- ١ - التبكير: لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من اغسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة (١) ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) (٢) .
ويستحب أن يمشى إليها وعليه السكينة والوقار، غير راكب إلا لعذر، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (٣) .
إلا الإمام فيسن له التأخير لتهيئة الخطبة.
-٢- ويستحب إن حضر قبل الخطبة أن يشتغل بذكر الله تعالى والتنفل، فإذا جلس الإمام حرم التنفل، ولا تنعقد الصلاة المتنفل بها ولو لم يشرع في الخطبة، ومثل ذلك في الحرمة وعدم الانعقاد الصلاة حال جلوس الخطيب بين الخطبتين، لما روي عن ثعلبة بن أبي مالك ﵁ "أن قعود الإمام يقطع السبحة وأن كلامه يقطع الكلام" (٤) .
ويستثنى من ذلك تحية المسجد للداخل بعد جلوس الخطيب على المنبر، فله فعلها، بل يسن، ويجب تخفيفها والاقتصار على ركعتين لما روى جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما) (٥) . هذا ما لم يكن الإمام في آخر الخطبة فلا يفعل لئلا يفوته أول الصلاة مع الإمام.
-٣ - الدنو من الإمام لحديث أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وبكر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها) (٦) .
-٤ - الإنصات في الخطبة بترك الكلام والذكر للسامع مع الإصغاء، وبترك الكلام دون الذكر لغير السامع، لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القران فاستمعوا له وأنصتوا) (٧) ، نزلت هذه الآية في الخطبة، وإنما سميت الخطبة قرآنا لاشتمالها عليه. ومعنى الآية محمول على الندب لا على تحريم الكلام، بدليل ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: "أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس. فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون ... " (٨) . وعليه، يجب رد السلام، وإن كره ابتداؤه، ويسن تشميت العاطس، ورفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ عند قراءة الخطيب: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ (٩) ، وكذا عند ذكر اسمه ولو من غير الخطيب. أما في سوى ذلك فالصمت مستحب لما ذكرنا من قوله تعالى، ولحديث أيي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا) (١٠) .
стр. 422
ما يكره لحاضر الجمعة:
стр. 423
- ١ - تخطي الرقاب: لما روى عبد الله بن بسر ﵁ قال: "كنت جالسا إلى جانبه يوم الجمعة. فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله ﷺ : (أي، اجلس فقد آذيت) " (١) . إلا الإمام إذا لم يجد طريقا إلى المنبر أو المحراب إلا بالتخطي لم يكره، لأنه ضرورة، أو رجل صالح، يتبرك به، أو عظيم، ولو في الدنيا، يسر الناس بمروره، لزوال علة الكراهة التي هي التأذي.
ومن وجد فرجة لا يصلها إلا بالتخطي فله ذلك، وكذا إذا سبق الصبيان والعبيد، ثم حضر المكلفون بالجمعة، ولم يسمعوا الخطبة من حيث انتهى بهم المجلس أول مرة فلهم التخطي للسماع.
-٢ - تشبيك الأصابع أثناء الخطبة لقوله ﷺ من رواية أبي هريرة ﵁: (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة) (٢) ، ولحديث عن كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدا إلى المسجد، فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة) (٣) .
-٣ - الاحتباء (٤) أثناء الخطبة، لما روى سهل بن معاذ عن أبيه "أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب" (٥) .
стр. 424
إدراك الجمعة:
стр. 425
- من دخل والإمام في الصلاة أحرم بها مهما أدرك منها، فإن أدرك معه الركوع في الثانية بحيث اطمأن قبل رفع الإمام عن أقل الركوع فقد أدرك الجمعة.
وإن لم يدرك معه ركعة كاملة لم يدرك الجمعة فيتمها ظهرا.
ولو أدركه في الركوع، ثم شك هل سجد مع الإمام سجدة أو سجدتين، فإن كان ذلك قبل السلام سجد أخرى وأدرك الجمعة، وإن كان بعده سجد أخرى، وأتمها ظهرا، ولا تحصل الجمعة.
ولو أدرك ركعة مع الإمام ثم سلم الإمام، وأتى بركعته الأخرى، فلما جلس للتشهد شك هل سجد مع الإمام سجدة أم سجدتين لم يكن مدركا للجمعة، وتحصل له ركعة من الظهر ويأتي بثلاث ركعات.
стр. 426
أعذار الجمعة والجماعة:
стр. 427
- ١ - المطر إن بل ثوبه ولم يجد كنّاً، وشدة الريح بالليل، والبرد والوحل، والحر في الظهر لحديث ابن عمر ﵄ قال: "إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرحال" (١) . وعن عبد الله بن حارث قال: "خطبنا ابن عباس في يوم ذي رَدْغ (٢) فأمر المؤذن لما بلغ حي على الصلاة قال: قل الصلاة في الرحال. فنظر بعضهم إلى بعض فكأنهم أنكروا، فقال: كأنكم أنكرتم هذا، إن هذا فعله من هو خير مني - يعني النبي ﷺ إنها عزمة (٣) وإني كرهت أن أحرجكم" (٤) .
-٢ - المرض الذي يشق معه الحضور. وتمريض من لا متعهد بتمريضه غيره، وإشراف قريب له أو شخص يأنس به على الموت لما روي عن ابن عمر ﵄ "أن سعيد بن زيد، وكان بدريا، مرض في يوم جمعة، فركب إليه بعد أن تعالى النهار واقتربت الجمعة، وترك الجمعة" (٥) .
-٣ - الخوف على نفسه من عدو، وعلى عرضه أو ماله، والخوف من انقطاع عن رفقة يريد السفر المشروع معهم. لحديث ابن عباس ﵄ قال: "قال رسول الله ﷺ : (من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر) . قالوا: وما العذر؟ قال: (خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى) " (٦) .
-٤ - ملازمة غريمه إذا خرج إلى الجماعة، وهو معسر.
-٥ - رجاء رفع عقوبة عنه.
-٦ - مدافعة الحدث.
-٧ - فقد ما يليق به لبسه.
-٨ - غلبة النوم.
-٩ - شدة الجوع والعطش، لحديث ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضى حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة) (٧) .
-١٠ - أكل منتن نيء إن لم يمكنه إزالة ريحه، لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من كل هذه البَقْلة، فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها) (٨) يعني الثوم.
-١١ - تجهيز ميت.
-١٢ - أن يحلف عليه غيره ألا يخرج خوفا عليه.
-١٣ - فقد الأعمى لمن يقوده، لحديث عِتبان بن مالك ﵁ "أنه قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إنها تكون الظلمة، والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: (أين تحب أن أصلي؟) ، فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ " (٩) .
فإن وجد متبرعاً لزمته، وكذلك لو وجده بأجرة المثل وهو واجدها.
وفائدة الأعذار سقوط الإثم في حال وجودها. فإن كانت أمنيته أن يحضرها لولا العذر كتب له فضلها لحديث أبي بردة قال: "سمعت أبا موسى مرارا يقول: قال رسول الله ﷺ : (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا) " (١٠) .
وللمعذور في ترك الجمعة، المتوقع زوال عذره ووجوب الجمعة عليه، أن يصلى الظهر قبل الجمعة، لكن الأفضل تأخيرها إلى اليأس من الجمعة لاحتمال تمكنه منها، ويحصل اليأس برفع الإمام رأسه من ركوع الثانية.
أما من لا يرجو زوال عذره فيستحب له تعجيل الظهر في أول الوقت محافظة على فضيلته أول الوقت.
وإذا صلى المعذور ثم زال عذره، وتمكن من الجمعة أجزأه ظهره ولا تلزمه الجمعة، لأن فرض المعذور الظهر، ثم هو مخير بين الظهر والجمعة؛ فإن صلى الظهر صحت وإن صلى الجمعة أجزأته عن الظهر.
ولا تصح صلاة الظهر من الرجال غير المعذورين حتى يحصل لهم اليأس من إدراك الجمعة، ويكون ذلك برفع الإمام رأسه من ركوع الثانية. أما النساء فصلاتهن صحيحة من أول الوقت لأنهن غير مكلفات بالجمعة أصلا.
стр. 428
الباب الثامن: صلاة المسافر (القصر والجمع)
стр. 429
الفصل الأول: قصر الصلاة
стр. 430
- القصر هو صلاة الظهر والعصر والعشاء، ركعتين ركعتين.
стр. 431
دليله:
стр. 432
- قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم (١) في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ (٢) . سأل عمر بن الخطاب ﵁ رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: (إن خفتم) فقال رسول الله ﷺ : (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) (٣) ، أي أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف.
وروى يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنساً ﵁ يقول: "خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة" (٤) .
стр. 433
الحكمة من القصر:
стр. 434
- التخفيف على المسافر لما يلحقه من المشقة. أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله) (١) .
стр. 435
حكم القصر:
стр. 436
-١- مباح: إذا كان السفر مرحلتين إلى دون الثلاث. لما روي عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس ﵄ كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة. قال مالك: وذلك أربعة بُرد (١) .
لكن الإتمام أفضل خروجا من خلاف أبي حنيفة وغيره ممن لا يبيحون القصر إلا إذا كان السفر ثلاث مراحل فأكثر. كما يستحب الإتمام لمن يديم السفر بأهله في البحر.
-٢- سنة مؤكدة:
أ- إذا كان السفر ثلاث مراحل فأكثر، من ١٢١ كم فأكثر. لما روي عن عائشة ﵂ "أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قصرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ، قال. قال: (أحسنت يا عائشة) ، وما عاب عليّ" (٢) .
ب- إذا وجد في نفسه كراهة القصر يقصر ليرغم نفسه على الحكم الشرعي.
-٣- واجب مع الجمع: في حالة تأخير الظهر لوقت العصر بنية الجمع، وتأخير الصلاة إلى أن يبقى من الوقت ـ وقت العصر ـ ما يسع أربع ركعات فقط.
стр. 437
شروط جواز القصر:
стр. 438
أولا- التلبس بالسفر بمفارقة موضع الإقامة، فلا يكفي جرد العزم عليه، لقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ فعلق القصر على الضرب. ولا فرق في ذلك بين أن يكون وقت الصلاة قد دخل بدء سفره أو بعده ولا بين أن يكون قد مضى بعد دخول الوقت زمن يتمكن فيه من فعلها قبل سفره.
ويكون الجواز من ابتداء السفر، ويبدأ السفر منذ الخروج من السور في بلد أو قرية مسورة، أو ما يقوم مقام السور من لوحات توضع على حدود المدينة أو البلدة، وسواء كان داخل السور بساتين ومزارع أم لم يكن، وسواء كان خارج السور دور ومقابر متصلة به أم لا أو من مجاوزة العمران وإن تخلله خراب، والخراب المهجور أو المزروع أو الدارس ـ بحيث لم يبق للعمران فيه أثر ـ لا يعتبر من العمران ولا يشترط تجاوز البساتين والمزارع وإن اتصلت بالبلدة أو القرية التي سافر منها.
وإذا كان سفره بحرا يبدأ السفر من بدء ركوب السفينة.
وابتداؤه لساكن الخيام بمجاوزة الخيام كلها مجتمعة، ومرافقها (١) إذا كانت الخيام حلة واحدة. فإن كانت متفرقة فبمجاوزة ما يقرب من خيمته.
وينتهي السفر:
-١- ببلوغه مبدأ سفره من سور وغيره
-٢- ببلوغ سور موضع، أو ما يقوم السور، إن نوى قبله الإقامة في هذا الموضع مطلقا، أو نوى إقامة أربعة أيام صحيحة سوى يومي الدخول والخروج، لحديث العلاء بن الحضرمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا) (٢) ، فقد رخص رسول الله ﷺ للمهاجر في إقامة الثلاثة بين أظهر الكفار، وكانت الإقامة عندهم محرمة، فالترخيص يدل على أنه بالثلاث لا يصير مقيما.
أما إذا لم ينو قبل ذلك فينتهي سفره بإقامته، أو بنزوله وترك سيره.
-٣- وإذا وصل إلى موضع يقصد فيه حاجة يرجو فيه حاجة يرجو قضاءها في كل يوم فلا يتيسر له فيتأخر إلى ما بعده رجاء قضاءها، وهو لا يعلم أن قضاءها يتأخر أربعة أيام فله القصر والجمع أيضا (٣) - ثمانية عشر يوما صحاحا، ثم بعد ذلك يمتنع القصر على كل حال.
-٤- وينتهي السفر كذلك بنية الرجوع إلى الوطن، إن نوى ذلك قبل أن يقطع مرحلتين في طريق سفره، فعندها يمتنع عليه القصر من حين نيته، فلو أراد السفر من دمشق إلى درعا مثلا يحق له أن يقصر من أول الطريق، فإذا خطر بباله أثناء الطريق، وقبل أن يقطع مرحلتين، أن يعود إلى دمشق، فيعتبر سفره منتهيا بدأ من هذه اللحظة، وعليه ألا يقصر في طريق العودة لأن المسافة ليست مسافة قصر. أما إن سار أكثر من مرحلتين ثم نوى الرجوع فبل الوصول، فله أن يقصر بالرجوع أيضا، ولا ينتهي سفره بنية الرجوع.
стр. 439
- ثانياً- أن يعزم في الابتداء على قطع مسافة القصر، فلا يقصر طالب غريم - صاحب دين - ذهب يفتش عن مدينه ولا يعلم أين هو، ولا طالب آبق لا يعرف موضعه، كالأب الذي خرج يفتش عن ابنه العاق العاصي، ولا الهائم الذي لا يدري أين يتوجه وليس له قصد في موضع، ولا الأسير يسافر به آسروه، وكذا كل من سافر دون أن يعلم مقصده، فإذا قطع كل من هؤلاء مرحلتين في طريق سفره جاز له القصر منذئذ.
стр. 440
- ثالثا- أن يكون السفر طويلا - مرحلتين فأكثر -، ولا تحسب منها مسافة طريق الرجوع، فلو يقصد محلا على بعد مرحلة واحدة، ناوياً ألا يقيم فيه بل يرجع، لم يقصر ذهابا ولا إيابا، وإن حصلت له مشقة مرحلتين متواليتين.
стр. 441
- رابعا- ألا يكون السفر لمعصية، فمن كان سفره واجبا كالمسافر لقاء دين، أو مندوبا كالمسافر لصلة رحم، أو مباحا كالمسافر لتجارة، جاز له القصر، ولا يضر إن دخل في سفره مكروه، كسفر الشخص وحده، أو سفر اثنين لا ثالث معهما (١) ، فهؤلاء يجوز لهم القصر. وكذلك يجوز القصر للعاصي في سفره، كمن سافر لسبب مما تقدم لكنه في سفره عصى الله، أن شرب خمرا أو زنى. أما العاصي بالسفر، وهو الذي أنشأ سفره لمعصية، كأن سافر لقطع طريق، والعاصي بالسفر في السفر، فكلاهما ليس له أن يقصر في السفر. فإن تاب العاصي في السفر اعتبر أول سفره من حين توبته، فإن كان الباقي من السفر طويلا قصر، وإلا فلا. وإن تاب العاصي بالسفر في السفر رخص له القصر مطلقا وإن كان الباقي من سفر قصيرا. وعلى العكس، من خرج بنية سفر مباح ثن نقله إلى معصية فلا يترخص من حين أن نوى المعصية.
стр. 442
- خامسا- أن يكون مؤديا للصلاة الرباعية، أو قاضيا لفائتة سفر رباعية، لا فائته الحضر. ويقصر فائته السفر إن قضاها في السفر، ولو كان غير السفر الذي فاتته فيه، لكن بشرط أن يكو السفر الثاني طويلا أيضا. أما إن قضاها في الحضر، أو في السفر، قصير فيتمها. وأما فائتة الحضر فعليه أن يتمها ولو قضاها في السفر.
وأما الفائتة المشكوك فيها: أهي فائتة حضر أم سفر فتقضى تامة للاحتياط، سواء قضاها في الحضر أو السفر.
стр. 443
شروط صحة القصر:
стр. 444
١- أن ينوي القصر مع الإحرام، بأن يقول مثلا: نويت أن أصلي فرض الظهر مقصورا، فلو نواه بعد الإحرام لم ينفعه.
فلو نوى الإتمام أو أطلق أتم، ولو شك هل نوى القصر أو الإتمام وجب عليه الإتمام ولو تذكر على قرب نية القصر، لأنه مضى جزء من صلاته على حكم الإتمام. وإذا لم ينو القصر ثم فسدت صلاته لم يجز له قصرها بعدئذ، لأن الصلاة استقرت في ذمته تامة.
стр. 445
٢- ألا يقتدي بمتم، فلو اقتدى به ولو بجزء من صلاته، كأن أدركه في التشهد الأخير لزمه الإتمام.
وألا يقتدي بمن سفره مشكوك فيه، فإن فعل لزمه الإتمام وإن تبين أنه مسافر قاصر. ولو اقتدى بمن ظنه أنه مسافرا فتبينت إقامته، بأن أخبره شخص بذلك، لزمه الإتمام. ولو اقتدى بمسافر ولكن شك بنيته في القصر فنوى هو القصر جاز له أن يقصر إن تبين أن الإمام قاصر، أما إن تبين أنه متم، أو لم تتبين حاله لزمه الإتمام، ولو علق نية القصر على نية الإمام، كأن قال: إن قصر قصرت وإلا أتممت صح التعليق وجاز له القصر إن قصر الإمام، ولزمه الإتمام إن أتم.
стр. 446
٣- العلم بجواز القصر.
стр. 447
٤- أن يدوم سفره من أول الصلاة إلى آخرها، فلو وصل قبل أن يفرغ من الصلاة لزمه الإتمام ولو كان ناوياً القصر، ويتم دون تجديد النية، صورة ذلك أن يكون أحرم على سفينة في السفر ثم اتصلت السفينة بموضع الإقامة، أو نوى الإقامة لزمه الإتمام.
стр. 448
الفصل الثاني: جمع الصَّلاة
стр. 449
حكمه ودليله:
стр. 450
- يجوز للمسافر سفرا طويلا مباحا، مبيحا للقصر، الجمع بين العصرين أو العشائين تقديما أو تأخيرا. والدليل على ما روى ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء" (١) .
والجمع هو ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى في وقت إحداهما، سواء كانتا تامتين أو مقصورتين، أو كانت إحداهما تامة، والأخرى مقصورة. عن أنس بن مالك ﵁: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر آخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما" (٢) .
ثم لهذا الحكم تفصيل:
-١- حالات الجواز وشروطه:
(١) أن يكون مسافرا سفراً طويلا مباحا.
(٢) أن يكون الجمع بين الظهر والعصر. وبين المغرب والعشاء فقط، فلا يجوز جمع الصبح إلى غيرها، ولا المغرب إلى العصر. ومثل الظهر الجمعة في جمع التقديم فقط، بشرط أن تغني عن الظهر، وإلا لم يصح الجمع معها جمع تقديم. وأما التأخير في الجمعة فلا يصح لأن شرطها أن تكون في وقت الظهر.
ورغم جواز الجمع إلا أن تركه أفضل مراعاة للخلاف فيه (٣) ، ولأن الجمع يؤدي إلى إخلاء أحد الوقتين من العبادة.
-٢- حالات يفضل فيها القصور والجمع:
(١) حالة الحاج المسافر في مزدلفة وعرفة، لما روى عبد الرحمن بن يزيد قال: "خرجنا مع عبد الله ﵁ إلى مكة، ثم قدمنا جمعا (٤) فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول طلع الفجر، وقائل يقول لم يطلع الفجر. ثم قال إن رسول الله ﷺ قال: (إن هاتين الصلاتين حوِّلتا عن وقتهما في هذا المكان، المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعا حتى يُعتموا. وصلاة الفجر هذه الساعة) (٥) ".
(٢) لمن وجد في نفسه كراهة الجمع، أو الشك في جوازه.
(٣) لمن إذا جمع صلى جماعة، أو خلا عن حدثه الدائم أو كشف عورته.
-٣- حالة وجوبهما معا: الأصل في القصر والجمع الجواز، كما تقدمنا، وقد يجبا لعارض، وذلك إذا آخر صلاة الظهر ليجمعها مع العصر، وقد ضاق وقت العصر على الإتيان بهما تامين، فيجب عليه حينئذ القصر والجمع.
стр. 451
شروط جمع التقديم:
стр. 452
١- نية الجمع في الصلاة الأولى، بأن يقول مثلا: نويت أن أصلي فرض الظهر مجموعا مع العصر جمع تقديم. ويفضل أن تقرن نية الجمع بالتحريم في الأولى، ولا يجزئ تقديمها على التحريم، ويجوز أن يأتي بها أثناء الصلاة، حتى عند السلام، أما بعده فلا يصح.
стр. 453
٢- البداءة بالأولى: لأن النبي ﷺ جمع هكذا، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولأن الأولى هي المتبوعة والثانية تابعة لها فقدمت الأولى على الثانية لتحقق التبعية. فإذا بدأ بالثانية قبل الأولى لم يصح الجمع إن كان عالما عامدا، وعليه أن يعيد الثانية بعد الأولى فورا إن أراد الجمع، فإن لم يرد أخر الثانية إلى وقتها ولا جمع.
أما إن وصل الثانية قبل الأولى ناسيا أو جاهلا فتقع قضاء إن كان عليه فائتة من نوعها، وإن لم يكن وقعت نفلا مطلقا.
стр. 454
٣- الموالاة بين الأولى والثانية: لأنهما كالصلاة الواحدة فلا يجوز أن يفرق بينهما كما لا يجوز أن يفرق بين الركعات في صلاة واحدة. فلو تذكر بعدهما ترك ركن من الأولى أعادهما وجوبا لبطلان الأولى بترك ركن منها مع تعذر تداركه بطول الفصل، وبطلان الثانية لفقدان الترتيب. أما إن تذكر ترك ركن من الثانية ولم يطل الفصل تداركه وصحت الصلاتان، وإن طال الفصل بطلت الثانية فقط وأعادها في وقتها الأصلي لامتناع الجمع بفقد التوالي بتخلل الباطلة، وأما إن لم يعلم هل كان الترك من الأولى أم من الثانية فعليه إعادتهما وجوبا بلا جمع تقديم، بأن يصلي كل واحدة منهما بوقتها، أو يجمعهما جمع تأخير، وسبب ذلك أنه كان من الأولى بطلت الاثنتان وإن كان من الثانية بطلت الثانية وطال الفصل بالثانية الباطلة.
وكذا لا تصح صلاة النفل ولو راتبة بينهما، بل تصلى بعدهما، ولو فعل بطل الجمع، ولا ترتيب في الصلاة النافلة فبأيهما شاء بدأ. وكذا لا تصح الجنازة بينهما.
وإن طال الفصل بينهما ولو بعذر ـ كالنوم مثلاـ وجب تأخير الثانية إلى وقتها. ولو شك بطول الفصل بينهما ضر ذلك. أما الفصل اليسير فلا يضر، مثل تجديد الوضوء أو التيمم للصلاة الثانية أو طلب يسير الماء، أو زمن إقامة للصلاة الثانية، والمقياس في كل ذلك أن يكون وقته أقل مما يسع ركعتين خفيفتين جدا.
стр. 455
٤- دوام السفر إلى عقد الثانية، أي إلى الإحرام بها، فلو أقام أثناءها الجمع لأنه ليس شرطا لإتمامها، أما إذا أقام قبل عقدها، أي قبل الإحرام بها فلا جمع لزوال سببه وهو السفر، ويتعين تأخير الثانية إلى وقتها، وأما الأولى فصحيحة لأنها في وقتها غير تابعة.
стр. 456
٥- صحة الأولى يقينا، ولو مع لزوم الإعادة، فيجمع فاقد الطهورين، والمتيمم ولو بمحل يغلب فيه وجود الماء، ولا تجمع المتحيرة جمع تقديم لانتفاء صحة الأولى يقينا أو ظنا إذ يحتمل أنها واقعة في الحيض، وكذا لا يجمع مع الجمعة إن كانت لا تغني عن الظهر.
стр. 457
شروط جمع التأخير:
стр. 458
١- نيته قبل خروج وقت الأولى، ولو لم يبق من الوقت إلا بقدر ما يسع ركعة، وذلك ليتميز عن التأخير تعديا. فلو أخر النية إلى وقت لا تسع فيه ركعة فقد عصى، وصارت الأولى قضاء.
стр. 459
٢- دوام السفر إلى تمام الأولى ـ لا عقدها فقط ـ فلو أقام قبل ذلك صارت الأولى قضاء.
ويسن في جمع التأخير والترتيب والموالاة، أي البداءة بالأولى فالثانية بعدها بلا فاصل، ولا تجب الموالاة لحديث عبد الرحمن بن يزيد المتقدم.