من إطلاقها، وقولها للنبي ص، وإن قصدنا بها الخير، سدّا للذريعة، ومنعنا من التشبّه بهم.
فلو قال غيرَ هذا اللفظ الممنوع يريد به الإخبار عما أجرى اللَّه تعالى به سنته جاز، كما قال ص: "إذا أنشات بحرية، ثم تشاءمت فتلك عين غُدَيقة (١) " انتهى كلام القرطبي (٢).
(يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوء كَذَا وَكَذَا) أي مُطرنا بطلوع نجم، وسقوط آخر، قال الزجّاج: والنوء على الحقيقةَ سقوط نجم في المغرب، وطلوع آخر في المشرق، فالساقطة في المغرب هي الأنواء، والطالعة في المشرق هي البَوَارحُ، قال: وقال بعضهم: النوء ارتفاع نجم من المشرق، وسقوط نظيره في المغرب، وهو نظير القول الأول، فإذا قال القائل: مُطرنا بنَوء الثريّا، فإنما تأويله أنه ارتفع النجم من المشرق، وسقط نظيره في المغرب، أي مطرنا بما ناء به هذا النجم، قال: وإنما غَلَّظ النبي ﷺ فيها لأن العرب كانت تزعُمُ أن ذلك المطر الذي جاء بسقوط نجم، هو فعل النجم، وكانت تنسب المطر إليه، ولا يجعلونه سُقيا من اللَّه، وإن وافق سقوطَ ذلك النجم المطرُ يجعلون النجم هو الفاعل. ذكره في "اللسان".
وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: والنّوء في كلام العرب واحد أنواء النجوم، يقال: ناء النجم يَنُوءُ: أي نَهَضَ ينهَضُ للطلوع، وقد يكون أن يميل للمغيب، ومما قيل: ناوأت فلانا بالعداوة: أي ناهضته، ومنه قولهم: الحَمْلُ ينوءُ بالدّابّة، أي يميل بها، وكلّ ناهض بثقل وإبطاء فقد ناء. والأنواء على الحقيقة النجوم التي هي منازل القمر، وهي ثمان وعشرون منزلة، فكلما غاب منها منزل بالمغرب طلع رقيبه من المشرق، فليس يعدم منها أبدًا أربعة عشر للناظرين في السماء، وإذا لم ينزل مع النوء ماء، قيل: خَوَى النجمُ، وأخوى، وخوّى النوء، وأخلف، وأما العرب فكانت تضيف المطر إلى النوء، وهذا عندهم معروف مشهور في أخبارهم، وأشعارهم، فلما جاء الإسلام نهاهم رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، وأدّبهم، وعرّفهم ما يقولون عند نزول الماء، وذلك أن يقولوا: "مُطرنا بفضل اللَّه، ورحمته"، ونحو هذا من الإيمان والتسليم، لما نطق به القرآن انتهى (٣).
стр. 9802
(فأَمَّا مَنْ آمَنَ بِي، وَحَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ) بضم السين اسم من سقاه اللَّه (فَذَاكَ الَّذِي آمَنَ بِي، وَكَفَرَ بِالْكَوْكَبِ) أي صدّق بأن المطر خلقي، لا خلق الكوكب، أرحم به عبادي، وأتفضّل به عليهَم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] (وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَاكَ الَّذي كَفَرَ بِي، وَآمَنَ بِالْكَوْكَبِ) حيث نسب للمخلوق ما هو من خصوصيات الخالق، فجحد نعمة اللَّه تعالى في ذَلك، وظلم بنسبتها لغير المنعم بها، فإن كان ذلك عن اعتقاد كان كافرًا ظالمًا حقيقة، وإن كان عن غير اعتقاد، فقد تشبّه بأهل الكفر والظلم الحقيقيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث زيد بن خالد الجهني - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٦/ ١٥٢٥ - وفي "الكبرى" ١٤/ ١٨٣٤ - و"عمل اليوم والليلة" رقم ٩٢٤ - بالسند المذكور. وفي "عمل اليوم والليلة" ٩٢٥ - عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك، عن صالح بن كيسان به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ١/ ٢١٤ و ٥/ ١٥٥ - و ٩/ ١٧٧ (م) ١/ ٥٩ (د) ٣٩٠٦ (مالك في المموطإ) ١٣٦ (الحميدي) ٨١٣ (أحمد) ٤/ ١١٥/ و ٤/ ١١٦ و ٤/ ١١٧. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو تحريم الاستمطار بالكواكب. (ومنها): وجوب شكر اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢]، قال ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنه -: شكركم، وقال الطبريّ: المعنى وتجعلون الرزق الذي وجب عليكم به الشكر تكذيبكم به، وقيل: بل الرزق بمعنى الشكر في لغة أزد شنوءة. نقله الطبري عن الهيثم بن عديّ.
وقد أخرج سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: "وتجعلون شكركم أنكم تكذّبون". وأخرج مسلم من طريق أبي زُميل، عن ابن عباس، قال: "مُطِرَ الناسُ على عهد رسول اللَّه ص" فذكر نحو حديث زيد بن خالد في الباب، وفي آخره: "فأنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى
стр. 9803
قوله: ﴿تكذّبون﴾ [الواقعة: ٧٥] (١).
(ومنها): استحباب أن يقول عند نزول المطر: مُطرنا بفضل اللَّه ورحمته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٣٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ عَتَّابِ بْنِ حُنَيْنٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أَمْسَكَ اللَّهُ الْمَطَرَ عَنْ عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ, ثُمَّ أَرْسَلَهُ لأَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ كَافِرِينَ, يَقُولُونَ: سُقِينَا بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد الجبّار بن العلاء) العطار، أبو بكر البصريّ، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [١٠] ١٣٢/ ١٩٩.
٢ - (سفيان) بن عُيينة المذكور في السند الماضي.
٣ - (عمرو) بن دينار الجمحي المكيّ، ثقة ثبت [٤] تقدم ١١٢/ ١٥٤.
٤ - (عتّاب بن حُنين) أو ابن أبي حُنين، مقبول [٤].
روى عن أبي سعيد الخدري حديث الباب فقط. وعثه عمرو بن دينار، ويحيى بن عبد اللَّه بن صيفي، ذكره ابن حبان في "الثقات". وفي "مسند أحمد" جـ ٣ ص ٧: قال سفيان -يعني ابن عيينة-: لا أدري من عتّاب؟. انفرد به المصنف بحديث الباب فقط.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "غياث" بالغين المعجمة، والتحتانية، والمثلثة بدل "عَتّاب"، وهو تصحيف، فتنبّه.
٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَمْسَكَ اللَّه الْمَطَرَ عَنْ عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ) وفي "عمل اليوم والليلة" من طريق حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار: "لو أمسك اللَّه القطر عن الناس عشر سنين … " (ثُمَّ أَرْسَلَهُ لأَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: سُقِينَا) بالبناء للمفعول (بنَوْءِ الْمِجْدَحِ) بكسر الميم، وتُضمّ، وفي "عمل اليوم والليلة": قال أبو عبد الرحمن -أَي النسائي-: المِجْدَح الشَّعْرَى انتهى.
стр. 9804
وفي "زهر الربى": المجدح نجم من النجوم، قيل: هو الدَّبَرَان، وقيل: هو ثلاثة كواكب كالأثافي، تشبيهًا بالمِجدح (١) الذي له ثلاث شُعَب، وهو عند العرب من الأنواء الدالّة على المطر (٢).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ: زعم الخليل أن المجدح نجم كانت العرب تزعم أنها تُمطَر به، فيقال: أرسلت السماء بمجادح الغيث، ويقال: مِجدح، ومُجدح بالكسر، والضمّ. انتهى (٣).
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف، لتفرد عتّاب بن حُنين به، وهو -كما في "ت"- مقبول، أي يحتاج إلى متابع، وقد تقدم أن ابن عيينة قال: لا أدري من هو؟. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٦/ ١٥٢٦ - وفي "الكبرى" ١٤/ ١٨٣٦ - بالإسناد المذكور. وفي "عمل اليوم والليلة" ٩٢٦ - عن أبي داود سليمان بن سيف، عن عفّان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عمرو به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٧ - (مَسْأَلَةُ الإِمَامِ رَفْعَ الْمَطَرِ إِذَا خَافَ ضَرَرَهُ (٤))
١٥٣٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قُحِطَ الْمَطَرُ عَامًا, فَقَامَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ, فَقَالَ:
стр. 9805
يَا رَسُولَ اللَّهِ قَحَطَ الْمَطَرُ, وَأَجْدَبَتِ الأَرْضُ (١) , وَهَلَكَ الْمَالُ, قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ (٢) , وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ سَحَابَةً, فَمَدَّ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ, يَسْتَسْقِى اللَّهَ قَالَ: فَمَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ حَتَّى أَهَمَّ الشَّابَّ الْقَرِيبَ الدَّارِ الرُّجُوعُ (٣) إِلَى أَهْلِهِ فَدَامَتْ جُمُعَةٌ, فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الَّتِي تَلِيهَا, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ, وَاحْتَبَسَ الرُّكْبَانُ, قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسُرْعَةِ مَلَالَةِ ابْنِ آدَمَ, وَقَالَ بِيَدَيْهِ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا, وَلَا عَلَيْنَا». فَتَكَشَّطَتْ (٤) عَنِ الْمَدِينَةِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (علي بن حُجْر) السعديّ المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٦/ ١٧.
٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل البصري، ثقة ثبت [٥] تقدم ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك ﵁، تقدم ٦/ ٦.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (٨٩) من رباعيات الكتاب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم الكلام عليه مستوفًى في ١/ ١٥٠٥ - فلا حاجة إلى إعادته هنا، إلا أن نوضّح بعض ما يُستغرَب منه:
فقوله: "قَحَطَ المطرُ"، بالبناء للفاعل، وللمفعول، يقال: قَحَطَ المطرُ قَحْطًا، من باب نَفَعَ: احتبس، وحَكَى الفراء: قَحِطَ قَحَطًا، من باب تَعِبَ، وقَحُطَ بالضمّ، فهو قَحِيطٌ، وقُحِطَت الأرضُ، والقومُ بالبناء للمفعول، وبلدٌ مقحوطٌ، وبلادٌ مَقَاحيط، وأقحط اللَّه الأرضَ بالألف، فأَقْحَطَتْ، وهي مُقْحِطَةٌ، وأَقْحَطَ القومُ: أصابهم القَحْطُ بالبناء للفاعل والمفعول. قاله الفيّوميّ (٥).
وقوله: "وأجدبت الأرضُ"، ويقال: جَدِبَت، من باب تَعِبَ: انقطع المطر عنها. وقوله: "حتى أهمّ الشابّ" بالنصب مفعول "أهمّ"، و"القريبَ" صفته، وهو مضاف إلى "الدار" من إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها، و"الرجوع" بالرفع فاعل "أهم". وقوله: "فدامت" أي السحابة الماطرة "جمعة" بالنصب على الظرفية، وهو في معنى
стр. 9806
ما تقدم، من قوله: "سبتًا".
وقوله: "لسرعة ملالة ابن آدم" بفتح الميم مصدر مَلَّ، يقال: مَلِلْتُهُ، ومَلِلْتُ منه، مَلَلاً، من باب تَعِبَ، ومَلَالَةً: سَئِمْتُ، وضَجِرْتُ. قاله في "المصباح". أي لسرعة سآمته، وضَجَره من كثرة نعم اللَّه عليه، إذ كانوا في الجمعة السابقة يشكُون من طول الجدب، فأزال اللَّه عنهم ذلك بدعوة النبي ﷺ المباركة، ثم جاءوا في الجمعة الثانية يشكُون من كثرة الأمطار.
ومن طبيعة الإنسان أن يسأم عند توالي النعم عليه، فلقد سئم بنو إسرائيل من المنّ والسلوى، وطلبوا الأدنى من ذلك، كما قال اللَّه تعالى عنهم: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ الآية [البقرة: ٦١]، ولقد أحسن من قال وأجاد في المقال [من الرمل]:
يَتَمَنَّى الْمَرْءُ فِي الصَّيْفِ الشِّتَا … فَإِذَا جَاءَ الشِّتَا أَنْكَرَهُ
فَهْوَ لَا يَرْضَى بِحَالٍ وَاحِدٍ … قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ
وقوله: "فتكشطت"، أي تكشّفت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٨ - (بَابُ رَفْعِ الإِمَامِ يَدَيْهِ عِنْدَ مَسْأَلَةِ إِمْسَاكِ الْمَطَرِ)
١٥٢٨ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: أَصَابَ النَّاسُ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ, يَوْمَ الْجُمُعَةِ, فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ, وَجَاعَ الْعِيَالُ, فَادْعُ اللَّهَ لَنَا, فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ, وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً, وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ, مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ سَحَابٌ (٢)
стр. 9807
أَمْثَالُ الْجِبَالِ, ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ, فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ, وَمِنَ الْغَدِ, وَالَّذِى يَلِيهِ, حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى, فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ, أَوْ قَالَ: غَيْرَهُ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ, وَغَرِقَ الْمَالُ, فَادْعُ اللَّهَ لَنَا, فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ, فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا, وَلَا عَلَيْنَا» , فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ (١) إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ, إِلاَّ انْفَرَجَتْ (٢) , حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ, وَسَالَ الْوَادِي, وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ (٣) , إِلاَّ أَخْبَرَ بِالْجَوْدِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمود بن خالد) السلميّ، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، من صغار [١٨] تقدم ٤٥/ ٥٩٥.
٢ - (الوليد بن مسلم) القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية [٨] تقدم ٥/ ٤٥٤.
٣ - (أبو عمرو الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الإمام الفقيه الحجة [٧] تقدم ٤٥/ ٥٦.
٤ - (إسحاق بن عبد اللَّه) بن أبي طلحة، أبو يحيى الأنصاريّ المدني، ثقة حجة [٤] تقدم ٤٥/ ٦٨.
٥ - (أنس بن مالك) ﵁ المذكور في السند الماضي.
وقوله: "أصاب الناسَ سنةٌ" بنصب "الناس" على أنه مفعول مقدم، ورفع "سَنَةٌ" على أنه فاعل مؤخر والسنة: القحط.
وقوله: "حتى ثار سحاب أمثال الجبال" أي هاج، وهذا بالنظر إلى المآل، وما سبق من قوله: "فطلعت سحابة مثل الترس" كان بالنظر إلى ما عليه في أول الحال، فلا منافاة بين الروايتين.
وقوله: "يتحادر" أي يسيل.
وقوله: "ما وضعها" هكذا نسخ "المجتبى" بإفراد الضمير مع أن المرجع مثتى، ويؤوّل بالمذكورة، والذي في "الكبرى" "ما وضعهما" بضمير التثنية، وهو الأولى.
стр. 9808
وقوله: "مثل الجَوْبة" بفتح الجيم، وسكون الواو، بعدها موحدة: أي الفرجة.
وقال ابن منظور: والجَوْبة: فَجْوَةُ ما بين البيوت، والجَوبةُ: الحفرة، والجوبةُ فضاء أملس، سهلٌ بين أرضين، وقال أبو حنيفة -يعني الدينوريّ -: الجوبة من الأرض الدّارَة، وهي المكان المُنْجَاب الوَطِىءُ من الأرض، القليلُ الشجرِ، مثلُ الغائط المستدير، ولا يكون في رَمْل، ولا جبل، إنما يكون في أَجْلاد الأرض، ورِحَابها، سمي جوبة لانجياب الشجر عنها، والجمع جَوْبَات، وجُوَبٌ نادرٌ.
وفي "التهذيب": الجَوْبة شِبْهُ رَهْوَة تكون بين ظهراني دُور القوم، يسيل منها ماء المطر، وكلّ منفتق يتّسع فهو جَوبة، وفي حديث الاستسقاء: "حتى صارت المدينة مثل الجوبة" قال: هي الْحُفْرَة المستديرة الواسعة، وكلّ منفتق بلا بناء جَوْبةٌ، أي حتى صار الغيم والسحاب محيطًا بآفاق المدينة. انتهى (١).
وقال القرطبي: المعنى أن السحاب تقطّع حول المدينة مستديرًا، وانكشف عنها حتى باينت ما جاورها مباينة الجوبة لما حولها (٢).
وضبطه بعضهم بالنون بدل الموحّدة، قال عياض: وهو تصحيف (٣).
وقوله: "بالجود" بفتح الجيم، وسكون الواو، بعدها قال مهملة: أي المطر الواسع الغزير.
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في ١/ ١٥٠٥، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 9809
١٧ - كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ
أي هذا كتاب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية صلاة الخوف، وبيان كيفيتها. والإضافة من باب إضافة الحكم إلى سببه.
(اعلم): أنه لما كان لصلاة الخوف أحكام، وصفات تختصّ بها عن غيرها من الصلوات الأَمْنِيَّة دعت الحاجة إلى تقديم بعض تنبيهات، ليكون الطالب على بصيرة، ويمكن الإحالة إليها عند الحاجة في بيان الأحاديث الآتية، إن شاء اللَّه تعالى:
(الأول): قال القرطبي -رحمه اللَّه تعالى- في "المفهم": قولنا: صلاة الخوف، هي الصلاة المعهودة، تحضر، والمسلمون متعرّضون لحرب العدوّ، وقد اختلف العلماء، هل للخوف تأثير في تغيير الصلاة المعهودة عن أصل مشروعيتها المعروفة، أم لا؟:
فذهب الجمهور إلى أن للخوف تأثيرًا في تغيير الصلاة على ما يأتي تفصيل مذاهبهم.
وذهب أبو يوسف إلى أنه لا تغيير في الصلاة لأجل الخوف اليوم، وإنما كان التغيير المرويّ في ذلك، والذي عليه القرآن خاصّا بالنبي ﷺ ، مستدلاً بخصوصية خطابه تعالى لنبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]. قال: فإذا لم يكن فيهم لم تكن صلاة الخوف. وهذا لا حجة فيه لثلاثة أوجه:
(أحدها): أنا أُمرنا باتباعه، والتأسي به، فيلزم اتباعه مطلقًا، حتى يدلّ دليل واضحٌ على الخصوص، ولا يصلح ما ذكره دليلاً على ذلك، ولو كان مثل ذلك دليلاً على الخصوصية للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها, لكن قد تقرّر بدليل إجماعيّ أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع، وكذلك ما يُخاطَبُ هو به، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤]، ونحوه كثير.
(وثانيها): أنه قد قال النبي ﷺ "صلّوا كما رأيتموني أصلي". متفق عليه.
(وثالثها): أن الصحابة ﵁ اطّرحوا توهّم الخصوص في هذه الصلاة، وعَدَّوْه إلى غير النبي ﷺ ، وهم أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، فلا يُلتفت إلى قول من ادّعى الخصوصية. انتهى كلام القرطبي -رحمه اللَّه تعالى- (١).
стр. 9810
وقال في "الفتح": معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ أي سافرتم، ومفهومه أن القصر مختصّ بالسفر، وهو كذلك، وأما قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فمفهومه اختصاص القصر بالخوف أيضًا، وقد سأل يعلي بن أميّة الصحابيُ عمرَ بن الخطّاب عن ذلك ﵁، فذكر أنه سأل رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته"، أخرجه مسلم، فثبت القصر في الأمن ببيان السنّة. واختُلف في صلاة الخوف في الحضر، فمنعه ابن الماجشون، أخذًا بالمفهوم أيضًا، وأجازه الباقون.
وأما قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فقد أخذ بمفهومه أبو يوسف في إحدى الروايتين عنه، والحسن بن زياد اللؤلؤيّ من أصحابه، وإبراهيم ابن عليّة، وحكي عن المزنيّ صاحب الشافعيّ.
واحتُجّ عليهم بإجماع الصحابة على فعل ذلك بعد النبي ﷺ ، وبقوله ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، فعموم منطوقه مقدّم على ذلك المفهوم.
وقال ابن العربيّ وغيره: شرط كونه ﷺ فيهم إنما ورد لبيان الحكم، لا لوجوده، والتقدير بيّن لهم بفعلك لكونه أوضح من القول، ثم إن الأصل أن كلّ عذر طرأ على العبادة فهو على التساوي كالقصر، والكيفيةُ وردت لبيان الحَذَر من العدوّ، وذلك لا يقتضي التخصيص بقوم دون قوم.
وقال الزين ابن المنيّر: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم، كالخوف في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾. وقال الطحاويّ: كان أبو يوسف قد قال مرةً: لا تُصلِّى صلاةُ الخوف بعد رسول اللَّه ﷺ ، وزعم أن الناس إنما صلّوها معه لفضل الصلاة معه ﷺ ، قال: وهذا القول عندنا ليس بشيء، وقد كان محمد بن شُجاع يَعيبه، ويقول: إن الصلاة خلف النبي ﷺ ، وإن كانت أفضل من الصلاة مع الناس جميعًا، إلا أنه يقطعها ما يقطع الصلاة خلف غيره انتهى (١).
(الثاني): أنه قد ورد في كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة، ورجّح ابن عبد البرّ الكيفية الواردة في حديث ابن عمر ﵁ الآتي -١٥٥٤٠ - على غيرها لقوة الإسناد، ولموافقة الأصول في أن المأموم لا يُتمّ صلاته قبل سلام إمامه. وعن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث، أو سبعة أيّها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة ﵁ الآتي "١٥٣٦ - و ١٥٥٣"، وكذا رجحه الشافعيّ، ولم يختر إسحاق شيئًا على شيء، وبه قال الطبريّ، وغير واحد، منهم ابن المنذر، وسَرَدَ ثمانية
стр. 9811
أوجه، وكذا ابن حبّان في "صحيحه"، وزاد تاسعًا.
وقال ابن حزم: صحّ فيها أربعة عشر وجهًا، وبينها في "جزء مفرد". وقال ابن العربي في "القبس": جاء فيها روايات كثيرة، أصحها ستة عشر رواية مختلفة، ولم يُبيّنها. وقال النوويّ: نحوه في "شرح مسلم"، ولم يبينها أيضًا، وقد بينها الحافظ أبو الفضل العراقيّ في "شرح الترمذيّ"، وزاد وجهًا آخر، فصارت سبعة عشر وجهًا، لكن يمكن أن تتداخل. وقال صاحب "الهدي": أصلها ستّ صفات، وبلّغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصّة جعلوا ذلك وجهًا من فعل النبي ﷺ ، وإنما هو من اختلاف الرواة انتهى.
قال الحافظ: وهذا هو المعتمد، وإليه أشار شيخنا -يعني الحافظ العراقي- بقوله: يمكن تداخلها. وحكى ابن القصّار المالكي أن النبي ﷺ صلاها عشر مرّات. وقال ابن العربي: صلاها أربعًا وعشرين مرة. وقال الخطابي: صلاها النبي ﷺ في أيام مختلفة بأشكال متباينة، يتحرّى فيها ما هو الأحوط للصلاة، والأبلغ للحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى انتهى (١).
وقال الحافظ الزيلعي ﵀ في "نصب الراية": ذكر بعض الفقهاء أن النبي ﷺ صلاها في عشرة مواضع، والذي استقر عند أهل السير، والمغازي أربعة مواضع: ذات الرقاع، وبطن نخل، وعُسفان، وذو قرد، فحديث ذات الرقاع أخرجه البخاريّ وغيره عن سهل بن أبي حثمة، وفي لفظ للبخاريّ "عمن صلى مع النبي ﷺ "، وحديث بطن نخل أخرجه أبو داود، والنّسائيّ عن جابر، قال: كنا مع النبي ﷺ ببطن نخل، والعدوّ بيننا وبين القبلة … الحديث. وحديث عُسفان أخرجه أبو داود، والنسائيّ عن أبي عياش الزرقيّ. وحديث ذي قرد أخرجه النسائي عن ابن عباس أنه ﷺ صلى بذي قرد … الحديث انتهى (٢).
(الثالث): أنه اختُلف في أيّ سنة شُرعت صلاة الخوف؟ فقال الجمهور: إن أول ما صليت في غزوة ذات الرقاع، واختلف أهل السير في أيّ سنة كانت هي؟، فقال عامّة أهل السير، ابن إسحاق، وابن عبد البرّ، وغيرهما: إنها كانت بعد بني النضير، والخندق، في جمادى الأولى سنة أربع. وقال ابن سعد، وابن حبّان: في عاشر محرّم سنة خمس. وقال أبو معشر: بعد بني قريظة في آخر السنة الخامسة، وأول التي تليها.
وقال البخاريّ: بعد خيبر في السنة السابعة، ورجحه الإمام ابن القيّم، والحافظ،
стр. 9812
وذهب ابن القيّم إلى أن أول صلاة صليت للخوف بعسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق، وقريظة سنة ست، وصليت بذات الرقاع أيضًا، فعلم أنها بعد الخندق، وبعد عُسفان، وقد بسط الكلام في "الهدي" في الاستدلال لذلك، وإليه جنح الحافظ في "الفتح"، حيث قال بعد الاستدلال لهذا القول: وإذا تقرّر أن أول ما صليت صلاة الخوف بعسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة، وقد صليت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد عسفان، فتعين تأخرها عن الخندق، وعن قريظة، وعن الحديبية أيضًا، فيقوى القول بأنها بعد خيبر, لأن غزوة خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية انتهى (١).
(الرابع): أنهم اتفقوا على أن النبي ﷺ لم يصل صلاة الخوف في غزوة الخندق، واختلفوا في سبب ذلك، فقيل: كانت بعد نزول صلاة الخوف، وأنه أخرها نسيانًا، يدل عليه ما روى أحمد من حديث ابن لهيعة عن أبي جمعة حبيب بن سباع، قال: إن رسول اللَّه ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: "هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ " قالوا: لا يا رسول اللَّه، ما صليتها، فأمر المؤذن، فأقام، فصلى العصر، ثم أعاد المغرب. قال الحافظ: وفي صحته نظر, لأنه مخالف لما في "الصحيحين" من قوله ﷺ لعمر: "واللَّه ما صليتها". ويمكن الجمع بينهما بتكلف.
وقيل: أخرها عمدًا, لأنه كان مشغولاً بالقتال، والاشتغالُ بالقتال، والمسايفة يمنع الصلاة. قاله صاحب "الهداية"، والطحاويّ، وأبو بكر الجصاص.
وقيل: لأنه لم يكن أُمر حينئذ أن يصلي صلاة الخوف راكبا، فقد رُوي عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: "كنا مع رسول اللَّه ﷺ يوم الخندق، فشغلنا … " الحديث، وفي آخره: "وذلك قبل أن ينزل عليه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، أخرجه أحمد، والنسائيّ، والطيالسيّ، وعبد الرزاق، وغيرهم. وقيل: لتعذر الطهارة. وقيل: لأنه كان في الحضر، وشرط صلاة الخوف أن تكون في السفر (٢). قاله ابن الماجشون.
وقيل: أخرها عمدًا لأنه كانت قبل نزول صلاة الخوف، وإليه ذهب الجمهور، كما قال ابن رشد، وبه جزم ابن القيّم في "الهدي"، والحافظ في "الفتح"، والقرطبي في "شرح مسلم"، وعياض في "الشفا"، وغبرهم، وهو الراجح (٣) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 9813
١٥٢٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ, قَالَ: كُنَّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي بِطَبَرِسْتَانَ, وَمَعَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ, فَقَالَ: أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ؟ , فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا, فَوَصَفَ, فَقَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً, صَفٍّ خَلْفَهُ, وَطَائِفَةٍ أُخْرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ, فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الَّتِي تَلِيهِ رَكْعَةً, ثُمَّ نَكَصَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ أُولَئِكَ, وَجَاءَ أُولَئِكَ, فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإمام الحجة المثبت [١٠] تقدم ٢/ ٢.
٢ - (وكيع) بن الجرّاح، أبو سفيان الرؤاسي الكوفي، ثقة حافظ [٩] تقدم ٢٣/ ٢٥.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة المثبت [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧.
٤ - (الأشعث بن أبي الشعثاء) الأسود بن يزيد الكوفي، ثقة [٦] تقدم ٩٠/ ١١٢.
٥ - (الأسود بن هلال) المحاربيّ، أبو سَلاّم الكوفيّ، ثقة مخضرم جليل [٢].
روى عن معاذ بن جبل، وعمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وثعلبة بن زَهْدَم.
وعنه أشعث بن أبي الشعثاء، وأبو حَصين، وأبو إسحاق السبيعي، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.
قال أحمد: ما علمت إلا خيرًا. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كان جاهليًا، وكان رجلاً من أصحاب عبد اللَّه، ووثقه، وذكره الباروديّ وجماعة ممن ألّف في الصحابة لإدراكه. وقال ابن سعد، عن الأسود: هاجرتُ زمنَ عمر، فذكر قصة. وقال ابن سعد: توفي زمن الحجاج بعد الجماجم، وقال عمرو بن علي: سنة (٨٤). أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أحد عشر حديثًا.
٦ - (ثعلبة بن زَهْدم) الحنظليّ التميميّ، مختلف في صحبته، حديثه في الكوفيين.
روى عن النبي ﷺ على اختلاف في ذلك، وعن حُذَيفة، وأبي مسعود. وعنه الأسود ابن هلال. قال الحافظ: جزم بصحبته ابن حبّان، وابن السكن، وأبو محمد بن حزم، وجماعة ممن صنّف في الصحابة يطول تعدادهم. وذكره البخاريّ في "التاريخ الكبير"، وقال: قال الثوريّ: له صحبة، ولا يصحّ. وقال الترمذيّ في "تاريخه": أدرك النبي ﷺ ، وعامة روايته عن الصحابة. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين. أخرج له أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث.
стр. 9814
٧ - (حذيفة) بن اليمان حِسْل، أو حُسَيل الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ٢/ ٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى ثعلبة، فقد تفرّد به المصنف، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، إن ثبتت صحبة ثعلبة، وإلا ففيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ) الحنظليّ أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي) -وفي نسخة "العاص" بحذف الياء- ابن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، أبي عثمان، ويقال: أبو عبد الرحمن، قُتل أبوه يوم بدر كافرًا، ومات جدّه أبو أُحَيحَة قبل بدر مشركًا. قال ابن سعد قُبض النبي ﷺ ، ولسعيد تسع سنين، روى عن النبي ﷺ مرسلاً، وعن عمر، وعثمان، وعائشة، وعنه ابناه: عُمر، ويحيى، ومولاه كعب، وغيرهم. قال الزبير بن بكّار: استعمله عثمان على الكوفة، وغزا بالناس طبرستان، واستعمله معاوية على المدينة. وقال سعيد بن عبد العزيز: لكلّ قوم كريم، وكريمنا سعيد، وقال أيضًا: أُقيمت عربية القرآن عدى لسان سعيد, لأنه كان أشبههم لهجة برسول اللَّه ﷺ . وقال ابن عبد البرّ: كان من أشراف قُريش، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان. وروى الطبراني في "معجمه" أن عثمان ﵁ قال: أيّ الناس أفصح؟ قالوا: سعيد بن العاص. وقال ابن عبد البرّ: كان ممن اعتزل الجَمَلَ وصِفِّين. وقال الزبير: مات في قصره بالعَرْصَة على ثلاثة أميال من المدينة، ودفن بالبقيع سنة (٥٨) وقال البخاري: قال مسدد: مات سعيد، وأبو هريرة، وعائشة، وابن عامر سنة (٥٧) أو (٥٨) قال: وقال غيره: مات سعيد سنة (٥٩) وهو قول خليفة بن خيّاط.
(بِطَبَرِسْتَانَ) وفي نسخة "في طبرستان"، وهي بفتح الطاء، والباء، وكسر الراء: بلاد واسعة بالعجم، وهي مركبة من كلمتين، "طبر"، وهي بالفارسية اسم للفأس، و"استان"، وهي الناحية، ولكثرة اشتباك أشجارها, لا يتمكن الجيش من سلوكها، إلا بعد قطع الأشجار بالطبر، فلذا سميت "طبرستان"، وقيل: "الطبر" ما يشقّ به الأحطاب، ونحوها، وعليه سميت طبرستان, لأن أهل تلك الجهة كثيروا الحروب، وأكثر أسلحتهم الأطبار. فُتحت في عهد عثمان ﵁ على يد سعيد بن العاص ﵁ -
стр. 9815
سنة (٢٩) من الهجرة (١).
(وَمَعَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ) جملة في محل نصب على الحال (فَقَالَ) أي سعيد بن العاص (أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ؟، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا) أي أنا صليتها معه (فَوَصَفَ) أي وصف حذيفة ﷺ صلاة النبي ﷺ بالقول، والرواية التالية صريحة في أنه بينها بالفعل، والظاهر أنه جمع بينهما زيادة في الإيضاح (فَقَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً) أي بكل طائفة ركعة واحدة (صَفَّ) بصيغة الماضي، كما هو بضبط القلم في النسخة الهندية، ويدلّ على هذا ما في "الكبرى" بلفظ "صفّت" بتاء التأنيث، والجملة في محل جرّ صفة لـ"طائفة"، أو حال منه، وذكّر الفعل بتأويل "طائفة" بصِنْفٍ، أو بعض، وقوله (خَلْفَهُ) ظرف لـ"صَفَّ"، ويحتمل أن يكون "صفّ" اسمًا مبتدءًا خبره الظرف، وسوّغ الابتداء بالنكرة التفصيل، أو كونه موصوفًا بمقدّر، أي صفّ منها.
وقال السندي ﵀ في "شرحه": قوله: "صفّ خلفه" بالجرّ بدل من "طائفة". انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: هذا الذي قاله إن صحت الرواية به فذاك، وإلا فلا يتعيّن. واللَّه أعلم.
(وَطَائِفَةٌ أُخْرَى بَيْنَهُ وَبَينَ الْعَدُوِّ) "طائفة" مبتدأ خبره الظرف (فَصَلَّى بالطَّائِفَةِ الَّتِي تَلِيهِ رَكْعَةَ، ثُمَّ نَكَصَ هَؤُلَاءِ) أي رجع الذين صلّوا ركعة معه، يقال: نكَص على عقبيه نكُوصًا، من باب قَعَدَ: رجع. قال ابن فارس: والنكوصُ الإحجام عن الشيء (إِلَى مَصَافٍّ أُولَئِكَ) بفتح الميم، وتشديد الفاء، جمع مصفّ: أي أماكن صفوفهم في الحراسة (وَجَاءَ أُولَئِكَ) أي الذين واجهوا العدوّ (فَصَلَّى بِهمْ رَكْعَةَ) أخرى، زاد في الرواية التالية: "ولم يقضوا"، وهي صريحة في اجتزاء كل طائفة بركعة واحدة، وبه يقول بعض أهل العلم، وسيأتي تحقيق القول في المسائل الآتية، إن شاء اللَّه تعالى.
وقد ساق الإمام أحمد الحديث في "مسنده" مطولاً، فقال:
حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد السلولي، قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، ومعه نفر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فقال: أيكم صلى مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فَأْمُرْ أصحابك يقومون طائفتين، طائفة خلفك، وطائفة بإزاء العدو، فتكبروا، ويكبرون جميعا، ثم
стр. 9816
تركع فيركعون جميعا، ثم ترفع فيرفعون جميعا، ثم تسجد ويسجد معك الطائفة التي تليك، والطائفة التي بإزاء العدو قيام بإزاء العدو، فإذا رفعت رأسك من السجود يسجدون، ثم يتأخر هؤلاء، ويتقدم الآخرون، فقاموا في مَصَافّهم، فتركع فيركعون جميعا، ثم تسجد فتسجد الطائفة التي تليك، والطائفة الأخرى قائمة بإزاء العدو، فإذا رفعت رأسك من السجود سجدوا، ثم سلمت وسلم بعضهم على بعض، وتأمر أصحابك إن هاجهم هَيْجٌ من العدو، فقد حل لهم القتال والكلام. انتهى.
وقوله في هذه الرواية "فتكبر، ويكبرون جميعًا" لا ينافي ما يأتي في رواية المصنف أن حذيفة هو الذي صلى بالناس, لأن هذا تعليم لسعيد كيف يصلي؟، ولكنه قدم حذيفة لكونه شاهد النبي ﷺ حين صلاها، فهو أضبط، وفعله أحوط.
ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: "فقام حذيفة، فصفّ الناس خلفه" لسعيد، أي صفّ حذيفة الناس خدف سعيد تعليما لهم كيف يصفّون، فصلى سعيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث حذيفة ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا- ١٧/ ١٥٢٩ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩١٧ - بالإسناد المذكور، وفي ١٧/ ١٥٣٠ - و"الكبرى" ٢٢/ ١٩١٨ - عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان، عن الثوريّ به. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (أبو داود) ١٢٤٦ و (أحمد) ٥/ ٣٨٥ و ٣٩٥ و ٣٩٩ و ٤٠٤ و ٤٠٦ (ابن خزيمة) ١٣٤٣ و ١٣٦٥. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: حديث حذيفة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا اشتمل على إحدى الكيفيات التي وردت في صلاة الخوف، وهي أن كل طائفة اكتفت بركعة واحدة، حيث قال: "ولم يقضوا"، ومثله حديث زيد بن ثابت الآتي بعده -١٥٣١ - ، وحديث ابن عباس ﵄ الآتي أيضًا-١٥٣٢ و ١٥٣٢٣ - وفيه أيضا: "ولم يقضوا"، وحديث جابر ﵁ الآتي أيضًا -١٥٤٥ - وفي آخره "فكانت للنبي ﷺ ركعتان، ولهم ركعة".
وقد حقّق هذا الموضوع الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- وبَيَّنَه بيانًا شافيًا، ودونك عبارته:
[مسألة]: من حضره خوف من عدوّ ظالم، كافر، أو باغ من المسلمين، أو من
стр. 9817
سيل، أو من نار، أو من حنش، أو سبع، أو غير ذلك، وهم ثلاثة، فصاعدًا، فأميرهم مخيّر بين أربعة عشر وجهًا، كلها صح عن رسول اللَّه ﷺ ، قد بيناها غاية البيان، والتقصّي في غير هذا الكتاب.
قال: فإن كان في سفر، فإن شاء صلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، وسلموا، ثم تأتي طائفة أخرى، فيصلي بهم ركعتين، ثم يسلم، ويسلمون، وإن كان في حضر صلى بكل طائفة أربع ركعات، وإن كانت الصبح صلى بكلّ طائفة ركعتين، وإن كانت المغرب صلى بكلّ طائفة ثلاث ركعات، الأولى فرض الإمام، والثانية تطوّع له.
وإن شاء في السفر أيضا صلى بكل طائفة ركعة، ثم تسلم تلك الطائفة ويجزئهما، وإن شاء هو سلّم، وإن شاء لم يسلم، ويصلي بالأخرى ركعة، ويسلم، ويسلمون، ويجزئهم.
وإن شاءت الطائفة أن تقضي الركعة، والإمام واقف فعلت، ثم تفعل الثانية أيضًا كذلك، فإن كانت الصبح صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم وقف، ولا بدّ، وقضوا ركعة، ثم سلموا، ثم تأتي الثانية، فيصلي بهم الركعة الثانية، فإذا جلس قاموا، فقضوا ركعة، ثم سلم ويسلمون، فإن كانت المغرب صلى بالطائفة الأولى ركعتين، فإذا جلس قاموا، فقضوا ركعة، وسلموا، وتأتي الأخرى، فيصلي بهم الركعة الباقية، فإذا قعد صلوا الركعة، ثم جلسوا، وتشهدوا، ثم صلوا الثالثة، ثم يسلم ويسلمون.
فإن كان وحده فهو مخيّر بين ركعتين في السفر، أو ركعة واحدة، وتجزئه، وأما الصبح، فثنتان ولابدّ، والمغرب ثلاث ولابدّ، وفي الحضر أربع ولا بدّ. سواء في ذلك من طُلب بحقّ، أو بغير حقّ.
قال اللَّه تعالي: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠١ - ١٠٢]، فهذه الآية تقتضي بعمومها الصفات التي قلنا نصّا.
ثم كلّ ما صحّ عن رسول اللَّه ﷺ فلا يحلّ لأحد أن يرغب عن شيء منه، قال اللَّه تعالي آمرًا لرسوله ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. وكل شيء فعله رسول اللَّه ﷺ فهو ملته، وملته ملة إبراهيم ﵇.
стр. 9818
قال: في حديث أبي بكرة، وجابر: "أن رسول اللَّه ﷺ صلى بطائفة ركعتين في الخوف، ثم سلم، وبطائفة أخرى ركعتين، ثم سلم". قال: وهذا آخر فعل رسول اللَّه ﷺ لأن أبا بكرة شهد معه، ولم يُسلِم إلا يوم الطائف، ولم يغز ﵇ بعد الطائف غير تبوك فقط، فهذه أفضل صفات صلاة الخائف، لما ذكرنا، وقال بهذا الشافعيّ، وأحمد ابن حنبل.
قال: وحديث ابن عباس: "فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركع".
ثم أخرج حديث ثَعْلَبَة بن زَهْدَم المذكور في الباب من طريق المصنف، وحديثَ زيد ابن ثابت الآتي بعد حديث، ثم قال: الأسودُ بن هلال ثقة مشهور، وثعلبة بن زهدم أحد الصحابة حنظليّ، وفد على رسول اللَّه ﷺ ، وسمع منه، وروى عنه. قال: وصحّ هذا أيضًا مسندًا من طريق يزيد بن زريع، وأبي داود الطيالسيّ، كلاهما عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه المسعوديّ، عن يزيد الفقير، عن جابر، عن النبي ﷺ ، وأخبر جابر أن القصر المذكور في الآية عند الخوف هو هذا، لا كون الصلاة ركعتين في السفر. وصح أيضًا من طريق الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، وروي أيضًا عن ابن عمر.
فهذه آثار متظاهرة متواترة، وقال بهذا جمهور من السلف، كما روي عن حذيفة أيام عثمان ﵁، ومن معه من الصحابة، لا ينكر ذلك أحد منهم، وعن جابر وغيره.
وروينا عن أبي هريرة: أنه صلى بمن معه صلاة الخوف، فصلاها بكلّ طائفة ركعة، إلا أنه لم يقض، ولا أمر بالقضاء. وعن ابن عباس: يومئ بركعة عند القتال. وعن الحسن أن أبا موسى الأشعريّ صلى في الخوف ركعة. وعن معمر، عن عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، قال: إذا كانت المسايفة، فإنما هي ركعة، يومئ إيماء، حيث كان وجهه، راكبًا كان أو ماشيًا. وعن سفيان الثوريّ، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن، قال: صلاة المطاردة ركعة. ومن طريق سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول في صلاة الخوف: إذا لم يقدر القوم على أن يصلوا على الأرض صلّوا على ظهور الدوابّ ركعتين، فإذا لم يقدروا، فركعة، وسجدتان، فإن لم يقدروا أخروا حيث يأمنون.
قال ابن حزم: أما تأخيرها عن وقتها فلا يحلّ البتة, لأنه لم يسمع اللَّه تعالى في تأخيرها, ولا رسوله ﷺ ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
وقال سفيان الثوريّ: حدثني سالم بن عجلان الأفطس، سمعت سعيد بن جُبير يقول: كيف يكون قصر، وهم يصلون ركعتين؟ وإنما ركعة ركعة، يومئ بها حيث كان
стр. 9819
وجهه. وعن شعبة، عن أبي مسلمة -هو سعيد بن يزيد- عن أبي نضرة، عن جابر بن غُراب (١) كنا مصافّي العدوّ بفارس، ووجوهنا إلى المشرق، فقال هرم بن حيّان: ليركع كل إنسان منكم ركعة تحت جُنّته، حيث كان وجهه. وعن عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة، قال: سألت الحكم بن عُتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وقتادة عن صلاة المسايفة؟ فقالوا: ركعة حيث كان وجهه. وعن وكيع، عن شعبة، عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم مثل قول الحكم، وحماد، وقتادة. وعن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد في قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ قال: في العدو يصلي راكبًا، وراجلاً يومئ، حيث كان وجهه، والركعة الواحدة تجزئه. وبه يقول سفيان الثوريّ، وإسحاق بن راهويه.
قال ابن حزم: وهذان العملان أحبّ إلينا، من غير أن نَرْغَبَ عن سائر ما صحّ عن رسول اللَّه ﷺ في ذلك، ومَعاذَ اللَّه من هذا، لكن مِلْنَا إلى هذين لسهولة العمل فيهما على كلّ جاهل، وعالم، ولكثرة من رواهما عن النبي ﷺ ، ولكثرة من قال بهما من الصحابة والتابعين، ولتواتر الخبر بهما عن رسول اللَّه ﷺ ، ولموافقتهما القرآن. انتهى المقصود من كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر في كلام ابن حزم ﵀ أن كثيرًا من السلف قالوا بموافقة حديث الباب، فأرجح المذاهب القول بمشروعية الاكتفاء بركعة واحدة عند الخوف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٣٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ, قَالَ: كُنَّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي بِطَبَرِسْتَانَ, فَقَالَ: أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ؟ , فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا, فَقَامَ حُذَيْفَةُ, فَصَفَّ النَّاسُ, خَلْفَهُ صَفَّيْنِ, صَفًّا خَلْفَهُ, وَصَفًّا مُوَازِيَ الْعَدُوِّ, فَصَلَّى بِالَّذِي خَلْفَهُ رَكْعَةً, ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَكَانِ هَؤُلَاءِ, وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً, وَلَمْ يَقْضُوا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وهو طريق آخر لحديث حذيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وقد تقدم الكلام عليه سندًا ومتنًا في الذي قبله. وعمرو بن علي هو الفلاس، ويحيى هو القطان، وقد تقدما قبل ستة أبواب. وقوله: "فصفّ
стр. 9820
الناس" يحتمل أن يكون الناس فاعلاً، وأن يكون مفعولاً, لأن "صفّ" يتعدى، ويلزم.
وقوله: "موازي العدو" أي مقابله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٣١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي الرُّكَيْنُ بْنُ الرَّبِيعِ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ صَلَاةِ حُذَيْفَةَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا السند هو الذي قبله، سوى:
١ - (الرُّكين بن الربيع) -بتصغير الأول، وتكبير الثاني -بن عَمِيلة -بفتح المهملة، وكسر الميم- الفَزَاريّ، أبو الربيع الكوفي، ثقة [٤] ١٣٠/ ١٩٣.
٢ - (القاسم بن حسان) العامريّ الكوفيّ، مقبول [٣].
روى عن أبيه، وعمه عبد الرحمن بن حرملة، وزيد بن ثابت، وفُلفُلة الجعفيّ. وعنه الرُّكين بن الربيع، والوليد بن قيس السكونيّ. ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: ثقة. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.
أخرج له أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وفي "كتاب الزينة" ٥٠٨٨ حديث: "كان يَكره عشر خصال … " الحديث.
٣ - "زيد بن ثابت" بن الضحّاك الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ١٢٢/ ١٧٩.
وقوله: "مثل صلاة حذيفة" لم يسق المصنف لفظ حديث زيد بن ثابت ﵁، بل أحاله على لفظ حذيفة ﵁، وساقه ابن حبان في "صحيحه" جـ٧/ ١٢١ - ولفظه: "عن القاسم بن حسّان، قال: أتيت زيد بن ثابت، فسألته عن صلاة الخوف؟، فقال: صلى رسول اللَّه ﷺ وصَفٌّ خلفه، وصفٌّ بإزاء العدوّ، فصلى بهم ركعة، ثم ذهبوا إلى مصافّ إخوانهم، وجاء الآخرون، فصلّى بهم ركعة، ثم سلم، فكان للنبي ﷺ ركعتان، ولكلّ طائفة ركعة".
والحديث صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه القاسم بن حسان، قال عنه ابن القطّان: لا يُعرف حاله، وقال عنه في "التقريب": مقبول؟.
[قلت]: القاسم بن حسان روى عنه اثنان، ووثقه أحمد بن صالح، كما تقدم عن ابن شاهين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فلا يضرّه قول ابن القطّان، ولا ما قاله في "التقريب"، فتنبّه.
стр. 9821
وأخرجه المصنف هنا -١٧/ ١٥٣١ - وفي، "الكبرى" ٢٢/ ١٩١٩ - بالإسناد المذكور.
وأخرجه عبد الرزاق ٤٢٥٠ وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ وأحمد ٥/ ١٨٣ والطحاويّ في "شرح معاني الآثار" ١/ ٣١٠ والطبراني ٤٩١٩ والبيهقي ٣/ ٢٦٢ - . ٢٦٣ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٣٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا, وَفِى السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ, وَفِى الْخَوْفِ رَكْعَةً".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم الكلام عليه سندًا ومتنًا في ٣/ ٤٥٦ - وأبو عوانة: وضاح بن عبد اللَّه اليشكريّ.
والحديث صريح في كون الفرض في الخوف ركعة واحدة، وهو المذهب الصحيح، كما تقدم قريبًا.
وقال النووي: هذا الحديث قد عمل بظاهره طائفة من السلف، منهم الحسن البصريّ، والضحّاك، وإسحاق بن راهويه، وقال الشافعيّ، ومالك، والجمهور: إن صلاة الخوف كصلاة الأمن في عدد الركعات، فإن كانت في الحضر وجب أربع، وإن كانت في السفر وجب ركعتان، ولا يجوز الاقتصار على ركعة واحدة في حال من الأحوال، وتأولوا الحديث على أن المراد ركعة مع الإمام، وركعة أخرى يأتي بها منفردًا، كما جاءت الأحاديث في صلاة النبي ﷺ ، وأصحابه في صلاة الخوف، وهذا التأويل لا بدّ منه، للجمع بين الأدلّة انتهى.
قال السندي -رحمه اللَّه تعالى-: لا منافاة بين وجوب واحدة، والعمل باثنتين، حتى يُحتاج إلى التأويل للتوفيق، لجواز أنهم عملوا بالأحبّ والأولى. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التأويل الذي ذكره النووي تأويل بعيد، منابذ لما صرحت به الأحاديث "الصحيحة" من أحاديث حذيفة، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد اللَّه، وابن عباس ﵁، من الاكتفاء بركعة واحدة، كما تقدم، ولما قاله كثير من السلف كما أسلفناه، فلا يُلتفت إليه، بل الحق جواز الاقتصار على ركعة واحدة في الخوف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 9822
١٥٤٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِذِي قَرَدٍ, وَصَفَّ النَّاسُ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ, صَفًّا خَلْفَهُ, وَصَفًّا مُوَازِيَ الْعَدُوِّ, فَصَلَّى بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً, ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَكَانِ هَؤُلَاءِ, وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً, وَلَمْ يَقْضُوا".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن بشار) بُندار، أبو بكر البصري، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (يحيى) القطان، و ٣ - (سفيان) الثوري تقدما قريبًا.
٤ - (أبو بكر بن أبي الجهم) هو: ابن عبد اللَّه بن أبي الجَهْم العدويّ، نسب لجدّه، ثقة [٤]. واسم أبي الجهم صُخَير، ويقال: عُبيد بن حُذَيفة بن غانم بن عبد اللَّه بن عُبيد بن عُوَيج.
روى عن عمه محمد بن أبي الجهم، وابن عمر، وفاطمة بنت قيس، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وغيرهم. وعنه الثوري، وشعبة، وشريك، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الزبير بن بكار: كان فقيهًا. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والباقون، سوى أبي داود، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ١٥٣٣ و ٣٤١٨ و ٣٥٥١.
٥ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه) بن عُتبة بن مسعود المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٥/ ٥٦.
٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١٠ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عبيد اللَّه من الفقهاء السبعة، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العباداة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِذِي قَرَدٍ) بفتح
стр. 9823
القاف والراء: ماء على ليلتين من المدينة، بينها وبين خيبر، ويقال: ذو القَرَد. قاله في "اللسان" واختلف في أيّ سنة هي؟، فقيل: قبل خيبر بثلاث ليال، وإليه جنح البخاري في "صحيحه"، ورجّحه الحافظ. وقال ابن سعد: كانت غزوة ذي قرد في ربيع الأول، سنة ستّ، قبل الحديبية، وقيل: في جُمادى الأولى. وعن ابن إسحاق في شعبان منها (١).
(وَصَفَ النَّاسُ) تقدم أنه يحتمل الرفع والنصب، وفي نسخة "فصفّ الناس" (خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، صَفًّا خَلْفَهُ، وَصَفًّا مُوَازِيَ الْعَدُوً) أي مقابله (فَصَلَّى بالَّذِينَ) وفي نسخة "بالذي"، أي بالصفّ الذي (خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلَاءِ إِلَى مكَانِ هَؤُلَاءِ, وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهمْ رَكْعَة، وَلَمْ يَقْضُوا") أي لم يقض الفريقان الركعة الأخرى، بل اكتفوا بركعة واحدة، وهذا هو الراجح، وتأوله القائلون بعدم مشروعية ركعة واحدة في الخوف بأن المراد أنهم لم يقضوا في علم الراوي، أو أن مراده أنهم لم يقضوا إذا أمنوا، إذ لا يقضي الخائف إذا أمن ما صلى على تلك الهيأة، أو أنهم صلوا في الخوف ركعة مع رسول اللَّه ﷺ ، وسكت عن الثانية لأنهم صلّوها إفرادًا (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه التأويلات كلها بعيدة عن نصّ الحديث، فلا يُلتفت إليها .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف ﵀، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -١٧/ ١٥٣٣ - وفي "الكبرى"- ٢٢/ ١٩٢١ - بالإسناد المذكور.
وأخرجه (أحمد) ١/ ٢٣٢ و١/ ٣٥٧ و٥/ ١٨٣ و (ابن خزيمة). ١٣٤٤ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٣٤ - أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنِ الزُّبَيْدِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ, فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا, ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ, ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا, ثُمَّ قَامَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ, فَتَأَخَّرَ الَّذِينَ سَجَدُوا مَعَهُ, وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ, وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى, فَرَكَعُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَجَدُوا, وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ, يُكَبِّرُونَ, وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
стр. 9824
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير) أبو حفص الحمصي، صدوق [١٠] ٢١/
٥٣٥.
٢ - (محمد) بن حرب الخَوْلانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (الزُّبَيديّ) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] ٤٥/ ٥٦.
والباقون تقدموا قريبًا، وشرح الحديث واضح.
وقوله: "ولكن يحرس بعضهم بعضًا" محل هذه الصورة إذا كان العدوّ في جهة القبلة، فلا يفترقون، والحالة هذه، بخلاف ما يأتي في حديث ابن عمر ﵄، وقال الطحاويّ: ليس هذا بخلاف القرآن، لجواز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ إذا كان العدوّ في غير القبلة، وذلك ببيانه ﷺ ، ثمّ بيّن كيفية الصلاة إذا كان العدوّ في جهة القبلة. واللَّه أعلم (١).
ثم ظاهر هذه الرواية أنهم لم يقضوا الركعة الثانية، فهي توافق الرواية السابقة قبل هذا لابن عباس ﵁، كما أشار إليه في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاري ٢/ ١٨، وأخرجه المصنف هنا ١٧/ ١٥٣٤ وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٢٢ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٣٥ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: مَا كَانَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ إِلاَّ سَجْدَتَيْنِ, كَصَلَاةِ أَحْرَاسِكُمْ هَؤُلَاءِ الْيَوْمَ, خَلْفَ أَئِمَّتِكُمْ هَؤُلَاءِ, إِلاَّ أَنَّهَا كَانَتْ عُقَبًا, قَامَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ, وَهُمْ جَمِيعًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَسَجَدَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ, ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقَامُوا مَعَهُ جَمِيعًا, ثُمَّ رَكَعَ, وَرَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا, ثُمَّ سَجَدَ, فَسَجَدَ مَعَهُ الَّذِينَ كَانُوا قِيَامًا أَوَّلَ مَرَّةٍ, فَلَمَّا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَالَّذِينَ سَجَدُوا مَعَهُ, فِي آخِرِ صَلَاتِهِمْ, سَجَدَ الَّذِينَ كَانُوا قِيَامًا لأَنْفُسِهِمْ, ثُمَّ جَلَسُوا, فَجَمَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّسْلِيمِ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبيد اللَّه بن سعد بن إبرهيم) الزهري، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان،
стр. 9825
ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠.
٢ - (عمه) يعقوب بن إبراهيم بن سعد، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٢.
٣ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٢.
٤ - (ابن إسحاق) هو محمد بن إسحاق بن يسار المطّلبيّ مولاهم، أبو إسحاق المدني، نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق يدلّس، ورمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥] ٥/ ٤٨٠.
٥ - (داود بن الحُصين) الأمويّ مولاهم، أبو سليمان المدني، ثقة، إلا في عكرمة، ورمي برأي الخوارج [٦] ٢٠/ ١٢٢٦.
٦ - (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة ثبت عالم بالتفسير، ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة [٣] ٢/ ٣٢٥.
٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١٠ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: مَا كَانَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ إِلاَّ سَجْدَتَيْنِ) أي ركعتين (كَصَلَاةِ أَخرَاسِكُمْ) بالحاء المهملة، جمع حارس، قال المجد: حَرَسَه حَرْسًا، وحِرَاسَةً، فهو حارسٌ، جمعه حَرَسٌ -أي بفتحتين-، وأَخرَاسٌ، وحُرَّاسٌ -أي بالضمّ-، والحَرَسِيّ واحد حَرَس السلطان. انتهى (١) وقال ابن منظور: حَرَسَ الشيءَ يحرُسُهُ -أي بالضمّ-، ويَحْرِسُهُ -أي بالكسر-: حَفِظَهَ، وهم الحُرَّاسُ، والحَرَسُ، والأَحراسُ، قال: والحَرَس: حَرَسُ السلطان، وهم الحُرَّاس، الواحد حرسيّ, لأنه قد صار اسم جنس، فنسب إليه، ولا تقل: حارسٌ، إلا أن تذهب به إلى
стр. 9826
معنى الحِرَاسة، دون الجنس. وقال أيضًا: والحَرَس: خدم السلطان المُرَتَّبُون لحفظه وحراسته انتهى (١).
ووقع في بعض نسخ "المجتبى" بالخاء المعجمة، وهو تصحيف.
(هَؤُلَاءِ) بدل من "أحراسكم" (الْيَوْمَ) ظرف لـ"أحراسكم"، وكذا قوله (خَلْفَ أَئِمَّتِكُمْ هَؤُلَاءِ، إِلاَّ أَنهَا كَانَتْ عُقَبًا) بضمّ، ففتح، جمع عُقْبة بضم، فسكون، وهي النوبة، مثل غُرْفَة وغُرَف، والمعنى أن طائفة سجدت بعد طائفة (قَامَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) هذا بيان لمعنى العُقَب (وَهُمْ جَمِيعًا مَعَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ) جملة في محل نصب على الحال (وَسَجَدَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَامُوا مَعَهُ جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ، وَرَكَعُوا مَعَهُ جَميعًا) أي ركع الطائفتان معه ﷺ (ثُمَّ سَجَدَ، فَسَجَدَ مَعَهُ الَّذَينَ كَانُوا قِيَامًا أَوَّلَ مَرَّةٍ) يعني الطائفة الأولى التي كانت تحرس حينما سجد النبي ﷺ بالذين وراءه (فَلَمَّا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالَّذِينَ سَجَدُوا مَعَهُ، فِي آخِرِ صَلَاتهِمْ") وهم الطائفة الأولى في الحراسة (سَجَدَ الَّذِينَ كَانُوا قِيَامًا لأَنْفُسِهِمْ) وهم الطائفة الثانية في الحراسة (ثُمَّ جَلَسُوا، فَجَمَعَهُمْ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّسْلِيم) أي سلم ﷺ ، وسلم الطائفتان معه.
وهذي الكيفيَة هي الكيفية الثالثة من الكيفيات التي ذكرها المصنف، وحاصلها أن الطائفتين جميعًا دخلوا في الصلاة مع النبي ﷺ ، وركعوا معه، ثم سجدت معه في الركعة الأولى طائفة، وحرست أخرى، ثم سجدت هذه معه في الركعة الثانية، وسجدت الأولى لنفسها، ثم سلموا كلهم معه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث في سنده داود بن الحصين، وهو وإن كان ثقة، إلا أنه منكر الحديث في عكرمة، كما قاله ابن المديني، وغيره، إلا أن لحديثه هذا شواهدَ، فيصحّ بها.
وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى- من بين أصحاب الأصول، وأخرجه أحمد ١/ ٢٦٥. واللَّه تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٣٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ, "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ, فَصَفَّ صَفًّا خَلْفَهُ, وَصَفًّا مُصَافُّو الْعَدُوِّ, فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً, ثُمَّ ذَهَبَ هَؤُلَاءِ, وَجَاءَ أُولَئِكَ, فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً, ثُمَّ قَامُوا, فَقَضَوْا رَكْعَةً رَكْعَةً".
стр. 9827
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن علي) الفلاّس تقدم قريبا.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، تقدم قريبًا.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المثبت الشهير [٧] ٢٤/ ٢٦.
٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد المدني، ثقة فاضل [٦] ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدنيّ، ثقة فاضل فقيه [٣] ١٢٠/ ١٦٦.
٦ - (صالح بن خَوَّات) -بفتح المعجمة، وتشديد الواو- ابن جبير بن النعمان الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٤].
روى عن أبيه، وخاله، وسهل بن أبي حَثْمَة. وعنه ابنه جُبير، ويزيد بن رُومان، وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير، والقاسم بن محمد.
قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: قليل الحديث. أخرج الجماعة حديث الباب فقط.
٧ - (سهل بن أبي حثمة) الأنصاري الخزرجي المدنيّ، صحابي صغير ابن صحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وُلد سنة ثلاث من الهجرة ٥/ ٧٤٨٠ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة، أصحاب الأصول الذين رووا عنهم من غير واسطة، وهم تسعة، وقد جمعهتم في قولي:
اشتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُ الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
في تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارِ كَذَا … ابْنُ المُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: عبد الرحمن، عن أبيه القاسم، عن صالح بن خوّات، وكلهم مدنييون. (ومنها): أن فيه القاسم بن محمد من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة المجموعين في قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي النَّاسِ سَبعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
стр. 9828
فَقُلْ هُمْ عُبَيدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمْ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيمَانُ خَارِجَهْ
وقد تقدّم هذا كلّه غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) -بفتح المهملة، وسكون المثناة، واسمه عبد اللَّه، وقيل: عامر، وقيل: اسم أبيه عبد اللَّه، وأبو حَثْمة جدّه، واسمه عامر بن ساعدة، وهو أنصاريّ، من بني الحارث بن الخزرج.
واتفق أهل العلم بالأخبار على أن سهلاً كان صغيرًا في زمن النبي ﷺ ، إلا ما ذكر ابن أبي حاتم، عن رجل من ولد سهل أنه حدّثه أنه بايع تحت الشجرة، وشهد المشاهد، إلا بدرًا، وكان الدّليلَ للنبي ﷺ ليلة أُحُد.
وقد تعقّب هذا جماعة من أهل المعرفة، وقالوا: إن هذه الصفة لأبيه، وأما هو فمات النبي ﷺ ، وهو ابن ثمان سنين، وممن جزم بذلك الطبريّ، وابن حبّان، وابن السكن،، وغير واحد، وعلى هذا فتكون روايته لقصة صلاة الخوف مرسلة، ويتعيّن أن يكون مراد صالح بن خوّات في الرواية التالية: "عمن صلى مع رسول اللَّه ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف" غيرَهُ، والذي يظهر أنه أبوه، كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى. أفاده في الفتح" (١)
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهمْ) أي بالصحابة ﵃، ولفظ أبي داود: "صلى بأصحابه في خوف" (صَلَاةَ الْخَوْفِ) الظاهر أنها غزوة ذات الرقاع، كما صرّح به في الرواية التالية (فَصَفَّ صَفًا خَلْفَهُ، وَصَفًا مُصَافُّو الْعَدُوِّ) خبر لمحذوف، هم مصافّوا العدوّ، والجملة في محل نصب صفة لـ"صفّا" (فَصَلَّى بهِمْ رَكْعَةَ) أي صلى النبي ﷺ بالذين صفّوا خلفه ركعة، ولم يُبيّن في هذه الرواية أن الطائفة الأولى أتَمّوا لأنفسهم الركعة الباقية.
وقد بُيّن ذلك في رواية مسلم، ولفظها، من طريق معاذ بن معاذ، عن شعبة: "أن رسول اللَّه ﷺ صلّى بأصحابه في الخوف، فصفّهم خلفه صفّين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام، فلم يزل قائما حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا، وتأخر الذين كانوا قدّامهم، فصلى بهم ركعةً، ثم قعد، حتى صلى الذين تخلّفوا ركعةً، ثم سلم". (ثُمَّ ذَهَبَ هَؤُلَاءِ) أي الذين صلّوا معه الركعة الأولى، وأتموا لأنفسهم (وَجَاءَ أُولَئِكَ) أي الذين كانوا مصافّي العدوّ (فَصَلَّى بهِمْ رَكْعَةً) أي الركعة الثانية له (ثُمَّ قَامُوا، فَقَضَوْا
стр. 9829
رَكْعَةً رَكْعَةً") أي قضى كل رجل من الطائفة الثانية لنفسه الركعة الباقية. بعد ما سلّم النبي ﷺ .
وهذه الرواية صريحة في أنه ﷺ سلم بعد ما أتمّت الطائفة الثانية صلاتها، وهي تخالف روايةَ المصنف الآتية برقم "١٥٥٣" وروايةَ مالك في "الموطإ"، ولفظها:
عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خَوَّات: أن سهل بن أبي حثمة حدّثه أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام، ومعه طائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة العدوّ، فيركع الإمام ركعة، ويسجد سجدةً بالذين معه، ثم يقوم، فإذا استوى قائمًا ثبت، وأتمّوا لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون، وينصرفون، والإمام قائم، فيكونون وِجَاه العدوّ، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا، فيكبّرون وراء الإمام، فيركع بهم الركعة، ويسجد، ثم يسلم، فيقومون، فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلّمون" انتهى (١)
قال الحافظ أبو عمر ﵀: وهذا الذي رجع إليه مالك، بعد أن قال بحديث يزيد ابن رُومان، وإنما اختاره، ورجع إليه للقياس على سائر الصلوات أن الإمام لا ينتظر المأموم، وأن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام، قال: وهذا الحديث موقوف عند رواة "الموطإ"، ومثله لا يقال بالرأي، وقد جاء مرفوعا مسندًا انتهى.
وتابع مالكًا على وقفه يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى الأنصاريّ، في الرواية الآتية للمصنف في -١٥٥٣ - ويحيى القطان، وعبد العزيز بن أبي حازم، كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عند البخاريّ، ورفعه يحيى القطان في روايته عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خَوّات، عن سهل بن أبي حثمة، كما في رواية الباب، قال ابن عبد البرّ: وعبد الرحمن بن القاسم أسنّ من يحيى بن سعيد، وأجلّ. انتهى.
والحاصل أن حديث سهل بن أبي حثمة ﵁ صحّ مرفوعًا وموقوفاً .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث سهل بن أبي حثمة - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 9830
أخرجه هنا -١٧/ ١٥٣٦ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٢٤ - بالسند المذكور. وفي ١٧/ ١٥٥٣ - و"الكبرى" ٢٢/ ١٩٤١ - عن أبي حفص عمرو بن عليّ، عن يحيى القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خَوَّات، عن سهل بن أبي حَثْمَة في صلاة الخوف، قال: يقوم الإمام … الحديث، موقوفًا عليه. واللَّه أعلم.
المسالة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٥/ ١٤٦ و ٥/ ١٤٥ و ٥/ ١٤٦ (م) ٤/ ٢١٢. (د) ١٢٣٧ و ١٢٣٩ (ت) ٥٦٥ و ٥٦٦ (ق) ١٢٥٩. و (أحمد) ٣/ ٤٤٨ و (الدارمي) ١٥٣٠ و ١٥٣١.
و (ابن خزيمة) ١٣٥٦ و ١٣٥٧ و ١٣٥٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٣٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ, عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ, عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ, صَلَاةَ الْخَوْفِ, أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ, وَطَائِفَةٌ وُجَاهَ الْعَدُوِّ, فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً, ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا, وَأَتَمُّوا لأَنْفُسَهِمْ, ثُمَّ انْصَرَفُوا, فَصَفُّوا وُجَاهَ الْعَدُوِّ, وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى, فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ, ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا, وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ, ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد، تقدم قريبًا.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٣ - (يزيد بن رُومَان) الأسديّ، أبو رَوْح المدني، مولى آل الزبير، ثقة [٥].
روى عن ابن الزبير، وأنس، وصالح بن خوّات، وغيرهم. وعنه هشام بن عروة، وابن إسحاق، ومالك، وغيرهم.
وثقه ابن معين، والنسائي، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان عالما كثير الحديث، مات سنة (١٥٠). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم ١٥٣٧ و ٢٢٣٤ و ٢٩٠٣ و ٣٤٥٢.
٤ - (صالح بن خَوَّات) المذكور في السند السابق.
٥ - (من صلى مع رسول اللَّه ﷺ ) قال الحافظ ﵀: قيل: إن اسم هذا المبهم سهل بن أبي حثمة، لأن القاسم بن محمد روى حديث صلاة الخوف عن صالح بن خَوّات، عن سهل بن أبي حثمة، وهذا هو الظاهر من رواية البخاريّ، ولكن الراجح أنه أبوه خوّات بن جُبير، لأن أبا أويس روى هذا الحديث عن يزيد بن رُومَان شيخ مالك
стр. 9831
فيه، فقال: عن صالح بن خوّات، عن أبيه. أخرجه ابن مَنْدَهْ في "معرفة الصحابة" من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقيّ من طريق عبد اللَّه بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوّات، عن أبيه. وجزم النوويّ في "تهذيبه" بأنه خوّات بن جُبير، وقال: إنه محقق من رواية مسلم وغيره. وسبقه لذلك الغزاليّ، فقال: إن صلاة ذات الرقاع في رواية خوّات بن جُبير. وقال الرافعي في "شرح الوجيز": اشتهر هذا في كتب الفقه، والمنقول في كتب الحديث رواية صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حَثْمَة، وعمن صلى مع النبي ﷺ ، قال: فلعلّ المبهم هو خوّات والد صالح. قال الحافظ: وكأنه لم يقف على رواية خوّات التي ذكرتها، وباللَّه تعالى التوفيق.
ويحتمل أن صالحًا سمعه من أبيه، ومن سهل بن أبي خثْمة، فلذلك يُبهمه تارة، ويعيّنه أخرى، إلا أن تعيين كونها كانت ذات الرقاع إنما هو في روايته عن أبيه، وليس في رواية صالح، عن سهل أنه صلاها مع النبي ﷺ ، وينفع هذا فيما سنذكره قريبًا من استبعاد أن يكون سهل بن أبي حثمة كان في ست تاريخ من يخرج في تلك الغَزَاة، فإنه لا يلزم من ذلك أن لا يرويها، فتكون روايته إياها مرسل صحابيّ، فبهذا يقوى تفسير الذي صلى مع النبي ﷺ بخّوّات، واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الواو، آخره مثناة، أي ابن جبير بن النعمَان الأنصاري، وصالح تابعيّ ثقة، ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث الواحد (٢)، وأبوه أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وهو صحابيّ جليل، أول مشاهده أحد، ومات بالمدينة سنة أربعين. أفاده في "الفتح" (٣) (عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ذكرنا آنفًا أن الراجح أنه أبوه خَوّات (يَومَ ذَاتِ الرِّقَاعِ) بكسر الراء جمع
стр. 9832
الرُّقعة بمعنى الخِرْقة، وهي القطعة من الثوب، سميت هذه الغزوة ذات الرقاع, لأن الظهر كان قليلاً، وأقدام المسلمين نَقِبَت من الحَفَاء، فلفّوا عليها الخِرَق، وهي الرقاع.
رواه البخاريّ ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، وهو الصحيح في تسميتها. وقيل: لأنهم رقّعوا فيها راياتهم. وقيل: بشجرة في ذلك الموضع، يقال له: ذات الرقاع. وقيل: بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع. وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض. قاله ابن حبّان. وقال الواقدي: سميت بجبل هناك، فيه بُقَع، وهذا لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحّف جبل بخيل. وقد رجّح السهيلي، والنوويّ السبب الذي ذكره أبو موسى، ثم قال النووي: ويحتمل أن تكون سميت بالمجموع، وأغرب الداوديّ، فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها. كذا في "الفتح".
واختُلف في هذه الغزوة متى كانت، فجنح البخاريّ في "الصحيح" إلى أنها كانت بعد خيبر، وعن ابن إسحاق أنها بعد بني النضير، وقبل الخندق، سنة أربع، وعند ابن سعد، وابن حبّان أنه كان في المحرم سنة خمس. وقد تقدم الكلام في هذا في التنبيهات التي في أوَّل "كتاب صلاة الخوف".
(صَلَاةَ الْخَوْفِ) مفعول "صلّى" (أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ) أي للصلاة (وَطَائِفَةٌ) بالنصب عطفا على "طائفة"، ويجوز الرفع على الابتداء، أي وطائفة أخرى (وِجَاهَ الْعَدُوِّ) بكسر الواو، وضمها، أي مقابل العدوّ، ونُصب على الظرفية، إما عطفًا على "معه"، أو متعدق بخبر المبتدإ، إن كان "طائفة"، مبتدءًا (فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ) لما قام إلى الركعة الثانية (ثَبَتَ) حال كونه (قَائِمًا، وَأتَمُّوا) أي الطائفة التي صلى بها الركعة الأولى (لأَنْفُسِهِمْ) الركعة الثانية (ثُمَّ) بعد سلامهم (انْصَرَفُوا) إلى وجه العدوّ (فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ) أي وهم في غير حالة الصلاة (وَجَاءَتِ الطائِفَةُ الأُخْرَى) التي كانت مواجهة العدوّ إلى مكان الطائفة الأولى، فاقتدوا بالنبي ﷺ (فَصَلَّى بِهمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتهِ) وهي الركعة الثانية له (ثُمَّ ثَبَتَ) ﷺ حال كونه (جَالِسًا) في التشهْد، ولم يخرج من صلاته بسلام (وَأَتَمُّوا) أي الطائفة الثانية (لأَنْفُسِهِمْ) الركعة الأخرى، وجلسوا معه في التشقد (ثُمَّ سَلَّمَ بهِمْ) أي معهم، ليحصل لهم فضيلة التسليم معه ﷺ ، كما حصل للأولى فضيلة التحريم معه، وقد صلى كل طائفة معه ﷺ ركعةً، وركعة لأنفسهم وُحدانا، وهذه إحدى الكيفيات الثابتة في صلاة الخوف عن النبي ﷺ ، وقد اختارها الشافعيّ، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى-، وسيأتي في المسألة الرابعة تحقيق القول في ذلك، إن شاء اللَّه تعالى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
стр. 9833
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا ١٧/ ١٥٣٧ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٢٥ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٥/ ١٤٥ (م) ٢/ ٢١٤ (د) ١٢٣٨ و (مالك في الموطإ). ١٣٠ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في كيفية صلاة الخوف:
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: كان مالك يقول بحديثه عن يزيد بن رُومان أن الإمام ينتظر تمام الطائفة الثانية، ويسلّم بهم، وهو قول الشافعيّ، واختياره، ثم رجع مالك عن ذلك إلى حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم أن الإمام يسلّم إذا أكمل صلاته، ويقوم مَن وراءه، فيأتون بركعة، ويسلّمون. وقد زاد ابن القاسم في "الموطإ" في آخر حديث يحيى بن سعيد: وقال مالك: هذا الحديث أحبّ إليّ. قال أحمد بن خالد: وبه قال جماعة أصحاب مالك، إلا أشهب، فإنه أخذ بحديث ابن عمر في صلاة الخوف. ومن حجة مالك في اختياره حديث القاسم بن محمد القياسُ على سائر الصلوات في أن الإمام ليس له أن ينتظر أحدا سبقه بشيء، وأن السنّة المجتمع عليها أن يقضي المأمون ما سُبقوا به بعد سلام الإمام. وقول أبي ثور في ذلك كقول مالك سواءً، لحديث القاسم، عن صالح بن خوّات، عن سهل ابن أبي حثمة. وقال الشافعي: حديث يزيد بن رُومان، عن صالح بن خَوّات مسندٌ، والمصير إليه أولى من حديث القاسم, لأنه موقوف (١)، قال: وهو أشبه الأحاديث في صلاة الخوف بظاهر كتاب اللَّه .
ومن حجته أن اللَّه ذكر استفتاح الإمام ببعضهم لقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وذكر انصراف الطائفتين، والإمام من الصلاة معا بقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء:١٠٣] ذلك للجميع، لا للبعض، ولم يذكر أن على واحد منهم قضاءً، قال: وفي الآية دليل على أن الطائفة الثانية لا تدخل في الصلاة إلا بانصراف الأولى،
стр. 9834
لقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ وفي قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ دليل على أن الطائفة الثانية تنصرف، ولم يبق عليها من الصلاة شيء تفعله بعد الإمام.
هذا كله نَزَعَ به بعض أصحاب الشافعيّ بالاحتجاج له على الكوفيين وغيرهم.
ولم يختلف قول مالك، والشافعيّ، وأبي ثور أن الإمام إذا قرأ في الركعة الثانية بأم القرآن وسورة قبل أن تأتي الطائفة الأخرى، ثم أتته، فركع بها حين دخلت معه، قبل أن تقرأ شيئا أنه يجزئهم، إلا أن الشافعي قال: إن أدركوا معهم ما يمكنهم فيه قراءة فاتحة الكتاب فلا يجزئهم إلا أن يقرؤها.
قال الجامع: قد تقدم في باب القراءة أن الراجح أن المسبوق إذا أدرك الركوع ولم يدرك القراءة لا تجزئه تلك الركعة، بل لا بدّ من قضائها بعد سلام الإمام, لأنه لا صلاة إلا بأم القرآن. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
قال أبو عمر: وقول أحمد بن حنبل في صلاة الخوف كقول الشافعي سواءً على حديث سهل بن أبي حثمة، وروايةُ يزيد بن رُومان هو المختار عند أحمد، وكان لا يَعيب مَن فعل شيئًا من الأوجه المروية في صلاة الخوف، قال: ولكني أختار حديث سهل بن أبي حثمة, لأنه أنكى للعدوّ. وقال الأثرم: قلت له: حديث سهل بن أبي حثمة تستعمله، والعدوّ مستقبلُ القبلة، وغيرُ مستقبلها؟ قال: نعم هذا أنكى لهم, لأنه يصلي بطائفة، ثم يذهبون، ثم يصلي بأخرى، ثم يذهبون.
واختار داود بن عليّ وأصحابه أيضًا حديث سهل بن أبي حثمة من رواية يزيد بن رومان، وغيره، عن صالح بن خَوّات، عن سهل بن أبي حثمة.
قال: وأما أبو حنيفة وأصحابه، إلا أبا يوسف، فإنهم ذهبوا إلى ما رواه الثوريّ، وشريك، وزائدة، وابن فضيل، عن خُصيف، عن أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، قال: صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف بطائفة، وطائفة مستقبلو العدوّ، صلى بالذين وراءه ركعة وسجدتين، وانصرفوا, ولم يسلّموا، فوقفوا بإزاء العدوّ، ثم جاء الآخرون، فقاموا مقامهم، فصلى بهم ركعة، ثم سلم، فقام هؤلاء، فصلّوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، وذهبوا، فقاموا مقام أولئك مستقبلي القبلة، ورجع أولئك إلى مقامهم، فصلّوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا (١).
وروى أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، عن مروان، عن أبي هريرة، قال: صليت مع النبي ﷺ صلاة الخوف، فذكر مثل حديث ابن مسعود سواء (٢).
стр. 9835
وأما الثوري فخَيَّرَ في صلاة الخوف على ثلاثة أوجه: (أحدها): حديث ابن مسعود الذي ذهب إليه أبو حنيفة. (والثاني): حديث أبي عياش الزُّرقي (١)، وإليه ذهب ابن أبي ليلى جملة، وذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه إذا كان العدوّ في القبلة. (والثالث): حديث ثعلبة بن زهدم، عن حُذيفة (٢). انتهى كلام ابن عبد البرُ بتصرّف (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحق أن كل ما صحّ عن رسول اللَّه ﷺ أنه فعله، يجوز العمل به، كما قال الإمام أحمد وغيره، وأن اختيار بعض الكيفيات يكون على حسب المصالح المترتبة عليه، فأيّ كيفية كانت أحوط في الحراسة، فهي الأولى بالنسبة لتلك الحالة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٣٨ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً, وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ, ثُمَّ انْطَلَقُوا, فَقَامُوا فِي مَقَامِ أُولَئِكَ, وَجَاءَ أُولَئِكَ, فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرَى, ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ, فَقَامَ هَؤُلَاءِ فَقَضُوا رَكْعَتَهُمْ, وَقَامَ هَؤُلَاءِ فَقَضُوا رَكْعَتَهُمْ".
رجال هذا الإسناد: سنة:
١ - (إِسْمَعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ) الجَحْدريّ البصري، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم تقدم قريبًا.
٥ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣/ ٤٩٠.
٦ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، ومعمر، وإن كان يمنيّا،
стр. 9836
إلا أنه بصريّ الأصل، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه سالم من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر ﵁ (أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً) وفي الرواية التالية: "قال: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ قِبَلَ نجد، فوازينا العدوّ، وصاففناهم، فقام رسول اللَّه ﷺ يصلي بنا، فقامت طائفة منّا معه، وأقبلت طائفة على العدوّ … ".
(وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ) أي مقابلتُهُ (ثُمَّ انْطَلَقُوا) أي ذهبت الطائفة التي قامت معه بعد أن صلى بها ركعة (فَقَامُوا فِي مَقَامِ أُولَئِكَ) أي الذين واجهوا العدوّ (وَجَاءَ أُولَئِكَ، فَصَلَّى بِهمْ رَكْعَةً أُخْرَى) هي الركعة الثانية له (ثُمّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ) أي على الطائفة الثانية (فَقَامَ هَؤُلَاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ، وَقَامَ هَؤُلَاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ) وفي الرواية الآتية: "ثم قام كل رجل من الطائفتين، فصلى كل رجل لنفسه ركعة، وسجدتين".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهره أنهم أتمّوا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى، وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ﵁، ولفظه: ثم سلم، فقام هؤلاء -أي الطائفة الثانية- فقضوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم، فصلّوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا" انتهى.
وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها، ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، ووقع في الرافعي تبعًا لغيره من كتب الفقه أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت، وجاءت الطائفة الأولى، فأتموا ركعة، ثم تأخروا، وعادت الطائفة الثانية، فأتموا, ولم نقف على ذلك في شيء من الطرق.
واستدلّ بقوله: "طائفة" على أنه لا يشترط استواء الفريقين في العدد، لكن لا بدّ أن تكون التي تحرس يحصل الثقة بها في ذلك، والطائفة تطلق على الكثير والقليل، حتى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة، ووقع لهم الخوف جاز لأحدهم أن يصلي بواحد، ويحرس واحد، ثم يصلي الآخر، وهو أقلّ ما يتصوّر في صلاة الخوف جماعة على القول بأقل الجماعة مطلقًا، لكن قال الشافعيّ: أكره أن تكون كل طائفة أقلّ من ثلاثة, لأنه أعاد عليهم ضمير الجمع بقوله: ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾. ذكره النوويّ في "شرح مسلم" وغيره.
стр. 9837
واستدلّ به على عظم أمر الجماعة، بل على ترجيح القول بوجوبها, لارتكاب أمور كثيرة لا تُغتفر في غيرها, ولو صلى كل امرئ منفردًا لم يقع الاحتياج إلى معظم ذلك (١) .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٧/ ١٥٣٨ - وفي "الكبرى"-٢٢/ ١٩٢٨ - بالسند المذكور، وفي ١٥٣٩ - و"الكبرى" ١٩٢٩ - عن كثير بن عُبيد، عن بقية، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري به. و ١٥٤٠ - و"الكبرى" ١٩٢٦ - عن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم البَرْقيّ، عن عبد اللَّه بن يوسف، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهريّ به.
و١٥٤١ - و"الكبرى" ١٩٢٧ - عن عمران بن بكّار، عن محمد بن المبارك، عن الهيثم ابن حميد،، عن العلاء، وأبي أيوب، كلاهما عن الزهري، عن ابن عمر. و ١٥٤٢ - و"الكبرى" ١٩٣٥ - عن عبد الأعلي بن واصل بن عبد الأعلى، عن يحيى بن آدم، عن سفيان الثوريّ، عن موسى بن عُقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵁.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ١٧ و ٢/ ١٨ و ٥/ ١٤٦ و ٦/ ٣٨ (م) ٢/ ٢١٢ (د) ١٢٤٣ (ت) ٥٦٤ (ق) ١٢٥٨ (مالك في الموطإ) ١٣٠ (أحمد) ٢/ ١٣٢ و ١٤٧ و ١٥٠ و ١٥٥ (الدارمي) ١٥٢٩ (ابن خزيمة) ٩٨٠ و ٩٨١ و ١٣٥٤ و ١٣٥٥ و ١٣٦٦ و ١٣٦٧٠ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٣٩ - أَخْبَرَنِي (٢) كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ بَقِيَّةَ, عَنْ شُعَيْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ, فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ, وَصَافَفْنَاهُمْ (٣) , فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُصَلِّي بِنَا, فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مِنَّا مَعَهُ, وَأَقْبَلَ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ, فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَمَنْ مَعَهُ رَكْعَةً, وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ انْصَرَفُوا, فَكَانُوا (٤) مَكَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا, وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ, فَرَكَعَ
стр. 9838
بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَقَامَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ, فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً, وَسَجْدَتَيْنِ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (كثير بن عُبيد) أبو الحسن الحمصى الحَذّاء المقرئ، ثقة [١٠] ٥/ ٤٨٦.
٢ - (بقية) بن الوليد الحمصيّ، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥.
٣ - (شعيب) بن أبي حمزة الحمصي، ثقة ثبت [٧] ٦٩/ ٨٥.
والباقون تقدموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده بقية بن الوليد، وهو كثير التدليس عن "الضعفاء" كما سبق آنفًا، وقد عنعنه؟.
[قلت]: لم ينفرد به بقية، بل تابعه أبو اليمان الحكم بن نافع في روايته عن شعيب ابن أبي حمزة، عند البخاريّ في "صحيحه" ج ٢/ ١٧ و٥/ ١٤٦، فالحديث به صحيح، فتنبه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قِبَل نجد" بكسر، ففتح، منصوب على الظرفية، أي جهة نجد، و، "النجد" بفتح، فسكون: كل ما ارتفع من بلاد العرب من تهامة إلى العراق، وقال الأبهريّ: المراد هنا نجد الحجاز، لا نجد اليمن. قال العينيّ والقسطلاني: هذه الغزوة هي غزوة ذات الرقاع.
وقوله: "فوازينا العدو" بالزاي، من الموازاة، وهي المقابلة والمواجهة، وأصله من الإزاء بهمزة في أوله، قال الجوهريّ: يقال: هو بإزائه، أي بحذائه، وقد آزيته: إذا حاذيته، ولا تقل: وازيته بالواو.
فعلى هذا أصل وازينا آزينا، قُلبت الهمزة واوًا. وقال القاري بعد نقل كلام الجوهريّ: لكن رواية المحدثين مقدمة على نقل اللغويين، مع أن المثبت مقدم على النافي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، لا سيما وقد وافقهم صاحب "النهاية"، أو هما لغتان، كالمواكلة، والمواخذة انتهى (١).
وقوله: "فقام كل رجل من المسلمين، فركع لنفسه الخ" فيه دليل على أن المسبوقين يصلي كل منهم لنفسه، ولا يُشرع لهم أن يقدّموا أحدهم فيصلوا خلفه جماعة, لأنهم في حكم صلاة الإمام الذي سلّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
стр. 9839
حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, يُحَدِّثُ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: كَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ , وَصَفَّ خَلْفَهُ طَائِفَةٌ مِنَّا, وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ, فَرَكَعَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ انْصَرَفُوا, وَأَقْبَلُوا عَلَى الْعَدُوِّ, وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى, فَصَلُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ , فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ سَلَّمَ, ثُمَّ قَامَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ, فَصَلَّى لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَبدِ الرَّحِيمِ) بن سَعْيَهْ (١) بن أبي زرعة، المصريّ، أبو عبد اللَّه بن الْبَرْقِيُّ -بفتح الموحدة، وسكون الراء- مولى بني زُهرة، وقد يُنسب إلى جدّه، قيل: "البَرْقيّ" لأنه كان يتّجر هو وأخوه إلى بَرْقَة، ثقة [١١].
روى عن أسد بن موسى، وموسى بن هارون، وعبد اللَّه بن يوسف التنّيسيّ، وغيرهم. وعنه أبو داود، والنسائي، وابنه عبيد اللَّه، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال النسائيّ: لا بأس به. وقال ابن يونس: كان ثقة، حدّث بكتاب "المغازي" عن عبد الملك بن هشام، توفي في جمادى الآخرة سنة (٢٤٩). تفرّد به المصنف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث.
٢ - (عبد اللَّه بن يوسف) التنّيسيّ -بمثناة، ونون ثقيدة، بعدها تحتانية، ثم مهملة- أبو محمد الكَلاعيّ المصريّ، أصله من دمشق، نزيل تِنِّيس، ثقة متقن، من أثبت الناس في "الموطإ"، من كبار [١٠] ١٢٩/ ١٩٢.
٣ - (سعيد بن عبد العزيز) التَّنُوخِيّ الدمشقيّ، ثقة إمام، لكنه اختلط في آخره [٧] ٥/ ٤٦٠.
والباقون تقدموا قريبًا، والحديث، وإن كان فيه انقطاع كما سينبه عليه المصنف، في الرواية التالية، إلا أنه صحيح بما سبق، وما يأتي، فتنبه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٤١ - أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ, عَنِ الْعَلَاءِ وَأَبِي أَيُّوبَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ, قَامَ, فَكَبَّرَ, فَصَلَّى خَلْفَهُ طَائِفَةٌ مِنَّا, وَطَائِفَةٌ مُوَاجِهَةَ
стр. 9840
الْعَدُوِّ, فَرَكَعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً, وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ انْصَرَفُوا, وَلَمْ يُسَلِّمُوا, وَأَقْبَلُوا عَلَى الْعَدُوِّ, فَصَفُّوا مَكَانَهُمْ, وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى, فَصَفُّوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقَدْ أَتَمَّ رَكْعَتَيْنِ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ, ثُمَّ قَامَتِ الطَّائِفَتَانِ, فَصَلَّى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ السُّنِّيِّ: الزُّهْرِيُّ سَمِعَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَيْنِ, وَلَمْ يَسْمَعْ هَذَا مِنْهُ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمران بكّار) بن راشد الكلاعيّ أبو موسى البرّاد -بموحدة ثقيلة- الحمصيّ المؤذن، ثقة [١١].
روى عن الحسن بن خُمَير، وبشر بن أبي حمزة، ومحمد بن المبارك الصّوريّ، وغيرهم. وعنه النسائي، وأبو حاتم، ومحمد بن جرير الطبريّ، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وقال مَسلمة بن قاسم: لا بأس به، مات بحمص سنة (٢٧١). تفرّد به المصنّف، وروى عنه في هذا الكتاب عشرين حديثًا.
٢ - (محمد بن المبارك) بن يعلى القرشيّ الصوريّ، أبو عبد اللَّه القلانسيّ، سكن دمشق، ثقة، من كبار [١٠].
روى عن الهيثم بن حُميد، ومعاوية بن سلاّم، وصدقة بن خالد، وغيرهم. وعنه ابنه محمد، وعمران بن بكار، والذهليّ، وغيرهم. قال أبو زرعة الدمشقي، عن الوليد بن عتبة: سمعت مروان بن محمد يقول: ليس فينا مثله. قال أبو زرعة: وشهدت جنازته في شوّال سنة (٢١٥) وصلى عليه أبو مسهر، فلما فرغ أثنى عليه، وقال: -يَرَحِمَهُ اللَّهُ-، فذكر جميلاً. وقال محمود بن خالد: قال ابن معين: محمد بن المبارك شيخ الشام بعد أبي مسهر. وقال العجليّ، وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مولده سنة (١٥٣) ومات سنة (١٥) وكان من العبّاد. وذكره ابن شاهين في "الثقات".
وقال الخليليّ: ثقة. وقال الذهليّ: كان أفضل أهل الشام. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط.
٣ - (الهيثم) بن حُميد الغسّانيّ مولاهم، أبو أحمد، أو أبو الحارث الدمشقيّ، صدوق، رمي بالقدر [٧] ١٣٤/ ٢٠٤.
٤ - (العلاء) الحارث بن عبد الوارث الحضرميّ، أبو وهب، ويقال: أبو محمد الدمشقي، صدوق فقيه، لكن رمي بالقدر، وقد اختلط [٥].
روى عن عبد اللَّه بن بُسر، ومكحول، والزهري، وغيرهم. وعنه الأوزاعي، والهيثم بن حُميد، ويحيى بن حمزة، وغيرهم. قال معاوية بن صالح، عن أحمد: صحيح الحديث، وكذا قال المفضل الغلابي، وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة، قيل له: في حديثه شيء؟ قال: لا, ولكن كان يرى القدر. وقال ابن المديني: ثقة. وقال