إلا أنه بصريّ الأصل، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه سالم من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر ﵁ (أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً) وفي الرواية التالية: "قال: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ قِبَلَ نجد، فوازينا العدوّ، وصاففناهم، فقام رسول اللَّه ﷺ يصلي بنا، فقامت طائفة منّا معه، وأقبلت طائفة على العدوّ … ".
(وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ) أي مقابلتُهُ (ثُمَّ انْطَلَقُوا) أي ذهبت الطائفة التي قامت معه بعد أن صلى بها ركعة (فَقَامُوا فِي مَقَامِ أُولَئِكَ) أي الذين واجهوا العدوّ (وَجَاءَ أُولَئِكَ، فَصَلَّى بِهمْ رَكْعَةً أُخْرَى) هي الركعة الثانية له (ثُمّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ) أي على الطائفة الثانية (فَقَامَ هَؤُلَاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ، وَقَامَ هَؤُلَاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ) وفي الرواية الآتية: "ثم قام كل رجل من الطائفتين، فصلى كل رجل لنفسه ركعة، وسجدتين".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهره أنهم أتمّوا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى، وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ﵁، ولفظه: ثم سلم، فقام هؤلاء -أي الطائفة الثانية- فقضوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم، فصلّوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا" انتهى.
وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها، ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، ووقع في الرافعي تبعًا لغيره من كتب الفقه أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت، وجاءت الطائفة الأولى، فأتموا ركعة، ثم تأخروا، وعادت الطائفة الثانية، فأتموا, ولم نقف على ذلك في شيء من الطرق.
واستدلّ بقوله: "طائفة" على أنه لا يشترط استواء الفريقين في العدد، لكن لا بدّ أن تكون التي تحرس يحصل الثقة بها في ذلك، والطائفة تطلق على الكثير والقليل، حتى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة، ووقع لهم الخوف جاز لأحدهم أن يصلي بواحد، ويحرس واحد، ثم يصلي الآخر، وهو أقلّ ما يتصوّر في صلاة الخوف جماعة على القول بأقل الجماعة مطلقًا، لكن قال الشافعيّ: أكره أن تكون كل طائفة أقلّ من ثلاثة, لأنه أعاد عليهم ضمير الجمع بقوله: ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾. ذكره النوويّ في "شرح مسلم" وغيره.
стр. 9837
واستدلّ به على عظم أمر الجماعة، بل على ترجيح القول بوجوبها, لارتكاب أمور كثيرة لا تُغتفر في غيرها, ولو صلى كل امرئ منفردًا لم يقع الاحتياج إلى معظم ذلك (١) .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٧/ ١٥٣٨ - وفي "الكبرى"-٢٢/ ١٩٢٨ - بالسند المذكور، وفي ١٥٣٩ - و"الكبرى" ١٩٢٩ - عن كثير بن عُبيد، عن بقية، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري به. و ١٥٤٠ - و"الكبرى" ١٩٢٦ - عن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم البَرْقيّ، عن عبد اللَّه بن يوسف، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهريّ به.
و١٥٤١ - و"الكبرى" ١٩٢٧ - عن عمران بن بكّار، عن محمد بن المبارك، عن الهيثم ابن حميد،، عن العلاء، وأبي أيوب، كلاهما عن الزهري، عن ابن عمر. و ١٥٤٢ - و"الكبرى" ١٩٣٥ - عن عبد الأعلي بن واصل بن عبد الأعلى، عن يحيى بن آدم، عن سفيان الثوريّ، عن موسى بن عُقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵁.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ١٧ و ٢/ ١٨ و ٥/ ١٤٦ و ٦/ ٣٨ (م) ٢/ ٢١٢ (د) ١٢٤٣ (ت) ٥٦٤ (ق) ١٢٥٨ (مالك في الموطإ) ١٣٠ (أحمد) ٢/ ١٣٢ و ١٤٧ و ١٥٠ و ١٥٥ (الدارمي) ١٥٢٩ (ابن خزيمة) ٩٨٠ و ٩٨١ و ١٣٥٤ و ١٣٥٥ و ١٣٦٦ و ١٣٦٧٠ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٣٩ - أَخْبَرَنِي (٢) كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ بَقِيَّةَ, عَنْ شُعَيْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ, فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ, وَصَافَفْنَاهُمْ (٣) , فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُصَلِّي بِنَا, فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مِنَّا مَعَهُ, وَأَقْبَلَ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ, فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَمَنْ مَعَهُ رَكْعَةً, وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ انْصَرَفُوا, فَكَانُوا (٤) مَكَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا, وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ, فَرَكَعَ
стр. 9838
بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَقَامَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ, فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً, وَسَجْدَتَيْنِ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (كثير بن عُبيد) أبو الحسن الحمصى الحَذّاء المقرئ، ثقة [١٠] ٥/ ٤٨٦.
٢ - (بقية) بن الوليد الحمصيّ، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥.
٣ - (شعيب) بن أبي حمزة الحمصي، ثقة ثبت [٧] ٦٩/ ٨٥.
والباقون تقدموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده بقية بن الوليد، وهو كثير التدليس عن "الضعفاء" كما سبق آنفًا، وقد عنعنه؟.
[قلت]: لم ينفرد به بقية، بل تابعه أبو اليمان الحكم بن نافع في روايته عن شعيب ابن أبي حمزة، عند البخاريّ في "صحيحه" ج ٢/ ١٧ و٥/ ١٤٦، فالحديث به صحيح، فتنبه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قِبَل نجد" بكسر، ففتح، منصوب على الظرفية، أي جهة نجد، و، "النجد" بفتح، فسكون: كل ما ارتفع من بلاد العرب من تهامة إلى العراق، وقال الأبهريّ: المراد هنا نجد الحجاز، لا نجد اليمن. قال العينيّ والقسطلاني: هذه الغزوة هي غزوة ذات الرقاع.
وقوله: "فوازينا العدو" بالزاي، من الموازاة، وهي المقابلة والمواجهة، وأصله من الإزاء بهمزة في أوله، قال الجوهريّ: يقال: هو بإزائه، أي بحذائه، وقد آزيته: إذا حاذيته، ولا تقل: وازيته بالواو.
فعلى هذا أصل وازينا آزينا، قُلبت الهمزة واوًا. وقال القاري بعد نقل كلام الجوهريّ: لكن رواية المحدثين مقدمة على نقل اللغويين، مع أن المثبت مقدم على النافي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، لا سيما وقد وافقهم صاحب "النهاية"، أو هما لغتان، كالمواكلة، والمواخذة انتهى (١).
وقوله: "فقام كل رجل من المسلمين، فركع لنفسه الخ" فيه دليل على أن المسبوقين يصلي كل منهم لنفسه، ولا يُشرع لهم أن يقدّموا أحدهم فيصلوا خلفه جماعة, لأنهم في حكم صلاة الإمام الذي سلّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
стр. 9839
حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, يُحَدِّثُ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: كَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ , وَصَفَّ خَلْفَهُ طَائِفَةٌ مِنَّا, وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ, فَرَكَعَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ انْصَرَفُوا, وَأَقْبَلُوا عَلَى الْعَدُوِّ, وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى, فَصَلُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ , فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ سَلَّمَ, ثُمَّ قَامَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ, فَصَلَّى لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَبدِ الرَّحِيمِ) بن سَعْيَهْ (١) بن أبي زرعة، المصريّ، أبو عبد اللَّه بن الْبَرْقِيُّ -بفتح الموحدة، وسكون الراء- مولى بني زُهرة، وقد يُنسب إلى جدّه، قيل: "البَرْقيّ" لأنه كان يتّجر هو وأخوه إلى بَرْقَة، ثقة [١١].
روى عن أسد بن موسى، وموسى بن هارون، وعبد اللَّه بن يوسف التنّيسيّ، وغيرهم. وعنه أبو داود، والنسائي، وابنه عبيد اللَّه، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال النسائيّ: لا بأس به. وقال ابن يونس: كان ثقة، حدّث بكتاب "المغازي" عن عبد الملك بن هشام، توفي في جمادى الآخرة سنة (٢٤٩). تفرّد به المصنف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث.
٢ - (عبد اللَّه بن يوسف) التنّيسيّ -بمثناة، ونون ثقيدة، بعدها تحتانية، ثم مهملة- أبو محمد الكَلاعيّ المصريّ، أصله من دمشق، نزيل تِنِّيس، ثقة متقن، من أثبت الناس في "الموطإ"، من كبار [١٠] ١٢٩/ ١٩٢.
٣ - (سعيد بن عبد العزيز) التَّنُوخِيّ الدمشقيّ، ثقة إمام، لكنه اختلط في آخره [٧] ٥/ ٤٦٠.
والباقون تقدموا قريبًا، والحديث، وإن كان فيه انقطاع كما سينبه عليه المصنف، في الرواية التالية، إلا أنه صحيح بما سبق، وما يأتي، فتنبه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٤١ - أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ, عَنِ الْعَلَاءِ وَأَبِي أَيُّوبَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ, قَامَ, فَكَبَّرَ, فَصَلَّى خَلْفَهُ طَائِفَةٌ مِنَّا, وَطَائِفَةٌ مُوَاجِهَةَ
стр. 9840
الْعَدُوِّ, فَرَكَعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً, وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ انْصَرَفُوا, وَلَمْ يُسَلِّمُوا, وَأَقْبَلُوا عَلَى الْعَدُوِّ, فَصَفُّوا مَكَانَهُمْ, وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى, فَصَفُّوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقَدْ أَتَمَّ رَكْعَتَيْنِ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ, ثُمَّ قَامَتِ الطَّائِفَتَانِ, فَصَلَّى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ السُّنِّيِّ: الزُّهْرِيُّ سَمِعَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَيْنِ, وَلَمْ يَسْمَعْ هَذَا مِنْهُ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمران بكّار) بن راشد الكلاعيّ أبو موسى البرّاد -بموحدة ثقيلة- الحمصيّ المؤذن، ثقة [١١].
روى عن الحسن بن خُمَير، وبشر بن أبي حمزة، ومحمد بن المبارك الصّوريّ، وغيرهم. وعنه النسائي، وأبو حاتم، ومحمد بن جرير الطبريّ، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وقال مَسلمة بن قاسم: لا بأس به، مات بحمص سنة (٢٧١). تفرّد به المصنّف، وروى عنه في هذا الكتاب عشرين حديثًا.
٢ - (محمد بن المبارك) بن يعلى القرشيّ الصوريّ، أبو عبد اللَّه القلانسيّ، سكن دمشق، ثقة، من كبار [١٠].
روى عن الهيثم بن حُميد، ومعاوية بن سلاّم، وصدقة بن خالد، وغيرهم. وعنه ابنه محمد، وعمران بن بكار، والذهليّ، وغيرهم. قال أبو زرعة الدمشقي، عن الوليد بن عتبة: سمعت مروان بن محمد يقول: ليس فينا مثله. قال أبو زرعة: وشهدت جنازته في شوّال سنة (٢١٥) وصلى عليه أبو مسهر، فلما فرغ أثنى عليه، وقال: -يَرَحِمَهُ اللَّهُ-، فذكر جميلاً. وقال محمود بن خالد: قال ابن معين: محمد بن المبارك شيخ الشام بعد أبي مسهر. وقال العجليّ، وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مولده سنة (١٥٣) ومات سنة (١٥) وكان من العبّاد. وذكره ابن شاهين في "الثقات".
وقال الخليليّ: ثقة. وقال الذهليّ: كان أفضل أهل الشام. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط.
٣ - (الهيثم) بن حُميد الغسّانيّ مولاهم، أبو أحمد، أو أبو الحارث الدمشقيّ، صدوق، رمي بالقدر [٧] ١٣٤/ ٢٠٤.
٤ - (العلاء) الحارث بن عبد الوارث الحضرميّ، أبو وهب، ويقال: أبو محمد الدمشقي، صدوق فقيه، لكن رمي بالقدر، وقد اختلط [٥].
روى عن عبد اللَّه بن بُسر، ومكحول، والزهري، وغيرهم. وعنه الأوزاعي، والهيثم بن حُميد، ويحيى بن حمزة، وغيرهم. قال معاوية بن صالح، عن أحمد: صحيح الحديث، وكذا قال المفضل الغلابي، وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة، قيل له: في حديثه شيء؟ قال: لا, ولكن كان يرى القدر. وقال ابن المديني: ثقة. وقال
стр. 9841
دُحيم: كان مقدمًا على أصحاب مكحول، ثقة. وقال أبو حاتم: لا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أوثق منه، وقال الكناني: قلت لأبي حاتم عنه، فقال: كان يرى القدر، كان دمشقيّا من خيار أصحاب مكحول، صدوقًا في الحديث ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، ولكنه أعلم أصحاب مكحول، وأقدمهم، كان يُفتي حتى خُولط. وقال أبو مسهر: مات يوم مات وهو فقيه الجند، وفي رواية أفقه الجند. مات سنة (١٣٦) وهو ابن (٧٠) سنة. روى له الجماعة، سوى البخاري، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم ١٥٤١ و ٤٨٤٠ و ٥٤٣٥ و ٥٤٣٦.
٥ - (أبو أيوب) الشامي، عن الزهريّ، عن ابن عمر حديث الباب فقط، وعنه الهيثم ابن حميد، مجهول [٧]. انفرد به النسائيّ بحديث الباب.
والباقيان تقدما قريبًا، والحديث صحيح بما سبق، ويأتي، وقد تقدم البحث فيه مستوفى قريباُ. وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (قَالَ: أَبُو بَكرِ ابْنُ السُّنِّيِّ) هو: الحافظ أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الدِّينوريّ، راوي "السنن" عن النسائي، المتوفّى سنة ٣٦٤ هـ تقدمت ترجمته في مقدّمة هذا الشرح (الزُّهْرِيُّ سَمِعَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَيْنِ، وَلَمْ يَسْمَعُ هَذَا مِنْهُ) غرضه بهذا بيان الانقطاع الواقع في سند هذا الحديث هنا، والذي قبله، حيث لم يسمعه الزهري من ابن عمر ﵁. لكن الحديث متصل بذكر سالم في الرواييتن السابقتين، ونافعٍ في الرواية التي بعد هذا، فلا يضره الانقطاع المذكور.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: (اعلم): أنه قد اختُلف في سماع الزهريّ من ابن عمر ﵄، فالأكثرون على أنه لم يسمع منه، فعن أحمد أنه قال: لم يسمع الزهريّ من عبد اللَّه بن عمر. وقال أبو حاتم: لا يصحّ سماعه من ابن عمر، رآه، ولم يسمع منه.
وعن ابن معين: ليس للزهريّ عن ابن عمر رواية. وقال الذهلي: لست أدفع رواية معمر عن الزهريّ أنه شهد سالما، وعبدَ اللَّه عمر مع الحجاج في الحج، فقد روى ابن وهب عن عُبيد اللَّه العمريّ، عن الزهريّ نحوه.
ورواية معمر التي أشار إليها الذهليّ أخرجها عبد الرزّاق في "مصنّفه" عنه، ولفظه: كتب عبد الملك إلى الحجّاح أن اقتد بابن عمر في المناسك، فأرسل إليه الحجاج يوم عرفة إذا أردت أن تروح فآذنّاه، فراح هو وسالم، وأنا معهما، وقال في آخره: قال ابن شهاب: وكنت صائمًا، فلقيتُ من الحرّ شدّة. قاله في "تهذيب التهذيب" (١).
[تنبيه]: وقع في نسخة "صحيح النسائي" للشيخ الألباني: ما نصه: قال أبو
стр. 9842
عبد الرحمن: قال أبو بكر ابن السنّي: الزهري سمع من ابن عمر الخ. زيادة أبي عبد الرحمن قبل أبي بكر ابن السنّيّ غلط, لأن ابن السنّي تلميذ لأبي عبد الرحمن النسائي، لا العكسُ فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٥٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ, فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ, فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ, وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ, فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً, ثُمَّ ذَهَبُوا, وَجَاءَ الآخَرُونَ, فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً, ثُمَّ قَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً رَكْعَةً.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبد الأعلي بن واصل بن عبد الأعلى) الأسديّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [١٠] ٥٤/ ٦١٨.
٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان، الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] ١/ ٤٥١.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري، تقدم قريبًا.
٤ - (موسى بن عُقْبة) بن أبي عيّاش الأسدي مولى آل الزبير، المدني، ثقة فقيه، إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢.
٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢.
والصحابي تقدم قريبًا، وكذا الكلام عدى الحديث، وباللَّه تعالى التوفيق.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، رواه المصنف ﵀ من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ مرفوعا، ورواه مالك ﵀ في "الموطإ" موقوفًا على ابن عمر ﵁، وقال في آخره: قال مالك: لا أرى عبد اللَّه بن عمر حدثه إلا عن رسول اللَّه ﷺ .
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- في "الاستذكار": هكذا روى مالك هذا الحديث عن نافع على الشكّ في رفعه، ورواه عن نافع جماعة لم يشكّوا في رفعه، وممن رواه مرفوعًا عن نافع عن ابن عمر، عن النبي ﷺ من غير شكّ ابنُ أبي ذئب، وموسى بن عقبة، وأيوب ابن موسى، وكذلك رواه الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، وكذلك رواه خالد بن معدان، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، وقد ذكرنا أحاديثهم عنه بالأسانيد من طرق في "التمهيد"، وكذا ذكرنا من روى مثل ذلك في صلاة الخوف عن النبي ﷺ من حديث ابن عباس، وأبي موسى، وأبي هريرة ﵁ في "التمهيد" أيضًا.
стр. 9843
وقال بحديث ابن عمر هذا من الفقهاء جماعة، منهم الأوزاعيّ، وإليه ذهب أشهب بن عبد العزيز صاحب مالك. وكان أحمد بن حنبل، ومحمد بن جرير الطبريّ، وطائفة من أصحاب الشافعيّ يذهبون إلى جواز العمل بكلّ ما روي عن النبي ﷺ في صلاة الخوف انتهى كلام أبي عمر -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٤٣ - أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ -ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ, وَذَكَرَ آخَرَ, قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ, أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ, يُحَدِّثُ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ, أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ, هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ؟ , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. قَالَ: مَتَى؟ قَالَ: عَامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ, قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ, وَقَامَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ, وَطَائِفَةٌ أُخْرَى مُقَابِلَ الْعَدُوِّ, وَظُهُورُهُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ, فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَكَبَّرُوا جَمِيعًا, الَّذِينَ مَعَهُ, وَالَّذِينَ يُقَابِلُونَ الْعَدُوَّ, ثُمَّ رَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً وَاحِدَةً, وَرَكَعَتْ مَعَهُ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَلِيهِ, ثُمَّ سَجَدَ, وَسَجَدَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَلِيهِ, وَالآخَرُونَ قِيَامٌ, مُقَابِلَ الْعَدُوِّ, ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقَامَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي مَعَهُ, فَذَهَبُوا إِلَى الْعَدُوِّ, فَقَابَلُوهُمْ, وَأَقْبَلَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ مُقَابِلَ الْعَدُوِّ, فَرَكَعُوا, وَسَجَدُوا, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ, كَمَا هُوَ, ثُمَّ قَامُوا, فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً أُخْرَى, وَرَكَعُوا مَعَهُ, وَسَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ, ثُمَّ أَقْبَلَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ مُقَابِلَ الْعَدُوِّ, فَرَكَعُوا, وَسَجَدُوا, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ, وَمَنْ مَعَهُ, ثُمَّ كَانَ السَّلَامُ, فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَسَلَّمُوا جَمِيعًا, فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَانِ, وَلِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ.
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهيمَ) أبو قُدَيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٧/ ٨٩٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللَّهِ بْن يَزِيدَ) المقرئ، أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١.
٣ - (أبوه) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ المكيّ بصريّ الأصل، ثقة فاضل [٩] ٤/ ٧٤٦.
٤ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صفوان التُّجِيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقة ثبت فقيه زاهد [٥] ١٧/ ٤٧٨.
[تنبيهٍ]: قوله: "وذكر آخر" أي ذكرُ عبد اللَّه بن يزيد مع حيوة رجلاً آخر حدثه أيضًا، وهو عبد اللَّه بن لَهِيعة، كما صرح به في رواية أبي داود، ومن عادة المصنف ﵀
стр. 9844
تعالى أنه إذا روى عن ثقة وقرن معه ابن لهيعة، يبهمه؛ لضعفه، وهكذا يفعل مسلم في "صحيحه" إذا روى عن ضعيف قرنه في الرواية بثقة، وقد تقدم البحث في هذا في المقدمة في [المسألة الخامسة عشرة]، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٥ - (أَبُو الأَسْوَدِ) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقة [٦] ٤/ ٧٤٦.
٦ - (عروة بن الزبير) بن العوّام المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤.
٧ - (مروان بن الحكم) بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدني، ليست له صحبة، قال عروة بن الزبير: مروان لا يُتَّهَم في الحديث [٢] ١١٨/ ١٦٣.
٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه، فالأول من أفراده، والثاني من أفواده وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الأسود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، أَنهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ؟، فَقَالَ أَبوَ هُرَيْرَةَ: نَعَمْ، قَالَ:) أي مروان (مَتَى؟) أي فيّ وقت صليتها معه؟ (قَال عَامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ) أي الغزوة التي كانت في أرض نجد، وهي غزوة ذات الرقاع، وكانت في السنة السابعة بعد خيبر، على ما اختاره البخاريّ ﵀, كما تقدّم، فقد قال أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -: صليت مع النبي ﷺ في غزوة نجد صلاة الخوف، وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي ﷺ أيام خيبر.
قال الحافظ ﵀: يريد بذلك تأكيد ما ذهب إليه من أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد خيبر، لكن لا يلزم من كون الغزوة كانت في جهة نجد أن لا تتعدّد، فإن نجدًا وقع القصد إلى جهتها في عدة غزوات انتهى.
لكن يؤيّد -كما قال بعضهم- ما اختاره البخاريّ ما رواه جابر ﵁ "أن النبي ﷺ صلى بأصحابه في الخوف في الغزوة السابعة ذات الرقاع".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في شرح هذا الحديث: في التنصيص على أنها سابع غزوة من غزوات النبي ﷺ تأييد لما ذهب إليه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- من أنها كان
стр. 9845
بعد خيبر، فإن المراد الغزواة التي وقع فيها القتال، وهي بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، والمُرَيسيعُ، وخيبر، والسابعة ذات الرقاع انتهى بتصرّف (١).
(قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقَامَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ، وَطَائِفَةٌ أُخْرَى مُقَابِلَ الْعَدُوِّ) ولفظ أبي داود: "مقابلي العدو"، وفي نسخة منه "مقابلوا العدوّ" (وَظُهُورُهُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ) أي والحال أن ظهور هذه الطائفة إلى جهة القبلة، حيث كان العدوّ في تلك الجهة (فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكَبَّرُوا جَمِيعًا، الَّذينَ مَعَهُ، والذينَ يُقَابِلُونَ الْعَدُوَّ، ثُمَّ رَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةَ وَاحِدَةَ، وَرَكَعَتْ مَعَهُ الطَّائِفَةُ الَّتي تَلِيهِ، ثُمَّ سَجَدَ، وَسَجَدَتِ الطائِفَةُ الَّتي تَلِيهِ، وَالآخَرُونَ قِيَام، مُقَابِلَ) وفي نسخة مقابلة (الْعَدُوَّ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَامَتِ الطائِفَةُ الَّتِي مَعَهُ، فَذَهَبُوا إِلَى الْعَدُوَّ، فَقَابَلُوهُمْ) أي قابلوا العدوّ (وَأَقْبَلَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ مُقَابِلَ) وفي نسخة "مقابلة" (الْعَدُوِّ، فَرَكَعُوا، وَسَجَدُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ، كَمَا هُوَ) أي على حالته التي هو عليها، فالكاف بمعنى "على".
[تنبيه]: (اعلم): أن للنحاة في هذه الجملة، وأمثالها أوجه من الإعراب، فقد ذكر ابن هشام الأنصاري في "مغني اللبيب"، في "كن كما أنت": ما خلاصته: وللنحاة في هذا المثال أعاريب:
١ - أن "ما" موصولة، و"أنت" مبتدأ، حذف خبره.
٢ - أنها موصولة، و"أنت" خبر، حذف مبتدؤه، أي كالذي هو أنت.
٣ - أن "ما" زائدة مُلْغاة، والكاف أيضًا جارّة، و"أنت" ضمير مرفوع أُنيب عن المجرور.
٤ - أن "ما" كافّة، و"أنت" مبتدأ حُذف خبره، أي عليه، أو كائن.
٥ - أن "ما" كافة أيضًا، و"أنت" فاعل، والأصل كما كنت، ثم حذف "كان"، فانفصل الضمير، وهذا بعيد، بل الظاهر أن "ما" على هذا التقدير مصدرية انتهى (٢)
(ثُمَّ قَامُوا) وفي نسخة "قام" (فَرَكعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ برَكْعَةَ أُخْرَى، وَرَكَعُوا مَعَهُ، وَسَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ مُقَابِلَ) وفي نسخة "مقابلة" (الْعَدُوِّ، فَرَكَعُوا، وَسَجَدُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ، وَمَنْ مَعَهُ) لا يخفى أنه في هذه الحالة لم يبقَ أحد في هذه الصورة وِجَاه العدوّ، فكأن هذه الصورة فيما إذا كان الخوف قليلاً بحيث لا يضرّ بقاء أحد وجاه العدوّ، أو لأن العدوّ إذا رأهم ذاهبين، وآيبين لا يجترىء بالإقدام عليهم، بخلاف ما إذا لم يفعلوا ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9846
(ثُمَّ كَانَ السَّلَامُ، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَسَلَّمُوا جمَيعًا، فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَانِ) بالرفع اسم "كان" مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور (وَلِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ).
والحديث فيه بيان صفة من صفات صلاة الخوف، وهي أن تدخل الطائفتان مع الإمام في الصلاة جميعًا، ثم تقوم إحدى الطائفتين بإزاء العدوّ، وتصلي معه إحدى الطائفتين ركعة، ثم يذهبون، فيقومون في وِجاه العدوّ، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فتصلي لنفسها ركعة، والإمام قائم، ثم يصلي بهم الركعة التي بقيت معه، ثم تأتي الطائفة القائمة في جاء العدوّ، فيصلّون لأنفسهم ركعة، والإمام قاعد، ثم يسلم، ويسلمون جميعًا .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: في إسناده مروان بن الحكم، وقد عاب الإسماعيلي على البخاريّ تخريج حديثه، وعدّ من موبقاته أنه رمى طلحة أحد العشرة يوم الجمل، وهما جميعًا مع عائشة، فقتله، ثم وثب على الخلافة بالسيف.
[قلت]: أجيب عنه بجوابين:
(أحدهما): ما ذكره الحافظ في "هدي الساري"، قال: يقال: له رؤية، فإن ثبتت، فلا يُعرّج على من تكلّم فيه، وقال عروة بن الزبير: كان مروان لا يُتّهم في الحديث. وقد روى عنه سهل بن سعد الساعديّ الصحابي ﵁ اعتمادًا على صدقه. قال: فأما قتل طلحة فكان متأولاً فيه، وأما ما بعد ذلك، فإنما حَمَلَ عنه سهلُ بن سعد، وعروةُ، وعليّ بن الحسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث -وهؤلاء أخرج البخاريّ أحاديثهم عنه في "صحيحه"- لَمّا كان أميرًا عندهم بالمدينة قبل أن يبدو منه في الخلاف على ابن الزبير ما بدا. واللَّه تعالى أعلم. وقد اعتمد مالك على حديثه، ورأيه، والباقون سوى مسلم. انتهى (١).
(ثانيهما): أن حديث الباب سمعه عروة، عن أبي هريرة نفسه، فقد أخرجه ابن خزيمة من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن الأسود، عن عروة، قال: سمعت أبا هريرة، ومروان يسأله عن صلاة الخوف … الحديث، وقد
стр. 9847
صرح ابن إسحاق بالتحديث، فزالت تهمة التدليس. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٧/ ١٥٤٣ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٣١ - بالسند المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ١٢٤٠ و ١٢٤١ (أحمد) ٢/ ٣٢٠ (ابن خزيمة) ١٣٦١ و ١٣٦٢ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٤٤ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْهُنَائِيُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَازِلاً بَيْنَ ضَجْنَانَ وَعُسْفَانَ, مُحَاصِرَ الْمُشْرِكِينَ, فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ لِهَؤُلَاءِ صَلَاةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَبْكَارِهِمْ, أَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ, ثُمَّ مِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً, فَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇, فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَهُ نِصْفَيْنِ, فَيُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ, وَطَائِفَةٌ مُقْبِلُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ, قَدْ أَخَذُوا حِذْرَهُمْ, وَأَسْلِحَتَهُمْ, فَيُصَلِّيَ بِهِمْ رَكْعَةً, ثُمَّ يَتَأَخَّرَ هَؤُلَاءِ, وَيَتَقَدَّمَ أُولَئِكَ, فَيُصَلِّيَ بِهِمْ رَكْعَةً, تَكُونُ لَهُمْ مَعَ النَّبِيِّ (١) ﷺ رَكْعَةً رَكْعَةً, وَلِلنَّبِيٍّ ﷺ رَكْعَتَانِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (العباس بن عبد العظيم) بن إسماعيل العَنبريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [١١] ٩٦/ ١١٩.
٢ - (عبد الصمد بن عبد الوارث) بن سعيد العنبريّ مولاهم التّنّوريّ، أبو سهل البصريّ، صدوق، ثبت في شعبة [٩] ١٢٢/ ١٧٤.
٣ - (سعيد بن عُبيد الهُنَائيّ) -بضم الهاء، وتخفيف النون- البصريّ، لا بأس به [٦].
روى عن بكر بن عبد اللَّه المزنيّ، والحسن البصريّ، وعبد اللَّه بن شقيق. وعنه عبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو سعيد مولى بني هاشم، وأبو قُتيبة، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخ. وقال البزّار: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الترمذيّ، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (عبد اللَّه بن شَقيق) العُقَيليّ -بالضمّ- أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد البصريّ، ثقة، فيه نصبٌ [٣].
стр. 9848
روى عن عمر، وعثمان، وعليّ، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الكريم، ومحمد بن سيرين، وعاصم الأحول، وسعيد بن عُبيد، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة، وتال: روى عن عمر، قال: وقالوا: كان عبد اللَّه بن شقيق عثمانيّا، وكان ثقة في الحديث، وروى أحاديث صالحة.
وقال يحيى بن سعيد: كان سليمان التيميّ سيء الرأي في عبد اللَّه بن شقيق. وقال أحمد بن حنبل: ثقة، وكان يحمل على عليّ. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة من خيار المسلمين، لا يُطعن في حديثه. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال ابن خِرَاش: كان ثقة، وكان عثمانيّا، يبغض عليّا. وقال ابن عديّ: ما بأحاديثه بأس إن شاء اللَّه تعالى.
وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: ثقة. وقال العجلي: ثقة يَحمل على عليّ. وقال الجُريريّ: كان عبد اللَّه بن شقيق مُجاب الدعوة، كانت تمرّ به السحابة، فيقول: اللَّهمّ لا تجوز كذا وكذا حتى تُمطر، فلا تجوز ذلك الموضع حتى تمطر، حكاه ابن أبي خيثمة في "تاريخه". قال الهيثم بن عديّ، ومحمد بن سعد: توفي في ولاية الحجّاج على العراق. وقال خليفة: مات بعد المائة. وقال غيرهم: مات سنة (١٠٨). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وله ذكر في "صحيحه"، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سعيد بن عبيد، فتفرد به المصنف، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية, روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَازِلاً بَيْنَ ضَجْنَانَ) بفتح الضاد المعجمة، وسكون الجيم: موضع، أو جبل بين مكة والمدينة. قاله ابن الأثير في "النهاية" (١) (وَعُسْفَانَ) بضم العين، وسكون السين المهملتين: هي قرية جامعة بين مكة والمدينة، وقيل: هي منهلة من منهل الطريق بين الجحفة ومكة. قاله في
стр. 9849
"اللسان"، حال كونه (مُحَاصِرَ الْمُشْرِكِينَ) اسم فاعل من المحاصرة، والمراد به حَصْرهم، وهو الإحاطة بهم، يقال: حَصَره العدوُّ حَصْرًا، من باب قتل: أحاطوا به، ومنعوه من المضيّ لأمره. وقال ابن السِّكِّيت، وثَعْلبٌ: حَصَرَه العدوّ في منزله: حَبَسَه، وأحصره المرض بالألف: منعه من السفر، وقال الفرّاء: هذا كلام العرب، وعليه أهل اللغة، وقال ابن القُوطِيّة، وأبو عَمْرو الشيبانيّ: حَصَرَه العدوّ، والمرض، وأحصره، كلاهما بمعنى: حَبَسَه. ذكره الفيّومي -رحمه اللَّه تعالى- (١) (فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ لِهَؤُلَاءِ صَلَاةً هِيَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَبْكَارِهِمْ) أي بناتهم، وإنما خص الأبكار لأنهن المرغوب فيهنّ عند الناس، ولفظ أحمد: "إن لهم صلاةً، هي أحبّ إليهم من آبائهم، وأبنائهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم … " (أَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) أي اتفقوا عليه، يقال: أجمعت المسيرَ والأمرَ، وأجمعت عليه، يتعدى بنفسه، وبالحرف: عزمت عليه، واْجمعوا على الأمر: اتفقوا عليه. أفاده في "المصباح" (ثُمَّ مِيلُوا عَلَيهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً" أي شُدّوا عليهم شَدَّةً واحدةً، وأصيبوهم إصابة واحدةً، يقال: مال عليهم الدهر: أصابهم بجوائحه (فَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇، فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَهُ نِصْفَيْنِ، فَيُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ، وَطَائِفَةٌ مُقْبلُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ، قَدْ أَخَذُوا حِذْرَهُمْ) بكسر، فسكون، أو بفتحتين: أي التحرّز منهم (وَأَسْلِحَتَهُمْ، فَيُصَليَ بِهِمْ) أي بالطائفة التي معه (رَكْعَةً، ثُم يَتَأَخَّرَ هَؤُلَاءِ) أي الذين صلّوا ركعة معه (ويتَقَدَّمَ أُولَئِكَ) أي الذين هم مقبلون على العدوّ (فَيُصَلِّيَ بِهمْ رَكْعَةً، تَكُونُ لَهُمْ) أي للطائفتين (مَعَ النَّبِيِّ (٢) ﷺ رَكْعَةً رَكْعَةً) الظاهر أنهم اكتفوا بركعة واحدة، ويحتمل أنهم صلوا لأنفسهم ركعة أخرى، والاحتمال الأول أقوى (وَلِلنَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَانِ). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٧/ ١٥٤٤ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٣٢ - بالإسناد المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ت) ٣٠٣٥. (أحمد) ٢/ ٥٢٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 9850
١٥٤٥ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ, فَقَامَ صَفٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ, وَصَفٌّ خَلْفَهُ, صَلَّى بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلَاءِ, حَتَّى قَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ, وَجَاءَ أُولَئِكَ, فَقَامُوا مَقَامَ هَؤُلَاءِ, وَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ, فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَانِ, وَلَهُمْ رَكْعَةٌ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحَسَنِ) أبو إسحاق المصّيصيّ الْمِقْسِمِيّ، ثقة [١١] ٥١/ ٦٤.
٢ - (حجاج بن محمد) الأعور المصيصي، ثقة ثبت اختلط بآخره [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج تقدم قريبًا.
٤ - (الحكم) بن عُتيبة، أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلّس [٥] ٨٦/ ١٠٤.
٥ - (يزيد الفقير (١)) ابن صُهَيب، أبو عثمان الكوفي، ثقة [٤] ٢٦/ ٤٣٢.
٦ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام الصحابيّ ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى - عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: الحكم، عن يزيد الفقير. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ من الكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهمْ) أي الصحابة الذين كانوا معه (صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَقَامَ صَفٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ) أي مقابل العدوّ للحراسة (وَصَفٍّ خَلْفَهُ صَلَّى) وفي نسخة "فصلى" بالفاء، وفي أخرى "يصلي" (بالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةَ) أي ركوعًا بعد القراءة (وَسَجدَتَيْنِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلَاءِ) أي الذين صلو ركعة معه (حَتَّى قَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهمْ) أي الذين وجاه العدوّ (وَجَاءَ أُولَئِكَ، فَقَامُوا مَقَامَ هَؤُلَاءِ، وَصَلَّى) وفي نسخة "فصلى" (بهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةَ وَسَجْدَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَكَانَتْ)
стр. 9851
وفي نسخة "فكان" (لِلنَّبِيَّ ﷺ رَكْعَتَانِ، وَلَهُمْ رَكْعَةٌ) أي لكلّ رجل من الطائفتين ركعة، وهذا ظاهر في كونهم اكتفوا بركعة واحده، وأصرح منه الرواية التالية لهذه من طريق عبد الرحمن المسعوديّ، عن يزيد الفقير بلفظ: "ثم إن رسول اللَّه ﷺ سلّم، فسلّم الذين خلفه، وسلم أولئك"، ففيه أن الطائفتين سلموا بسلامه ﷺ ، فلو كانوا صلوا ركعة أخرى لبُيّن كما بُيّن في الروايات الأخرى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٧/ ١٥٤٥ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٣٣ - بالسند المذكور. وفي ١٥٤٦ - و"الكبرى" ١٩٣٤ - عن أحمد بن المقدام، عن يزيد بن زريع، عن عبد الرحمن ابن عبد اللَّه المسعوديّ، يزيد الفقير، عنه. والحديث من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) ٣/ ٢٩٨. (ابن خزيمة) ١٣٤٧ و ١٣٤٨ و ١٣٦٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٤٦ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيُّ, قَالَ: أَنْبَأَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ, أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقَامَتْ خَلْفَهُ طَائِفَةٌ, وَطَائِفَةٌ مُوَاجِهَةَ الْعَدُوِّ, فَصَلَّى بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً, وَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا, فَقَامُوا مَقَامَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ, وَجَاءَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ, فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً, وَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَلَّمَ, فَسَلَّمَ الَّذِينَ خَلْفَهُ, وَسَلَّمَ أُولَئِكَ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن المقدام) أبو الأشعث العجلي البصري، صدوق [١٠] ١٣٨/ ٣١٩.
٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٥] ٥/ ٥.
٣ - (عبد الرحمن بن عبد اللَّه) بن عُتبة بن عبد اللَّه بن مسعود المسعوديّ، صدوق اختلط بآخره، فمن سمع منه في بغداد، فبعد الاختلاط [٧] ٥/ ٨٤٩.
والباقيان تقدما في الذي قبله، وكذا الكلام على الحديث، وباللَّه تعالى التوفيق.
стр. 9852
[قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:] في سند هذا الحديث المسعودي، وقد اختلط بآخره، كما ذكرته آنفًا، لكن تابعه الحكم في روايته عن يزيد الفقير، كما سبق في الرواية الماضية، فالحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٤٧ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الدِّرْهَمِيُّ, وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ, فَقُمْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ, وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ, فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَكَبَّرْنَا, وَرَكَعَ, وَرَكَعْنَا, وَرَفَعَ, وَرَفَعْنَا, فَلَمَّا انْحَدَرَ لِلسُّجُودِ, سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَالَّذِينَ يَلُونَهُ, وَقَامَ الصَّفُّ الثَّانِي حِينَ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَالصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ ثُمَّ سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي حِينَ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْكِنَتِهِمْ, ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الَّذِينَ كَانُوا يَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ , وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الآخَرُ, فَقَامَ فِي مَقَامِهِمْ, وَقَامَ هَؤُلَاءِ فِي مَقَامِ الآخَرِينَ قِيَامًا, وَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ , وَرَكَعْنَا, ثُمَّ رَفَعَ, وَرَفَعْنَا, فَلَمَّا انْحَدَرَ لِلسُّجُودِ, سَجَدَ الَّذِينَ يَلُونَهُ, وَالآخَرُونَ قِيَامٌ, فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَالَّذِينَ يَلُونَهُ, سَجَدَ الآخَرُونَ, ثُمَّ سَلَّمَ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (علي بن الحسين) بن مطر "الدرهميّ" البصريّ، صدوق، من كبار [١١].
روى عن خالد بن الحارث، وعبد الأعلي بن عبد الأعلى، ومحمد بن عديّ، وغيرهم. وعنه أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به.
وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات في جمادى الآخرة سنة (٢٥٣). تفرد به المصنف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث.
٢ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (خالد) بن الحارث الهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٤ - (عبد الملك بن أبي سليمان) مَيْسَرة، العَرْزَميّ -بفتح المهملة، وسكون الراء، بعدها زاي مفتوحة- الكوفي، صدوق له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦.
٥ - (عطاء) بن أبي رَبَاح: أسلم المكي الإمام الحجة المثبت الفقيه [٣] ١١٢/ ١٥٤، والصحابي تقدم في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
стр. 9853
رجال الصحيح، غير شيخيه، فالأول من أفراده وأبي داود، والثاني من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه جابر ﵁ من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَقُفنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، وَالْعَدُوْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ) جملة في محل نصب على الحال، وفي الرواية التالية تعيين المحلّ، حيث قال: "كنا مع النبي ﷺ بنخل"، وفي رواية لمسلم تعيين القوم الذين حاربوهم، ولفظها: "غزونا مع رسول اللَّه ﷺ قوما من جهينة، فقاتلونا قتالاً شديدًا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو مِلْنا عليهم مَيْلَة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل النبي ﷺ ، فذكر ذلك لنا رسول اللَّه ﷺ ، قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة، هي أحبّ إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر، قال: صفنا صفّين، والمشركون بيننا وبين القبلة … " الحديث (فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي للتحريم (وَكَبَّرْنَا) زاد مسلم: "جميعًا" أي كبر الصفّان معه ﷺ (وَرَكَعَ) ولمسلم "ثم ركع" أي بعد القراءة (وَرَكَعْنَا، وَرَفَعَ، وَرَفَعْنَا، فَلَمَّا انْحَدَرَ لِلسُّجُودِ) أي هبط وخرّ لأجل السجود، والمعنى: فلما أراد السجود (سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، والَّذِينَ يَلُونَهُ) أي الصحابة الذين يلون النبي ﷺ (وَقَامَ الصَّفُّ الثَّاني) أي بقي الصفّ المؤخّر الذي يحرس (حِينَ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ولفظ "الكبرى" "حتى رفع رسول اللَّه ﷺ "، بـ"حتّى" بدل "حين"، وهو أوضح، وأما "حين" فتحتاج إلى تقدير، أي انتهى قيامهم حين رفع إلخ.
(وَالصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ) الموصول صفة لصفّ؛ لأنه عبارة عن الجماعة الذين وقفو متساوين (ثُمَّ سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي) أي الذي كان يحرس (حِينَ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْكِنَتِهِمْ) متعلّق بـ "سجد"، أي سجدوا في المحل الذي وقفوا فيه (ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الَّذِينَ كَانُوا يَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ ) وهم الذين سجدوا معه في الركعة الأولى (وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الآخَرُ، فَقَامُوا فِي مَقَامِهِمْ) أي في مقام الصفّ الأول (وَقَامَ هَؤُلَاءِ فِي مَقَامِ الآخَرِينَ قِيَامًا) أي قام الصفّ الثاني في مقام الصفّ الأول، ليستووا في القيام خلفه ﷺ في الركعة الثانية.
قيل: الحكمة في التقدّم والتأخّر حِيَازة فضيلة المعيّة في الركعة الثانية، جبرّا لما فاتهم من المعيّة في الركعة الأولى (١).
(وَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي بعد أن قرأ (وَرَكَعْنَا) معه (ثُمَّ رَفَعَ) ﷺ رأسه من الركوع
стр. 9854
(وَرَفَعْنَا، فَلَمَّا انْحَدَرَ) أي انخفض، ونزل (لِلسُّجُودِ، سَجَدَ الَّذينَ يَلُونَهُ) هم الذين كانوا حارسين في الركعة الأولى (وَالآخَرُونَ قِيَامٌ) زاد في الرواية التالية "يحرسونهم"، يعني أن الذين سجدوا معه في الركعة الأولى قاموا في هذه حارسين لهم (فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُ، سَجَدَ الآخَرُونَ، ثُمَ سَلَّمَ) ولفظ مسلم: "ثم سلم النبي ﷺ ، وسلمنا جميعًا. وزاد في الرواية التالية: "قال جابر: كما يفعل أمراؤكم"، ولفظ مسلم: "قال جابر: كما يصنع حَرَسكم هؤلاء بأمرائهم" .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسأدة الأولى: في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٧/ ١٥٤٧ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٣٥ - بالسند المذكور. وفي - ١٥٤٨ - و"الكبرى" ١٩٣٦ - عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن أبي الزبير، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ٢١٣. (ق) ١٢٦٠ (أحمد) ٣/ ٣١٩ و ٣/ ٣٧٤ (ابن خزيمة) ١٣٥٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٤٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ: عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَخْلٍ, وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ, فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَكَبَّرُوا جَمِيعًا, ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا, ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ , وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ, وَالآخَرُونَ قِيَامٌ, يَحْرُسُونَهُمْ, فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الآخَرُونَ مَكَانَهُمُ, الَّذِينَ كَانُوا فِيهِ, ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ, فَرَكَعَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا, ثُمَّ رَفَعَ, فَرَفَعُوا جَمِيعًا, ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ , وَالصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ, وَالآخَرُونَ قِيَامٌ, يَحْرُسُونَهُمْ, فَلَمَّا سَجَدُوا, وَجَلَسُوا, سَجَدَ الآخَرُونَ مَكَانَهُمْ, ثُمَّ سَلَّمَ. قَالَ: جَابِرٌ: كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكُمْ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفي البصري، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري، تقدم قريبًا.
٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، صدوق يدلس ٣١/ ٣٥.
стр. 9855
والصحابي تقدم قريبًا، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به. وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: أورد البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- حديث جابر ﵁ هذا من طريق أبي الزبير معلّقًا مختصرًا, ولفظه: "وقال معاذ: حدثنا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر، قال:، كئا مع النبي ﷺ بنخل … "، فذكر صلاة الخوف. قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف انتهى.
قال الحافظ في "الفتح": أورده مختصرًا معلّقًا, لأن غرضه الإشارة إلى أن روايات جابر متفقة على أن الغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف هي غزوة "ذات الرِّقاع"، لكن فيه نظر, لأن سياق رواية هشام، عن أبي الزبير هذه تدلّ على أنه حديث آخر في غزوة أخرى.
وبيان ذلك أن في هذا الحديث عند الطيالسيّ وغيره: "أن المشركين قالوا: دعوهم، فإن لهم صلاةً هي أحبّ إليهم من أبنائهم، قال: فنزل جبريل، فأخبره، فصلى بأصحابه العصر، وصفّهم صفّين … "، فذكر صفة صلاة الخوف، وهذه القصّة إنما هي في غزوة عُسفان.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق زُهير بن معاوية، عن أبي الزبير، بلفظ يدلّ على مغايرة هذه القصة لغزوة محارب في ذات الرقاع، ولفظه:
عن جابر ﵁، قال: "غزونا مع النبي ﷺ قومًا من جُهينة، فقاتلونا قتالاً شديدًا، فلما أن صلينا الظهر قال المشركون: لو مِلْنا عليهم مَيلَة واحدة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل النبي ﷺ بذلك، قال: وقالوا: ستأتيهم صلاة هي أحبّ إليهم من الأولاد … "، فذكر الحديث.
وروى أحمد، والترمذيّ، وصححه، والنسائي (١) من طريق عبد اللَّه بن شقيق، عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول اللَّه ﷺ نزل بين ضَجْنَان وعُسفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاةً هي أحب إليهم من أبنائهم … "، فذكر الحديث في نزول جبريل لصلاة الخوف.
وروى أحمد، وأصحاب السنن (٢)، وصححه ابن حبان من حديث أبي عياش الزرقيّ خنض، قال: "كنا مع النبي ﷺ بعُسفان، فصلّى بنا الظهر، وعلى المشركين يومئذ خالد ابن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلةً، ثم قالوا: إن لهم صلاةً بعد هذه، هي أحبّ
стр. 9856
إليهم من أموالهم، وأبنائهم، فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا العصر، ففرّقنا فرقتين … " الحديث، وسياقه نحو رواية زُهير، عن أبي الزبير، عن جابر، وهو ظاهر في اتحاد القصّة.
وقد روى الواقديّ من حديث خالد بن الوليد، قال: "لَمّا خرج النبي ﷺ إلى الحُديبية لقيته بعُسفان، فوقفت بإزائه، وتعرّضت له، فصلّى بأصحابه الظهر، فهممنا أن نُغير عليهم، فلم يُعزَم لنا، فأطلع اللَّه نبيه ﷺ على ذلك، فصلى بأصحابه العصرَ صلاةَ الخوف … " الحديث، وهو ظاهر فيما قرّرته أن صلاة الخوف بعسفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع، وأن جابرًا روى القصّتين معًا.
فأما رواية أبي الزبير عنه ففي قصّة عُسفان، وأما رواية أبي سلمة، ووهب بن كيسان، وأبي موسى البصريّ عنه، ففي غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب، وثعلبة.
وإذا تقرّر أن أول ما صلّيت صلاف الخوف في عُسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة، وقد صلَّيت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد عُسفان، فتعيّن تأخرها عن الخندق، وعن قُريظة، وعن الحديبية أيضًا، فيَقْوَى القولُ بأنها بعد خيبر, لأن غزوة خيبر عقب الرجوع من الحديبية. وأما قول الغزاليّ: إن غزوة ذات الرقاع آخر الغزوات فهو غلطٌ واضحٌ، وقد بالغ ابن الصلاح في إنكاره.
وقال بعض من انتصر للغزاليّ: لعله أراد آخر غزوة صُلّيت فيها صلاة الخوف. وهذا انتصار مردود أيضًا، لما أخرجه أبو داود، والنسائي (١)، وصححه ابن حبّان من حديث أبي بكرة ﵁ أنه صلّى مع النبي ﷺ صلاة الخوف، وإنما اْسلم أبو بكرة في غزوة الطائف باتفاق، وذلك بعد غزوة ذات الرقاع قطعًا. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٤٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَنْصُورٍ, قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ, عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ شُعْبَةُ: كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ, وَسَمِعْتُهُ مِنْهُ يُحَدِّثُ, وَلَكِنِّي حَفِظْتُهُ, قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ: حِفْظِي مِنَ الْكِتَابِ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ مُصَافَّ الْعَدُوِّ بِعُسْفَانَ, وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ, فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ, قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ لَهُمْ صَلَاةً بَعْدَ هَذِهِ, هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ, فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ, فَصَفَّهُمْ صَفَّيْنِ خَلْفَهُ, فَرَكَعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا, فَلَمَّا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ, سَجَدَ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ, وَقَامَ الآخَرُونَ, فَلَمَّا رَفَعُوا
стр. 9857
رُءُوسَهُمْ مِنَ السُّجُودِ, سَجَدَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِرُكُوعِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ, وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ, فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مَقَامِ صَاحِبِهِ, ثُمَّ رَكَعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا, فَلَمَّا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ مِنَ الرُّكُوعِ, سَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ, وَقَامَ الآخَرُونَ, فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ سُجُودِهِمْ, سَجَدَ الآخَرُونَ, ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمد بن بَشّار) أبو بكر بُندَار البصري، ثقة حافظ [١٠] ٤٢/ ٦٢.
٣ - (محمد) بن جعفر غُندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٤ - (شعبة) المذكور قريبًا.
٥ - (منصور) بن المعتمر، أبو عَتّاب الكوفي، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢.
٦ - (مجاهد) بن جبر، أبو الحجّاج المخزوميّ المكي الإمام الحجة المفسّر [٣] ٢٧/ ٣١.
٧ - (أبو عياش الزُّرَقيّ) الأنصاريّ، اسمه زيد بن الصّامت، وقيل: ابن النعمان، وقيل: اسمه عُبيد، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية بن الصامت بن زيد بن خَلْدَة بن مُخَلَّد بن عامر زُرَيق بن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جُشَم بن الخزرج، كان يقال له: فارس حُلْوة (١).
روى عن النبي ﷺ حديث صلاة الخوف بعُسفان. وعنه مجاهد بن جبر، وأبو صالح الزيات، إن كان محفوظًا، وذكره ابن سعد فيمن شهد أحدًا وما بعدها. يقال: إنه مات بعد الأربعين في خلافة معاوية ﵁. أخرج له أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فقد تفرّد به المصنف وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، ومنصور كوفيّ، ومجاهد مكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ عند من جعل منصورًا تابعيًا. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية, فليس إلا هذا الحديث عند المصنف، وأبي داود، راجع "تحفة الأشراف" ٣/ ٢٥١ - ٢٥٢ و"الإصابة" ٧/ ٢٤٥٠ واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9858
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي عَيَّاشِ الزُّرَقِيِّ) زيد بن الصامت - رضي اللَّه تعالى عنه -، وفي رواية البيهقي في "المعرفة": حدثنا أبو عيّاش الزرقي، فصرّح مجاهد بسماعه من أبي عياش، فبطل دعوى الانقطاع، وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللَّه تعالى (قَالَ: شُعْبَةُ: كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ) أي كتب منصور بهذا الحديث إلى (وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ) أي قرأت عليه ما كتبه إليّ أيضًا (وَسَمِعْتُهُ مِنْهُ يُحَدِّثُ) أي سمعت من لفظه أيضًا (وَلَكِنِّي) وفي نسخة "ولكن" (حَفِظْتُهُ، قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ: حِفْظِي مِنَ الْكِتَابِ) يعني أن ابن المثنى قال في روايته: قال شعبة: "حفظته من الكتاب"، وقال ابن بشار في روايته: قال: "حفظي من الكتاب". فقوله: "من الكتاب" تنازعه "حفظته"، و"حفظي". واللَّه تعالى أعلم.
وغرض شعبة بهذا أنه أخذ هذا الحديث عن منصور بثلاث طرق، الكتابةِ، والقراءةِ، والسماعِ، ولكن حفظه من الكتاب، وذلك لا يضرّ بصحة الرواية.
[تنبيه]: طرق تحمل الحديث ثمانية:
(الأول): سماع لفظ الشيخ، إملاءً أو غيره، من حفظ، أو من كتاب، وهو أرفع الأقسام عند الجمهور.
(الثاني): القراءة على الشيخ، ويسمّى عند الأكثرين عَرْضًا، سواء قرأه بنفسه، أو سمع من قراءة غيره، وهي صحيحة أيضًا عند الجمهور، واختلفوا في مساواتها للسماع.
(الثالث): الإجازة، والصحيح الذي عليه الجمهور جواز الرواية والعمل بها.
(الرابع): المناولة، والجمهور أيضا على أنها صحيحة.
(الخامس): الكتابة، وهي أن يكتب الشيخ مسموعه لحاضر، أو غائب بخطه، أو بأمره. والأكثرون على جوازها أيضًا.
(السادس): إعلام الشيخ الطالبَ أن هذا الحديث، أو الكتاب مسموعه، دون أن يأذن له في الرواية.
(السابع): الوصية، وهي أن يوصي عند موته، أو سفره بكتاب يرويه.
(الثامن): الوجادة، وهي أن يجد أحاديث بخط راويها, ولم يسمعها منه.
وهذه الثلاثة لا تجوز الرواية بها, ولكن يُعمل بها، إذا صح سندها، كما قال الحافظ السيوطي في "ألفيته":
وَفِي الثَّلَاثةِ إِذَا صَحَّ السَّنَدْ … نَرَى وُجُوبَ عَمَلٍ فِي الْمُعْتَمَدْ
ولمعرفة تفاصيل هذه الأقسام راجع "تدريب الراوي" للحافظ السيوطيّ ﵀ تعالى ج٢ ص ٨ - ٦٣، وكذا "ألفيته"، وشرحي عليها.
стр. 9859
(أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ مُصَافَّ الْعَدُوِّ بِعُسْفَانَ) بضم العين، وسكون السين: موضع على مرحلتين من مكة، وقيل: هي قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلاً من مكّة، وهي حدّ تهامة. كذا في "مراصد الإطلاع" (١) وكانت صلاته ﷺ فيها في جمادى الأولى، سنة ست من الهجرة، بعد الخندق وبني قريظة (٢).
(وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) حيث كان أميرهم (فَصَلَّى بهِمُ النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ، قَالَ: الْمُشْرِكُون: إِنَّ) وفي نسخة "إنهم" (لَهُمْ صَلَاةً بَعْدَ هَذِهِ، هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ) وفي الرواية التالية: "فقال المشركون: لقد أصبنا منهم غِرّة، ولقد أصبنا منهم غفلة، فنزلت -يعني صلاة الخوف- بين الظهر والعصر، فصلى بنا رسول اللَّه ﷺ صلاة العصر … " (فَصَلى بِهمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ، فَصَفَّهُمْ صَفَّيْنِ خَلْفَهُ، فَرَكَعَ بِهمْ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ جمَيعًا، فَلَمَّا رَفَعُوارُءُوسَهُمْ، سَجَدَ بالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ) وفي نسخة "سجد الصفّ الذي يليه" (وَقَامَ الآخَرُونَ، فَلَمَّا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ منَ السُّجُودِ، سَجَدَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِرُكُوعِهِمْ) متعلق بحال محذوف، أي حال كونهم مكتفين بركوعهم الذي ركعوه (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، وَتَقَدَّمَ الصّفُّ الْمُؤَخَّرُ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ منْهُمْ فِي مَقَامِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَكَعَ) أي للركعة الثانية (بِهمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جمَيعًا، فَلَمَّا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ مِنَ الرُّكُوع، سَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ) أَي الذين كانوا في الأولى حارسين (وَقَامَ الآخَرُونَ) أي قام الذين سجدوا معه ﷺ في الأولى حارسين (فَلَمَّا فَرَغُوا من سُجُودِهِمْ) أي فرغ الذين سجدوا معه ﷺ في الثانية من سجودهم معه (سَجَدَ الآخَرُونَ) أي الذين كانوا حارسين في الثانية (ثُمَّ سلَّمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِمْ) أي على الطائفتين جميعًا، يعني أن كلتا الطائفتين سلمتا معه ﷺ ، زاد في الرواية التالية: "فكانت لكلهم ركعتان ركعتان مع إمامهم" .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي عياش الزُّرقيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا
صحيح.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀ في "معرفة السنن والآثار" بعد أن أخرج حديث أبي عيّاش الزرقي - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا من طريق أبي داود: ما نصه: قال أحمد: هذا إسناد صحيح.
стр. 9860
وقد رواه الشافعيّ في رواية الربيع، عن الثقة، عن منصور بن المعتمر إلا أن بعض أهل العلم بالحديث يشكّ في سماع مجاهد، عن أبي عياش.
وقد أخبرنا أبو حازم الحافظ، أخبرنا أبو أحمد الحافظ، أخبرنا أبو العبّاس الثقفيّ، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، حدثنا أبو عيّاش الزرقيّ، قال: "كنّا مع رسول اللَّه ﷺ بعُسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد … "، فذكره، وبَيَّنَ فيه سماعَ مجاهد من أبي عيّاش انتهى كلام البيهقي -رحمه اللَّه تعالى- (١).
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٧/ ١٥٤٩ - بالسند المذكور. وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٣٧٠ و ١٥٥٠ - و"الكبرى" ١٩٣٨ - عن عمرو بن علي، عن عبد العزيز بن عبد الصمد، عن منصور به. واللَّه أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ١٢٣٦ (أحمد) ٤/ ٥٩ و ٤/ ٦٠ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٥٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ, قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُسْفَانَ, فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الظُّهْرِ, وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ, فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ (٢) غِرَّةً, وَلَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ غَفْلَةً, فَنَزَلَتْ, -يَعْنِي صَلَاةَ الْخَوْفِ- بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ, فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ, فَفَرَّقَنَا فِرْقَتَيْنِ, فِرْقَةً تُصَلِّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ , وَفِرْقَةً يَحْرُسُونَهُ, فَكَبَّرَ بِالَّذِينَ يَلُونَهُ, وَالَّذِينَ يَحْرُسُونَهُمْ, ثُمَّ رَكَعَ, فَرَكَعَ هَؤُلَاءِ, وَأُولَئِكَ جَمِيعًا, ثُمَّ سَجَدَ الَّذِينَ يَلُونَهُ, وَتَأَخَّرَ هَؤُلَاءِ وَالَّذِينَ يَلُونَهُ (٣) , وَتَقَدَّمَ الآخَرُونَ, فَسَجَدُوا, ثُمَّ قَامَ, فَرَكَعَ بِهِمْ جَمِيعًا الثَّانِيَةَ بِالَّذِينَ يَلُونَهُ, وَبِالَّذِينَ يَحْرُسُونَهُ, ثُمَّ سَجَدَ بِالَّذِينَ يَلُونَهُ (٤) , ثُمَّ تَأَخَّرُوا, فَقَامُوا فِي مَصَافِّ أَصْحَابِهِمْ, وَتَقَدَّمَ الآخَرُونَ, فَسَجَدُوا, ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ, فَكَانَتْ لِكُلِّهِمْ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ مَعَ إِمَامِهِمْ, وَصَلَّى مَرَّةً بِأَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ.
стр. 9861
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدموا في الذي قبله، إلا اثنين، وهما:
١ - (عمرو بن علي) الفلاس، وتقدم قبل حديث.
٢ - (عبد العزيز بن عبد الصمد) العمّيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [٩] ١٤/ ١٤٨٢.
والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي.
وقوله: "غِرّة" بكسر المعجمة، وتشديد الراء: أي غفلة، فعطف جملة "لقد أصبنا غفلة" يكون من عطف المؤكد. والمعنى أننا وجدنا من المسلمين غفلة في صلاة الظهر، فلو حملنا عليهم كان أحسن. وقوله: "وصلى مرّة بأرض بني سُليم"، ولفظ أحمد، والدارقطني: "فصلاها رسول اللَّه ﷺ مرتين، مرّة بعُسفان، ومرة بأرض بني سُليم". يعني أن النبي ﷺ صلى بأصحابه صلاة الخوف مرتين، مرة بعُسفان، ومرة بأرض بني سُليم.
وقوله: "وتقدم الآخرون، وسجدوا الخ" ظاهر هذه الرواية يخالف الرواية السابقة، حيث إن سجود الصف الأخير في الركعة الأولى كان بعد تبادل الصفوف، بخلافه في الرواية السابقة، فإنه كان قبل التبادل، وهي الرواية الراجحة، حيث إن شعبة تابعه عليها الثوريّ عند أحمد، وجريرُ بن عبد الحميد عند أبي داواد، كلهم عن منصور، وعبد العزيز بن عبد الصمد، وإن كان ثقة، إلا أن هؤلاء الجماعة يقدّمون عليه. أفاده بعض المحققين (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٥١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, وَاللَّفْظُ لَهُ, قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ أَشْعَثَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى بِالْقَوْمِ فِي الْخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ, ثُمَّ صَلَّى بِالْقَوْمِ الآخَرِينَ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ, فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم للمصنف ﵀ في باب "اختلاف نية الإمام والمأموم" رواه عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن أشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ ، أنه صلى صلاة الخوف، فصلى بالذين خلفه ركعتين، وبالذين جاءوا ركعتين، فكانت للنبي ﷺ أربعًا, ولهؤلاء ركعتين
стр. 9862
ركعتين"، وتقدم البحث فيه مستوفى هناك، وسيأتي أيضًا آخر الباب برقم ١٥٥٥.
ومحمد بن عبد الأعلى، هو الصنعاني، وإسماعيل بن مسعود، هو الجحدريّ، وخالد، هو ابن الحارث الْهُجَيميّ، وأشعث، هو ابن عبد الملك الحُمْراني، والحسن هو البصريّ، وأبو بكرة، هو نفيع بن الحارث بن كَلَدَة الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنه -.
والحديث فيه بيان إحدى كفيات صلاة الخوف، وهي أن يصلي بكل طائفة ركعتين، يسلم عليهما، فتكون لكلتا الطائفين صلاة تامة من غير مخالفة لهيئة صلاة الأمن , ويكون الإمام مفترضًا في ركعتين، ومتنفّلاً في ركعتين، قال أبو داود ﵀ في "سننه" بعد أن أخرج الحديث: وبذلك كان يفتي الحسن. انتهى.
وقال النووي: وبهذا قال الشافعي، وحكوه عن الحسن. وادعى الطحاويّ أنه منسوفي، ولا تقبل دعواه، إذ لا دليل لنسخه انتهى. وقال السنديّ: فيه اقتداء المفترض بالمتنفّل قطعًا، ولم أر لهم -يعني الحنفية المانعين من ذلك- عنه جوابًا شافيًا انتهى.
[تنبيه]: قال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في "تهذيب السنن": وحديث أبي بكرة هذا رواه الدارقطني عنه، فقال فيه: "إن النبي ﷺ صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات، ثم انصرف، وجاء الآخرون، فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبي ﷺ ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث".
قال ابن القطّان: وعندي أن الحديثين غير متصلين، فإن أبا بكرة لم يصلّ معه صلاة الخوف, لأنه بلا ريب أسلم في حصار الطائف، فتدلّى ببكرة من الحصين، فسمّي أبا بكرة، وهذا كان بعد فراغه ﷺ من هوازن، ثم لم يلقَ ﷺ كيدًا إلى أن قبضه اللَّه.
قال ابن القيّم: وهذا الذي قاله لا ريب فيه، لكن مثل هذا ليس بعلة، ولا انقطاع عند جميع أئمة الحديث والفقه، فإن أبا بكرة، وإن لم يشهد القصّة، فإنه سمعها من صحابي غيره، وقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس، ونظرائه من الصحابة، مع أن عامتها مرسلة عن النبي ﷺ ، ولم يُنازع في ذلك اثنان من السلف، وأهل الحديث والفقهاء، فالتعليل على هذا باطل. واللَّه أعلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رد به ابن القيم على ابن القطان إنما هو في صحة صلاة الخوف من طريق أبي بكرة، لا بخصوص صلاة المغرب، فإنه وَهَمٌ، كما قال البيهقي، والصحيح أنه في الظهر، لا في المغرب. وأما المغرب فيحتمل أن يكون من قول الأشعث، كما ظنه البيهقي، أو من قول أبي داود، ونص أبي داود في "سننه":
стр. 9863
وكذلك المغرب، يكون للإمام ست ركعات، وللقوم ثلاثًا انتهى.
قال البيهقي في "المعرفة": ورواه عمرو بن خليفة البكراويّ، عن أشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ في المغرب، وهو وهم، والصحيح هو الأول انتهى (١).
يعني ما أخرجه أبو داود من طريق معاذ بن معاذ، عن الأشعث، ولفظه: "صلى النبي ﷺ في خوفٍ الظهرَ، فصفّ بعضهم خلفه … " الحديث.
والحاصل أن حديث صلاة الخوف صحيح عن أبي بكرة ﵁، وأن الصلاة هي الظهر، لا المغرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل
١٥٦٣ - أَخْبَرَنِي (٢) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ, ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ أَيْضًا رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) الجُوزجاني، نزيل دمشق، ثقة حافظ رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (عمرو بن عاصم) بن عبيد اللَّه الوازع الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوق في حفظه شيء، من صغار [٩] ١٦/ ١٤٨٦.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (قتادة) بن دِعَامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت [٤] ٣٠/ ٣٤.
والباقيان تقدما قريبًا.
والحديث بمعنى حديث الحسن، عن أبي بكرة ﵁ المتقدم، ففيه بيان إحدى كيفيات صلاة الخوف، وهي أن يصلي بطائفة ركعتين، ويسلم، وبأخرى ركعتين، ويسلم، فيكون له أربع ركعات، ولكلّ طائفة ركعتان .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9864
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له.
أخرجه هنا ١٧/ ١٥٥٢ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٤٠ - بالسند المذكور. وفي ١٧/ ١٥٥٤ - و"الكبرى" ١٩٤٢ - عن عمرو بن عليّ، عن عبد الأعلى، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن، عنه، وهو بهذا السياق من أفراده، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره. وأخرجه (ابن خزيمة) ١٣٥٣٠ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ, عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ, فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ, قَالَ: يَقُومُ الإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (١) , وَتَقُومُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَهُ, وَطَائِفَةٌ قِبَلَ الْعَدُوِّ, وَوُجُوهُهُمْ إِلَى الْعَدُوِّ, فَيَرْكَعُ بِهِمْ رَكْعَةً, وَيَرْكَعُونَ لأَنْفُسِهِمْ, وَيَسْجُدُونَ سَجْدَتَيْنِ فِي مَكَانِهِمْ, وَيَذْهَبُونَ إِلَى مَقَامِ أُولَئِكَ, وَيَجِيءُ أُولَئِكَ, فَيَرْكَعُ بِهِمْ, وَيَسْجُدُ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ, فَهِيَ لَهُ ثِنْتَانِ وَلَهُمْ وَاحِدَةٌ, ثُمَّ يَرْكَعُونَ رَكْعَةً رَكْعَةً, وَيَسْجُدُونَ سَجْدَتَيْنِ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم برقم ١٥٣٦ - من طريق شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خَوّات، عن سهل بن أبي حثمة، مرفوعًا، وتقدّم الكلام هناك، وبيان الخلاف في رفعه ووقفه، وأن الأصحّ صحته مرفوعًا وموقوفًا. وعمرو بن علي، هو الفلاّس، ويحيى بن سعيد هو القطان، ويحيى شيخه هو ابن سعيد الأنصاريّ.
وقوله: "فهي له ثنتان" أي تكون تلك الركعة للإمام تمام ثنتين، فتكون له ركعتان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٥٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ, عَنِ الْحَسَنِ, قَالَ: حَدَّثَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ, فَصَلَّتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ, وَطَائِفَةٌ وُجُوهُهُمْ قِبَلَ الْعَدُوِّ, فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ قَامُوا مَقَامَ الآخَرِينَ, وَجَاءَ الآخَرُونَ, فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم البحث فيه مستوفًى قبل حديث، فلا حاجة إلى إعادته.
стр. 9865
وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، ثقة [٨] ٢٠/ ٣٨٦. ويونس هو ابن عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ٨٨/ ١٠٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٥٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَشْعَثُ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ, وَالَّذِينَ جَاءُوا بَعْدُ رَكْعَتَيْنِ, فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, وَلِهَؤُلَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم البحث فيه قبل ثلاثة أحاديث، فليُرَاجَع هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨ - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كان الأولى للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- أن يذكر هذا الكتاب عقب كتاب الجمعة، كما فعل في "الكبرى"، ولعله تابع في ذلك الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" حيث ذكره عقب "صلاة الخوف". واللَّه تعالى أعلم.
قال القرطبي -رحمه اللَّه تعالى-: سمي العيد عيدًا لعَوْده، وتكرره في كلّ سنة. وقيل: لعوده بالفرح والسرور. وقيل: سمي بذلك على جهة التفاؤل, لأنه يعود على من أدركه انتهى (٢).
ونحوه للنوويّ في "شرح مسلم"، وزاد: وقيل: تفاؤلاً بعوده على من أدركه، كما سميت القافلة حين خروجها، تفاؤلاً لقفولها سالمةً، وهو رجوعها، وحقيقتها الراجعة انتهى (٣).
стр. 9866
وقال في "لسان العرب": العيد كلُّ يوم فيه جَمْعٌ، واشتقاقه من عادَ يعود، كأنهم عادوا إليه، وقيل: اشتقاقه من العادة, لأنهم اعتادوه، والجمع أعياد، لَزِم البدل، ولو لم يلزم لقيل: أعواد، كريح وأرواح, لأنه من عاد يعود. وعَيَّدَ المسلمون: شَهِدُوا عيدهم، قال الْعَجَّاجُ يَصِفُ الثور الوحشيّ:
وَاعْتَادَ أَرْبَاضًا لَهَا آرِيُّ … كَمَا يَعُودُ الْعِيدَ نَصْرَانِيُّ
فجعل العيد من عاد يعود، وتحولت الواو في "العيد" ياء لكسرة العين، وتصغير "عيد" "عُيَيْدٌ"، تركوه على التغيير، كما أنهم جمعوه أَعْيَادًا, ولم يقولوا: أَعْوَادًا. وقال الأزهريّ: والعيد عند العرب الوقت الذي يعود فيه الفَرَح والْحُزْن، وكان في الأصل "الْعِوْدَ" فلما سَكَنَت الواو، وانكسر ما قبلها صارت ياءً. وقيل: قُلبت الواو ياء ليفرّقوا بين الاسم الحقيقيّ وبين المصدريّ. وقال الجوهريّ. إنما جمُع أعيادٌ بالياء للزومها في الواحد، ويقال: للفرق بينه وبين أعواد الخشب. وقال ابن الأعرابي: سمي العيدُ عيدًا لأنه يعود كلَّ سنة بفرح مجدّد انتهى (١).
واختلف في حُكمها، فقال الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وجماهير العلماء: سنة مؤكّدة. وقال أبو سعيد الإصطخريّ من الشافعية: هي فرض كفاية. وقال أبو حنيفة: هي واجبة، فإذا قلنا: فرض كفاية، فامتنع أهل موضع من إقامتها قوتلوا عليها، كسائر فروض الكفاية، وإذا قلنا: إنها سنة لم يقاتلوا بتركها، كسنة الظهر، وغيرها، وقيل: يقاتلون, لأنها شعار ظاهر. قاله النووي في "شرح مسلم" (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الجمهور من أنها سنة مؤكّدة هو الراجح، لحديث طلحة بن عبيد اللَّه ﵁ عند الشيخين وغيرهما: أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ ، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطّوّع".
وحديث معاذ ﵁ المشهور، فقد أخرج الشيخان وغيرهما، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ بعث معاذا ﵁ إلى اليمن، فقال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم، أن اللَّه قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم".
стр. 9867
ففي هذين الحديثين دلالة ظاهرة على أن صلاة العيد تطوع غير فريضة. واللَّه تعالى أعلم.
واتفقوا على أن أوّل عيدٍ صلاةُ النبي ﷺ عيدَ الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي التي فُرض رمضان في شعبانها، ثم داوم عليه ﷺ إلى أن توفّاه اللَّه تعالى، وقيل: شرع عيد الأضحى أيضا في السنة الثانية من الهجرة (١).
[تنبيه]: ثبت هنا في "الكبرى" قبل الحديث: ما نصّه: "بدء العيدين"، وفي نسخة "باب بدء العيدين". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٥٥٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: كَانَ لأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ, فِي كُلِّ سَنَةٍ, يَلْعَبُونَ فِيهِمَا, فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ, قَالَ: «كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا, وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا, يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى.
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (علي بن حُجر) السعديّ المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، ثم البغدادي، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧.
٣ - (حُميد) بن أبي حميد الطويل البصري، ثقة عابد يدلس [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦٠ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (٨٩) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه ما بين مروزي، وهو شيخه، ومدنيّ، ثم بغداديّ، وهو إسماعيل، وبصريين، وهما حميد وأنس. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كَانَ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ) الجاهليةُ زمنُ الفترة التي كانت قبل الإسلام (يَوْمَانِ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، يَلْعَبُونَ فِيهِمَا) هما يوم النَّيْرُوز والمِهْرَجَان، والنيروز هو أول يوم تتحوّل فيه الشمس إلى بُرْج الحمل، وهو أول السنة
стр. 9868
الشمسية، كما أن غُرّة المحرم أول السنة القمرية، والمهرجان أول يوم الميزان, كما يظهر من مقابلته بالنيروز، وهما يومان معتدلان في الهواء، والحرارة، والبرودة، يستوي فيهما الليل والنهار. قيل: اختارهما الحكماء المتعلّقون بالهيئة للعيد في أيامهم، واتبعهم أهل زمانهم، فجاء الأنبياء، فأبطلوا ذلك (١) (فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ) مهاجرًا من مكة (قَالَ: كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا) وفي رواية أبي داود: فقال: "ما هذان اليومان؟ " قالوا: كنا ندعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه قد أبددكم بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى، ويوم الفطر" (وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهمَا خَيرًا مِنْهُمَا) يريد أن اللَّه تعالى قد أبطل ما كانوا يعملونه في هذين اليومين من أعمال الجاهلية، وشرع لهم في مقابلهما يومي العيدين. و"خيرًا" أفعل تفضيل، ولكن ليس هنا على بابه، إذ لا خيرية في يومي الجاهلية (يَوْمَ الْفِطْرِ) بالنصب بدل من "خيرًا"، أو مفعول لفعل مقدّر، أي أعني، ويحتمل الرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هما يوم الفطر الخ، وسمي يوم الفطر -بكسر، فسكون- لأن فيه الفطر من الصوم (وَيَوْمَ الْأَضْحَى) إعرابه كسابقه، وهو بفتح الهمزة، سمي به لأنه يُتقرّب فيه إلى اللَّه تعالى بالأضحية. ولفظ "الكبرى": "ويوم النحر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته. حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا - ١/ ١٥٥٦ - وفي "الكبرى" ١/ ١٧٥٥ - بالسند المذكور.
المسألةَ الثالثه: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ١١٣٤. (أحمد) ٣/ ١٠٣ و ١٧٨ و ٢٣٥ و ٢٥٠ (عبد بن حميد) ١٣٩٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: سماحة الشريعة، وسهودة أمور الدين؛ حيث شرع اللَّه تعالى للمسلمين يومين يلعبون فيهما. ومنها: ما كان عليه الجاهلية من تعظيم يومين في السنة بأفعالهم القبيحة، وأقوالهم الشركية، فجاء اللَّه تعالى بالإسلام، وأبدل ذلك بالأفعال الحسنة، والأقوال المحمودة، من التكبير والتهليل، والتسبيح، وغير ذلك. ومنها: الابتعاد عن العادات
стр. 9869
الجاهلية، فلا يجوز لمسلم أن يعظّم أعياد الكفرة.
قال الحافظ في "الفتح": استنبط منه كراهة الفرح في أعياد المشركين، والتشبه بهم، وبالغ الشيخ أبو حفص الكبير النسفيّ من الحنفية، فقال: من أهدى فيه، أي في النيروز بيضة إلى مشرك تعظيما لليوم، فقد كفر باللَّه تعالى انتهى (١).
وقال القاضي أبو المحاسن الحسن بن منصور الحنفيّ: من اشترى فيه شيئًا لم يكن يشتريه في غيره، أو أهدى فيه هدية إلى غيره، فإن أراد بذلك تعظيم اليوم، كما يعظّمه الكفرة، فقد كفر، وإن أراد بالشراء التنعّم والتنزّه، وبالإهداء التحابّ جريًا على العادة، لم يكن كفرًا، لكنه مكروه للتشبه بالكفرة حينئذ، فينبغي التحرّز عنه انتهى. (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢ - بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى الْعِيدَيْنِ مِنَ الْغَدِ
١٥٦٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ, عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ, عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ, أَنَّ قَوْمًا رَأَوُا الْهِلَالَ, فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا, بَعْدَ مَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ, وَأَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْعِيدِ مِنَ الْغَدِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو بشر) بن أبي وَحْشيّة جعفر بن إياس البصريّ، ثقة [٥] ١٣/ ٥٢٠.
٢ - (أبو عُمير بن أنس) بن مالك الأنصاريّ، وكان أكبر أولاد أنس، ثقة [٤].
قال الحاكم أبو أحمد: اسمه عبد اللَّه. روى عن عمومة له من الأنصار، من أصحاب النبي ﷺ في رؤية الهلال، والأذان. وعنه أبو بشر جعفر بن أبي وحشيّة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وصحح حديثه أبو
стр. 9870
بكر بن المنذر، وغير واحد. وقال ابن عبد البر: مجهول لا يحتجّ به. روى له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون تقدموا قريبًا، سوى شيوخ أبي عمير، وهم من الصحابة، كما ذُكر آنفًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى أبي عمير، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ) بن مالك (عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ) زاد في رواية أبي داود: "من أصحاب النبي ﷺ . والعمومة جمع عمّ، كالخؤولة جمع خال (أَنَّ قَوْمًا رَأَوُا الْهِلَالَ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ) ولفظ أبي داود: "أن ركبا جاءوا إلى النبي ﷺ ، يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم".
وفي رواية ابن ماجه: "عن أبي عمير، قال: حدثني عمومتي من الأنصار، من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، قالوا: أُغمي علينا هلال شوّال، وأصحبنا صيامًا، فجاء ركب، من آخر النهار، فشهدوا عند رسول اللَّه ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول اللَّه ﷺ أن يفطروا، وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد".
(فَأَمَرَهُمْ) أي أمر المسلمين عمومًا، لا أولئك القوم خصوصًا (أَنْ يُفْطِرُوا، بَعْدَ مَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ) أي بعد ما ارتفعت الشمس إلى وسط السماء في النهار، والظرف متعلق بـ "أمر" (وَأَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْعِيدِ مِنَ الْغَدِ) قال السنديّ ﵀. لعلّه ضاق الوقت عن إدراك الصلاة في وقتها مع الاستعداد، فأمر بالتأخير. واللَّه تعالى أعلم.
وفيه دليل أنه إذا فات وقت صلاة العيد في أول اليوم تصلى في اليوم الثاني، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي عمير، عن عمومة له من الصحابة - رضي اللَّه
تعالى عنهم - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
стр. 9871
أخرجه هنا-٢/ ١٥٥٧ - وفي "الكبرى" ٢/ ١٧٥٦ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ١١٥٧ (١) ١٦٥٣ (أحمد) ٥/ ٥٧٠ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في فوات صلاة العيد في اليوم الأول:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في طائفة تشهد يوم ثلاثين من هلال شهر رمضان أن الهلال رؤي بالأمس، فقالت طائفة: إن عُدِّلَا قبل الزوال صلى الإمام بالناس صلاة العيد، وإن عُدِّلا بعد الزوال لم يكن عليهم أن يصلّوا يومهم بعد الزوال، ولا من الغد, لأنه عمل في وقت إذا جاوز ذلك الوقت لم يعمل في غيره.
هذا قول الشافعيّ (١)، وأبي ثور، وقال أبو ثور: لو ثبت الحديث قلنا به. وحكي عن مالك أنه قال: قد ذهب العيد لأول وقته أول نهارهم من يوم الفطر، فإذا ذهب يوم الفطر، فقد ذهب يومه.
وقالت طائفة: إن شهدت بَيّنة قبل نصف النهار خرجوا، وأفطروا، وإن شهدت بعد نصف النهار أفطروا، وخرجوا إلى العيد من الغد. هذا قول الأوزاعيّ، وبه قال الثوريّ، وأحمد، وإسحاق، واحتجّ أحمد بحديث أبي عُمَير بن أنس.
قال ابن المنذر ﵀: وحديث أبي عُمير بن أنس ثابت، والقول به يجب انتهى (٢).
وقال النوويّ في "شرح المهذّب": الصحيح من مذهبنا أنه يستحبّ قضاؤها أبدًا، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وأبي ثور، وحكى العبدريّ عن مالك، وأبي حنيفة، والمزنيّ، وداود أنها لا تُقضى، وقال أبو يوسف، ومحمد: تقضى صلاة الفطر في اليوم الثاني، والأضحى في الثاني، والثالث، وقال أصحاب أبي حنيفة: مذهبه كمذهبما، وإذا صلاها من فاتته مع الإمام في وقتها، أو بعده صلاها ركعتين كصلاة الإمام، وبه قال أبو ثور، وهو رواية عن أحمد، وعنه رواية يصليها أربعًا بتسليمة، وإن شاء بتسليمتين، وبه جزم الْخِرَقيّ، والثالثة مخيّر بين ركعتين، وأربع، وهو مذهب الثوريّ، وقال ابن مسعود: يصليها أربعًا، وقال الأوزاعيّ: ركعتين بلا جهر، ولا تكبيرات زوائد، وقال إسحاق: إن صلاّها في المصلّى فكصلاة الإمام، وإلا أربعًا انتهى (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح المذاهب عندي قول من قال: إنها إن فاتت
стр. 9872
تصلّى في الغد؛ لصحة حديث الباب. قال الخطابي ﷺ بعد ذكر قول من قال: لا تصلى في اليوم الثاني: ما نصه: سنة النبي ﷺ أولى بالاتباع، وحديث أبي عُمير صحيح، فالمصير إليه واجب انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣ - خُرُوجُ الْعَوَاتِقِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ فِي الْعِيدَيْنِ
١٥٥٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ حَفْصَةَ, قَالَتْ: كَانَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ, لَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , إِلاَّ قَالَتْ بِأَبَا, فَقُلْتُ: أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَذْكُرُ كَذَا وَكَذَا؟ , فَقَالَتْ: نَعَمْ بِأَبَا, قَالَ: «لِيَخْرُجِ (١) الْعَوَاتِقُ, وَذَوَاتُ الْخُدُورِ, وَالْحُيَّضُ, وَيَشْهَدْنَ (٢) الْعِيدَ, وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ, وَلْيَعْتَزِلِ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم للمصنف في "باب شهود الحيّض العيدين ودعوة المسلمين" برقم ٢٢/ ٣٩٠ سندًا ومتنًا، ومضى شرحه هناك مستوفًى، فلتراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
و"إسماعيل": هو ابن علية، و"أيوب": هو السختياني، و"حفصة": هي بنت سيرين، و"أم عطية": هي نُسيبة بنت كعب، أو بنت الحارث الأنصارية - رضي اللَّه تعالى عنها -.
وقوله: "بأبا" أصله بأبي بالياء أبدلت ألفًا، والتقدير هو مَفْديّ بأبي، أو فديته بأبي، وقد تقدم الكلام فيه مستوفًى بالرقم المذكور.
وقوله: "يقول: كذا وكذا" المكنيّ عنه هنا قد تبين في رواية أخرى عند البخاريّ وغيره، فقد أخرج البخاري ﵀، من طريق عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، عن حفصة، قالت: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين، فَقَدِمَتْ امرأةٌ، فنزلت قصر
стр. 9873
بني خَلَف، فحدّثت عن أختها - وكان زوج أختها غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة، وكانت أختي معه في ستّ- قالت: كنّا نُدوي الكَلْمَى، ونقوم على المرضى، فسألت أختي النبي ﷺ أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جِلْبَاب أن تخرج؟ قال: "لتلبسها صاحبتها من جلبابها، ولْتشهد الخير، ودعوة المسلمين"، فلَمّا قَدِمَتْ أم عطية سألتها أسمعتِ النَّبي ﷺ … " الحديث.
وقوله: "ليخرج العواتق" بلام الأمر، والفعل مجزوم، وكسر لالتقاء الساكنين.
و"العواتق" جمع عاتق، وهي مَنْ بلغت الحُلُم، أو قاربت، واستحقت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها. وقوله: "وذوات الخُدُور" أي النساء صواحبات الخدور، و"الخُدُور" جمع خِدْر - بكسر، فسكون - وهو سِتْرٌ يُتّخذ في البيت، تقعد الأبكار وراءه، صيانةً لهنّ، فيكون بين العواتق، وذوات الخدور عموم وخصوص وجهيّ، كما تقدم في الباب المذكور.
وقوله. "الْحُيْض" جمع حائض. وإنما أُمَرَ هؤلاء باعتزال المصلّى لئلا يتلوّث مكان الصلاة بالدم، أو لئلا يَظْهَرن بمظهر من يَستهين بالصلاة إذا قعدن، والناس يُصلّون.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم تمام البحث لمحيه برقم ٢٢/ ٣٩٠ كما أشرت إليه آنفًا، وبقي البحث فيما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فأقول:
[مسألة]: في اختلاف العلماء في مشروعية خروج النساء للعيدين:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: قد اختلف أهل العلم في خروج النساء إلى الأعياد، فرَوَينا عن أبي بكر، وعليّ أنهما قالا: حقّ على كلّ ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين، ورُوي عن عليّ أنه قال: الخروج إلى العيدين سنة للرجال والنساء، وكان ابن عمر يُخرج من استطاع من أهله في العيد.
وكَرِهَتْ طائفة خروج النساء إلى العيدين، كره ذلك إبراهيم النخعيّ، وكان عروة بن الزبير لا يدع امرأة من أهله تخرج إلى فطر، ولا إلى أضحى، وقال يحيى الأنصاريّ: لا نعرف خروج المرأة الشابّة عندنا في العيدين. وقال أصحاب الرأي في خروج النساء إلى العيد: أما اليوم فإنا نكره لهنّ ذلك، ونرخّص للعجوز الكبيرة بأن تشهد العشاء والفجر، والعيدين، وأما غير ذلك فلا. انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ ما قاله الأولون؛ لحديث الباب، ولا مُتَمَسَّكَ للمانع، إلا مجرّد النظر لتغير الزمان، وهذا غير مانع، فإن الشارع لَمَّا أمر بخروج النساء
стр. 9874
مطلقًا، شابّة كانت أو عجوزا شرط عليها أن تتجلبب، وأن لا تخرج متطيّبة، ولا متبخّرة، فإذا وجد الشرط لا تُمنع، وأما إذا لم تلتزم بما اشترط عليها الشارع فقد منعت نفسها من الخروج، لا أن الشارع منعها، فإن حكم الشارع مستمرّ إلى قيام الساعة، لا يتغير بتغيّر الزمان، فالقول بمنع الشوابّ، دون العجائز، أو التفريق بين الصلوات مما لا برهان له، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف.
والحاصل أن الصواب مشروعية خروج النساء إلى العيدين مطلقا، إذا التزمت ما أوجب عليها الشرع. واللَّه تعالى أعلم.
ثم إن الجمهور على أن الأمر للاستحباب، وهو محلّ نظر؛ إذ الأمر للوجوب عند الجمهور، وهو الراجح، إلا لصارف، ولم يذكروا هنا صارفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤ - اعْتِزَالُ الْحُيَّضِ مُصَلَّى النَّاسِ
١٥٥٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ مُحَمَّدٍ, قَالَ: لَقِيتُ أُمَّ عَطِيَّةَ, فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ سَمِعْتِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ , وَكَانَتْ إِذَا ذَكَرَتْهُ, قَالَتْ: بِأَبَا قَالَ: «أَخْرِجُوا الْعَوَاتِقَ, وَذَوَاتِ الْخُدُورِ, فَيَشْهَدْنَ الْعِيدَ (١) , وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ, وَلْيَعْتَزِلِ الْحُيَّضُ مُصَلَّى النَّاسِ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، ودلالته على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة، وقد تقدّم الكلام عليه في الذي قبله، و"سفيان": هو ابن عيينة، و "محمد": هو ابن سيرين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
стр. 9875
٥ - (بَابُ الزِّينَةِ لِلْعِيدَيْنِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دلالة حديث الباب على الترجمة واضحة؛ حيث إن النبي ﷺ قرّر عمر ﵁ في قوله: "فتجمّلْ بها للعيد"، وإنما أنكر عليه كون التجمل بالحرير، حيث لا يحلّ لبسه للرجال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٥٦٠ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ, وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي اللَّه تعالى عنه - حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ بِالسُّوقِ, فَأَخَذَهَا, فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, ابْتَعْ هَذِهِ, فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ, وَالْوَفْدِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ", أَوْ "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ", فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ, ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجُبَّةِ (١) دِيبَاجٍ, فَأَقْبَلَ بِهَا, حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, قُلْتَ: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». ثُمَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بِعْهَا وَتُصِبْ بِهَا حَاجَتَكَ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم، في "باب الهيئة للجمعة" برقم ١١/ ١٣٨٢ - وتقدّم شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به هناك، فراجعه تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق.
و"سليمان بن داود": هو المهريّ، أبو الربيع المصريّ، ثقة [١١] ٦٣/ ٧٩. و"ابن وهب": هو عبد اللَّه المصري الحافظ الثقة [٩] ٩/ ٩ و"يونس بن يزيد": هو الأيلي، ثقة ثبت [٧] ٩/ ٩. و"عمرو بن الحارث": هو أبو أيوب المصري، ثقة ثبت [٧] ٦٣/ ٧٩.
و"ابن شهاب": هو محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة المشهور [٤] ١/ ١.
و"سالم": هو ابن عبد اللَّه بن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٣/ ٤٩٠. و"أبوه": عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢.
وقوله:، استبرق" هو الحرير الغليظ. وقوله: "ابتع" أي اشتر. وقوله: "فتجمّل بها للعيد" منه يعلم أن التجمّل يوم العيد كان عادة متقررة بينهم، ولم ينكرها النبي ﷺ ، فعلم بقاؤها. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
وقوله: "من لا خلاق له" أي لا نصيب له في الآخرة في الحرير. وقوله: "الديباج"