٤ - (جعفر بن ربيعة) الكندي المصريّ، ثقة [٥] تقدم ١٢٢/ ١٧٣.
٥ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري، ولا الترمذي، وأنه مسلسل بالمصريين، سوى الأعرج، وأبي هريرة، فمدنيان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله ﷺ قال: لينتهينّ أقوام) اللام هي الموطِّئةُ للقسم، والفعل مبنيّ للفاعل، و"أقوام" فاعله، والنون المشددة نون التوكيد (عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء) هذا الحديث فيه تقييد النهي عن رفع الأبصار بالدعاء الواقع في داخل الصلاة، وتقدم في حديث أنس بن مالك ﵁ غير مقيد بالدعاء، ولفظه: "مال بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم" … الحديث. وفي حديث عبيد الله بن عبد الله، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ مرفوعاً: "إذا كان أحدكم في الصلاة، فلا يرفع بصره الى السماء، أن يُلْتَمَعَ بصرُهُ".
فيستفاد من الحديثين النهي عن رفع البصر في الصلاة مطلقاً، والنهي للتحريم على الراجح، للوعيد المذكور. والله تعالى أعلم.
(أو لتُخطفنّ أبصارهم) بالبناء للمفعول، أي لتُسلبنّ بسرعة.
قال النووي رحمه الله تعالى: فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، وقد نُقل الإجماعُ في النهي عن ذلك. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث دليل على كراهة رفع بصره إلى السماء في صلاته.
والمعنى في كراهة ذلك خُشوع المصلي، وخفض بصره. ونظره إلى محلّ سجوده، فإنه واقف بين يدي الله يُناجيه، فينبغي أن يكون، منكساً رأسه، مطرقاً إلى الأرض. انتهى باختصار (١).
стр. 8927
وتمام شرح الحديث قد تقدم في حديث أنس المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له, وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٠/ ١٢٧٦ - وفي "الكبرى" -٧٥/ ١١٩٩ - بالسند المذكور.
وأخرجه (م) -٢/ ٣٩ - عن أحمد بن عمرو بن السرح، وعمرو بن سَوّاد، كلاهما عن ابن وهب به. (وأحمد) ٢/ ٣٣٣، و٣٦٧. من رواية الحسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهي منقطعة عند الجمهور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤١ - (باب إِيجَابِ التَّشَهُّدِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على إيجاب التشهّد على المصلي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن يكون المراد التشهد الأخير بدليل أنه ترجم للتشهّد الأول فيما سبق -١٠٦/ ١١٧٧ - بقوله: "باب ترك التشهد الأوّل".
فيكون المصنف رحمه الله تعالى ممن يرى التفرقة بين التشهدين، فيرى وجوب التشهد الثاني، دون الأوّل، وهو الذي ذهب إليه البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه"، واستدلّ على عدم وجوب التشهد الأول بكون النبي ﷺ قام من الركعتين، ولم يرجع، كما في حديث ابن بُحينة ﵁ المتقدّم.
ويحتمل أن يكون المراد جنسَ التشهد، فيشمل الأول والثاني، فيكون الباب معقوداً لبيان حكم التشهدين، ولكون ما تقدّم لبيان أن من ترك التشهد سهواً يسجد سجدتي السهو، وإنما قيّده بالأول لكونه مورد النصّ، وهذا هو المذهب الراجح، كما يأتي تحقيقه آخر الباب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 8928
١٢٧٧ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٌ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُولُوا: هَكَذَا، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ، أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله المخزومي) هو سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان، ويقال: ابن عبد الرحمن بن أبي سعيد، ثقة من صغار [١٠].
روى عن ابن عُيينة، وهشام بن سليمان المخزومي، وحسين بن زيد، وغيرهم. وعنه الترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة، وقال مرّة: لا بأس به. وقال مسلمة في "كتاب الصلة": سعيدُ بن عبد الرحمن بن سعيد بن حسّان بن عُبيد الله بن أبي نَهيك بن أبي السائب صيفي بن عائذ ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أنا عنه غير واحد، وهو ثقة في ابن عُيينة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٤٩) زاد غيره بمكة. انفرد به الترمذي، والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
٢ - (سفيان) بن عُيينة الإمام الحجة الشهير [٨] تقدّم ١/ ١.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الثبت [٥] تقدم ١٧/ ١٨.
٤ - (منصور) بن المعتمر الحافظ الحجة الثبت [٦] تقدم ٢/ ٢.
٥ - (شقيق بن سلمة) أبو وائل الكوفي ثقة ثبت مخضرم [٢] تقدم ٢/ ٢.
٦ - (ابن مسعود) عبد الله رضي الله تعالى عنه، تقدّم ٣٥/ ٣٩.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وقد استوفيتُ شرحَه، وبيانَ المسائل المتعلقة به برقم ١٩٠/ ١١٦٢.
وإنما أتكلم هنا على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو إيجاب التشهد، فأقول:
(اعلم): أنه اختلف أهل العلم في حكم التشهّد:
стр. 8929
أما التشهد الأول، فقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه": "باب من لم ير التشهّد الأول واجباً، لأن النبي ﷺ قام من الركعتين، ولم يرجع"، ثم أخرج حديث عبد الله ابن بُحينة رضي الله تعالى المتقدم -١٩٦/ ١١٧٧.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد استَدَلَّ بهذا الحديث كثير من العلماء -كما أشار إليه البخاريّ- على أن التشهد الأول ليس بواجب، لأن النبي ﷺ نسيه، ولم يرجع إليه بعد قيامه إلى الركعة الثالثة.
وممن ذهب إلى أن التشهد الأول، والجلوس له سنة، لا تبطل الصلاة بتركهما عمداً: النخَعيُّ، وأبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وحُكي روايةً عن أحمد، والمنصوص عن أحمد إنكار تسميته سنة, وتوقف في تسميته فرضاً، وقال: هو أمرٌ أمر به رسول الله ﷺ .
وقال الثوريّ، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، وأبو ثور، وداود: إن تَرَكَ واحداً منهما عمداً بطلت صلاته، وإن تركه سهواً سجد لسهو.
وحَكَى الطحاويّ مثله عن مالك، لأن النبي ﷺ كان يداوم عليه، وقال: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، وإنما تركه نسياناً، وجبره بسجود السهو.
وقد روي عنه الأمر به، كما خَرَّجه أبو داود من حديث رفاعة بن رافع، أن النبي ﷺ قال للمسيء في صلاته: "فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئنّ، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد".
والعجب أن من المخالفين في ذلك من يقول في خطبتي الجمعة: إذا لم يجلس بينهما لم تصحّ الخطبة، وهو يقول: لو صلّى الظهر أربعاً من غير جلوس في وسطها صحت صلاته.
وأما التشهد الآخر والجلوس له، وهو الذي ترجم له المصنف رحمه الله تعالى هنا بقوله: "باب إيجاب التشهد"، فقال كثير من العلماء: إنهما من فرائض الصلاة، ومن تركهما لم تصحّ صلاته، وهو قول الحسن، ومكحول، ونافع مولى ابن عمر، والشافعيّ، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وحكى ابن المنذر مثله عن مالك، إلا أنه قال: إذا نسيه خلف الإمام حَمَلَه عنه، وروي عن الأوزاعيّ نحوه، ونقلَ مُهَنَّا عن أحمد ما يدلّ على مثل ذلك، وقال أبو مصعب: من ترك التشهد بطلت صلاته، ونقله عن مالك، وأهل المدينة.
وقالت طائفة: هو سنّة كالتشهد الأول، لا تبطل الصلاة بتركه، منهم: النخعي، وقتادة، وحمّاد، والأوزاعيّ، وهو المشهور عن مالك.
стр. 8930
ونقل محمد بن يحيى الكحال عن أحمد -فيمن سلّم، ولم يتشهد-: لا إعادة، واستدلّ بحديث ابن بُحينة.
ونقل ابن وهب عن مالك، قال: كلّ أحد يحسن التشهد إذا ذكر الله أجزأ عنه. وقال أحمد في رواية عنه، نقلها حرب: إذا لم يقدر أن يتعلّم التشهد يدعو بما أحبّ.
وأوجب أبو حنيفة الجلوس له بقدر التشهد دون التشهد، وهو رواية عن الثوريّ، وروي عنه: إن أحدث قبل التشهد تمت صلاته.
وحُكي القول بأنه سنة روايةً عن أحمد أيضاً حكاه عنه الترمذي في "جامعه"، فإنه قال في رواية ابن منصور، وقد قيل له: فإن لم يتشهد وسَلَّم؟ قال: التشهد أهون، قام رسول الله ﷺ في ثنتين، ولم يتشهد، فحَمَلَه هؤلاء على أن التشهد غير واجب، ومنهم من حمله على التشهد الأول، لاستدلاله عليه بالحديث، والحديث إنما ورد في الأول، وقالوا: قد فرق بين الأول والثاني في روايات أخر عنه.
وقالت طائفة: هو واجب تطل الصلاة بتركه عمداً، ويسجد لسهوه، وهو قول الزهريّ، والثوريّ، وحكي عن الأوزاعيّ أيضاً، ونقله إسماعيل بن سعيد، وأبو طالب، وغيرهما عن أحمد، وذكر أبو حفص البرمكي من الحنابلة أن هذا هو مذهب أحمد، وأنه لا فرق عنده بين التشهد الأول والثاني، وأنهما واجبان، تبطل الصلاة بتركهما عمداً، ويسجد لسهوهما.
وهو أيضاً قول أبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشميّ، وأبن أبي شيبة.
واستدَلَّ من قال: إنه فرض بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله" … الحديث، وذكر فيه أمر النبي ﷺ لهم بالتشهد، وتعليمه لهم. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي قول من قال بوجوب التشهدين جميعاً، لأمر النبي ﷺ بذلك، كما تقدّم في حديث رفاعة بن رافع رضي الله تعالى عنه، والأمرُ للوجوب، ولمواظبته ﷺ على ذلك، ولحديث ابن مسعود ﵁ المذكور في الباب، حيث قال: "قبل أن يُفرض علينا التشهد" الخ، فإنه نصّ في كون التشهد فرضاً، وحديثه الآتي بعد باب -٤٣/ ١٢٧٩ - "فإذا قعد أحدكم، فلقيل: التحيات لله" … الحديث، فإنه أمر صريح بقراءة التشهد في قعود الصلاة.
стр. 8931
والحاصل أن الراجح وجوب التشهدين، فتبطل الصلاة بتركهما، أو ترك أحدهما عمداً، وإن كان سهواً سجد للسهو. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٢ - (تَعْلِيمِ التَّشَهُّدِ كَتَعْلِيمِ السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على العناية بتعليم التشهد كالعناية بتعليم السورة من القرآن.
١٢٧٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهاوي، ثقة حافظ [١١] تقدم ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (يحيى بن آدم) أبو زكريا الكوفي، ثقة حافظ فاضل من كبار [٩] تقدم ١/ ٤٥١.
٣ - (عبد الرحمن بن حُمَيد) بن عبد الرحمن الرؤاسيّ الكوفي، ثقة [٧] تقدم ١٧/ ٧٩٨.
٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم المكي، صدوق (٤) تقدم ٣١/ ٣٥.
٥ - (طاوس) بن كيسان اليماني، ثقة فقيه فاضل [٣] تقدم ٢٧/ ٣١.
٦ - (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٢٧/ ٣١.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم، وتقدّم للمصنف رحمه الله تعالى برقم -١٩٣/ ١١٧٤ - ومضى شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك، فلتُراجع هناك، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "كما يعلمنا السورة من القرآن" إشارة إلى كمال اهتمامه صلى الله تعالى عليه
стр. 8932
وسلم بتعليم التشهد كاهتمامه بتعليم السورة من القرآن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
٤٣ - (بَاب كَيفَ التَّشَهُّدُ؟)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على بيان كيفية التشهد.
١٢٧٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ -وَهُوَ ابْنُ عِيَاضٍ- (١) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ بَعْدَ ذَلِكَ (٢) مِنَ الْكَلَامِ مَا شَاءَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدّموا قبل باب، إلا:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (الفُضَيل بن عياض) الخُرَاساني، ثم المكي الإمام الثقة العابد الزاهد [٨] تقدم ٢١/ ٣٨٨.
والحديث متفق عليه، وقد مضى البحث عنه قبل باب. وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "من الكلام" أراد به الدّعاء، لا كلام الناس، كما تقدّم بيانه في حديث ابن مسعود ﵁ من رواية أبي الأحوص عنه -١٩٠/ ١١٦٣ - "وليتخيّر أحدكم من الدعاء أعجبه إليه، فليدع الله ". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 8933
٤٤ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّشَهُّدِ)
١٢٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الأَشْعَرِيَّ (١) قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَنَا، فَعَلَّمَنَا سُنَّتَنَا، وَبَيَّنَ لَنَا صَلَاتَنَا، فَقَالَ: "إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ يُجِبْكُمُ اللَّهُ: ثُمَّ إِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ"، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ إِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ"، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ، فَلْيَكُنْ مِنْ قَوْلِ أَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ: التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن بن بشار) بُندار البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمد بن المثنى) البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٦٤/ ٨٠.
٣ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الشهير [٩] تقدم ٤/ ٤.
٤ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائي البصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٣٠/ ٣٤.
٥ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري الإمام الحجة الثبت المشهور [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤.
٦ - (يونس بن جُبَير) الباهلي البصري، ثقة [٣] تقدّم ٣٨/ ٨٣٠.
٧ - (حِطّان بن عبد الله) الرّقَاشي البصري، ثقة [٢] تقدم ٣٨/ ٨٣٠.
٨ - (الأشعري) هو: أبو موسى عبد الله بن قيس الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه، تقدّم ٣/ ٣.
стр. 8934
وقوله: "يُجبكم الله" بالجيم من الإجابة، أي يستجب لكم دعاءكم.
وقوله: "وإذا كبّر وركع فكبّروا واركعوا" الخ، معناه: اجعلوا تكبيركم للركوع، وركوعَكم بعد تكبيره وركوعه، وكذلك رفعكم من الركوع يكون بعد رفعه، وكذلك في السجود.
وقوله: "فتلك بتلك" أي إن اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدّمه إلى الركوع تُقابَل لكم بتأخركم في الركوع بعد رفعه لحظةً، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار قدر ركوعكم كقدر ركوعه، وكذلك في السجود.
وقوله: "سمع الله لمن حمده" أي سمع الله وأجاب حمدَ من حمده، ودعاءَه.
وقوله: "ربنا لك الحمد" هكذا هو في الحديث بلا واو، وقد ثبت في الروايات الصحيحة بإثبات الواو، وحذفها، فكلاهما ثابتان جائزان، وعلى إثبات الواو يكون قوله: "ربنا" متعلّقاً بما بعده، تقديره: سمع الله لمن حمده، ربنا فاستجب حمدنا، ولك الحمد على هدايتنا لذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم، وقد تقدّم للمصنف رحمه الله تعالى برقم ١٩٠/ ٨٣٠ - رواه عن مؤمّل بن هشام، عن ابن عُليّة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به، أورده مستدلاً به على تحريم مبادرة الإمام، وقد استوفيت شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقِي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٥ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّشَهُّدِ)
١٢٨١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: "بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِهِ (١) مِنَ النَّارِ".
стр. 8935
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ أَيْمَنَ بْنَ نَابِلٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَأَيْمَنُ عِنْدَنَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَالْحَدِيثُ خَطَأٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤.
٢ - (أبو عاصم) الضحّاك بن مَخْلَد النبيل الكوفي، ثقة ثبت [٩] تقدم ١٩/ ٤٢٤.
٣ - (أيمن بن نابل) أبو عمرو الحبشى المكي، نزيل عَسْقَلان، صدوق يَهم [٥] تقدم ١٩/ ١١٧٥.
٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم المكيّ، صدوق [٤] تقدم ٣١/ ٣٥.
٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاري السَّلَمي رضي الله تعالى عنهما تقدم ٣١/ ٣٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث تقدّم للمصنف رحمه الله تعالى برقم -١٩٤/ ١١٧٥ - وهو خطأ كما قال المصنف رحمه الله تعالى هنا، أخطأ فيه نابل بن أيمن، والصواب ما رواه الليث، وهو أثبت في أبي الزبير، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، وطاوس، كلاهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: "كان رسول الله ﷺ يُعلّمنا التشهد، كما يعلّمنا القرآن، وكان يقول: التحيّات المباركات الصلوات الطيبات لله … " إلى آخر ما تقدّم برقم -١٩٣/ ١١٧٤.
فقد خَطّأ الحفاظُ: المصنف، والبيهقيُّ، والدارقطنى، وغيرُهُم أيمنَ بنَ نابل في هذا، وقالوا: الصواب حديث ابن عباس ﵄.
والحاصل أن حديث جابر في التشهد غلط، فلا تصحّ زيادة "بسم الله، وبالله" في أوله، و"أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار" في آخره، وإنما الصواب حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المذكور، وإن شئت تمام البحث في ذلك فراجع ما كتبته على حديث جابر رضي الله تعالى عنه بالرقم المذكور آنفا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
стр. 8936
٤٦ - (بَابُ السَّلَامِ (١) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية السلام على النبي ﷺ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "السلام": التحيّة. وفي "اللسان": قال ابن قُتيبة: يجوز أن يكون السلام والسلامة لغتين، كاللَّذَاذ واللّذاذة، وأنشد: [من الطويل]
تُحيِّي بِالسَّلَامَةِ أُمُّ بَكْرِ ....... وَهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمك مِنْ سَلَامِ
قال: ويجوز أن يكون السلام جمع سلامة، وقال أبو الهيثم: السلام والتحية معناهما واحد، وهو السلامة من الآفات. انتهى بتغيير يسير (٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٨٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ ح وَأَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ، يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِى السَّلَامَ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عبد الوهّاب بن عبد الحكم) بن نافع، أبو الحسن الورّاق البغدادي، صاحب أحمد بن حنبل وخاصّته، وهو نسائي الأصل، ويقال له: ابن الحكم، ثقة [١١].
روى عن حجّاج بن محمد، ومعاذ بن معاذ، ويزيد بن هارون، وغيرهم، وعنه أبو داود، والنسائي، والحسين المحاملي، وغيرهم.
قال الْمَرُّوذيّ عن أحمد: عبد الوهّاب رجل صالح، مثله يُوفّق لإصابة الحقّ، وقال الميموني عن أحمد: عبد الوهّاب عافاه الله قلّ من يُرى مثله، وقال المثنى بن جامع: ذكرته لأحمد، فقال: إني لأدعو الله له. وقال النسائي، والدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال الخطيب: كان ثقة صالحاً ورعاً زاهداً، وقال ابن المنادي: كان من الصالحين العُقَلاء، قال لي ابنه الحسن: كان أبي إذا وقعت منه قطعة، فأكثر لا يأخذها، وقال أبو مزاحم الخاقاني، عن الحسن بن عبد الوهّاب الورّاق: ما رأيت أبي ضاحكاً قط، إلا تبسّماً، قال: لقد رآني مرّة، وأنا أضحك مع أمي، فجعل يقول لي: صاحب قرآن يضحك هذا الضحك!، وإنما كنت مع أمي. وقال أبو بكر بن محمد بن
стр. 8937
عبد الخالق: مات سنة خمسين ومائتين، وقال أبو القاسم البغوي، وغيره: مات سنة (٢٥١). انفرد به أبو داود، والترمذي، والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب (٣) أحاديث فقط.
٢ - (معاذ بن معاذ) بن نصر بن حَسّان العَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة متقن. من كبار [٩] تقدم ٣٤/ ٣٨.
٣ - (محمود بن غَيْلان) أبو أحمد المروزيّ نزيل بغداد, ثقة [١٠] تقدم ٣٣/ ٣٧.
٤ - (وكيع) بن الجرّاح الرُّؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٢٣/ ٢٥.
٥ - (عبد الرّزّاق) بن هَمَّام، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مشهور [٩] تقدم ٦١/ ٧٧.
٦ - (سفيان بن سعيد) الثوري الإمام الحافظ الحجة الثبت [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧.
٧ - (عبد الله بن السائب) الكنديّ، أو الشيباني الكوفي، ثقة [٦].
روى عن أبيه، وزاذان، وعبد الله بن معقل، وغيرهم. وعنه الأعمش، وأبو إسحاق الشيباني، وسفيان الثوريّ، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، وقال أحمد بن حنبل: سمع منه الثوري ثلاثة أحاديث، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، ووثقه العجلي، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وغيرهم.
انفرد به مسلم، والمصنف، له في مسلم حديث في "المزارعة"، وعند المصنف حديث الباب فقط.
٨ - (زاذان) أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله الكندي مولاهم الكوفي الضرير، البزّاز، الكوفي، صدوق يرسل، وفيه شيعية [٢].
يقال: إنه شهد خطبة عمر بالْجَابيَة، ورَوَى عنه، وعن عليّ، وابن مسعود، وسلمان، وغيرهم. وعنه أبو صالح السمّان، وهلال بن يساف، وعبد الله بن السائب، وغيرهم.
قال شعبة: قلت للحكم: مالك لم تحمل عن زاذان؟، قال: كان كثير الكلام، وقال شعبة، عن سلمة بن كُهَيل: أبو البختريّ أحبّ إليّ منه، وقال ابن الْجُنَيد عن ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله، وقال ابن عديّ: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة. وقال ابن سعدة كان ثقة كثير الحديث. وقال محمد بن الحسين البغدادي: قلت لابن معين: ما تقول في زاذان، روى عن سلمان؟، قال: نعم، روى عن سلمان وغيره، وهو ثبت في سلمان. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال ابن عَديّ: روى عن ابن
стр. 8938
مسعود، وتاب على يديه، وكَنَاه الأكثرون أبا عمرو، وكذا وقع في كثير من الأسانيد. وقال الخطيب: كان ثقة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن حبان في "الثقات": كان يخطىء كثيراً، مات بعد الجَمَاجم. وقال خليفة: مات سنة (٨٢). أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث فقط.
٩ - (عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، تقدم ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم موثقون، وأن فيه كتابة (ح) وهي إشارة إلى تحويل الإسناد، فللمصنف إلى سفيان إسنادان، أحدهما عبد الوهاب بن عبد الحكم، عن معاذ بن معاذ، عنه، والثاني محمود بن غيلان، عن وكيع، وعبد الرزّاق، كلاهما عنه، وقد تقدم الكلام على الخلاف في اختصارها غير مرّة، وأنه يقدّر بعد قوله: "عن وكيع، وعبد الرزاق" لفظ "كلاهما"، كما تقدم غير مرة، وأن شيخه عبد الوهاب بن عبد الحكم، وزاذان هذا الباب أول محل ذكرهما، وأن عبد الله بن السائب ليس له عند المصنف غير هذا الحديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : أن لله ملائكةً) الجارّ والمجرور خبر "إنّ" مقدّماً على أسمها، وهو "ملائكةً"، لكونه جاراً ومجروراً، كما قال ابن مالك:
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلاَّ فِي الَّذِي ..... كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي
أي جماعةً من الملائكة (سياحين في الأرض) صفة لـ"ملائكةً" بالسين المهملة، مبالغة السائح، من السياحة: وهي الذهاب.
قال ابن منظور ﵀: والسِّيَاحَة: الذَّهَاب في الأرض للعبادة والتَّرَهُّب، وساحَ في الأرض يَسيحُ سيَاحةً، وسُيُوحاً، وسَيْحاً، وسَيَحَانًا: أي ذهب. انتهى (١).
وقال السندي ﵀: قوله: "سيّاحين" صفة لـ"ملائكةً"، يقال: ساح في الأرض يَسيح سياحةً: إذا ذهب فيها، وأصله من السيح، وهو الماء الجاري المنبسط على الأرض، والسيّاح -بالتشديد- كالعلام مبالغة منها. انتهى (٢).
стр. 8939
(يبلغوني) من الإبلاغ، أو من التبليغ. روي بتخفيف النون على حذف إحدى النونين، وروي بتشديدها على الإدغام. أفاده القاري رحمه الله تعالى (من أمتي) فيه تعميم أمته ﷺ بهذا الفضل، فيدخل فيه الرجال، والنساء، والطائعون والعصاة (السلامَ) بالنصب على المفعولية. أي يبلغوني سلامَ من سلّم عليّ منهم، قليلاً كان أو كثيراً، وإن بعد مكانه، وتباعد زمانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
(اعلم): أن هذا الحديث من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره.
أخرجه هنا -٤٦/ ١٢٨٢ - وفي "الكبرى" -٨١/ ١٢٠٥ - وفي "الملائكة" عن عبد الوهاب بن عبد الحكم، عن معاذ بن معاذ -وعن محمود بن غيلان، عن وكيع-، وعبد الرّزّاق -وفي "عمل اليوم والليلة" عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك- وفي "الملائكة" من "الكبرى" عن محمد بن بشار، عن يحيى -وعن أبي بكر بن عليّ، عن يوسف بن مروان، عن فضل -ستتهم عن سفيان الثوري- وعن الفضل بن العبّاس بن إبراهيم، عن محبوب بن موسى، عن أبي إسحاق الفزاريّ، عن الأعمش -وسفيان- كلاهما عن عبد الله بن السائب، عنه.
وأخرجه أحمد ١/ ٣٨٧، و١/ ٤٤١، و١/ ٤٥٢ (والدارمي) ٢٧٧٧. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية السلام على النبي ﷺ ، وأنه لا كراهة في إفراده من الصلاة، كما ادعاه بعضهم، وسيأتي قريياً تمام البحث فيه، إن شاء الله تعالى.
ومنها: الترغيب والحثّ على استكثار السلام على النبي ﷺ .
ومنها: بيان تعظيم الله لنبيه ﷺ وإجلال منزلته الرفيعة، حيث سخّر ملائكته الكرام لتبليغ سلام من يسلّم عليه من أمته إليه، قال الله : ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
ومنها: أن الملائكة أقسام، منهم من خصّ بنوع من الأعمال، كهؤلاء الذين يكثرون
стр. 8940
السياحة في الأرض، ويبلغون النبي ﷺ سلام من سلّم عليه من أمته.
ومنها: بيان فضل من يسلم عليه ﷺ من أمته، حيث إن سلامه يبلغ إلى النبي ﷺ ، وأنه يردّ عليه بنفسه، كما ثبت ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد يسلّم علي إلا ردّ الله عليّ روحي، حتى أردّ ﵇". رواه أبو داود بإسناد حسن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: أن حديث الباب يدل على جواز إفراد السلام من الصلاة، كعكسه من غير كراهة، وقد صرح النووي ﵀ في "الأذكار" وغيره بكراهة إفراد أحدهما عن الآخر، فلا يقل: صلى الله عليه، فقط، أو ﵇ فقط، واستدلّ على ذلك بورود الأمر بهما في الآية.
"قال الحافظ ﵀: وفيه نظر، نعم يكره أن يفرد الصلاة، ولا يسلّم أصلاً، أما لو صلّى في وقت، وسلّم في وقت آخر، فإنه يكون ممتثلاً. انتهى. نقله السخاوي ﵀ في "القول البديع" ص ٣٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بكراهة الإفراد مما لا دليل عليه، فالصواب ما قاله الحافظ رحمه الله تعالى.
والحاصل أن إفراد الصلاة على النبي ﷺ ، أو إفراد السلام جائزان بلا كراهة، لحديث الباب، ولما يأتي من الأحاديث في الأبواب الآتية، كقوله: "أُمرنا أن نصلي عليك، ونسلّم، أما السلام فقد عرفناه" … الحديث. وكقوله ﷺ : "والسلام كما قد عُلِّمتم"، فقد صرّح بكون تعليم السلام تقدم على تعليم الصلاة، فأُفرد التسليم مدّةً في التشهّد قبل الصلاة عليه، فدلّ على جواز إفراد أحدهما عن الآخر.
وأما الاقتران في الآية فلا يدلّ على أكثر من استحباب الجمع بينهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٧ - (فَضْلِ التَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -)
١٢٨٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا
стр. 8941
حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، زَمَنَ الْحَجَّاجِ، فَحَدَّثَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ، فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ، فَقَالَ: "إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلاَّ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلاَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن منصور الكَوْسَج) أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت [١١] تقدّم ٧٢/ ٨٨.
٢ - (عفّان) بن مسلم الصفّار البصري، ثقة ثبت [٨] تقدّم ٢١/ ٤٢٧.
٣ - (حماد) بن سلمة، أبو سَلَمَة البصري، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] تقدّم ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (ثابت) بن أسلم البُنَاني، أبو محمد البصري، ثقة عابد [٤] تقدم ٤٥/ ٥٣.
٥ - (سليمان مولى الحسن بن علي) بن أبي طالب ﵄ الهاشمي، مجهول [٣].
روى عن عبد الله بن أبي طلحة. وعنه ثابت البناني، ذكره ابن حبّان في "الثقات".
انفرد به النسائي، روى له حديث الباب فقط، قال الحافظ المزي: ما حاصله إِنَّهُ قرأ بخط النسائي: سليمان هذا ليس بالمشهور انتهى.
٦ - (عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني، وُلد في عهد النبي ﷺ ، ووثقه ابن سعد، تقدم ١٢٢/ ١٧٨.
٧ - (أبو طلحة) زيد بن سَهْل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجّاري، من كبار الصحابة، شهد بدراً وما بعدها ﵁، تقدّم ١٢٢/ ١٧٧. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن ثابت البُناني أنه (قال: قدم علينا) البصرةَ (سليمان مولى الحسن بن على) ابن أبي طالب ﵄.
وفي رواية الحاكم: إن ثابتاً تلا قولَ الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فقال ثابت: قدم علينا سليمان مولى الحسن بن علىّ، فحدثنا … الحديث (زمن الحجاج) منصوب على الظرفية، متعلق بـ"قدم"، أي في وقت كون الحجّاج بن يوسف أميراً على أهل العراق (فحدّثنا) أي سليمان مولى الحسن (عن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاريّ المدني (عن
стр. 8942
أبيه) أبي طلحة زيد بن سهل رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم) "ذات" مقحمة، أي يوماً من الأيام، ووقتاً من الأوقات، وقال الزمخشريّ: هو من إضافة المسمى إلى الاسم (والبُشْرى في وجهه) مبتدأ وخبره، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل "جاء"، أي جاء ﷺ ، والحال أن الفَرَحَ والاستبشارَ يُرَى في وجهه.
و"البشرى" -بضم فسكون- فُعْلى: اسم من الاستبشار، يقال: بَشرَ بكذا يَبْشَرُ، مثل فرح يَفْرَح وزنًا ومعنًى، وهو الاستبشار أيضاً، والمصدر البُشُورُ، ويتعدّى بالحركة، فيقال: بَشَرْتهُ أبْشرُه بَشْراً، من باب قتل في لغة تهامة، وما وَالاها، والاسم منه بُشْرٌ بضمّ الباء، والتعدية بالتثقيل لغةُ جميع العرب، وقرأ السبعة باللغتين، واسم الفاعل من المخفف بَشيرٌ، ويكون البشير في الخير أكثر من الشرّ، والبِشارة -بكسر الباء، والضمّ لغةٌ، وإذا أطلقت اختَضت بالخير، والبِشْرُ -بالكسر- طَلاقةَ الوجه. قاله الفيّومي (١).
وقال السندي ﵀: قوله: "والبشر" -بكسر الباء: اسم من الاستبشار، أي الطَّلَاقَةُ وآثار السرور فى وجهه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لعل نسخة السندي ﵀ هكذا "والبشرُ"، بالضبط الذي ذكره، وإلا فنُسَخ "المجتبى" التي بين أيدينا كلها بلفظ "البُشرى" بوزن فُعْلى في الموضعين هنا، وإنما لفظ "البشر" في الرواية الآتية -٥٥/ ١٢٩٥ - . والله تعالى أعلم.
(فقلنا: إنا لنرى البُشرى في وجهك) المراد بُشرى لم يروه قبل ذلك، ففي رواية الدارمي: "فقيل له: يا رسول الله إنّا لنرى في وجهك بشراً لم نكن نراه؟، قال: … " الحديث (إنه) أي الشأن (أتاني الملك) أي جبريل، لما يأتي في -٥٥/ ١٢٩٥ - من طريق عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة … فقال: "إنه جاءني جبريل ﷺ ، فقال: أما يُرضيك" … الحديث (فقال: يامحمد إن ربك يقول: أما يُرضيك) بضم حرف المضارعة، من الإرضاء.
قال الطيبي رحمه الله تعالى: هذا بعض ما أُعطي من الرضا في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]، وهذه البشارة في الحقيقة راجعة إلى الأمة، ومن ثَمَّ تمكّن البشرُ في أسارير وجهه صلوات الله وسلامه عليه، حيث جُعل وجهُهُ ظرفاً ومكاناً للبشر والطلاقة. انتهى.
(أنه لا يصلي عليك أحد) بفتح همزة "أن" لكونها وقعت في محلّ الفاعل، لأنه في
стр. 8943
تأويل المصدر فاعل "يُرضيك". وفي رواية ابن المبارك المذكورة زيادة "من أمتك" (إلّا صليتُ عليه عشراً) أي عشر صلوات (ولا يُسلّم) من التسليم (عليك أحد إلا سلّمت عليه عشراً) فيه دليل على أن السلام على النبي ﷺ مثل الصلاة عليه، لأن الله يسلّم عشراً على من سلّم عليه كما يُصلّي على من صلّى عليه عشراً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته.
حديث أبي طلحة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
[فإن قلت:] في إسناده سليمان مولى الحسن بن عليّ ﵄، وهو مجهول، كما تقدّم في ترجمته، فكيف يكون حسنًا؟.
[أُجيب]: بأن له طرُقاً يصحّ بها:
فقد أخرجه الحافظ إسماعيل بن إسحاق القاضي في "فضل الصلاة على النبي ﷺ "، فقال: أنبأنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن عمر، عن ثابت البناني، قال أنس بن مالك، قال أبو طلحة: إن رسول الله ﷺ خرج عليهم يوماً يعرفون البشر في وجهه، فقالوا: إنا نعرف الآن في وجهك البشرَ يا رسول الله! قال: "أَجَلْ أتاني الآن آت من ربي، فأخبرني أنه لن يصلي عليّ أحد من أمتي إلّا ردها الله عليه عشر أمثالها" (١).
وعبد الله بن عمر هو العمري، وهو وإن كان ضعيفاً، إلا أنه لا بأس به في المتابعات.
وأخرجه أيضاً من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده، وفي سنده ضعف، لكن الطرق يقوّي بعضها بعضاً.
وله شواهد.
فقد أخرج أبو عبد الله الحاكم في "مستدركه": من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "لقيت جبرئيل ﵇، فبشرني، وقال: إن ربك يقول: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلّم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكراً". قال: هذا حديث
стр. 8944
صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجاله رجال الصحيح غير عبد الواحد، ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، وذكر عن أبيه: أنه روى عنه عاصم بن عمر بن قتادة، وروى عن جده عبد الرحمن بن عوف، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فعلى هذا فهو مجهول العين، فيكون تصحيح الحديث لشواهده. والله تعالى أعلم.
وأخرج له الحافظ إسماعيل القاضي شاهداً آخر من حديث أنس ﵁، وآخر من حديث عمر ﵁ (٢)، وفيهما مقال، لكن مجموع الطرق يكون له قوّة.
وله أيضاً شاهد صحيح من حديث أبي هريرة ﵁، يأتي للمصنف في -٥٥/ ١٢٩٦ - بلفظ. من صلى عليّ واحدةً صلى الله عليه عشراً".
ومن حديث أنس ﵁ يأتي للمصنف أيضاً في -٥٥/ ١٢٩٧ - بلفظ: "من صلى علي صلاةً واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحُطّت عنه عشرُ خطيئات، ورُفعت له عشرُ درجات". فلهذه الطرق والشواهد قلنا بصحة الحديث.
والحاصل أن حديث أبي طلحة رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب صحيح لما ذُكِرَ. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
(اعلم): أن حديث الباب من أفراد المصنف ﵀، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -٤٧/ ١٢٨٣ - وفي "الكبرى" -٨٢/ ١٢٠٦ - عن إسحاق ابن منصور الكَوْسَج، عن عفّان بن مسلم، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه. وفي ٥٥/ ١٢٩٥ - و"الكبرى" -٨٩/ ١٢١٨ - وفي "عمل اليوم والليلة" -٦٠ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن حمّاد بن سلمة به.
وأخرجه (أحمد) ٤/ ٢٩، و٤/ ٣٠ و (الدارمي) رقم ٢٧٧٦ - . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل التسليم على النبي ﷺ .
стр. 8945
ومنها: بيان فضل الصلاة عليه عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.
ومنها: استحباب الفرح بفضل الله تعالى، وظهورُ إلاستبشار على الوجه، لقول الله جلّ ذكره: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
ومنها: تمام عناية الله بحبيبه محمد ﷺ حيث يُرضيه بهذه البشارة العظيمة، والمنة الجسيمة، قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
ومنها: بيان ما مَنّ الله على هذه الأمة، من عظيم الفضل بصلاتها وسلامها على حبيبه الأعظم، وخليله الأفخم, ﷺ ، حيث جعل جزاء صلاة واحدة عشر صلوات، وجزاء تسليم واحد عليه عشر تسليمات. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٨ - (بَاب التَّمْجِيدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ)
وفي بعض النسخ: "باب التحميد" بالحاء المهملة.
و"التمجيد" بالجيم: مصدر مَجّد، يقال: مَجّده: إذا عظّمه، وأثنى عليه، أفاده في "ق".
وأما الصلاة، فسيأتي الكلام عليها في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى.
١٢٨٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْجَنْبِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ، لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي"، ثُمَّ عَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً يُصَلِّي، فَمَجَّدَ اللَّهَ، وَحَمِدَهُ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ادْعُ تُجَبْ، وَسَلْ تُعْطَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن سلمة) المرادي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [١١] تقدّم ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري الحافظ الثبت العابد [٩] تقدم ٩/ ٩.
стр. 8946
٣ - (أبو هانىء) حُميد بن هانىء الْخَوْلانيّ المصري، لا بأس به [٥].
أدرك سليم بن عمرو، ورَوَى عن عمرو بن حُرَيث، وأبي عبد الرحمن الْحُبُليّ, وأبي علي الْجَنبي، وغيرهم. وعنه ابن وهب، والليث، وابن لَهيعة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال ابن شاهين في "الثقات": هو أكبر شيخ لابن وهب، رَفَعَ به أحمدُ بن صالح المصريّ. وقال الدارقطني: لا بأس به ثقة. وقال ابن عبد البرّ: هو عندهم صالح الحديث، لا بأس به. وقال ابن يونس: توفي سنة (١٤٢). أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث.
٤ - (أبو علي الْجَنْبيّ) عَمْرو بن مالك الْهَمدَاني المرادي، مصريّ ثقة [٣].
رَوَى عن فَضَالة بن عُبيد، وأبي سعيد الخدري، وأبي رَيحانة على خلاف فيه. وعنه أبو هانىء، ومحمد بن شُمَير الرُّعَيني.
قال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: روى عن عُقبة بن عامر الْجُهنيّ. ووثقه العجليّ، والدراقطني.
قال ابن يونس: توفي سنة (١٠٣) وقال الحسن بن علي العَدَّاس: مات سنة (١٠٢). أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
[فائدة]: "الْجَنّبي" -بفتح الجيم، وسكون النون، آخره باء موحّدة-: نسبة إلى جَنْب قبيلة من اليمن. قاله في "اللباب" جـ ١ ص ٢٩٤ - ٢٩٥.
٥ - (فَضَالة بن عُبَيد) بن نافذ بن قيس بن صُهَيبة، ويقال: صُهيب بن الأصرم بن جَحْجَبَا بن كُلْفَة بن عَوْف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، أبو محمد الأنصاريّ الأوسيّ، صاحب النبي ﷺ ، شهد أحداً، وبايع تحت الشجرة، وشهد خيبر مع النبي ﷺ ، وولاه مُعاوية على الغَزْو، ثم ولّاه قضاء دمشق، وكان خليفة معاوية على دمشق إذا غاب عنها، وابتنى بها داراً.
روى عن النبي ﷺ ، وعن عمر بن الخطّاب، وأبي الدرداء. وعنه أبو عليّ الجنبي، وثُمَامة بن شُفيّ، وحَنَش الصنعاني، وغيرهم.
قال الواقدي: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهو ابن ست سنين، ومات رسول الله ﷺ ، وهو ابن سبع عشرة سنة.
وقال خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه: كان أبو الدّرداء على القضاء بدمشق، فلمّا حضرته الوفاة قال له معاوية: من ترى لهذا الأمر؟، قال: فَضالة بن عُبيد، فلمّا
стр. 8947
مات أرسل معاوية إلى فضالة، فولّاه القضاء، فقال له: أما إني لم أَحْبُك بها، ولكنني استترت بك من النار، فاستتر منها ما استطعت.
وقال أبو الحسن المدائنيّ، وغير واحد مات سنة (٥٣)، وقيل: سنة (٦٧)، قال الحافظ المزّيّ: والصحيح الأوّل. وقال ابن حبّان في "الصحابة": سكن مصر، والشام، ومات في ولاية معاوية، وكان معاوية ممن حَمَلَ سريرَه، وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، وولي بها البحر والقضاء لمعاوية. رضي الله تعالى عنهما.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (٨) أحاديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم موثقون، وأنه مسلسل بالمصريين، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هانىء) حُميد بن هانىء (أن أبا عليّ الْجنبي) عمرو بن مالك الْهَمْدَاني (حدّثه) أي أبا هانىء (أنه سمع فضالة بن عبيد) بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة، و"عُبيد" بصيغة التصغير رضي الله تعالى عنه (يقول: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته) وفي نسخة "في الصلاة".
ولفظ الترمذي: بينا رسول الله ﷺ قاعد، إذ دخل رجل، فصلى، فقال: اللَّهم اغفر لي، وارحمني، فقال رسول الله ﷺ : "عجلت أيها المصلي، إذا صليت، فقعدت، فاحمد الله بما هو أهله، وصلّ عليّ، ثم ادعه"، قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "أيها المصلي ادع تجُب". قال: هذا حديث حسن.
ورواية المصنف صريحة في كون دعاء ذلك الرجل داخلَ الصلاة.
(لم يمجّد الله) تعالى، أي لم يصفه بصفات العظمة والكبرياء, ولم يُثْن عليه بما هو أهله. وفي نسخة "لم يحمد الله" بالحاء المهملة، من الحمد (ولم يصلّ على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : عجلت أيها المصلي) -بفتح العين المهملة، وكسر الجيم- من باب علم، ويجوز تشديد الجيم مع الفتح، أي أسرعت إلى الدعاء، وعَرَضْتَ السؤال قبل تقديم الوسيلة من التمجيد والثناء على الله تعالى بما هو أهله، والصلاة على النبي ﷺ .
стр. 8948
وفيه إشارة إلى أن حقّ السائل أن يتقرّب إلى المسؤول منه قبل طلب الحاجة بما يوجب له الزُّلْفَى عنده، ويتوسّل بشفيع له بين يديه، ليكون أطمعَ في الإسعاف، وأحقَّ بالإجابة، فمَن عَرَضَ السؤالَ قبل تقديم الوسيلة، فقد استعجل.
(ثم علّمهم رسول الله ﷺ ) فيه حذف المفعول الثاني، أى آدابَ الدعاء، ولم يُبَيَّن في رواية المصنف هنا ماذا علّمهم؟، وقد بُيِّنَ في رواية الترمذي المتقدّمة، وكذا في رواية أبي داود، ولفظه: ثم دعاه، فقال له، أو لغيره: "إذا صلّى أحدكم، فليبدأ بتمجيد ربّه، والثناء عليه، ثمّ يصلّي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بما شاء".
(فسمع رسول الله ﷺ ) -بالفاء- وفي نسخة "وسمع" بالواو، والأول يفيد أن الرجل إنما سمعه النبي ﷺ بعد أن علّمهم، وأصرح من هذا رواية الترمذي المتقدّمة، حيث قال: "ثمّ صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله" … (رجلاً يصلي) الجملة في محلّ نصب صفة لـ"رجلاً" (فمجّد الله، وحمده) وقي رواية الترمذي: "فحمد الله بما هو أهِله" … (وصلى على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ادع) فعل أمر من الدعاء (تجب) فعل مضارع مغيّر الصيغة، مجزوم على أنه جواب الأمر، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى:
وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْيِ جَزْماً اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ
(وسَلْ) أمر من سأل يسأل، والأصل "اسأل" بهمزة وصل، لكن خُفّف, وفيه لغة أخرى سال يسال، كخاف يخاف، وعلى هذه اللغة فالأمر "سَلْ"، ولا تخفيف فيها. أفاده الفيّومي (تعط) فعل مضارع مغيّر الصيغة مجزوم على أنه جواب الأمر، كسابقه، وفي رواية أبي داود: "ثم يدعو بما شاء".
والحديث دليل على مشروعية ما ذكر من التمجيد، والصلاة على النبي ﷺ ، والدعاء بما شاء وهو موافق لحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وغيره، لأن أحاديث التشهد تتضمّن ما ذُكر من الحمد والثناء، وهي مبيّنة لما أجمله هذا الحديث، وسيأتي الكلام على اختلاف أهل العلم في ذلك في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث فَضَالة بن عُبيد رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٨/ ١٢٨٤ - وفي "الكبرى" -٨٣/ ١٢٠٧ - عن محمد بن سلمة، عن
стр. 8949
ابن وهب، عن أبي هانىء حُمَيد بن هانىء، عن أبي على الْجَنْبي عمرو بن مالك، عنه.
[تنبيه]: وقع في "تحفة الأشراف": ما نصه: "عن ابن وهب، عن حَيوَة ابن شُرَيح" الخ، بزيادة "حيوة بن شُريح" بين ابن وهب وأبي هانىء، وهذا غلط، لأن ابن وهب يروي عن أبي هانىء بدون واسطة، فلا ذكر لـ"حيوة بن شُريح" في سند المصنف رحمه الله تعالى.
وإنما وقع "حيوة" في سند أبي داود، حيث رواه عن أحمد بن حنبل، عن أبي عبد الرحمن المقرىء، عن حيوة بن شُريح، عن أبي هانىء به، وكذا في سند الترمذي، حيث رواه عن محمود بن غَيْلانَ، عن المقرىء، عن حيوة به. فتنبه. والله تعالى وليّ التوفيق.
وأخرجه (د) رقم -١٤٨١ - و (ت)، ٣٤٧٦ و٣٤٧٧ - (وأحمد) ٦/ ١٨ (وابن خزيمة) ٧٠٩ و٧١٠. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية تمجيد الله ، والصلاة على النبي ﷺ في الصلاة.
ومنها: مشروعية الدعاء في الصلاة.
ومنها: أن تقديم التمجيد والصلاة على النبي ﷺ من أسباب قبول الدعاء، فينبغي للداعي أن يقدم ذلك أمام طلب حاجته من الله .
ومنها: بيان شرف النبي ﷺ ، وعظمة منزلته عند الله تعالى، حيث كانت الصلاة عليه سبباً لاستجابة الدعاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في معنى الصلاة على النبي ﷺ :
(اعلم): أنه كتب الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه النفيس "جَلَاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام" بحثاً نفيساً في معنى الصلاة على النبي ﷺ ، أبان فيه عن سعة علمه، وبراعة فهمه، أحببت إيراده هنا تتميماً للفوائد، ونشراً للعوائد.
قال رحمه الله تعالى: أصل هذه اللفظة في اللغة، يرجع إلى معنيين:
(أحدهما): الدعاء والتبريك.
(والثاني): العبادة، فمن الأوّل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقوله تعالى في حقّ المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ الآية [التوبة: ٨٤]. وقولُ النبي ﷺ : "إذا دُعي أحدُكم إلى الطعام، فليجب، فإن كان صائماً، فليُصلِّ". رواه مسلم. فُسّر بهما،
стр. 8950
قيل: فليدع لهم بالبركة، وقيل: يُصلي عندهم بدل أكله.
وقيل: إن الصلاة في اللغة معناها الدعاء، والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والعابد داع، كما أن السائل داع، وبهما فُسّر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قيل: أطيعوني أُثبكم، وقيل: سلوني أُعطكم، وفُسّر بهما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
والصواب أن الدعاء يعمّ النوعين، وهذا لفظ متواطىء، لا اشتراك فيه، فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧].
والصحيح من القولين لولا أنكم تدعونه وتعبدونه، أي أيّ شيء يعبأ بكم لولا عبادتكم إياه، فيكون المصدر مضافاً إلى الفاعل، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦]، وقال تعالى إخباراً عن أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الاختلاف في مسمى الدعاء, وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضوعه في اللغة، فيكون حقيقة شرعيةً، أو مجازاً شرعياً.
فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة، وهو الدعاء، والدعاء: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فهو في صلاة حقيقية، لا مجاز فيها، ولا منقولة، لكن خُصَّ اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصّها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها، كالدّابّة، والرأس، ونحوهما، فهذا غايته تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، وهذا لا يوجب نقلاً، ولا خروجاً عن موضوعه الأصلي. والله أعلم.
قال العلامة ابن القيّم ﵀: هذه صلاة الآدميّ، وأما صلاة الله سبحانه على عبده فنوعان: عامّة، وخاصّة:
أما العامّة فهي صلاته على عباده المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ الآية، ومنه دعاء النبي ﷺ بالصلاة على آحاد المؤمنين، كقوله: "اللهمّ صلّ
стр. 8951
على آل أبي أوفى" (١).
وفي حديث آخر أن امرأةً قالت له: صلّ عليّ، وعلى زوجي، قال: "صلى الله عليك، وعلى زوجك" (٢).
النوع الثاني: صلاته الخاصّة على أنبيائه ورسله، خصوصًا على خاتمهم وخيرهم محمد ﷺ ، فاختلف الناس فيه على أقوال:
(أحدها): أنها رحمته، أخرج إسماعيل القاضي، عن الضّحّاك، قال: صلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال المبرّد: أصل الصلاة الرُّحْمُ، فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رقّة, واستدعاء للرحمة من الله. وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين.
والقول الثاني: أن صلاة الله مغفرته، أخرج إسماعيل القاضي عن الضحّاك أيضاً، قال: صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء (٣).
وهذا القول من جنس الذي قبله، وهما ضعيفان لوجوه:
(أحدها): أن الله سبحانه فرّق بين صلاته على عباده ورحمته، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، فعَطَفَ الرحمةَ على الصلاة، فاقتضى ذلك تغايرهما، هذا أصل العطف، وأما قولهم:
وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِباً وَمَيْناً
فهو شاذ نادر لا يُحمَلُ عليه أفصح الكلام، مع أن الْمَيْن أخصّ من الكذب.
(الوجه الثاني): أن صلاة الله سبحانه خاصّةٌ بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كلّ شيء، فليست الصلاة مرادفةً للرحمة، لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها، فمن فسرها بالرحمة، فقد فسّرها ببعض ثمراتها ومقصودها، وهذا كثيراً ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن، والرسول ﷺ يفسر اللفظة بلازمها وجزء معناها، كتفسير الريب بالشكّ، والشكُّ جزء مسمى الريب، وتفسير المغفرة بالستر، وهو جزء مسمّى المغفرة، وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان، وهو لازم الرحمة، ونظائر ذلك كثيرة.
(الوجه الثالث): أنه لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين، واختَلَفَ السلفُ
стр. 8952
والخلفُ في جواز الصلاة على غير الأنبياء على ثلاثة أقوال، سنذكرها فيما بعد، إن شاء الله تعالى، فعلم أنهما ليسا بمترادفين.
(الوجه الرابع): أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة، لقامت مقامها في امتثال الأمر، وأسقطت الوجوب عند من أوجبها، إذا قال: اللَّهم ارحم محمداً، وآل محمد، وليس الأمر كذلك.
(الوجه الخامس): أنه لا يقال: لمن رحم غيره، ورقّ عليه، فأطعمه, أو سقاه، أو كساه: إنه صلّى عليه، ويقال: إنه قد رحمه.
(الوجه السادس): أن الإنسان قد يرحم من يُبغضه ويعاديه، فيجد في قلبه له رحمةً، ولا يصلي عليه.
(الوجه السابع): أن الصلاة لابدّ فيها من كلام، فهي ثناء من المصلي على من يُصلي عليه، وتنويه به، وإشارة لمحاسنه ومناقبه وذكره.
ذكر البخاري ﵀ في "صحيحه" تعليقاً جـ ٨ ص ٤٠٩ - عن أبي العالية، قال: صلاة الله على رسوله ثناؤه عليه عند الملائكة.
وصله إسماعيل القاضي في "فضل الصلاة على النبي ﷺ " عن نصر بن عليّ، عن خالد بن يزيد، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، قال: صلاة الله ثناؤه عليه، وصلاة الملائكة عليه الدعاء (١).
(الوجه الثامن): أن الله سبحانه فرّق بين صلاته وصلاة ملائكته، وجمعهما في فعل واحد، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وهذه الصلاة لا يجوز أن تكون هي الرحمة، وإنما هي ثناؤه سبحانه، وثناء ملائكته عليه، ولا يقال: الصلاة لفظ مشترك، ويجوز أن يستعمل في معنييه معاً، لأن في ذلك محاذير متعدّدة:
(أحدها): أن الاشتراك خلاف الأصل، بل لا يعلم أنه وقع في اللغة من واضع واحد، كما نصّ على ذلك أئمّة اللغة، منهم المبرّد وغيره، دمانما يقع وقوعاً عارضاً اتفاقيّاً بسبب تعدد الواضعين، ثم تختلط اللغة، فيقع الاشتراك.
(الثاني): أن الأكثرين لا يجوّزون استعمال اللفظ المشترك في معنييه، لا بطريق الحقيقة، ولا بطريق المجاز، وما حُكي عن الشافعي ﵀ من تجويز ذلك، فليس بصحيح عنه، وإنما أُخذ من قوله: إذا أوصى لمواليه، وله موال من فوقُ، ومن أسفلُ
стр. 8953
تناول جميعهم، فظن من ظنّ أن لفظ "المولى" مشترك بينهما، وأنه عند التجرّد يحمل عليهما، وهذا ليس بصحيح، فإن لفظ "المولى" من الألفاظ المتواطئة، فالشافعيّ في ظاهر مذهبه، وأحمد يقولان بدخول نوعي الموالي في هذا اللفظ، وهو عنده عام متواطىء، لا مشترك.
وأما ما حُكي عن الشافعي ﵀ أنه قال في مفاوضة جرت له في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]، وقد قيل له: قد يراد بالملامسة المجامعة، قال: هي محمولة على الجسّ باليد حقيقةً، وعلى الوقاع مجازاً، فهذا لا يصحّ عن الشافعي، ولا هو من جنس المألوف من كلامه، وإنما هذا من كلام بعض الفقهاء المتأخرين.
فإذا كان معنى الصلاة هو الثناء على الرسول ﷺ ، والعناية به، وإظهار شرفه وفضله وحرمته، كما هو المعروف من هذه اللفظة لم يكن لفظ "الصلاة" فى الآية مشتركاً محمولاً على معنييه، بل قد يكون مستعملاً في معنى واحد، وهذا هو الأصل.
(الوجه التاسع): أن الله سبحانه أمر بالصلاة عليه عقب إخباره بأنه وملائكته يُصلّون عليه، والمعنى أنه إذا كان الله وملائكته يُصلّون على رسوله ﷺ ، فصلوا أنتم أيضاً عليه، فأنتم أحقّ بأن تُصلّوا عليه، وتسلموا تسليماً، لما نالكم ببركة رسالته، ويُمن سِفَارته من شرف الدنيا والآخرة.
ومن المعلوم أنه لو عبّر عن هذا المعنى بالرحمة لم يحسن موقعه، ولم يحسن النظم، فينتقض اللفظ والمعنى، فإن التقدير يصير إلى: إن الله وملائكته ترحّم، ويستغفرون لنبيه، فادعوا أنتم له، وسلموا، وهذا ليس مراد الآية قطعاً، بل الصلاة المأمور بها فيها هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته، وصلاة ملائكته، وهي ثناءٌ عليه، وإظهارٌ لفضله وشرفه، وإرادةُ تكريمه وتقريبه، فهي تتضمّن الخبر والطلب، وسُمِّيَ هذا السؤالُ والدعاءُ منّا نحن صلاة عليه لوجهين:
(أحدهما): أنه يتضمن ثناء المصلي عليه، والإشادةَ بنكر شرفه وفضله، والإرادةَ والمحبّةَ لذلك من الله تعالى، فقد تضمنت الخبر والطلب.
(والوجه الثاني): أن ذلك سمي منّا صلاةً، لسؤالنا من الله أن يصلي عليه، فصلاة الله عليه ثناؤه، وإرادته لرفع ذكره وتقريبه، وصلاتُنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به، وضدّ هذا في لعنة أعدائه الشانئين لما جاء به، فإنها تُضاف إلى الله، وتضاف إلى العبد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، فلعنة الله تعالى لهم تتضمّن ذمّه وإبعاده وبغضه لهم، ولعنة العبد تتضمّن سؤال الله تعالى أن
стр. 8954
يفعل ذلك بمن هو أهل للعنته.
وإذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه لو كانت الصلاة هي الرحمة، لم يصحّ أن يقال لطالبها من الله مصلياً، وإنما يقال له: مسترحماً، كما يقال لطالب المغفرة مستغفراً له، ولطالب العطف مستعطفاً، ونظائره كثيرة، ولهذا لا يقال لمن سأل الله المغفرة لغيره: قد غَفَر له، فهو غافر، ولا لمن سأله العفو عنه. قد عفا عنه، وهنا قد سمي العبد مصلياً، فلو كانت الصلاة هي الرحمة لكان العبد راحماً لمن صلى عليه، وكان قد رحمه برحمة، ومن رحم النبي ﷺ مرّة ﵀ بها عشراً، وهذا معلوم البطلان.
(فإن قيل): ليس معنى صلاة العبد عليه ﷺ رحمته، وإنما معناها: طلب الرحمة له من الله.
(قيل): هذا باطل من وجوه:
(أحدها): أن طلب الرحمة مطلوب لكل مسلم، وطلب الصلاة من الله يختص رسله صلوات الله وسلامه عليهم عند كثير من الناس، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
(الثاني): أنه لو سمي طالب الرحمة مصلياً، لسمي طالب المغفرة غافراً، وطالب العفو عافياً، وطالب الصفح صافحاً، ونحوه.
(فإن قيل): فأنتم قد سمّيتم طالب الصلاة من الله مصلياً.
(قيل): إنما سُمّي مصلّياً لوجود حقيقة الصلاة منه، فإن حقيقتها الثناء، وإرادة الإكرام، والتقريب، وإعلاء المنزلة، وهذا حاصل من صلاة العبد، لكن العبد يريد ذلك من الله ، والله يريد ذلك من نفسه أن يفعله برسوله ﷺ .
وأما على الوجه الثاني، وأنه سمي مصلّياً لطلبه ذلك من الله، فلأن الصلاة نوع من الكلام الطلبي والخبريّ والإرادة، وقد وجد ذلك من المصلي، بخلاف الرحمة والمغفرة، فإنها أفعال لا تحصل من الطالب، وإنما تحصل من المطلوب منه. والله تعالى أعلم.
(الوجه العاشر): أنه قد ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: "أنه من صلى عليه مرّة صلى الله عليه بها عشراً" (١) وأنه قال له: "إنه من صلى عليك من أمتك مرّة صلّيتُ عليه بها عشراً"، وهذا موافق للقاعدة المستقرّة في الشريعة أن الجزاء من جنس العمل، فصلاة الله على المصلي على رسوله جزاء لصلاته هو عليه، ومعلوم أن صلاة العبد على رسول الله ﷺ ليست هي رحمة من العبد، لتكون
стр. 8955
صلاة الله عليه من جنسها، وإنما هي ثناءٌ على الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وإرادة من الله تعالى أن يُعلي ذكره، ويزيده تعظيماً وتشريفاً,، والجزاء من جنس العمل، فمن أثنى على رسول الله ﷺ جزاه الله من جنس عمله بأن يُثني عليه, ويزيد تشريفه وتكريمه، فصحّ ارتباط الجزاء بالعمل، ومشاكلته له، ومناسبته له، كقوله: "من يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن نفّس عن مؤمن كربة من كُرَب الدنيا نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له طريقاً إلى الجنة".
و"من سُئل عن علم يعلمه، فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار". و"من صلّى على النبي ﷺ مرّة صلّى الله عليه بها عشراً"، ونظائره كثيرة.
(الوجه الحادي عشر): أن أحدًا لو قال: عن رسول الله ﵀، أو قال رسول الله ﵀ بدل " ﷺ " لبادرت الأمّة إلى الإنكار عليه، وسمّوه مبتدعاً، غير موقِّر للنبي ﷺ ، ولا مُصلّ عليه، ولا مُثْن عليه بما يستحقه، ولا يستحق أن يصلي الله عليه بذلك عشر صلوات، ولو كانت الصلاة من الله الرحمة, لم يمتنع شيء من ذلك.
(الوجه الثاني عشر): أن الله قال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فأمر سبحانه أن لا يُدعَى رسولُهُ بما يدعو الناس بعضهم بعضاً، بل يقال: يا رسول الله، ولا يقال: يا محمد، وإنما كان يُسمّيه باسمه وقت الخطاب الكفّار، وأما المسلمون، فكانوا يخاطبونه يا رسول الله، وإذا كان هذا في خطابه، فهكذا في مغيبه لا ينبغي أن يجعل ما يدعى به له من جنس ما يدعو به بعضنا لبعض، بل يُدعى له بأشرف الدعاء، وهو الصلاة عليه، ومعلوم أن الرحمة يُدعى بها لكلّ مسلم، بل ولغير الآدميّ من الحيوانات، كما في دعاء الاستسقاء "اللَّهم أرحم عبادك وبلادك وبهائمك".
(الوجه الثالث عشر): أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلاً، والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء، والتبريك، والثناء، قال:
وَإِنْ ذُكِرَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا
أي برّك عليها ومدحها، ولا تعرف العرب قطّ "صلى عليه" بمعنى الرحمة، فالواجب حمل اللفظة على معناها المتعارف في اللغة.
(الوجه الرابع عشر): أنه يسوغ، بل يستحبّ لكلّ أحد أن يسأل الله تعالى أن يرحمه، فيقول: اللَّهمّ ارحمني، كما علَّمَ النبيُّ ﷺ الداعيَ أن يقول: "اللَّهم اغفر لي،
стр. 8956
وارحمني، وعافني، وارزقني"، فلما حفظها قال: "أمّا هذا فقد ملأ يديه من الخير". أخرجه مسلم.
ومعلوم أنه لا يسوغ لأحد أن يقول: اللَّهمّ صلّ عليّ، بل الداعي بهذا مُعْتد في دعائه، والله لا يحبّ المعتدين، بخلاف سؤال الرحمة، فإن الله تعالى يُحبّ أن يسأله عبده مغفرته ورحمته، فعلم أنه ليس معناهما واحداً.
(الوجه الخامس عشر): أن أكثر المواضع التي تستعمل فيها الرحمة لا يحسن أن تقع فيها الصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقوله: "إن رحمتي سبقت غضبي" متفق عليه. وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وقوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]، وقول النبي ﷺ : "للهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها". متفق عليه، وقوله: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (١) وقوله: "من لا يَرحَم لا يُرحَم" متفق عليه. وقوله: "لا تُنزع الرحمة إلا من شقيّ" أخرجه أبو داود، والترمذي بسند حسن. وقوله: "والشاة إن رحمتها رحمك الله". أخرجه أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح.
فمواضع استعمال الرحمة في حقّ الله، وفي حقّ العباد لا يحسن أن تقع الصلاة في كثير منها، بل في أكثرها، فلا يصحّ تفسير الصلاة بالرحمة. والله تعالى أعلم.
وقد قال ابن عبّاس ﵄: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال: يباركون عليه، وهذا لا يُنافي تفسيرها بالثناء، وإرادة التكريم والتعظيم، فإن التبريك من الله يتضمن ذلك، ولهذا قُرن بين الصلاة عليه والتبريك عليه، وقالت الملائكة لإبراهيم ﵇:
﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، وقال المسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] قال غير واحد من السلف: معلّمًا للخير أينما كنت، وهذا جزء المسمى، فالمبارك كثير الخير في نفسه الذي يُحصّله لغيره تعليماً، وإقداراً ونُصحاً، وإرادة واجتهاداً، ولهذا يكون العبد مباركاً، لأن الله بارك فيه، وجعله كذلك، والله تعالى متبارك، لأن البركة كلها منه، فعبده مبارك، وهو المتبارك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ
стр. 8957
الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١].
وقد ردّ طائفة من الناس تفسير الصلاة من الله بالرحمة بأن قال: الرحمة معناها رقّة الطبع، وهي مستحيلة في حق الله ، كما أن الدعاء منه سبحانه مستحيل، وهذا الذي قاله عرقٌ جَهْميّ ينضح من قلبه على لسانه، وحقيقته إنكار رحمة الله جملةً، وكان جهم يخرج إلى الْجَذْمَى، ويقول: أرحم الراحمين يفعل هذا؟! إنكاراً لرحمته سبحانه.
وهذا الذي ظنّه هذا القائل هو شُبهَةُ منكري صفات الرّبّ ، فإنهم قالوا: الإرداة حركة النفس لجلب ما ينفعها، ودفع ما يضرّها، والربّ تعالى يتعالى عن ذلك، فلا إرادة له، والغضب غَلَيَان دم القلب طلباً للانتقام، والربّ منزّه عن ذلك، فلا غضب له، وسلكوا هذا المسلك الباطل في حياته، وكلامه، وسائر صفاته، وهو من أبطل الباطل، فإنه أخذ في مسمى الصفة خصائص المخلوق، ثم نفاها جملةً عن الخالق، وهذا في غاية التلبيس والإضلال، فإن الخاصّة التي أخذها في الصفة لم يثبت لها لذاتها، وإنما يثبت لها بإضافتها إلى المخلوق الممكن، ومعلوم أن نفي خصائص صفات المخلوقين عن الخالق لا يقتضي نفي أصل الصفة عنه سبحانه، ولا إثباتُ أصل الصفة له يقتضي إثبات خصائص المخلوق له، كما أن ما نُفي عن صفات الربّ تعالى من النقائص والتشبيه لا يقتضي نفيه عن صفة المخلوق، ولا ما ثبت لها من الوجوب والقدم والكمال يقتضي ثبوته للمخلوق، ولا إطلاق الصفة على الخالق والمخلوق، وهذا مثل الحياة والعلم، فإن حياة العبد تعرض لها الآفات المضادّة لها، من المرض والنوم والموت، وكذلك علمه يعرض له النسيان والجهل المضادّ له، وهذا محال في حياة الربّ وعلمه، فمن نفى علم الرّبّ، وحياته لما يعرض فيهما للمخلوق، فقد أبطل، وهو نظير من نفى رحمة الرّبّ وعلمه، فمن نفى رحمة الرّبّ عنه لما يعرض في رحمة المخلوق من رقّة الطبع، وتوهّم المتوهّم أنه لا تعقل رحمة إلا هكذا، نظير توهّم المتوهّم أنه لا يعقل علم، ولا حياة، ولا إرادة إلا مع خصائص المخلوق.
وهذا الغلط منشؤه إنما هو توهّم صفة المخلوق المقيدّة به أولاً، وتوهّم أن إثباتها لله هو مع هذا القيد، وهذان وهمان باطلان، فإن الصفة الثابتة لله مضافة إليه لا يتوهّم فيها شيء من خصائص المخلوقين، لا في لفظها، ولا في ثبوت معناها، وكلّ من نفى عن الرّبّ تعالى صفة من صفاته لهذا الخيال الباطل لزمه نفي جميع صفات كماله، لأنه لا يعقل منها إلا صفة المخلوق، بل ويلزمه نفي ذاته، لأنه لا يعقل من الذوات إلا الذوات المخلوقة، ومعلوم أن الرّبّ لا يشبهه شيء منها، وهذا الباطل قد التزمه
стр. 8958
غُلاة المعطّلة، وكلّما أوغل النافي في نفيه كان قوله أشدّ تناقضاً، وأظهر بطلاناً، ولا يسلم على مِحكّ العقل الصحيح الذي لا يكذب إلا ما جاءت به الرّسل صلوات الله وسلامه عليهم، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٥٩]، فنزّه سبحانه وتعالى عما يصفه كلّ أحد إلا المخلصين من عباده، وهم الرسل، ومن تبعهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]، فنزّه نفسه عمّا يصفه به الواصفون، وسلَّمَ على المرسلين، لسلامة ما صفوه به من كلّ نقص وعيب، وحمد نفسه، إذ هو الموصوف بصفات الكمال التي يستحقّ لأجلها الحمدَ، ومنزّه عن كلّ نقص يُنافي كمال حمده. انتهى كلام المحقق العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد حقق العلّامة ابن القيّم رحمه الله تعالى هذا البحث تحقيقاً نفيساً، فأجاد وأفاد، وأسهب وأعاد، جزاه الله على ذلك خيراً.
وخلاصته ترجيح تفسير الصلاة على النبي ﷺ بالثناء عند ملائكته، كما نقل عن أبي العالية، وتضعيف تفسير من فسّرها بالرحمة.
وقال في "الفتح" بعدما ذكر الاختلاف: ما حاصله: وأولى الأقوال ما تقدّم عن أبي العالية أن معنى صلاة الله على نبيّه ﷺ ثناؤه عليه، وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك من الله تعالى، والمراد طلب أصل الصلاة.
ونقل عياض عن بكر القُشيريّ، قال: الصلاة على النبي ﷺ من الله تشريف، وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ﷺ ، وبين سائر المؤمنين، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦] , وقال قبل ذلك: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٣]، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي ﷺ ، والتنويه به ما ليس في غيرها.
وقال الحَليميّ في "الشُّعَب": معنى الصلاة على النبي ﷺ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللَّهمّ صل على محمد: عَظِّمْ محمداً، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله: ﴿صَلُّوا﴾ ادعوا ربّكم بالصلاة عليه. انتهى.
стр. 8959
ولا يعكر عليه عطف آله وأزواجه وذرّيته عليه، فإنه لا يمتنع أن يُدْعَى لهم بالتعظيم، إذ تعظيم كلّ أحد بحسب ما يليق به.
وما تقدم عن أبي العالية أظهر؛ فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله، وإلى ملائكته، وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيده أنه لا اختلاف في جواز الترحم على غير الأنبياء، واختُلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللَّهم صل على محمد: اللَّهم ارحم محمداً، أو ترحم على محمد لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة والرحمة لسقط الوجوب في التشهد عند من يوجبه بقول المصلي في التشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته".
ويمكن الانفصال بأن ذلك وقع بطريق التعبد، فلابد من الإتيان به ولو سبق الإتيان بما يدل عليه. انتهى ما في "الفتح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما تقدم أن أرجح الأقوال في معنى صلاة الله على نبيه ﷺ قول من قال: إنه ثناء الله تعالى عليه في الملإ الأعلى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٩ - (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -)
١٢٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ -وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي أُرِيَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ- أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ").
стр. 8960
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (الحارث بن مسكين) المصري الحافظ الثقة [١٠] تقدم ٩/ ٩.
٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن العُتَقيّ المصريّ الفقيه الثقة، من كبار [١٠] تقدّم ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام الثبت الحجة الفقيه المدني [٧] تقدم ٧/ ٧.
٥ - (نُعَيم بن عبد الله المجمر) المدني، ثقة [٣] تقدّم ٢١/ ٩٠٥.
٦ - (محمد بن عبد الله بن زيد) بن عبد ربه الأنصاري الخزرجيّ المدني، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي مسعود الأنصاريّ. وعنه ابنه عبد الله بن محمد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ونعيم بن عبد الله المجمر.
ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال العجلي: مدني تابعيّ ثقة، وقال ابن منده: وُلد في عهد النبي ﷺ . له عند مسلم، وأبي داود، والترمذيّ، والمصنف حديث الباب فقط، وعند البخاريّ في "خلق أفعال العباد" وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه حديث الأذان، فقط.
٧ - (أبو مسعود الأنصاريّ) عُقبة بن عمرو بن ثعلبة البدريّ صحابيّ مشهور، تقدّم ٦/ ٤٩٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، وابن قاسم، فمصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه محمد بن عبد الله بن زيد من المقلّين، ليس له في الكتب المذكورة إلا حديثان فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن نعيم بن عبد الله المجمر) بصيغة اسم الفاعل، من التجمير، أو الإجمار، صفة لعبد الله، لأنه كان يجمّر مسجد رسول الله ﷺ ، أي يُبخّره، ويطلق على ابنه نُعيم أيضاً مجازاً (أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري - وعبد الله بن زيد) بالرفع على الابتداء، وخبرُهُ قوله (الذي أُري) بالبناء للمفعول (النداءَ بالصلاة) بالنصب على أنه مفعول ثان لـ"أُري"، أى أراه الله الأذان في منامه، وجملة المبتدإ والخبر معترضة بين اسم "أنّ"
стр. 8961
وخبرها، أتى بها لبيان أن والد محمد هو عبد الله بن زيد بن عبد ربّه، رائي الأذان، لا عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، راوي صفة الوضوء وصلاة الاستسقاء، وغيرهما.
وإنما بيّن ذلك لأنهما يلتبسان على من لا معرفة له بعلم الرجال، إذ هما يتفقان في الاسم، واسم الأب، والنسبة إلى الأنصار، ثمّ إلى الخزرج، وكذا في الصحبة، والرواية، ويفترقان في الجدّ، والبطن الذي من الخزرج، لأن حفيد عاصم من مازن، وحفيد عبد ربه من بَلْحَارث بن الخزرج. أفاده في "الفتح" (١).
وقد تقدّمت ترجمة عبد الله بن زيد بن عاصم في ٨٠/ ٩٧.
وأما عبد الله بن زيد المذكور هنا فهو ابن عبد ربّه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو محمد المدني، وقيل في نسبه: غير ذلك، شهد العقبة وبدراً، والمشاهد، وكانت رؤياه للنداء في السنة الأولى من الهجرة بعد بناء المسجد النبوي. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعنه ابنه محمد، وابن ابنه عبد الله بن محمد على خلاف فيه، وسعيد بن المسيّب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقيل: لم يسمع منه، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ولم يدركه.
قال الترمذي عن البخاري: لا يعرف له إلا حديث الأذان، وكذا قال نحوَه ابنُ عديّ. وأطلق غيرُ واحد أنه ليس له غيره. قال الحافظ في "الإصابة": وهو خطأ، فقد جاءت أحاديث، ستة، أو سبعة، جمعتها في جزء مفرد، وجزم البغوي بأنه ماله غير حديث الأذان، وحديثه عند الترمذي، من رواية ابنه محمد بن عبد الله، وصححه، وفي النسائي له حديث: أنه تصدّق على أبويه، ثم توضّأ، وقد أخرج البخاري في "التاريخ"، من طريق يحيى بن أبي كثير أن أبا سلمة حدّثه أن محمد بن عبد الله بن زيد حدّثه أن أباه شهد النبي ﷺ عند الْمَنْحَر، وقد قسم النبي ﷺ الضحايا، فأعطاه من شعره … الحديث.
قال المدائني، عن كثير بن زيد، عن المطّلب بن حَنطب، عن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: مات أبي سنة (٣٢)، وهو ابن (٦٤)، وصلّى عليه عثمان. وقال الحاكم: الصحيح أنه قُتل بأحد، فالرواية كلها منقطعة. انتهى، وخالف ذلك في "المستدرك". وفي "الحلية" في ترجمة عمر بن عبد العزيز بسند صحيح، عن عبد الله العمريّ: دَخَلَت ابنة عبد الله بن زيد بن ثعلبة على عمر بن عبد العزيز، فقالت: أنا ابنة عبد الله ابن زيد شهد أبي بدراً، وقُتل بأحد، فقال: سليني ما شئت، فأعطاها. انتهى (٢).
стр. 8962
(عن أبي مسعود الأنصاري) عُقبة بن عمرو رضي الله تعالى عنه (أنه قال: أتانا رسول الله ﷺ في مجلس سعد بن عُبَادة) بن دُلَيم بن حارثة بن أبي خُزيمة، ويقال: خُزيمة بن أبي خُزيمة، ويقال: حارثة بن حَرَام بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طَريف بن الخزرج الأنصاريّ سيد الخزرج، أبو ثابت، ويقال: أبو قيس المدني.
وأمه عَمْرة بنت مسعود، كانت لها صُحْبة، وماتت في زمن النبي ﷺ .
روى عن النبي ﷺ . وعنه أولاده: قيس، وإسحاق، وسعيد، وابن ابنه شُرحبيل بن سعيد على خلاف فيه، وابن عبّاس، وابن المسيّب، وغيرهم.
شهد العَقَبَةَ، وغيرها من المشاهد، واختُلِفَ في شهوده بدراً، فذكر البخاريّ، وأبو حاتم، وأبو أحمد الحاكم أنه شهد بدراً، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى ممن لم يشهد بدراً، وقال: كان ممن تهيّأ للخروج إلى بدر، فنُهش، فأقام. وقال ابن سعد أيضاً كان سعد في الجاهلية يَكتب بالعربية، ويحسن العَوْم والرّمي، وكان مَنْ أحسنَ ذلك يُسمّى الكامل، وكان هو وعدّةٌ من آبائه في الجاهلية يُنادَى على أُطُمهم مَن أحبّ الشحم واللحم فليأت أُطُم دُليم بن حارثة، قال: وكانت جَفْنة سعد تدور مع رسول الله ﷺ في بيوت أزواجه، وقال مقسم عن ابن عباس ﵄: كانت راية رسول الله ﷺ في المواطن كلّها مع عليّ راية المهاجرين، ومع سعد بن عُبَادة راية الأنصار. وقال محمد بن سيرين كان سعد بنِ عبادة يرجع كلّ ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصُّفّة، يُعَشّيهم. وقال ابن عبد البرّ: تَخلّف سعد عن بيعة أبي بكر الصدّيق ﵄، وخرج عن المدينة، فمات بحَوْران من أرض الشام سنة (١٥) وقيل: سنة (١٤) وقيل: سنة (١١) ولم يختلفوا أنه وُجد ميتاً في مُغتَسَله. وقال ابن جُريج، عن عطاء: سمعتُ أنّ الجنّ قتلته. وقال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة (١٦). (١)
له ذكر في غير موضع من الصحيحين، ورَوَى له الأربعة.
(فقال له بشير بن سَعْد) بن ثعلبة بن الْجُلَاس (٢) بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأكبر الأنصاريّ الخزرجيّ، والد النعمان، شهد بدراً، وهو أوّل من بايع أبا بكر الصّدّيق ﵄ من الأنصار. رَوَى عن النبي ﷺ حديثاً واحدًا في النُّحْل على خلاف فيه (٣).
стр. 8963
وروى عنه ابنه النعمان، وابن ابنه محمد، وعروة، وحُميد بن عبد الرحمن بن عوف. ذكره ابن أبي حاتم فيمن مات سنة (١٣) فتكون رواية هؤلاء عنه سوى النعمان مرسلة. وقد رَوَى حديث حميد بن عبد الرحمن، عن النعمان، عن أبيه، فتعين إرساله، إن كان رواه عن بشير بلا واسطة، وذكر ابنُ إسحاق، والواقديُّ أنه قُتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد مُنصَرَفه من اليمامة سنة (١٢)، لكن روى البخاريّ في "تاريخه" من طريق الزهريّ عن محمد بن النعمان بن بشير, عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب قال يوماً، وحَوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخّصتُ في بعض الأمر ماذا كنتم فاعلين؟، قال: فقال له بشير بن سعد: لو فعلتَ قَوَّمناك تقويمَ القادح، فقال عمر: أنتم إذاً أنتم، فهذا يدلّ على أنه بقي إلى خلافة عمر، وفي كتاب "الطبقات" لابن سعد أنه كان يكتب بالعربية في الجاهلية، وبعثه النبي ﷺ في بعض السرايا، واستعمله على المدينة في عمرة القضاء، وله ذكر في "صحيح مسلم" وغيره في حديث عُقبة بن عمرو المذكور في هذا الباب. انفرد به النسائي بحديث النُّحْلة المذكور فقط.
(أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله) وفي بعض النسخ: "بأن نصلي عليك" بزيادة الباء، وحذفُها جائز في مثل هذا، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى:
وَعَدِّ لَازِماً بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلاً وَفِي أَن وَأَنْ يَطرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسِ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا
يعني أن الله سبحانه أمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه والسلام، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
(فكيف نصلي عليك؟) اختُلِفَ في المراد بقوله: "كيف"، فقيل: المراد السؤال عن معنى الصلاة المأمور بها بأيّ لفظ يُؤَدَّى. وقيل: عن صفتها. قال القاضي عياض ﵀: لمّا كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ يحتمل الرحمة والدّعاء والتعظيم سألوا بأيّ لفظ تُؤدّى؟. هكذا قال بعض المشايخ.
ورجّح الباجيّ أن السؤال إنما وقع عن صفتها، لا عن جنسها. قال في "الفتح": وهو الأظهر، لأن لفظ "كيف" ظاهر في الصفة، وأما الجنس، فيُسأل عنه بلفظ "ما"، وبه جزم القرطبي، فقال: هذا سؤال من أشكلت عليه كيفيّة ما فُهم أصلُهُ، وذلك أنهم عرفوا المراد بالصلاة، فسألوا عن الصفة التي تليق بها، ليستعملوها انتهى.
والحامل لهم على ذلك أن السلام لمّا تقدّم بلفظ مخصوص، وهو "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فهموا منه أن الصلاة أيضاً تقع بلفظ مخصوص، وعدَلُوا
стр. 8964
عن القياس لإمكان الوقوف على النصّ، ولاسيّما في ألفاظ الأذكار، فإنها تجيء خارجةَ عن القياس غالباً، فوقع الأمر كما فهموا، فإنه لم يقلْ لهم: قولوا: الصلاة عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا قولوا: الصلاة والسلام عليك الخ، بل علّمهم صيغةً أخرى (١).
(فسكت رسول الله ﷺ ) أي منتظراً للوحي (حتى تمنّينا أنه لم يسأله) إنما تمنّوا ذلك خشية أن يكون النبيّ ﷺ لم يعجبه السؤال المذكور، لما تقرّر عندهم من النهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
ووقع عند الطبراني: فسكت حتى جاءه الوحي، فقال: "تقولون" …
(ثمّ قال) أي النبي ﷺ بعد أن سكت منتظراً للوحي، فنزل عليه (قولوا: اللَّهمّ) هذه الكلمة كثر استعمالها في الدعاء، وهي بمعنى يا ألله، والميم عوض عن حرف النداء، فلا يقال: اللَّهم غفور رحيم مثلاً، وإنما يقال: اللَّهمّ أغفر لي، وأرحمني، ولا يدخلها حرف النداء إلاّ في نادر، كقول الراجز:
إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يا اللَّهُمَّا
واختصّ هذا الاسم بقطع الهمزة عن النداء، ووجوب تفخيم لامه، وبدخول حرف النداء عليه مع التعريف.
وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في "خلاصته"، فقال:
وَبَاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ يَا وَأَلْ … إِلَّا مَعَ اللهِ وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَالأَكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ يَا اللَّهُمَّ فِي قَرِيضِ
وذهب الفرّاء، ومن تبعه من الكوفيين إلى أن أصله يا الله، فحُذف حرف النداء تخفيفاً، والميم مأخوذة من جملة محذوفة أصله أُمَّنَا بخير، وقيل: بل زائدة، كما في زُرْقُم للشديد الزُّرْقة، وزيدت في الاسم العظيم تفخيماً. وقيل: بل هو كالواو الدّالّة على الجمع، كأن الداعي قال: يا من اجتمعت له الأسماء الحُسنى، ولذلك شددت الميم، لتكون عوضًا عن علامتي الجمع، وهي الواو والنون في "مسلمون" ونحوه. وقد جاء عن الحسن البصريّ: اللَّهم مَجْمَعُ الدعاء. وعن النضر بن شُمَيل: من قال: اللَّهم، فقد سأل الله بجميع أسمائه.
وقد أفاض العلّامة ابن القيم في هذا البحث في كتابه المتقدّم الذكر بما لا تجده في غيره، فراجعه ص ٩٤ - ١٠٦.
стр. 8965
(صلّ) تقدّم معنى الصلاة قريباً (على محمد) هو أشهر أسمائه ﷺ ، وهو اسم منقول من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمّن الثناء على المحمود ومحبّته وإجلاله وتعظيمه، وبُني على زنة مُفَعَّل لأن هذا البناء موضوع للتكثير، فمُحمَّد هو من كثُر حمد الحامدين له مرّة بعد أخرى، أو الذي يستحق أن يُحمد مرّة بعد أخرى، وهو عَلَمٌ وصفة اجتمع فيه الأمران في حقّه ﷺ ، وإن كان علماً محضاً في حقّ كثير ممن تسمّى به غيره. وهذا شأن أسماء الرّبّ تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء نبيه ﷺ ، فإنها أعلام دالّة على معان بها أوصاف، فلا تُضادّ فيها العلميةُ الوصفَ، بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين.
فتسميته ﷺ بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسمّاه، وهو الحمد، فإنه ﷺ محمود عند الله، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمود عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم، فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كلّ عاقل، وإن كابر عَقلَهُ جحوداً، أو عناداً، أو جهلاً باتصافه بها، ولو علم اتصافه بها لحمده، فإن من يَحْمد من اتصف بصفات الكمال، ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامد له، وهو ﷺ اختصّ من مسمّى الحمد بما لم يجتمع لغيره, فإن اسمه محمد وأحمد، وأمته الحمّادون، يحمدون الله على السّرّاء والضرّاء، وصلاة أمته مفتتحة بالحمد، وخطبته مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، هكذا عند الله في اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحاً بالحمد، وبيده ﷺ لواء الحمد يوم القيامة ولمّا يسجدُ بين يدي ربّه للشفاعة، ويؤذن له فيها يحمد ربّه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولولون والآخرون، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
(وعلى آل محمد) قيل: أصل "آل" أهل، قلبت الهاء همزةَ، ثمّ سُهّلت، ولهذا إذا صُغّر ردّ إلى الأصل، فقالوا: أُهيل. وقيل: بل أصله أَوَلٌ، من آل: إذا رجع، سمّي بذلك من يؤول إلى الشخص، وُيضاف إليه، ويقويه أنه لا يضاف إلّا إلى مُعظّم، فيقال: آل القاضي، ولا يقال آل الحَجّام، بخلاف أهل، ولا يضاف آل أيضاً غالباً إلى غير العاقل، ولا إلى المضمر عند الأكثرين، وجوّزه بعضهم بقلّة، وقد ثبت في شعر عبد المطّلب في قوله في قصّة أصحاب الفيل من أبيات:
وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيـ … ـــبِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكْ
وقد يطلق آل فلان على نفسه، وعليه وعلى من يضاف إليه جميعاً، وضابطه أنه إذا