) (٥) أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، من كبار [٧] تقدم ٩٨/ ١٢٧.
٢ - (الشعبي) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الهَمْدَاني الكوفي، ثقة مشهور فقيه فاضل، [٣] تقدم ٦٦/ ٨٢.
стр. 8896
وعبد الله شيخ سُويد هنا، وفي الإسنادين بعده هو ابن المبارك رحمه الله تعالى، وعبد الله الصحابى المتقدم، والآتي هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
قوله: "فحلّ حُبوته" "الحبوة" بكسر الحاء المهملة، وضمها، وسكون الموحّدة: الثوب الذي يُحْتَبى به، وجمعه: حبىّ بكسر الأول وضمه. أفاده في اللسان (١).
وقال في "المصباح": احتَبَى الرجلُ: جمع ظهره وساقيه بثوب أو غيره، وقد يحتبي بيديه، والاسم الحبوة بالكسر. انتهى (٢).
والحديث صحيح، وقد مضى البحث عنه قريبا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٥٨ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ عَلْقَمَةَ صَلَّى خَمْسًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ: يَا أَبَا شِبْلٍ صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَقَالَ: أَكَذَلِكَ (٤) يَا أَعْوَرُ؟ فَسَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ).
هذا الحديث هو المتقدّم، إلا أنه في صورة المرسل، وقد تقدم قبل حديث متصلاً بذكر عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وقوله: "يا أبا شبل" بكسر الشين المعجمة كنية علقمة رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٥٩ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّهْشَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى إِحْدَى صَلَاتَي الْعَشِيِّ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ (٥): "وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، وَأَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ"، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْفَتَلَ).
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا قريباً، إلا ثلاثة:
١ - (أبو بكر النَّهْشَلي) الكوفي، قيل: اسمه عبد الله بن قِطَاف، وقيل: عبد الله بن معاوية بن قطاف، وقيل: وهب بن قطاف، وقيل: معاوية بن قطاف، وقال وكيع: أبو
стр. 8897
بكر بن عبد الله بن أبي القطاف، وقال غيره: أبو بكر بن عبد الله بن قطاف. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: هو بابن أبي القطاف أشبه منه بابن القطاف. صدوق رمي بالإرجاء [٧].
روى عن عبد الرحمن بن الأسود، وزياد بن علاقة، وحبيب بن أبي ثابت، وغيرهم. وعنه ابن المبارك، ووكيع، وبهز بن أسد، وغيرهم.
قال أبو داود: ثقة كوفي مرجىء. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، وعبّاسٌ الدُّوريُّ عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: أبو بكر بن قطاف النَّهْشلي من أنفسهم ثقة. وقال أبو قُدامة عن ابن مهديّ: كان من ثقات مشيخة الكوفة. وقال أبو حاتم: شيخ صالح يكتب حديثه، وهو عندي خير من أبي بكر الهُذَليّ. وقال عثمان الدارميّ: أبو بكر النّهشلي هو الذي روى عنه وكيع، فقال: أبو بكر بن عبد الله بن أبي القطاف، ودم يقل: النهشلي. وقال ابن سعد: وهو نَهْشَلي من أنفسهم، وكان مرجئاً، وكان عابداً ناسكاً، وله أحاديث، ومنهم من يستضعفه. قال مُطَيَّن: مات يوم عيد الفطر سنة (١٦٦). روى له مسلم، والترمذي، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
[تنبيه]: "النَّهْشَلي" بفتح أوله، والمعجمة: نسبة إلى نَهْشَل بطن من تميم، ومن كلب. قاله في "لب اللباب" جـ ٢ ص ٣٠٨.
٢ - (عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٣ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة مكثر مخضرم [٢] تقدم ٢٩/ ٣٣.
وقوله: "إحدى صلاتي العشي": قيل: العشي ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر صلاتا العشيّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: العشيّ من الزوال إلى الصباح، وقيل: العشيّ والعشاء من صلاة المغرب إلى العَتَمَة، وعليه قول ابن فارس: العشاءان المغرب والعَتَمَة. قاله الفيومي.
وقد تقدم في رواية علقمة تفسير المراد بها بأنها الظهر.
وقوله: "ثم انفتل"، أي سلّم من صلاته، وانصرف عنها. يقال: انفتل فلان عن صلاته: أي انصرف، ولَفَتَ فلاناً عن رأيه: أي صرفه ولَوَاه، وفَتَلَه عن وجهه، فانفتل: أي صرفه فانصرف، وهو قلب لَفَت. قاله في "اللسان" (١).
стр. 8898
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٧ - (باب مَا يَفْعَلُ مَنْ نَسِىَ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الشيء الذي يفعله الشخص الذي نسي شيئاً من صلاته.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال المصنف رحمه الله تعالى بالحديث على ما ترجم له واضح، لأنه يدلّ على ما يفعله المصلي إذا نسي شيئاً من صلاته، وهو أن يسجد سجدتي السهو، في آخر صلاته، وهو جالس, وقد بين في رواية أخرى أن موضعهما قبل السلام، كما سيأتي قريباً من رواية الطحاوي وغيره. إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٦٠ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ مَوْلَى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ يُوسُفَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَلَّى إِمَامَهُمْ، فَقَامَ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَسَبَّحَ النَّاسُ، فَتَمَّ عَلَى قِيَامِهِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، ثُمَّ قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ مِثْلَ هَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الربيع بن سُليمان) بن عبد الجبّار المرادي، أبو محمد المصري المؤذن، صاحب الشافعي، ثقة [١١]. تقدّم ١٩٥/ ٣١١.
٢ - (شُعيب بن الليث) الفَهْميّ، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل فقيه، من كبار [١٠] تقدّم ١٢٠/ ١٦٦.
٣ - (الليث) بن سعد الإمام الفقيه الحجة المصري [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.
٤ - (محمد بن عجلان) المدني صدوق [٥] تقدم ٣٦/ ٤٠.
стр. 8899
٥ - (محمد بن يوسف مولى عثمان) وقيل: مولى عمرو بن عثمان مدني ثقة [٦]. روى عن أبيه. وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن عجلان، وابن جُريج، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة، وكذا قال الدارقطني، وزاد: وأبوه لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: جعل في "ت" محمد بن يوسف هذا مقبولاً، وفيه نظر فإنه ثقة، وثقه أبو حاتم، والدارقطني, وابن حبان، ولم يخالفهم أحد. فتبصّر. والله تعالى أعلم.
٦ - (يوسف) القرشي الأموي المدني مقبول [٣].
روى عن مولاه عثمان بن عفان، ومعاوية، وعنه ابنه محمد بن يوسف. قال النسائي: يوسف هذا ليس بالمشهور. وقال الدارقطني: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به المصنف بهذا الحديث فقط.
٧ - (معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أميّة الأمويّ، أبو عبد الرحمن الخليفة، صحابي أسلم قبل الفتح، وكَتَبَ الوحيَ، ومات سنة ستين، وقد قارب الثمانين، تقدم ١٨٦/ ٢٩٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن فيه مسلسل بالمصريين إلى الليث، والباقون مدنيون، وفيه رواية الابن عن أبيه، ورواية كبير عن صغير، فإن ابن عجلان من الطبقة الخامسة، وابن يوسف من السادسة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن يوسف) الأموي (أن معاوية) بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما (صلى إمامهم) يحتمل أن يكون بكسر الهمزة، ويكون النصب على الحال، وهو وإن تعرّف بالإضافة، إلا أنه في تقدير "متبوعاً"، أو الإضافة لفظية، فإنه بمعنى يؤمهم. ويحتمل أن يكون بفتح الهمزة، والنصب على الظرفية، أي صلى قُدّامهم، وهم وراءه مؤتمون به (فقام في الصلاة، وعليه جلوس، فسبح الناس) ليرجع لجلوسه الذي تركه (فتمّ على قيامه) يقال: تمّ عليه: جعله تاماً، قاله المجد. والمعنى أنه استمرّ على قيامه، ولم يرجع حين سبحوا عليه (ثمّ سجد سجدتين، وهو جالس، بعد أن أتمّ الصلاة) أي قبل السلام، كما صُرّح به في رواية الطحاوي وغيره بأنه قبل السلام، من طريق بكير بن الأشجّ، عن محمد بن عجلان، ولفظه: "أن معاوية بن أبي سفيان صلى بهم، فقام،
стр. 8900
وعليه جلوس، فلم يجلس، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل أن يسلم، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع" (١) (ثم قعد على المنبر، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من نسي شيئاً من صلاته) ظاهره العموم في جميع أجزاء الصلاة، لكن خصه العلماء بما سوى الأركان، فإنها لا تجُبر بسجدتي السهو (فليسجد مثل هاتين السجدتين) أي فليسجد سجدتين مشابهتين لهاتين السجدتين في كونهما اثنتين، في آخر الصلاة، وهو جالس.
ثم إن استدلال معاوية ﵁ بالحديث على فعله، إمّا لأنه علم أن الجلوس الأول ليس بركن، أو لأنه اعتمد على ظاهر العموم. والله تعالى أعلم. قاله السندي رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث معاوية رضي الله تعالى عنه هذا حسن، فإن محمد بن عجلان تابعه ابن جريج عند أحمد في "مسنده" جـ ٤ ص ١٠٠ - وقال: أخبرني محمد بن يوسف مولى عمرو بن عثمان … ومحمد بن يوسف ثقة، وأبوه وثقه ابن حبان، وقال الدارقطني. لا بأس به، كما تقدم في ترجمته، ويشهد لحديثه هذا الحديث الذي بعده، والأحاديث السابقة، فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن. وقد تقدم الكلام عليه مستوفًى في المسألة التاسعة من شرح حديث قصّة ذي اليدين، فراجعه تستفد. والله تعالى ولي التوفيق.
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢٧/ ١٢٦٠ - وفي "الكبرى" ١٢٢/ ٥٩٤ - ٦٢/ ١١٨٣ - بالسند المذكور.
وأخرجه (أحمد) ٤/ ١٠٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 8901
٢٨ - (باب التَّكْبِيرِ فِي سَجْدَتَي السَّهْوِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لسجدتي السهو. فـ"في" بمعنى "عند"، أو بمعنى اللام.
واستدلال المصنف ﵀ بالحديث على ما ترجم له واضح، فإنه يدلّ على أنّ السنة أن يكون كلّ من سجدتي السهو بين تكبيرتين. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٦١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، وَيُونُسُ، وَاللَّيْثُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي الثِّنْتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، فَلَمْ يَجْلِسْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، كَبَّرَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ، وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أحمد بن عمرو بن السَّرْح) المصري، ثقة [١٠] تقدم ٣٥/ ٣٩.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٩/ ٩.
٣ - (عمرو) بن الحارث المصري، ثقة فقيه حافظ [٧] تقدم ٦٣/ ٧٩.
٤ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩.
٥ - (الليث) بن سعد تقدم في الباب الماضي.
٦ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام تقدم قريباً.
٧ - (عبد الرحمن الأعرج) ابن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧.
٨ - (عبد الله ابن بُحينة) الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه، تقدم ١٤١/ ١١٠٦.
[تنبيه]: بُحَينة اسم والدة عبد الله، فلذا تكتب ألف "ابن" لأن قاعدة حذفها إذا وقعت بين علمين أن يكون الثاني أباً للأول، أماً إذا كان أمّا، أو جدّاً، أو غير ذلك فلا تحذف، كما هو مقرّر في محله.
واسم والد عبد الله مالك بن القِشْب. والله تعالى أعلم.
والحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وكذا بيان المسائل المتعلقة به برقم ١٩٦/ ١١٧٧ - فليُرَاجع هناك.
وقوله: "كبّر في كلّ سجدة" الخ جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، وهو ما وقع جواباً
стр. 8902
لسؤال مقدر، فكأن سائلاً سأله، كيف سجد السجدتين؟، فقال: "كبر في كلّ سجدة" الخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٩ - (باب صِفَةِ الْجُلُوسِ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي يَقْضِى فِيهَا الصَّلَاةَ).
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالين على صفة الجلوس للتشهد في آخر الركعة التي تنتهي فيها الصلاة، وهي الركعة الأخيرة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "يُقضَى" هكذا نسخ "المجتبى" بالياء، والظاهر أن الفعل مبني للمفعول، و"الصلاة" نائب فاعله، وتذكير الفعل في مثل هذا جائز للفصل، وفي "الكبرى" "تنقضي فيها الصلاة" وهو واضح.
ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير المصلي، و"الصلاة" منصوب على المفعولية، أي يُتمّ المصلي في آخرها الصلاةَ، يقال: قضى وَطَرَه: أتمّه، وبلَغَه. قاله المجد.
والظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى يرى سنيّة كل من التَّوَرُّك، والافتراش في الجلوس الأخير، لأنه أورد حديث أبي حُميد الساعدي ﵁ استدلالاً على التورّك، وحديثَ وائل بن حُجْر ﵁ استدلالاً على الافتراش، لأن معنى قوله: "أضجع اليسرى": افترشها، بدليل الرواية الآتية في الباب التالي من طريق سفيان الثوري بلفظ: "فافترش رجله اليسرى"، لأن الروايات يفسر بعضها بعضاً.
لكن قدمنا أن الراجح كون الافتراش في الجلوس الأول، والتورّك في الجلوس الثاني، كما هو مذهب أحمد ﵀، جمعاً بين الأحاديث، وتقدم تحقيق ذلك برقم ١٨٥/ ١١٥٧ - فراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٦٢ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، بُنْدَارٌ (١)، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي
стр. 8903
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَنْقَضِى فِيهِمَا الصَّلَاةُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَى شِقِّهِ، مُتَوَرِّكًا، ثُمَّ سَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد. ستة:
١ - (يعقوب بن إبراهيم الدّورقي) البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٢١/ ٢٢.
٢ - (محمد بن بشار بُندار) البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" "محمد بن بشّار بن دار"، وهو خطأ، حرّفه الناسخ من "بُنْدَار"، ووقع في "الهندية" على الصواب. فتنبه.
٣ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] تقدم ٤/ ٤.
٤ - (عبد الحميد بن جعفر) الأنصاري المدني، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم [٦] تقدم ٢٦/ ٩١٤.
٥ - (محمد بن عمرو بن عطاء) القرشي العامري المدني، ثقة [٣] تقدم ٩٦/ ١٠٣٩.
٦ - (أبو حميد الساعدي) المنذر بن سعد بن المنذر، وقيل: غيره، صحابي شهد أحداً وما بعدها، ومات سنة (٦٠) تقدم ٣٦/ ٧٢٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وأن شيخيه ممن اتفق الجماعة بالرواية عنهما دون واسطة، وأن يعقوب بغدادي، وبنداراً، ويحيى بصريان، والباقون مدنيون. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي حُميد الساعدي) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: كان النبي ﷺ إذا كان في الركعتين) أي في جلوسهما، فهو على حذف مضاف (اللتين تنقضي) بالبناء للفاعل، أي تنتهي. وفي نسخة "تُقْضَى"، وهو بالبناء للمفعول، أي تتَمّ، ويُبلغ إلى نهايتها، والمراد الركعتان الأخيرتان (فيهما) أي في آخرهما، فهو على حذف مضاف أيضاً (الصلاة) بالرفع على أنه فاعل على الأول، ونائب فاعل على الثاني (أخر رجله اليسرى، وقعد على شقه) بالكسر، أي جانبه، والمراد الجانب الأيسر (متورّكاً) أي حال كونه متّكئاً على وركه اليسرى، والورك بفتح الواو، وكسر الراء، ويجوز التخفيف بكسر الواو وسكون الرّاء، وهما وركان فوق الفخذين، كالكتفين فوق العضدين. والتورّك في الصلاة: القعود على الورك اليسرى. قاله الفيّومي.
стр. 8904
ولفظ البخاريّ: "فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الآخرة قدّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته".
وفيه المغايرة بين جلوس التشهد الأول وجلوس التشهد الأخير، فالسنة في الأول الافتراش، وفي الأخير التورّك، وبهذا أخذ أحمد وأصحابه، وقال. كلُّ صلاة فيها تشهدان، فالسنة في الأول الافتراش،، وفي الثاني التورّك، وما عدا ذلك فالسنة فيه الافتراش، وهذا هو المذهب الراجح، للجمع بين الأحاديث، كما حققناه في ١٨٥/ ١١٥٧.
وخص الشافعية الافتراش في الأول مما له تشهدان، وما عداه فالسنة التورّك، وعند الحنفية الافتراش في الجميع، وعند المالكية التورّك في الجميع. والاحتجاج لهذه الأقوال، وترجيح الراجح منها تقدم في شرح حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما "بابٌ كيفَ الجلوسُ للتشهد الأول" رقم ١٨٥/ ١١٥٧. فراجعه تستتفد، وبالله تعالى التوفيق.
(ثم سلّم) أي تسليمَ الخروج من الصلاة، وسيأتي الكلام عليه حيث يُفرده المصنف ﵀ ببحث خاص به من رقم ٦٨/ ١٣١٦ - إلى ٧٣/ ١٣٢٧ إن شاء الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاري، وقد تقدم الكلام على المسائل المتعلقة به مستوفًى برقم ٩٦/ ١٠٣٩. ولله الحمد والمنة، ومنه التوفيق، والعصمة، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٦٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَإِذَا جَلَسَ أَضْجَعَ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى (٢)، وَيَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثِنْتَيْنِ: الْوُسْطَى، وَالإِبْهَامَ، وَأَشَارَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عُيينة الإمام الحجة الشهير [٨] تقدم ١/ ١.
٣ - (عاصم بن كُليب) الْجَرْمي الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء [٥] تقدّم ١١/ ٨٨٩.
стр. 8905
٤ - (كُلَيب) بن شهاب، صدوق [٢] تقدم ١١/ ٨٨٩.
٥ - (وائل بن حُجْر) بن سعد بن مسروق الحضرمي الصحابي ﵁، تقدم ٤/ ٨٧٩. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث وائل بن حُجر ﵁ صحيح، وقد تقدم للمصنف برقم ١١/ ٨٨٩ - وتقدم شرحه هناك مستوفًى، وكذا بيان المسائل المتعلقة به, فراجعه هناك تستفد. والله تعالى ولي التوفيق.
وقوله: "أضجع اليسرى": أي افترشها.
وقوله: "وأشار": أي بالسبّابة؛ لما يأتي في الرواية الآتية في الباب الذي بعده: "وأشار بالسبّابة يدعو بها". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله, عليه توكلت, وإليه أنيب".
…
٣٠ - (باب مَوْضِعِ الذِّرَاعَيْنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على محل وضع الذّراعين في حال الجلوس.
١٢٦٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ، فَافْتَرَشَ (١) رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ يَدْعُو بِهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن علي بن ميمون الرَّقّيّ) أبو العبّاس العَطّار، ثقة [١١] تقدم ١٤/ ٤١٨، من أفراد المصنف.
٢ - (محمد بن يوسف الفريابي) ثقة فاضل [٩] تقدم ١٤/ ٤١٨.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧.
والباقون تقدموا في الباب الماضي، وكذا الكلام على الحديث.
وقوله: "وأشار بالسبابة" سيأتي الكلام على الإشارة في باب خاص برقم -١٢٧١ - ١٢٧٥، إن شاء الله تعالى.
стр. 8906
وقوله: "يدعو بها" جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يشير".
والحديث صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣١ - (مَوْضِعِ الْمِرْفَقَيْنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على موضع المرفقين.
وفي نسخة "موضع حدّ المرفق الأيمن".
١٢٦٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ (٢)، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ مِنْ يَدَيْهِ (٣)، ثُمَّ جَلَسَ، فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ، وَحَلَّقَ، وَرَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِشْرٌ بِالسَّبَّابَةِ مِنَ الْيُمْنَى، وَحَلَّقَ الإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدموا في الباب الماضي، إلّا اثنين:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدري البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢/ ٤٧.
٢ - (بشر بن المُفَضَّل) بن لاحق، الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت عابد [٨] تقدم ٦٦/ ٨٢.
والحديث صحيح، وشرحه، والمسائل المتعلقة به قد تقدمت مستوفاة في ١١/ ٨٨٩ - ، فراجعها هناك تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "وضع رأسه بذلك المنزل من يديه" أي وضع ﷺ رأسه في ذلك المكان من
стр. 8907
يديه. يعني أنه وضعه بحيث صار اليدان محاذيتين للأذنين.
وقوله: "وحَدَّ مِرْفَقِهِ الأيمنِ" الخ بالنصب عطفاً على "يده"، أي ووضع حَدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى. وهذا الوجه من الإعراب هو الموافق لما تقدم من الرواية -١١/ ٨٨٩ - ولما يأتي بعد بابين -٣٤/ ١٢٦٨ بلفظ: "وجعل حدّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى". والله تعالى أعلم.
وذكر السندي رحمه الله تعالى في شرحه أوجها من الإعراب، وهاك نصّه:
قال: "حَدَّ مرفقه" على صيغة الماضي عطفٌ على الأفعال السابقة, و"على" بمعنى "عن"، أي رفعه عن فخذه، أو بمعناه، والحدُّ: المنعُ، والفصلُ بين الشيئين، أي فَصَل بين موفقه وجنبه، ومنع أن يلتصق في حالة استعلائه على فخذه.
وجُوِّزَ أن يكون اسمًا مرفوعًا على الابتداء مضافَا إلى "المرفق"، خبره "على فخذه"، والجملة حال.
أو اسماً منصوباً عطفاً على مفعول "وَضَعَ"، أي وضع حَدَّ مرفقه الأيمنِ على فخذه اليمنى، وهذا الوجه أولى لأنه هو المرافق للرواية المتقدّمة فى الكتاب، وهي "وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه"، وسيجيء أيضاً.
وجوز بعضهم أنه ماض من التوحيد، أي جعل مرفقه منفرداً عن فخذه، أي رفعه. قال: وهذا أبعد الوجوه. والله تعالى أعلم انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الأوجه كلها بعيدة، سوى الوجه الذي قدمته -كما أختاره هو- فإنه الأولى لموافقته لما ذُكر من الروايتين، لأن الرواية يفسر بعضها بعضاً والله تعالى أعلم.
وقوله: "وقبض ثنتين، وحلّق". يعني أنه قبض اثنين من أصابعه، وهما الخنصر والبنصر، كما بُيِّن في الروايات الأخرى.
وقوله: "وحلّق" من التحليق، أي جعل الاثنتين من أصابعه وهما الإبهام والوُسطى كالحلقة.
وقوله: "ورأيته يقول هكذا" الخ. قائل "ورأيته" إسماعيل بن مسعود رحمه الله تعالى، ومعنى "يقول": يشير، وفيه إطلاق القول على الإشارة، وهو كثير في الأحاديث، وقد تقدّم غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، ما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 8908
٣٢ - (باب مَوْضِعِ الْكَفَّيْنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على محل وضع الكفين في حال الجلوس للتشهد.
١٢٦٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ -شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ- ثُمَّ لَقِيتُ الشَّيْخَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَلَّبْتُ الْحَصَى، فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: لَا تُقَلِّبِ الْحَصَى، فَإِنَّ تَقْلِيبَ الْحَصَى مِنَ الشَّيْطَانِ، وَافْعَلْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ، قُلْتُ: وَكَيْفَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ؟ قَالَ: هَكَذَا، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَأَضْجَعَ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن منصور) الْجَوّاز المكي، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الثبت الحجة [٨] تقدم ١/ ١.
٣ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ٢٢/ ٢٣.
٥ - (مسلم بن أبي مريم) يسار المدني، مولى الأنصار، ثقة [٤] تقدم ١٨٨/ ١١٦٠.
٦ - (علي بن عبد الرحمن) المُعَاويّ الأنصاري المدني، ثقة [٤] ١١٦٠/ ١٨٨.
٧ - (ابن عمر) عبد الله ﵄، تقدم ١٢/ ١٢.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم، وتقدم للمصنف رحمه الله تعالى برقم ١٨٨/ ١١٦٠ - رواه عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر، عن مسلم بن أبي مريم به، أورده استدلالاً على موضع البصر في التشهّد، وتقدم شرحه، والمسائل المتعلّقة به مستوفاةً هناك، فراجعه تستفدْ.
وقوله: "شيخ من أهل المدينة" يحتمل الجرّ على أنه بدل من "مسلم"، والرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هو شيخ، و"من أهل المدينة" جارّ ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ "شيخ".
وقوله: "ثم لقيت" الخ، القائل هو سفيان بن عُيينة، والمعنى أن يحيى بن سعيد حدّث سفيان ومن معه عن مسلم بن أبي مريم، ثم لقي سفيان مسلماً نَفْسَهُ، فحدثه، فقال: سمعت علي بن عبد الرحمن الخ.
وقوله: "قلّبت الحصى" بتشديد اللام من التقليب، ويحتمل أن يكون بتخفيفها، من
стр. 8909
القَلْب، والأول أولى، لأنه يدّل عليه قول ابن عمر ﵄: "فإن تقليب الحصى" الخ، وقول علي بن عبد الرحمن الآتي: "وأنا أَعْبَثُ بالحصى" لأن العبث لا يظهر بالقلب مرّة واحدة، إذ يمكن أن يكون للحاجة، وإنما يظهر بالتكرار.
وقوله: "وأضجع اليسرى": أي فرش رجله اليسرى ليجلس عليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٣ - (بَابُ قَبْضِ الأَصَابعِ مِنَ الْيَدِ الْيُمْنَى، دُونَ السَّبَّابَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على سنية قبض الأصابع كلها من اليد اليمنى، ما عدا السبّابةَ، فإنها يشار بها.
١٢٦٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: رَآنِي ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَا أَعْبَثُ بِالْحَصَى فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَهَانِي، وَقَالَ: اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ، قُلْتُ: وَكَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ، وَقَبَضَ -يَعْنِي أَصَابِعَهُ كُلَّهَا- وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدموا، سوى:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي الثقة الثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (مالك بن أنس) إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] تقدم ٧/ ٧.
وقوله: "أَعْبَثُ" مضارع عَبِث من باب فرح، يقال: عَبِثَ عَبَثاً: إذا لَعِبَ، وعمل ما لا فائدة فيه، فهو عابثٌ. قاله الفيّوميّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه في الباب الماضي.
стр. 8910
فإن قيل: هذه الكيفية التي ذكرت في هذا الحديث من قبض الأصابع كلها ما عدا السبّابة، تخالف ما تقدم في حديث وائل بن حُجر رضي الله تعالى عنه من قبض اثنتين، وتحليق الإبهام والوُسطى، فبينهما تعارض.
أجيب: بأنه لا تعارض بينهما لإمكان الحمل على أوقات مختلفة، فكان النبي ﷺ يفعل هذا تارةً، وهذا تارة، فكلّ سنته، فينبغي العمل بهذا تارة، وبهذا تارة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٤ - (بَابُ قَبْضِ الثِّنْتَيْنِ مِنْ أَصَابع الْيَدِ الْيُمْنَى، وَعَقْدِ الْوُسْطَى وَالإِبْهَامِ مِنْهَا)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على استحباب قبض الثنتين من أصابع اليد اليمنى، وهما الخنصر والبنصر، وعقد الوُسطَى والإبهام من اليمنى.
١٢٦٨ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ قَالَ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَوَصَفَ، قَالَ: ثُمَّ قَعَدَ، وَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ، وَرُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الأَيْمَنِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَبَضَ اثْنَتَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَان يَدْعُو بِهَا. مُخْتَصَرٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة، تقدّموا كلهم، إلا:
١ - (سويد بن نصر) المروزي ثقة ثبت [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله بن المبارك) الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ٣٢/ ٣٦.
٣ - (زائدة) بن قُدَامة، أبو الصَّلّت الكوفي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٧٤/ ٩١.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم الكلام عليه قبل بابين، فلا حاجة إلى إعادته هنا.
стр. 8911
وقوله: "مختصر" خبر لمحذوف، أي هذا مختصر. يعني أن حديث وائل ﵁ بهذا السياق مختصر من حديثه الطويل، حيث إنه لم يسق إلّا ما يتعلّق بالقعود فقط، وقد تقدّم للمصنف مطوّلاً من طريق زائدة بن قُدَامة، عن عاصم بن كليب برقم -١١/ ٨٨٩ - وكذا سبق قبل بابين من طريق بشر بن المفضّل، عن عاصم رقم -٣١/ ١٢٦٥ - . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب"
…
٣٥ - (بَابُ بَسْطِ الْيُسْرَى عَلى الرُّكبَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على استحباب بسط اليد اليسرى على الركبة في حال الجلوس.
١٢٦٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) مَعْمَرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ أُصْبُعَهُ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ، فَدَعَا بِهَا، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ بَاسِطُهَا عَلَيْهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن رافع) النيسابوري، ثقة عابد [١١] تقدم ٩٢/ ١١٤.
٢ - (عبدالرّزّاق) بن هَمّام الصنعاني، ثقة حافظ [٩] تقدم ٦١/ ٧٧.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الصنعاني، ثقة ثبت [٧] تقدم ١٠/ ١٠.
٤ - (عبيد الله) بن عمر العُمَري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ١٥/ ١٥.
٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ١٢/ ١٢.
٦ - (ابن عمر) عبد الله ﵄ تقدم ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات نُبلاء، وأنهم من
стр. 8912
رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وهو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أن رسول الله ﷺ كان) تقدم غير مرة أن "كان" تفيد الاستمرار (إذا جلس في الصلاة) أي لقراءة التشهد (وضع يديه على ركبتيه) أي وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، ويده اليسرى على ركبته اليسرى، لكن وضع كلّ منهما مختلف، كما بينه بقوله (ورفع إِصبعه) أي من يده اليمنى (التي تلي الإبهام) هي السّبابة التي تقدم ذكرها قريباً، وتسمّى المُسبّحة (فدعا بها) فيه أن رفعها إشارة إلى طلب المصلي من الله تعالى أن يعطيه ما يستجيب له دعاءه.
فإن قيل: إن التشهد ذكر، لا دعاء، فكيف قال: "يدعو بها".
أجيب: بأن التشهد ذكر ودعاء، فإن قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين"، وإن كان خيراً، لكنه بمعنى الإنشاء، فهو دعاء، وأيضاً الذكر دعاء، إذ الثناء على الكريم تعرّض لعطائه، كما قال الشاعر [من الوافر]:
أَأَذْكرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كفَانِي … ثَنَائِي إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ
إِذَا أَثَنَي عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْماً ..... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
(ويده اليسرى) بالنصب على المفعولية لـ"وضع" مقدراً، دلّ عليه السياق، أي وضع يده اليسرى، ويحتمل الرفع على الابتداء، خبره قوله (على ركبته) المراد الركبة اليسرى. وفيه أن السنة وضع اليسرى على الركبة.
قال النووي رحمه الله تعالى: وقد أجمع العلماء على استحباب وضعها -يعني اليسرى- عند الركبة، أو على الركبة، وبعضهم يقول بعطف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله: "ويُلقم كفه اليسرى رُكْبَتَه" (١).
والحكمة في وضعها عند الركبة منعُها من العبث. انتهى (٢)
(باسطها عليها) يحتمل أن يكون بالنصب على الحال، لأن إضافته لفظيّة، فلا يتعرف
стр. 8913
بها، لكونها في نية الانفصال، أي حال كونه باسطاً يده اليسرى على ركبته اليسرى، ويحتمل أن يكون بالرفع خبراً لمحذوف، أي هو باسطها عليها، والجملة في محل نصب على الحال أيضاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٣٥/ ١٢٦٩ - وفي "الكبرى" -٧٠/ ١١٩٢ - عن محمد بن رافع، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن عُبَيد الله بن عمر، عن نافع، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ٩٠ - عن عبد بن حُميد، عن يونس بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع به. وعن محمد بن رافع، وعبد بن حُميد، كلاهما عن عبد الرزّاق به. (ت) رقم -٢٩٤ - عن محمود بن غيلان، ويحيى بن موسى، وغير واحد، كلهم عن عبد الرّزّاق به. (ق) -٩١٣ - عن محمد بن يحيى, والحسن بن علي، وإسحاق بن منصور، كلهم عن عبد الرّزّاق به.
وأخرجه أحمد ٢/ ١٣١ و١٤٧ (والدارمي) رقم ١٣٤٥ (وابن خزيمة) ٧١٧. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب بسط اليد اليسرى على الركبة اليسرى، وأنه لا يشرع فيها القبض.
ومنها: استحباب رفع السبابة والإشارة بها، مع قبض بقية الأصابع، كما دلت عليه رواية ابن عمر ﵄ السابقة قبل باب، وقد تقدم أنه لا تنافي بين حديث ابن عمر الذي فيه قبض بقية الأصابع، وحديث وائل ﵁ الذي فيه تحليق الإبهام والوُسطى، لأن ذلك يحمل على اختلاف الأوقات، وعلى التخيير، فكلٌّ سنة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٧٠ - (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: (١) قَالَ ابْنُ
стр. 8914
جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا، وَلَا يُحَرِّكُهَا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَزَادَ عَمْرٌو: قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَدْعُو كَذَلِكَ، وَيَتَحَامَلُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أيوب بن محمد الوزّان) أبو محمد الرّقّيّ، ثقة [١٠] تقدم ٢٨/ ٣٢.
٢ - (حجّاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ثقة ثبت [٩] تقدم ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلس ويرسل [٦] تقدم ٢٨/ ٣٢.
٤ - (زياد) بن سعد بن عبد الرحمن الخُرَاساني نزيل مكة، ثم اليمن، ثقة ثبت من أثبت أصحاب الزهري [٦] تقدم ٥١/ ٦٤.
٥ - (محمد بن عجلان) المدني، صدوق [٥] تقدم ٣٦/ ٤٠.
٦ - (عامر بن عبد الله بن الزبير) الأسديّ، أبو الحارث المدني، ثقة عابد [٤] تقدم ١٣/ ١٠٢٤.
٧ - (عبد الله بن الزبير) بن الْعَوَّام القرشي الأسدي، أبو بكر، أو أبو خُبَيب، أول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، وولي الخلافة تسع سنين، قُتل في ذي الحجة سنة (٧٣) تقدم ١٨٩/ ١١٦١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن الزبير) رضي الله تعالى عنهما (أن النبي- ﷺ -كان يشير بإصبعه) أي السبّابة، كما بينه مسلم من طريق أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان، ولفظه "كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضح يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبّابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويُلقم كفَّه اليسرى ركبَتَه" (اذا دعا) أي إذا قرأ التشهد، وتقدم في الحديث الماضي وجه تسمية التشهد دعاء (ولا يحركها) "لا" نافية، والفعل بعدها مرفوع، أي أنه ﷺ كان يشير
стр. 8915
بإصبعه من غير تحريكها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فإن قيل: هذا الحديث يدلّ على أنه لا يشرع تحريك الإصبع، ويعارضه ما تقدم في حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه أنه رأى النبي ﷺ يحرّكها.
قلت: لا تعارض بينهما، لإمكان الجمع بحملهما على أوقات مختلفة، فيكون ﷺ فعل التحريك في بعض الأوقات، فشهد وائل ﵁ ذلك منه، فأخبر به، وكان في أكثر الأوقات لا يحرّك، كما تفيده لفظة "كان" في حديث ابن الزبير ﵄.
وأما تضعيف حديث عبد الله بن الزبير بسبب تفرّد ابن عجلان -كما قال بعضهم- فليس بجيّد، فإن زيادة ابن عجلان ليست منكرة، لأنه ثقة متفق على توثيقه، وإنما تكلموا باضطرابه في أحاديث أبي هريرة ﵁ فقط، وهذا ليس منها، ولأن روايته يشهد لها حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما التي فيها وصف كيفية القبض والإشارة بحيث دقق فيها، فإنها خالية عن التحريك، فهي موافقة لراوية ابن عجلان. على أَنَّ التحريك المذكور في حديث وائل قيل بشذوذه، فقد ألف في ذلك رسالة بعض من عاصرناه. فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(قال ابن جريج: وزاد عمرو) أي ابن دينار الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكي، ثقة ثبت، تقدمت ترجمته ١١٢/ ١٥٤ (قال: أخبرني عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ ) مقصود ابن جُريج أنه روى هذا الحديث عن شيخين: أحدهما: زياد بن سعد ولفظه ما تقدّم، والثاني: عمرو بن دينار، ولفظه: أخبرني عامر بن عبد الله الخ، والطريق الثاني أعلى لأن بينه وبين عامر واسطةً واحدةً، بخلاف الأول، فإن فيه واسطتين، زياداً، وابنَ عجلان. والله تعالى أعلم.
(يدعو كذلك) أي يتشهد على مثل الصفة المتقدمة من الإشارة بالإصبع (ويتحامل بيده اليسرى على رجله اليسرى) أي يعتمد بها عليها، والمراد وضع يده اليسرى، وبسطها على فخذه اليسرى من دون قبض، ولا تحليق، ولا إشارة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن الزبير هذا صحيح، كما حققه آنفاً.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٣٥/ ١٢٧٠ - وفي "الكبرى" -٧٠/ ١١٩٣ عن أيوب بن محمد الوزّان،
стр. 8916
عن حجّاج الأعور، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ٩٨٩، و٩٩٠ (والحميدي) ٨٧٩ (وأحمد) ٤/ ٣ (والدارمي) ١٣٤٤. والله تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تعلم مما تقدم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت, وإليه أنيب".
…
٣٦ - (بَاب الإِشَارَةِ بِالإِصْبَعِ فِي التَّشَهُّدِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على استحباب الإشارة عند قراءة التشهد بالإصبع الواحدة، وهي السبّابة، كما بُيّنت في الروايات الأخرى.
١٢٧١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ، عَنِ الْمُعَافَى، عَنْ عِصَامِ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ مَالِكٍ -وَهُوَ ابْنُ نُمَيْرٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاضِعًا يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى فِي الصَّلَاةِ، وَيُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن عبد الله بن عَمّار الْمَوْصِلي) الْمُخَرِّميّ الأزدي، أبو جعفر، نزيل الموصل، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٠/ ١٢٢٠.
٢ - (الْمُعَافَى) بن عمران بن نُفيل بن جابر بن جَبَلة بن عُبيد بن لَبيد بن مُخاشن بن سَليمة بن مالك بن فَهْم الأزدي الفهمي، أبو مسعود النفيلي الموصلي الفقيه الزاهد، وقيل في نسبه: غير ذلك، ثقة عابد فقيه، من كبار [٩].
روى عن حَريز بن عثمان، وابن جريج، والثوري، وعصام بن قُدَامة، وغيرهم. وعنه ابن المبارك، ووكيع، ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وغيرهم.
قال أبو زكرياء الأزدي في "تاريخ الموصل": رحل في طلب العلم إلى الآفاق، وجالس العلماء، ولزم الثوري، وتأدّب بآدابه، وتفقه به، وأكثر عنه، وعن غيره،
стр. 8917
وصنّف حديثه في السنن وغير ذلك، وكان زاهداً فاضلاً شريفاً كريماً عاقلاً، قال علي ابن حرب: رأيته أبيض الرأس واللحية، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: كان صادق اللَّهجة، قال حرب، عن أحمد: شيخ له قَدْر وحال، وجعل يعظّم أمره، قال: وكان رجلاً صالحاً، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي، وابن خراش: ثقة، وقال أبو زرعة: كان عابداً صالحاً، وقال ابن سعد: كان ثقة خيراً فاضلاً صاحب سنّة، وقال عمرو بن عبد الله الأزديّ، عن وكيع: حدثنا المعافى، وكان ثقة، وقال بشر بن الحارث: كان ابن المبارك يقول: حدثنا ذاك الرجل الصالح -يعني المعافى- وعن بشر قال: كان الثوري يقول للمعافى: أنت مُعَافًى كاسمك، وكان يسميه الياقوتة، وقال ابن عمار: لم أر بعده أفضل منه، قال: وكنت عند عيسى بن يونس بالحَدَث، فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الموصل، قال: رأيتَ المُعافى بن عمران؟ قلت: نعم، قال: ما أحسب أحدًا رأى المعافى، وسمع من غيره يريد الله تعالى بعلمه، وقال أحمد ابن يونس، عن الثوري: امتَحِنُوا أهل الْمَوْصل بالمعافى، وعنه قال: أَهْدَى إليّ الْمُعافى كساءً، فقبلت منه، وكان المعافى أهلاً لذلك، وقال محمد بن المثنى عن بشر بن الحارث: كان المعافى محشوّاً بالعلم والفهم والخير، قال: وكان المعافى لا يأكل وحده، وذكر من سخائه. وقال إبراهيم بن جنيد: قلت لابن معين: أيما أحبّ إليك، أكتب "جامع سفيان" عن فلان، أو فلان، أو عن رجل عن المعافى؟، فقال: عن رجل، عن رجل، حتى عَدَّ خمسة أو ستةً عن المعافى أحب إلي، وقال ابن حبّان في "الثقات": كان من العبّاد المتقشِّفين في الزهد، وقال أبو زكريّاء صاحب "تاريخ الموصل": كان كثير الكتاب والشيوخ، قيل عنه أنه قال: لقيت ثمانمائة شيخ.
ومناقبه، وفضائله كثيرة جدّاً. قال ابن قانع: مات سنة (٢٠٤) وقال ابن عمّار: مات سنة (١٨٥)، وقال الهيثم بن خارجة: مات سنة ست. أخرج له البخاري، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب (٩) أحاديث.
٣ - (عصام بن قُدَامة) البجلي، أو الجَدَلي -بالجيم- أبو محمد الكوفي، صدوق [٧].
روى عن ابن عمر مرسلاً، وعطية الْعَوْفي، وقيل: عن عبيد الله بن الوليد الوصّافي، عنه، ومالك بن نُمير، وعكرمة. وعنه وكيع، والمعافى بن عمران، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال ابن معين: صالح، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: لا بأس به. وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال الذهبي: لم يثبّته
стр. 8918
ابن القطان.
أخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه حديث الباب فقط، وأعاده المصنف بعد باب.
٤ - (مالك بن نُمير الخزاعي) البصريّ، مقبول [٤].
روى عن أبيه. وعنه عصام بن قُدامة الجدلي، وقال البرقاني عن الدارقطني: ما يحدّث عن أبيه إلا هو، يُعتَبَر به، ولا بأس بأبيه.
قال الحافظ ﵀: هذا الكلام فيه نظر، فإن أباه ذكر أنه رأى النبي ﷺ قاعداً في الصلاة .... الحديث، فإن ثبت إسناده فهو صحابي، وقال ابن القطّان: لا يعرف حال مالك، ولا روى عن أبيه غيره، وقال الذهبي: لا يعرف. روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه فقط، وأعاده المصنف بعد باب.
٥ - (نُمير الخُزاعي) أبو مالك، روى عنه ابنه مالك، قال البغوي: لا أعلم له حديثاً مسنداً غير حديث الباب، وقال ابن عبد البرّ: يكنى أبا مالك، سكن البصرة.
روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه حديث الباب فقط، وأعاده المصنف بعد باب.
[فائدة]: "الخُزاعي" بضم الخاء المعجمة، والزاي-: نسبة إلى خُزَاعة اسم حيّ، سُمّوا بذلك لأنهم لمّا ساروا مع قومهم من مَأْرِب، فانتهوا إلى مكة تخزّعوا، وتفرّقوا عنهم، فأقاموا، وسار الآخرون إلى الشام، وقال ابن الكلبي: إنما سُمُّوا خُزاعة لأنهم انخزعوا من قومهم حين أقبلوا من مأرب، فنزلوا ظهر مكة. وقيل: خزاعة حي من الأزد مشتقّ من ذلك، لتخلفهم عن قومهم، وسمّوا بذلك لأن الأزد لمّا خرجت من مكة لتتفرّق في البلاد تخلّفت عنهم خزاعة، وأقامت بها، قال حَسّان بن ثابت ﵁[من الطويل]:
فَلَمَا هَبَطْنَا بَطْنَ مَرِّ تخزَّعَتْ … خُزَاعَةُ عَنَّا فِي حُلُولِ كَرَاكِرِ
وهم بنو عمرو بن ربيعة، وهو لُحَيّ بن حارثة، وهو أول من بحّر البحائر، وغيّر دين إبراهيم ﵊. قاله في "اللسان" (١).
وشرح الحديث يعلم مما تقدّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى في درجته:
стр. 8919
حديث نُمير الخزاعي ﵁ هذا صحيح.
فإن قلت: في سنده مالك بن نمير، وهو مجهول، فكيف يصح.
قلت: إنما حكمنا بصحته لشواهده، فإن الأحاديث المتقدمة وغيرها تشهد له فيصحّ بها. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٦/ ١٢٧١ - وفي "الكبرى" -٧١/ ١١٩٤ - عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن الْمُعافى بن عمران، عن عصام بن قُدَامة، عن مالك بن نمير، عن أبيه ٣٨/ ١٢٧٤ - و"الكبرى" -٧٣/ ١١٩٦ - عن أحمد بن يحيى الصوفي، عن أبي نعيم، عن عصام بن قُدَامة به.
وأخرجه (د) ٩٩١ - و (ق) ٩١١ و (أحمد) ٣/ ٤٧١، (وابن خزيمة)، ٧١٥ و٧١٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٧ - (بَابُ النَّهْي عَنِ الإِشَارَةِ بِإِصْبَعَيْنِ، وَبِأَيِّ إِصْبَعٍ يُشِيرُ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على النهي عن الإشارة بإصبعين، والأمر بالإشارة بإصبع واحدة، وهي السبّابة، كما تقدّم.
١٢٧٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَدْعُو بِأُصْبُعَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَحِّدْ أَحِّدْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن بشّار) بُندار البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧.
٢ - (صفوان بن عيسى) الزهري، أبو محمد البصريّ القَسّام، ثقة [٩].
روى عن يزيد بن أبي عُبيد، وهشام بن حَسّان، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وبُندار، وغيرهم.
стр. 8920
قال أبو حاتم: صالح. وقال العجلي: بصريّ ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة صالحاً، توفي بالبصرة سنة مائتين في خلافة هارون، وقال البخاري: مات سنة (١٩٨) وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثمان وتسعين، أو أول سنة (٩٩) وقيل: سنة مائتين، وقيل: سنة (٢٠٨) في أول رجب، وكان من خيار عباد الله. وكتب الذهبي: أن قول من قال: إنه مات سنة (٢٠٨) غلط. علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث.
٣ - (محمد بن عجلان) تقدم قبل باب.
٤ - (القعقاع) بن حكيم الكنَاني المدني، ثقة [٤] تقدم ٣٦/ ٤٠.
٥ - (أيو صالح) ذكوان السمّان المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٣٦/ ٤٥.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وأنهم مدنيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان، وأن شيخه أحد التسعة الذين اتفق الجماعة بالرواية عنهم دون واسطة، كما تقدم غير مرّة، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، محمد بن عجلان، والقعقاع، وأبو صالح، وأن صحابيه أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (أن رجلاً) هو سعد بن أبي وقّاص رضي الله تعالى عنه، كما بينه أحمد في "مسنده" جـ ٢ ص ٤٢٠ - ولفظه من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ مَرَّ بسعد، وهو يدعو، فقال: "أحِّدْ أحِّدْ".
(يدعو بإصبعيه) يحتمل أن يكون المراد الدعاء المعروف، يعني أنه يدعو الله تعالى رافعاً إصبعيه، ويحتمل أن يكون أراد بالدعاء التشهد، وقد تقدّم وجه تسمية التشهّد دعاء.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر صنيع المصنف ﵀ أن هذا الدعاء كان داخل الصلاة، حيث أورده في أبواب التشهد، وهو الذي مشى عليه الترمذي ﵀ حيث قال في "جامعه" جـ ٥ ص ٢١٧: ومعنى هذا الحديث إذا أشار الرجل بإصبعيه في الدعاء عند الشهادة لا يشير إلا بإصبع واحدة. انتهى.
стр. 8921
ويحتمل أن يكون خارج الصلاة، وهو الذي يفيده صنيع أبى داود رحمه الله تعالى، حيث أرود حديث سعد رضي الله تعالى عنه الآتي بعد هذا في باب الدعاء. والله تعالى أعلم.
(فقال رسول الله ﷺ : أحّد أحّد) فعل أمر من التوحيد، وأصله وَحِّدْ بالواو، فقلبت همزة، والتكرار للتأكيد.
قال في "النهاية": أي أشر بإصبع واحدة، لأن الذي تدعوه واحد، وهو الله تعالى. انتهى.
وقد جاء تفسير الأصبع التي يشير بها في رواية سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه الآتية بعد هذا بأنها السبّابة.
والحديث يدلّ على استحباب الإشارة بالإصبع الواحدة عند الدعاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٧/ ١٢٧٢ - ٧٢/ ١١٩٥ - بالسند المذكور.
وأخرجه (ت) رقم ٣٦٢٨ - (وأحمد) ٢/ ٤٢٠ و٥٢٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: مَرَّ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ (٢) ﷺ وَأَنَا أَدْعُو بِأَصَابِعِي، فَقَالَ: "أَحِّدْ أَحِّدْ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن عبد الله بن المبارك الْمُخَرِّميّ) أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ [١١] تقدم ٤٣/ ٥٠.
٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهم في حديث غيره من كبار [٩] تقدم ٢٦/ ٣٠.
стр. 8922
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي الإمام الحافظ الحجة [٥] تقدم ١٧/ ١٨.
٤ - (أبو صالح) ذكوان السمان، تقدم في السند الماضي.
٥ - (سعد) بن أبي وقّاص مالك بن وُهَيب رضي الله تعالى عنه تقدم ٩٦/ ١٢١.
وشرح الحديث يعلم مما سبق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، أخرجه المصنف هنا -٣٧/ ١٢٧٣ - وفي "الكبرى" ٧٢/ ١١٩٦ - بالسند المذكور، وأخرجه (د) رقم - ١٤٩٩. والله تعالى أعلم.
وقوله: "وأنا أدعو" جملة في محل نصب على الحال من "رسول الله".
وقوله: "بأصابعي" هكذا نسخ "المجتبى" بصيغة الجمع، والذي في "الكبرى" وسنن أبي داود "بأصبعيّ" بصيغة التثنية، وهو واضح، وللأول أيضاً وجه، إذ أقلّ الجمع اثنان على الراجح، فأراد بالأصابع الأصبعين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٨ - (بَابُ إحْنَاءِ السَّبَّابةِ فِي الإِشَارَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية إحناء السبّابة في حال الإشارة بها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الإحناء": مصدر أحنى يُحني رباعياً، هكذا نسخ "المجتبى"، والذي في كتب اللغة التي بين يدي أن ثلاثيه يتعدّى، ففي "المصباح": حَنَيتُ العُودَ أَحْنيه حَنْياً، وحَنَوْته أحنُوهُ حَنْواً: ثَنَيتُهُ، ويقال للرجل إذا انحنى من الكبر: حَنَاه الدّهرُ، فهو مَحْنيّ، ومَحْنُوّ انتهى.
وفي "ق": حَنَاه حَنْواً، وحَنَّاه: عَطَفَه، فانحنى، وتحنّى: انعطف، وحنَا يده: لَوَاها. انتهى.
وأمّا أحنا رباعيّاً، فهو بمعنى الإشفاق، ولا يناسب هنا، يقال: حَنَت المرأة على أولادها حُنُوّاً، كعُلُوّ: عطفت، كأَحْنَت. قاله في "ق" أيضاً. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 8923
١٢٧٤ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَدَلِيُّ (١)، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ نُمَيْرٍ الْخُزَاعِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا فِي الصَّلَاةِ، وَاضِعًا ذِرَاعَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، رَافِعًا أُصْبُعَهُ السَّبَّابَةَ، قَدْ أَحْنَاهَا شَيْئًا، وَهُوَ يَدْعُو).
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدموا قبل باب، إلا اثنين:
١ - (أحمد بن يحيى الصوفي) هو أحمد بن يحيى بن زكريا الأودي، أبو جعفر الكوفي العابد، ثقة [١١].
روى عن شريك القاضي، وأبي أسامة، وأبي نعيم، وغيرهم. وعنه النسائي، والبخاري في "التاريخ"، وابن أبي حاتم، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبّان "الثقات", وقال ابن عُقْدة: توفي في ربيع الأول سنة (٢٦٤). انفرد به المصنف، وروى عنه في هذا الحديث (١٣) حديثًا.
[تنبيه]: "الصوفي" -بضم الصاد المهملة، وسكون الواو-: نسبة إلى التصوّف. أفاده في "لب اللباب" جـ ٢ ص ٧٥.
٢ - (أبو نعيم) الفضل بن دُكَين الكوفي، ثقة ثبت [٩] تقدم ١١/ ٥١٦.
وشرح الحديث واضح، وتخريجه تقدم قبل باب.
وقوله: "قد أحناها شيئاً" بالهمزة رباعيّاً: أي أمالها قليلاً، وعند أبي داود: "قد حَنَاها شيئاً"، بدون همزة، ثلاثيًّا، وهو الموافق لما قدمناه من كتب اللغة.
وفيه دلالة على مشروعيّة إمالة السبّابة حال الإشارة بها في التشهّد.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث نمير الخزاعي ﵁ هذا ضعيف، لجهالة مالك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 8924
٣٩ - (مَوْضِعُ الْبَصَرِ عِنْدَ الإِشَارَةِ، وَتحَرِيكُ السَّبَّابَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على بيان موضع البصر عند الإشارة بالسبّابة، وعلى حكم تحريك السبّابة عند الإشارة بها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ذكر المصنف في هذه الترجمة مسألتين:
(إحداهما): موضع البصر عند الإشارة، ودلالة حديث الباب عليه واضحة، فإن قوله: "لا يجاوز بصره إشارته" يدلّ على أن موضع البصر هو الإصبع التي يشير بها، ففيه استحباب نظر المصلي عند التشهّد إلى السبابة التي يشير بها.
(الثانية): تحريك السبّابة، وظاهر تصرّف المصنف أنه لا يرى استحباب تحريك السبّابة عند الإشارة بها، لأنه أورد حديث عبد الله بن الزبير، وهو وإن لم يُذكر فيه التحريك، لا إثباتاً، ولا نفياً في هذه الرواية، لكنه تقدّم نفيه من طريق زياد بن سعد، عن ابن عجلان -٣٥/ ١٢٧٠ - ، ولفظه: "كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحَرّكها"، فدلّ على أنه رحمه الله تعالى لا يرى استحباب تحريكها، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو الراجح عندي؛ وأما ما تقدم من حديث وائل بن حجر ﵁ من إثبات التحريك، فقد أعلّه بعضهم بالشذوذ حيث خالف زائدة جماعةً من الحفاظ الذين رووه عن عاصم بن كليب، فزاده، كما أشار إلى هذا ابن خزيمة في "صحيحه" جـ ١ ص ٣٥٤، وعلى تقدير صحته فيحمل على أنه ﷺ فعله لبيان الجواز، فيشرع التحريك أحياناً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والحاصل أن النبي ﷺ حرك السبّابة، وترك تحريكها، فيكون الراجح العملَ بهما، فيحركها أحياناً، ويترك ذلك أحياناً. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٧٥ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي (١) يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ، لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدموا قريباً غير:
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرَقي البغدادي، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢١/ ٢٢.
стр. 8925
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الشهير [٩] تقدم ٤/ ٤.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم قبل ثلاثة أبواب، وتقدم الكلام عليه هناك مستوفًى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٠ - (باب النَّهْىِ عَنْ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدمت هذه الترجمة برقم -٩ - بلفظ: "النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة". أوود هناك المصنف رحمه الله تعالى حديث أنس ابن مالك ﵁ ١١٩٣ - ، وحديث عُبيد الله بن عبد الله, عن رجل من أصحاب النبى ﷺ ١١٩٤.
والفرق بين الترجمين أن النهي هناك عن رفع البصر في الصلاة مطلقاً، وهنا عن رفعهما فيها عند الدعاء، فأفادت الأولى ما لم تفده الثانية، فيحرم رفع البصر إلى السماء في الصلاة مطلقاً. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٧٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثنِي (١) اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِ أَبْصَارِهِمْ (٢) عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ (٣) أَبْصَارُهُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن عمرو بن السرح) المصري، ثقة [١٠] تقدم ٣٥/ ٣٩.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة ثبت [٩] تقدم ٩/ ٩.
٣ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الشهير المصري [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.
стр. 8926
٤ - (جعفر بن ربيعة) الكندي المصريّ، ثقة [٥] تقدم ١٢٢/ ١٧٣.
٥ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري، ولا الترمذي، وأنه مسلسل بالمصريين، سوى الأعرج، وأبي هريرة، فمدنيان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله ﷺ قال: لينتهينّ أقوام) اللام هي الموطِّئةُ للقسم، والفعل مبنيّ للفاعل، و"أقوام" فاعله، والنون المشددة نون التوكيد (عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء) هذا الحديث فيه تقييد النهي عن رفع الأبصار بالدعاء الواقع في داخل الصلاة، وتقدم في حديث أنس بن مالك ﵁ غير مقيد بالدعاء، ولفظه: "مال بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم" … الحديث. وفي حديث عبيد الله بن عبد الله، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ مرفوعاً: "إذا كان أحدكم في الصلاة، فلا يرفع بصره الى السماء، أن يُلْتَمَعَ بصرُهُ".
فيستفاد من الحديثين النهي عن رفع البصر في الصلاة مطلقاً، والنهي للتحريم على الراجح، للوعيد المذكور. والله تعالى أعلم.
(أو لتُخطفنّ أبصارهم) بالبناء للمفعول، أي لتُسلبنّ بسرعة.
قال النووي رحمه الله تعالى: فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، وقد نُقل الإجماعُ في النهي عن ذلك. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث دليل على كراهة رفع بصره إلى السماء في صلاته.
والمعنى في كراهة ذلك خُشوع المصلي، وخفض بصره. ونظره إلى محلّ سجوده، فإنه واقف بين يدي الله يُناجيه، فينبغي أن يكون، منكساً رأسه، مطرقاً إلى الأرض. انتهى باختصار (١).
стр. 8927
وتمام شرح الحديث قد تقدم في حديث أنس المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له, وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٠/ ١٢٧٦ - وفي "الكبرى" -٧٥/ ١١٩٩ - بالسند المذكور.
وأخرجه (م) -٢/ ٣٩ - عن أحمد بن عمرو بن السرح، وعمرو بن سَوّاد، كلاهما عن ابن وهب به. (وأحمد) ٢/ ٣٣٣، و٣٦٧. من رواية الحسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهي منقطعة عند الجمهور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤١ - (باب إِيجَابِ التَّشَهُّدِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على إيجاب التشهّد على المصلي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن يكون المراد التشهد الأخير بدليل أنه ترجم للتشهّد الأول فيما سبق -١٠٦/ ١١٧٧ - بقوله: "باب ترك التشهد الأوّل".
فيكون المصنف رحمه الله تعالى ممن يرى التفرقة بين التشهدين، فيرى وجوب التشهد الثاني، دون الأوّل، وهو الذي ذهب إليه البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه"، واستدلّ على عدم وجوب التشهد الأول بكون النبي ﷺ قام من الركعتين، ولم يرجع، كما في حديث ابن بُحينة ﵁ المتقدّم.
ويحتمل أن يكون المراد جنسَ التشهد، فيشمل الأول والثاني، فيكون الباب معقوداً لبيان حكم التشهدين، ولكون ما تقدّم لبيان أن من ترك التشهد سهواً يسجد سجدتي السهو، وإنما قيّده بالأول لكونه مورد النصّ، وهذا هو المذهب الراجح، كما يأتي تحقيقه آخر الباب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 8928
١٢٧٧ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٌ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُولُوا: هَكَذَا، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ، أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله المخزومي) هو سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان، ويقال: ابن عبد الرحمن بن أبي سعيد، ثقة من صغار [١٠].
روى عن ابن عُيينة، وهشام بن سليمان المخزومي، وحسين بن زيد، وغيرهم. وعنه الترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة، وقال مرّة: لا بأس به. وقال مسلمة في "كتاب الصلة": سعيدُ بن عبد الرحمن بن سعيد بن حسّان بن عُبيد الله بن أبي نَهيك بن أبي السائب صيفي بن عائذ ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أنا عنه غير واحد، وهو ثقة في ابن عُيينة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٤٩) زاد غيره بمكة. انفرد به الترمذي، والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
٢ - (سفيان) بن عُيينة الإمام الحجة الشهير [٨] تقدّم ١/ ١.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الثبت [٥] تقدم ١٧/ ١٨.
٤ - (منصور) بن المعتمر الحافظ الحجة الثبت [٦] تقدم ٢/ ٢.
٥ - (شقيق بن سلمة) أبو وائل الكوفي ثقة ثبت مخضرم [٢] تقدم ٢/ ٢.
٦ - (ابن مسعود) عبد الله رضي الله تعالى عنه، تقدّم ٣٥/ ٣٩.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وقد استوفيتُ شرحَه، وبيانَ المسائل المتعلقة به برقم ١٩٠/ ١١٦٢.
وإنما أتكلم هنا على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو إيجاب التشهد، فأقول:
(اعلم): أنه اختلف أهل العلم في حكم التشهّد:
стр. 8929
أما التشهد الأول، فقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه": "باب من لم ير التشهّد الأول واجباً، لأن النبي ﷺ قام من الركعتين، ولم يرجع"، ثم أخرج حديث عبد الله ابن بُحينة رضي الله تعالى المتقدم -١٩٦/ ١١٧٧.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد استَدَلَّ بهذا الحديث كثير من العلماء -كما أشار إليه البخاريّ- على أن التشهد الأول ليس بواجب، لأن النبي ﷺ نسيه، ولم يرجع إليه بعد قيامه إلى الركعة الثالثة.
وممن ذهب إلى أن التشهد الأول، والجلوس له سنة، لا تبطل الصلاة بتركهما عمداً: النخَعيُّ، وأبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وحُكي روايةً عن أحمد، والمنصوص عن أحمد إنكار تسميته سنة, وتوقف في تسميته فرضاً، وقال: هو أمرٌ أمر به رسول الله ﷺ .
وقال الثوريّ، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، وأبو ثور، وداود: إن تَرَكَ واحداً منهما عمداً بطلت صلاته، وإن تركه سهواً سجد لسهو.
وحَكَى الطحاويّ مثله عن مالك، لأن النبي ﷺ كان يداوم عليه، وقال: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، وإنما تركه نسياناً، وجبره بسجود السهو.
وقد روي عنه الأمر به، كما خَرَّجه أبو داود من حديث رفاعة بن رافع، أن النبي ﷺ قال للمسيء في صلاته: "فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئنّ، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد".
والعجب أن من المخالفين في ذلك من يقول في خطبتي الجمعة: إذا لم يجلس بينهما لم تصحّ الخطبة، وهو يقول: لو صلّى الظهر أربعاً من غير جلوس في وسطها صحت صلاته.
وأما التشهد الآخر والجلوس له، وهو الذي ترجم له المصنف رحمه الله تعالى هنا بقوله: "باب إيجاب التشهد"، فقال كثير من العلماء: إنهما من فرائض الصلاة، ومن تركهما لم تصحّ صلاته، وهو قول الحسن، ومكحول، ونافع مولى ابن عمر، والشافعيّ، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وحكى ابن المنذر مثله عن مالك، إلا أنه قال: إذا نسيه خلف الإمام حَمَلَه عنه، وروي عن الأوزاعيّ نحوه، ونقلَ مُهَنَّا عن أحمد ما يدلّ على مثل ذلك، وقال أبو مصعب: من ترك التشهد بطلت صلاته، ونقله عن مالك، وأهل المدينة.
وقالت طائفة: هو سنّة كالتشهد الأول، لا تبطل الصلاة بتركه، منهم: النخعي، وقتادة، وحمّاد، والأوزاعيّ، وهو المشهور عن مالك.
стр. 8930
ونقل محمد بن يحيى الكحال عن أحمد -فيمن سلّم، ولم يتشهد-: لا إعادة، واستدلّ بحديث ابن بُحينة.
ونقل ابن وهب عن مالك، قال: كلّ أحد يحسن التشهد إذا ذكر الله أجزأ عنه. وقال أحمد في رواية عنه، نقلها حرب: إذا لم يقدر أن يتعلّم التشهد يدعو بما أحبّ.
وأوجب أبو حنيفة الجلوس له بقدر التشهد دون التشهد، وهو رواية عن الثوريّ، وروي عنه: إن أحدث قبل التشهد تمت صلاته.
وحُكي القول بأنه سنة روايةً عن أحمد أيضاً حكاه عنه الترمذي في "جامعه"، فإنه قال في رواية ابن منصور، وقد قيل له: فإن لم يتشهد وسَلَّم؟ قال: التشهد أهون، قام رسول الله ﷺ في ثنتين، ولم يتشهد، فحَمَلَه هؤلاء على أن التشهد غير واجب، ومنهم من حمله على التشهد الأول، لاستدلاله عليه بالحديث، والحديث إنما ورد في الأول، وقالوا: قد فرق بين الأول والثاني في روايات أخر عنه.
وقالت طائفة: هو واجب تطل الصلاة بتركه عمداً، ويسجد لسهوه، وهو قول الزهريّ، والثوريّ، وحكي عن الأوزاعيّ أيضاً، ونقله إسماعيل بن سعيد، وأبو طالب، وغيرهما عن أحمد، وذكر أبو حفص البرمكي من الحنابلة أن هذا هو مذهب أحمد، وأنه لا فرق عنده بين التشهد الأول والثاني، وأنهما واجبان، تبطل الصلاة بتركهما عمداً، ويسجد لسهوهما.
وهو أيضاً قول أبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشميّ، وأبن أبي شيبة.
واستدَلَّ من قال: إنه فرض بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله" … الحديث، وذكر فيه أمر النبي ﷺ لهم بالتشهد، وتعليمه لهم. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي قول من قال بوجوب التشهدين جميعاً، لأمر النبي ﷺ بذلك، كما تقدّم في حديث رفاعة بن رافع رضي الله تعالى عنه، والأمرُ للوجوب، ولمواظبته ﷺ على ذلك، ولحديث ابن مسعود ﵁ المذكور في الباب، حيث قال: "قبل أن يُفرض علينا التشهد" الخ، فإنه نصّ في كون التشهد فرضاً، وحديثه الآتي بعد باب -٤٣/ ١٢٧٩ - "فإذا قعد أحدكم، فلقيل: التحيات لله" … الحديث، فإنه أمر صريح بقراءة التشهد في قعود الصلاة.