إسحاق: الحفّاظ يتوقّفون فيما ينفرد به.
قال الحافظ: وهو اعتراض متّجه، لأن هذه الزيادة تفرّد بها ابن إسحاق، لكن ما تفرّد به، وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن إذا صرّح بالتحديث، وهو هنا كذلك, وإنما يصحّح له من لا يفرّق بين الصحيح والحسن، ويجعل كلّ ما يصلح للحجة صحيحاً، وهذه طريقة ابن حبّان، وغيره.
وقد احتجّ بهذه الزيادة جماعة من الشافعية، كابن خُزيمة، والبيهقيّ لإيجاب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد، وقبل السلام.
وتُعُقّب بأنه لا دلالة فيه على ذلك، بل إنما يفيد إيجاب الإتيان بهذه الألفاظ على من صلّى على النيي ﷺ في التشهد، وعلى تقدير إيجاب أصل الصلاة، فلا يدّل على هذا المحلّ المخصوص، ولكن قرّب البيقي ذلك بأن الآية لما نزلت، وكان النبي ﷺ قد علّمهم كيفية السلام عليه في التشهد، والتشهدُ داخلَ الصلاة، فسألوا عن كيفية الصلاة، فعلّمهم، دل على أن المراد بذلك إيقاع الصلاة عليه في التشهد بعد الفراغ من التشهد الذي تقدّم تعليمه لهم، وأما احتمال أن يكون ذلك خارج الصلاة، فهو بعيد، كما قال عياض وغيره.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: ليس فيه تنصيص على أن الأمر به مخصوص بالصلاة، وقد كثر الاستدلال به على وجوب الصلاة، وقرّر بعضهم الاستدلال بأن الصلاة عليه واجبة بالإجماع، وليست الصلاة عليه خارج الصلاة واجبة بالإجماع، فتعيّن أن تجب في الصلاة. قال: وهذا ضعيف، لأن قوله: لا تجب فى غير الصلاة بالإجماع، إن أراد به عيناً، فهو صحيح، لكن لا يفيد المطلوب، لأنه يفيد أن تجب في أحد الموضعين، لا بعينه.
وزعم القرافي في "الذخيرة" أن الشافعي ﵀ هو المستدلّ بذلك، وردّه بنحو ما ردّ به ابن دقيق العيد، ولم يُصبْ في نسبة ذلك للشافعي، والذي قاله الشافعي في "الأمّ": فرض الله الصلاة على رسوله ﷺ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه في الصلاة، ووجدنا الدلالة عن النبي ﷺ بذلك.
أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني صفوان بن سُليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ -يعني في الصلاة- قال: "تقولون: اللَّهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم" الحديث.
стр. 8997
أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدّثني سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة ﷺ ، عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول في الصلاة: "اللَّهم صل على محمد، وآل محمد، كما صلّيتَ على إبراهيم، وآل إبراهيم" … الحديث.
قال الشافعي ﵀: فلما رُوي أن النبيّ ﷺ كان يعلّمهم التشهد في الصلاة، ورُوي عنه أنه علمهم كيف يصلّون عليه في الصلاة لم يجُز أن نقول: التشهد في الصلاة واجب, والصلاة عليه فيه غير واجبة.
وقد تعقب بعض المخالفين هذا الاستدلال من أوجه:
(أحدها): ضعف إبراهيم بن أبي يحيى، والكلام فيه مشهور.
(الثانى): على تقدير صحته, فقوله: في الأولى: يعني في الصلاة، ولم يصرّح بالقائل: "يعني".
(الثالث): قوله في الثاني: أنه كان يقول في الصلاة، وإن كان ظاهره أنها الصلاة المكتوبة، لكنه يحتمل أن يكون المراد بقوله "في الصلاة" أي في صفة الصلاة عليه، وهو احتمال قويّ، لأن أكثر الطرق عن كعب بن عجرة تدلّ على أن السؤال وقع عن صفة الصلاة، لا عن محلها.
(الرابع): ليس في الحديث ما يدل على تعيّن ذلك في التشهّد، خصوصاً بينه وبين السلام من الصلاة.
وقد أطنب قوم في نسبة الشافعي في ذلك إلى الشذوذ، منهم أبو جعفر الطبريّ، وأبو جعفر الطحاويّ، وأبو بكر بن المنذر، والخطّابي، وأورد عياض في "الشفا" مقالاتهم، وعاب عليه ذلك غير واحد، لأن موضوع كتابه يقتضي تصويب ما ذهب إليه الشافعي، لكنه استجاده، لما فيه من الزيادة في تعظيمه.
وانتصر جماعة للشافعيّ، فذكروا أدلّة نقليّة ونظريّة، ودفعوا دعوى الشذوذ، فنقلوا القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وأصحّ ما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين ما أخرجه الحاكم بسند قويّ عن ابن مسعود ﵁، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعوا لنفسه. وهذا أقوى شيء يحتجّ به للشافعيّ، فإن ابن مسعود ﵁ ذكر أن النبي ﷺ علّمهم التشهد في الصلاة، وأنه قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء"، فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء دلّ على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسّك بحديث ابن مسعود ﵁ في دفع ما ذهب إليه الشافعيّ، مثل
стр. 8998
ما ذكر عياض، قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذي علّمه له النبي ﷺ ، وليس فيه ذكر الصلاة عليه، وكذا قول الخطابي: إن في آخر حديث ابن مسعود: "إذا قلت هذا، فقد قضيت صلاتك"، لكن رُدّ عليه بأن هذه الزيادة مدرجَة، وعلى تقدير ثبوتها، فتحمل على أن مشروعية الصلاة عليه ورَدَت بعد تعليم التشهد.
ويتقوّى ذلك بما أخرجه الترمذيّ عن عمر موقوفًا: "الدعاء موقوفٌ بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى يصلّى على النبي ﷺ ".
قال ابن العربي رحمه الله تعالى: ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، فيكون له حكم الرفع انتهى.
وورد له شاهد مرفوع في "جزء الحسن بن عرفة"، وأخرج العمريّ في "عمل اليوم والليلة" عن ابن عمر ﵄ بسند جيد قال: "لا تكون صلاة إلا بقراءة، وتشهد، وصلاة عليّ".
وأخرج البيهقي في "الخلافيات" بسند قويّ عن الشعبي، وهو من كبار التابعين، قال: من لم يصلّ على النبي ﷺ في التشهد، فليعد صلاته. وأخرج الطبريّ بسند صحيح عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير، وهو من كبار التابعين، قال: كنّا نعلم التشهد، فإذا قال: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يحمد ربّه، ويثني عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يسأل حاجته.
وأما فقهاء الأمصار, فلم يتّفقوا على مخالفة الشافعي في ذلك، بل جاء عن أحمد روايتان، وعن إسحاق الجزم في العمد، فقال: إذا تركها يعيد.
والخلاف أيضاً عند المالكية، ذكرها ابن الحاجب في سنن الصلاة، ثم قال: على الصحيح، فقال شارحه ابن عبد السلام: يريد أن في وجوبها قولين، وهو ظاهر كلام ابن الموّاز منهم.
وأما الحنفية، فألزم بعض شيوخنا من قال منهم بوجوب الصلاة عليه كلّما ذُكر, كالطحاوي، ونقله السروجي في "شرح الهداية" عن أصحاب "المحيط"، و"العقد"، و"التحفة"، و"المغيث" من كتبهم أن يقولوا بوجوبها في التشهد لتقدّم ذكره في آخر التشهد، لكن لهم أن يلتزموا ذلك، لكن لا يجعلونه شرطاً في صحّة الصلاة.
وروى الطحاويّ أن حرملة انفرد عن الشافعي بإيجاب ذلك بعد التشهد وقبل سلام التحلّل، قال: لكن أصحابه قبلوا ذلك، وانتصروا له، وناظروا عليه انتهى.
واستدلّ له ابن خزيمة، ومن تبعه بما أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذيّ، وصححه، وكذا ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، من حديث فَضَالَة بن عُبيد، قال:
стр. 8999
سمع النبي ﷺ رجلاً يدعوا في صلاته، لم يحمد الله، ولم يصلّ على النبي ﷺ ، فقال: "عجل هذا"، ثم دعاه، فقال: "إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد ربّه، والثناء عليه، ثم يصلّ على النبي ﷺ ، ثم يدعو بما شاء".
وهذا مما يدلّ على أن قول ابن مسعود المذكور قريباً مرفوع، فإنه بلفظه.
وقد طعن ابن عبد البرّ في الاستدلال بحديث فَضَالة للوجوب، فقال: لو كان كذلك لأمر المصلي بالإعادة، كما أمر المسيء صلاته، وكذا أشار إليه ابن حزم.
وأجيب باحتمال أن يكون الوجوب وقع عند فراغه، ويكفي التمسك بالأمر في دعوى الوجوب.
وقال جماعة، منهم الجرجاني، من الحنفية: لو كانت فرضا للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأنه علّمهم التشهد، وقال: "فيتخيّر من الدعاء ما شاء"، ولم يذكر الصلاة عليه.
وأجيب باحتمال أن لا تكون فُرضت حينئذ.
وقال الحافظ العراقي ﵀ في شرح الترمذي: قد ورد هذا في الصحيح بلفظ "ثم ليتخيّر"، و"ثُمَّ" للتراخي، فدلّ على أنه كان هناك شىء بين التشهد والدعاء.
واستدلّ بعضهم بما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة ﵁، رفعه: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليستعذ بالله من أربع" … الحديث. وعلى هذا عوّل ابن حزم في إيجاب هذه الاستعاذة في التشهد، وفي كون الصلاة على النبي ﷺ مستحبّةً عقب التشهد، لا واجبة، وفيه ما فيه. والله تعالى أعلم.
وقد انتصر ابن القيم للشافعي، فقال: أجمعوا على مشروعية الصلاة عليه في التشهد، وإنما اختلفوا في الوجوب والاستحباب، وفي تمسّك من لم يوجبه بعمل السلف الصالح نظر، لأن عملهم كان بوفاقه، إلا إن كان يريد بالعمل الاعتقاد، فيحتاج إلى نقل صريح بأن ذلك ليس بواجب، وأنّى يوجد ذلك؟، قال: وأما قول عياض: إن الناس شنّعوا على الشافعي، فلا معنى له، فأيّ شناعة في ذلك، لأنه لم يخالف نصاً، ولا إجماعاً، ولا قياساً، ولا مصلحة راجحة؟، بل القول بذلك من محاسن مذهبه، وأما نقله مِنَ الإجماعِ فقد تقدّم ردّه، وأما دعواه أن الشافعيّ اختار تشهد ابن مسعود، فيدلّ على معرفته باختيارات الشافعي، فإنه إنما اختار تشهد ابن عبّاس.
وأما ما احتجّ به جماعة من الشافعية من الأحاديث المرفوعة الصريحة في ذلك، فإنها ضعيفة، كحديث سهل بن سعد، وعائشة، وأبي مسعود، وبُريدة، وغيرهم، وقد
стр. 9000
استوعبها البيهقي في "الخلافيات" (١)، ولا بأس بذكرها للتقوية، لا أنها تنهض بالحجة.
قال الحافظ: ولم أر عن أحد من الصحابة والتابعين التصريح بعدم الوجوب، إلا ما نُقل عن إبراهيم النخعي، ومع ذلك فلفظ المنقول عنه كما تقدّم يشعر بأن غيره كان قائلاً بالوجوب، فإنه عبّر بالإجزاء انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في تقرير مذهب الشافعي القائل بالوجوب في آخر التشهد، فقال بعد أن ذكر أدلة النفاة، وناقشها: ما نصه:
اسمعوا أدلتنا الآن على الوجوب، فلنا عليه أدلّة:
(الدليل الأوّل): قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
ووجه الدلالة أن الله سبحانه أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ ، وأمرُهُ المطلق على الوجوب ما لم يقُم دليل على خلافه.
وقد ثبت أن أصحابه ﵃ سألوه عن كيفيّة هذه الصلاة المأمور بها، فقال: قولوا: "اللَّهم صلّ على محمد … " الحديث، وقد ثبت أن السلام الذي عُلِّموه هو السلام عليه في الصلاة، وهو سلام التشهد، فمخرج الأمرين والتعليمين والمحلّين واحد.
يوضّحه أنه علّمهم التشهد آمراً لهم به، وفيه ذكر التسليم عليه ﷺ ، فسألوه عن الصلاة عليه، فعلّمهم إيّاها، ثم شبّهها بما علموه من التسليم عليه، وهذا يدلّ على أن الصلاة والتسليم المذكورين في الحديث هما الصلاة والتسليم عليه في الصلاة.
يوضّحه أنه لو كان المراد بالصلاة والتسليم عليه خارج الصلاة، لا فيها لكان لكلّ مُسَلِّم منهم إذا سَلّم عليه يقول له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ومن المعلوم أنهم لم يكونوا يتقيّدون في السلام عليه بهذه الكيفية، بل كان الداخل منهم يقول: السلام عليكم، وربّما قال: السلام على رسول الله، وربما قال: السلام عليك يا رسول الله، ونحو ذلك، وهم لم يزالوا يسلّمون عليه من أوّل الإسلام بتحيّة الإسلام، وإنما الذي علموه قدر زائد عليها، وهو السلام عليه في الصلاة.
يوضحه حديث ابن إسحاق: "كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ "، وقد صحح هذه اللفظة جماعة من الحُفّاظ، منهم ابن خزيمة، وابن حبّان،
стр. 9001
والحاكم، والدارقطنيّ، والبيهقيّ (١).
وإذا تقرر أن الصلاة المسؤول عن كيفيّتها هي الصلاة عليه في نفس الصلاة، وقد خرج ذلك مخرج البيان المأمور به منها في القرآن، ثبت أنها على الوجوب، وينضاف إلى ذلك أمر النبي ﷺ بها، ولعلّ هذا وجه ما أشار إليه الإمام أحمد بقوله: كنت أتهيّب ذلك، ثم تبينتُ, فإذا هي واجبة.
وعلى هذا الاستدلال أسئلة:
(أحدها): أن قوله ﷺ : "والسلام كما قد علّمتم"، يحتمل أمرين: (أحدهما): أن يراد به السلام عليه في الصلاة. (والثاني): أن يراد به السلام من الصلاة نفسها، قاله ابن عبد البرّ.
(الثاني): أن غاية ما ذكرتم إنما يدلّ دلالة اقتران الصلاة بالسلام، والسلام واجب في التشهد, فكذا الصلاة، ودلالة الاقتران ضعيفة.
(الثالث): أنا لا نسلّم وجوب السلام، ولا الصلاة، وهذا الاستدلال منكم إنما يَتمّ بعد تسليم وجوب السلام عليه ﷺ .
الجواب عن هذه الأسئلة:
(أما الأوّل): ففاسد جدًّا فإن في نفس الحديث ما يبطله, وهو أنهم قالوا: هذا السلام عليك يا رسول الله قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟، لفظ البخاريّ في حديث أبي سعيد ﵁.
وأيضاً فإنهم إنما سألوا النبي ﷺ عن كيفية الصلاة والسلام المأمور بهما في الآية، لا عن كيفية السلام من الصلاة.
(وأما السؤال الثاني): فسؤال من لم يفهم وجهَ تقرير الدلالة، فإنا لم نحتجّ بدلالة الاقتران، وإنما استدللنا بالأمر بها في القرآن، وبَيّنّا أن الصلاة التي سألوا النبى ﷺ أن يعلّمهم إيّاها إنما هي الصلاة التي في الصلاة.
(وأما السؤال الثالث): ففي غاية الفساد، فإنه لا يُعتَرض على الأدلّة من الكتاب والسنّة، بخلاف المخالف، فكيف يكون خلافكم في مسألة قد قام الدليل على قول مُنازعيكم فيها مبطلاً لدليل صحيح، لا معارض له في مسألة أُخرى، وهل هذا إلا عكس طريقة أهل العلم، فإن الأدلة هي التي تبطل ما خالفها من الأقوال، ويُعتَرَضُ بها على من خالف مُوجَبَها، فتقدّم على كل قول اقتضى خلافها، لا أن أقوال المجتهدين
стр. 9002
تُعارض بها الأدلّة، وتُبطل مقتضاها، وتُقدّم عليها، ثمّ إن الحديث حجة عليكم في المسألتين، فإنه دليل على وجوب التسليم والصلاة عليه ﷺ ، فيجب المصير إليه.
(الدليل الثاني): أن النبي ﷺ كان يقول ذلك في التشهد، وأمرنا أن نصلي كصلاته، وهذا يدلّ على وجوب فعل ما فعل في الصلاة، إلا ما خصه الدليل، فهاتان مقدمتان:
أما المقدمة الأولى: فبيانها ما روى الشافعي في "مسنده" عن إبراهيم بن محمد، حدثني سعد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول في الصلاة: "اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم، وآل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
وهذا وإن كان فيه إبراهيم بن أبي يحيى، فقد وثقه جماعة، منهم الشافعي، وابن الأصبهاني، وابن عديّ، وابن عُقدة، وضعّفه آخرون.
وأما المقدّمة الثانية: فبيانها ما رواه البخاريّ في "صحيحه" عن مالك بن الحويرث ﵁، قال: أتينا النبي ﷺ ، ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، فظنّ أنّا اشتقنا إلى أهلنا، وسألَنَا عمن تركنا في أهلنا؟ فأخبرناه، وكان رفيقاً رحيماً، فقال: "ارجعوا إلى أهليكم، فعلّموهم، ومروهم، وصلّوا كما رأيتوني أصلي، وإذا حضرت الصلاة، فليؤذّن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم" (١).
(الدليل الثالث): حديث فَضَالة بن عُبيد ﵁، فإن النبي ﷺ قال له، أو لغيره: "إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، ثم ليُصلّ على النبي ﷺ ، ثم ليدْعُ بما شاء" (٢). رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وصححه ابن حبان، والحاكم.
واعتُرِضَ عليه من وجوه:
أحدها: أن النبي ﷺ لم يأمر هذا المصلي بالإعادة.
وجواب هذا: أن هذا الرجل كان غير عالم بوجوبها، فتركها معتقداً أنها غير واجبة، فلم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، وأمره في المستقبل أن يقولها، فأَمْرُهُ بقولها في المستقبل دليل على وجوبها، وترك أمره بالإعادة دليل على أنه يُعذر الجاهل بعدم الوجوب، وهذا كما لم يأمر النبيّ ﷺ المسيء في صلاته بإعادة ما مضى من الصلوات، وقد أخبره أنه لا يحسن غير تلك الصلاة عذراً له بالجهل.
فإن قيل: فلم أمره أن يعيد تلك الصلاة، ولم يعذره فيها بالجهل؟
стр. 9003
قلنا: لأن الوقت باق، وقد علم أركان الصلاة، فوجب عليه أن يأتي بها.
فإن قيل: فهلّا أمر تارك الصلاة عليه بإعادة تلك الصلاة كما أمر المسيء؟
قلنا: أَمْرُه ﷺ بالصلاة عليه فيها تحكّم ظاهر في الوجوب، ويحتمل أن الرجل لما سمع ذلك الأمر من النبي ﷺ بادر إلى الإعادة من غير أن يأمره النبي ﷺ بها.
ويحتمل أن تكون تلك الصلاة كانت نفلاً، لا تجب عليه إعادتها. ويحتمل غير ذلك، فلا يُترَك الظاهر من الأمر، وهو دليل مُحْكَمٌ لهذا المشتبه المحتمل، والله أعلم.
الثاني: أن هذا الدعاء كان بعد انقضاء الصلاة لا فيها، بدليل ما روى الترمذيّ في "جامعه" من حديث رِشدِين في هذا الحديث، بينا رسول الله ﷺ قاعد، إذ دخل رجل، فصلّى، وقال: اللَّهم اغفر لي، وارحمني، فقال رسول الله ﷺ : "أيها المصلي إذا صلّيت، فقعدت، فاحمد الله بما هو أهله، وصلّ عليّ، ثم ادعه".
وجواب هذا من وجوه:
أحدها: أن رشدين ضعفه أبو زرعة، وغيره، فلا يكون حُجّة مع استقلاله، فكيف إذا خالف الثقات الأثبات؟! لأنّ كلّ من روى هذا الحديث قال فيه: سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو في صلاته.
الثاني: أن رشدين لم يقل في حديثه: إن هذا الداعي دعا بعد انقضاء الصلاة، ولا يدلّ لفظه على ذلك، بل قال: فصلى، فقال: اللَّهمّ اغفر لي، وهذا لا يدلّ على أنه قال بعد فراغه من الصلاة، ونفسُ الحديث دليل على ذلك، فإنه قال: "إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد الله"، ومعلوم أنه لم يُردْ بذلك الفراغ من الصلاة، بل الدخول فيها، ولاسيّما، فإن عامّة أدعية النبي ﷺ إنما كانت في الصلاة، لا بعدها، كحديث أبي هريرة، وعليّ، وأبي موسى، وعائشة، وابن عبّاس، وحُذَيفة، وعمّار، وغيرهم، ﵄، ولم يقل أحد منهم أنه ﷺ كان يدعو بعد صلاته في حديث صحيح (١).
ولما سأله الصدّيق دعاء يدعو به في صلاته لم يقل: ادع به خارج الصلاة، ولم يقل لهذا الداعي: ادع به بعد سلامك من الصلاة، لاسيما، والمصلي مناجٍ ربّه، مقبل عليه، فدعاؤه ربّه تعالى في هذه الحال أنسب من دعائه له بعد انصرافه عنه، وفراغه من مناجاته.
الثالث: أن قوله ﷺ : "فاحمد الله بما هو أهله"، إنما أراد به التشهّد في القعود،
стр. 9004
ولهذا قال: "إذا صلّيت، فقعدت"، يعني في تشهدك، فأمره بحمد الله تعالى، والثناء عليه، والصلاة على رسوله ﷺ .
الاعتراض الثالث: أن الذي أمره أن يصلي فيه، ويدعو بعد تحميد الله غير معيّن، فلم قلتم: إنه بعد التشهّد؟
وجواب هذا: أنه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على الله تعالى، ثم الصلاة على رسوله ﷺ ، ثم الدعاء إلا في التشهد آخر الصلاة، فإن ذلك لا يشرع في القيام، ولا الركوع، ولا السجود اتفاقاً، فعلم أنه إنما أراد به آخر الصلاة، حالَ جلوسه في التشهد.
الاعتراض الرابع: أنه أمره فيه بالدعاء عقب الصلاة عليه، والدعاء ليس بواجب، فكذا الصلاة عليه ﷺ .
وجواب هذا: أنه لا يستحيل أن يأمر بشيئين، فيقوم الدليل على عدم وجوب أحدهما، فيبقى الآخر على أصل الوجوب.
الثاني: أن هذا المذكور من الحمد والثناء هو واجب قبل الدعاء، فإنه هو التشهد، وقد أمر النبي ﷺ به، وأخبر الصحابة ﵃ أنه فرض عليهم، ولم يكن اقتران الأمر بالدعاء به مسقطاً لوجوبه، فكذا الصلاة على النبي- ﷺ .
الثالث: أن قولكم: الدعاء لا يجب باطل، فإن من الدعاء ما هو واجب، وهو الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب والهداية والعفو وغيرها، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من لم يسأل الله يغضب عليه" (١). والغضب لا يكون إلا على ترك واجب، أو فعل محرّم.
الاعتراض الخامس: أنه لو كانت الصلاة على النبي ﷺ فرضاً في الصلاة، لم يؤخّر بيانها إلى هذا الوقت، حتى يرى رجلاً لا يفعلها، فيأمره بها، ولكان العلم بوجوبها مستفاداً قبل هذا الحديث.
وجواب هذا: أنا لم نقل: إنها وجبت على الأمة إلا بهذا الحديث، بل هذا المصلي كان قد تركها، فأمره النبي ﷺ بما هو مستقرّ معلوم من شرعه، وهذا كحديث المسيء في صلاته، فإن وجوب الركوع والسجود والطمأنينة على الأمة لم يكن مستفاداً من حديثه، وتأخير بيان النبي ﷺ لذلك إلى حين صلاة هذا الأعرابي، وإنما أمره أن يصلي الصلاة التي شرعها لأمته قبل هذا.
стр. 9005
الاعتراض السادس: أن أبا داود والترمذي قالا في هذا الحديث، حديثِ فضالةَ: "فقال له، أو لغيره"، بحرف "أو"، ولو كان هذا واجباً على كلّ مكلّف لم يكن ذلك له، أو لغيره.
وهذا اعتراض فاسد من وجوه:
أحدها: أن الرواية الصحيحة التي رواها ابن خُزيمة، وابن حبّان، "فقال له ولغيره" بالواو، وكذا رواه الإمام أحمد، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم.
الثاني: أن "أو" هنا ليست للتخيير، بل للتقسيم، والمعنى أن أي مصلّ صلى، فليقل ذلك، هذا أو غيره، كما قال: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، ليس المراد التخيير، بل المعنى: أن أيهما كان فلا تُطعه، إما هذا، وإما هذا.
الثالث: أن الحديث صريح في العموم بقوله: "إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد الله"، فذكره.
الرابع: أن في رواية النسائي، وابن خزيمة: "علّمهم رسول الله ﷺ "، فذكره، وهذا عام.
الدليل الرابع: ثلاثة أحاديث, كل منها لا تقوم الحجّة به عند انفراده، وقد يُقَوِّي بعضها بعضاً عند الاجتماع.
أحدها: ما رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شَمِر، عن جابر -هو الجُعُفي- عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بُريدة إذا صلّيتَ في صلاتك ,فلا تتركنّ التشهد، والصلاة عليّ، فإنها زكاة الصلاة، وسلّم على جميع أنبياء الله ورسله، وسلّم على عباد الله الصالحين".
الثاني: ما رواه الدارقطني أيضًا من طريق عمرو بن شمر، عن جابر، قال: قال الشعبي: سمعت مسروق بن الأجدع يقول: قالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبل الله صلاةً إلا بطهور، وبالصلاة عليّ". لكن عمرو بن شمر، وجابر لا يحتجّ بهما، وجابر أصلح من عمرو (١).
الثالث: ما رواه الدارقطني من حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيّ ﷺ قال: "لا صلاةَ لمن لم يصلّ على نبيه ﷺ ". رواه الطبراني
стр. 9006
من حديث أُبيّ بن عباس، عن أبيه، عن جدّه، وعبد المهيمن ليس بحجة، وأُبيّ أخوه، وإن كان ثقة احتجّ به البخاريّ، فالحديث المعروف فيه، إنما هو من رواية عبد المهيمن، ورواه الطبراني بالوجهين، ولا يثبت.
الدليل الخامس: أنه قد ثبت وجوبها عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبي مسعود الأنصاريّ ﵃، وقد تقدّم ذلك (١)، ولم يُحفَظ عن أحد من الصحابة أنه قال: لا تجب، وقول الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجّة، ولاسيّما على أصول أهل المدينة والعراق.
الدليل السادس: أن هذا عملُ الناس من عهد نبيّهم إلى الآن، ولو كانت الصلاة عليه ﷺ غير واجبة، لم يكن اتفاق الأمة في سائر الأمصار والأعصار على قولها في التشهد، وترك الإخلال بها.
وقد قال مقاتل بن حيّان في تفسيره في قوله : ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ قال: إقامتها: المحافظة عليها، وعلى أوقاتها، والقيام فيها، والركوع، والسجود، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير.
وقد قال الإمام أحمد: الناس عيال في التفسير على مقاتل، قالوا: فالصلاة على النبي ﷺ في الصلاة من إقامتها المأمور بها، فتكون واجبةٌ، وقد تمسّك أصحاب هذا القول بأقيسة، لا حاجة إلى ذكرها.
قالوا: ثم نقول لمنازعينا: ما منكم إلا من أوجب في الصلاة أشياء بدون هذه الأدلّة.
هذا أبو حنيفة يقول بوجوب الوتر، وأين أدلة وجوبه من أدلّة وجوب الصلاة على النبي ﷺ ، ويوجب الوضوء على من قهقه في صلاته بحديث مرسل لا يقاوم أدلتنا في هذه المسألة، ويوجب الوضوء من القيء، والرعاف، والحجامة، ونحوها بأدلّة لا تقاوم أدلّة هذه المسألة.
ومالك يقول: إن في الصلاة أشياء بين الفرض والمستحبّ، ليست بفرض، وهي فوق الفضيلة والمستحبّة، يسميها أصحابه سنناً، كقراءة سورة مع الفاتحة، وتكبيرات
стр. 9007
الانتقالات، والجلسة الأولى، والجهر والمخافتة، ويوجبون السجود في تركها على تفصيل لهم فيه.
وأحمد يسمي هذه واجبات، ويوجب السجود لتركها سهواً.
فإيجاب الصلاة على النبي ﷺ إن لم يكن أقوى من إيجاب كثير من هذه، فليست دونها.
والمقصود أن تشنيع المشنِّع فيها على الشافعي باطل، فإنّ مسألةً فيها من الأدلّة والآثار مثل هذا كيف يشنّع على الذاهب إليها. والله تعالى أعلم انتهى كلام الإمام المحقق ابن قيّم الجوزية رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا البحث نفيسٌ جدّاً، خلاصته ترجيح القول بإيجاب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير، وقد ناقش الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أدلة الفريقين، وتوصل بعد المناقشة الدقيقة، والدراسة العميقة لأدلتهم إلى ترجيح الإيجاب، وهو الذي لا يظهر لي غيره، لوضوح أدلته.
قال العلامة الأمير الصنعاني رحمه الله تعالى في "العُدّة حاشية العمدة":
وأما الاستدلال النفاة لوجوبها في آخر الصلاة بكون النبي ﷺ قد علّم التشهد، وأمر عقبه أن يتخيّر من المسألة ما شاء من لم يعلم ذلك, وموضع التعليم لا يؤخر فيه بيان الواجب, فالجواب من وجوه:
(الأول): أنكم أوجبتم السلام بقوله ﷺ : "وتحليلها التسليم" مع أنه لم يُذكر فى حديث التشهد، ونحن أوجبنا الصلاة بالأدلّة المقتضية لإيجابها في الصلاة، فلو كان خُلُوّ حديث التشهد مانعاً عن إيجاب الصلاة لكان أيضاً مانعاً إيجاب التسليم، وإن لم يمنعه لم يمنع وجوب الصلاة.
الثاني: أنه ﷺ كما علّمهم التشهد علّمهم الصلاة عليه، فكيف يكون تعليمه دالّا على وجوبه، ولا يكون تعليمه لهم الصلاة دالّا على وجوبها؟.
فإن قيل: التشهد الذي علّمهم تشهد الصلاة، وأما الصلاة عليه ﷺ التي علمهم فمطلقة.
قلنا: بل والصلاة التي علمهم هي في الصلاة أيضاً، إذ في رواية محمد إبراهيم التيمي: "كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا".
ثمّ لو قدّر أن أحاديث التشهد تنفي وجوب الصلاة عليه ﷺ ، فكانت أدلّة وجوبها مقدّمة على تلك، لأن نفيها باق على البراءة الأصلية، ووجوبها ناقل عنها، والناقل يقدّم
стр. 9008
على النافي، فكيف ولا تعارض، فإن غاية أدلّة التشهد أنها ساكتة عن إيجاب غيره، وما سكت عن إيجاب شيء لا يعارض ما قام الدليل على وجوبه، فضلاً عن أن يقدّم عليه.
ثم حديث تعليم التشهد مقدّم على تعليم الصلاة، فإنه ﷺ علّمهم حين فرضت الصلاة، وتعليمهم الصلاة في الصلاة كان بعد نزول "سورة الأحزاب" عند نزول تخييره نساءه، فلو فرض أن تعليمهم التشهد ينفي الصلاة لكان منسوخاً بتعليمهم إياها آخراً. انتهى كلام الصنعاني رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى: ما قاله الصنعاني رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة التاسعة:
في اختلاف أهل العلم في الصلاة على النبي ﷺ في التشهّد الأول:
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: في "الأمّ": يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول، هذا هو المشهور من مذهبه، وهو الجديد، لكنه يستحب، وليس بواجب، وقال في القديم: لا يزيد على التشهد، وهذه رواية المزني عنه، وبهذا قال أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، وغيرهم ﵏.
واحتُجّ للشافعي ﵀ بما رواه الدارقطني من حديث موسى بن عُبَيدة، عن عبد الله ابن دينار, عن ابن عمر ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يُعلّمنا التشهد: "التحيّات الطيبات الزاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته, السلام علينا, وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ووسوله"، ثمّ يصلي على النبي ﷺ .
ورواه الدارقطني أيضاً من حديث عمرو بن شَمِر، عن جابر، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بريدة إذا جلست في صلاتك، فلا تتركنّ الصلاة عليّ، فإنها زكاة الصلاة" (١).
قالوا: وهذا يعم الجلوس الأول والآخر.
واحتجّ له أيضاً بأن الله تعالى أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسوله ﷺ ، فدلّ على أنه حيث شرع التسليم عليه شُرعت الصلاة عليه، ولهذا سأله الصحابة عن كيفية الصلاة عليه، وقالوا: قد علمنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلي عليك؟، فدلّ على أن الصلاة عليه مقرونة بالسلام عليه ﷺ ، ومعلوم أن المصلي يسلّم على النبي ﷺ ، فيشرع
стр. 9009
له أن يصلي عليه.
قالوا: ولأنه مكانٌ شرع فيه التشهد والتسليم على النبي ﷺ ، فشرع فيه الصلاة عليه كالتشهد الأخير.
قالوا: ولأن التشهد الأول محل يستحب فيه ذكر الرسول ﷺ ، فاستحبّ فيه الصلاة عليه، لأنه أكمل في ذكره.
قالوا: ولأن في حديث محمد بن إسحاق: كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا؟.
وقال الآخرون: ليس التشهد الأول بمحلّ لذلك، وهو القديم من قولي الشافعي، وهو الذي صححه كثير من أصحابه، لأن التشهد الأوّل تخفيفه مشروع، وكان النبي ﷺ إذا جلس فيه كأنه على الرَّضْف (١)، ولم يثبت عنه أنه كان يفعل ذلك فيه، ولا علّمه للأمة، ولا يُعرف أنّ أحدًا من الصحابة استحبه، ولأن مشروعية ذلك لو كانت كما ذكرتم من الأمر، لكانت واجبة في هذا المحلّ كما في الأخير، لتناول الأمر لهما، ولأنه لو كانت الصلاة مستحبّة في هذا الموضع لاستحب فيه الصلاة على آله ﷺ ، لأن النبيّ ﷺ لم يفرد نفسه دون آله بالأمر بالصلاة عليه، بل أمرهم بالصلاة عليه، وعلى آله في الصلاة وغيرها، ولأنه لو كانت الصلاة عليه في هذه الموضع مشروعة لشُرع فيها ذكر إبراهيم، لأنها هي صفة الصلاة المأمور بها، ولأنها لو شرعت في هذا الموضع لشرع فيها الدعاء بعدها، لحديث فَضَالة بن عُبيد ﵁، ولم يكن فرق بين التشهد الأول والأخير.
قالوا: وأما ما استدللتم به من الأحاديث، فمع ضعفها بموسى بن عُبيدة، وعمرو بن شمر، وجابر الجعفي لا تدلّ، لأن المراد بالتشهد فيها هو الأخير، دون الأول لما ذكرناه من الأدلّة. والله تعالى أعلم. أفاده العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي ظهر لي مما ذكر من استدلال كل فريق على ما ذهب إليه ترجيح قول الجمهور، وهو عدم مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، لعدم دليل قويّ على المشروعية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 9010
٥٠ - (باب كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -)
١٢٨٦ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِىِّ ﷺ أُمِرْنَا أَنْ (١) نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، وَنُسَلِّمَ، أَمَّا السَّلَامُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زياد بن يحيى) بن زياد بن حَسّان، أبو الخطّاب الحسّاني النُّكري (٢) العَدَني البصري، ثقة [١٠].
روى عن عبد الوهاب الثقفي، ومعتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل، وغيرهم. وعنه الجماعة، وأبو حاتم، وأبن خزيمة، وغيرهم.
قال أبو حاتم، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٥٤).
[فائدة]: زياد بن يحيى هذا هو أحد التسعة الذين اتفق أصحاب الأصول بالرواية عنهم دون واسطة، وقد تقدموا غير مرّة. وبالله تعالى التوفيق.
٢ - (عبد الوهّاب بن عبد المجيد) الثقفي البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين [٨] تقدّم ٤٢/ ٤٨.
٣ - (هشام بن حَسّان) القُردوسي البصري، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] تقدم ١٨٨/ ٣٠٠.
٤ - (محمد) بن سيرين، أبو بكر الأنصاريّ مولاهم البصري، ثقة ثبت عابد [٣] تقدم ٤٦/ ٥٧.
٥ - (عبد الرحمن بن بشر) بن مسعود الأنصاري، أبو بشر المدني الأزرق، مقبول [٣].
стр. 9011
روى عن أبي مسعود، وأبي هريرة, وأبي سعيد، وخبّاب بن الأرتّ. وعنه محمد ابن سيرين، وإبراهيم النخعي, وموسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي.
قال ابن سعد: كان قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطني: أرسل عن النبي ﷺ .
روى مسلم حديثاً في العَزْل، وأبو داود في كراهة التسرّع إلى الحكم، والمصنف حديث الباب، وحديث الْعَزْل الذي عند مسلم أيضاً.
[تنبيه]: وقع في "الكبرى" في هذا السند تحريفان، فقد وقع فيه: "عن محمد بن عبد الرحمن بن بشير", فقوله: "عن محمد بن عبد الرحمن" تصحفت فيه "عن" إلى "بن"، وقوله: "بشير" تصحّف عن بشر بكسر الباء, وسكون الشين المعجمة، فالصواب: "عن محمد، عن عبد الرحمن بن بشر"، ومحمد هو ابن سيرين. فتنبه.
٦ - (أبو مسعود) عُقبة بن عمرو البدريّ ﵁ المذكور في الباب الماضي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث من أفراد المصنف رحمه الله تعالى, أخرجه هنا -٥٠/ ١٢٨٦ - وفي "الكبرى" -٨٥/ ١٢٠٩ - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم ٥٠ - بالإسناد المذكور متصلاً.
والصواب أنه مرسل، لأن عبد الله بن عون خالف هشام بنَ حسّان، وهو أحفظ منه، يقدم عليه في ابن سيرين، فأرسله، فقد أخرجه المصنف ﵀ في "عمل اليوم والليلة" رقم ٥١ - عن حميد بن مَسْعدة، عن يزيد بن زريع، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشر, قال: قالوا: يا رسول الله … فذكره مرسلاً.
لكنه مرسل صحيح الإسناد، ويشهد له ما تقدّم في الباب الماضي، فيصحّ به. والله تعالى أعلم.
وشرح الحديث، وما يتعلق به يعلم مما تقدم في الباب الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥١ - (نَوعٌ آخَر)
١٢٨٧ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ
стр. 9012
عُجْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
قَالَ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى: وَنَحْنُ نَقُولُ: وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ.
قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حَدَّثَنَا بِهِ مِنْ كِتَابِهِ وَهَذَا خَطَأٌ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (القاسم بن زكريا بن دينار) أبو محمد الكوفي الطحّان، ثقة [١١] تقدم ٨/ ٤١٠.
٢ - (حسين بن علي) الجُعفي الكوفي، ثقة عابد [٩] تقدم ٧٤/ ٩١.
٣ - (زائدة) بن قُدَامة الثقفي الكوفي، ثقة ثبت صاحب سنة [٧] تقدم ٧٤/ ٩١.
٤ - (سليمان) بن مهران الأعمش الكوفي، الإمام الحجة الثبت [٥] تقدم ١٧/ ١٨.
٥ - (عمرو بن مُرّة) الْجَمَلي الكوفي، ثقة عابد ٥١، تقدم ١٧١/ ٢٦٥.
٦ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة [٢] تقدم ٨٦/ ١٠٤.
٧ - (كعب بن عُجْرة) الأنصاري المدني، أبو محمد صحابي مشهور ﵁, تقدم ٨٦/ ١٠٤.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث كعب بن عُجرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
أخرجه المصنف هنا -٥١/ ١٢٨٧ - وفي "الكبرى" -٨٦/ ١٢١٠ - عن القاسم بن زكريا، عن حسين الجعفيّ، عن زائدة بن قُدامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. وفي -٥١/ ١٢٨٨ - وفي "الكبرى" ٨٦/ ١٢١١ - عن القاسم بن زكريا، عن حسين، عن زائدة، عن الأعمش، عن الْحَكَم، عن ابن أبي ليلى به. وفي ٥١/ ١٢٨٩ - وفي "الكبرى" -٨٦/ ١٢١٢ - وفي "عمل اليوم والليلة" -٥٤ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن شعبة، عن الحكم به. وفي "عمل اليوم والليلة" -٣٥٩ - عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عن سفيان، قال: حفظناه من عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى به.
وأخرجه (خ) ٤/ ١٧٨ و٦/ ١٥١، و٨/ ٩٥ (م) ٢/ ١٦ (د) رقم ٩٧٦، و٩٧٧، و٩٧٨ (ت) ٤٨٣ (ق) ٩٠٤.
(الحميدي) ٧١١، و٧١٢ (أحمد) ٤/ ٢٤١ و٤/ ٢٤٣ (عبد بن حميد) ٣٦٨
стр. 9013
(الدارمي) ١٣٤٨. والله تعالى أعلم.
وشرح الحديث ومتعلقاته تعلم مما تقدم.
وقوله: "قلنا: يا رسول الله". قال في "الفتح": كذا في معظم الروايات عن كعب بن عُجرة "قلنا" بصيغة الجمع, وكذا وقع في حديث أبي سعيد في الباب -يعني الآتي- ٥٣/ ١٢٩٣ - ومثله في حديث بريدة عند أحمد، وفي حديث طلحة عند النسائي -يعني الآتي ٥٢/ ١٢٩٠ - وفي حديث أبي هريرة عند الطبري، ووقع عند أبي داود، عن حفص بن عمر، عن شعبة، بسند الباب: "قلنا، أو قالوا" بالشكّ، والمراد الصحابة، أو من حضر منهم، ووقع عند السرّاج، والطبراني من رواية قيس بن سعد، عن الحكم به: "أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا". وقال الفاكهاني: الظاهر أن السؤال صدر من بعضهم، لا من جميعهم، ففيه التعبير عن البعض بالكلّ، ثم قال: ويبعد جدّاً أن يكون كعب هو الذي باشر السؤال منفرداً، فأتى بالنون التي للتعظيم، بل لا يجوز ذلك, لأن النبي ﷺ أجاب بقوله: "قولوا"، فلو كان السائل واحداً لقال له: "قل"، ولم يقل: "قولوا" انتهى.
قال الحافظ: ولم يظهر لي وجه نفي الجواز، وما المانع أن يسأل الصحابي الواحد عن الحكم، فيجيب ﷺ بصيغة الجمع، إشارةً إلى اشتراك الكلّ في الحكم، ويؤكده أن في نفس السؤال: "قد عرفنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلي؟ " كلها بصيغة الجمع، فدلّ على أنه سأل لنفسه، ولغيره، فحسن الجواب بصيغة الجمع.
لكن الإتيان بنون العظمة في خطاب النبي ﷺ لا يُظَنّ بالصحابي، فإن ثبت أن السائل كان متعدداً فواضح، وإن ثبت أنه كان واحداً فالحكمة في الإتيان بصيغة الجمع الإشارةُ إلى أنّ السؤال لا يختصّ به، بن يريد نفسه ومن يوافقه على ذلك، فحمله على ظاهره من الجمع هو المعتمد، على أن الذي نفاه الفاكهانيّ قد ورد في بعض الطرق، فعند الطبري من طريق الأجلح، عن الحكم، بلفظ: "قمت إليه، فقلت: السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة يا رسول الله؟ قال: قولوا: "اللَّهم صلّ على محمد … " الحديث.
قال الحافظ: وقد وقفت من تعيين من باشر السؤال على جماعة, وهم:
كعب بن عُجرة، وبشير بن سعد، والد النعمان، وزيد بن خارجة الأنصاريّ، وطلحة بن عبيد الله، وأبو هريرة، وعبد الرحمن بن بشير (١) ﵃.
стр. 9014
أما كعب، فوقع عند الطبراني من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، بهذا السند، بلفظ: قلت: يا رسول الله قد علمناه … ".
وأما بشير، ففي حديث أبي مسعود عند مالك، ومسلم، وغيرهما، أنه رأى النبي ﷺ في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير ابن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك … الحديث (١).
وأما زيد بن خارجة، فأخرج النسائي من حديثه، قال: أنا سألت رسول ﷺ ؟ فقال: "صلّوا عليّ، وأجتهدوا في الدعاء، وقولوا: اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد" (٢).
وأخرج الطبريّ من حديث طلحة، قال: قلت: يا رسول الله كيف الصلاة عليك، ومخرج حديثهما واحدٌ.
وأما حديث أبي هريرة ﵁، فأخرج الشافعي من حديثه أنه قال: يا رسول الله كيف نصلي؟ ".
وأما حديث عبد الرحمن بن بشر (٣)، فأخرجه إسماعيل القاضي في كتاب "فضل الصلاة على النبي ﷺ "، قال: قلت، أو قيل للنبى ﷺ ، هكذا عنده على الشكّ.
قال الجامع: هكذا قال الحافظ: وعندي أن فيما قاله هذا خطأ:
أما أوّلاً، فإنه قال: عبد الرحمن بن بشير، والصواب. "بن بشر"، ويمكن أن يكون هذا الخطأ من الناسخ، ولكنه كذا وقع عند إسماعيل القاضى بالخطأ أيضاً.
وأما ثانياً، فإن عبد الرحمن بن بشر تابعي، أرسل هذا الحديث، وليس هو ممن باشر السؤال بنفسه، وهو الذي أخرج حديثه إسماعيل القاضي برقم ٧٣ - وهو الذي تقدم للمصنف في الباب الماضي موصولاً، وتقدّم الكلام عليه هناك. والله تعالى أعلم.
قال: وأبهم أبو عوانة في "صحيحه" من رواية الأجلح، وحمزة الزيّات، عن الحكم السائلَ، ولفظه: جاء رجل، فقال: يا رسول الله قد علمنا. ووقع لهذا السؤال سبب أخرجه البيهقيّ، والخلعي من طريق الحسن بن محمد بن الصبّاح الزعفراني: حدثنا إسماعيل بن زكريّا، عن الأعمش، ومسعر، ومالك بن مغول، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ
стр. 9015
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦] , قلنا: يا رسول الله قد علمنا … الحديث.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث عن محمد بن بكّار، عن إسماعيل بن زكريا، ولم يسق لفظه، بل أحال به على ما قبله، فهو على شرطه. وأخرجه السرّاج من طريق مالك بن مغول وحده كذلك. وأخرج أحمد، والبيهقي، وإسماعيل القاضي من طريق يزيد بن أبي زياد، والطبراني من طريق محمد بن أبي ليلى، والطبري من طريق الأجلح، والسراج من طريق سفيان، وزائدة، فرّقهما، وأبو عوانة في "صحيحه" من طريق الأجلح، وحمزة الزيّات كلهم عن الحكم مثله. وأخرج أبو عوانة أيضاً من طريق مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مثله. وفي حديث طلحة عند الطبري: أتى رجل إلى النبي ﷺ , فقال: سمعت الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الآية، فكيف نصلي عليك؟ (١).
وقوله: "قال ابن أبي ليلى: ونحن نقول: وعلينا معهم". يعني أنهم عندما يصلون على النبي ﷺ بالصيغة المذكورة يزيدون قولهم: "وعلينا معهم"، أى وصَلِّ علينا مع النبي ﷺ وآله.
وأشار بقوله: "ونحن نقول" إلى أنه ليس مرفوعاً، بل هم يقولونه من عند أنفسهم.
والظاهر أن هذا من عبد الرحمن بن أبي ليلى, وأصحابه، لكن أخرج أحمد في "مسنده" جـ ٤ ص ٢٤٤ - من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن كعب، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] قالوا: كيف نصلي عليك يا نبي الله … " الحديث، وفي آخره: قال: ونحن نقول: وعلينا معهم، قال يزيد: فلا أدري أشيء زاده ابن أبي ليلى من قبل نفسه، أو شيء رواه عن كعب انتهى. لكن يزيد ضعيف.
[تنبيه]: قال في "الفتح": وتَعَقَّب ابنُ العربي هذه الزيادة -يعني "وعلينا معهم"- قال: هذا شيء أنفرد به زائدة، فلا يعوّل عليه، فإن الناس اختلفوا في معنى الآل اختلافًا كثيراً، ومن جملته أنهم أمته، فلا يبقى للتكرار فائدة، واختلفوا أيضاً في جواز الصلاة على غير الأنبياء، فلا نرى أن نُشرك في هذه الخصوصية مع محمد وآله أحداً.
وتعقبه الحافظ العراقي في شرح الترمذي بأن زائدة من الأثبات، فانفراده لو انفرد لا يضرّ مع كونه لم ينفرد، فقد أخرجها إسماعيل القاضي في كتاب "فضل الصلاة" من طريقين عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ويزيد استَشهَدَ به مسلم.
стр. 9016
وعند البيهقي في "الشُّعَب" من حديث جابر نحو حديث الباب، وفي آخره "وعلينا معهم".
وأما الإيراد الأول، فإنه يختصّ بمن يرى أن معنى الآل كلّ الأمّة، ومع ذلك فلا يمتنع أن يعطف الخاصّ على العام، ولاسيما فى الدعاء.
وأما الإيراد الثانى، فلا نعلم من منع تبعاً، وإنما الخلاف في الصلاة على غير الأنبياء استقلالاً, وقد شُرع الدعاء للآحاد بما دعا به النبي ﷺ في حديث "اللَّهم إنى أسألك من خير ما سألك منه محمد", وهو حديث صحيح, أخرجه مسلم انتهى ملخّصاً.
وحديث جابر ضعيف، ورواية يزيد أخرجها أيضاً أحمد بن فضيل عنه، وزاد في آخره: "فلا أدري أشيء زاده عبد الرحمن من قبل نفسه، أو رواه عن كعب"، وكذا أخرجه الطبريّ من رواية محمد بن فضيل، ووردت هذه الزيادة من وجهين آخرين مرفوعين:
أحدهما: عند الطبراني من طريق فطر بن خليفة، عن الحكم بلفظ: يقولون: "اللَّهم صلّ على محمد" … إلى قوله: "وآل إبراهيم، وصلّ علينا معهم, وبارك على محمد … مثله، وفي آخره: "وبارك علينا معهم"، ورواته موثّقون.
قال الحافظ ﵀: لكنه فيما أحسب مدرج، لما بيّنه زائدة عن الأعمش.
ثانيهما: عند الدارقطني من وجه آخر عن ابن مسعود ﵁ مثله، لكن قال: "اللَّهم" بدل الواو في "وصلّ"، وفي "وبارك"، وفيه عبد الوهّاب بن مجاهد، وهو ضعيف انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فظهر بهذا أن ثبوت هذه الزيادة مرفوعةً محلّ نظر، وإنما الظاهر أنها موقوفة.
فإن قيل: كيف جاز لهم أن يزيدوها، دون أن يعلّمهم النبي ﷺ ؟
أجيب: بأنهم زادوه عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسم في تعليمه التشهدَ: "ثم ليتخيّر بعد من الدعاء ما شاء"، فإنه عام يشمل هذا وغيره، والله تعالى أعلم.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: حدثنا به من كتابه، وهذا خطأ" "أبو عبد الرحمن" هو النسائي صاحب الكتاب.
يعني أن شيخه القاسم بن زكريا حدثهم بهذا الحديث من كتابه، لا من حفظه، فقال: "عن سليمان، عن عمرو بن مُرّة … "، وهو خطأ، والصواب "عن سليمان، عن
стр. 9017
الحكم … "، كما بينه في الرواية التالية، وإنما كان هذا صواباً، لموافقته لما رواه الحفّاظ، كما تقدم، وسيأتي أيضاً من رواية شعبة، عن الحكم.
والظاهر أن هذا الصواب مما حدثهم به من حفظه.
والحاصل أنه أخطأ في تحديثه من الكتاب، وأصاب في تحديثه من الحفظ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم بيّن المصنف ﵀ الصواب لسند هذا الحديث، فقال:
١٢٨٨ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ (١)، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ (٢)، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنُ: وَنَحْنُ نَقُولُ: وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ (٣) مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِيهِ: عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ غَيْرَ هَذَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
رجال هذا الإسناد، هم الذين ذكروا في السند السابق، غير واحد، وهو:
١ - (الحكم) بن عُتيبة، أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلّس [٥] تقدم ٨٦/ ١٠٤.
والحديث هو السابق، أراد المصنف رحمه الله تعالى بذكره بيان الخطإ الذي وقع في سنده السابق، حيث أخطأ فيه شيخه القاسم بن زكريا، فخالف الحُفّاظ (٤) حينما حَدَّث به من كتابه، بجعل "عمرو بن مرّة" بدل الحكم، فبين المصنف رحمه الله تعالى الصواب بهذا. والله تعالى أعلم.
زاد في "الكبرى" بعد قوله: ولا نعلم أحدًا قال فيه: "عمرو بن مرة غير هذا": ما لفظه: "وهو عن الحكم مشهور".
стр. 9018
وقوله: "غير هذا" الظاهر أن الإشارة إلى شيخه القاسم، أي لا نعلم أحدًا من الحفاظ قال في هذا السند: "عمرو بن مرّة" غير هذا الشيخ. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر المصنف ﵀ حديث من طريق شعبة، عن الحكم، تقوية لما ذكره من الصواب، فقال:
١٢٨٩ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: قَالَ لِي (١) كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ السَّلَامُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ (٢)، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة، تقدموا في السند الماضي, سوى:
١ - (سويد بن نصر) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك الإمام الحجة الثبت المروزي [٨] تقدم ٣٢/ ٣٦.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦.
وقوله: "قال لي كعب بن عُجرة"، وفي رواية البخاري: لقيني كعب بن عجرة.
قال في "الفتح": وعين المحاربي، عن مالك بن مغول، عن الحكم المكان الذي التقيا به، فأخرجه الطبريّ من طريقه بلفظ: "أن كعباً قال له، وهو يطوف. انتهى (٣).
وقوله: "ألا أهدي لك هديّةً" بضم همزة المضارع, من أَهْدَى، كأعطى وزنا ومعنى، يقال: أهديت للرجل كذا بالألف: بعثتُ به إليه إكراماً، فهو هَدِيَّةٌ بالتثقيل، لا غير. قاله في "المصباح".
و"الهدية" كالعطيّة وزنا ومعنًى.
زاد البخاري في "كتاب الأنبياء" من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جده، قال: "سمعتها من النبي ﷺ ".
وقوله: "قلنا: يارسول الله" في هذا السياق إضمارٌ، تقديره: فقال عبد الرحمن: نعم، فقال كعب: قلنا الخ.
ووقع ذلك صريحاً في رواية شبابة، وعفّان عن شعبة، بلفظ: "قلت: بلى، قال"،
стр. 9019
وفي رواية عبد الله بن عيسى المذكورة،: "فقلت: بلى، فأَهْدِها لي، فقال". أفاده في "الفتح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٢ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٢٩٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإمام الحجة الثبت [١٠] تقدم ٢/ ٢.
٢ - (محمد بن بشر) العبدي البصري، ثقة حافظ [٩] تقدم ٥/ ٨٨٢.
٣ - (مجمِّع (١) بن يحيى) بن يزيده بن جارية الأنصاري الكوفي، ويقال: ابن زيد، صدوق [٥] تقدم ٣٥/ ٦٧٥.
٤ - (عثمان موهب) هو عثمان بن عبد الله بن موهب التيمي، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو المدني الأعرج، مولى آل طلحة، نسب لجده، ثقة [٤] تقدم ١٠/ ٤٦٨.
٥ - (موسى بن طلحة) بن عُبيد الله التيمي المدني نزيل الكوفة، ثقة جليل ويقال: إنه ولد في عهد النبي ﷺ [٢] تقدم ٥/ ٤٦٨.
٦ - (طلحة بن عُبيد الله) بن عثمان بن عمرو التيمي، أبو محمد المدني، أحد العشرة، استشهد يوم الجمل، ﵁، تقدم ٤/ ٤٥٨.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث طلحة بن عُبيد الله هذا صحيح، انفرد به المصنف رحمه الله تعالى من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا -٥٢/ ١٢٩٠ - وفي "الكبرى" -٨٧/ ١٢١٣ - وفي "عمل اليوم والليلة" -٥٢ - بالإسناد المذكور، وفي ٥٢/
стр. 9020
١٢٩١ - و"الكبرى" -٨٧/ ١٢١٤ - بالإسناد الآتي.
وأخرجه (أحمد) ١/ ١٦٢. وشرحه وبيان المسائل المتعلَقة به قد تقدمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٩١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ (١) ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو الفضل البغدادي، قاضي أصبهان، ثقة [١١] تقدم ١٧/ ٤٨٠.
٢ - (يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل, من صغار [٩] تقدم ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (شريك) بن عبد الله النخعيّ الكوفي القاضي بواسط, ثم الكوفة، أبو عبد الله صدوق يخطىء كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً فاضلاً عابداً شديداً على أهل البدع [٨] تقدم ٢٥/ ٢٩.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، والحديث صحيح، وقد مضى البحث فيه. وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٩٢ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ خَارِجَةَ، قَالَ: أَنَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: "صَلُّوا عَلَيَّ، وَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، وَقُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ) أبو عثمان البغداديّ، ثقة ربما أخطأ [١٠] تقدم ٤٣/ ٧٣٧.
قوله: "في حديثه عن أبيه": يعني أنه أخبرهم بهذا الحديث في جملة الأحاديث التي أخبرهم بها عن أبيه.
стр. 9021
٢ - (يحيى بن سعيد) بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، أبو أيوب الكوفي، نزيل بغداد، لقبه الجمل صدوق يُغرب، من كبار [٩] تقدم ٤٣/ ٧٣٧.
٣ - (عثمان بن حكيم) بن عباد بن حُنَيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل المدنى، ثم الكوفيّ، ثقة [٥] تقدّم ٣٨/ ٩٤٤.
٤ - (خالد بن سَلَمَة) بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المعروف بالفأفاء، أبو سلمة، ويقال: أبو القاسم الكوفي مدني الأصل، صدوق رمي بالإرجاء والنصب [٥].
روى عن عبد الله البهيّ, وعيسى وموسى ابني طلحة بن عبيد الله، وابن المسيِّب، وغيرهم. وعنه أولاده: عكرمة، ومحمد، وعبد الرحمن، والسفيانان، وعثمان بن حكيم، وغيرهم.
قال البخاري عن ابن المديني: له نحو عشرة أحاديث. وقال أحمد، وابن معين، وابن المديني: ثقة، وكذا قال ابن عمّار، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ. وقال أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثه. وقال ابن عديّ: هو فى عداد من يُجمَع حديثه، ولا أرى برواياته بأسًا، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: هرب من الكوفة إلى واسط لَمّا ظهرت دعوة بني العباس، فقتل مع ابن هبيرة، وقال محمد حميد، عن جرير: كان الفأفاء رأساً في المرجئة, وكان يبغض علياً، وقال يعقوب بن شيبة: يقال: إن بعض الخلفاء (١) قطع لسانه، ثم قتله، ذكره ابن المديني يوماً, فقال: قُتل مظلوماً. وقال أبو داود، عن الحسن بن علي الخلّال، سمعت يزيد بن هارون يقول: دخلت المسوِّدة واسط سنة (١٣٢) فنادى مناديهم بواسط: الناس آمنون، إلّا ثلاثةً: العوّام بن حوشب، وعُمر بن ذَرّ، وخالد بن سلمة المخزوميّ، فأما خالد، فقتل، وأما العوّام فهرب، وكان يحرّض على قتالهم، وكان عمر بن ذرّ يقصّ بهم، ويحرّض على قتالهم عندنا بواسط. روى له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (موسى بن طلحة) بن عبيد الله المذكور في السند السابق.
٦ - (زيد بن خارجة) بن أبي زهير بن مالك الأنصاري الخزرجيّ، روى عن النبي ﷺ . وعنه موسى بن طلحة. قال ابن منده: شهد بدراً. وقال ابن عبد البرّ: وهو الذي تكلّم بعد الموت، وكانت وفاته في خلافة عثمان ﵄ لا يختلفون في ذلك.
стр. 9022
انفرد به النسائي، وليس له عنده إلا حديث الباب، فقط. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث زيد بن خارجة ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف ﵀، لم يخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -٥٢/ ١٢٩٣ - وفي "الكبرى" -٨٧/ ١٢١٥ - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم -٥٣ - عن سعيد ابن يحيى الأمويّ، عن أبيه، عن عثمان بن حكيم، عن خالد بن سلمة، عن موسى طلحة، عنه. وفي "النعوت" من "الكبرى" -٦/ ٧٦٧٢ - عن محمد بن معمر، عن أبي هاشم المخزوميّ، عن عبد الواحد بن زياد، عن عثمان بن حكيم، عن خالد بن سلمة، قال: سمعت موسى بن طلحة، وسأله عبد الحميد كيف الصلاة على النبي ﷺ ؟ قال: سألت زيد بن خارجة الأنصاريّ، قال: سألت رسول الله ﷺ , فقلت: يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال: "صلّوا عليّ، ثم قولوا: اللَّهم بارك على محمد، وآل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (١).
ورواه (أحمد) في "مسنده" ١/ ١٩٩ - عن علي بن بحر، عن عيسى بن يونس، عن عثمان بن حكيم، عن خالد بن سلمة، أن عبد الحميد بن عبد الرحمن دعا موسى بن طلحة حين عرّس على ابنه، فقال: يا أبا عيسى كيف بلغك في الصلاة على النبي ﷺ ؟، فقال موسى: سألت زيد بن خارجة عن الصلاة على النبي ﷺ ؟ فقال زيد: إني سألت رسول الله ﷺ نفسي كيف الصلاة عليك؟، قال: "صلوا، واجتهدوا، ثمّ قولوا: اللَّهمّ بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد".
[تنبيه]: اختلف في إسناد هذا الحديث، فرواه مُجمِّع بن يحيى، وشريك بن عبد الله القاضي، كلاهما، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، ورواه يحيى ابن سعيد، وعبد الواحد بن زياد، وعيسى بن يونس، ثلاثتهم عن عثمان بن حكيم، عن خالد بن سلمة، عن موسى بن طلحة، عن زيد بن خارجة.
قال الحافظ أبو الحجّاج المزيّ ﵀: قال علي بن المديني: لا أرى خالد بن سلمة إلّا حفظه.
وسئل أحمد بن حنبل عن مجمِّع بن يحيى، وعثمان بن حكيم؟، فقال: لا أعلم عثمان بن حكيم إلا أثبت منه انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر من قول ابن المديني رحمه الله تعالى أنه يرى أن رواية خالد بن سلمة ﵀ هي المحفوظة.
стр. 9023
لكن الذي يظهر لي أن الحديث محفوظ بالطريقين، فإن عثمان بن موهب ثقة، فالظاهر أن موسى بن طلحة روى الحديث عن أبيه، وعن زيد بن خارجة ﵄.
وأما اختلاف الألفاظ فيحمل على أن بعض الرواة اختصره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت, وإليه أنيب".
…
٥٣ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ -وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ (١) عَلَيْكَ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ، وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ (٢)، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ" (٣).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (بكر بن مضر) المصريّ، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٢٢/ ١٧٣.
٣ - (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثي، أبو عبد الله المدني، ثقة مكثر [٥] تقدم ٧٣/ ٩٠.
٤ - (عبد الله بن خَبَّاب) الأنصاريّ النجّاري مولاهم المدني، ثقة [٣].
روى عن أبي سعيد. وعنه القاسم بن محمد، وهو من أقرانه، وعبيد الله بن عمر العمريّ، وابن إسحاق، ويزيد بن الهاد، وغيرهم.
قال أبو حاتم، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عديّ: حدّث عنه أئمة الناس، وهو صدوق لا بأس به. وقال الْجُوزجاني: سألتهم عنه, فلم أرهم يتفقون على حَدِّه ومعرفته. وقال البخاري: روى عنه إسحاق بن يسار، وسمع منه
стр. 9024
محمد بن إسحاق في خلافة عمر بن عبد العزيز. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا (١٢٩٣) وحديث (٤٤٢٩).
٥ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدّم ١٦٩/ ٢٦٢.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وأخرجه المصنف هنا ٥٣/ ١٢٩٣ وفي "الكبرى" ٨٧/ ١٢١٦. وأخرجه (خ) -٦/ ١٥١، و٨/ ٩٥ (ق) ٩٠٣ (وأحمد) ٣/ ٤٧.
والكلام عليه يعلم مما تقدم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٤ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٢٩٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ -فِي حَدِيثِ الْحَارِثِ- كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ -قَالَا جَمِيعًا- كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَرَّتَيْنِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَقَطَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَطْرٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قتيبة بن سعيد) المذكور قبله.
٢ - (الحارث بن مسكين) المصري القاضي، ثقة فقيه [١٠] تقدم ٩/ ٩.
قوله: "والحارث" عطف على قتيبة، وسند الحارث نازل، لأنه روى عن مالك بواسطة. والله تعالى أعلم.
стр. 9025
٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقي المصري الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] تقدم ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) إمام دار الهجرة الحجة المشهور [٧] تقدم ٧/ ٧.
٥ - (عبد الله بن إبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم) الأنصاريّ المدني القاضي، ثقة [٥] تقدّم ١١٨/ ١٦٣.
٦ - (أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم) الأنصاري النّجَّاري المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة عابد [٥] (١) تقدم ١١٨/ ١٦٣.
٧ - (عمرو بن سُلَيم الزرقي) الأنصاري المدني، ثقة من كبار التابعين، تقدم ٣٧/ ٧٣٠.
٨ - (أبو حميد الساعدي) المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك، وقيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: عمرو، وقيل: غير ذلك الصحابي المشهور ﵁، تقدّم ٣٦/ ٧٢٩. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وشرح معظمه يعلم مما تقدّم، وسيتبين ما تَبَقَّى فيما يأتي، إن شاء الله تعالى.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن" هو النسائى رحمه الله تعالى "أنبأنا قتيبة بهذا الحديث مرتين، ولعله أن يكون قد سقط عليه منه شطر".
يعني أن قتيبة أنبأهم بهذا الحديث مرتين، ولكنه فيهما لم يرو الحديث تامًّا، فلعلّه قد ذهب من حفظه بعض ألفاظه، فلم يتمّه.
و"الشطر": معناه الجزء، وهو قوله: "كما صليت على آل إبراهيم"، كما بين في كلامه السابق أن اللفظ المذكور للحارث بن مسكين. والله تعالى أعلم.
ولنتكلّم على المسائل الباقية:
المسألة الأولى: في بيان تخريجه:
أخرجه المصنف هنا -٥٤/ ١٢٩٤ - وفي "الكبرى" ٨٨/ ١٢١٧ - عن قتيبة، والحارث بن مسكين- وفي "عمل اليوم والليلة" -٥٩ - عن الحارث بن مسكين -وفي
стр. 9026
"التفسير" ١١١٦٨ - عن محمد بن سلمة، ثلاثتهم عن ابن القاسم، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن عمرو بن سُلَيم، عنه.
وأخرجه (خ) ٤/ ١٧٨، و٨/ ٩٦ (م) ٢/ ١٦ (د) ٩٧٩ (ق) - ٩٠٥ (مالك في "الموطإ") ١٢٠ (أحمد) ٥/ ٤٢٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في قوله: "وأزواجه":
وهو جمع زوج، وقد يقال: زوجة، والأول أفصح، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ومن الثاني قول ابن عباس ﵄ في عائشة ﵂: "إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة". وقال الفرزدق: [من الطويل]
وَإِنَّ الَّذِي يَبْغِي لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي … كَسَاعٍ إِلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا (١)
وقد يُجمَع "زوجة" على زوجات.
وجملة أزواج النبي ﷺ اللاتي دخل بهنّ إحدى عشرة:
أولاهنّ: خديجة بنت خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ بن كلاب.
تزوجها ﷺ بمكة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله برسالته، فآمنت به ونصرته، فكانت له وزير صدق، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين فى الأصحّ، وقيل: بأربع، وقيل: بخمس.
الثانية: سودة بنت زَمْعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حِسل ابن عامر بن لؤيّ، تزوجها ﷺ بعد وفاة خديجة ﵄، ولما كبرت، وهبت يومها لعائشة ﵄ إرضاء لرسول الله ﷺ حيث كانت حِبّه، فكان يَقسم لنسائه ولا يَقسم لها، وهي راضية بذلك. توفيت في آخر خلافة عمر ﵁.
الثالثة: الصدّيقة بنت الصّدّيق عائشة بنت أبي بكر ﵄، تزوجها النبي ﷺ ، وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وبنى بها بالمدينة، أوّل مَقْدَمه في السنة الأولى، وهي بنت تسع سنين، ومات عنها، وهي بنت ثماني عشرة سنة، وتوفيت بالمدينة، ودفنت بالبقيع، وأوصت أن يصلي عليها أبو هريرة ﵁، سنة ثمان وخمسين.
الرابعة: حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄، وكانت قبله عند خُنَيس بن حُذَافة
стр. 9027
السَّهْميّ، وكان صحابياً شهد بدراً، توفيت سنة سبع، وقيل: ثمان وعشرين.
الخامسة: أمّ حَبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رَمْلة بنت صخر بن حَرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، هاجرت مع زوجها عُبَيد الله بن جحش إلى الحبشة، فتنصّر هناك ومات، فتزوجها النبي ﷺ وهي هناك، وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أميّة الضَّمْريّ إلى النجاشيّ يخطبها، وولي نكاحها عثمان بن عفّان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص.
السادسة: أم سلمة هند بنت أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد، ومات بالمدينة من جرح أصابه بأحد ﵁.
توفيت سنة (٦٢) ودفنت بالبقيع, وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتاً، وقيل: بن ميمونة ﵂.
السابعة: زينب بنت جحش من بني خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهي بنت عمته أُميمة بنت عبد المطّلب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة ﵄، وطلقها، فزوجه الله تعالى إياها، وأنزل عليه قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] فقام فدخل عليها بلا استئذان، وكانت تَفْخَر بذلك على سائر أزواجه ﷺ ، وتقول: زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوّجني الله من فوق سبع سماواته.
توفيت بالمدينة سنة عشرين، ودفنت بالبقيع ﵂.
الثامنة: زينب بنت خُزَيمة الهلالية، وكانت تحت عبد الله بن جحش، اسُتشهد يوم أحد، فتزوّجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث من الهجرة، وكانت تسمى أم المساكين، لكثرة إطعامها المساكين، ولم تلبث عنده ﷺ إلا يسيراً شهرين أو ثلاثة، فتوفيت ﵂.
التاسعة: جُويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وكانت سُبيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى النبي ﷺ كتابتها، وتزوجها سنة ست من الهجرة، وتوفيت سنة (٥٦) ﵂.
العاشرة: صفية بنت حُييّ من ولد هارون ﵇، سبيت من خيبر، وكانت تحت كنانة بن أبي الْحُقيق، فقتله رسول الله ﷺ عام خيبر، فأعتقها، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، وتوفيت سنة (٣٦)، وقيل: (٥٠) ﵂.
الحادية عشرة: ميمونة بنت الحارث الهلالية، ﵂، تزوجها النبي ﷺ بسَرِفَ، وبنى بها فيها، وماتت فيها، وهي على سبعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوّجها من
стр. 9028
أمهات المؤمنين، توفيت سنة (٦٣) ﵂.
فهؤلاء جملة من دخل بهن من النساء.
قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره: وعقد على سبع، ولم يدخل بهنّ.
فالصلاة على أزواجه ﷺ تابعة لاحترامهنّ، وتحريمهن على الأمّة، وأنهنّ نساؤه ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن فارقها في حياتها، ولم يدخل بها لا يثبت لها أحكام زوجاته اللاتي دخل بهنّ، ومات عنهنّ صلى الله عليه، وعلى أزواجه، وذرّيته وسلّم تسليماً (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم الكلام على أزواجه ﷺ نظماً من كلام الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في "أبواب الغسل" رقم -١٧٠/ ٢٦٤ - ، وتقدم هناك فوائد كثيرة، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة:
في قوله "وذرّيته", وفيه بحثان:
البحث الأول: فى اشتقاقها، وفيه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها من ذرَأَ اللهُ الخلقَ: أي نشرَهم، وأظهرهم، إلا أنهم تركوا همزها استثقالاً، فأصلها ذُرِّيئَةٌ بالهمز فُعِّيلَةٌ من الذّرْء. وهذا اختيار صاحب "الصَّحَاح" وغيره.
القول الثاني: أن أصلها من الذّرّ، وهو النمل الصغار، وكان قياس هذه النسبة "ذَرّيّة" بفتح الذال، وبالياء، لكنهم ضموا أوّلها، وهمّزوا آخرها، وهذا من باب تغيير النسب.
وهذا القول ضعيف من وجوه:
منها: مخالفة باب النسب.
ومنها: إبدال الراء ياء، وهو غير مقيس.
ومنها: أنه لا اشتراك بين الذّرّيّة والذّرّ إلا في الذال والراء، وأما في المعنى فليس مفهوم أحدهما مفهوم الآخر.
ومنها: أن الذرّ من المضاعف، والذُّرّيّة من المعتلّ، أو المهموز، فأحدهما غير الآخر.
القول الثالث: أنها من ذَرا يذرُو: إذا فرّق، من قوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥] وأصلها على هذا ذَرْيَوَة فَعْلَيَة من الذّرْو، ثم قلبت الواو ياء لسبق إحداهما بالسكون.
стр. 9029
والقول الأول أصح، لأن الاشتقاق والمعنى يشهدان له، فإن أصل هذه المادّة من "الذرء"، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] وفي الحديث: "أعوذ بكلمات الله التامّات التي لا يُجاوزهن بَرّ، ولا فاجر من شرّ ما خلق، وذرَأَ، وبَرَأَ" (١) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ١٣]. فالذُّرّيّة فُعْلية منه بمعنى مفعولة، أى مذروءة، ثم أبدلوا همزها، فقالوا: ذُرّيّة.
البحث الثاني: في معناها:
(اعلم): أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الذرية تقال على الأولاد الصغار والكبار أيضاً، وإنما الخلاف، هل تقال على الآباء, أم لا؟ , ففيه قولان:
(أحدهما): أنهم يُسَمَّون ذرّيّة أيضاً، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١].
(الثاني): أنه أنكر ذلك جماعة من أهل اللغة، وقالوا: لا يجوز هذا في اللغة، والذرّيّة كالنسل والعقب، لا تكون إلا للعمود الأسفل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ٨٧]، فذكر جهات النسب الثلاث من فوق، ومن أسفل، ومن الأطراف.
قالوا: وأما الآية التي أستشهد بها، فلا دليل فيها، لأن الذرية فيها لم تضف إليهم إضافة نسل وإيلاد، وإنما أضيفت إليهم بوجه ما، والإضافة تكون بأدنى ملابسة، واختصاص، كما في قول الشاعر: [من الطويل]
إِذَا كَوْكَبُ الْخَرْقَاءِ لَاحَ بِسُحْرَةٍ (٢) … سُهَيْلٌ أَذَاعَتْ غَزْلَهَا فِي الْقَرَائِبِ
فأضاف إليها الكوكب، لأنها كانت تغزل إذا لاح وظهر، وقيل في الآية: غير ذلك.
إذا ثبت هذا فالذّرّيّة الأولاد وأولادهم، وهل يدخل فيها أولاد البنات؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد:
(إحداهما) يدخلون، وهو مذهب الشافعي.
(والثانية): لا يدخلون، وهو مذهب أبي حنيفة.
واحتجّ من قال بدخولهم بأن المسلمين مجمعون على دخول أولاد فاطمة ﵂ في ذرية النبي ﷺ المطلوب لهم من الله الصلاة، لأن أحداً من بناته لم يُعقب غيرُها، فمن
стр. 9030
انتسب إليه ﷺ من أولاد ابنته، فإنما هو من جهة فاطمة خاصّةً، ولهذا قال النبيّ ﷺ في الحسن ابن ابنته: "إن ابني هذا سيد" (١) فسماه ابنه، ولما أنزل الله سبحانه آية المباهَلَة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦١] دعا النبي ﷺ فاطمة، وحسناً، وحسيناً، وخرج للمباهلة.
قالوا: وأيضاً، فقد قال الله تعالى في حق إبراهيم ﵇: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥] ومعلوم أن عيسى لم ينتسب إلى إبراهيم إلا من جهة أمه مريم ﵉.
وأما من قال بعدم دخولهم، فحجته أن ولد البنات إنما ينتسبون إلى آبائهم حقيقةً، ولهذا إذا وَلَّدَ الهذليُّ، أو التيميُّ، أو العدويُّ هاشميةً لم يكن ولدها هاشمياً، فإن الولد في النسب يتبع أباه، وفي الحرية والرّقّ أمه، وفي الدين خير الأبوين ديناً، ولهذا قال الشاعر [من الطويل]:
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا … بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ
ولو أوصى، أو وقف على قبيلة لم يدخل فيها أولاد بناتها من غيرها.
قالوا: وأما دخول أولاد فاطمة ﵂ في ذرّيّة البني ﷺ ، فلشرف هذا الأصل العظيم، والوالد الكريم الذي لا يُدَانيه أحد من العالمين سَرَى، ونَفَذَ إلى أولاد البنات، لقوّته، وجلالته، وعظم قدره، ونحن نرى من لا نسبة له إلى هذا الجناب العظيم من العظماء والملوك وغيرهم تسري حرمة إيلادهم وأبوّتهم إلى أولاد بناتهم، فتلحظهم العيون بلحظ أبنائهم, ويكادون يُضرِبون عن ذكر آبائهم صفحاً، فما الظن بهذا الإيلاد العظيم قدرُهُ، الجليل خَطَره.
قالوا: وأما تمسككم بدخول المسيح في ذرّيّة إبراهيم فلا حجة لكم فيه، فإن المسيح لم يكن له أب، فنسبه من جهة الأب مستحيل، فقامت أمه مقام أبيه، ولهذا ينسبه الله سبحانه إلى أمه، كما ينسب غيره من ذوي الآباء إلى أبيه، وهكذا كلّ من انقطع نسبه من جهة الأب، إما بلعان، أو غيره، فأمه في النسب تقوم مقام أبيه وأمه، ولهذا تكون في هذه الحال عصبته في أصحّ الأقوال، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد ﵀، وهو مقتضى النصوص، وقول ابن مسعود ﵁ وغيره، والقياس يشهد له بالصحّة، لأن النسب في الأصل للأب، فإذا انقطع من جهته عاد إلى الأم، فلو قُدّر
стр. 9031
عوده من جهة الأب رجع من الأمّ إليه. انتهى مختصراً من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة:
استدل الإمام البخاري رحمه الله تعالى بحديث الباب على جواز الصلاة على غير الأنبياء، فقال في "صحيحه":
"باب هل يُصَلّى على غير النبي ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣].
ثم أسند عن ابن أبي أوفى ﵁، قال: كان إذا أتى رجلٌ النبيَّ ﷺ بصدقته, قال: "اللَّهم صل عليه"، فأتاه أبي بصدقته، فقال: "اللَّهم صلّ على آل أبي أوفى".
ثم ذكر حديث أبي حميد ﵁ المذكور في الباب.
قال في "الفتح": قوله: "بابٌ هل يُصَلّى على غير النبى ﷺ ". أي استقلالاً، أو تبعاً، ويدخل في الغير الأنبياءُ والملائكة والمؤمنون.
فأما مسألة الأنبياء، فورد فيها أحاديث:
(فمنها): حديث علي ﵁ في الدعاء بحفظ القرآن، ففيه: "وصلّ عليّ، وعلى سائر النبيين". أخرجه الترمذي، والحاكم.
وحديث بُرَيدة ﵁ رفعه: "لا تتركن في التشهد الصلاة عليّ وعلى أنبياء الله" الحديث، أخرجه البيهقي بسند واه.
وحديث أبي هريرة ﵁ رفعه: "صلّوا على أنبياء الله" الحديث، أخرجه إسماعيل القاضي بسند ضعيف.
وحديث ابن عباس ﵄ رفعه: "إذا صلّيتم علي، فصلُّوا على أنبياء الله، فإن الله بعثهم كما بعثني". أخرجه الطبراني، وسنده ضعيف أيضًا.
وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ اختصاص ذلك بالنبي ﷺ . أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عثمان بن حكيم، عن عكرمة، عنه، قال: "ما أعلمُ الصلاةَ تنبغي على أحد من أحد إلا على النبي ﷺ "، وهذا سند صحيح.
وحُكي القول به عن مالك، وقال: ما تُعُبِّدْنا به. وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وعن مالك يكره.
وقال عياض: عامة أهل العلم على الجواز. وقال سفيان: يكره أن يصلى إلا على
стр. 9032
نبيّ، ووجدت بخط بعض شيوخي مذهب مالك: لا يجوز أن يُصلَّى إلا على محمد، وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا أن نتعدّى ما أُمرنا به.
وخالفه يحيى بن يحيى, فقال (١): وأحتجّ بأن الصلاة دعاء بالرحمة, فلا يُمنع إلا بنصّ، أو إجماع.
قال عياض: والذي أميل إليه قول مالك، وسفيان، وهو قول المحققين من المتكلمين، والفقهاء قالوا: يُذكَرُ غير الأنبياء بالرضا والغفران، والصلاةُ على غير الأنبياء -يعني استقلالاً- لم يكن من الأمر المعروف، وإنما أُحدثت في دوله بني هاشم.
وأما الملائكة، فلا أعرف فيه حديثًا نصّا, وإنما يؤخذ ذلك من الذي قبله إن ثبت، لأن الله تعالى سمّاهم رُسُلاً.
وأما المؤمنون، فاختُلف فيهم، فقيل: لا تجوز إلا على النبي ﷺ خاصّةً، وحكي عن مالك كما تقدّم.
وقالت طائفة: لا تجوز مطلقاً، استقلالاً، وتجوز تَبَعاً فيما ورد به النصّ، أو ألحق به، لقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [النور: ٦٣]، ولأنه لما علّمهم السلام، قال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، ولما علّمهم الصلاة مصر ذلك عليه، وعلى أهل بيته.
وهذا القول اختاره القرطبى في "المفهم"، وأبو المعالي من الحنابلة، وهو اختيار اين تيمية من المتأخرين.
وقالت طائفة: تجوز تبعاً مطلقاً، ولا تجوز استقلالاً. وهذا قول أبي حنيفة وجماعة.
وقالت طائفة: تكره استقلالاً، لا تبعاً، وهي رواية عن أحمد. وقال النووي: هو خلاف الأولى.
وقالت طائفة: تجوز مطلقاً، وهو مقتضى صنيع البخاريّ ﵀، فإنه صدّر بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ثم عقبه بالحديث الدالّ على الجواز مطلقاً،، وعقّبه بالحديث الدّالّ على الجواز تبعاً.
فأما الأول، فسيأتي شرحه في "كتاب الزكاة" -١٣/ ٢٤٥٩ - إن شاء الله تعالى. ووقع مثله عن قيس بن سعد بن عُبَادة ﵄: أن النبي ﷺ رفع يديه، وهو يقول: "اللَّهم اجعل
стр. 9033
صلواتك، ورحمتك، على آل سعد بن عبادة". أخرجه أبو داود، والنسائي بسند جيد.
وفي حديث جابر ﵁: "أن امرأته، قالت للنبي ﷺ : صلِّ عليّ وعلى زوجي, ففعل". أخرجه أحمد مطوّلاً ومختصراً، وصححه ابن حبّان.
وهذا القول جاء عن الحسن، ومجاهد، ونصّ عليه أحمد في رواية أبي داود، وبه قال إسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبريّ.
واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وفي "صحيح مسلم" من حديث أبى هريرة ﵁ مرفوعاً: "إن الملائكة تقول لروح المؤمن: صلى الله عليك، وعلى جسدك".
وأجاب المانعون عن ذلك كله بأن ذلك صدر من الله تعالى, ورسوله ﷺ ، ولهما أن يخصّا من شاءا بما شاءا، وليس ذلك لأحد غيرهما.
وقال البيهقي ﵀: يحتمل قول ابن عباس ﵄ بالمنع إذا كان على وجه التعظيم، لا ما كان إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة والبركة انتهى ما في "الفتح" ببعض تصرّف (١).
ولقد حقق الموضوع الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وناقش الأدلّة، وأجاد وأفاد، ثم قال في آخر البحث: ما نصه:
وفصل الخطاب في هذه المسألة أن الصلاة على غير النبي ﷺ إما أن يكون آله وأزواجه وذريته، أو غيرهم، فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة، مع الصلاة على النبي ﷺ ، وجائزة مفردة.
وأما الثاني: فإن الملائكة, وأهل الطاعة عموماً الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم جاز ذلك أيضاً، فيقال: اللَّهم صلّ على ملائكتك المقرّبين، وأهل طاعتك أجمعين، وإن كان شخصاً معيناً، أو طائفة معيّنةً كُره أن يتخذ الصلاة عليه شعاراً، لا يُخلّ به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولاسيّما إذا جعلها شعاراً له، ومنع منها نظيرَه، أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضة بعلي ﵁، فإنهم حيث ذكروه قالوا: ﵊، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع، لاسيما إذا اتُخذ شعاراً، لا يُخَلّ به، فتركه حينئذ متعيّن، وأما إن صلى عليه أحياناً بحيث لا يجعل ذلك شعاراً كما يصلي على دافع الزكاة، وكما قال ابن عمر للميت: صلى الله عليه، (٢) وكما صلى
стр. 9034
النبي ﷺ على المرأة وزوجها (١)، وكما روي عن علي من صلاته على عمر ﵄، فهذا لا بأس به.
وبهذا التفصيل تتفق الأدلّة، وينكشف وجه الصواب. والله تعالى ولي التوفيق انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حققه العلامة ابن القيم ﵀ حسنٌ جدّاً، فالحق جواز الصلاة على غير الأنبياء من المؤمنين استقلال ما لم يمنع منه مانع، كما بينه ابن القيم في كلامه المذكور. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: اختلفوا في "السلام"، هل هو في معنى "الصلاة"، فيكره أن يقال: السلام على فلان، أو قال فلان ﵇؟ فكرهه طائفة، منهم: أبو محمد الجُوَيني، ومنع أن يقال: عن علي ﵇.
وفرّق آخرون بينه وبين الصلاة، فقالوا: السلام يشرع في حقّ كل مؤمن حيّ وميت، وحاضر وغائب، فإنك تقول: بلّغ فلاناً مني السلام, وهو تحية أهل الإسلام، بخلاف الصلاة، فإنها من حقوق الرسول ﷺ ، ولهذا يقول المصلي: "السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين"، ولا يقول: الصلاة علينا، وعلى عباد الله الصالحين، فعلم الفرق. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه مثل الصلاة، فإن كان شعاراً لبعض الناس، كقول الشيعة: علي ﵇، فيكره، وإلا فلا، كما تقدم التفصيل في كلام ابن القيّم في الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب, وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة:
أورد المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب -"بابٌ كيف الصلاة على النبي ﷺ "- أنواعاً من الصلاة على النبي ﷺ عن خمسة من الصحابة ﵃، هم: أبو مسعود البدري، وكعب بن عُجْرة، وطلحة بن عبيد الله، وزيد بن خارجة، وأبو سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنهم.
وذكر ممن رُويت عنه فيما مضي ٤٦/ ١٢٨٣ ابنَ مسعود، و٤٧/ ١٢٨٣ - طلحةَ بنَ عبيد الله، و٤٨/ ١٢٨٤ - فَضَالةَ بن عُبيد.
وسيأتي له في ٥٥/ ١٢٩٦ - أبو هريرة، وفي -٥٥/ ١٢٩٧ - أنس بن مالك رضي
стр. 9035
الله تعالى عنهم.
فجملة مَن رُوي عنه أحاديثُ الصلاة على النبي ﷺ عند المصنف عشرة أنفس.
وقد ورد عن عدة من الصحابة ﵃ غير هؤلاء، وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "جَلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام" هؤلاء، وزاد عليهم غيرهم، فممن زاده:
على بن أبي طالب، وأبو هريرة، وبُرَيدة بن الحصيب، وسهل بن سعد الساعديّ، وعمر بن الخطاب، وعامر بن ربيعة، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، وأوس ابن أوس، والحسن, والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، والبراء بن عازب، ورُوَيفع بن ثابت الأنصاريّ، وجابر بن عبد الله، وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو أُمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن بشر بن مسعود (١)، وأبو بردة بن نيار، وعمار بن ياسر، وجابر بن سمرة, وأبو أمامة بن سهل ابن حُنيف، عن رجل من الصحابة، ومالك بن الحُويرث، وعبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيديّ، وعبد الله بن عباس، وأبو ذرّ، وواثلة بن الأسقع، وأبو بكر الصديق، وعائشة, وعبد الله بن عمرو، وأبو الدرداء، وسعيد بن عمير الأنصاريّ، عن أبيه عُمير، وهو من البدريين، وحَبّان بن منقذ رضي الله تعالى عنه أجمعين.
وذكر ابن القيم ﵀ ما لهؤلاء من الأحاديث بأسانيدها، وتكلم عليها بما يكفي ويشفي، فلْيُرَاجع كتابه المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة:
في ذكر قاعدة فى هذه الصلوات التي اختلفت ألفاظها، ومثلُها الأذكار، والأدعيةُ التي رُويت بأنواع مختلفة، كأنواع الاستفتاحات، وأنواع التشهدات في الصلاة، وأنواع الأذكار، والأدعية التي في الركوع، والسجود، وفي الرفع منهما:
قد سلك بعض المتأخرين (٢) في ذلك مسلك الجمع بينها، فقال: يستحب له أن يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى أن ذلك أفضل ما يُقال فيها، فرأى أنه يستحبّ للمصلي على النبي ﷺ أن يقول: "اللهم صل على محمد النبي الأمّي، وعلى آل محمد، وأزواجه، وذرّيّته، وارحم محمداً، وآل محمد، وأزواجه، وذرّيّته، كما