← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.

стр. 9031

عوده من جهة الأب رجع من الأمّ إليه. انتهى مختصراً من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: استدل الإمام البخاري رحمه الله تعالى بحديث الباب على جواز الصلاة على غير الأنبياء، فقال في "صحيحه": "باب هل يُصَلّى على غير النبي ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]. ثم أسند عن ابن أبي أوفى ﵁، قال: كان إذا أتى رجلٌ النبيَّ ﷺ بصدقته, قال: "اللَّهم صل عليه"، فأتاه أبي بصدقته، فقال: "اللَّهم صلّ على آل أبي أوفى". ثم ذكر حديث أبي حميد ﵁ المذكور في الباب. قال في "الفتح": قوله: "بابٌ هل يُصَلّى على غير النبى ﷺ ". أي استقلالاً، أو تبعاً، ويدخل في الغير الأنبياءُ والملائكة والمؤمنون. فأما مسألة الأنبياء، فورد فيها أحاديث: (فمنها): حديث علي ﵁ في الدعاء بحفظ القرآن، ففيه: "وصلّ عليّ، وعلى سائر النبيين". أخرجه الترمذي، والحاكم. وحديث بُرَيدة ﵁ رفعه: "لا تتركن في التشهد الصلاة عليّ وعلى أنبياء الله" الحديث، أخرجه البيهقي بسند واه. وحديث أبي هريرة ﵁ رفعه: "صلّوا على أنبياء الله" الحديث، أخرجه إسماعيل القاضي بسند ضعيف. وحديث ابن عباس ﵄ رفعه: "إذا صلّيتم علي، فصلُّوا على أنبياء الله، فإن الله بعثهم كما بعثني". أخرجه الطبراني، وسنده ضعيف أيضًا. وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ اختصاص ذلك بالنبي ﷺ . أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عثمان بن حكيم، عن عكرمة، عنه، قال: "ما أعلمُ الصلاةَ تنبغي على أحد من أحد إلا على النبي ﷺ "، وهذا سند صحيح. وحُكي القول به عن مالك، وقال: ما تُعُبِّدْنا به. وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وعن مالك يكره. وقال عياض: عامة أهل العلم على الجواز. وقال سفيان: يكره أن يصلى إلا على

стр. 9032

نبيّ، ووجدت بخط بعض شيوخي مذهب مالك: لا يجوز أن يُصلَّى إلا على محمد، وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا أن نتعدّى ما أُمرنا به. وخالفه يحيى بن يحيى, فقال (١): وأحتجّ بأن الصلاة دعاء بالرحمة, فلا يُمنع إلا بنصّ، أو إجماع. قال عياض: والذي أميل إليه قول مالك، وسفيان، وهو قول المحققين من المتكلمين، والفقهاء قالوا: يُذكَرُ غير الأنبياء بالرضا والغفران، والصلاةُ على غير الأنبياء -يعني استقلالاً- لم يكن من الأمر المعروف، وإنما أُحدثت في دوله بني هاشم. وأما الملائكة، فلا أعرف فيه حديثًا نصّا, وإنما يؤخذ ذلك من الذي قبله إن ثبت، لأن الله تعالى سمّاهم رُسُلاً. وأما المؤمنون، فاختُلف فيهم، فقيل: لا تجوز إلا على النبي ﷺ خاصّةً، وحكي عن مالك كما تقدّم. وقالت طائفة: لا تجوز مطلقاً، استقلالاً، وتجوز تَبَعاً فيما ورد به النصّ، أو ألحق به، لقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [النور: ٦٣]، ولأنه لما علّمهم السلام، قال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، ولما علّمهم الصلاة مصر ذلك عليه، وعلى أهل بيته. وهذا القول اختاره القرطبى في "المفهم"، وأبو المعالي من الحنابلة، وهو اختيار اين تيمية من المتأخرين. وقالت طائفة: تجوز تبعاً مطلقاً، ولا تجوز استقلالاً. وهذا قول أبي حنيفة وجماعة. وقالت طائفة: تكره استقلالاً، لا تبعاً، وهي رواية عن أحمد. وقال النووي: هو خلاف الأولى. وقالت طائفة: تجوز مطلقاً، وهو مقتضى صنيع البخاريّ ﵀، فإنه صدّر بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ثم عقبه بالحديث الدالّ على الجواز مطلقاً،، وعقّبه بالحديث الدّالّ على الجواز تبعاً. فأما الأول، فسيأتي شرحه في "كتاب الزكاة" -١٣/ ٢٤٥٩ - إن شاء الله تعالى. ووقع مثله عن قيس بن سعد بن عُبَادة ﵄: أن النبي ﷺ رفع يديه، وهو يقول: "اللَّهم اجعل

стр. 9033

صلواتك، ورحمتك، على آل سعد بن عبادة". أخرجه أبو داود، والنسائي بسند جيد. وفي حديث جابر ﵁: "أن امرأته، قالت للنبي ﷺ : صلِّ عليّ وعلى زوجي, ففعل". أخرجه أحمد مطوّلاً ومختصراً، وصححه ابن حبّان. وهذا القول جاء عن الحسن، ومجاهد، ونصّ عليه أحمد في رواية أبي داود، وبه قال إسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبريّ. واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وفي "صحيح مسلم" من حديث أبى هريرة ﵁ مرفوعاً: "إن الملائكة تقول لروح المؤمن: صلى الله عليك، وعلى جسدك". وأجاب المانعون عن ذلك كله بأن ذلك صدر من الله تعالى, ورسوله ﷺ ، ولهما أن يخصّا من شاءا بما شاءا، وليس ذلك لأحد غيرهما. وقال البيهقي ﵀: يحتمل قول ابن عباس ﵄ بالمنع إذا كان على وجه التعظيم، لا ما كان إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة والبركة انتهى ما في "الفتح" ببعض تصرّف (١). ولقد حقق الموضوع الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وناقش الأدلّة، وأجاد وأفاد، ثم قال في آخر البحث: ما نصه: وفصل الخطاب في هذه المسألة أن الصلاة على غير النبي ﷺ إما أن يكون آله وأزواجه وذريته، أو غيرهم، فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة، مع الصلاة على النبي ﷺ ، وجائزة مفردة. وأما الثاني: فإن الملائكة, وأهل الطاعة عموماً الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم جاز ذلك أيضاً، فيقال: اللَّهم صلّ على ملائكتك المقرّبين، وأهل طاعتك أجمعين، وإن كان شخصاً معيناً، أو طائفة معيّنةً كُره أن يتخذ الصلاة عليه شعاراً، لا يُخلّ به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولاسيّما إذا جعلها شعاراً له، ومنع منها نظيرَه، أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضة بعلي ﵁، فإنهم حيث ذكروه قالوا: ﵊، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع، لاسيما إذا اتُخذ شعاراً، لا يُخَلّ به، فتركه حينئذ متعيّن، وأما إن صلى عليه أحياناً بحيث لا يجعل ذلك شعاراً كما يصلي على دافع الزكاة، وكما قال ابن عمر للميت: صلى الله عليه، (٢) وكما صلى

стр. 9034

النبي ﷺ على المرأة وزوجها (١)، وكما روي عن علي من صلاته على عمر ﵄، فهذا لا بأس به. وبهذا التفصيل تتفق الأدلّة، وينكشف وجه الصواب. والله تعالى ولي التوفيق انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حققه العلامة ابن القيم ﵀ حسنٌ جدّاً، فالحق جواز الصلاة على غير الأنبياء من المؤمنين استقلال ما لم يمنع منه مانع، كما بينه ابن القيم في كلامه المذكور. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: اختلفوا في "السلام"، هل هو في معنى "الصلاة"، فيكره أن يقال: السلام على فلان، أو قال فلان ﵇؟ فكرهه طائفة، منهم: أبو محمد الجُوَيني، ومنع أن يقال: عن علي ﵇. وفرّق آخرون بينه وبين الصلاة، فقالوا: السلام يشرع في حقّ كل مؤمن حيّ وميت، وحاضر وغائب، فإنك تقول: بلّغ فلاناً مني السلام, وهو تحية أهل الإسلام، بخلاف الصلاة، فإنها من حقوق الرسول ﷺ ، ولهذا يقول المصلي: "السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين"، ولا يقول: الصلاة علينا، وعلى عباد الله الصالحين، فعلم الفرق. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه مثل الصلاة، فإن كان شعاراً لبعض الناس، كقول الشيعة: علي ﵇، فيكره، وإلا فلا، كما تقدم التفصيل في كلام ابن القيّم في الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب, وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: أورد المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب -"بابٌ كيف الصلاة على النبي ﷺ "- أنواعاً من الصلاة على النبي ﷺ عن خمسة من الصحابة ﵃، هم: أبو مسعود البدري، وكعب بن عُجْرة، وطلحة بن عبيد الله، وزيد بن خارجة، وأبو سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنهم. وذكر ممن رُويت عنه فيما مضي ٤٦/ ١٢٨٣ ابنَ مسعود، و٤٧/ ١٢٨٣ - طلحةَ بنَ عبيد الله، و٤٨/ ١٢٨٤ - فَضَالةَ بن عُبيد. وسيأتي له في ٥٥/ ١٢٩٦ - أبو هريرة، وفي -٥٥/ ١٢٩٧ - أنس بن مالك رضي

стр. 9035

الله تعالى عنهم. فجملة مَن رُوي عنه أحاديثُ الصلاة على النبي ﷺ عند المصنف عشرة أنفس. وقد ورد عن عدة من الصحابة ﵃ غير هؤلاء، وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "جَلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام" هؤلاء، وزاد عليهم غيرهم، فممن زاده: على بن أبي طالب، وأبو هريرة، وبُرَيدة بن الحصيب، وسهل بن سعد الساعديّ، وعمر بن الخطاب، وعامر بن ربيعة، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، وأوس ابن أوس، والحسن, والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، والبراء بن عازب، ورُوَيفع بن ثابت الأنصاريّ، وجابر بن عبد الله، وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو أُمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن بشر بن مسعود (١)، وأبو بردة بن نيار، وعمار بن ياسر، وجابر بن سمرة, وأبو أمامة بن سهل ابن حُنيف، عن رجل من الصحابة، ومالك بن الحُويرث، وعبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيديّ، وعبد الله بن عباس، وأبو ذرّ، وواثلة بن الأسقع، وأبو بكر الصديق، وعائشة, وعبد الله بن عمرو، وأبو الدرداء، وسعيد بن عمير الأنصاريّ، عن أبيه عُمير، وهو من البدريين، وحَبّان بن منقذ رضي الله تعالى عنه أجمعين. وذكر ابن القيم ﵀ ما لهؤلاء من الأحاديث بأسانيدها، وتكلم عليها بما يكفي ويشفي، فلْيُرَاجع كتابه المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في ذكر قاعدة فى هذه الصلوات التي اختلفت ألفاظها، ومثلُها الأذكار، والأدعيةُ التي رُويت بأنواع مختلفة، كأنواع الاستفتاحات، وأنواع التشهدات في الصلاة، وأنواع الأذكار، والأدعية التي في الركوع، والسجود، وفي الرفع منهما: قد سلك بعض المتأخرين (٢) في ذلك مسلك الجمع بينها، فقال: يستحب له أن يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى أن ذلك أفضل ما يُقال فيها، فرأى أنه يستحبّ للمصلي على النبي ﷺ أن يقول: "اللهم صل على محمد النبي الأمّي، وعلى آل محمد، وأزواجه، وذرّيّته، وارحم محمداً، وآل محمد، وأزواجه، وذرّيّته، كما

стр. 9036

صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم"، وكذلك في البركة والرحمة. وكذا الداعي بدعاء الصدّيق ﵁ يقول: "اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً كبيراً .... الخ". ويقول في دعاء الاستخارة: "اللَّهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، وعاجل أمري، وآجله"، ونحو ذلك. قال: ليصيب ألفاظ النبي ﷺ يقيناً فيما شكّ فيه الراوي، ولتجتمع له الأدعية فيما اختلفت ألفاظها. ونازعه في ذلك آخرون (١) وقالوا: هذا ضعيف من وجوه: (أحدها): أن هذه طريقة مُحدَثة، لم يَسبقْ إليها أحد من الأئمة المعروفين. (الثاني): أن صاحبها إن طَرَدها لزمه أن يَستَحبّ للمصلي بجميع أنواع الاستفتاحات، وأن يتشهد بجميع أنواع التشهدات، وأن يقول في ركوعه وسجوده جميع الأذكار الواردة فيه، وهذا باطل قطعاً، فإنه خلاف عمل الناس، ولم يستحبّه أحد من أهل العلم، وهو بدعة، وإن لم يطردها تناقض، وفرّق بين متماثلين. (الثالث): أن صاحبها ينبغي له أن يستحبّ للمصلي والتالي أن يجمع بين القرءات المتنوّعة في التلاوة في الصلاة وخارجها، قالوا: ومعلوم أن المسلمين متفقون على أنه لا يستحبّ ذلك للقارىء في الصلاة، ولا في خارجها، إذا قرأ قراءة عبادة وتدبّر، وإنما يَفعَلُ ذلك القُرّاءُ أحياناً ليمتحنوا بذلك حفظ القارىء لأنواع القراءات، وإحاطته بها، واستحضاره إيّاها، والتمكن من استحضارها عند طلبها، فذلك تمرين، وتدريب، لا تعبّد يُستحبّ لكلّ تال وقارىء، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه. بل المشروع في حقّ التالي أن يقرأ بأيّ حرف شاء، وإن شاء أن يقرأ بهذا مرّةً وبهذا مرّة جاز ذلك وكذلك المصلي إذا صلى على النبي ﷺ إن شاء يصلي بلفظ كعب بن عُجرة، وإن شاء بلفظ أبي حُميد الساعديّ، وإن شاء بلفظ أبي سعيد الخدري، وإن شاء بلفظ أبي

стр. 9037

طلحة رضي الله تعالى عنهم، وإن شاء صلى بهذا مرة، وبهذا مرةً، وهكذا، ولا يجمع بين ألفاظها المختلفة. وكذلك إذا تشهد، فإن شاء تشهد بتشهد ابن مسعود، وإن شاء تشهد بتشهد ابن عباس، وإن شاء بتشهد ابن عمر، وإن شاء بتشهد عائشة ﵃ أجمعين. وكذلك في الاستفتاح إن شاء استفتح بحديث علي، وإن شاء بحديث أبي هريرة، وإن شاء باستفتاح عمر ﵃ أجمعين، وإن شاء فعل هذا مرةً، وفعل هذا مرةً. وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع، إن شاء قال: "اللَّهم ربنا لك الحمد"، وإن شاء قال: "ربنا لك الحمد"، وإن شاء قال: "ربنا ولك الحمد"، ولا يستحبّ له أن يجمع بين ذلك. وكذلك الداعي بدعاء الصديق ﵁ يقول مرةً: "ظلمت نفسي ظلماً كثيراً"، ومرّة يقول: "كبيراً"، ولا يجمع بين اللفظتين. وقد احتجّ غير واحد من الأئمة، منهم الشافعي ﵀ على جواز الأنواع المأثورة في التشهدات، ونحوها بالحديث الذي رواه أصحاب الصحيح، والسنن، وغيرهم عن النبي ﷺ ، أنه قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، فجَوّز النبي ﷺ ، القراءة بكلّ حرف من تلك الأحرف، وأخبر أنه "شاف كاف"، ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ بتلك الأحرف على سبيل البدل، لا على سبيل الجمع، كما كان الصحابة يفعلونه. (الرابع): أن النبي ﷺ لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة في آن واحد، بل إما أن يكون قال هذا مرة، وهذا مرة، كألفاظ الاستفتاح، والتشهد، وأذكار الركوع، والسجود، وغيرها، فاتباعه ﷺ يقتضي أن لا يجمع بينها، بل يقال هذا مرة، وهذا مرة، وإما أن يكون الراوي قد شكّ في أيّ الألفاظ قال، فإن ترجّح عند الداعي بعضها صار إليه، وإن لم يترجّح عنده بعضها كان مخيّراً بينها، ولم يشرع له الجمع، فإن هذا نوع ثالث لم يُروَ عن النبي ﷺ ، فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على مقصود الداعي بالإبطال، لأنه قصد متابعة الرسول ﷺ ، ففعل ما لم يفعله قطعاً. (الخامس): أن المقصود إنما هو المعنى، والتعبير عنه بعبارة مؤدية له، فإذا عبّر عنه بإحدى العبارتين حصل المقصود، فلا يَجمع بين العبارات المتعددة. (السادس): أن أحد اللفظين بدل عن الآخر، فلا يُستحبّ الجمع بين البدل والمبدل معاً، كما لا يستحبّ ذلك في المبدلات التي لها أبدال. والله تعالى أعلم. أفاده العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وهو بحث نَفِيس، وتحقيق أَنِيس والله تعالى أعلم (١).

стр. 9038

وقال في "الفتح" بعد ذكر معنى كلام ابن القيم ﵀ المذكور: ما نصه: والذي يظهر أن اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر سواءً، كما في "أزواجه"، و"أمهات المؤمنين" فالأولى الاقتصار في كل مرة على أحدهما، وإن كان اللفظ يستقلّ بزيادة معنى ليس في اللفظ الآخر البتة، فالأولى الإتيان به، ويحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه الآخر. وإن كان يزيد على الآخر في المعنى شيئاً ما، فلا بأس بالإتيان به، احتياطاً. وقالت طائفة، منهم الطبريّ: إن ذلك الاختلاف مباح، فأيّ لفظ ذكره المرء أجزأ، والأفضل أن يستعمل أكمله، وأبلغه، واستدلّ على ذلك باختلاف النقل عن الصحابة، فذكر ما نُقل عن عليّ ﵁، وهو حديث موقوف طويل، أخرجه سعيد بن منصور، والطبري، والطبراني، وابن فارس، وأوله: "اللَّهمّ داحي المدحُوّات" إلى أن قال: "اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحيتك على محمد عبدك، ورسولك … " الحديث. وعن ابن مسعود ﵁ بلفظ: "اللَّهم اجعل صلواتك، وبركاتك، ورحمتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبين، محمد عبدك ورسولك … " الحديث. أخرجه ابن ماجه، والطبريّ (١). انتهى ما في "الفتح" (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى من أولوية الإتيان باللفظ فيما إذا اختلف المعنى عندي محلُّ ذلك إذا كان من حديث صحابي واحد، وذلك كأن يختلف الرواة على حديث أبي حميد الساعدي ﵁، ونحوه. وأما إذا كان الاختلاف في أكثر من صحابي واحد، فلا ينبغي الإتيان به، لأن ذلك يُحمل على اختلاف التعليم النبوي، فإن النبي ﷺ علّم صيغ الصلاة عليه بألفاظ مختلفة، تسهيلاً على الأمة، كما اختلف تعليمه في صيغ التشهدات، وفي أحرف القرآن، كل ذلك للتوسيع والتسهيل، فلا ينبغي أن يُتجاوز تعليمه بالجمع المذكور. وخلاصة الأمر في ذلك أن هذا الاختلاف في صيغ الصلوات على النبي ﷺ من جنس الاختلاف في أحرف القرآن، فيكون من المباح الذي خُيّر فيه المصلي، فبأي صيغة من الصيغ الواردة الصحيحة صَلَّى على النبي ﷺ ، فقد أتى بما أمره الله تعالى به، فينبغي له أن يأتي بهذه الصيغة تارةً، وبهذه الصيغة تارة أخرى، حتى يستعمل كلَّ ما صح عن النبي ﷺ منها، وأما الجمع بين تلك الصيغ، فهو خروج عن التعليم النبوي كُلِّها،

стр. 9039

فمن فعل ذلك لم يكن ممتثلاً للأمر جزماً، ولم يخرج عن العهدة بيقين. فليُتَنَبَّهْ لهذا الأمر الدقيق، فإنه من مزالّ الأقدام. وقد تقدم نظير هذا البحث في "كتاب الافتتاح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السابعة: ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى ما حاصله: إن أكثر الأحاديث الصحاح والحسان، بل كلّها مصرّحة بذكر "محمد، وآل محمد"، وبذكر "آل إبراهيم"، فقط، أو بذكر "إبراهيم" فقط، قال: ولم يجىء في حديث صحيح بلفظ "إبراهيم، وآل إبراهيم" معًا، وإنما أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن السَّبّاق، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود، ويحى مجهول، وشيخه مبهم، فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قويّ، لكنه موقوف على ابن مسعود، وأخرجه النسائي، والدارقطنيّ من حديث طلحة. وتعقبه الحافظ ﵀ في "الفتح" بأنه وقع في "صحيح البخاري" في "أحاديث الأنبياء" في ترجمة إبراهيم ﵇ من طريق عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بلفظ: "كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد"، وكذا في قوله: "كما باركت". وكذا وقع في حديث أبي مسعود البدريّ من رواية محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عنه، أخرجه الطبريّ، بل أخرجه الطبريّ أيضاً في رواية الحكم (١)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أخرجه من طريق عمرو بن قيس، عن الحكم بن عُتيبة، فذكره بلفظ: "على محمد، وآل محمد، إنك حميد مجيد"، وبلفظ: "على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وأخرجه أيضاً من طريق الأجلح، عن الحكم مثلَه سواءً، وأخرجه أيضاً من طريق حنظلة بن عليّ، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه أبو العباس السرّاج من طريق داود بن قيس، عن نعيم المجمر، عن أبي هريرة ﵁: أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟، قال: "قولوا: "اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت، وباركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد". ومن حديث بُريدة رفعه: "اللَّهم اجعل صلواتك، ورحمتك، وبركاتك على محمد،

стр. 9040

وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم"، وأصله عند أحمد. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بهذا أن ما قاله ابن القيم ﵀ من عدم صحة الحديث بالجمع بين "إبراهيم"، و"آل إبراهيم" غير صحيح، فقد صح الجمع بينهما في "صحيح البخاري" وغيره. فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثامنة: وقع في حديث ابن مسعود ﵁ كما رواه البيهقي عنه مرفوعاً، زيادة "وارحم" ولفظه: "إذا تشهد أحدكم في الصلاة، فليقل: اللَّهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، وأرحم محمداً، وآل محمد كما صليت، وباركت، وترحّمت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وأخرجه الحاكم، وصححه، واغترّ بتصحيحه قوم، فوهموا، فإنه من رواية يحيى بن السباق، وهو مجهول، عن رجل مبهم. نعم أخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود موقوفًا عليه، ولفظه: "اللَّهم اجعل صلواتك، ورحمتك، وبركاتك على محمد عبدك ورسولك … " الحديث. وفي سنده المسعودي، وهو مختلط. وقد بالغ ابن العربي في إنكار ذلك، فقال: حَذَارِ مما ذكره ابن أبي زيد من زيادة "وترحّم"، فإنه قريب من البدعة، لأنه ﷺ علّمهم كيفية الصلاة عليه بالوحي، ففي الزيادة على ذلك استدراك عليه انتهى. قال الحافظ: فإن كان إنكاره لكونه لم يصحّ فمسلّم، وإلا فدعوى من ادعى أنه لا يقال: "ارحم محمداً" مردودة، لثبوت ذلك في عدّة أحاديث، أصحها في التشهد: "السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله، وبركاته". قال: ثم وجدت لابن أبي زيد مستنداً، فأخرج الطبري في "تهذيبه" من طريق حنظلة ابن عليّ، عن أبي هريرة رفعه: "من قال: اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وترحّم على محمد، وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، شهدت له يوم القيامة، وشفعت له". ورجال سنده رجال الصحيح، إلا سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاص، الراوي له عن حنظلة بن علي، فإنه مجهول [تنبيه]: هذا كله فيما يُقال مضموماً إلى السلام، أو الصلاة، وقد وافق ابنَ العربي

стр. 9041

الصيدلانيُّ من الشافعية على المنع، وقال أبو القاسم الأنصاريّ شارح "الإرشاد": يجوز ذلك مضافاً، ولا يجوز مفرداً، ونقل عياض عن الجمهور الجواز مطلقاً، وقال القرطبي في "المفهم": إنه الصحيح، لورود الأحاديث به، وخالفه غيره، ففي "الذخيرة" من كتب الحنفية عن محمد يكره ذلك، لإيهامه النقص، لأن الرحمة غالباً إنما تكون عن فعل ما يلام عليه، وجزم ابن عبد البرّ، فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي ﷺ أن يقول: "﵀"، لأنه قال: "من صلى عليّ"، ولم يقل: "من ترحم علي"، ولا "من دعالي"، وإن كان معنى الصلاة الرحمة (١)، ولكنه خُصّ هذا اللفظ تعظيماً له، فلا يُعدَل عنه إلى غيره. ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] انتهى. قال الحافظ: وهو بحث حسنٌ، لكن في التعليل الأول نظر، والمعتمد الثاني. والله أعلم انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي أنه لا يزاد في الصلاة الإبراهيمية "وترحم" لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ . والحاصل أنه لا يزاد إلا ما ثبت عن النبي ﷺ من طريق صحيح، لأن الزيادة على تعليمه ﷺ يكون استدراكاً على الوحي. وأما الترحم في غير ذلك كأن يقال عند سماع اسمه: "﵀" كما يقال ذلك عند ذكر اسم العلماء، فالأولى أن لا يفعل لعدم ثبوت دليل يُعتَمَد عليه، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة التاسعة: في زيادة لفظ "سيدنا" في الصلاة الإبراهيمية: (اعلم): أن هذه المسألة مما شاع وذاع النزاع فيه بين المتأخرين، وليس فيها أثر صحيح من المتقدمين، وقد سئل عنها الحافظ ابن حجر ﵀، فأجاب فيها بجواب قاطع للنزاع، لمن كان قصده الاتباع، لا لمن شأنه الابتداع، ودونك نص الفتوى: قال الحافظ محمد بن محمد بن محمد الغرابيلي (٧٩٠ - ٨٣٥) وكان ملازماً للحافظ ﵀: سئل -أي الحافظ ابن حجر- أمتع الله بحياته عن صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة، أو خارج الصلاة، سواء قيل بوجوبها، أو ندبيتها، هل يشترط فيها أن يصفه ﷺ بالسيادة، كأن يقول مثلاً: اللَّهم صل على سيدنا محمد، أو على سيد الخلق، أو

стр. 9042

على سيد ولد آدم؟ أو يقتصر على قوله: اللَّهم صل على محمد؟، وأيهما أفضل، الإتيان بلفظ السيادة، لكونها صفة ثابتة له ﷺ ، أو عدم الإتيان به لعدم ورود ذلك في الآثار؟ فأجاب ﵁: نعم اتباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعاً منه ﷺ ، كما لم يكن يقول عند ذكره ﷺ : " ﷺ " وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذُكر، لأنا نقول: لو كان ذلك راجحاً لجاء عن الصحابة، ثم عن التابعين، ولم نقف في شىء من الآثار عن أحد من الصحابة, ولا التابعين لهم قال ذلك، مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك. وهذا الإمام الشافعي أعلى الله درجته، وهو من أكثر الناس تعظيماً للنبي ﷺ قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه: "اللَّهم صل على محمد" إلى آخر ما أداه إليه اجتهاده، وهو قوله: "كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون"، وكأنه استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه "سبحان الله عدد خلقه" فقد ثبت أنه ﷺ قال لأم المؤمنين، ورآها قد أكثرت التسبيح وأطالته, "لقد قلت بعدك كلمات، لو وُزنت بما قلت لوزنتهنّ", فذكر ذلك, وكان ﷺ يعجبه الجوامع من الدعاء. وقد عقد القاضي عياض باباً في صفة الصلاة على النبي ﷺ في كتاب "الشفا" ونقل فيه آثاراً مرفوعة عن جماعة من الصحابة والتابعين ليس في شيء منها عن أحد من الصحابة وغيرهم لفظ "سيدنا". منها حديث علي ﵁ أنه كان يعلمهم كيفية الصلاة على النبي ﷺ ، فيقول: "اللَّهم داحي المدحوّات، وبارىء المسموكات، اجعل سوابق صلواتك, ونوامي بركاتك، وزوائد تحيتك على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق". وعن علي ﵁ أيضاً أنه كان يقول: "صلوات الله البرّ الرّحيم، والملائكة المقرّبين، والنبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين، وما سبح لك من شيء يا رب العالمين على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، وإمام المتقين … " الحديث. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يقول: "اللَّهمّ اجعل صلواتك، وبركاتك، ورحمتك على محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، ورسول رب العالمين … " الحديث. وعن الحسن البصريّ أنه كان يقول: من أراد أن يشرب بالكأس الأروى من حوض المصطفى، فليقل: "اللَّهم صل على محمد، وعلى آله وأصحابه، وأزواجه، وأولاده، وذرّيّته، وأهل بيته، وأصهاره، وأنصاره، وأشياعه، ومحبيه".

стр. 9043

فهذا ما أُوثره (١) من "الشفا" مما يتعلق بهيئة الصلاة عليه عن الصحابة، ومن بعدهم، وذكر فيه غير ذلك. نعم ورد في حديث ابن مسعود أنه كان يقول في صلاته على النبي ﷺ : "اللَّهم اجعل فضائل صلواتك ورحمتك، وبركاتك على سيد المرسلين … " الحديث. أخرجه ابن ماجه، ولكن إسناده ضعيف. وحديث علي المشار إليه أوّلاً أخرجه الطبراني بإسناد لا بأس به، وفيه ألفاظ غريبة رويتها مشروحة في كتاب "فضل النبي ﷺ " لأبي الحسن بن الفارس. وقد ذكر الشافعية أن رجلاً لو حلف لَيُصلّينّ على النبي ﷺ أفضل الصلاة، فطريق الْبَرّ أن يصلي على النبي ﷺ : "اللَّهم صلّ على محمد كلما ذكره الذاكرون، وسها عن ذكره الغافلون". وقال النووي: والصواب الذي ينبغي الجزم به أن يقال: "اللَّهم صل على محمد، وعلى آل محيد، كما صلّيت على آل إبراهيم … " الحديث وقد تعقّبه جماعة من المتأخرين بأنه ليس في الكيفيتين المذكورتين ما يدلّ على ثبوت الأفضلية فيهما من حيث النقل، وأما من حيث المعنى فالأفضلية ظاهرة في الأول. والمسألة مشهورة في كتب الفقه، والغرض منها أن كلّ من ذكر هذه المسألة من الفقهاء قاطبة لم يقع في كلام أحد منهم "سيدنا"، ولو كانت هذه الزيادة مندوبة ما خفيت عليهم كُلِّهم حتى أغفلوها، والخير كله في الاتباع، والله أعلم. انتهى فتوى الحافظ رحمه الله تعالى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما قاله الحافظ ﵀ أن هذه الزيادة من البدع المستحدثة في المتأخرين، فاستحسان بعض أهل العلم من المتأخرين لها مردود، لأنه لا حجة له في ذلك، ولم يؤثر عن أحد من السلف، وإنما هو مجرد استحسان بهوى، فيبطله قوله ﷺ الحديث المتفق عليه: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ"، وفي رواية لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رَدّ". ونحن نعلم، ونعتقد، وكذا كل مسلم، فضلاً عن أهل العلم أنه ﷺ سيدنا، وسيد ولد آدم أجمعين، وسيد البرية كلهم، لكن تعليمه لنا بدون ذكر لفظ السيادة يدلّ على أنه

стр. 9044

ليس من الأمور المطلوبة في صيغ الصلاة، فلا ينبغي لنا أن نتعدّى تعليمه صلى الله تعالى عليه وسلم. ومعلوم أيضاً أن القرآن أفضل الأذكار، ومع ذلك فله محل يجوز فيه، ومحل يُنهَى عنه فيه، فقد صح عن النبي ﷺ قوله: "نهُيتُ أن أقرأ راكعًا، أو ساجداً … " الحديث، وقد تقدّم في باب القراءة. والحاصل أنه لا يزاد لفظ "سيدنا" في الصلاة الإبراهيمية، كما أنه لا يشرع ذلك في قراءة القرآن، فلا يقول القارىء مثلاً عند قرءة آية ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾: سيدنا ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾، وكذا في الآذان لا يقول: "أشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله". ومن غريب ما اتفق لي أني سمعت في بعض البلدان بعضَ المؤذنين يقون ذلك، وهذا من غربة الإسلام، وظهور الجهل، وسيطرته على أرجاء المعمورة، كما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ بقوله: "بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء". رواه مسلم. فعليك أيها المسلم الحريص على دينه أن لا تتبع من أقوال من ينتسب إلى العلم إلا ما استند إلى دليل صحيح، من كتاب أو سنة، أو إجماع، ولا تكن إمّعَةً يُجيب كل ناعق، فتكونَ من الخاسرين. جعلنا الله تعالى ممن يتولاه، وجنبنا الابتداع والزيغ، والانحراف في الاعتقاد، والقول، والعمل، إنه ولي ذلك، والقادر عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٥ - (باب الْفَضْلِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -) ١٢٩٥ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ- (١) قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَالْبِشْرُ (٢) يُرَى فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ

стр. 9045

جَاءَنِي جِبْرِيلُ ﷺ ، فَقَالَ: أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ، إِلاَّ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ، إِلاَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا"). قال الجامع عفا الله تعالى عله: هذا الحديث صحيح, وقد تقدم برقم -٤٧/ ١٢٨٣ - رواه المصنف هناك عن إسحاق بن منصور الْكَوسج، عن عَفّان بن مسلم، عن حماد بن سلمة به، أورده استدلالاً على فضل التسليم، وأورده هنا استدلالاً على فضل الصلاة على النبي ﷺ . وقد تقدم الكلام عليه مستوفًى هناك. [تنبيه]: فإن قيل: تقدم في رواية عفّان المذكورة أن البُشْرَى كانت من الله تعالى، ولفظه: "أتاني الملك، فقال: يا محمد إن ربّك يقول: أما يرضيك … " الحديث. وهنا البُشْرى من جبريل، فكيف التوفيق بينهما؟ أجيب: بأنه لا تخاف بين الروايتين، لإمكان الجمع بينهما بأن صلاة جبريل تابعة لصلاة الله تعالى، فإذا صلى الله تعالى على المصلي صلَّى جبريل عليه، فهو نظير الحديث المتفق عليه: "إذا أحبّ الله عبدًا نادى جبريلَ، إن الله يحبّ فلاناً، فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء … " الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٢٩٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (علي بن حُجْر) المروزي، ثقة حافظ من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزُّرقي المدني، ثقة ثبت (٨) تقدم ١٦/ ١٧. ٣ - (العلاء بن عبد الرحمن) الْحُرَقي، أبو شِبْل المدني، صدوق ربما وهم [٥] تقدم ١٠٧/ ١٤٣. ٤ - (أبوه) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهني المدني، مولى الْحُرَقَة، ثقة [٣] تقدّم ١٠٧/ ١٤٣. ٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدّم ١/ ١.

стр. 9046

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. وشرحه يعلم مما سيأتي في الحديث التالي، ولنتكلم هنا على تخريجه: أخرجه المصنف ﵀ هنا -٥٥/ ١٢٩٦ - وفي "الكبرى" -٨٩/ ١٢١٩ - بالسند المذكور، وأخرجه (م) -٢/ ١٧ (د) ١٥٣٠ (ت) ٤٨٥ (أحمد) ٢/ ٢٦٢، و٢/ ٣٧٢، و٣٧٥ (الدارمي) ٢٧٧٥ (البخاري في "الأدب المفرد") ٦٤٥. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٢٩٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن منصور) الْكَوْسج النيسابوري، ثقة تبت [١١] تقدم ٧٢/ ٨٨. ٢ - (محمد بن يوسف) الفريابي، ثقة فاضل [٩] تقدم ١٤/ ٤١٨. ٣ - (يونس بن أبي إسحاق) السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلاً [٥] تقدم ١٦/ ٦٥٢. ٤ - (بُريد بن أبي مريم) مالك بن ربيعهَ السَّلُوليّ البصريّ، ثقة [٤] تقدم ٥٥/ ٦٢١. ٥ - (أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه، تقدّم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وفيه أنس رضي الله تعالى عنه أحد المكثرين السبعة. وآخر من مات من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالبصرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى عليّ صلاةً واحدةً) "من" شرطية، وجوابها قوله (صلى الله عليه عشر صلوات) قال الشوكاني ﵀: المراد بالصلاة من الله الرحمة لعباده (٢)، وأنه يرحمهم رحمة بعد رحمة حتى تبلغ رحمته ذلك العدد. وقيل: المراد بصلاته عليهم إقباله عليهم بعطفه،

стр. 9047

وإخراجهم من ظلمة إلى رفعة ونور، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣] انتهى. وقال عياض: معناه: رحمه، وضاعف أجره، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ﴾ الآية [الأنعام: ١٦٠]. قال القاري: والظاهر أن هذا أقلّ المضاعفة. قال عياض: ويجوز أن تكون الصلاة على وجهها، وظاهرها كلاما يسمعه الملائكة، تشريفاً للمصلي، وتكريماً له، كما جاء: "وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" انتهى. وقد استشكل بأنه كيف يجوز أن تكون الصلاة على النبى ﷺ واحدة، وعلى المصلي عشراً؟. وأجيب بأن الواحدة صفة فعل المصلي، وجزاءها عشر صلوات من الله عليه على ما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. ولا يُفهم منه أن الصلاة على النبي ﷺ من الله تكون واحدة, فإن فضل الله واسع، ولو سلمنا أن الصلاة على النبي ﷺ من الله تكون واحدة، فإن هذه الصلاة الواحدة من الله تساوي في الشرف مائة ألف صلاة، أو تزيد في الشرف والكرامة بمائة ألف مرّة، كما أن الجوهرة الواحدة الثمينة النفيسة تساوى فى الثمن مائة ألف فلس (١). والله تعالى أعلم. (وحُطّت عنه عشر خطيئات) ببناء الفعل للمفعول، أي غُفرت، وسُترت، ووضعت، ولعلّه اختير لفظ "حُطت" لمقابلة قوله (ورفعت له عشر درجات) في الدنيا بتوفيقه للطاعات، وفي القيامة بتثقيل الحسنات، وفي الجنة بزيادة الكرامات. قال الطيبي ﵀: الصلاة من العبد طلب التعظيم والتبجيل لجناب رسول الله ﷺ ، والصلاة من الله تعالى، أي في الجزاء، إن كانت بمعنى الغفران، فيكون من باب المشاكلة من حيث اللفظ، وإن كانت بمعنى التعظيم، فيكون من الموافقة لفظاً ومعنى، وهذا هو الوجه، لئلا يتكور معنى الغفران، أي مع الحطّ. ومعنى الأعداد المخصوصة محمول على المزيد والفضل في المعنى المطلوب. كذا في "المرقاة". قال ابن العربي ﵀: إن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، فما فائدة هذا الحديث؟. قلنا: فيه أعظم فائدة، وذلك أن القرآن اقتضى أن من جاء بحسنة تضاعف عشرة،

стр. 9048

والصلاة على النبي ﷺ حسنة، فمقتضى القرآن أن يُعطى عشر درجات في الجنة، فأَخبَر أن الله تعالى يصلي على من صلى على رسوله ﷺ عشراً، وذِكرُ الله العبدَ أعظم من الحسنة مضاعفةً. قال: ويُحقق ذلك أن الله تعالى لم يجعل جزاء ذكره إلا ذكره، وكذلك جعل جزاء ذكر نبيه ﷺ ذكره لمن ذكره. قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: ولم يقتصر على ذلك حتى زاده كتابة عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفعه عشر درجات، كما ورد في الأحاديث انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذ الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. [تنبيه]: ذكروا لهذا الحديث علةً، وهي ما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى في "عمل اليوم والليلة" رقم ٦٢ - ٦٣ - قال: خالف مخلدُ بنُ يزيد يحيى بنَ آدم، فرواه عن يونس بن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن الحسن، عن أنس ﵁. قال العلامة ابن القيّم ﵀: وهذه العلة لا تقدح فيه شيئاً، لأن الحسن لا شك في سماعه من أنس، وقد صُرِّح سماعُ بُريد بن أبي مريم من أنس أيضاً هذا الحديثَ، كما في "صحيح ابن حبان" و"مستدرك الحاكم" (١) ولعلّ بريداً سمعه من الحسن، ثم سمعه من أنس، فحدّث به على الوجهين، فإنه قال: كنت أُزامل الحسن في محمد (٢)، فقال: حدثنا أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره، ثم إنه حدثه به أنس، فرواه عنه كما تقدّم. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى (٣). والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: (اعلم): أنه انفرد به المصنف ﵀ من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا -٥٥/ ١٢٩٧ - وفي "الكبرى" -٨٩/ ١٢٢٠ - وفي "عمل اليوم والليلة" ٣٦٢ - عن إسحاق بن منصور، عن محمد بن يوسف، عن يونس بن أبي إسحاق، عن بُريد بن أبي مريم، عنه. وفي "عمل اليوم والليلة" ٦٢ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن يونس به بمعناه. و-٦٣ - عن عبد الحميد بن محمد، عن مخلد بن يزيد، عن يونس بن

стр. 9049

أبي إسحاق، عن بُريد بن أبي مريم، عن الحسن البصريّ، عن أنس. و٣٦٣ - عن عبد الله بن محمد بن تميم، عن حجاج عن يونس به. و٣٦٤ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي نعيم، عن يونس به. ولم يقل: "يرفع له بها عشر درجات". وأخرجه (أحمد) ٣/ ٢٦١ و (ابن حبان) في "صحيحه" رقم -٢٣٩٠ - ، (والحاكم) في "مستدركه" ١/ ٥٥١ وقال: صحيح الإسناد، وأقرّه الذهبي. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: قد ذكر المصنف رحمه الله تعالى من أحاديث فضل الصلاة على النبي ﷺ حديث أبي طلحة، وحديث أبي هريرة، وحديث أنس رضي الله تعالى عنهم، وبقيت أحاديث قوية تصلح للحجية، نذكرها تتميماً للفوائد، ونشرًا للعوائد: (فمنها): حديث أبي بردة بن نيار ﵁ مرفوعاً: "من صلى عليّ من أمتي صلاةً مخلصاً من قبله صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، ومحا عنه بها عشر سيئات". أخرجه المصنف في "عمل اليوم والليلة" رقم -٦٥ - وصححه ابن حبان. (ومنها): حديث ابن مسعود ﵁ رفعه: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاةً". أخرجه الترمذي، وحسنه، وصححه ابن حبان. (ومنها): حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: "صلاة أمتي تُعرض عليّ في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم عليّ صلاةً كان أقربهم مني منزلةً". قال الحافظ: ولا بأس بسنده. (ومنها): حديث أوس بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ من أفضل أيّامكم يومَ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ"، فقال رجل: يا رسول الله، كيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أَرَمْتَ؟ يعني بَليتَ، قال: "إنّ الله حَرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". رواه أحمد ٤/ ٨، وأبو داود -١٠٤٧ و١٥٣١ - والمصنف -٥/ ١٣٧٤ - وصححه ابن حبان، والحاكم. (ومنها): حديث: "البخيلُ من ذُكرت عنده، فلم يصل عليّ". أخرجه الترمذي، والمصنفط في "عمل اليوم والليلة" رقم -٥٥ - ٥٦ - ، وابن حبان، والحاكم، وإسماعيل القاضي، وأطنب في تخريج طرقه، وبيان الاختلاف فيه من حديث علي، ومن حديث ابنه الحسين ﵄. ولا يقصر عن درجة الحَسَن. (ومنها): حديث: "من نسي الصلاة عليّ خَطِىء طريق الجنة". أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس ﵄، والبيهقي في "الشعَب" من حديث أبي هريرة ﵁، وابن أبي

стр. 9050

حاتم من حديث جابر ﵁، والطبراني من حديث حسين بن علي ﵄، وهذه الطرق يشدّ بعضها بعضاً. (ومنها): حديث "رَغِمَ أنفُ رجل ذكرت عنده، فلم يصلّ عليّ". أخرجه الترمذيّ من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "من ذُكرت عنده، ولم يصلّ علي، فمات، فدخل النار، فأبعده الله". وله شاهد عنده، وصححه الحاكم، وله شاهد من حديث أبي ذَرّ ﵁ في الطبراني، وآخر عن أنس ﵁ عند ابن أبي شيبة، وآخر مرسل عن الحسن، عند سعيد بن منصور، وأخرجه ابن حبّان من حديث أبي هريرة، ومن حديث مالك بن الْحُوَيرث، ومن حديث عبد الله بن عباس عند الطبراني، ومن حديث عبد الله بن جعفر عند الفريابي، وعند الحاكم من حديث كعب بن عُجْرة بلفظ: "بَعُد مَن ذُكرتُ عنده، فلم يصلّ عليّ"، وعند الطبرانيّ من حديث جابر ﵁، رفعه: "شَقِيَ عبدٌ ذُكرت عنده، فلم يصلّ عليّ" وعند عبد الرزّاق من مرسل قتادة: "من الْجَفَاء أن أُذكَرَ عند رجل، فلا يصلي عليّ". (ومنها): حديث أبَي بن كعب ﵁: "أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أُكثر الصلاة، فما أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت"، قال: الثلث؟، قال: "ما شئت، وإن زدت، فهو خير"، إلى أن قال: أجعل لك كل صلاتي؟ قال: "إذن تُكفى همَّك … " الحديث. أخرجه أحمد، وغيره بسند حسن. قال الحافظ رحمه الله تعالى بعد أن ساق هذه الأحاديث: ما نصه: فهذا الجيّد من الأحاديث الواردة في ذلك، وفي الباب أحاديث كثيرة ضعيفة، وواهية. وأما ما وضعه القُصّاص في ذلك، فلا يُحصَى كثرةً، وفي الأحاديث القوية غُنْيةٌ عن ذلك. [تنبيه]: قال الحَليمي ﵀: المقصود بالصلاة على النبي ﷺ التقرّب إلى الله بامتثال أمره، وقضاءُ حقّ النبي ﷺ علينا. وتبعه ابن عبد السلام ﵀، فقال: ليست صلاتنا على النبي ﷺ شفاعةً له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكنّ الله تعالى أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله لَمَّا علم عجزنا عن مكافأة نبيّنا ﷺ إلى الصلاة عليه. وقال ابن العربي ﵀: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه، لدلالة ذلك على نُصُوع العقيدة، وخلوص النيّة، وإظهار المحبة، والمداومة على الطاعة، والاحترام للواسطة الكريمة ﷺ . انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع

стр. 9051

والمآب. المسألة الرابعة: في ذكر الفوائد الحاصلة بالصلاة على النبي ﷺ ، وهي كثيرة، فمنها: ١ - امتثال أمر الله . ٢ - موافقته سبحانه في الصلاة عليه ﷺ ، وإن اختلفت الصلاتان، فصلاتنا عليه دعاء وسؤال، وصلاته سبحانه ثناء وتشريف، وإفضال. ٣ - موافقته ملائكته فيها. ٤ - حصول عشر صلوات من الله تعالى على المصلي مرّة. ٥ - أنه يرفع له عشر درجات. ٦ - أنه يكتب له عشر حسنات. ٧ - أنه يُمحَى عنه عشر سيئات. ٨ - أنه يُرجى إجابة دعائه، إذا قدّمها أمامه، فهي تصاعد الدعاء إلى رب العالمين. ٩ - أنها سبب لشفاعته ﷺ إذا قرنها بسؤال الوسيلة له, أو أفردها. ١٠ - أنها سبب لغفران الذنوب. ١١ - أنها سبب لكفاية الله العبدَ ما أهمّه. ١٢ - أنها سبب لقرب العبد منه ﷺ يوم القيامة. ١٣ - أنها تقوم مقام الصدقة لذي العسرة. ١٤ - أنها سبب لقضاء الحوائج. ١٥ - أنه سبب لصلاة الله على المصلي، وصلاة ملائكته عليه. ١٦ - أنها زكاة للمصلي وطهرة له. ١٧ - أنها سبب لتبشير العبد بالجنّة قبل موته. ١٨ - أنها سبب للنجاة من أهوال يوم القيامة. ١٩ - أنها سبب لرد النبي ﷺ الصلاة وَالسلامَ على المصلي، والمسلّم عليه. ٢٠ - أنها سبب لتذكّر العبد ما نسيه. ٢١ - إنها سبب لطيب المجلس، وأن لا يعود حسرة على أهله يوم القيامة. ٢٢ - أنها سبب لنفي الفقر. ٢٣ - أنها تنفي عن العبد اسم البخل، إذا صلى عليه عند ذكره ﷺ . ٢٤ - أنها ترمي صاحبها على طريق الجنة، وتخطىء بتاركها عن طريقها. ٢٥ - أنها تُنجي من نتن المجلس الذي لا يذكر فيه الله ورسوله، ويُحمَد، ويُثنَى عليه

стр. 9052

فيه، ويُصلَّى على رسوله ﷺ . ٢٦ - أنها سبب لتمام الكلام الذي ابتُدىء بحمد الله، والصلاة على رسوله ﷺ . ٢٧ - أنها سبب لوفور نور العبد على الصراط. ٢٨ - أنه يخرج بها العبد عن الجفاء. ٢٩ - أنها سبب لإبقاء الله تعالى الثناء للمصلي عليه بين أهل السماء والأرض، لأن المصلي طالب من الله تعالى أن يثني على رسوله ﷺ ، ويكرمه، ويُشرفه، والجزاء من جنس العمل. ٣٠ - أنه سبب للبركة في ذات المصلي، وعمله، وعمره، وأسباب مصالحه، لأن المصلي داع ربه أن يبارك عليه، وعلى آله، وهذا الدعاء مستجاب، والجزاء من جنس العمل. ٣١ - أنها سبب لنيل رحمة الله له، لأن الرحمة إما معنى الصلاة، كما قاله طائفة، وإما من لوازمها، وموجَبَاتها على القول الصحيح، فلابدّ للمصلي عليه من رحمة تناله. ٣٢ - أنها سبب لدوام محبته للرسول ﷺ ، وزيادتها، وتضاعفها، وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتمّ إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب، واستحضاره في قلبه، واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه تضاعف حبه له، وتزايد شوقه إليه، واستولى على جميع قلبه، وإذا أعرض عن ذكره، وإحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه، ولا شيء أقرّ لعين المحبّ من رؤية محبوبه، ولا أقرّ لقلبه من ذكره، وإحضار محاسنه، فإذا قوي هذا في قلبه جرى لسانه بمدحه، والثناء عليه، وذكر محاسنه، وتكون زيادة ذلك، ونقصانه بحسب زيادة الحبّ ونقصانه في قلبه، والحس شاهد بذلك، حتى قال بعض الشعراء: [من الوافر] عَجبْتُ لِمَنْ يَقُولُ ذَكَرْتُ حِبِّي … وَهَلْ أَنْسَى فَأَذْكُرَ مَنْ نَسِيتُ فتعجب هذا المحب ممن يقول: ذكرت محبوبي، لأن الذكر يكون بعد النسيان, ولو كمل حبّ هذا لما نسي محبوبه. وقال آخر: [من الطويل] أُرِيدُ لأَنسَى ذِكْرَهَا فَكَأَنَّمَا … تَمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ فهذا أخبر عن نفسه أن محبته لها مانع له من نسيانها. وقال آخر: [من المتقارب] يُرَادُ مِنَ الْقَلْبِ نِسْيَانُكُمْ … وَتَأبَى الطِّبَاعُ عَلَى النَّاقِلِ فأخبر أن حبهم، وذكرهم قد صار طبعاً له، فمن أراد منه خلاف ذلك أبت عليه

стр. 9053

طباعه أن تنتقل عنه، والمثل المشهور "من أحب شيئاً أكثر من ذكره". وفي هذا الجناب الأشرف أحقّ ما أنشد: لَوْ شُقَّ عَنْ قَلْبِي فَفِي وَسَطِهِ … ذِكْرُكَ وَالتَّوْحِيدُ فِي سَطْرِ فهذا قلب المؤمن توحيد الله تعالى، وذكر رسوله ﷺ مكتوبان فيه، لا يتطرّق إليهما محو، ولا إزالة. ٣٣ - أن الصلاة عليه ﷺ سبب لمحبته للعبد، فإنها إذا كانتا سبباً لزيادة محبة المصلي عليه له، فكذلك هي سبب لمحبّته هو للمصلي عليه ﷺ . ٣٤ - أنها سبب لهداية العبد وحياة قلبه، فإنه كلما أكثر الصلاة عليه ﷺ ، وذكره استولت محبّته على قلبه، حتى لا يبقى في قلبه معارضة لشيء من أوامره، ولا شكٌّ في شيء مما جاء به، بل يصير ما جاء به مكتوباً مسطوراً في قلبه، لا يزال يقرؤه على تعاقب أحواله، ويقتبس الهدى والفلاح، وأنواع العلوم منه، وكلما ازداد في ذلك بصيرة وقوّةٌ ومعرفةً ازدادت صلاته عليه ﷺ . ولهذا كانت صلاة أهل العلم العارفين بسنته، وهديه، المتبعين له عليه خلافَ صلاة العوامّ عليه، الذين حظُّهم منها إزعاج أعضائهم بها، ورفع أصواتهم، وأما أتباعه العارفون بسنته، العالمون بما جاء به، فصلاتهم عليه نوع آخر، فكلما أزدادوا فيما جاء له معرفةً ازدادوا له محبّةً، ومعرفةً بحقيقة الصلاة المطلوبة له من الله تعالى. وهكذا ذكر الله سبحانه كلما كان العبد به أعرف، وله أطوع، وإليه أحبّ، كان ذكره غير ذكر الغافلين اللاهين، وهذا أمر إنما يُعلَم بالْخُبْر، لا بالْخَبَر، وفرقٌ بين من يذكر صفات محبوبه الذي قد ملك حبُّهُ جميعَ قلبه، ويُثني عليه بها، ويمجّده بها، وبين مّنْ يذكرها إمّا أَمَارَةً، وإمّا لفظاً، لا يدري ما معناها، لا يطابق فيه قلبه لسانه، كما أنه فرْقٌ بين بُكاء النائحة، وبكاء الثَّكْلَى، فذِكْرُهُ ﷺ ، وذكر ما جاء به، وحمدُ الله سبحانه على إنعامه علينا، ومنته بإرساله هو حياةُ الوجود وروحه، كما قيل: [من الكامل] رُوحُ الْمَجَالِسِ ذِكْرُهُ وَحَدِيثُهُ … وَهُدًى لِكُلِّ مُلَدَّدٍ (١) حَيْرَانِ وَإِذَا أُخِلَّ بِذِكْرِهِ فِي مَجْلِسٍ … فَاُولَئِكَ الأَمْوَاتُ فِي الْحَيَّانِ ٣٥ - أنها سبب لعرض اسم المصلي عليه ﷺ ، وذكره عنده، كما تقدّم الحديث بذلك، وكفى بالعبد نُبْلاً أن يُذكر اسمه بالخير بين يدي رسول الله ﷺ ، وقد قيل في هذا المعنى: [من الطويل]

стр. 9054

وَمَنْ خَطَرَتْ مِنْهُ بِبَابِكَ خَطْرَةٌ … حَقِيقٌ بِأنْ يَسْمُو وَأَنْ يَتَقدَّمَا وقال الآخر: [من البسيط] أَهْلاً بِمَا لَمْ أَكُنْ أَهْلاً لِمَوْقِعِهِ … قَوْلُ المُبَشِّرِ بَعْدَ الْيَأْسِ بِالْفَرَجِ لَكَ الْبِشَارَةُ فَاخْلعْ مَا عَلَيْكَ فَقَدْ … ذُكِرْتَ ثَمَّ عَلَى مَا فِيكَ مِنْ عِوَجِ ٣٦ - أنها سبب لتثبيت القدَم على الصراط، والجواز عليه، لحديث عبد الرحمن بن سَمُرَة ﵁، الذي رواه عنه سعيد بن المسيب في رؤيا النبي ﷺ ، وفيه: "ورأيت رجلاً من أمتي يَزْحَف على الصراط، ويحبو أحياناً، ويتعلّق أحياناً، فجاءته صلاته عليّ، فأقامته على قدميه، وأنقذته". رواه أبو موسى المديني، وبنى عليه كتابه في "الترغيب والترهيب"، وقال: هذا حديث حسنٌ جداً. ٣٧ - أن الصلاة عليه ﷺ أداء لأقلّ القليل من حقّه، وشكر له على نعمته التي أنعم الله تعالى بها علينا، مع أن الذى يستحقه من ذلك لا يُحصى علماً ولا قدرة، ولا إرادةً، ولكن الله سبحانه لكرمه رضي من عباده باليسير من شكره، وأداء حقّه. ٣٨ - أنها متضمنة لذكر الله تعالى، وشكره، ومعرفة إنعامه على عبيده بإرساله، فالمصلي عليه ﷺ قد تضمنت صلاته عليه ذكر الله تعالى، وذكر رسوله ﷺ ، وسؤاله أن يجزيه بصلاته عليه ما هو أهله، كما عرّفنا ربَّنا، وأسماءَهُ، وصفاته، وهدانا إلى طريق مرضاته، وعرّفنا ما لنا بعد الوصول إليه, والقُدُوم عليه، فهي متضمنة لكلّ الإيمان, بل هي متضمنة للإقرار بوجوب الربّ المدعوّ، وعلمه، وسمعه، وقدرته, وإرادته، وحياته، وكلامه، وإرسال رسوله، وتصديقه في أخباره كلها، وكمال محبّته، ولا ريب أن هذه هي أصول الإيمان، فالصلاة عليه ﷺ متضمنة لعلم العبد ذلك، وتصديقه به، ومحبّته له، فكانت من أفضل الأعمال. ٣٩ - أن الصلاة عليه ﷺ من العبد هي دعاء، ودعاء العبد وسؤاله نوعان: (أحدهما): سؤاله حوائجه، ومهماته، وما ينوبه في الليل والنهار، فهذا دعاء وسؤال، وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه. (الثاني): سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه ﷺ ، ويزيد في تشريفه، وتكريمه، وإيثارة ذكره، ورفعه، ولا ريب أن الله تعالى يُحبّ ذلك، ورسوله يُحبّه، فالمصلي عليه ﷺ قد صرف سؤاله، ورغبته، وطلبه إلى محابّ الله ورسوله، وآثر ذلك على طلبه حوائجه، ومحابّه هو، بل كان هذا المطلوب من أحبّ الأمور إليه، وآثرها عنده، فقد آثر ما يحبه الله ورسوله على ما يحبه هو، فقد آثر الله ومحابّه على ما سواه، والجزاء من جنس العمل، فمن آثر الله على غيره، آثره الله على غيره.

стр. 9055

وههنا نكتةٌ حسنةٌ لمن علّم أمته دينه، وما جاء به، ودعاهم إليه، وحضّهم عليه، وصَبَرَ على ذلك، وهي أن النبي ﷺ له من الأجر الزائد على أجر عمله مثلُ أجور من اتبعه، فالداعي إلى سنته ودينه، والمعلّم الخير للأمة إذا قصد توفيرَ هذا الحظّ على رسول الله ﷺ ، وصرفه إليه، وكان مقصوده بدعاء الخلق إلى الله التقرّب إليه بإرشاد عباده، وتوفير أجور المطيعين له على رسول الله ﷺ مع توفيتهم أجورهم كاملةً، كان له من الأجر في دعوته، وتعليمه بحسب هذه النية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: ذكر العلماء المواطن التي يطلب فيها الصلاة على النبي ﷺ : قال في "الفتح": ومن المواطن التي اختُلف في وجوب الصلاة عليه فيها: التشهد الأول، وخطبة الجمعة، وغيرها من الخطب، وصلاة الجنازة. ومما يتأكّد، ووردت فيه أخبار خاصةٌ، أكثرها بأسانيد جيّدة: عقب إجابة المؤذن، وأوّل الدعاء، وأوسطه، وآخره، وفي أوّله آكد، وفي آخر القنوت، وفي أثناء تكبيرات العيد، وعند دخول المسجد، والخروج منه، وعند الاجتماع، والتفرّق، وعند السفر، والقدوم، وعند القيام لصلاة الليل، وعند ختم القرآن، وعند الهمّ والكرب، وعند التوبة من الذنب، وعند قراءة الحديث، وتبليغ العلم، والذكر، وعند نسيان الشيء، وورد ذلك أيضاً في أحاديث ضعيفة، وعند استلام الحجر، وعند طنين الأذن، وعند التلبية، وعقب الوضوء، وعند الذبح، والعطاس، وورد المنع منها عندهما أيضاً، وورد الأمر بالإكثار منها يوم الجمعة في حديث صحيح، كما تقدّم انتهى (٢). وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في "جَلاء الأفهام" هذه المواطن المذكورة، وزاد عليها حتى أوصلها إلى أحد وأربعين موطناً، وذكر أحاديثها، واستوفاها بما لا تجده مجموعاً في كتاب غيره، وإن كان كثير من تلك الأحاديث ضعيفة، إلا أن فيه خيراً كثيراً، فراجعه من ص ٢٦٣ - إلى ص ٣٥٨ تظفر بكنز عظيم. والله تعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. خاتمة -نسأل الله تعالى حسنها-: ذكر الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان الْبُسْتي ﵀ في "صحيحه" بعد إخراج حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم على صلاةً":

стр. 9056

ما نصّه: في هذا الخبر دليلٌ على أن أولى الناس برسول الله ﷺ في القيامة يكون أصحابَ الحديث، إذ ليس في هذه الأمّة قوم أكثر صلاةً عليه ﷺ منهم انتهى (١). وقال أبو نعيم فيما نقله الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" ص ٣٥: وهذه منقبة شريفة يختصّ بها رُواة الآثار، ونقَلَتها، لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله ﷺ أكثر مما يُعرَف لهذه العصابة نَسخاً وذكراً. انتهى. وقال العلامة صديق حسن خان في كتابه "نزل الأبرار": بعد أن ساق أحاديث كثيرةً في فضل الصلاة على النبي ﷺ ، والإكثار منها: ما نصه: "لاشكّ في أن أكثر المسلمين صلاةً عليه ﷺ هم أهل الحديث، ورواة السنّة المطهرة، فإن من وظائفهم في هذا العلم الشريف التصلية عليه أمامَ كل حديث، ولا يزال لسانهم رطباً بذكره ﷺ ، وليس كتاب من كتب السنّة، ولا ديوان من دواوين الحديث على اختلاف أنواعها من "الجوامع" و"المسانيد" و"المعاجم" و"الأجزاء" وغيرها إلا وقد اشتمل على آلاف الأحاديث، حتى إن أصغرها حجماً كتاب "الجامع الصغير" للسيوطي فيه عشرة آلاف حديث، وقس على ذلك سائر الصحف النبويّة، فهذه العصابة الناجية، والجماعة الحديثية أولى الناس برسول الله ﷺ يوم القيامة، وأسعدهم بشفاعته ﷺ بأبي هو وأمي - ولا يساويهم في هذه الفضيلة أحد من الناس، إلا من جاء بأفضل مما جاءوا به، ودونه خَرْطُ القَتَاد. فعليك يا باغي الخير، وطالب النجاة بلا ضير أن تكون محدّثًا، أو متطفّلاً على المحدثين، وإلّا فلا تكن (٢) … فليس فيما سوى ذلك من عائدة تعود إليك" انتهى (٣). جعلنا الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا من هؤلاء المحدثين الذين هم أولى الناس برسول الله ﷺ يوم القيامة، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، ومفيض البركات، آمين آمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 9057

٥٦ - (باب تَخْيِيرِ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -) ١٢٩٨ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ (١) السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، وَفُلَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدُ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، يَدْعُو بِهِ"). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنف بعدّة طرق، وتقدّم شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به برقم -١٩٠/ ١١٦٢ - . واستدلاله به هنا على ما ترجم له واضح، فإنه يدلّ على التخيير في الدعاء بعد التشهد الأخير، بكل مُباح يَحتاج إليه المصلي من أمور الدنيا والآخرة، وهذا هو المذهب الراجح، وخالف في ذلك بعضهم، فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد فى القرآن، وقيل: غير ذلك، وقد أشبعت الكلام على هذا فيما سبق برقم -١٩٠/ ١١٦٣ - فإن أردت الاستفادة فارجع إديه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. و"عمرو بن علي": هو الفلّاس، و"يحيى": هو القطان، و"شقيق": هو أبو وائل، و"عبد الله": هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وقوله: "بَعْدُ" من الظروف المبنية على الضمّ لقطعها عن الإضافة، ونية معناها. وقوله: "أعجبه إليه": أي أحسن الدعاء وأحبه إلى المصلي، وكونه من الأدعية الواردة أولى. وقوله: "يدعو به" جملة في محل نصب على الحال من فاعل "ليتخيّر"، أي ليتخير حال كونه داعيًا به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 9058

٥٧ - (الذِّكْرِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ) ١٢٩٩ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، أَخُو سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (٢)، قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَدْعُو بِهِنَّ فِي صَلَاتِي، قَالَ: "سَبِّحِي اللَّهَ عَشْرًا، وَاحْمَدِيهِ عَشْرًا، وَكَبِّرِيهِ عَشْرًا، ثُمَّ سَلِيهِ حَاجَتَكِ، يَقُلْ: نَعَمْ نَعَمْ"). رجال هذا الإسناد. خمسة: ١ - (عُبَيد بن وكيع بن الْجَرَّاح) الكوفي، روى عن أبيه، وعنه المصنف، وانفرد به، وقال: شُوَيخ، لا بأس به [١١]، وروى عنه في هذا الكتاب حديثين، هذا، وحديث رقم (٥٤٥٨) وأعاده برقم (٥٤٨٦). ٢ - (وكيع بن الجرّاح) الكوفي الإمام الحجة الشهير [٩] تقدم ٢٣/ ٢٥. ٣ - (عكرمة بن عَمَّار) العجلي، أبو عَمّار اليمامي بصري الأصل، صدوق يَغلَط [٥]. روى عن الهِرْمَاس بن زياد، وله صحبة، وإياس بن سلمة، وسالم بن عبد الله، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وغيرهم. وعنه شعبة، والثوري، وابن المبارك، ووكيع، ويحيى القطّان، وغيرهم. قال المفضل الغلّابي: حدثنا رجل من أهل اليمامة، وسألته عن عكرمة؟، فقال: هو عكرمة بن عمّار بن عُقبة بن حبيب بن شهاب بن ذُباب بن الحارث بن حمضانة بن الأسعد بن جُذَيمة بن سعد بن عِجْل. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: عكرمةُ مضطرب الحديث عن يحيى بن أبي كثير، وقال أيضاً عن أبيه: عكرمة مضطرب الحديث عن غير إياس بن سلمة، وكان حديثه عن إياس صالحاً. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أحمد بن حنبل يضعّف رواية أيوب بن عُتبة، وعكرمة بن عمّار، عن يحيى بن أبي كثير، وقال: عكرمة أوثق الرجلين. وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله هل كان باليمامة أحد يقدّم على عكرمة اليمامي مثل أيوب بن عُتبة، وملازم بن

стр. 9059

عمرو، وهؤلاء؟ فقال: عكرمة فوق هؤلاء، أو نحو هذا، ثمّ قال: روى عنه شعبة أحاديث، وقال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين: ثقة، وقال الغلّابي، عن يحيى: ثبت، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صدوق ليس به بأس. وقال أبو حاتم، عن ابن معين: كان أمّياً، وكان حافظاً, وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: أيوب بن عتبة أحبّ إليك، أو عكرمة بن عمّار؟ فقال: عكرمة أحبّ إلي، وأيّوب ضعيف. وقال ابن المدينيّ: أحاديث عكرمة، عن يحيى بن أبي كثير ليس بذاك، مناكير، كان يحيى ابن سعيد يضعّفها، وقال في موضع آخر: كان يحيى يضعف رواية أهل اليمامة، مثل عكرمة، وضَرْبه، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة, عن علي بن المديني: كان عكرمة عند أصحابنا ثقة ثبتاً. وقال العجلي: ثقة يروي عنه النضر بن محمد ألف حديث. وقال البخاريّ: مضطرب فى حديث يحيى بن أبي كثير، ولم يكن له كتاب. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، وفي حديثه عن يحيى بن أبى كثير اضطراب, كان أحمد بن حنبل يقدّم عليه ملازم بن عمرو. وقال النسائيّ: ليس به بأس، إلا في حديث يحيى بن أبي كثير. وقال أبو حاتم: كان صدوقاً ربّما وهم في حديثه، وربما دلّس، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير بعض الأغاليط. وقال الساجيّ: صدوق, وثقه أحمد، ويحيى، إلا أن يحيى بن سعيد ضعفه في أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير، وقدّم ملازماً عليه. وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: عكرمة بن عقار ثقة عندهم. وروى عنه ابن مهدي، ما سمعت فيه إلّا خيراً، وقال في موضع آخر: هو أثبت من ملازم، وهو شيخ أهل اليمامة. وقال علي بن محمد الطنافسي: ثنا وكيع، عن عكرمة ابن عَمّار، وكان ثقة. وقال صالح بن محمد الأسديّ: كان ينفرّد بأحاديث طوال، ولم يشركه فيها أحد، قال: وقدم البصرة، فاجتمع إليه الناس، فقال: ألا أراني فقيهاً، وأنا لا أشعر!، وقال صالح بن محمد أيضاً: إن عكرمة بن عمار صدوق، إلا أن في حديثه شيئاً، روى عنه الناس. وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاريّ الحافظ: عكرمة بن عمار ثقة، روى عنه الثوريّ، وذكره بالفضل، وكان كثير الغلط، ينفرد عن إياس بأشياء، لا يشاركه فيها أحد. وقال ابن خراش: كان صدوقاً، وفي حديثه نُكْرة. وقال الدارقطني: ثقة. وقال ابن عديّ: مستقيم الحديث إذا روى عنه ثقة. وقال عاصم بن علي: كان مستجاب الدعوة. قال معاوية بن صالح: مات في إمارة المهدي، وقال ابن معين وغيره: سنة (١٥٩) وكذا ذكر ابن حبّان في "الثقات"، وقال: في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، كان يحدّث من غير كتابه. وقال أبو أحمد الحاكم: جُلُّ حديثه عن يحيى ليس بالقائم.

стр. 9060

وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتاً. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: أنا أقول: إنه ثقة، وأحتجّ به، وبقوله. علق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٦) أحاديث. ٤ - (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني، ثقة حجة [٤] تقدّم ٥٤/ ٦٨. ٥ - (أنس بن مالك) ﵁. تقدم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أَنَّ فيه روايةَ تابعي، عن تابعي، وفيه أنس رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه، سقط من بعض النسخ لفظ "بن مالك"، أنه (قال: جاءت أم سُليم) بنت مِلْحان بن خالد الأنصارية، والدة أنس الراوي عنها، واختلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: غير ذلك، واشتهرت بكنيتها، كانت من الصحابيّات الفاضلات، ماتت ﵂ في خلافة عثمان ﵁، تقدمت ترجمتها في ٤٣/ ٧٣٧ (إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله علّمني كلمات أدعو بهنّ) جملة في محل نصب صفة لـ"كلمات". ولفظ الترمذي: "أقولهن" (في صلاتي) هذا يدلّ على أن هذا الذكر من التسبيح، والحمد، والتكبير يكون في الصلاة قبل التحلّل بالسلام (قال: سبحي الله عشراً) أي قولي سبحان الله عشر مرّات، فـ"عشراً" منصوب على أنه صفة لمقدر، أي مرّات عشراً، وكذا ما بعده (واحمديه عشراً) بفتح الميم، فعل أمر من الحمد ثلاثيّا (وكبريه عشراً، ثمّ سليه حاجتك) قال السندي ﵀: كأنه أخذ منه كون هذا الذكر بعد التشهد، إذ المعهود سؤال الحاجات هناك، وإلّا فلا دلالة في لفظ الحديث على ذلك، وقد جاء الدعاء في السجود وغيره انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استنباط المصنف رحمه الله تعالى صحيح، لأن ما بعد التشهد محل للدعاء، كما دل عليه حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه المتقدم: "ثم ليتخير بعدُ من الدعاء ما شاء"، فإن فيه أنّ ما بعد التشهد محل للدعاء، ولما قال ﷺ لأم سليم رضي الله تعالى عنها: "ثم سليه حاجتك" عرفنا أن سؤالها يكون في محل

стр. 9061

السؤال، وهو ما بعد التشهد، ولا يعترض على ذلك بما ثبت من كون السجود محلّ الدعاء أيضًا، لأننا لا نمنع أن يُعمل به هناك أيضاً. والله تعالى أعلم. (يقل) بالجزم على أنه جواب الأمر، وفي نسخة "يقول" بالرفع على الاستئناف، (نعم نعم) جواب للطلب، أي أعطيكِ مطلوبك، وكُرّر للتأكيد. وفيه أن "نعم" يجاب بها الجملة الطلبية للوعد بالمطلوب، والتوجه إلى الطالب. وفي رواية أحمد "قد فعلت، قد فعلت". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رضي الله تعادى عنه هذا حسنه بعضهم، وصححه ابن خزيمة (١) , وهو كذلك، وإن كان فيه عكرمة بن عمّار، وقد تكلموا فيه، كما تقدّم، لأنه يشهد له حديث فضالة المتقدم -٤٨/ ١٢٨٤. والحاصل أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن, إن سلم من عنعنة عكرمة، فإنه وصف بالتدليس (٢). والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له, وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٧/ ١٢٩٩ - وفي "الكبرى" ٩١/ ١٢٢٢ - وأخرجه (ت) -٤٨١ - (وأحمد) ٣/ ١٢٠ - (وابن خزيمة) ٨٥٠. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية الذكر بعد التشهد. ومنها: استحباب تقديم الذكر على الدعاء, ليكون وسيلةً لقبوله. ومنها: جواز التسبيح، والحمد، والتكبير داخل الصلاة عند إرادة الدعاء، قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في "صحيحه": "باب إباحة التسبيح، والتحميد، والتكبير في الصلاة عند إرادة المرء مسألة حاجة يسألها ربّه ، وما يُرجى في ذلك من الاستجابة (٣) انتهى. والله تعالى أعلم

стр. 9062

بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٨ - (بَابُ الدُّعَاء بَعْدَ الذِّكْرِ) ١٣٠٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ أَخِي أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا، يَعْنِي وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَكَعَ، وَسَجَدَ، وَتَشَهَّدَ دَعَا، فَقَالَ فِي دُعَائِهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: "تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الحافظ الثبت تقدم ١/ ١. ٢ - (خلف بن خليفة) الأشجعي مولاهم، أبو أحمد الكوفي، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوق اختلط في الآخر [٨] تقدم ١١٠/ ١٤٩. ٣ - (حفص بن أخي أنس) أبو عمر المدني، صدوق [٤]. قيل: هو ابن عبد الله، أو ابن عبيد الله بن أبي طلحة، وقيل: ابن عمر بن عبد الله، أو ابن عبيد الله بن أبي طلحة، وقيل: ابن محمد بن عبد الله. روى عن عمه. وعنه خلف بن خليفة، وعكرمة بن عمار، وأبو معشر المدني، وعامر بن يساف. قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الدارقطني: ثقة. وقال ابن حبّان في "الثقات": حفص بن عبد الله بن أبي طلحة صحب أنسا إلى الشام. وقال البخاريّ: روى عنه ابنه عبد الله، وروى له أحمد في "مسنده" عدّة أحاديث من رواية خلف بن خليفة عنه، عن أنس، قال في بعضها: عن حفص بن عمر، وقال في بعضها: عن حفص ابن أخي أنس، فيترجّح أن اسم أبيه عمر. أخرج له البخاري في "الأدب

стр. 9063

المفرد"، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث رقم (٥٤٧٢). ٤ - (أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه تقدم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيّات المصنف، وهو (٧٨) من رباعيات الكتاب، وفيه أنس رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة، وفيه أن حفص ابن أخي أنس هذ أول محل ذُكر فيه من الكتاب، وليس له فيه إلا حديثان، كما مر آنفاً. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: كنت مع رسول الله ﷺ جالساً) زاد في رواية أحمد: "في الحلقة" (يعني ورجل قائم يصلي) إنما قال: "يعني" لشكه، هل قال: "رجل"، أو "إنسان"، أو نحو ذلك، ولم يتبين لي القائل، وعند أبي داود: "أنه كان مع رسول الله ﷺ جالساً، ورجل يصلي". بدون "يعني"، وعند أحمد: "ورجل قائم يصلي". وهذا الرجل هو أبو عيّاش الزُّرَقي، واسمه زيد بن صامت ﵁، فقد بيّنه أحمد في "مسنده" جـ ٣ ص ٢٦٥ - فقال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي, ثنا سلمة بن الفضل، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عبد العزيز بن مسلم، عن عاصم, عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، عن أنس بن مالك، قال: مرّ رسول الله ﷺ بأبي عَيّاش زيد ابن صامت الزُّرقيّ، وهو يصلي، وهو يقول: اللَّهم إني أسألك بأنّ لك الحمد، لا إله إلّا أنت، يا منّان، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، فقال رسول الله ﷺ : "لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى". وهو ظاهر في أن هذا الدعاء كان في الصلاة، لا بعدها. (فلما ركع، وسجد، وتشهّد دعا) ولأحمد: "فلما ركع، وسجد جلس، وتشهد، ثم دعا، فقال: اللَّهم … " الحديث. وهذا محل الترجمة، فإنه دعا بعد التشهد، وهو ذكر، فدلّ على مشروعية الدعاء بعد الذكر، والظاهر أنه دعا قبل التسليم من الصلاة (فقال في دعائه: اللَّهم) تقدم معنى هذه الكلمة في شرح حديث الصلاة على النبي ﷺ (إني أسالك بأن لك الحمد) الجارّ والمجرور متعلق بمحذوف حال من الفاعل، والمسؤول محذوف لإرادة التعميم،

стр. 9064

والتقدير -والله أعلم- اللَّهم إني أسألك الخير كلّه متوسلا إليك بالثناء عليك بهؤلاء الكلمات (لا إله إلا أنت المنّان) من الْمَنّ، وهو العطاء، أي المعطي ابتداءً، ولله المنّة على عباده، ولا منّة لأحد منهم عليه، تعالى علوّا كبيراً. وقال ابن الأثير: هو المنعم المعطي، من الْمَنْ بمعنى الإحسان إلى من لا يَستثيبه، ولا يَطلب الجزاء عليه، وهو من أبنية المبالغة، كالسَّفّاك، والوهّاب انتهى (١). ويطلق المنّ أيضاً على تعداد النعم، وهو في جانب الله تعالى ممدوح، وفي جانب الخلق مذموم، وهو المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٤]. وفي رواية لأحمد: "الحنّان" بدل "المنان". وهو بتشديد النون: بمعنى الرحيم، قال ابن الأثير: الحنّان: الرحيم بعباده، فَعّال من الرحمة للمبالغة (٢). (بديع السموات والأرض) بالرفع على الوصفية، ويحتمل النصب على الحالية، أو على النداء، أي خالقهما، ومبدعهما، لا على مثال سبق، وفي "اللسان": "بديع" فعيل، بمعنى فاعل، مثل قدير بمعنى قادر. وهو صفة من صفات الله تعالى، لأنه بدأ الخلق على ما أراد على غير مثال تقدمه. انتهى (يا ذا الجلال) أي العظمة والكبرياء (والإكرام) أي إكرام عباده المؤمنين بإنعامه عليهم. وقال القرطبي: أي هو أهل لأن يُكْرَمَ عما لا يليق به من الشرك، كما تقول: أنا أكرمك عن هذا، ومنه إكرام الأنبياء والأولياء انتهى (٣). وقال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام: الفرق بين "الجلال" و"الجمال" إنما يحصل باعتبار أثريهما، إذ أثر هذه الهيبةُ، والأخرى المحبّة، وتارة المهابة، وهما شيء واحد، فتارة يخلق الله مُشاهدة المحبة، وتارة المَهَابة، و"الإكرامُ": الإحسانُ، وإفاضة النعم. انتهى (٤). (يا حيّ) قال الطبري عن قوم: إنه يقال: حيّ قيّوم كما وصف نفسه، ويُسلّم ذلك دون أن يُنظر فيه. وقيل: سمى نفسه حياً لصرفه الأمور مصاريفها، وتقديره الأشياء مقاديرها. وقال قتادة: الحيّ الذي لا يموت، وقال السدّيّ: المراد بالحيّ الباقي (يا قيوم) أي القائم بتدبير ما خلق، قاله قتادة. وقال الحسن: معناه القائم على كلّ نفس بما

стр. 9065

كسبت حتى يجازيها بعملها، من حيث هو عالم بها لا يخفى عليه شيء منها. وقال ابن عباس: معناه الذي لا يحول، ولا يزول (١) (إني أسالك) جملة مؤكدة لقوله: "إني أسألك" الماضي (فقال النبي ﷺ لأصحابه: أتدرون) وفي نسخة: "تدرون" دون همزة الاستفهام (بما دعا) أي بالشيء الذي دعا به. فـ"ما" موصولة، ويحتمل أن تكون استفهامية، أي بأيّ شىء دعا, ولم تسقط ألفها على قلة, كقوله: [من الوافر] عَلَى مَا قَامَ يَشتِمُنِي لَئِيمٌ … كَخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادِ وقرىء: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم) وفي نسخة: "الأعظم" (وإذا سئل به أعطى) فيه أن هذا الدعاء فيه اسم الله الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد اختلف في تعيين الاسم الأعظم على نحو من أربعين قولاً، قد أفردها السيوطي بالتصنيف. قال ابن حجر: وأرجحها من حيث السند: "الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد". -يعني الآتي في الحديث التالي-. وقال ابن الجزري: وعندي أن الاسم الأعظم: "لا إله إلا هو الحي القيوم". وذكر ابن القيّم فى "الهدي" أنه "الحي القيّوم"، فينظر في وجه ذلك انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٨/ ١٣٠٠ - وفي "الكبرى" -٩٢/ ١٢٢٣ - بالسند المذكور. وأخرجه (د) ١٤٩٥ (أحمد) ٣/ ١٥٨ و٣/ ٢٤٥ (البخاري) في "الأدب المفرد" ٧٠٥. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب الدعاء بعد تقديم الذكر

стр. 9066

والثناء على الله تعالى. ومنها: بيان فضل هذا الدعاء، وأن فيه اسم الله الأعظم الذي يستجيب به دعاء الداعي، فينبغي تقديمه قبل طلب الحاجة حتى يستجاب الدعاء. ومنها: أن بعض أسماء الله تعالى فيه من السر ما ليس في غيره، وإن كانت أسماؤه كلها عظيمة مقدسة، إلا أن لبعضها تأثيراً في قضاء الحاجة، واستجابة الدعوة أكثر وأعظم، وهذا لا يُعلم إلا عن طريق الوحي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٠١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ أَبُو بُرَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَنْظَلَةُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَّ مِحْجَنَ بْنَ الأَدْرَعِ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، إِذَا رَجُلٌ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ، وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ بِأَنَّكَ الْوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ غُفِرَ لَهُ" ثَلَاثًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن يزيد أبو بُريد (١) البصري) الْجَرْمي، صدوق [١١] من أفراد المصنف، تقدم ١٠٠/ ١٣٠. ٢ - (عبد الصمد بن عبد الوارث) التَّنُّوري البصري، صدوق ثبت في شُعبة [٩] تقدم ١٢٢/ ١٧٤. ٣ - (أبوه) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَري مولاهم أبو عُبيدة التّنّوري البصري، ثقة ثبت، رمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] تقدم ٦/ ٦. ٤ - (حُسين المعلم) هو ابن ذكوان العَوْذيّ البصري، ثقة ربّما وهم [٦] تقدم ١٢٢/ ١٧٤. ٥ - (ابن بُريدة) هو عبد الله بن بُريدة بن الحُصيب الأسلمي، أبو سهل المروزي قاضيها، ثقة [٣] تقدم ٢٥/ ٣٩٣. ٦ - (حنظلة بن عليّ) بن الأسقع الأسلميّ، ويقال: السلميّ المدني، ثقة [٣]. روى عن حمزة بن عمرو، وخُفَاف بن إيماء، ورافع بن خَديج، وربيعة بن كعب، ومِحْجَن بن الأدرع، وأبي هريرة. وعنه عبد الله بن بُريدة، وعبد الرحمن بن حرملة،

стр. 9067

والزهري، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى الترمذي، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث رقم (٢٣٠٠) وأعاده برقم (٢٣٠١). ٧ - (مِحْجَن بن الأدرع) -بكسر أوله، ثم حاء مهملة ساكنة، ثم جيم مفتوحة- الأسلميّ. روى عن النبي ﷺ . وعنه حنظلة بن عليّ الأسلميّ، ورجاء بن أبي رجاء الباهليّ، وعبد الله بن شقيق، سكن البصرة، وهو الذي اختطّ مسجدها، وكان قديم الإسلام، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : "وأنا مع ابن الأدرع". فقد ذكر ابن إسحاق في "المغازي" عن سفيان بن فَرْوة الأسلمي، عن أشياخ من قومه من الصحابة، قالوا: مرّ رسول الله ﷺ ، ونحن نتناضل، فبينا محجن بن الأدرع يُناضل رجلاً منّا من أسلم، قال: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً, ارموا، وأنا مع ابن الأدرع"، فألقى نَضْلَة قَوْسَهُ من يده، وقال: والله لا أرمي معه، وأنت معه، فإنه لا يُغلب من كنت معه، فقال: "ارموا، وأنا معكم كُلِّكم". قال أبو عمر: يقال: إنه مات في أواخر خلافة معاوية ﵄. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنف، وليس له عندهما غير حديث الباب، كما قال الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلى حسين المعلم، وابن بريدة مروزي، والباقيان مدنيان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن حَنظلة بن علي الأسلميّ رحمه الله تعالى (أن محجن بن الأدرع) رضي الله تعالى عنه (حدّثه) أي حنظلةَ بن علي (أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، إذا رجل) وفي رواية أحمد جـ ٤ ص ٣٣٨ - "فإذا هو برجل"، ومثله في "المعجم الكبير" للطبراني جـ ٢٠/ ٢٩٦ - (قد قضى صلاته، وهو يتشهد، فقال) ولأحمد: "وهو يقول" (اللَّهم إني أسالك يا الله) "اللَّهم أصله "يا الله"، وإنما كرره لإظهار الذلّة والافتقار (بأنك الواحد الأحد) ولأبي داود: "يا الله الأحد". و"الأحد" بمعنى الواحد، كما ذكره ابن عبّاس، وأبو

стр. 9068

عبيدة، ويؤيّده قراءة الأعمش: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وهو تعالى واحد في ذاته، وصفاته، وأفعاله. وقد يفرّق بين "الواحد" و"الأحد" بأن الأحد في النفي نصّ في العموم، بخلاف الواحد، فإنه محتمل للعموم وغيره. (الصمد) قال ابن الأنباريّ: لا خلاف بين أهل اللغة أنه السيّد الذي ليس فوقه أحد، الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم. وقال قتادة: هو الذي يحكم ما يريد، ويفعل ما يشاء، لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه (١). وقيل: تفسيره ما بعده، وهو قوله (الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) وفيه التوسل بأسماء الله تعالى الحسنى، وصفاته العليا (أن تغفر لى ذنوبي) في تأويل المصدر مفعول "أسأل" (إنك أنت الغفور الرحيم) تعليل للمسألة، أي إنما سألتك مغفرة ذنوبي لكونك متصفاً بالمغفرة والرحمة (فقال رسول الله ﷺ ) وفي النسخة "الهنديّة" "النبي"، ولأحمد: "قال: فقال نبي الله ﷺ " (قد غفر له ثلاثاً) أي قالها ثلاث مرّات. ولفظ أحمد: "قد غُفر له، قد غفر له، قد غفرله ثلاث مرّات". ونحوه للطبراني في "الكبير". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث محجن بن الأدرع رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٥٨/ ١٣٠١ - وفي "الكبرى" ٩٢/ ١٢٢٤ - بالسند المذكور. وأخرجه (د) ٩٨٥ - (أحمد) ٤/ ٣٣٨ - (ابن خُزيمة) ٧٢٤. وفوائد الحديث تعلم مما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 9069

٥٩ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ) ١٣٠٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضى الله عنهم-، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: "قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة بن سعيد) تقدم في الباب الماضي. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الفقيه الحجة المصريّ [٧] تقدم ٣١/ ٣٥. ٣ - (يزيد بن أبي حبيب) المصري، ثقة فقيه [٥] تقدّم ١٣٤/ ٢٠٧. ٤ - (أبو الخير) مرثد بن عبد الله اليَزَني المصري، ثقة فقيه [٣] تقدّم ٣٨/ ٥٨٢. ٥ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد ابن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرَّة على الأصح، بالطائف على الراجح، ﵄، تقدم ٨٩/ ١١١. ٦ - (أبو بكر الصّدّيق) عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرّة التيمي، الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ ، وصاحبه في الغار، وقيل: اسمه عتيق، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب، أسلم أبواه، رَوَى عن النبي ﷺ . وعنه عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وأولاده: عبد الرحمن، وعائشة، ومحمد، وابن عباس، وابن الزبير وغيرهم. قال إبراهيم النخعي: كان يُسمّى الأوّاه لمراقبته، وقال ميمون بن مهران: لقد آمن أبو بكر بالنبي ﷺ زمانَ بَحِيراء الراهب، واختلف بينه وبين خديجة حتى تزوّجها، وذلك قبل أن يولد عليّ. وقال أبو أحمد العسكريّ: كانت إليه الأشناق (١) في الجاهلية، وهي الديات، كان إذا حمل شيئاً، فسأل فيه قُريشاً صدّقوه، وأمضوا حَمَالته (٢)، وإن احتملها غيره لم يصدّقوه، وخَذَلوه. وذكر ابن سعد عن ابن شهاب أن

стр. 9070

أبا بكر، والحارث بن كَلَدَة أكلا حَريرة أُهديت لأبي بكر، فقال الحارث -وكان طبيباً-: ارفع يدك، والله إن فيها لسمّ سنة، فلم يزالا عليلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد. ولي الخلافة بعد النبي ﷺ سنتين وشيئاً، وقيل: عشرين شهراً. توفي رضي الله تعالى عنه يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة (١٣) عن (٦٣) سنة, وصلى عليه عمر، ودُفن مع رسول الله ﷺ . ومناقبه وفضائله كثيرة جدًا، مدوّنة في كتب العلماء، وهي في مجلّد لطيف في "تاريخ ابن عساكر". أخرج له الجماعة، له (١٤٢) اتفق الشيخان على (٦) وانفرد البخاري بـ (١١) ومسلم بحديث، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثاً. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة. ومنها: أنه مسلسل بالمصريين. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي. ومنها أن فيه الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه، وهذا أول باب ذُكر فيه من هذا الكتاب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن عمرو، عن أبى بكر الصديق ﵄) هكذا النسخ بتثنية الضمير، والأولى أن يكون بلفظ "عنهم" بالجمع؛ لأن عمرو بن العاص والد عبد الله صحابي أيضاً، فليُتنبّه. قال في "الفتح": مقتضى هذا أن الحديث من مسند الصدّيق ﵁، وأوضح من ذلك رواية أبي الوليد الطيالسي، عن الليث، فإن لفظه عن أبي بكر، قال: "قلت: يا رسول الله". أخرجه البزّار من طريقه، وخالف عمرُو بن الحارث الليثَ، فجعله من مسند عبد الله بن عمرو، ولفظه: "عن أبي الخير أنه سمع عبد الله بن عمرو، يقول: إن أبا بكر قال للنبي ﷺ "، هكذا رواه ابن وهب، عن عمرو، ولا يقدح هذا الاختلاف في صحة الحديث انتهى (١). أنه (قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاء أدعو به في صلاتي) الظاهر أنه يريد عقب التشهد الأخير، والصلاةِ على النبي ﷺ ، والاستعاذةِ من الأربع، وإليه جنح البخاريّ في
следующие страницы →