٥ - (سعيد بن جبير) الأسدي الوالبي الكوفيّ، ثقة فقيه إمام [٣] ٢٨/ ٤٣٦، والصحابي تقدّم في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها). أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَومَ الْعِيدِ) أي عيد الفطر، ففي رواية البخاريّ: "خرج يوم الفطر" (فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ، لَم يُصَلِّ قَبلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا) إنما أفرد الضمير مع أن المرجع قوله: "ركعتين" باعتبار أنهما صلاة واحدة، زاد في رواية الشيخين. "ثم أتى النساء، ومعه بلال، فأمرهنّ بالصدقة، فجعلن يُلقين، تلقي المرأة خُرْصها، وسِخَابها".
و"الْخُرْص" بضم الخاء المعجمة، وحكي كسرها، وسكون الراء، بعدها صاد مهملة: هو الحلقة من الذهب، أو الفضة، وقيل: هو القرط، إذا كان بحبة واحدة.
و"السِّخَاب" بكسر المهملة، ثم معجمة، ثم موحدة: هو قِلادة من عَنبر، أو قَرَنفُل، أو غيره، ولا يكون فيه خَرَز، وقيل: هو خيط، فيه خرز، وسمي سِخَابًا لصوت خرزه عند الحركة، مأخوذ من السَّخَب، وهو اختلاط الأصوات، يقال: بالصاد والسين.
والحديث دليل على عدم التنفّل قبل صلاة العيد وبعدها.
قال في "الفتح": وقد اختلف السلف في ذلك، فذكر ابن المنذر، عن أحمد أنه قال: الكوفيون يصلون بعدها، لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها، لا بعدها، والمدنيون لا قبلها، ولا بعدها. وبالأول قال الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وبالثاني قال الحسن البصريّ، وجماعة، وبالثالث قال الزهريّ، وابن جريج، وأحمد. وأما مالك فمنعه في المصلَّى، وعنه في المسجد روايتان. وقال الشافعي في "الأمّ" ونقله عنه البيهقي في "المعرفة" بعد أن رَوَى حديث ابن عباس حديثَ الباب: ما نصه: وهكذا يجب (١) للإمام أن لا يتنفّل قبلها، ولا بعدها، وأما المأموم فمخالف له في ذلك، ثم بسط الكلام في ذلك. وقال الرافعي: يكره للإمام التنفّل قبل العيد وبعدها، وقيّده في
стр. 9942
"البويطيّ" بالمصلّى، وجرى على ذلك الصيمريّ، فقال: لا بأس بالنافلة قبلها وبعدها مطلقًا، إلا للإمام في موضع الصلاة، وأما النوويّ في "شرح مسلم"، فقال: قال الشافعي، وجماعة من السلف: لا كراهة في الصلاة قبلها، ولا بعدها، فإن حمل كلامه على المأموم فهو مخالف لنصّ الشافعيّ المذكور، ويؤيد ما في "البويطيّ" حديثُ أبي سعيد "أن النبي ﷺ كان لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين". أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن، وقد صححه الحاكم، وبهذا قال إسحاق، ونقل بعض المالكية الإجماع على أن الإمام لا يتنفّل في المصلى.
وقال ابن العربيّ: التنفل في المصلى لو فعل لَنُقل، ومن أجازه رأى أنه وقتٌ مطلقٌ للصلاة، ومن تركه رأى أن النبي ﷺ لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى انتهى.
والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها، ولا بعدها، خلافًا لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاصّ، إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام. واللَّه تعالى أعلم. انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما أشار إليه ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح.
وحاصله عدم مشروعية التنفّل في المصلَّى؛ لعدم ثبوته عن النبيّ ﷺ ، وقد تقدم تحقيق الأقوال بأطول من هذا في ٦/ ١٥٦١، فراجعه تستفد .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته. حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٢٩/ ١٥٨٧ - وفي "الكبرى"-٢٧/ ١٧٩٢ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٢٣ و ٢/ ٣٠ و ٢/ ١٤٠ و ٧/ ٢٠٤ (م) ٣/ ٢١ (د) ١١٥٩ (ت) ٥٣٧ (ق) ١٢٩١ (أحمد) ١/ ٢٨٠ و١/ ٣٤٠ و١/ ٣٥٥ (الدارمي) ١٦١٣ و ١٦١٩ (ابن خزيمة). ١٤٣٦ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 9943
٣٠ - (ذَبْحُ الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَعَدَدُ مَا يُذْبَحُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ذَبحُ الإمامِ" خبر لمبتدإ محذوف: أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالين على مشروعية ذبح الإمام الخ، والإضافة فيه من باب إضافة المصدر إلى فاعله، ومفعوله محذوف: أي أضحيّته. وقوله: "يوم العيد" متعلّق بـ "بذبح". وقوله: "وعدد ما يذبح" يحتمل أن يكون الفعل مبنيّا للفاعل، والفاعل ضمير
الإمام، والمفعول محذوف: أي عدد ما يذبحه من الأضحيّة، ويحتمل أن يكون مبنيّا للمفعول: أي عدد ما يُذبَح من الضحايا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٥٨٨ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: "خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أَضْحَى, وَانْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ, فَذَبَحَهُمَا".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ البصري، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (حاتم بن وَرْدَان) السعدي، أبو صالح البصري، ثقة [٨] ١٤/ ١٢٠٦.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة السختياني البصريّ، ثقة ثبت حجة فقيه [٥] ٤٢/ ٤٢.
٤ - (محمد بن سيرين) أبو بكر بن أبي عمرة البصري الإمام الحجة الثبت الفقيه [٣] ٤٦/ ٥٧.
٥ - (أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الاسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها). أن فيه رواية تابعي عن تابعي، (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه (قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ
стр. 9944
أَضْحًى) أي يوم عيد الأضحى، والحديث سيأتي مطولاً في "كتاب الضحايا" ١٧/ ٤٣٩٦ - من طريق ابن عليّة، عن أيوب، ولفظه: قال رسول اللَّه ﷺ يوم النحر: "من كان ذبح قبل الصلاة، فليُعِد"، فقام رجل، فقال: يا رسول اللَّه هذا يوم يُشتهَى فيه اللحم، فذكر هَنَةً من جِيرَانه، كأنّ رسول اللَّه ﷺ صدّقه، قال: عندي جذعة هي أحبّ إلي من شاتي لحم، فرخّص له، فلا أدري أبلغت الرخصة مَنْ سواه، أم لا، ثم انكفأ إلى كبشين، فذبحهما. وقوله: هنة بفتحتين: أي حاجة، يعني أنه ذكر فقراء محتاجين إلى اللحم. وسيأتي تمام الشرح هناك، إن شاء اللَّه تعالى.
(وَانْكَفَأَ) بهمزة في آخره: أي انقلب، ومال (إِلَى كَبْشَيْنِ) تثنية كَبْش -بفتح، فسكون-: الْحَمَلُ إذا أَثْنَى -أي ألقى ثَنيّته-، أو خرجت رَبَاعِيتُهُ، جمعه أَكْبُشٌ، وكِبَاشٌ، وأَكْبَاش. أفاده المجد اللغوي (١). (أَمْلَحَيْنِ) قال في "النهاية": "الأملح" الذي
بياضه أكثر من سواده، وقيل: هو النقيّ البياض انتهى (٢) (فَذَبَحَهُمَا) هذا محلّ استنباط الترجمة، حيث إنه ﷺ ذبح بنفسه كبشين أملحين، فدل على أن السنة للإمام أن يذبح أضحيته بنفسه في المصلى ليراه الناس، فيقتدوا به، ويستحب كونهما كبشين أملحين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصف له:
أخرجه هنا-٣٠/ ١٥٨٨ - وفي "الكبرى"- في "كتاب الضحايا"-١٥/ ٤٤٧٧ - بالإسناد المذكور، وفي "كتاب الضحايا" ١٧/ ٤٥٩٦ - و"الكبرى" فيه -١٨/ ٤٤٨٨ - عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن عليّة، عن أيوب به مطوّلاً. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٢١ و ٢/ ٢٨ و ٧/ ١٢٩ و ٧/ ١٣٢ (م) ٦/ ٧٦ (ق) ٣١٥١ (أحمد) ٣/ ١١٣ و١١٧ وسائر ما يتعلق بمسائل الضحايا سيأتي تمام بحثها في موضعها، إن شاء اللَّه تعالى، أسال اللَّه تعالى أن يبلغني ذلك الباب، وأن ييسر لي إتمام الكتاب، وإكماله على الوجه المطلوب، إنه سميع قريب مجيب الدعوات آمين آمين آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 9945
١٥٨٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ اللَّيْثِ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ, "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَذْبَحُ, أَوْ يَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبدالله بن عبد الحكم) المصريّ الفقيه، ثقة [١١] ١٢٠/ ١٦٦
٢ - (شُعيب) بن الليث بن سعد، أبو عبد الملك المصري، ثقة فقيه نبيل، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦.
٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفَهْميّ، والد شعيب الراوي عنه، المصري الإمام الحجة الفقيه [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (كثير بن فَرْقَد) المدني، نزيل مصر، ثقة [٧].
روى عن نافع، وعبد اللَّه بن مالك بن حُذَافة، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعُبَيد بن السَّبَّاق. وعنه عمرو بن الحارث، ومالك، وابن لهيعة، والليث. قال الدُوري، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، كان من أقران الليث، وكان ثبتا. وقال أبو عُبيد الآجرّيّ: سمعت أبا داود قال: قال مالك. كان يُوَطَّدُ لهذا الأمر بعد ربيعة أربعةٌ، كثيرُ بن فرقد، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وعاصم، ومالك، أما أحدهم فعاجلته منيّته -يعني كثير بن فرقد- وأما الآخر فغرّب بنفسه- يعني عاصمًا صار إلى أُسوان، قال أبو داود: بناحية المغرب- وأما الآخر فأخذ في الأغاليط -يعني عبد العزيز، وسكت عن نفسه. وذكره ابن حبان في "الثقات" (١). روى له البخاريّ، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم ١٥٨٩ و ٢٩٤٣ و ٣٨٢٨ و ٣٩١٢ و ٤٢٤٨ و ٤٣٦٦ و ٤٤٩٧.
٥ - (نافع) مولى ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢.
٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، كثير، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9946
شرح الحديث
(عَن نَافِعٍ، أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَخْبَرَهُ، "أَنَّ رَسُولَ اللَهِ ﷺ كَانَ يَذْبَحُ) البقر، أو الغنم (أَو يَنْحَرُ) البُدْن. قال ابن منظور ﵀: الذبح -بفتح، فسكون-: قطع الحُلْقُوم من باطنٍ، عندَ النَّصِيل، وهو موضع الذبح من الحلق. وقال أيضًا: ونَحَرَ البعيرَ يَنحَرُهُ نَحرًا: طعنه في مَنْحَره، حيث يبدو الْحُلقُوم من أعلى الصدر. انتهى (١).
وقال المجد اللغوي ﵀: ذَبَحِ، كَمَنَعَ ذبحًا -بفتح، فسكون- وذُبَاحًا - كغُراب-: شقّ، وفَتَقَ، ونَحَر، وخَنَق انتهى. فقال الشارح المرتضى ﵀: قال شيخنا: قضيته أن الذبح والنحر مترادفان، والصواب أن الذبح في الحلق، والنحر في اللبة، هكذا فصّله بعضهم, وفي "شرح الشفا": أن النحر يختصّ بالبُدْنِ، وفي غيرها يقال: ذَبَحَ، ولهم فرُوق أُخَر، ولا يبعد أن يكون الأصل فيهما إزهاقَ الروح بإصابة الحلق والمنحر، ثم وقع التخصيص من الفقهاء، أخذوا من كلام الشارع، ثم خصصوه
تخصيصا آخر بقطع الوَدَجَين، وما ذُكر معهما، على ما بُيِّن في الفروع. واللَّه أعلم انتهى (٢). وقوله: (بالْمُصَلَّى) تنازعاه الفعلان قبله.
ومعنى الحديث أَنه ﷺ كان يوم الأضحى إما أن ينحر البُدْن، أو يذبح البقر، أو الغنم، فـ"أو" للتخيير، ويدلّ على هذا رواية ابن عمر ﵁: "أن النبي ﷺ كان ينحر يوم الأضحى بالمدينة، قال: وكان إذا لم ينحر ذبح"، وفي رواية عنه: "أن رسول اللَّه ﷺ نحر يوم الأضحى بالمدينة، قال: وقد كان إذا لم ينحر يذبح بالمصلى" (٣).
قال الحافظ ﵀ عند قول البخاري ﵀: "باب النحر، والذبح بالمصلى": ما نصه: قال الزين ابن المنيّر ﵀: عطف الذبح على النحر في الترجمة، وإن كان حديث الباب ورد بـ "أو" المقتضية للتردّد، إشارةً إلى أنه لا يمتنع أن يجمع يوم النحر بين نسكين، أحدهما مما يُنحر، والآخر مما يُذبح، وليُفهَم اشتراكهما في الحكم انتهى.
قال: ويحتمل أن يكون إشارة إلى أنه ورد في بعض طرقه بواو الجمع، كما سيأتي في "كتاب الأضاحي"، ويأتي الكلام هناك على فوائده، إن شاء اللَّه تعالى انتهى (٤).
стр. 9947
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "أو" للتردد فيه نظر، فإنها هنا ليست للتردد، كما هو مبيّن في رواية ابن عمر الأخرى التي قدمناها، بل هي للتخيير، فكان ﷺ يفعل تارة هذا، وتارة هذا. واللَّه تعالى أعلم.
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة حيث يدلّ على الجزء الأول منها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى. في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا- ٣٠/ ١٥٨٩ - وفي "كتاب الأضاحي" ٧/ ٤٣٦٦ - وفي "الكبرى" فيه ٣/ ٤٤٥٦ - بالإسناد المذكور، وفي "كتاب الأضاحي" ٧/ ٤٣٦٧ - و"الكبرى" فيه ٣/ ٤٤٥٧ - عن علي بن عثمان النُّفيليّ، عن سعيد ين عيسى، عن المفضّل بن فَضَالة، عن عبد اللَّه بن سليمان، عن نافع عنه، واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٢٨ و ٢/ ٢٠٩ و٧/ ١٣٠ (د) ٢٨١١ (ق) ٣١٦١ (أحمد) ٢/ ١٠٨ و ٢/ ١٥٢ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣١ - (اجْتِمَاعُ الْعِيدَيْنِ وَشُهُودُهُمَا)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد باجتماع العيدين اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد، فالجمعة عيد أسبوعي، فلذا يقوم العيد مقام الجمعة كما يأتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: وشهودهما عطف على "اجتماع"، أي مشروعية شهود الجمعة بعد شهود العيد. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، حيث إن النبي ﷺ كان يقرأ في العيد والجمعة بالسورتين المذكورتين في يوم واحد، فدلّ على مشروعية شهودهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
стр. 9948
١٥٩٠ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, عَنْ جَرِيرٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ, قُلْتُ: عَنْ أَبِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ (١) , بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وَإِذَا اجْتَمَعَ الْجُمُعَةُ, وَالْعِيدُ فِي يَوْمٍ, قَرَأَ بِهِمَا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحدَيث أخرجه مسلم، وقد تقدم في "كتاب الجمعة" (٤/ ١٤٢٣ و ١٤٢٤) سندًا ومتنًا، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
و"محمد بن قُدامة": هو المصّيصيّ الثقة [١٠]. و"جرير". هو ابن عبد الحميد الضبي الثقة الثبت [٨]. و"إبراهيم بن محمد بن المنتشر": هو الهمدانيّ الكوفيّ الثقة [٥]. و"أبوه": هو محمد بن المنتشر الهمدنيّ الكوفي الثقة [٤]. و"حبيب بن سالم": هو مولى النعمان بن بشير - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وكاتبه، لا بأس به [٣].
وقوله: "قلت: عن أبيه" الظاهر أن القائل هو محمد بن قُدامة، سأل جريرًا هل إبراهيم يروي هذا الحديث عن أبيه، فأجابه بنعم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح, ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٢ - (الرخصَةُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجُمُعَةِ لِمَنْ شَهِدَ الْعِيدَ)
١٥٩١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ, عَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ, سَأَلَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ, أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِيدَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ, صَلَّى الْعِيدَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ, ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفَلاّس البصري الثبت، تقدم قبل ثلاثة أبواب.
стр. 9949
٢ - (عبد الرحمن بن مهدي) الإمام البصري الحجة الثبت، تقدم قبل خمسة أبواب.
٣ - (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة [٧] ٧٥/ ١٠٠٦.
٤ - (عثمان بن المغيرة) الثقفيّ مولاهم، أبو المغيرة الكوفيّ، وهو عثمان الأعشى، وهو عثمان ابن أبي زُرعة، وهو عثمان الثقفيّ، كما قاله الإمام أحمد، ثقة [٦].
روى عن زيد بن وهب، وإياس بن أبي رَمْلة، وسالم بن أبي الجعد، وغيرهم. وعنه شعبة، وإسرائيل، والثوري، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: كوفي ثقة، ليس أحد أروى عنه من شريك. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم، والنسائيّ، وعبد الغنيّ بن سعيد: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه العجلي، وابن نمير. روى له الجماعة، سوى مسلم، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (إياس بن أبي رَمْلَة) الشاميّ مجهول [٣].
سمع معاوية، يسأل زيد بن أرقم عن اجتماع العيد والجمعة؟. روى عنه عثمان بن المغيرة الثقفي. ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن المنذر: إياس مجهول. قال ابن القطّان: هو كما قال. روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، الصحابي المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه - ١٣/ ١٣ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى إياس، كما سبق آنفًا. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن إِيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَة) ووقع في بعض النسخ "ابن أبي ريطة"، وهو تصحيف، فتنبّه. أنه (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان ﵁ (سَأَلَ) وفي نسخة "يسأل" (زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ) ﵁ (أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِيدَيْنِ؟) زاد في رواية أبي داود "اجتمعا في يوم واحد"، والمراد بالعيدين، الجمعة والعيد، وأطلق على الجمعة عيدًا، لما رواه البيهقيّ عن ابن شهاب، عن السبّاق: أن رسول اللَّه ﷺ ، قال في جمعة من الجُمَعِ: "معاشرَ المسلمين هذا يوم جعله اللَّه لكم عيدًا، فاغتسلوا، وعليكم
стр. 9950
بالسواك ". وهو مرسل صحيح الإسناد، وروي موصولاً من حديث أبي هريرة، وأنس
بن مالك، ﵄، وصحح البيهقي إرساله. ولأنها تعود في كلّ شهر مرّات (قَالَ:) أي زيد بن أرقم ﵁ (نَعَمْ) أي حضرت ذلك (صَلَّى الْعِيد مِن أَوَّلِ النَّهَارِ) وفي رواية أبي داود: "قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد" (ثُمَّ رَخصَ فِي الْجُمُعَةِ) زاد في رواية أبي داود: "فقال: "من شاء أن يصلي فليصل". أي أجاز ترك صلاة الجمعة، فقال: من أراد صلاة الجمعة ممن حضر العيد، فليصلّها، ومن لا فلا.
قال السنديّ ﵀: فيه أنه يجزىء حضور العيد عن حضور الجمعة، لكن لا يسقط به الظهر، كذا قاله الخطابي، ومذهب علمائنا -يعني الحنفية- لزوم الحضور للجمعة، ولا يخفى أن أحاديث الباب دالة على سقوط لزوم حضور الجمعة، بل بعضها يقتضي سقوط الظهر أيضًا، كروايات حديث ابن الزبير. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١) وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث زيد بن أرقم ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده إياس بن أبي رملة، وهو مجهول، كما تقدّم في ترجمته؟.
[قلت]: قد جاءت في الباب أحاديث تشهد له، فيصحّ بها
فمنها: فعل ابن الزبير ﵁ الآتي بعد هذا، فقد قال ابن عباس ﵄: لَمّا سمع به "أصاب السنّة"، ومن المقرر أن الصحابي إذا قال: هذا من السنة، أنه مرفوع حكمًا، عند جمهور أهل العلم، كما هو معروف في مصطلح الحديث.
ومنها: ما رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ ، أنه قال: "اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه عن الجمعة، وإنا مُجَمِّعون". وفي إسناده بقية، ورواه عن شعبة، عن مغيرة الضبيّ، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أبي صالح به، وتابعه زياد بن عبد اللَّه البكّائيّ، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، وصحح الدارقطني إرساله، لرواية حماد، عن عبد العزيز، عن أبي صالح، وكذا صحح ابن حنبل إرساله. ورواه البيهقيّ من حديث سفيان بن عيينة، عن عبد العزيز، موصولاً، مقيدًا بأهل العوالي، وإسناده ضعيف.
стр. 9951
ووقع عند ابن ماجه عن أبي صالح، عن ابن عباس، بدل أبي هريرة، وهو وهم، نبّه هو عليه. ورواه أيضا من حديث ابن عمر، وإسناده ضعيف. ورواه الطبرانيّ من وجه آخر عن ابن عمر ﵄.
ورواه البخاريّ في "صحيحه" تعليقًا من قول عثمان ﵁، ورواه الحاكم من قول عمر بن الخطاب ﵁ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أحاديث الباب، وإن كان في مرفوعها مقال، لكن فعل ابن الزبير ﵄ صحيح، وقول ابن عباس ﵄: "أصاب السنة" صحيح، وقد قدمنا أن قول الصحابي "هذا سنة" يكون في حكم الرفع، فيصحّ حديث الباب به، وقد نقل الحافظ ﵀ في "تلخيصه" أن علي بن المدينيّ صحح حديث زيد بن أرقم هذا (٢) قلت. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي (٣) واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٣٢/ ١٥٩١ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ١٧٩٣ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ١٠٧٠ (ق) ١٣١٠ (أحمد) ٤/ ٣٧٢ (الدارمي) ١٦٢٠ (ابن خزيمة) ١٤٦٤. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف أهل العلم في حكم اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد:
ذهبت طائفة إلى أن العيد يجزىء عن الجمعة، وهو مذهب ابن الزبير، وابن عباس ﵁. وأخرج ابن المنذر ﵀ عن علي ﵁ أنه اجتمعا في عهده، فصلى بهم العيد، ثم خطبهم على راحتله، فقال: "أيها الناس من شهد منكم العيد، فقد قضى جمعته، إن شاء اللَّه". وأخرج عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال في يوم عيد: "قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحبّ من أهل العالية أن ينتظر الجمعة، فلينتظرها، ومن أحبّ أن يرجع، فليرجع، فقد أذنت له". وروي نحو ذلك عن عمر بن عبد العزيز.
وبه قال عطاء بن أبي رباح. وروي عن الشعبي، والنخعيّ، أنهما قالا: يجزىء عنك أحدهما (٤).
стр. 9952
وذهبت الحنابلة إلى أن الجمعة تسقط عمن حضر العيد مع الإمام إلا الإمام، فلا تسقط عنه، لقوله ﷺ : "وإنا مجمّعون".
وللمالكية في هذا روايتان، فروى مطرّف، وابن وهب، وابن الماجشون عن مالك الاكتفاء بالعيد عن الجمعة، لما رواه الشافعيّ في "الأمّ" عن عثمان ﵁، أنه قال: "اجتمع في يومكم عيدان، فمن أحبّ من أهل العالية أن ينتظر، فلينتظرها، ومن أحبّ أن يرجع، فقد أذنت له". ووجه الدلالة في هذا أن عثمان خطب بذلك في جمع من الصحابة، ولم ينكروا عليه، فهو إجماع منهم على جواز ذلك. وروى ابن القاسم، عن مالك أنه لابد من الجمعة، وهو مشهور المذهب، وقول الحنفية، والحديث حجة عليهم.
وذهبت الشافعية إلى أنه تجب الجمعة على أهل البلد، ولا يجزئهم العيد عنها، واختلفوا في أهل القرى الذين يسمعون نداء الجمعة، ومشهور المذهب أن الجمعة تسقط عنهم، ويصلّون الظهر، لرواية عثمان المتقدّمة (١).
وقال العلامة الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى- عند شرح قوله "ثم رَخّص في الجمعة": ما نصّه: فيه أن صلاة الجمعة في يوم العيد يجوز تركها، وظاهر الحديث عدم الفرق بين من صلى العيد ومن لم يصل، وبين الإمام وغيره، لأن قوله: "لمن شاء" يدلّ على أن الرخصة تعمّ كلّ أحد. قال: ويدلّ على عدم الوجوب، وأن الترخيص عامّ لكلّ أحد ترك ابن الزبير للجمعة، وهو الإمام إذ ذاك، وقول ابن عباس: أصاب السنّة، وعدم الإنكار عليه من أحد من الصحابة انتهى كلام الشوكاني بتصرف (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي قول من قال: إن صلاة العيد تجزىء عن الجمعة، فيُرخّص لكل من حضر العيد أن يتخلف عن الجمعة، وأما القول بسقوط الظهر عمن سقطت عنه الجمعة، فمما لا دليل عليه، فالذين قالوا بسقوط الظهر ما أتوا بدليل صريح، بل كلها محتملات، كفعل ابن الزبير المتقدّم، فالحقّ أن لا يسقط وجوب أداء الظهر؛ لأن وجوبه بالنصوص القطعية، وهذا الذي ادّعوه من السقوط إنما هو بالنصوص المحتملة، فلا تبرأ الذمة بيقين إلا بالأداء، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٩٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ
стр. 9953
جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ, قَالَ: اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ, فَأَخَّرَ الْخُرُوجَ, حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ, ثُمَّ خَرَجَ, فَخَطَبَ, فَأَطَالَ الْخُطْبَةَ, ثُمَّ نَزَلَ, فَصَلَّى, وَلَمْ يُصَلِّ لِلنَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْجُمُعَةَ, فَذُكِرَ ذَلِكَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ, فَقَالَ: أَصَابَ السُّنَّةَ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن بشّار) بُندَار البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (يحيى) القطان المتقدّم قريبًا.
٣ - (عبد الحميد بن جعفر) الأنصاريّ المدني، صدوق، رمي بالقدر، وربّما وهم [٦] ٢٦/ ٩١٤.
٤ - (وهب بن كَيسان) القرشيّ مولى آل الزبير، أبو نُعيم المدني الْمُعَلّم، ثقة، من كبار [٤] ١٧/ ٥٢٦.
٥ - (ابن عباس) ﵄ ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وفيه بصريان: شيخه، ويحيى، ومدنيان: عبد الحميد، ووهب، والصحابي مدني بصري، وفيه ابن عباس ﵄ البحر الحبر أحمد العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن وهب بن كيسان ﵀ أنه (قال: اجتَمَعَ عِيدَان) أي عيد الفطر، والجمعة، فعند أبي داود من رواية عطاء: "قال: اجتمع يوم جمعة، ويوم فطر على عهد ابن الزبير … ".
وفي رواية الحاكم عن وهب بن كيسان، قال: "شهدت ابن الزبير بمكة، وهو أمير، فوافق يومُ فطر، أو أضحى يومَ الجمعة، فأخر الخروج حتى ارتفع النهار، فخرج، وصعد المنبر، فخطب، وأطال الخطبة، ثم صلّى ركعتين، ولم يصلّ الجمعة، فعاتبة عليه ناس من بني أمية بن عبد شمس، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: "أصاب ابنُ الزبير السنّةَ"، فبلغ ابنَ الزبير، فقال: "رأيت عمر بن الخطاب، إذا اجتمع عيدان، صنع مثل هذا".
وتقدّم وجه تسمية الجمعة عيدًا في الحديث الماضي (عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ) أي في مدّة خلافة عبد اللَّه ابن الزبير ﵁ (فَأَخرَ الخُرُوجَ، حَتَّى تَعَالَى) أي ارتفع (النَّهَارُ، ثُمَّ خَرَجَ، فَخَطَبَ) وفي نسخة "يخطب"، وفيه أنه قدّم الخطبة، وقد سبق أن ابن الزبير
стр. 9954
ممن يرى تقديم خطبة العيد على الصلاة، والجمهور على خلافه (فَأَطَالَ الخُطْبَةَ، ثُم نَزَلَ) أي من المنبر (فَصَلَّى) أي صلاة العيد (وَلَمْ يُصَلً لِلنَّاسِ) وفي نسخة "بالناس (يَؤمَئِذٍ الْجُمُعَةَ) وفي نسخة "يوم الجمعة"، أي لم يصل في ذلك اليوم، وهو يومُ الجمعة صلاةَ الجمعة، وفي رواية أبي داود: "فصلاهما ركعتين بُكرةَ، لم يزد عليهما حتى صلّى العصر"
قال العلامة الشوكاني ﵀: ظاهره أنه لم يصلّ الظهر، وفيه أن الجمعة إذا سقطت بوجه من الوجوه المسوغة لم يجب على من سقطت عنه أن يصلي الظهر، وإليه ذهب عطاء، حكى ذلك عنه في "البحر"، والظاهر أنه يقول بذلك القائلون بأن الجمعة الأصل، وأنت خبير بأن الذي افترضه اللَّه تعالى على عباده في يوم الجمعة هو صلاة الجمعة، فإيجاب صلاة الظهر على من تركها لعذر، أو لغير عذر محتاجٌ إلى دليل، ولا دليل يصلح للتمسّك به على ذلك فيما أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدم أن القول بسقوط صلاة الظهر هو الذي يحتاج إلى دليل، فالحقّ أن صلاة الظهر لا تسقط عمن سقطت عنه الجمعة لما ذُكِرَ، هذا ما عندي، واللَّه تعالى أعلم.
وقال صاحب "المنتقى" بعد أن ذكر رواية ابن الزبير هذه: ما نصه: إنما وَجْهُ هذا أنه رأى تقدمة الجمعة قبل الزوال، فقدّمها، واجتزأ بها عن العيد انتهى.
قال الشوكاني: لا يخفى ما في هذا الوجه من التعسف انتهى (١).
(فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عَباس) ببناء الفعل للمفعول، واسم الإشارة نائب فاعله، أي ذُكر لعبد اللَّه ابن عباس ﵄ ما صنعه عبد اللَّه بن الزبير ﵄ من الاجتزاء بصلاة العيد عن صلاة الجمعة لاجتماعهما في يوم واحد (فَقَالَ) أي ابن عباس ﵄ (أَصَابَ السُّنَّةَ) أي الطريقة الثابتة عن النبي ﷺ ، وفيه أن الرخصة في هذا ثابت عنه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس ﵄ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٢/ ١٥٩٢ - وفي "الكبرى" - ٢٨/ ١٧٩٤ - بالإسناد المذكور، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9955
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) من رواية عطاء بنحوه ١٠٧١ (ابن خزيمة) ١٤٦٥ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٣ - ضَرْبُ الدُّفِّ يَوْمَ الْعِيدِ
١٥٩٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , دَخَلَ عَلَيْهَا, وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ, تَضْرِبَانِ بِدُفَّيْنِ, فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «دَعْهُنَّ, فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة بن سعيد) البَغْلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (محمد بن جعفر) غندر البصريّ، ثقة [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (معمر) بن راشد الصنعاني، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام المشهور الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (عروة) بن الزبير المدني الفقيه الثبت [٣] ٤٠/ ٤٤
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الاسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهري، وشيخه بغلانيّ، ومحمد ابن جعفر بصريّ، ومعمر يمنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعى عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، دَخَلَ عَلَيهَا، وَعِنْدَهَا جَارِيتَانِ) جملة في محل نصب على الحال من الضمير المجرور، أي والحال أن جاريتين كائنتان عندها.
стр. 9956
والجارية في النساء كالغلام في الرجال، يقعان على من دون البلوغ فيهما (تَضْرِبَانِ بِدُفَّيْنِ) تثنية دفّ -بضمّ الدال، وفتحها-: الذي يَضرب به النساء، وفي "المُحكَم": الذي يُضرَبُ به، والجمع دُفُوف. ذكره في "اللسان". وقال السنديّ: وهو الذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه فهو الْمِزهَر (١)، والمراد تضربان بدفّين مع الغناء انتهى (فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرِ) أي منعهما أبو بكر الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه -؛ لعدِم اطلاعه على تقرير النبي ﷺ إيّاهما على ذلك (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : دَعْهُنَّ) أي اتركهنّ، وجَمعَ الضميرَ مع أن المرجع اثنتان، إشارة إلى أن هذا الحكم لا يخصّ هاتين الجاريتن، فكأنه يقول له: دع النساء يضربن بالدفوف في هذا اليوم، لأنه يوم فرح وسرور. واللَّه تعالى أعلم (فَإنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا) زاد في رواية البخاريّ: "وهذا عيدنا".
وفيهَ تعليل لإباحة ذلك لهنّ، أي لأن كل قوم لهم عيد يلعبون فيه، وهذا اليوم عيدنا، فيباح لهن اللعب فيه .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديَث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٣٣/ ١٥٩٣ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ١٧٩٥ - بالسند المذكور، وفي ٣٦/ ١٥٩٧ - عن أحمد بن حفص بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن إبراهيم بن طَهْمَان، عن مالك ابن أنس، عن الزهريّ به. وفي "الكبرى" ٣٠/ ١٧٩٦ - عن محمد بن عبد اللَّه بن عمّار، عن المعافَى، عن الأوزاعيّ، عن الزهري به. وفيه ٣٠/ ١٧٩٧ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي به. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٢١ و ٢/ ٢٩ و ٤/ و ٥/ ٨٦ (م) ٣/ ٢١ و (ق) ١٨٩٨ (أحمد) ٦/ ٣٣ و ٨٤ و ٩٩ و ١٢٧ و ١٣٤ واللَّه تعالى أعلم.
وفوائد الحديث، وبيان مذاهب العلماء في ضرب الدف يوم العيد ستأتي بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 9957
٣٤ - (اللَّعِبُ بَينَ يَدَيِ الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "اللَّعِب" - بفتح اللام، وكسر العين المهملة- ويجوز تخفيفه بكسر اللام، وسكون العين، قال ابن قُتيبة: ولم يُسمع في التخفيف فتح اللام مع السكون. قاله في "المصباح".
قلت: ما ادّعاه ابن قتيبة من عدم سماع فتح اللام مع السكون، أثبته غيره، كالمجد في "القاموس"، بل قال بعضهم. إن هذا مطرد في كل ثلاثي مكسور الوسط، حلقيّه، اسمًا كان، أو فعلاً، كنعم، وبئس. راجع "تاج العروس في شرح القاموس" ١/ ٤٧٠.
والحاصل أنه يجوز في نحو اللعب فتح أوله، وكسر ثانيه، وهو الأصل، ويجوز تخفيفه بتسكين الوسط، مع فتح أوله، وكسره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٥٩٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: جَاءَ السُّودَانُ, يَلْعَبُونَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ فِي يَوْمِ عِيدٍ, فَدَعَانِي, فَكُنْتُ أَطَّلِعُ إِلَيْهِمْ, مِنْ فَوْقِ عَاتِقِهِ, فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ, حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي انْصَرَفْتُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الجُهَنيّ، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥.
٢ - (عبدة) بن سليمان الكِلَابي، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار [٨] ٧/ ٣٣٩.
٣ - (هشام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلس [٥] ٤٩/ ٦١.
والباقيان تقدما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فمصّيصيّ، وعبدة، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9958
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: جَاءَ السُّودَانُ) المراد بهم الحبشة، لما في الرواية الآتية في الباب التالي: "وأنا أنظر إلى الحبشة، يلعبون في المسجد"، وفي رواية مسلم: "جاء حبش يلعبون في المسجد"، وفي رواية له: "والحبشة يلعبون بِحِرَابهم في مسجد رسول اللَّه ﷺ ".
قال في "الفتح": قال المحبّ الطبري ﵀: هذا السياق يُشعر بأن عادتهم ذلك في كلّ عيد، ووقع في رواية ابن حبّان "لما قَدِمَ الحبشة قاموا يلعبون في المسجد"، وهذا يشعر بأن الترخيص لهم في ذلك بحال القدوم، ولا تنافي بينهما لاحتمال أن يكون قدومهم صادف يوم عيد، وكان من عادتهم اللعب في الأعياد، ففعلوا ذلك كعادتهم، ثم صاروا يلعبون يوم كلِّ عيد.
ويؤيّده ما رواه أبو داود عن أنس ﵁ قال: "لما قدم النبي ﷺ المدينة لَعِبَت الحبشة، فَرَحًا بذلك، لعبوا بحرابهم". ولا شك أن يوم قدومه ﷺ كان عندهم أعظم من يوم العيد. قال الزين ابن المنيّر ﵀: سماه لعبًا، وإن كان أصله التدريب على العرب، وهو من الجدّ، لما فيه من شبه اللعب، لكونه يَقصد إلى الطعن، ولا يفعله، ويوهم بذلك قرنه (١)، ولو كان أباه، أو ابنه انتهى (٢).
(يَلْعَبُونَ) جملة حالية من الفاعل (بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي يَوْمِ عِيدٍ) الظرف والجارّ والمجرور متعلقان بـ "يلعبون" (فَدَعَانِي) وفي رواية البخاري "فإِمّا سَألت رسول اللَّه ﷺ ، وإما قال: تشتهين، تنظرين".
قال في "الفتح": هذا تردّد منها فيما كان وقع له، هل كان أذن لها في ذلك ابتداءً منه، أو عن سؤال منها، وهذا بناءٌ على أن "سألْتُ" بسكون اللام على أنه كلامُها، ويَحتملُ أن يكون بفتح اللام، فيكون كلام الراوي، فلا ينافي مع ذلك قوله: "وإما قال: تشتهين تنظرين".
وقد اختلفت الروايات عنها في ذلك، ففي رواية النسائيّ -١٨/ ٨٩٥٧ - من طريق يزيد بن رُومان عنها: "سمعتُ لغَطًا، وصوت صبيان، فقام النبي ﷺ ، فإذا حَبَشيّة تَزْفِن (٣) "أي تَرقُص" والصبيان حولها، فقال: "يا عائشة، تعالي، فانظري". ففي هذا
стр. 9959
أنه ابتدأها، وفي رواية عُبيد بن عُمير، عنها عند مسلم أنها قالت للعّابين: "وددتُ أني أراهم"، ففي هذا أنها سألت، ويُجمَع بينهما بأنها التمست منه ذلك، فأذن لها. وفي رواية النسائي من طريق أبي سلمة، عنها: "دخل الحبشة، يلعبون، فقال لي النبي ﷺ : يا حُميراء، أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم"، إسناده صحيح.
قال الحافظ ﵀: ولم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا.
وفي رواية أبي سلمة هذه من الزيادة عنها، قالت: "ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيبًا"، كذا فيه بالنصب، وهو حكاية قول الحبشة، ولأحمد، والسراج، وابن حبّان من حديث أنس ﵁:"أن الحبشة كانت تَزفِن بين يدي النبي ﷺ ، ويتكلّمون بكلام لهم، فقال: "ما يقولون؟ قال: يقولون: محمد عبد صالح (١). ولفظ أحمد: كانت الحبشة يزفنون بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، ويرقصون، ويقولون: محمد عبد صالح، فقال رسول اللَه ﷺ : "ما يقولون؟ "، قالوا: يقولون: محمد عبد صالح (٢).
(فَكُنْتُ أَطَّلِعُ إِلَيْهِمْ) أي أنظر إلى لعبهم (مِنْ فَوْقِ عَاتِقِهِ) هو ما بين المنكب والعنق، وهو موضع الرداء، ويذكّر، ويؤنّث، والجمع عواتق، قاله في "المصباح".
وفي رواية البخاري: "فأقامني وراءه، خدّي على خدّه". وفي رواية مسلم: "فوضعت رأسي على منكبه"، وفي رواية أبي سلمة المذكورة: "فوضعت ذَقَني على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خدّه"، وفي رواية عُبيد بن عُمير، عنها "أنظر بين أذنه وعاتقه"، ومعانيها متقاربة، ورواية أبي سلمة أَبْيَنُها. وفي رواية الزهري، عن عروة الآتية في الباب التالي: "يسترني بردائه، وأنا أنظر".
قال الحافظ: ويتعقّب به على الزين بن المنيّر في استنباطه من لفظ حديث الباب جواز اكتفاء المرأة بالتستّر بالقيام خلف من تستتر به، من زوج، أو ذي رحم محرم، إذا قام ذلك مقام الرداء، لأن القصّة واحدة، وقد وقع فيها التنصيص على وجود التستر بالرداء انتهى (٣).
(فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي إلى لعبهم (حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي انْصَرَفْتُ) وفي رواية الزهري عند البخاريّ "حتى أكون أنا الذي أسأم"، وفي رواية لمسلم من طريقه "ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا الذي أنصرف"، وفي رواية يزيد بن رُومان عند النسائي في - الكبرى ١٨/ ٨٩٥٧ - أَمَا شَبِعتِ؟ قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده"، وله
стр. 9960
من رواية أبي سلمة، عنها "قلت: يا رسول اللَّه لا تعجل، فقام لي، ثم قال: حسبك؟ قلت: لا تعجل، قال: وما بي حبّ النظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي، ومكاني منه".
وفي الرواية الآتية في الباب التالي "حتى أكون أنا أسأم، فاقدروا قدرَ الجارية الحديثة السنّ، الحريصة على اللَّهو".
وأشارت بذلك إلى أنها كانت شابّة، وقد تمسك به من ادّعى نسخ هذا الحكم، وأنه كان في أول الإسلام، وردّ بأن قولها: "يسترني بردائه" دالّ على أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، وكذا قولها: "أحببت أن يبلغ النساء مقامُهُ لي" مشعر بأن ذلك وقع بعد أن صارت لها ضرائر، أرادت الفخر عليهنّ، فالظاهر أن ذلك وقع بعد بلوغها، وقد تقدّم من رواية ابن حبان أن ذلك لما قدم وفد الحبشة، وكان قدومهم سنة سبع، فيكون عمرها خمس عشرة سنة. قاله في "الفتح" .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته. حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا- ٣٤/ ١٥٩٤ - وفي "الكبرى" ٣١/ ١٧٩٨ - بالإسناد المذكور، وفي ٣٥/ ١٥٩٥ - و"الكبرى" ٣٢/ ١٨٠٠ - عن علي بن خَشْرَم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عنها.
وفي "الكبرى" في "كتاب عِشْرَة النساء" ١٨/ ٨٩٥١ عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: دخل الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي: "يا حُميراء، أتحُبّبين، أن تنظري إليهم؟ "، فقلت: نعم، فقام بالباب، وجئته، فوضعت ذَقَني على عاتقه، فأسندت وجهي إلى خدّه، قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيبا، فقال رسول اللَّه ﷺ :"حسبك"، فقلت: يا رسول اللَّه، لا تَعْجل، فقام لي، ثم قال: "حسبك"، فقلت: لا تعجل يا رسول اللَّه، قالت: وما لي حبّ النظر إليهم، ولكني أحببت أن يبلغ النساء مقامُه لي، ومكاني منه.
وفي -٨٩٥٢ - عن الربيع بن سليمان، عن إسحاق بن بكر، عن أبيه، عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة، قالت عائشة: رأيت رسول اللَّه ﷺ ، يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون، وأنا جارية، في المسجد، فاقدروا قدرَ
стр. 9961
الجارية الحديثة السنّ.
وفي -٨٩٥٣ - عن عمرو بن منصور، عن الحكم بن نافع، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عروة، أن عائشة قالت: واللَّه لقد رأيت النبي ﷺ يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحراب في المسجد، يسترني بردائه، لكي أنظر إلى لعبهم، ثم أقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أَمَلُّ، فاقدروا بقدر الجارية الحديثة السنّ، الحريصة على اللَّهو.
وفي -٨٩٥٤ - عن محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قالت عائشة: كان الحبش يلعبون بحراب لهم، فقام رسول اللَّه ﷺ ، فجعلت أنظر بين أذنه وعاتقه، حتى كنت أنا التي صَدَرتُ.
وفي-٨٩٥٥ - عن عمرو بن علي، عن ابن أبي عديّ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: لَعِبَت الحبشة، فجئتُ من ورائه ﷺ ، فجعل يطأطىء ظهره حتى أنظر.
وفي-٨٩٥٧ - عن عبدالله بن محمد الثّغْري، عن زيد بن حُبَاب، عن خارجة بن عبد اللَّه، عن يزيد بن رُومان، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول اللَّه ﷺ جالسا، فسمعنا لغَطًا، وصوت الصبيان، فقام رسول اللَّه ﷺ ، فإذا حبشيّة تَزْفِن، والصبيان حولها، فقال: "يا عائشة، تعالي، فانظري"، فجئت، فوضعت، ذَقَني على منكب رسول اللَّه ﷺ ، فجعلت، أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: "أما شبعتِ؟ "، فجعلت، أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر، فارفض الناس عنها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إني لأنظر إلى شياطين الجنّ والإنس قد فرّوا من عمر"، قالت: فرجعتُ.
وفي-٨٩٥٨ - عن محمد بن خَلَف العَسْقلاني، عن آدم بن أبي إياس، عن إسرائيل، عن قَرَظة، عن عكرمة، عن عائشة، قالت: خرج رسول اللَّه ﷺ ، والحبشة يلعبون، وأنا أطّلع من خَوخَة (١) لي، فدنا مني رسول اللَّه ﷺ ، فوضعت يدي على منكبه، وجعلت أنظر، فقال رسول اللَّه ﷺ "خُذن بنات أرفدة"، فما زلت، وهم يلعبون، ويَزفِنُون، حتى كنت أنا التي انتهيت" (٢). واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ١/ ١٢٣ و ٢/ ٢٩ و ٤/ ٢٢٥ و ٧/ ٣٦ و ٧/ ٤٨ (م) ٣/ ٢١ و ٣/ ٢٢ و ٣/
стр. 9962
٢٣ (ت) ٣٦٩١ (الحميدي) ٢٥٤ (أحمد) ٦/ ٥٦ و ٦/ ٨٣ و ٦/ ٨٤ و ٦/ ٨٥ و ٦/ ١١٦ و ٦/ ١٦٦ أو ٦/ ١٨٦ و ٦/ ٢٤٧ و ٦/ ٢٧٠ و ٦/ ٢٣٣ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو مشروعية اللعب بين يدي الإمام يوم العيد.
ومنها: جواز اللعب بالسِّلَاح على طريق التواثب، للتدريب على الحرب، والتنشيط عليه في المسجد، ويلتحق به ما في معناه من الأسباب المعينة على الجهاد، وأنواع البرّ.
قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام ﵀: في تمكينه ﷺ الحبشة من اللعب في المسجد دليلٌ على جواز ذلك، فَلِمَ كره العلماء اللعب في المساجد؟، قال: والجواب أن لعب الحبشة كان بالسلاح، واللعب بالسلاح مندوب إليه للقوّة على الجهاد، فصار ذلك من القُرَب، كإقراء علم، وتسبيح، وغير ذلك من القُرَب، ولأن ذلك كان على وجه الندور، والذي يُفضي إلى امتهان المساجد إنما هو أن يتخذ ذلك عادة مستمرّة، ولذلك قال الشافعي ﵁: لا أكره القضاء في المسجد المرّة والمرّتين، وإنما أكرهه على وجه العادة (١) انتهى (٢).
ومنها. جواز المثاقفة (٣)، لما فيها من تمرين الأيدي على آلات الحرب، ومنها: حسن خلق النبي ﷺ مع أهله، وكريم معاشرته لهنّ. ومنها: فضل عائشة ﵂، وعظيم محلّها عند النبي ﷺ . ومنها: ما قاله القاضي عياض ﵀: فيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال الأجانب، لأنه إنما يكره لهنّ النظر إلى المحاسن، والاستلذاذ بذلك، وقال النوويّ ﵀: أما النظر بشهوة، وعند خشية الفتنة، فحرام اتفاقا، وأما بغير شهوة، فالأصحّ أنه محرّم، وأجاب عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل بلوغ عائشة. وسيأتي في الباب التالي ما يردّ عليه أن ذلك كان سنة سبع من الهجرة، وعائشة قد بلغت من غير شكّ.
قال: أو كانت تنظر إلى لعبهم بحرابهم، لا إلى وجوههم، وأبدانهم، وإن وقع بلا قصد أمكن أن تصرفه في الحال انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي قريبًا أن الأرجح جواز نظر المرأة إلى الرجل عند أمن الفتنة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 9963
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٥ - (اللَّعِبُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَنَظَرُ النِّسَاءِ إِلَى ذَلِكَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بوّب -رحمه اللَّه تعالى- لمسألتين:
إحداهما: جواز اللعب في المسجد يوم العيد.
الثانية: جواز نظر النساء إلى اللعب.
وقد بوّب الإمام البخاري ﵀ في "كتاب النكاح" من "صحيحه": "باب نظر المرأة إلى الحبش، ونحوهم من غير رِيبة". ثم أورد حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب.
قال الحافظ ﵀: وظاهر الترجمة أن المصنف كان يذهب إلى جواز نظر المرأة إلى الأجنبيّ بخلاف عكسه، وهي مسألة شهيرة، واختلف الترجيح فيها عند الشافعية، وحديث الباب يُساعد من أجاز، وقد تقدّم في "أبواب العيدين" جواب النووي عن ذلك بأن عائشة كانت صغيرة، دون البلوغ، أو كان قبل الحجاب، وقوّاه بقولها في هذه الرواية: "فاقدروا قدر الجارية، الحديثة السنّ".
لكن تقدّم ما يعكر عليه بأن في بعض طرقه أن ذلك كان بعد قدوم وفد الحبشة، وأن قدومهم كان سنة سبع، ولعائشة ﵂، يومئذ ست عشرة سنة، فكانت بالغة، وكان ذلك بعد الحجاب. وحجة من منع حديثُ أم سلمة الحديث المشهور: "أفعَمْيَاوان أنتما"، وهو حديث أخرجه أصحاب السنن (١) من رواية الزهري، عن نَبْهان، مولى أم سلمة، عنها، وإسناده قويّ، وأكثر ما عُلّل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان، وليست بعلّة قادحة، فمن من يعرفه الزهريّ، ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة، ولم يجرحه أحدٌ، لا تُردّ روايته.
стр. 9964
والجمع بين الحديثين احتمالُ تقدم الواقعة، أو أن يكون في قصّة الحديث الذي ذكره نبهان شيء يَمنع النساءَ من رؤيته، لكون ابن أم مكتوم كان أعمى، فلعلّه كان منه شيء، ينكشف، ولا يشعر به.
ويقوّي الجوازَ استمرارُ العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد، والأسواق، والأسفار، منتقبات، لئلا يراهنّ الرجال، ولم يؤمر الرجالُ قطّ بالانتقاب، لئلا يراهم النساء، فدلّ على تغاير الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتجّ الغزاليّ على الجواز، فقال: لسنا نقول: إن وجه الرجل في حقّها عورة، كوجه المرأة في حقه، بل كوجه الأمرد في حقّ الرجل، فيحرم النظر عند خوف الفتنة، فقط، وإن لم تكن فتنة فلا، إذ لم تزل الرجال على ممرّ الزمان مكشوفي الوجوه، والنساءُ يخرجن منتقبات، فلو استووا لأُمِرَ الرجالُ بالتنقّب، أو مُنِعْنَ الخروجَ انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:
ما قاله الغزالي -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ عندي، وإن كان ظاهر تبويب المصنف ﵀ يوافق مذهب المانعين، حيث قيّد النظر باللعب، فإن اسم الإشارة في قوله: "ونظر النساء إلى ذلك" يرجع إلى اللعب، فكأنه يقول. النظر للعب، لا للرجال، وهو مخالف لظاهر تبويب البخاريّ ﵀، كما تقدّم.
والحاصل أن مذهب المجوّزين لنظر المرأة إلى وجه الرجل دون العكس عند الأمن من الفتنة هو الراجح؛ لظاهر حديث الباب، ولما شاع عند المسلمين في كلّ عصر ومصر من استمرار العمل على جواز خروج المرأة إلى المساجد ونحوها، محتجبة لئلا يراها الرجال، ولم يؤمر الرجال بذلك، فلو كان نظر المرأة كنظر الرجل إلى المرأة لأُمر الرجال بالاحتجاب كالنساء، وهذا أقوى حجة في هذه المسألة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٥٩٥ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَسْتُرُنِى بِرِدَائِهِ, وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ, يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ, حَتَّى أَكُونَ أَنَا أَسْأَمُ, فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ, الْحَدِيثَةِ السِّنِّ, الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عليّ بن خَشْرم) المروزيّ، ثقة، من صغار [٩] ٨/ ٨.
стр. 9965
٢ - (الوليد) بن مسلم الدمشقي، ثقة يدلّس، ويسوّي [٨] ٥/ ٤٥٤.
٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة ثبت فقيه [٧] ٤٥/ ٥٦.
والباقون تقدموا قريبًا، والحديث متفق عليه، وشرحه، والمسائل المتعلقة به ذُكرت في الباب الماضي، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقولها: "فاقدروا" بضم الدال، وكسرها، لغتان، حكاهما الجوهري، وغيره، أي اعرفوا قدرها، وراعوا حالها. أو هو من التقدير، أي قدروا رغبتها في ذلك إلى أن يتنهي.
وحاصل معنى كلامها أنها تحبّ اللَّهو، والتفرج، والنظر إلى اللعب حبَّا بليغًا، وتحرص على إدامته ما أمكنها، ولا تَمَلّ ذلك، إلا بعذر من تطويل.
ولفظ مسلم: "فاقدروا قدرَ الجارية العَرِبَة حديثة السن". وقولها: "العربة" بفتح العين، وكسر الراء، والباء الموحّدة، ومعناها المشتهية للعب المحبّة له. (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٩٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ, وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ, فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ ﵁, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْهُمْ يَا عُمَرُ, فَإِنَّمَا هُمْ بَنُو أَرْفِدَةَ».
رجال هذا الاسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن موسى) بن عبدالله بن موسى بن عبدالله بن يزيد الأنصاريّ الخطمي، أبو موسى المدني، قاضي نيسابور، ثقة متقن [١٠].
روى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم. وعنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وابنه موسى بن إسحاق الحافظ القاضي، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: كان أبي يُطنِب القول فيه، في صدقه، وإتقانه. وقال النسائيّ: أصله كوفيّ، وكان في العَسْكَر، ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الخطيب: وَرَدَ بغداد، وحدّث بها، وكان ثقة. وقال ابن عساكر: ولي القضاء بنيسابور. وقال يحيى بن محمد الذّهليّ: هو من أهل السنة. قال البغويّ: مات سنة (٢٤٤) بحمص،
стр. 9966
وقال أبو الحسن محمد بن أحمد بن القوّاس الورّاق: مات بجُوسيةَ راجعًا من دمشق.
روى له مسلم، والترمذي، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١٥٩٦) و (٣٨٢٠).
٢ - (سعيد بن المسيب) الإمام الفقيه الحجة الثبت [٣] ٩/ ٩.
٣ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١، والباقون تقدموا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير الوليد والأوزاعيّ، فدمشقيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه سعيد أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة ﵁ أحد المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَالْحَبَشَةُ) الواو واو الحال، أي والحال أن الحبشة (يَلعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ) أي النبويّ (فَزَجَرَهُمْ) من باب قتل: أي منعهم عن لعبهم (عُمَرُ ﵁) بين في رواية البخاريّ في "الجهاد" -كما قال في "الفتح" (١)، كيفيةَ الزجر، حيث قال. "فأهوى إلى الحصباء، فحصبهم بها" (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعْهُمْ يَا عُمَرُ) أي اتركهم على ما هم عليه من اللعب (فَإِئمَا هُم بَنُو أَرفِدَةَ) -بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر الفاء، وقد تفتح- قيل: هو لقب للحبشة، وقيل: هو اسم جنس لهم، وقيل: اسم جدّهم الأكبر، وقيل: المعنى بنو الإماء. فكأنه يعني أن هذا شأنهم، وطريقتهم، وهو من الأمور المباحة، فلا إنكار عليهم. وفي رواية البخاري في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المتقدم: "دونكم يا بني أرفدة"، و"دون" بالنصب على الإغراء، والمغرَى به محذوف، أي خذوا لعبكم بالحراب، وفيه إذن لهم، وتنشيط. قال المحبّ الطبري ﵀: فيه تنبيه على أنه يُغتفر لهم ما لا يغتفر لغيرهم، لأن الأصل في المساجد تنزيهها عن اللعب، فيُقتصر على ما ورد فيه النصّ انتهى.
ورى السرّاج من طريق أبي الزناد، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنه
стр. 9967
- ﷺ قال يومئذ: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني بُعثتُ بحنيفية سَمْحَة".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا يشعر بعدم التخصيص، وكأن عمر ﵁ بنى على الأصل في تنزيه المساجد، فبين له النبي ﷺ وجه الجواز فيما كان هذا سبيله، أو لعلّه لم يكن عَلِمَ أن النبي ﷺ كان يراهم. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن اللعب يوم العيد في المسجد بمثل لعب الحبشة جائز للكلّ؛ لعموم الأدلة، وأما تخصيصه بالحبشة، كما أشار إليه المحبّ الطبريّ في كلامه السابق، فيرده حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور آنفًا، فتبصّر، ولا تتحيّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ٣٥/ ١٥٩٦ - وفي "الكبرى" ٣١/ ١٧٩٩ ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إن لَعِبَهم ذلك كان في يوم العيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٦ - (الرُّخْصَة فِي الاسْتِمَاعِ إِلَى الغِنَاءِ وَضَرْبِ الدُّفِّ يَوْمَ الْعِيدِ)
١٥٩٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ, عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, أَنَّهُ حَدَّثَهُ, أَنَّ عَائِشَةَ, حَدَّثَتْهُ, أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ, دَخَلَ عَلَيْهَا, وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ, تَضْرِبَانِ بِالدُّفِّ, وَتُغَنِّيَانِ, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ, وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: مُتَسَجٍّ ثَوْبَهُ, فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ, فَقَالَ: «دَعْهُمَا, يَا أَبَا بَكْرٍ, إِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ» , وَهُنَّ أَيَّامُ مِنًى, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن حفص بن عبد اللَّه) السلمي النيسابوريّ، صدوق [١١] ٧/ ٤٠٩.
٢ - (أبوه) حفص عبد اللَّه بن راشد السلميّ، أبو عمرو النيسابوري، قاضيها، والد
стр. 9968
أحمد الراوي عنه، صدوق [٩] ٧/ ٤٠٩.
٣ - (إبراهيم بن طَهْمَان) الخراسانيّ، نزيل نيسابور، ثم مكة، ثقة يُغْرب، وتكلم فيه بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] ٧/ ٤٠٩.
٤ - (مالك بن أنس) إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الثبت المدني [٧] ٧/ ٧. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، وشيخه، وأبو شيخه نيسابوريان، وإبراهيم خراساني، ثم مكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُرْوَةَ، أنَّهُ حَدَّثَهُ) أي حدث عروةُ الزهريَّ (أَنَّ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (حَدَّثَتْهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ) - رضي اللَه تعالى عنه - (دَخَلَ عَلَيْهَا) وفي رواية البخاريّ: "دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ ، وعندي جاريتان، تغنيّان بغِنَاء بُعاثٍ، فاضطجع على الفراش، وحوّل وجهه … " (وَعِنْدَهَا جَارَيتَانِ) جملة من مبتدإ وخبر، في محل نصب على الحال من الضمير المجرور. زاد في رواية للبخاريّ "من جواري الأنصار"، وللطبرانيّ من حديث أم سلمة ﵂ أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت، وفي "الأربعين" للسلمي أنهما كانتا لعبد اللَّه بن سلام، وفي "العيدين" لابن أبي الدنيا من طريق فُليح، عن هشام بن عروة: "وحمامةُ وصاحبتها تغنّيان"، وإسناده صحيح قال الحافظ ﵁: ولم أقف على تسمية الأخرى، لكن يحتمل أن يكون اسم الثانية زينب، وقد ذكرته في "كتاب النكاح"، ولم يذكر حمامةَ الذين صنّفوا في الصحابة، وهي على شرطهم انتهى (١). (تَضْرِبَانِ بِالدُّفِّ) جملة في محل رفع صفة لـ"جاريتان"، الدفّ بضم الدال على الأشهر، وقد تُفتح، ويقال له أيضًا الكربال، بكسر الكاف، وهو الذي لا جلاجل (٢) فيه، فإن كانت فيه فهو الْمِزهَر (وَتُغَنِّيَانِ) أي ترفعان أصواتهما بإنشاد العرب، وهو المسمّى عندهم بالنَّصْب، وهو إنشاد بصوت رقيق، فيه تمطيط، وهو يجري
стр. 9969
مجرى الْحُدَاء، قاله القرطبيّ (١)، زاد في رواية البخاري "بما تقاولت به الأنصار يوم بُعاث"، أي قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء.
ويوم بُعاث يوم قُتل فيه صناديد الأوس والخزرج، وهو يوم قدّمه اللَّه لرسوله ﷺ ، فقد قَدِمَ المدينةَ، وقد افترق ملؤهم، وقُتلت سَرَوَاتهم. و"بُعاث" بضم الموحدة، وبعدها مهملة، وآخره مثلّثة، وهو موضع على ليلتين من المدينة، وقيل: اسم حصن للأوس، وكانت وقعة بُعاث على ما رجحه الحافظ في "الفتح" قبل مقدم النبي ﷺ المدينة بثلاث سنين، وقيل: بخمس سنين. ودامت العرب بين الحيين قبل ذلك مائة وعشرين سنة، وسببه أن رجلا يقال له كعب من بني ثعلبة، نزل على مالك بن عَجْلان الخزرجي، فحالفه، فقتله رجل من الأوس، يقال له سُمَير، فكان ذلك سبب الحرب بينهما، وكان رئيس الأوس يوم بُعاث حُضير والد أُسيد، فجُرح يومئذ، فمات بعد مدة من جراحته، وكان رئيس الخزرج عمرو بن النعمان، فجاءه سهم في القتال، فصرعه، فهزموا بعد أن كانوا قد استظهروا.
(وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسَجَّى بثَوْبِهِ) أي متلفّف، ومتغطّ به، وإنما تسجّى النبي ﷺ بثوبه، إعراضًا عن ذلك، لكون مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دالّ على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقرّه، إذ لا يُقِرّ على باطل (٢)، والأصل التنزّه عن اللعب واللَّهو، فيُقتصر على ما ورد فيه النصّ وقتًا، وكيفيّة، تقليلاً لمخالفة الأصل، واللَّه تعالى أعلم، أفاده في "الفتح".
(وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: مُتَسَجٍّ ثَوْبَهُ، فَكَشَف عَنْ وَجهِهِ، فَقَالَ: "دَعهُمَا، يَا أَبَا بَكْرٍ) في رواية المصنّف اختصار، أي فانتهَرَهُما أبو بكر، فقال له ﷺ : "دعهما يا أبا بكر".
وفي رواية للبخاريّ: وجاء أبو بكر، فانتهرني، وقال: مِزْمارة الشيطان عند النبي ﷺ ، فأقبل عليه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "دعهما"، فلما غَفَلَ غَمَزتُهُمَا، فخرجتا.
وقوله: مزمارة الشيطان بكسر الميم، يعني الغناء، أو الدف، لأن المزمارة، أو المزمار مشتق من الزمير، وهو الصوت الذي له الصّفِير، ويُطلق على الصوت الحسن، وعلى الغناء، وسميت به الآلة المعروفة التي يُزمَر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تُلهي، فقد تشغل القلب عن الذكر، وفي رواية حماد بن سلمة عند أحمد: فقال: (يا عباد اللَّه أبمزمور الشيطان عند رسول اللَّه ﷺ ". قال القرطبي: المزمور الصوت،
стр. 9970
ونسبته إِلى الشيطان ذمّ على ما ظهر لأبي بكر ﵁. وضبطه عياض بضم الميم، وحكي فتحها. قاله في "الفتح". وقال القرطبي ﵀: قال الإمام: فأما الغناء بآلة مُطربة، فَيُمنع، وبغير آلة اختلف الناس فيه، فمنعه أبو حنيفة، وكرهه الشافعيّ، ومالك، وحكى أصحاب الشافعي أن مذهبه الإجازة من غير كراهة.
قال القاضي: المعروف من مذهب مالك المنع، لا الإجازة.
قلت: ذكر الأئمةُ هذا الخلاف هكذا مطلقًا، ولم يفصلوا موضعه، والتفصيل الذي ذكرنا لا بدّ من اعتباره، وبما ذكرناه يجتمع شَمْل مقصود الشرع الكلّيّ، ومضمون الأحاديث الواردة في ذلك، وينبغي أن يُستثنى من الآلات التي ذكر الإمام الدفُّ، فإنه قد جاء ذكره في هذا الحديث، وفي حديث العُرْس انتهى كلام القرطبي ﵀ تعالى.
(إِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ) جملة تعليلية، أي لأن هذه الأيام أيام فرح وسرور، فيباح لهما أن يلعبا بالتغني المباح، وفي رواية هشام عند البخاري: "يا أبا بكر، إن لكلّ قوم عيدًا، وهذا عيدنا".
ففيه تعليل للأمر بتركهما، وإيضاح خلاف ما ظنه الصديق من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه ﷺ ، لكونه دخل، فوجده مُغَطَّى بثوبه، فظنه نائما، فتوجّه له الإنكار على ابنته من هذه الأوجه، مستصحبا لما تقرّر عنده من منع الغناء واللَّهو، فبادر إلى إنكار ذلك، قياما عن النبي ﷺ بذلك، مستندا إلى ما ظهر له، فأوضح له النبي ﷺ الحال، وعرّفه الحكم، مقرونا ببيان الحكمة بأنه يوم عيد، أي يوم سرور شرعيّ، فلا يُنكَرُ فيه مثلُ هذا، كما لا يُنكر في الأعراس.
وبهذا يرتفع الإشكال عمن قال: كيف ساغ للصديق إنكار شيء أقرّه النبي ﷺ ؟
وتكلف جوابا لا يخفى تعسفه.
(وَهُنَّ أَيَّامُ مِنًى) أي تلك الأيام أيام عيد الأضحى، وقولها (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَؤمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ) دفع لما يُتوهّم أن ذلك وقع في منى، حيث قالت: وهنّ أيام منى، يعني أن هذه القصة وقعت في المدينة أيام عيد الأضحى. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تخريجه قبل بابين، وبقي ذكر فوائده، فلنذكرها هنا:
فـ منها: ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الرخصة في الاستماع إلى الغناء، وضرب الدف يوم العيد. ومنها: مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد
стр. 9971
بأنواع ما يحصّل لهم بسطَ النفس، وترويحَ البدن من كُلَفِ العبادة، وأن الأعراض عن ذلك أولى. ومنها: أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين. ومنها: جواز دخول الرجل على ابنته، وهي عند زوجها، إذا كان له بذلك عادة. ومنها: تأديب الأب ابنته بحضرة الزوج، وإن تركه الزوج، لقول عائشة: "وجاء أبو بكر، فانتهرني" إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء. ومنها: الرفق بالمرأة، واستجلاب مودّتها. ومنها: أن مواضع أهل الخير تُنزّه عن اللَّهو واللغو، وإن لم يكن فيه إثم، إلا بإذنهم. ومنها: أن التلميذ إذا رأى عند شيخه ما يستنكره مثله بادر إلى إنكاره، ولا يكون في ذلك افتيات على شيخه، بل هو أدبٌ منه، ورعاية لحرمته، وإجلال لمنصبه.
ومنها: فتوى التلميذ بحضرة شيخه بما يعرفه من طريقته، ويحتمل أن يكون أبو بكر ظنّ أن النبي ﷺ نام، فخشي أن يستيقظ، فيغضب على ابنته، فبادر إلى سدّ هذه الذريعة. وفي قول عائشة ﵂:"فلما غفل غَمَزتهُما، فخرجتا" دلالة على أنها مع ترخيص النبي ﷺ لها في ذلك راعت خاطر أبيها، وخشيت غضبه عليها، فأخرجتهما، واقتناعها في ذلك بالإشارة فيما يظهر للحياء من الكلام بحضرة من هو أكبر منها. ومنها: أنه استدلّ به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء، ولو لم تكن مملوكة، لأنه ﷺ لم ينكر على أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره، واستمرّتا إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج. قال الحافظ. ولا يخفى أن محلّ الجواز ما إذا أُمنت الفتنةُ بذلك. ومنها: أنه استنبط من تسمية أيام منى بأنها أيام عيد مشروعيةُ قضاء صلاة العيد فيها لمن فاتته، كما تقدّم في بابه. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الفتح": استدلّ جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة الغناء، وسماعه بآلة، وبغير آلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة ﵂ في الحديث بقولها في الجاريتين: "وليستا بمغنّيتين"، فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ، لأن الغناء يُطلق على رفع الصوت، وعلى الترنّم الذي تسميه العرب النّصْب -بفتح النون، وسكون المهملة- وعلى الْحُدَاء، ولا يسمى فاعله مغنيّا، وإنما يسمى بذلك من يُنشد بتمطيط، وتكسير، وتهييج، وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش، أو تصريح (١).
وقال القرطبي: قولها: "ليستا بمغنيتين"، أي ليستا ممن يَعرف الغناء، كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي يحرّك النفوس، ويبعثها على الهوى، والغَزَل، والْمُجُون، الذي يُحرّك الساكن، ويَبعَث
стр. 9972
الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر يُشَبَّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهنّ، وذكر الخمور، والمحرّمات، لا يُختَلَف في تحريمه، لأنه اللَّهو، واللعب المذموم بالاتفاق.
فأما ما يَسلَم من تلك المحرّمات، فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح، كالعُرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقّة، ويدل على جواز هذا النوع هذا الحديث، وما في معناه، مثل ما جاء في الوليمة، وفي حَفْر الخَنْدَق، وفي حَدْو الحبشة، وسلمة بن الأكوع.
فأما ما ابتدعه الصوفيّة اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة، فمن قبيل ما لا يُختَلَف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية، والأغراض الشيطانية قد غلبت على كثير ممن يُنسب إلى الخير، وشُهِر بذكره حتى عَمُوا عن تحريم ذلك، وعن فُحْشه، حتى قد ظهرت منْ كثير منهم عَوَاراتُ الْمُجَّان، والمخانيث، والصبيان، فَيَرقُصُون، ويَزْفِنون بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، كما يَفعل أهل السفَه والمجون، وقد انتهى التواقح بأقوام منهم إلى أن يقولوا: إن تلك من أبواب القُرَب، وصالحات الأعمال، وأن ذلك يُثمر صفاء الأوقات، وسنيّات الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة، وقول أهل البطالة، والمخرقة، نعوذ باللَّه من البدع، والفتن، ونسأله التوبة، والمشي على السُّنَن انتهى كلام القرطبي رحمه اللَّه تعالى (١) وهو بحث نفيس، وتحقيق أنيس.
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-بعد ذكر كلام القرطبي هذا -: ما نصه: وينبغي أن يُعكس مرادهم، ويقرأ "سيء" يعني قوله. "سنيّ الأحوال" عوض النون الخفيف المكسورة بغير همز، بمثنات تحتانية ثقيلة مهموزا - أي فيقال: "وسيّئات الأحوال". انتهى. واللَه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[خاتمة]: في بيان مسألة مهمة طالما يتسائل الناس عن حكمها، وهي مسألة التهنئة بمناسبة العيد ونحوه.
(اعلم): أن أصل التهنئة ورد في عدة مناسبات:
فمنها: ما أخرجه الشيخان من حديث أنس ﵁ قال: أنزلت على النبي ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآي: [الفتح: ٢] مرجعه من الحديبية، فقال النبي ﷺ : "لقد أنزِلَت عليَّ آية أحبّ إليّ مما على وجه الأرض" ثم قرأها عليهم فقالوا: هنيئًا لك يا رسول اللَّه.
ومنها: ما أخرجه أحمد، ومسلم عن أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ سأله أيُّ آية في كتاب اللَّه أعظم؟، قال: آية الكرسي، قال: "ليَهْنِكَ العلم أبا المنذر".
ومنها: ما أخرجه الشيخان عن كعب بن مالك ﵁ في قصة توبته، قال: وانطَلَقْتُ
стр. 9973
أتأمَّمُ رسول اللَّه ﷺ يتلقاني الناس فوجًا فوجًا، يهنئوني بتوبتي، ويقولون: لِيَهْنِكَ توبة اللَّه عليك، حتى دخلت المَسجد، فإذا رسول اللَّه ﷺ حوله الناس، فقام طلحة بن عبير اللَّه يَهُروِلُ حتى صافحني، وهنأني، فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول اللَّه ﷺ قال -وهو يبرق وجهه من السرور-: "أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك" … الحديث. وغير ذلك من الأحاديث.
وقد ألف الإمام السيوطي -رحمه اللَّه تعالى- رسالة سماها "وصول الأماني بأصول التهاني" جمع فيها ما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار، فمن ذلك ما جاء عن جبير بن نفير أنه قال: "كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل اللَّه منا ومنكم" حسنه السيوطي، وحسنه الحافظ قبله في "الفتح" جـ ٢ ص ٤٤٦.
ومن ذلك ما أخرجه ابن حبان في "الثقات" عن علي بن ثابت قال: سألت مالكًا عن قول الناس في العيد: تقبل اللَّه منا ومنك؟ فقال. ما زال الأمر عندنا كذلك. ومن ذلك ما أخرجه زاهر بن طاهر عن محمد بن زياد الألهاني قال: رأيت أبا أمامة الباهلي يقول في العيد لأصحابه: تقبل اللَّه منا ومنكم. حسنه السيوطي.
ومن ذلك ما أخرجه البيهقي عن آدم مولى عمر بن عبد العزيز قال: كنا نقول لعمر ابن عبد العزيز في العيدين: تقبل اللَّه منا ومنك يا أمير المؤمنين، فيرد علينا مثله، ولا ينكر ذلك. وغير ذلك من الآثار التي أوردها السيوطي في تلك الرسالة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى- في "مجموع الفتاوى" جـ ٢٤ ص ٢٥٣: أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: تقبل اللَّه منا ومنكم، وأحاله اللَّه عليك، ونحو ذلك، فهذا قد رُوِيَ عن طائفة من الصحابه أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأئمة، كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا أبتدئ أحدا، فإن ابتدأني أحدٌ أجبته، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس بسنة مأمورًا لها، ولا هو أيضًا مما نُهِي عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة. واللَّه أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي نُقِلَ عن الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- حسن جدًّا.
والحاصل أن التهنئة في الأصل مشروعة في مناسبات كثيرة، كما سبقت في الأحاديث الصحيحة المذكورة، وأما بخصوص يوم العيد فلم يُنقل مرفوعًا، وإنما نُقِلَ من آثار الصحابة فمن بعدهم، فمن فعله فهم القدوة له، ومن تركه فحجته عدم ثبوته مرفوعًا، فلا يُنكَر على من تركه، ولا على من فعله؛ لثبوت التهنئة في غير العيد بكثرة، ولفعل الصحابة ﵃ له في العيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 9974
١٩ - كِتَاب قِيَامِ اللَّيْلِ وَتَطَوُعِ النَّهَارِ
١ - بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ وَالفَضلِ فِي ذَلِكَ
١٦٠٩ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ, عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ, وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (العباس بن عبد العظيم) بن إسماعيل، العَنْبَريّ أبو الفضل البصري، ثقة حافظ، من كبار [١١] ٩٦/ ١١٩.
٢ - (عبد اللَّه بن محمد بن أسماء) بن عُبيد الضُّبَعيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة جليل [١٠] ١٩٧/ ٣١٥.
٣ - (جويرية بن أسماء) بن عبيد الضُّبَعيّ البصريّ، عم عبد اللَّه الراوي عنه صدوق [٧] ١٩٧/ ٣١٥.
٤ - (الوليد بن أبي هشام) زياد، القرشي مولاهم، أخو أبي المقدام، البصريّ، وقيل: المدني، ثقة (١) [٦].
روى عن الحسن البصريّ، وفرقد أبي طلحة، ومسلم بن أبي مريم، ونافع مولى ابن عمر، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. وعمه أخوه أبو المقدام هشام بن زياد، ووهيب بن خالد، وجويرية بن أسماء، وغيرهم. قال أبو القاسم البغويّ، عن أحمد: ثقة في الحديث جدًّا. وقال ابن معين، وأبو داود، وأبو حاتم: ثقة. زاد أبو حاتم: لا بأس به، أوثق من أخيه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". له في مسلم حديثه عن ابن حزم، عن عمرة، عن عائشة في الصلاة النافلة قاعدًا. روى له الجماعة، سوى البخاري، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم (١٥٩٨) و (١٦٥٠) و (٥٠٩٦).
стр. 9975
٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدني الفقيه الحجة الثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى الوليد، والباقيان مدنيّان. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن نَافِع، أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلُّوا فِي بُيُوتكُمْ) هذا لفظ مسلم من طريق أيوب، عن نافع، وفي لفظ له: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم"، ولفظ البخاري: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم".
قال القرطبيّ ﵀: "من" للتبعيض، والمواد النوافل بدليل ما رواه مسلم من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته"
وقال القاضي عياض: هذا في الفريضة، ومعناه: اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم، ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة، وعبيد، ومريض، ونحوهم، قال: وقال الجمهور: بل هو في النافلة، لإخفائها، وللحديث الآخر: "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
قال النووي: الصواب أن المراد النافلة، وجميع أحاديث الباب تقتضيه، ولا يجوز حمله على الفريضة. انتهى.
قال الحافظ بعد نقل كلام عياض: ما نصه: وهذا، وإن كان محتمِلاً، لكن الأول هو الراجح.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما صوّبه النووي ﵀ هو الحقّ عندي، وكونه محتملا للفريضة كما قال الحافظ بعيد، وكيف يحتمل، مع حديث. "فمن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"؟. واللَّه تعالى أعلم.
وإنما حثّ على النافلة في البيت، لكونه أخفى، وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة، والملائكة، وينفر منه الشيطان، كما جاء في الحديث الآخر عند مسلم في "صحيحه"، وهو معنى قوله ﷺ في الرواية
стр. 9976
الأخرى عند مسلم أيضًا: "فإن اللَّه جاعل في بيته من صلاته خيرًا" (١).
(وَلَا تَتَّخِذوهَا قُبُورًا) أي لا تصيّروها كالقبور التي ليست فيها صلاة. وقال السنديّ: أي كالقبور في الخلوّ عن ذكر اللَّه، والصلاة، أو لا تكونوا كالأموات في الغفلة عن ذكر اللَّه، والصلاة، فتكون البيوت لكم قبورًا، مساكن للأموات انتهى.
وقد احتجّ الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه" بهذا الحديث على كراهية الصلاة في المقابر، فقال: "باب كراهية الصلاة في المقابر"، فاعترض عليه الإسماعيليّ بأن الحديث دالّ على كراهة الصلاة في القبر، لا في المقابر. ورُدّ عليه بأنه قد ورد الحديث بلفظ "المقابر" كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر".
وقال ابن التين: تأوله البخاريّ على كراهة الصلاة في المقابر، وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت، إذ الموتى لا يصلّون، كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلّون في بيوتهم، وهي القبور، قال: فأما جواز الصلاة في المقابر، أو المنع منه، فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك.
قال الحافظ: إن أراد أنه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق، فمسلّم، وإن أراد نفي ذلك مطلقًا، فلا، فقد قدمنا وجه استنباطه (٢).
وقال في "النهاية"، تبعًا لـ "المطالع": إن تأويل البخاريّ مرجوح، والأولى قول من قال: معناه إن الميت لا يصلي في قبره.
وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلّوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة، وكذا قال البغوي في "شرح السنّة"، والخطابيّ، وقال أيضًا: يحتمل أن المراد لا تجعلوا بيوتكم وطنًا للنوم فقط، لا تصلون فيها، فإن النوم أخو الموت، والميت لا يصلّي.
وقال التوربشتيّ: حاصل ما يحتمله أربعة معان، فذكر الثلاثة الماضية، ورابعها: يحتمل أن يكون المراد أنّ مَن لم يصل في بيته جعل نفسه كالميت، وبيته كالقبر.
قال الحافظ: ويؤيده ما رواه مسلم: "مثلُ البيت الذي يذكرُ اللَّهُ فيه، والبيت الذي لا يُذكر اللَّه فيه، كمثل الحيّ والميت".
قال الخطابيّ: وأما مَن تأوّله على النهي عن دفن الموتى في البيوت، فليس بشيء، فقد دُفن رسول اللَّه ﷺ في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته.
стр. 9977
قال الحافظ: ما ادعى أنه تأويل هو ظاهر لفظ الحديث، ولا سيّما إن جُعل النهي حكما منفصلاً عن الأمر، وما استدل به على رده تَعَقّبه الكرماني، فقال: لعلّ ذلك من خصائصه، وقد رُوي أن الأنبياء يُدفنون حيث يموتون.
قال الحافظ: هذا الحديث رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس، عن أبي بكر ﵁، مرفوعَا: "ما قُبض نبيّ إلا دُفن حيث يُقبض"، وفي إسناده حسين بن عبد اللَّه الهاشميّ، وهو ضعيف، وله طرق أخرى، مرسلة، ذكرها البيهقيّ في "الدلائل"، ورَوَى الترمذيّ في "الشمائل"، والنسائيّ في "الكبرى" من طريق سالم بن عُبيد الأشجعيّ الصحابيّ ﵁، عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قيل له: "فأين يُدفن رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: في المكان الذي قَبَض اللُه فيه روحَهُ، فإنه لم يَقبض روحَه إلا في مكان طيّب". وإسناده صحيح، لكنه موقوف، والذي قبله أصرح في المقصود.
وإذا حُمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك، بل هو متّجه، لأن استمرار الدفن في البيوت ربما صيّرها مقابر، فتصير الصلاة فيها مكروهة، ولفظ حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم أصرح من حديث الباب، وهو قوله: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر"، فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقًا. واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هو كلام نفيسٌ جدًا .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا- ١/ ١٥٩٨ - وفي "الكبرى" - ١/ ١٢٩٠ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) في "كتاب الجمعة" ٩٠١ (م) في "صلاة المسافر" ٦٩٩ (د) ٧٧٧ (ت)
١٠٦٦ (ق) ١٢٥٥ (أحمد) ٣٥٩٠ و ٤٤٩٧ و ٢١١٦٩ واللَّه تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٩٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ,
стр. 9978
قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ, يُحَدِّثُ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ, مِنْ حَصِيرٍ, فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا لَيَالِيَ, حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ, ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً, فَظَنُّوا أَنَّهُ نَائِمٌ, فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ, لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ, فَقَالَ: «مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صُنْعِكُمْ, حَتَّى خَشِيتُ, أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ, وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ, مَا قُمْتُمْ بِهِ, فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ, فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن سليمان) الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢.
٢ - (عفّان بن مسلم) الصفّار البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧.
٣ - (وُهيب) بن خالد الباهلي مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، تغيّر قليلاً بآخره [٧] ٢١/ ٤٢٧.
٤ - (موسى بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولى آل الزبير المدني، ثقة فقيه إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢.
٥ - (أبو النضر) سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبيد اللَّه التيمي المدنيّ، ثقة ثبت، يرسل [٥] ٩٨/ ١٢١.
٦ - (بُسر بن سعيد) المدني العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقة جليل [٢] ١١/ ٥١٧.
٧ - (زيد بن ثابت) بن الضحّاك الأنصاريّ النجّاري، الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ١٢٢/ ١٧٩ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من موسى بن عقبة، وشيخه رُهاويّ، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين المدنيين يروي بعضهم عن بعض: موسى، عن أبي النضر، عن بُسْر. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذِكرُ سالم أبي النضر بين موسى بن عقبة، وبسر في هذا الإسناد هو رواية الأكثرين، عن موسى، وخالفهم ابن جريج، عن موسى، فلم يذكر أبا النضر في الإسناد، أخرجه المصنّف في "الكبرى" ٢/ ١٢٩١ - ، قال الحافظ: ورواية الجماعة أولى، وقد وافقهم مالك في الإسناد، لكن لم يرفعه في "الموطإ"، وقد أخرجه من طريقه المصنف في "الكبرى" أيضًا ٢/ ١٢٩٢ - ورُوي عنه خارج "الموطإ"، مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9979
شرح الحديث
(عَن زَيدِ بْن ثَابِت) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنْ النَّبِيَّ ﷺ ، اتَّخَذَ حُجْرَةً) بالراء قال الحافظ رحمه الَله تعالى: كذا للأكثر بالراء، ولأبي ذرّ عن الكشميهنيّ بالزاي، أي شيئًا حاجزًا، يعني مانعًا بينه وبين الناس.
قال في "المصباح": "الحُجْرة" أي بضم، فسكون-: البيت، والجمع حُجَر، وحُجُرَات، مثلُ غُرَف، وغُرُفات في وجوهها انتهى.
(فِي الْمَسْجِدِ) أي النبويّ، متعلق بـ "اتخذ"، أو بصِفَة لـ"حجرة"، وكذا قوله (مِنْ حَصِيرٍ) أو هو متعلق بحال محذوف من "حجرة".
والمعنى أنه ﷺ حوّط في رمضان موضعا من المسجد بحصير، ليستره، فجعل الحصير كالْحُجْرة، ليصلي فيه التطوّع، ولا يمرّ بين يديه مار، ويتوفّر خشوعه، ويتفرّغ قلبه.
وفيه جواز مثل هذا في المسجد، إذا لم يكن فيه تضييق على المصلين، ونحوهم، ولم يتخذه دائمًا، لأن النبي ﷺ كان يحتجزه بالليل، يصلي فيه، ويبسطه بالنهار، فيجلس عليه، كما في رواية عائشة ﵂، عند الشيخين، وغيرهما (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا) أي في تلك الحُجْرة.
واستُشْكِلَ صلاته ﷺ في المسجد، لأنه يلزم منه أن يكون تاركًا للأفضل الذي أَمَر الناس به، حيث قال. "صلّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
وأجيب عنه بأوجه:
منها: أن هذه الصلاة مما استُثنِيَ، لأن الأفضل عند الجمهور في صلاة التراويح المسجد.
ومنها: أنه ﷺ كان معتكفًا، إن ذاك، والمعتكف لا يصلي إلا في المسجد.
ومنها: أنه إذا احتجر صار كأنه بيت بخصوصه.
ومنها: أن السبب في كون صلاة التطوّع في البيت أفضل عدم شَوْبه بالرياء غالبًا، والنبي ﷺ منزّه عن الرياء في بيته، وفي غير بيته (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويظهر لي وجه آخر، وهو أن ذلك لبيان الجواز، والنبي ﷺ إذا فعل شيئًا للتشريع يكون أفضل في حقه، وإن كان في حقّ غيره أدون. واللَّه أعلم.
стр. 9980
(لَيَالِيَ) أي من رمضان، كما بيّن في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ) أي ليصلُّوا بصلاته، ففي حديث عائشة ﵁ عند البخاريّ (١): "أن رسول اللَّه ﷺ صلّى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه ﷺ … " الحديث، وفي رواية "فلما أصبح تحدثوا أن النبي ﷺ صلى في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم"، وفي رواية "فخرج النبي ﷺ في الليلة الثانية، فصلّوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج، فصلّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله" (ثُمَّ فَقدُوا صَوْتَهُ لَيلَةً) أي لكراهته اجتماعهم لصلاة الليل، لما سيذكره من العلة (فَظَنُّوا أَنّهُ نَائِمٌ) حيث لم يخرج كعادته (فَجَعَلَ بَعضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ، لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) وفي رواية البخاري في "كتاب الأدب": "ثم جاءوا ليلة، فحضروا، وأبطأ رسول اللَّه ﷺ عنهم، فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم، وحَصَبُوا الباب".
وقوله: "حصبوا الباب" يدلّ بظاهره على أنه دخل بيتًا من بيوت أزواجه بعد ما صلى بهم الفريضة، فلم يخرج منه إلى الحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، فحصبوا باب بيته، ليخرج منه إلى حجرة الحصير، فيصلّوا بصلاته من ورائها.
وفي حديث عائشة عند أحمد "حتى سمعتُ ناسا منهم يقولون: الصلاة" (فَقَالَ) منكرًا عليهم (مَا زَالَ بِكُم الَّذِي رَأَيْت) "بكم" خبر "زال" قدّم على الاسم، وهو الموصول وقوله (مِنْ صُنْعِكُمْ) بيان للموصول، وللبخاريّ "صَنيعكم". يعني اجتماعهم، وتنحنحهم، ونحو ذلك، وفي حديث عائشة عند البخاري: "فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم"، وفي رواية "فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس، فتشهّد، ثم قال: أما بعد، فإنه لم يَخْفَ عليّ مكانكم" (حَتى خَشِيتُ، أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ) أي يُفرض عليكم قيام الليل، وهذا ظاهر في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ، وضاق عن المصلين، قاله في "الفتح" (وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ، مَا قُمْتُمْ بِه) أي لتركتموه مع القدرة عليه، وفي رواية للبخاري: "ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها"، أي تشق عليكم، فتتركونها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكلّيّ، لأنه يُسقطُ التكليفَ من أصله.
قال في "الفتح": ثم إنّ ظاهر هذا الحديث أنه ﷺ توقّع ترتّب افتراض الصلاة بالليل