حكمها: مستحبة في جميع أوقات السنة، ولكن يضاعف أجرها في الأماكن الشريفة وفي الأزمنة الشريفة.
دليلها:
من القرآن: قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة﴾ (١) .
ومن السنة ما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب. إلا أخذها الله بيمينه. فيربيها كما يربي أحدكم فَلُوَّهُ أو قَلُوصَه (٢) . حتى يكون مثل الجبل، أو أعظم) (٣) ، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع عن ميتة السوء) (٤) .
стр. 318
ما يستحب لصدقة التطوع:
-١ً- أن يكون سراً: بدليل قوله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم سيئاتكم والله بما تعملون خبير) (١) . ⦗٣٨٧⦘
-٢ً- أن تكون على ذي رحم، بدليل قوله تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة) (٢) ، وحديث سلمان بن عامر يبلغ به النبي ﷺ : (الصدقة على المسكين صدقة. وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة) (٣) ، وعن زينب امرأة ابن مسعود ﵄ قالت: سألت رسول الله ﷺ : أيجزي عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري من صدقة؟ قال رسول الله ﷺ : (نعم لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة) (٤) .
-٣ً- أن يختص بها من اشتدت حاجته، بدليل قوله تعالى: (أو مسكيناً ذا متربة) (٥) .
-٤ً- وأفضل الصدقات ما كان في سبيل الله، لأن ثوابها يضاعف إلى سبعمائة ضعف، لقوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبيتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ (٦) .
стр. 319
ما لا يجوز من الصدقة:
-١ً- أن يتصدق صدقة تمنعه من قضاء دينه، لأن قضاء الدين واجب.
-٢ً- أن تتقدم على نفقة عياله، لأن نفقتهم واجبة، لحديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) (١) ، وروى أبو هريرة ﵁ قال: (أمر النبي ﷺ بالصدقة، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك. قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال عندي آخر، قال: تصدق به على ⦗٣٨٨⦘ زوجتك - أو قال زوجك - قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك. قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر) (٢) .
فإن وافقه عياله على الإيثار فهو أفضل، لقوله تعالى: ويؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة) (٣) ، ولحديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : (أفضل الصدقة جهد من مقل أو سر إلى فقير) (٤) .
ويكره لمن لا صبر له على ضيق العيش أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة. ⦗٣٨٩⦘
стр. 320
كتاب الصيام
стр. 321
الباب الأول
стр. 322
تعريف الصيام:
الصيام لغة الإمساك، بدليل قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾ (١) أي صمتاً وإمساكاً عن الكلام.
وشرعاً: الإمساك عن المفطرات يوماً كاملاً من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بشرط نيته.
стр. 323
أقسام الصيام:
-١- الصيام المفروض.
-٢- الصيام المسنون.
-٣- الصيام المكروه.
-٤- الصيام المحّرم.
-١ً- الصيام المفروض
الصوم المفروض هو صوم شهر رمضان أداءً وقضاءً، وصوم الكفارات، والصوم المنذور.
صوم رمضان
فرض صوم شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة على من توفرت فيه شروط الوجوب، وهو ركن من أركان الإسلام. ⦗٣٩٢⦘
دليل فرضيته:
من الكتاب قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ... ﴾ (١) .
ومن السنة: حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله. وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وحج البيت. وصوم رمضان) (٢) .
وإجماع أئمة المسلمين. فمن أنكر صيام رمضان فقد كفر.
стр. 324
شروط الصيام:
أولاً: شروط الوجوب:
-١- الإسلام: فلا يجب الصوم على الكافر ولو كان مرتداً كما لا يصح منه، بدليل قوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) (١) .
-٢- العقل: فلا يجب الصوم على المجنون ولا يصح منه، لما روى علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (٢) .
-٣- البلوغ: فلا يجب الصوم على صبي لم يبلغ، لكن يجب على وليه أمره به إذا أطاقه ويجب أن يضربه إذا امتنع.
فإن أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو بلغ الصبي في أثناء الشهر، لزمه صيام ما بقي منه، ولا يلزمهم قضاء ما مضى.
-٤- الإطاقة: ويقصد بذلك القدرة على الصوم بلا مشقة، فلا يجب الصوم على الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم، ولا على المريض الذي لا يرجى برؤه، ⦗٣٩٣⦘ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفس إلا وسعها﴾ (٣) ، ويجب عليها إطعام مسكين عن كل يوم لقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ (٤) .
стр. 325
ثانياً- شروط صحة الصوم.
-١- الإسلام كما تقدم.
-٢- العقل: فلا يصح الصوم من غير العاقل، فلو نوى الصوم ليلاً ثم أُغمي عليه أو جن جميع النهار فلا يصح صومه ما لم يفق فيه ولو لحظة من إغمائه أو جنونه. ويجب القضاء في حالة الإغماء، أما في حالة الجنون فلا قضاء عليه. ولا يضر النوم ولو استغرق جميع النهار ويبقى صومه صحيحاً.
-٣- التمييز.
-٤- انقطاع دم الحيض والنفاس.
-٥- النية:
تعريفها: القصد وهو اعتقاد القلب فعل الشيء خارج وعزمه عليه من غير تردد.
ويكون العزم الجازم في القلب على الصوم طيلة اليوم، فإن نوى الخروج من صوم الفرض أبطله لأن النية شرط في جميعه.
شروط النية:
-١ً- التبييت في الصوم المفروض من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق لكل يوم على حدة، لما روت حفصة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) (١) . فمن لم يبيت النية فعليه الإمساك والقضاء. أما إن أكل أو شرب بعد النية فلا تبطل نيته، لأن إباحة الأكل والشرب إلى الفجر دليل على نيته لم تفسد به. ⦗٣٩٤⦘ أما في الصيام المسنون فتصبح النية في أي وقت من النهار إذا لم يأت بمنافٍ للصوم، بدليل ما روته عائشة ﵂ قال: (دخل عليّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا. قال: فإني أذن صائم. ثم أتانا يوم آخر فقلنا يا رسول الله أهدي لنا حَيْس. فقال: أرينيه فلقد أصبحت صائماً، فأكل) (٢) .
-٢ً- التعيين: أي تعيين نوع الفرض هل هو صوم رمضان أو كفارة أو نذر.
وينبغي أن تكون النية جازمة، فإن نوى ليلة الشك صوم غد إن كان من رمضان وإلا هو متنفل أو مفطر، لم يصح صوم ذلك اليوم إن كان من رمضان لأنه لم يجزم به والنية عزم جازم.
стр. 326
ثبوت شهر رمضان:
-١- يجب صوم رمضان على الجميع لاستكمال شعبان ثلاثين يوماً.
-٢- يجب صوم رمضان على كل من رأى الهلال، لما روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فضرب بيده فقال: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا - ثم عقد إبهامه في الثالثة - فصوموا لرؤيته. وأفطروا لرؤيته. فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين) (١) . ولا يجب على من رأى الهلال إبلاغ الحاكم أو الإعلان في المسجد أو إخبار الناس.
-٣- يجب صوم رمضان لإعلان الإِمام دخول رمضان، ويثبت عنده دخول رمضان يشهادة شخص واحد مكلف عدل ظاهراً أو باطناً، حر أو عبد، ذكر أو أنثى. وإن رُدَّت شهادته بقي واجباً عليه الصوم وعلى كل من سمع شهادته، ولو ادعى جماعة رؤية الهلال فعلى الحاكم أن لا يقبل إلا شهادة اثنين. ⦗٣٩٥⦘
-٤- إذا ثبتت رؤية الهلال بقطر من الأقطار وجب الصوم على سائر الأقطار لا فرق بين القريب من جهة الثبوت والبعيد إذا بلغهم من طريق موجب للصوم، ولا عبرة باختلاف مطلع الهلال مطلقاً.
وإذا غم الهلال في غروب اليوم التاسع والعشرين من شعبان فلا يجب إكمال شعبان ثلاثين يوماً على إحدى الروايتين، ويجب عليه تبييت النية وصوم اليوم التالي لتلك الليلة، لما روى ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا. فإن غُمَّ عليه فاقدروا (٢) له) (٣) . وهذا هو المعتمد في المذهب.
أما الأسير في موضع لا يمكنه فيه معرفة الشهور بالخبر فاشتبهت عليه الشهور، فإنه يصوم شهراً بالاجتهاد، فإن استبان أن صومه وقع في شهر رمضان، أو لم يستبن شيئاً، أو أنه استبان أنه وقع بعد رمضان أجزأه صومه. أما عن استبان أن صومه وقع قبل شهر رمضان لم يجزئه لأنه قدم العبادة على وقتها كمن صلى قبل دخول الوقت. ولو صام بغير اجتهاد لم يجزئه وإن وافق رمضان.
ولا عبرة لقول المنجمين بدخول شهر رمضان.
стр. 327
ثبوت شهر شوال:
-١- لا يجوز الفطر إلا بشهادة عدلين، ولا تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، ولا يفطر إذا رأى هلال شوال وحده.
-٢- إن غم ليلة الواحد والثلاثين ولم يُرَ الهلال هناك حالتان:
آ- إن كان بدء الصوم بشهادة عدلين أفطروا ولو لم يروا هلال شوال.
ب- إن كان بدء الصوم برؤية عدل واحد أو كان قد غم عليهم في أوله وصاموا لأجل الغيم لم يفطروا، لأن الأصل بقاء رمضان. ⦗٣٩٦⦘
أركان الصيام:
للصوم ركن واحد وهو الإمساك عن دخول المفطرات إلى الجوف بشرط نيته طيلة اليوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
مفسدات الصيام:
أولاً: دخول شيء إلى الجوف أو الحلق أو الدماغ، من مائع وغيره مغذٍ وغير مغذٍ كالحصاة والنواة، ذاكراً عامداً مختاراً، أما إن كان ناسياً أو مكروهاً أو نائماً فلا يفطر. ومن المفطرات:
-١- الأكل والشرب.
-٢- السعوط في الأنف.
-٣- إن ابتلع ما بين أسنانه من طعام، أو ابتلع ريقه بعد أن وصل إلى بين شفتيه.
-٤- إن سال من فمه دم أو خرج إليه قلس أو قيء فابتلعه.
-٥- ابتلاع النخامة إذا وصلت إلى الفم على إحدى الروايتين (الرواية الأخرى: لا يفطر) والفطر هو المعتمد.
-٦- إن ذاق طعاماً ووجد الطعم في حلقه.
-٧- إن مضغ علكاً فوجد طعمه في حلقه.
-٨- إن احتقن أو داوى جائفة. بما يصل إلى جوفه.
-٩- إن طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه بما يصل إلى جوفه.
-١٠- إن قطر في أذنه فوصل إلى دماغه.
-١١- إن داوى مأمومة (١) بما يصل إلى دماغه.
-١٢- إن اكتحل فوصل الكحل إلى حلقه كأن يجد مرارة الكحل في حلقه (أما إن شك في وصوله وكان يسيراً فلا يفطر) .
-١٣- الاحتقان في الدبر. ⦗٣٩٧⦘
أما سبق ماء المضمضة إلى الحلق بالمبالغة أو بالزيادة على الثلاث فيكره ولا يفطر على الأرجح.
ثانياً: الحجامة، وهي تفسد صوم الحاجم والمحجوم، لقول النبي ﷺ : (أفطر الحجم والمحجوم) (٢) .
ثالثاً: الاستقياء عمداً، أما من ذرعه القيء فلا شيء عليه، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استسقاء عمداً فليقض) (٣) .
رابعاً: المباشرة دون الفرج مع نزول المني أو المذي كأن قبّل أو لمس، أما إن لم ينزل فلا يفسد صومه ولكن فعله حرام، لما روى عمر ﵁ قال: (يا رسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبّلت وأنا صائم، قال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم قلت: لا بأس، قال: فمه.) (٤) . شبه القبلة بالمضمضة.
خامساً: إنزال المني عمداً:
آ- بالاستنماء: إن استنمى بيده فأنزل منياً أو مذياً، لأنه أشبه بالمباشرة.
ب- إن أنزل منياً فقط بتكرار النظر. أما إن صرف نظرة وأنزل، أو أنزل بالفكر والاحتلام فلا يفطر. وإن جامع ليلاً فأنزل نهاراً لم يفطر.
سادساً الجماع في الفرج في نهار رمضان سواء أنزل أم لم ينزل، ويفسد صوم الفاعل والمفعول به، سواء كان الجماع. في القبل أو الدبر، حياً أو ميتة، عاقلاً أو غيره ولو بهيمة، وسواء كان الفاعل عامداً، أو ناسياً، عالماً، أو جاهلاً، مختاراً أو مكرهاً، أو مخطئاً كمن وطئ وهو معتقد أن الفجر لم يدخل وقته ثم تبين أنه وطئ بعد الفجر. ⦗٣٩٨⦘
سابعاً: الردة لقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) (٥) .
ثامناً: العزم على الفطر، لقطعه النية المشترطة في جميعه في الفرض.
تاسعاً: التردد فيه، لأنه لم يجزم بالنية.
عاشراً: خروج دم الحيض والنفاس.
أحد عشر: الموت لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية. أو علم ينتفع به. أو ولد صالح يدعو له) (٦) .
стр. 328
أشياء لا تفطر:
-١- إذا فعل ناسياً كل ما ذكر من المفطرات عدا الجماع، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه. فإنما أطعمه الله وسقاه) (١) . نص الحديث على الأكل والشرب وقسنا عليه سائر ما ذكرنا:
أو إن فعل ذلك مكرها فلا يفطر، لقول النبي ﷺ : (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء) (٢) فيقاس عليه ما عداه.
أو إن فعله نائماً لأنه أبلغ في العذر من الناسي، لما روي علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (٣) .
أما إن فعل ذلك مخطئاً، كأن أكل ظاناً أن الشمس قد غابت ولم تغب، أو ظن أن الفجر لم يطلع وقد طلع، فيفطر، لما روي عن حنظلة ﵁ وكان ⦗٣٩٩⦘ صديقاً لعمر ﵁ قال: (كنت عند عمر في رمضان فأفطر وأفطر الناس، فصعد المؤذن ليؤذن فقال: يا أيها الناس هذه الشمس لم تغرب. فقال عمر ﵁: كفانا الله شرك إنا لم نبعثك راعياً ثم قال عمر ﵁: من كان أفطر فليصم يوماً مكانه) (٤) .
وكذلك إن فعله جاهلاً بالتحريم أفطر لأن النبي ﷺ قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) في حق رجلين رآهما يفعلان ذلك مع جهلهما بالتحريم.
-٢- كل ما يمكن التحرز منه كابتلاع الريق، وغربلت الدقيق وغبار الطريق، ووصول الذبابة إلى حلقه، وابتلاع ريقه بعد المضمضة، والتسوك بالعود الرطب، وسبق ماء المضمضة إلى الحلق شريطة عدم المبالغة فيه أو الزيادة على الثلاث.
стр. 329
حالات الفطر في رمضان:
أولاً: الفطر الواجب: يجب الفطر على الحائض والنفساء وعليهما القضاء فقط.
ثانياً: الفطر الجائز:
-١- يجوز الفطر للشيخ الكبير الذي يجهده الصوم، والمريض مرضاً لا يرجى برؤه، لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (١) ، وعليهما أن يطعما عن كل يوم مسكيناً لقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) (٢) . وفي حالة عدم القدرة على الفدية فإن الكفارة لا تسقط عنه، وتسقط بتكفير غيره عنه.
-٢- الحامل والمرضع:
أ- إن خافتا على الولد فقط فأفطرتا فعليهما الفدية والقضاء. ⦗٤٠٠⦘
ب- إن خافتا على أنفسهما فأفطرتا فعليهما القضاء فقط كالمريض.
-٣- المريض: يجوز الفطر للمريض الذي يخاف من صومه ازدياد مرضه أو إعطاء برئه، أو يخاف على نفسه من شدة عطش أو جوع، وعليه القضاء فقط، لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ (٣) . ويلحق المغمي عليه بالمريض من حيث القضاء إذا أغمي عليه يوماً كاملاً، أما إن أفاق جزءاً من النهار صح صومه ولا قضاء عليه.
أما إن كان المرض لا علاقة للصوم به كوجع الضرس ونحوه فلا يباح للمكلف الفطر، لأنه لا ضرر عليه بالصوم.
ويجوز لمن مرض أثناء النهار الفطر.
-٤- يجوز الفطر للمسافر سفراً طويلاً مباحاً، ولو كان السفر في أثناء النهار. لكن بشرط أن لا يفطر حتى يغادر بنيان المدينة، وعليه القضاء بدليل الآية: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ (٣) ، ولما روى جابر ﵁ (أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كُراع الغميم. فصام الناس. ثم دعا بقدح من ماء فرفعه. حتى نظر الناس إليه. ثم شرب. فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام. فقال: أولئك العصاة. أولئك العصاة) (٤) . ويجوز للمسافر أن يفطر بما شاء ولو بالجماع.
-٥- يجوز لصاحب العمل الشاق أن يفطر إن خاف بالصوم تلفاً، ويتضرر إن ترك صنعته، وليس لديه ما ينفق منه وعليه القضاء، أما إن كان لا يتضرر بترك صنعته في رمضان وعنده ما ينفق منه فعليه تركها والقيام بفرض الصيام.
-٦- يجوز الفطر لمن احتاج إلى قتال عدو أو أحاط العدو ببلده ورأى أن الصوم يضعفه ولو بدون سفر نصاً وقد فعله الشيخ تقي الدين وأمر به لما نازل العدو دمشق لدعاء الحاجة. ⦗٤٠١⦘
стр. 330
ثالثاً الفطر المحرم
-١- من أفطر عامداً بإحدى المفطرات (عدا الجماع) بغير عذر فعليه القضاء والإمساك باقي اليوم.
-٢- من أفطر بالجماع عمداً فعليه القضاء والإمساك باقي اليوم والكفارة.
رابعاً: الفطر بسبب الخطأ أو الجهل:
-١- من أفطر خطأ أو جهلاً بإحدى المفطرات (عدا الجماع) فعليه القضاء والإمساك باقي اليوم.
-٢- من أفطر بالجماع خطأ أو جهلاً أو ناسياً أو مكرهاً فعليه القضاء والإمساك باقي اليوم والكفارة، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله. قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً قال: لا. قال: ثم جلس. فأتي النبي ﷺ بعَرَق فيه تمر. فقال: تصدق بهذا. قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها (١) أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه. ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك) (٢) .
أما من أفطر بالجماع في غير رمضان فلا كفارة عليه لعدم حرمة الزمان، ولأن النص إنما ورد بالجماع في رمضان.
الكفارة:
تجب الكفارة على الرجل وعلى المرأة أيضاً إن طاوعت وكانت غير ناسية وغير جاهلة للحكم، وهناك قول آخر: لا تجب الكفارة إلا على الواطئ، ولا تجب ⦗٤⦘ على المرأة، لأن النبي ﷺ لم يأمر امرأة المواقع بالكفارة، لكن يفسد صومها. والقول الأول هو المعتمد.
стр. 331
ماهيتها:
هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطيع فإطعام ستين مسكيناً، لحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم، يعطي كل مسكين مدّ برّ أو دقيق أو نصف صاع من تمر أو شعير.
سقوطها:
تسقط الكفارة في حالة العجز عنها، لأن النبي ﷺ أمر الذي أخبره بحاجته إلى الطعام بأكله.
أما من جامع وهو صحيح مقيم ثم مرض أو جن أو سافر فلا تسقط عنه الكفارة، لأنه أفسد صوماً واجباً في رمضان بجماع تام.
تكرارها:
إن وطئ المكلف في يوم واحد أكثر من مرة قبل أن يكفر عن المرة الأولى فعليه كفارة واحد بلا خلاف، أما أن كان الوطء في يومين وكفر عن اليوم الأول فعليه كفارة ثانية عن اليوم الثاني، فإن لم يكفر عن اليوم الأول ففيه روايتان والأرجح تكرارها.
الفدية:
ما هيتها: إطعام مسكين عن كل يوم يفطره مدّ من بر أو دقيق أو نصف صاع من تمر أو شعير. فإن أفطر عدداً من الأيام فيجزئ أن يجمع عدداً من المساكين بعدد الأيام التي أفطرها ويطعمهم غداء أو عشاء في يوم واحد على إحدى الروايتين، لأنه روي عن أنس بن مالك ﵁ "أنه أفطر في رمضان فجمع المساكين ووضع جفاناً فأطعمهم". ⦗٤٠٣⦘
قضاء رمضان:
وقته: من وجب عليه قضاء رمضان لفطره فيه عمداً ولسبب من الأسباب السابقة فإنه يقضي بدل الأيام التي أفطرها في جميع أيام السنة عدا شهر رمضان الحالي ويومي العيدين الفطر والنحر وأيام التشريق.
ولا يجوز تأخير قضاء رمضان لغير عذر حتى يحول حلول رمضان آخر. (أي تمكن من القضاء ولم يقض حتى جاء رمضان آخر فلا تجب عليه الفدية.
حالة من مات وعليه دين:
آ- إن كان تأخيره الصيام لعذر، أي مات وعذره مستمر لم يقطع فلا شيء عليه.
ب- إن كان تأخيره الصيام لغير عذر (أي كان يستطيع أن يقضي ولم يقض) فعليه فدية عن كل يوم سواء كان أتى رمضان آخر أو لم يأت، وتخرج من رأس ماله سواء أوصى به أو لا كسائر الديون.
ما يجوز في القضاء:
-١- يجوز تفريق قضاء رمضان لقوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) ، ولما روي عن محمد بن المنكدر أنه قال: (بلغني أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء صيام شهر رمضان فقال: ذلك إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء فالله أحق أن يعفو أو يغفر) (١) ، لكن التتابع مستحب.
-٢- يجوز تأخير قضاء رمضان ما لم يأت رمضان آخر، لما روت عائشة ﵂ قالت: (كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن يقضيه إلا في شعبان..) (٢) .
-٣- يجوز التطوع بالصوم لمن كان عليه قضاء رمضان. ⦗٤٠٤⦘
стр. 332
ما يستحب للصائم:
-١- ينبغي للصائم أن يكف اللسان عن فضول الكلام والشتم والمعاصي، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم) (١) .
وأما كفه عن الحرام كالغيبة والنميمة والكذب فواجب في كل زمان.
-٢- يستحب للصائم السحور، لما روى أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (تسحروا، فإن في السحور بركة) (٢) .
-٣- يستحب للصائم تأخير السحور وتعجيل الإفطار، لما روى أبو ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور) (٣) .
-٤- أن يفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد فعلى ماء، لما روى أنس بن مالك ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رُطبات. فإن لم تكن رُطبات فتميرات. فإذا لم تكن تميرات، حسا حسوات من ماء) (٤) .
-٥- يستحب الدعاء عقب فطره بالمأثور كأن يقول: "اللهم إني لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، وعليك توكلت، وبك آمنت، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن الله، يا واسع الفضل اغفر لي، الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت".
-٦- يستحب الإكثار من الصدقة والإحسان إلى ذوي الأرحام والفقراء والمساكين. ⦗٤٠٥⦘
-٧- الاشتغال بالعلم وتلاوة القرآن والذكر والصلاة على النبي ﷺ كلما تيسر له ذلك ليلاً أو نهاراً.
-٨- الاِعتكاف.
-٩- تحري ليلة القدر لقوله تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر) (٥) ، ويكون التحري في العشر الأواخر من رمضان وآكدها ليالي الوتر، لما روى ابن عمر ﵄ قال: رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين فقال النبي ﷺ : (أرى رؤياكم في العشر الأواخر فاطلبوها في الوتر منها) (٦) . فينبغي أن يجتهد في ليالي الوتر من العشر كله ويكثر من الدعاء لعله يوافقها ويدعو بما روي عن عائشة ﵂ قالت: (قلت يا رسول الله: أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عني) (٧) .
стр. 333
ما يكره للصائم:
-١- ذوق الطعام، فإن فعل فلم يصل شيء إلى حلقه لم يضره.
-٢- مضغ العلك القوي الذي لا يتحلل منه شيء، فإن كان ما يتحلل وابتلع منه شيء فيفطر فاعله.
-٣- الغوص في الماء لئلا يدخل الماء في أذنيه، فإن دخل فهو كالداخل من المبالغة في الاستنشاق، أما الغسل فلا بأس به لأن النبي ﷺ كان يصبح جنباً ثم يغتسل. ⦗٤٠٦⦘
-٤- المباشرة للصائم بلمس أو تكرار نظر أو قبلة لمن تحرك شهوته، لما روى أبو هريرة ﵁ (أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخّص له شيخ، والذي نهاه شاب) (١) .
-٥- الوصال وهو أن يصوم يومين لا يفطر بينهما، لما روى ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ نهى عن الوصال. قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم إني أُطعم وأُسقى) (٢) . فإن أخر فطره إلى السحر جاز، لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يوصل فليواصل حتى السحر. قالوا: فإنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم، إن لي مُطعماً يطعمني وساقياً يسقيني) (٣) .
-٦- السواك بعود رطب، أما بعود جاف فجائز إذا لم يتحلل منه شيء.
-٧- أن يترك بقية طعام بين أسنانه.
стр. 334
-٢ً- الصيام المسنون
حكمه: مستحب، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام. فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جنة. فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يسخب. فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه) (١) .
أفضله: صيام داود ﵇ للقادر عليه، وهو صوم يوم وإفطار يوم، لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أحب ⦗٤٠٧⦘ الصيام إلى الله صيام داود وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه. وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً) (٢) .
стр. 335
أقسامه:
آ- ما يتكرر بتكرار الأسابيع:
صيام يومي الاثنين والخميس، لما روت عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يتحرّى صوم الاثنين والخميس) (١) ، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس. فأحب ان يعرض عملي وأنا صائم) (٢) .
ب- ما يتكرر بتكرر الأشهر:
يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أصلي الضحى) (٣) ، ويستحب أن يجعلها الأيام البيض، لما روى أبو ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) (٤) .
جـ - ما يتكرر بتكرر السنين:
-١- يستحب الصيام في محرم، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضل الصيام بعد رمضان، شهر المحرم. وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل) (٥) ، وآكدها صوم اليوم التاسع واليوم العاشر (عاشوراء) من المحرم، لما روى أبو قتادة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في ⦗٤٠٨⦘ صيام يوم عاشوراء: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) (٦) ، وروى ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) (٧) .
-٢- صيام عشر ذي الحجة، لما روى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر. فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ ولا الجهاد في سبيل الله. إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) (٨) ، وآكدها صوم يوم عرفة وهو التاسع من ذي الحجة لغير الحاج للتقوي على الدعاء، لما روى أبو قتادة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال في صوم يوم عرفة: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) (٩) .
-٣- صيام ست من شوال، لما روى أبو أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر) (١٠) ، وتحصل السنة بصيامها ولو غير متصلة ولا متتابعة.
стр. 336
-٣ً- الصيام المكروه
-١- يكره إفراد يوم الجمعة بالصيام، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يَصُم أحدكم يوم الجمعة. إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده) (١) . ⦗٤٠٩⦘
-٢- يكره إفراد يوم السبت بالصوم، لحديث عبد الله بن بُسر عن أخته أن رسول الله ﷺ قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم) (٢) فإن لم يفرد ذلك وصام الجمعة والسبت معاً فلا يكره.
-٣- يكره إفراد أعياد الكفار بالصيام لما فيه من تعظيمها والتشبه بأهلها.
-٤- يكره صوم الدهر، لما روى أبو قتادة ﵁: ( ... فقال عمر: يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر ... ) (٣) .
-٥- يكره إفراد رجب بالصوم لما فيه من تشبيه برمضان، إلا إذا أفطر في أثنائه فلا يكره.
-٦- يكره صوم يوم الشك تطوعاً، وهو اليوم الذي يشك فيه هل هو من شعبان أو من رمضان، إذا كان صحواً. ويحتمل أنه محّرم لقول عمار ﵁: (من صام اليوم الذي يَشُك فيه الناس، فقد عصى أبا القاسم ﷺ (٤) والمعصية حرام.
-٧- يكره استقبال رمضان بصيام يوم أو يومين، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقدموا صيام رمضان بيوم ولا يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فيصومه) (٥) . وما وافق من هذا كله عادة فلا بأس بصومه لهذا الحديث.
стр. 337
-٤ً- الصيام المُحرَّم
-١- يحرم صيام يومي العيدين: يوم الفطر ويوم الأضحى، لحديث أبي سعيد ﵁ قال: (نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الفطر ويوم النحر) (١) . ⦗٤١٠⦘
-٢- يحرم صيام أيام التشريق الثلاثة، لحديث نُبيشة الهُذلي قال: قال رسول الله ﷺ : (أيام التشريق أيام أكل وشرب) (٢) .
-٣- يحرم صيام المرأة نفلاً بغير إذن زوجها إن كان حاضراً، لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه) (٣) .
стр. 338
حكم الإفطار في صيام غير رمضان
-١- يجوز الخروج من صوم التطوع وليس عليه قضاء، لما روت عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: (قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم يا عائشة هل عندكم شيء؟ قالت فقلت: يا رسول الله ما عندنا شيء. قال: فإني صائم. قالت: فخرج رسول الله ﷺ فأهديت لنا هدية - أو جاءنا زَوْرٌ - قالت: فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا ﵁ سول الله أهديت لنا هدية - أو جاءنا زور - وقد خبأن لك شيئاً. قال: ما هو؟ قلت: حَيْس. قال: هاتيه. فجئت به فأكل. ثم قال: قد كنت أصبحت صائماً) (١) .
-٢- يستحب الخروج من صوم مكروه، لما روت جويرية بنت الحارث ﵂ (أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: تريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا. قال: فأفطري) (٢) .
-٣- يحرم الإفطار من صوم واجب كقضاء أو نذراً أو كفارة، فإن أفطر لم يلزمه أكثر مما كان عليه. ⦗٤١١⦘
стр. 339
الباب الثاني (الاِعتكاف)
стр. 340
تعريفه شرعاً: هو لزوم المسجد لطاعة الله.
حكمها:
-١- سنة في أي وقت كان، في رمضان أو في غيره، وهو في العشر الأواخر من رمضان آكد منه في غيره، لما روت عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان. حتى توفاه الله . ثم اعتكف أزواجهمن بعده) (١) . والاعتكاف ليس بواجب لأن أصحاب النبي ﷺ لم يفعلوه ولم يأمروا به إلا من أراده.
-٢- واجب لمن نذره، لما روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (من نذر أن أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه) (٢) .
-٣- حرام:
آ- حرام على امرأة لم يأذن لها زوجها.
ب- حرام على عبد لم يأذن له سيده.
أقله: اللبث في المسجد لحظة زمانية بدون تحديد.
стр. 341
شروط صحة الاعتكاف:
-١- النية: لقول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنية) ، وإن كان فرضاً لزمه تعيين الفرضية، وينقطع بنية الخروج منه إلحاقاً له بالصيام والصلاة. ⦗٤١٢⦘
-٢- الإسلام والعقل والتمييز.
-٣- أن يكون الاعتكاف في المسجد سواء كان المعتكف رجلاً أو امرأة، لقوله تعالى: (وأنتم عاكفون في المساجد) (١) ، وإن أراد الرجل أن يعتكف زمناً تتخلله فريضة وجب أن يكون المسجد من المساجد التي تقام فيها الجماعة، والجامع أفضل لكثرة جماعته. ويعتبر من المسجد سطحه وصحنه إن كان مسوراً ومنارته إن كانت فيه أو كان بابها فيه.
ومن نذر الاعتكاف في المسجد بعينه جاز في غيره ما لم يكن هذا المسجد أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، لحديث أبي هريرة ﵁، يبلغ به النبي ﷺ : (لا تشدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى) (٢) . وإن نذر الاعتكاف بأحد هذه المساجد فلا يجوز إلا به أو بأفضل منه، وتسلسلها بالأفضلية كما يلي: المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، بدليل حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة في ما سواه، إلا المسجد الحرام) (٣) ، وعن رجال من أصحاب النبي ﷺ (أن رجلاً قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين. فقال النبي ﷺ : والذي بعث محمد بالحق لو صليت ههنا لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس) (٤) .
-٤- الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس.
-٥- الصوم إن نذر الاعتكاف صائماً، لما روى عمر ﵁ (أنه سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة فيي المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك) (٥) . ولكن الأفضل الاعتكاف صائماً. ⦗٤١٣⦘
إن نذرت الاعتكاف في زمن معين لزمه في ذاك الزمن، وإن نذر شهر مطلقاً لزمه الاعتكاف ثلاثين يوماً أو الاعتكاف ما بين هلالين، وتدخل فيها الليالي، ويجب التتابع إلا إذا نواه ولا تدخل الليالي.
стр. 342
مبطلات الاعتكاف:
-١- الخروج من المسجد لغير عذر عمداً (أما ناسياً فلا يبطل) .
-٢- الوطء في الفرج ولو ناسياً.
-٣- المباشر بشهوة مع الإنزال تحرم وتفسد اعتكافه (أما بشهوة دون إنزال تحرم ولا تفسد اعتكافه) ، أما لغير شهوة فمباحة، لما روت عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ قالت: (وإن كان رسول الله ﷺ لَيُدخل عليَّ رأسه، وهو في المسجد، فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً) (١) .
-٤- الردة: لقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) (٢) .
-٥- إن شرب مسكراً وسكر، أما إن لم يسكر فلا يفسد، وكذا ارتكاب الكبيرة لا يفسد اعتكافه لأنه لم يخرج بذلك عن أهليته له.
стр. 343
ما يترتب على من أبطل اعتكافه المنذور:
-١- يجب على من أبطل اعتكافه المنذور بأحد المبطلات المتقدمة استئناف النذر المتتابع غير المقيد بزمن، وليس عليه كفارة.
-٢- يجب استئناف النذر المتتابع المقيد بزمن معين وعليه كفارة يمين لفوات المحل. ⦗٤١٤⦘
حالات الخروج من المسجد في الاعتكاف الواجب:
آ- الخروج الجائز:
-١- لقضاء الحاجة، لحديث عائشة ﵂ المتقدم: (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً) .
-٢- الخروج إلى ما يحتاج إليه من مأكول أو مشروب وليس له من يأتيه به.
-٣- الخروج لحضور الجمعة إن كان في غير موضع إقامتها إن لم تكن واجبة عليه واشترط الخروج، فإن لم يشترطه وخرج إليها بطل اعتكافه لأن له منه بداً.
-٤- يجوز له الخروج إن دعي إلى إقامة شهادة تعينت عليه، أو لصلاة الجنازة تعينت عليه أو حملها، أو دفنها، ويجوز له في طريقه أن يسأل عن المريض أو غيره دون أن يقف، لما روت عائشة ﵂ قالت: (إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة) (١) .
-٥- خروج المرأة لأجل الاعتداد.
-٦- الخروج لطروء مرض يتعذر معه الاعتكاف.
-٧- الخروج بسبب وقوع فتنة يخاف منها على نفسه أو ماله أو منزله.
-٨- الخروج لعموم النفير والاحتياج إليه.
ولا يبطل الاعتكاف في حالة الخروج الجائز ما لم يطل الزمان المعتاد لقضاء تلك الحاجة التي خرج لها وأمكنه الرجوع ولم يرجع.
ب- الخروج غير الجائز:
لا يجوز الخروج من المسجد في الاعتكاف لعيادة مريض أو حضور جنازة لم تتعين عليه، لحديث عائشة ﵂ قالت: (السنة على المعتكف أن لا يعود ⦗٤١٥⦘ مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بدَّ منه) (١) ، إلا أن شرط في نذره ذلك.
جـ- الخروج الواجب:
يجب الخروج من المسجد لأجل الحيض والنفاس، أما المرأة المستحاضة فلا يجب عليها الخروج بل لها الاعتكاف مع الاحتراز بما يمنع تلويث المسجد، لما روت عائشة ﵂ قالت: (اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه مستحاضة، فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعنا الطِّسْت تحتها وهي تصلي) (٢) .
فإذا زال سبب الخروج فهو أمام حالات ثلاث:
الأولى: إن كان نذر أياماً معدودة على الإطلاق عاد للاعتكاف وأتمها.
الثانية: إن كان نذر أياماً متتابعة غير معينة فهو مخير إما باستئنافها فقط أو بإتمامها وقضاء ما فات بالعذر مع كفارة يمين.
الثالثة: إن كان نذر مدة معينة فعليه قضاء ما ترك وكفارة يمين لتركه فعل المنذور في وقته.
стр. 344
ما يحرم على المعتكف:
-١- الوطء: لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (١) .
-٢- المباشرة بشهوة.
-٣- السكر من شرب مسكر.
-٤- البيع والشراء إلا لما لا بد منه كالطعام ونحوه. ⦗٤١٦⦘
-٥- التكسب بالصنعة، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (نهى رسول الله ﷺ عن البيع والشراء في المسجد) (١) .
-٦- أن يخيط في المسجد أو أن يعمل صنعة سواء كان محتاجاً إلى ذلك أو لم يكن.
-٧- أن يبول في أثناء في المسجد.
-٨- الفصد والحجامة والقيء في المسجد، وإن دعت إلى ذلك ضرورة خرج كما خرج لحاجته.
стр. 345
ما يجوز فعله في المسجد للمعتكف:
-١- الأكل وغسل اليدين فيه، ولا يجوز أن يخرج لغسلها خارج المسجد.
-٢- غسل الشعر وتنظيفه وترجيله.
-٣- التطيب ولبس ورفيع الثياب.
-٤- الزواج وأن يشهد النكاح لذلك.
-٥- الحديث مع الغير والأمر مع بحاجته، لما روت صفية بنت حيي ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني..) (١) .
стр. 346
ما يستحب للمعتكف:
- إملاء الوقت بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن.
-٢- اجتناب ما لا يعينه من الأقوال والأفعال.
-٣- اجتناب الجدال والمراء والسباب.
-٤- المبيت ليلة الفطر في معتكفه إن اعتكف العشر الأخير من رمضان، ومن ثم يخرج إلى المصلى في ثياب اعتكافه. ⦗٤١٧⦘
-٥- ترك لبس رفيع الثياب.
-٦- عدم النوم إلا عن غلبة نعاس.
ما يكره للمعتكف:
-١- يكره للمعتكف الصمت، لأنه ليس من شريعة الإسلام، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حفظت عن رسول الله ﷺ : (لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل) (١) ، فإن نذر ذلك فهو كنذر العاصي.
-٢- يكره له إقراء القرآن وتدريس العلم، ومناظرة الفقهاء، ومذاكرتهم، وكتابة العلم، لأن الاعتكاف عبادة شرط لها المسجد فلم يستحب ذلك فيها كالصلاة والطواف.
-٣- يكره له التطيب، لأن الاعتكاف عبادة تختص مكاناً فكان ترك التطيب فيها مشروعاً كالحج، قال الإِمام أحمد: لا يعجبني أن يتطيب. ⦗٤١٨⦘
стр. 347
كتاب الحج
стр. 348
الباب الأول
стр. 349
تعريف الحج:
لغة: القصد إلى معظَّم.
شرعاً: أعمال مخصوصة في زمان مخصوص ومكان مخصوص على وجه مخصوص، أو قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص.
حكمه: فرض في العمرة مرة على الفور، فكل من توفرت فيه شروط وجوبه ثم أخره عن أول عام استطاع فيه يكون آثماً بالتأخير.
دليل فرضيته:
ثبتت فرضية الحج بالكتاب والسنة والإجماع.
فمن القرآن قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (٢) .
ومن السنة: ما روى أبو هريرة ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا. فقال: رجل: أكل عام؟ يا رسول الله فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك م كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) (٢) . وحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. وإقام الصلاة. وإيتاء الزكاة. وحج البيت. وصوم رمضان) (٣) . ⦗٤٢٢⦘
стр. 350
ودليل فوريته: حديث ابن عباس ﵄ قال: قالرسول الله: (من أراد الحج فليتعجل. فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة) (١) ، وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ملك زاداً وراحلة تُبلِّغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً. وذلك أن الله يقول في كتابه: والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (٢) .
стр. 351
شروط الحج:
-١ً- شروط وجوب الحج:
أولاً: الإسلام: فلا يجب الحج على الكافر كما لا يصح منه، سواء كان كافراً أصلياً أم مرتداً.
ثانياً: العقل: فلا يجب على المجنون كما لا يصح منه كالصبي غير المميز.
ثالثاً: البلوغ: فلا يجب على الصبي الذي لم يبلغ الحلم، وإن حج فلا يجزئ عن حجته الإسلام، لما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى) (١) . فإذا بلغ الصبي قبل الوقوف بعرفة أو بعده، ثم عاد إلى عرفة فوقف في وقته، أجزأه حجه عن حجة الإسلام، ما لم يكن أحرم مفرداً أو قارناً وكان سعى بعد طواف القدوم.
والدليل على أن حج الصبي صحيح ما روى ابن عباس ﵄ قال: (رفعت امرأة صبياً. فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر) (٢) ، إلا أنه يجب على الصبي أن يحرم بإذن وليه إن كان مميزاً، فإن أحرم بدون أذنه لم يصح حجه. أما الصبي غير المميز فيحرم عنه وليه الذي يلي ماله، سواء كان الوالي محلاً أو محرماً، وسواء حج عن نفسه أم لم يحج، فيقول: (نويت الحج عن ⦗٤٢٣⦘ فلان) فيصير الصبي محرماً دون وليه، وإن أحرمت أمه عنه صحّ، أما الصبي فلا يضح إحرامه عن نفسه، ثم ما قدر الصبي على فعله من أفعال الحج كالوقوف بعرفة وبمزدلفة فعليه فعله، وما لا يمكنه فعله فعَله عنه وليّه كالرمي، لما روى جابر ﵁ قال: (حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان، فلبيّنا عن الصبيان ورمينا عنهم) (٣) ولكن لا يجوز الرمي عن الصبي إلا من قبل من أسقط فرض الرمي عن نفسه. أما الطواف فإن أمكنه المشي طاف وإلا طيف به محمولاً، فقد روى الأثرم عن أبي إسحاق (أن أبا بكر الصديق ﵁ طاف بابن الزبير في خرقة) .
وأما ما يرتكبه الصبي من محظورات الإحرام إن كان مما يفرق بين عمده وسهوه فلا فدية فيه، لأن عمد الصبي خطأ، وإن كان مما يستوي عمده وسهوه كجزاء الصيد ونحوه ففيه الفدية. وإن وطئ الصبي أفسد حجه، ووجبت الفدية، ويمضي في حجة فاسدة، وعليه القضاء إذا بلغ، ولا تجزئ حجة القضاء هذه عن حجة الإسلام.
رابعاً: الحرية: فلا يجب الحج على العبد، وإن حجّ فحجّه صحيح، سواء كان بإذن سيّده أم بدون إذنه، لكن إذا كان أحرم بإذن سيّده فليس له أن يحلله، أما إن أحرم بدون أذنه فله أن يحلله بعد أن أحرم، وفي كلتا الحالتين لا يجزئ حجه عن حجة الإسلام. وإن نذر العبد الحج انعقد نذره، فإن نذر بإذن سيّده لم يملك منعه من الوفاء به، أما إن نذر بدون أذن وليّه فله أن يمنعه وعليه الوفاء بنذره متى أعتق ولكن بعد حجة الإسلام.
وإن أتى العبد بفعل مما يوجب الفدية فعليه أن يفدي بالصيام، وإن أفسد حجه فعليه إتمامه وعليه الصوم بدلاً من البدنة.
خامساً: الاستطاعة: فلا يجب الحج على غير المستطيع، بدليل قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من أستطاع إليه سبيلاً﴾ ، فلو تكلف العاجز ⦗٤٢٤⦘ الحج أجرأه، ووقع موقعه أي سقط عنه رفقاً به، لكن إن حج كلاً على الناس لمسألته إياهم وتثقيله عليهم كره له ذلك، وإن لم يكن كلاً على أحد لقوته على المشي والتكسب بصناعة أو معاونة من ينفق عليه فهو مستحب، لقوله تعالى: ﴿يأتون رجالاً وعلى كل ضامر﴾ (٤) .
стр. 352
ماهية الاستطاعة:
-١ً- للآفاقي: القدرة على الزاد والراحلة الصالحة لمثله بشراء أو كراء وما يحتاج إليه من آلتها، عن ابن عمر ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة) (١) ، والزاد يشمل ما يلي:
-١- المأكل. ٢- المشرب. ٣- الكسوة لذهابه أو رجوعه.
-٤- القدرة على الماء وعلف البهائم في محطات الطريق، ولا يكلف بحمل ذلك من بلده لما فيه من المشقة. ٥- القدرة على أوعية الزاد والماء.
ويشترط في الزاد والراحلة أن يكونا فاضلين عما يحتاج إليه لقضاء دين حالّ أو مؤجل، وعن نفقة عيال، وما يحتاج إليه من مسكن وخادم حتى يعود، ولا يجب عليه بيع دار سكنه، أو دار يحتاج إلى أجرتها لنفقته أو نفقة عياله، أو بضاعة يختل ربحها المحتاج إليه لذلك، أو آلات صناعية، أو كتب علم محتاج إليها، لأن كل ذلك أشبه بالنفقة. أما من كان من ذلك زائداً عن حاجته كمن له من كتاب نسختان، أو له دار فاضلة، أو مسكن واسع يكفيه بعضه، فعليه صرف ذلك في الحج. أما من كان معه مال وأراد النكاح به لخوف العنت قدَّم النكاح على الحج، وإن لم يخف اعنت وجب عليه تقديم الحج على النكاح. ومن بذل له ولده أو غيره مالاً ليحج به لم يلزمه قبوله، أو بذل له أن يحج عنه لم يلزمه قبوله أيضاً، لما فيه من المنة والمشقة على نفسه. ⦗٤٢٥⦘
-٢ً- الاستطاعة للمكي أو لمن بينه وبين مكة دون مسافة القصر: هي القدرة على الحج ماشياً من غير مشقة شديدة، مع القدرة على الزاد.
سادساً: أمن الطريق: أي أن لا يكون في الطريق مانع من خوف على نفسه أو ماله أو عرضه، سواء كان الطريق براً أم بحراً، فينبغي أن تغلب السلامة فيه، وإلا لم يجب عليه الحج. وإن كان الطريق آمناً لكن هناك خفارة (قطاع طرق، تطلب منه مالاً كي تسمح له بالمرور) فيجب عليه الحج إن كان المبالغ معقولاً، كما قال ابن حامد، وقال القاضي: لا يلزمه الحج، لأنها رشوة في الواجب فلم تلزمه.
وهو شرط للزوم الأداء دون الوجوب إذا توفرت شروط الوجوب.
سابعاً: أن يكون المكلف مبصراً، فإن كان أعمى فإنه لا يجب عليه أداء الحج، إلا إذا وجد قائداً يقوده، وإلا لا يجب عليه الحج لا بنفسه ولا بغيره. وهو شرط للزوم الأداء أيضاً.
يضاف إلى هذه الشروط شروط أخرى تتعلق بالمرأة.
أ- وجود المحرم:. لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم وليلة، إلا مع ذي محرم) (١) .
شروط المحرم:
-١ً- أن يكون زوجها، أو من تحرم عليه مؤبداً، إما بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أو من تحرم عليه بسبب مباح كابن زوجها أو أبيه.
-٢ً- أن يكون ذكراً.
-٣ً- أن يكون مسلماً حراً بالغاً عاقلاً.
أما عبدها فليس بمحرم لها، لأنها تحل له إذا أعتق، وليس بمأمون عليها، وكذا من حرمت عليه بسبب محرّم كالزنا أو وطء لشبهة فليس بمحرم.
-٤ً- أن تكون المرأة قادرة على النفقة عليه. ⦗٤٢٦⦘
موت المحرم: إن مات المحرم في الطريق أتمت حجها إن كانت تباعدت، وإن كانت قريبة رجعت.
ولا يحق للزوج منع زوجته من حج الفرض، لأنه واجب بأصل الشرع فأشبه صوم رمضان، لكن يستحب لها استئذانه. أم حج النفل فله منعها منه، لأن حقه ثابت في استمتاعه بها فلا تملك إبطاله بما لا يلزمها، فإن أحرمت بحج التطوع من غير إذنه فله أن يحللها كالعبد وسيده.
ب- أن لا تكون معتدة عدة وفاة، لأن عدة الوفاة واجبة في المنزل فتفوت بخروجها، لذا تُقدّم على الحج الذي لا يفوت. فإن مات زوجها في الطريق، وكانت قد تباعدت، فلها أن تتم حجها لأنه لا بد من سفرها فالسفر الذي يحصل به الحج أولى، أما إن كانت قريبة رجعت لتقضي العدة في بيتها.
فإن حجت المرأة بلا محرم حرم سفرها وأجزأها حجها.
стр. 353
-٢ً- شروط صحة الحج:
-١- الإسلام فلا يصح من الكافر كما لا يصح عنه.
-٢- العقل: فلا يصح من المجنون.
-٣- التمييز بشرط أن يحرم بإذن وليه، فإن لم يأذن له وليه لم يصح إحرامه.
أما المجنون والصبي غير المميز فيصح أن يحرم عنهما وليهما ولكن بشرط أن يُحضِرَهما كل المواقف والمشاهد فيطوف ويسعى بهما ويأخذهما إلى عرفة ... الخ.
-٣ً- شروط الإجزاء عن حجة الإسلام:
-١- البلوغ.
-٢- الحرية.
ودليل ذلك ما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى) (١) . ⦗٤٢٧⦘ فإذا بلغ الصبي، أو أعتق العبد، قبل الوقوف بعرفة أو بعده، ثم عاد إليه قبل أن ينتهي وقته أجزأهما عن حجة الإسلام ما لم يكونا أحرما على وجه الإفراد أو القران وسعيا بعد طواف القدوم.
-٤- شروط الأداء بالنفس: السلامة: أي كونه على حال يمكنه الثبوت على الراحلة، فإن عدم ذلك لمرض لا يرجى برؤه أو كبر، وكانت توفرت فيه شرائط الوجوب كلها، وجب عليه أن يستنيب من يحج عنه ويعتمر.
الاستتابة بالحج (الحج عن الغير) :
حكمها:
آ- واجبة على الفور في الحالات التالية:
-١- عن الحي المعضوب، أو كبير السن الذي لا يستطيع الظعن، أو المريض الذي لا يرجى برؤه، ويمنعه من الحج فإنه يحج عنه بإذنه، بدليل ما روي عن أبي رزين العقيلي (أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال: حج عن أبيك واعتمر) (١) .
-٢- من وجب عليه الحج في حياته فمات ولم يحج، سواء كانت حجة الإسلام أو حجة أو نذر أو حجة قضاء، ولو لم يُوص بها، لما ورد عن ابن عباس ﵄ (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال ﷺ : نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) (٢) ، وروي عنه أيضاً: (أن امرأة سألت النبي ﷺ عن أبيها، مات ولم يحج. قال: حجي عن أبيك) (٣) . ⦗٤٢٨⦘
ب- جائزة في حج التطوع عن الحي والميت، في الحالات المذكورة في وجوب الاستنابة على الفور، لأن ما جاز فرضه جاز نفله.
стр. 354
شروط المستناب:
-١- أن لا يكون عليه حجة فرض (حجة الإسلام أو نذر أو قضاء) ، لما روى ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شُبْرُمَة. قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) (١) .
-٢- أن يكون حراً ولو امرأة بشرط أن يكون معها محرم.
-٣- أن يخرج المستناب من بلد المستنيب أو من الموضع الذي أوسر فيه المنيب.
- وإن مات الحاج في الطريق استنيب عنه من حيث انتهى عليه، لأنه أسقط عنه ما ساره، وإن مات بعد فعل بعض المناسك فعل عنه ما بقي، لأن ما جاز أن ينوب عنه في جميعه جاز في بعضه كزكاة، وسواء كان إحرامه لنفسه أو عن غيره.
فإن لم يخلف الميت تركة تفي بالحج عنه من بلده حج عنه من حيث تبلغ، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٢) .
وهذا ما ذهب إليه الإِمام أحمد.
نفقة المستناب:
تؤخذ نفقة المستناب من تركة الميت من رأس ماله، لأن الحج واجب فكان من رأس ماله كالدين، فإن اجتمع على الميت مع الحج دين آدمي، وضاق ماله عنهما فإنهما يتحاصا، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: (أتى رجل ⦗٤٢٩⦘ النبي ﷺ فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي ﷺ : لو كان عليها دين أكنتَ قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء) (٣) . فعلى هذا يؤخذ ما يخص الحج فيصنع به ما صنع بتركة من لم يخلف ما يفي بالحجة الواجبة، ويحج به عنه من حيث يكفي هذا المال، للحديث المتقدم: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) . ⦗٤٣٠⦘