← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 12899

فقه العبادات على المذهب الحنبلي

سعاد زرزور

Полный текст (424 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

شروط الحج: -١ً- شروط وجوب الحج: أولاً: الإسلام: فلا يجب الحج على الكافر كما لا يصح منه، سواء كان كافراً أصلياً أم مرتداً. ثانياً: العقل: فلا يجب على المجنون كما لا يصح منه كالصبي غير المميز. ثالثاً: البلوغ: فلا يجب على الصبي الذي لم يبلغ الحلم، وإن حج فلا يجزئ عن حجته الإسلام، لما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى) (١) . فإذا بلغ الصبي قبل الوقوف بعرفة أو بعده، ثم عاد إلى عرفة فوقف في وقته، أجزأه حجه عن حجة الإسلام، ما لم يكن أحرم مفرداً أو قارناً وكان سعى بعد طواف القدوم. والدليل على أن حج الصبي صحيح ما روى ابن عباس ﵄ قال: (رفعت امرأة صبياً. فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر) (٢) ، إلا أنه يجب على الصبي أن يحرم بإذن وليه إن كان مميزاً، فإن أحرم بدون أذنه لم يصح حجه. أما الصبي غير المميز فيحرم عنه وليه الذي يلي ماله، سواء كان الوالي محلاً أو محرماً، وسواء حج عن نفسه أم لم يحج، فيقول: (نويت الحج عن ⦗٤٢٣⦘ فلان) فيصير الصبي محرماً دون وليه، وإن أحرمت أمه عنه صحّ، أما الصبي فلا يضح إحرامه عن نفسه، ثم ما قدر الصبي على فعله من أفعال الحج كالوقوف بعرفة وبمزدلفة فعليه فعله، وما لا يمكنه فعله فعَله عنه وليّه كالرمي، لما روى جابر ﵁ قال: (حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان، فلبيّنا عن الصبيان ورمينا عنهم) (٣) ولكن لا يجوز الرمي عن الصبي إلا من قبل من أسقط فرض الرمي عن نفسه. أما الطواف فإن أمكنه المشي طاف وإلا طيف به محمولاً، فقد روى الأثرم عن أبي إسحاق (أن أبا بكر الصديق ﵁ طاف بابن الزبير في خرقة) . وأما ما يرتكبه الصبي من محظورات الإحرام إن كان مما يفرق بين عمده وسهوه فلا فدية فيه، لأن عمد الصبي خطأ، وإن كان مما يستوي عمده وسهوه كجزاء الصيد ونحوه ففيه الفدية. وإن وطئ الصبي أفسد حجه، ووجبت الفدية، ويمضي في حجة فاسدة، وعليه القضاء إذا بلغ، ولا تجزئ حجة القضاء هذه عن حجة الإسلام. رابعاً: الحرية: فلا يجب الحج على العبد، وإن حجّ فحجّه صحيح، سواء كان بإذن سيّده أم بدون إذنه، لكن إذا كان أحرم بإذن سيّده فليس له أن يحلله، أما إن أحرم بدون أذنه فله أن يحلله بعد أن أحرم، وفي كلتا الحالتين لا يجزئ حجه عن حجة الإسلام. وإن نذر العبد الحج انعقد نذره، فإن نذر بإذن سيّده لم يملك منعه من الوفاء به، أما إن نذر بدون أذن وليّه فله أن يمنعه وعليه الوفاء بنذره متى أعتق ولكن بعد حجة الإسلام. وإن أتى العبد بفعل مما يوجب الفدية فعليه أن يفدي بالصيام، وإن أفسد حجه فعليه إتمامه وعليه الصوم بدلاً من البدنة. خامساً: الاستطاعة: فلا يجب الحج على غير المستطيع، بدليل قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من أستطاع إليه سبيلاً﴾ ، فلو تكلف العاجز ⦗٤٢٤⦘ الحج أجرأه، ووقع موقعه أي سقط عنه رفقاً به، لكن إن حج كلاً على الناس لمسألته إياهم وتثقيله عليهم كره له ذلك، وإن لم يكن كلاً على أحد لقوته على المشي والتكسب بصناعة أو معاونة من ينفق عليه فهو مستحب، لقوله تعالى: ﴿يأتون رجالاً وعلى كل ضامر﴾ (٤) .

стр. 352

ماهية الاستطاعة: -١ً- للآفاقي: القدرة على الزاد والراحلة الصالحة لمثله بشراء أو كراء وما يحتاج إليه من آلتها، عن ابن عمر ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة) (١) ، والزاد يشمل ما يلي: -١- المأكل. ٢- المشرب. ٣- الكسوة لذهابه أو رجوعه. -٤- القدرة على الماء وعلف البهائم في محطات الطريق، ولا يكلف بحمل ذلك من بلده لما فيه من المشقة. ٥- القدرة على أوعية الزاد والماء. ويشترط في الزاد والراحلة أن يكونا فاضلين عما يحتاج إليه لقضاء دين حالّ أو مؤجل، وعن نفقة عيال، وما يحتاج إليه من مسكن وخادم حتى يعود، ولا يجب عليه بيع دار سكنه، أو دار يحتاج إلى أجرتها لنفقته أو نفقة عياله، أو بضاعة يختل ربحها المحتاج إليه لذلك، أو آلات صناعية، أو كتب علم محتاج إليها، لأن كل ذلك أشبه بالنفقة. أما من كان من ذلك زائداً عن حاجته كمن له من كتاب نسختان، أو له دار فاضلة، أو مسكن واسع يكفيه بعضه، فعليه صرف ذلك في الحج. أما من كان معه مال وأراد النكاح به لخوف العنت قدَّم النكاح على الحج، وإن لم يخف اعنت وجب عليه تقديم الحج على النكاح. ومن بذل له ولده أو غيره مالاً ليحج به لم يلزمه قبوله، أو بذل له أن يحج عنه لم يلزمه قبوله أيضاً، لما فيه من المنة والمشقة على نفسه. ⦗٤٢٥⦘ -٢ً- الاستطاعة للمكي أو لمن بينه وبين مكة دون مسافة القصر: هي القدرة على الحج ماشياً من غير مشقة شديدة، مع القدرة على الزاد. سادساً: أمن الطريق: أي أن لا يكون في الطريق مانع من خوف على نفسه أو ماله أو عرضه، سواء كان الطريق براً أم بحراً، فينبغي أن تغلب السلامة فيه، وإلا لم يجب عليه الحج. وإن كان الطريق آمناً لكن هناك خفارة (قطاع طرق، تطلب منه مالاً كي تسمح له بالمرور) فيجب عليه الحج إن كان المبالغ معقولاً، كما قال ابن حامد، وقال القاضي: لا يلزمه الحج، لأنها رشوة في الواجب فلم تلزمه. وهو شرط للزوم الأداء دون الوجوب إذا توفرت شروط الوجوب. سابعاً: أن يكون المكلف مبصراً، فإن كان أعمى فإنه لا يجب عليه أداء الحج، إلا إذا وجد قائداً يقوده، وإلا لا يجب عليه الحج لا بنفسه ولا بغيره. وهو شرط للزوم الأداء أيضاً. يضاف إلى هذه الشروط شروط أخرى تتعلق بالمرأة. أ- وجود المحرم:. لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم وليلة، إلا مع ذي محرم) (١) . شروط المحرم: -١ً- أن يكون زوجها، أو من تحرم عليه مؤبداً، إما بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أو من تحرم عليه بسبب مباح كابن زوجها أو أبيه. -٢ً- أن يكون ذكراً. -٣ً- أن يكون مسلماً حراً بالغاً عاقلاً. أما عبدها فليس بمحرم لها، لأنها تحل له إذا أعتق، وليس بمأمون عليها، وكذا من حرمت عليه بسبب محرّم كالزنا أو وطء لشبهة فليس بمحرم. -٤ً- أن تكون المرأة قادرة على النفقة عليه. ⦗٤٢٦⦘ موت المحرم: إن مات المحرم في الطريق أتمت حجها إن كانت تباعدت، وإن كانت قريبة رجعت. ولا يحق للزوج منع زوجته من حج الفرض، لأنه واجب بأصل الشرع فأشبه صوم رمضان، لكن يستحب لها استئذانه. أم حج النفل فله منعها منه، لأن حقه ثابت في استمتاعه بها فلا تملك إبطاله بما لا يلزمها، فإن أحرمت بحج التطوع من غير إذنه فله أن يحللها كالعبد وسيده. ب- أن لا تكون معتدة عدة وفاة، لأن عدة الوفاة واجبة في المنزل فتفوت بخروجها، لذا تُقدّم على الحج الذي لا يفوت. فإن مات زوجها في الطريق، وكانت قد تباعدت، فلها أن تتم حجها لأنه لا بد من سفرها فالسفر الذي يحصل به الحج أولى، أما إن كانت قريبة رجعت لتقضي العدة في بيتها. فإن حجت المرأة بلا محرم حرم سفرها وأجزأها حجها.

стр. 353

-٢ً- شروط صحة الحج: -١- الإسلام فلا يصح من الكافر كما لا يصح عنه. -٢- العقل: فلا يصح من المجنون. -٣- التمييز بشرط أن يحرم بإذن وليه، فإن لم يأذن له وليه لم يصح إحرامه. أما المجنون والصبي غير المميز فيصح أن يحرم عنهما وليهما ولكن بشرط أن يُحضِرَهما كل المواقف والمشاهد فيطوف ويسعى بهما ويأخذهما إلى عرفة ... الخ. -٣ً- شروط الإجزاء عن حجة الإسلام: -١- البلوغ. -٢- الحرية. ودليل ذلك ما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى) (١) . ⦗٤٢٧⦘ فإذا بلغ الصبي، أو أعتق العبد، قبل الوقوف بعرفة أو بعده، ثم عاد إليه قبل أن ينتهي وقته أجزأهما عن حجة الإسلام ما لم يكونا أحرما على وجه الإفراد أو القران وسعيا بعد طواف القدوم. -٤- شروط الأداء بالنفس: السلامة: أي كونه على حال يمكنه الثبوت على الراحلة، فإن عدم ذلك لمرض لا يرجى برؤه أو كبر، وكانت توفرت فيه شرائط الوجوب كلها، وجب عليه أن يستنيب من يحج عنه ويعتمر. الاستتابة بالحج (الحج عن الغير) : حكمها: آ- واجبة على الفور في الحالات التالية: -١- عن الحي المعضوب، أو كبير السن الذي لا يستطيع الظعن، أو المريض الذي لا يرجى برؤه، ويمنعه من الحج فإنه يحج عنه بإذنه، بدليل ما روي عن أبي رزين العقيلي (أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال: حج عن أبيك واعتمر) (١) . -٢- من وجب عليه الحج في حياته فمات ولم يحج، سواء كانت حجة الإسلام أو حجة أو نذر أو حجة قضاء، ولو لم يُوص بها، لما ورد عن ابن عباس ﵄ (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال ﷺ : نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) (٢) ، وروي عنه أيضاً: (أن امرأة سألت النبي ﷺ عن أبيها، مات ولم يحج. قال: حجي عن أبيك) (٣) . ⦗٤٢٨⦘ ب- جائزة في حج التطوع عن الحي والميت، في الحالات المذكورة في وجوب الاستنابة على الفور، لأن ما جاز فرضه جاز نفله.

стр. 354

شروط المستناب: -١- أن لا يكون عليه حجة فرض (حجة الإسلام أو نذر أو قضاء) ، لما روى ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شُبْرُمَة. قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) (١) . -٢- أن يكون حراً ولو امرأة بشرط أن يكون معها محرم. -٣- أن يخرج المستناب من بلد المستنيب أو من الموضع الذي أوسر فيه المنيب. - وإن مات الحاج في الطريق استنيب عنه من حيث انتهى عليه، لأنه أسقط عنه ما ساره، وإن مات بعد فعل بعض المناسك فعل عنه ما بقي، لأن ما جاز أن ينوب عنه في جميعه جاز في بعضه كزكاة، وسواء كان إحرامه لنفسه أو عن غيره. فإن لم يخلف الميت تركة تفي بالحج عنه من بلده حج عنه من حيث تبلغ، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٢) . وهذا ما ذهب إليه الإِمام أحمد. نفقة المستناب: تؤخذ نفقة المستناب من تركة الميت من رأس ماله، لأن الحج واجب فكان من رأس ماله كالدين، فإن اجتمع على الميت مع الحج دين آدمي، وضاق ماله عنهما فإنهما يتحاصا، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: (أتى رجل ⦗٤٢٩⦘ النبي ﷺ فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي ﷺ : لو كان عليها دين أكنتَ قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء) (٣) . فعلى هذا يؤخذ ما يخص الحج فيصنع به ما صنع بتركة من لم يخلف ما يفي بالحجة الواجبة، ويحج به عنه من حيث يكفي هذا المال، للحديث المتقدم: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) . ⦗٤٣٠⦘

стр. 355

الباب الثاني (أركان الحج)

стр. 356

أولاً: الإحرام: الإحرام هو قصد الدخول في الحج أو العمرة أو كليهما معاً، ويشترط فيه النية، فلا يصير محرماً بمجرد التجرد أو التلبية من غير نية الدخول في النسك، لحديث: (إنما الأعمال بالنية) (١) ، ولأنه عبادة محضة فافتقرت إلى نية كالصلاة. وإن شك هل أحرم أم لا فهو كالناسي لإحرامه (يرجع إلى الميقات ليحرم) ، ومن نسي بما أحرم به صرفه إلى أي نسك شاء. وإن نوى إحراماً بنسك فسبق لسانه إلى غيره انعقد إحرامه بما نواه دون ما نطق به. ولا يفتقر انعقاد الإحرام إلى التلبية، لأنه عبادة لا يجب النطق في آخرها فلم يجب في أولها كالصوم.

стр. 357

سنن الإحرام: -١- يستحب الغسل لكل محرم، صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، لما روى خارجة بن زيد عن أبيه (أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل) (١) . ويسن الغسل للمرأة حتى في حال الحيض والنفاس، لما ورد في حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال: (فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة. فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر. فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال اغتسلي. واستثفري بثوب وأحرمي) (٢) . ⦗٤٣١⦘ ولا يسن التيمم عند العجز عن الغسل، لأن الحكمة من الغسل النظافة، على قول إحدى الروايتين والمعتمد أنه يتيمم لعموم قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (٣) . -٢- يستحب قبل الغسل التنظيف بقص الشارب، وأخذ شعر العانة والإِبط، وقص الأظافر وتقليمها، وقطع الرائحة. -٣- تطيب البدن، لما روت عائشة ﵂ قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) (٤) ، ولا يسن تطيب الثياب. -٤- يسن للرجل لبس إزار ورداء أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين، لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (البسوا من ثيابكم البياض. فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) (٥) . ولبس نعلين أيضاً، لقوله ﷺ من حديث ابن عمر ﵄: (ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين) (٦) . -٥- أن يحرم عقب صلاة إما مكتوبة أو نافلة. -٦- التلفظ بالنية، وتعيين النسك الذي أحرم به، فإن أطلق صرفه حيث شاء، وإن أحرم بإحرام غيره صح، كأن يقول: أحرمت بمثل ما أحرم بمثل ما أحرم به فلان، لما روى أبو موسى الأشعري ﵁ قال: (قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: أحججت؟ فقلت: نعم. فقال: بم أهللت؟ قال: قلت لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ . قال: فقد أحسنت) (٧) . ⦗٤٣٢⦘ -٧- أن يشترط حين إحرامه بهذا الشرط يقول: "أن محلي حيث يحبسني". فيقول: "اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقلبه مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث يحسبني"، لما روت عائشة ﵂ قالت: (دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج. وأنا شاكية، فقال النبي ﷺ : حجي واشترطي أن مَحِلِّي حيث حبستني) (٨) ويفيد هذا الشرط في شيئين: آ- أنه متى عاقه عائق من مرض أو غيره فله التحلل. ب- أنه إذا حل لذلك فلا شيء عليه من دم ولا غيره. -٨- البداءة بالتلبية إذا ركب راحلته، لما روى البخاري عن ابن عمر ﵄ (أنه ﷺ أهلّحين استوت به راحلته قائمة) (٩) ، وعن أبي بكر الصديق ﵁ (أن النبي ﷺ سئل أيُّ الحج أفضل؟ قال: العجّ والثجّ) (١٠) ، وروى ابن ماجة عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من محرم يَضْحى لله يومَه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه فعاد كما ولدته أمه) (١١) . ويرفع الرجل صوته بالتلبية، لما روى خلاّد بن السائب بن خلاّد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (أتاني جبريل فأمرني أن آمُرَ أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية) (١٢) . أما المرأة فتسمع نفسها فقط ويكره لها الجهر. وصيغة التلبية: ما ورد عنه ﷺ في حديث ابن عمر ﵄ (أنه ﷺ كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحُليفة، أهلّ، فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك ⦗٤٣٣⦘ والملك، لا شريك لك) (١٣) . ولا بأس بزيادة قوله: "لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والرغباء إليك والعمل". وزاد أنس ﵁: "لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً"، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يسأل الله تعالى الرضا والجنة، بأن يقول: "اللهم إني أسألك رضاك والجنة" ويستعيذ من النار بقوله: "اللهم إني أعوذ بك من سخطك ومن النار". ويستحب ذكر إحرامه في تلبيته، لما روى أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك عمرة وحجاً) (١٤) . - ويستحب الإكثار من التلبية، لحديث جابر ﵁ المتقدم: (ما من محرم يضحى لله يومَه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه فعاد كما ولدته أمه) (١٥) ، ويتأكد استحبابها في ثمانية مواضع في صعود وهبوط، أو تلبس بمحظور ناسياً، وفي أدبار الصلوات، وإقبال الليل والنهار، وبالأسحار، وإذا التقت الرفاق، لما روى جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يلي إذا رأى راكباً أو صعد أكمة، أو هبط وادياً، وفي إدبار المكتوبة، وآخر الليل) . كما تستحب التلبية في المسجد الحرام ومنى وسائر مساج الحرم وبقاعه لأنها مواضع النسك، ولا يستحب إظهارها في مساجد الحل وأمصاره. -٩- يستحب للمحرم قلة الكلام إلا فيما ينفع، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (١٦) فهذا في حال الإحرام والتلبس بطاعة الله تعالى والاستشعار بعبادته أولى (١٧) . ولا يبطل الإحرام بجنون أو إغماء أو سكر كالموت ولا ينعقد مع وجود أحدها. ⦗٤٣٥⦘

стр. 358

ما يكره للمحرم: -١- حك شعره بأظفاره كي لا ينقطع، فإن انقطع به شعره لزمه فدية. -٢- الكحل بالإِثمد غير المطيب، لأنه زينة والحاج أشعث أغبر، وهو في حق المرأة أشد كراهة ولا فدية فيه. -٣- النظر في المرآة لإصلاح شيء لأنه نوع من التزيين، أما إذا كان لضرورة كإزالة شعر بعين فيباح للحاجة ولا يكره. ثانياً: والوقوف بعرفة: دليل ركنيته: ما روى عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلي عن رسول الله ﷺ قال: (الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) (١) . مكان الوقوف: عرفة كلها موقف إلا بطن وادي عُرْنة، لحديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ( ... وقفت ههنا وعرفة كلها موقف ... ) (٢) ، ويقصد بقوله ههنا: عند الصخرات حيث الجبل ههنا يسمى جبل الرحمة. وحدود عرفة: من الجبل المشرف على وادي عرنة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي حوائط بني عامر، ومسجد نمرة ليس من عرفة. والواجب في الوقوف أن يحضر المحرم بأرض عرفة. ويصح وقوفه حتى لو وقف على غصن شجرة فيها، أو على دابة، والمقصود مطلق الحضور لا خصوص الوقوف، لذا يصح وقوفه إن كان نائماً أو ماراً في طلب آبق أو هارباً، وإن لم يعرف كون الموضع عرفة بشرط وجود نية الحج. ⦗٤٣٥⦘ زمن الوقوف: يبدأ الوقوف من طلوع فجر يوم يوم عرفة، ويستمر إلى طلوع فجر يوم النحر، لما روى عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام قال: (أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة، حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جَبَلَيْ طيء، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه. فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد أتم حجه، وقضى تفثه) (٣) . ولو وقف الناس كلهم أو كلهم إلا قليلاً في اليوم الثامن أو العاشر خطأ فيهما لا عمداً أجزأهم الوقوف.

стр. 359

واجبات الوقوف: يجب أن يقف الحاج حتى تغرب الشمس، لأن النبي ﷺ وقف بعرفة (ثم أفاض حين غربت الشمس) (١) ، فإن ترك عرفة قبل الغروب فعليه دم إن لم يعد، أما إن أتى عرفة بعد الغروب أجزأه الوقوف وليس عله دم، للحديث المتقدم: (الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) .

стр. 360

شروطه: -١ً- أن يكون الحضور باختياره، فلا يصح حضور من أكره على الوقوف. -٢ً- أن يكون أهلاً للعبادة، فلا يصح من مجنون ولا سكران ولا مغمى عليه. -٣ً- أن يكون في الوقت المعتبر له شرعاً. ولا يشترط للوقوف الطهارة من الحدثين، ولا السترة، ولا استقبال القبلة بل تسن، لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها لما حاضت: (افعلي كما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (١) . ⦗٤٣٦⦘

стр. 361

سنن الوقوف: -١ً- أن يقف طاهراً من الحدثين. -٢ً- الوقوف عند الصخرات الكبار في أسفل جبل الرحمة، لما ورد في رواية جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ (أن رسول الله ﷺ أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات) (١) . أما النساء فحاشية الموقف أُولى لهن. -٣ً- الوقوف راكباً، لما روت أم الفضل بنت الحارث ﵂ (أن ناساً اختلفوا عندها، يوم عرفة، في صوم النبي ﷺ ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن، وهو واقف على بعيره فشربه) (٢) . -٤ً- أن يكون مفطراً، لأن الفطر أعون له على الدعاء، ولأن النبي ﷺ وقف مفطراً. -٥ً- يسن جمع صلاة العصر مع الظهر جمع تقديم، ومن لم يصلِّ مع الإِمام جمع في رحله، ويسن أن يخطب الإِمام خطبة يعلم الناس فيها مناسكهم وفعلهم في الوقوف ودفعهم. -٦ً- يسن الإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء، لما روى ابن ماجة في سننه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (ما من يوم أكثر أن يعتق الله في عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء) (٣) ؟ ويستحب أن يكون الدعاء من المأثور عن رسول الله ﷺ ، مثل ما روي عن طلحة بن عبيد الله بن كريز ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أفضل ⦗٤٣٧⦘ الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له) (٤) . وزاد البيهقي في رواية عن علي بن أبي طالب ﵁: (له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم أجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر وفتنة القبر. اللهم إني أعوذ بك من شر يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح ومن شر بوائق الدهر) (٥) . -٧ً- أن لا يدفع من عرفات إلى مزدلفة قبل الإِمام، لأن أصحاب النبي ﷺ لم يدفعوا قبله. -٨ً- أن يخرج إلى منى يوم التروية قبل صلاة الظهر (أي في اليوم الثامن من ذي الحجة) .

стр. 362

ثالثاً: طواف الزيارة: ويسمى طواف الزيارة، لأن الحاج يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، وإنما يبيت في منى، ويسمى أيضاً طواف الإفاضة، لأنه يفعله عند إفاضته من منى إلى مكة. دليل ركنيته: قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (١) ، وحديث عائشة ﵂ (أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ ، حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: فلا إذاً) (٢) . ⦗٤٣٨⦘ وقته: يدخل وقته من بعد نصف ليلة النحر، ولا حد لآخره، عن عائشة ﵂ قالت: (أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر ثم فضت فأفاضت) (٣) . ولكن الأفضل فعله يوم النحر، ويكره تأخيره عنه.

стр. 363

شروط صحة الطواف: -١- الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، والطهارة من النجاسة في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه. ويعفى عما يشق الاحتراز عنه، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير) (١) . أما إذا كان الحاج طفلاً لم يميز فيصح طوافه ولو كان محدثاً متلبساً بنجاسة. ويجوز الكلام في الطواف للحديث المتقدم، كما يجوز الشرب، لما روى ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ شرب ماء في الطواف) (٢) . -٢- ستر العورة، لما روى أبو هريرة ﵁ (أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمرّه عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع، يوم النحر، في رهط، يؤذن في الناس: ألا، لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) (٣) ، ولأن الطواف عبادة تتعلق بالبدن فشرط لها الستر. -٣- النية، لأنها عبادة محضة أشبهت الصلاة، وكذلك الإسلام فلا يصح الطواف من كافر، والعقل فلا يصح أيضاً من مجنون. -٤- الطواف بجميع البدن خارج البيت، ويعتبر الشاذروان وحجر سيدنا إسماعيل من البيت، لحديث عائشة ﵂ قالت: (سألت النبي صلى الله عليه وسلمعن الجَدْر - هو الحجر أو الحطيم - أمن البيت هو؟ قال: نعم) (٤) . ⦗٤٣٩⦘ والدليل على اشتراط كون الطائف خارجاً بجميع بدنه عن جميع البيت، قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) . فيكون المرء طائفاً به إذا لم يكن جزء منه فيه، وإلا فهو طائف فيه. لذا من دخل جزء من بدنه في هو الشاذروان أو الحجر، أو مس جدار الحجر أو جدار البيت، لم يصح طوافه، فيعيد الشوط الذي حصل فيه شيء من ذلك. -٥- الطواف سبعاً، فإن ترك شيئاً من السبع وإن قل فلا يجزئ. -٦- أن يبدأ من الحجر الأسود وينتهي إلى الحجر الأسود. وإذا شك في العدد لزمه الأخذ بالأقل أثناء الطواف، أما إذا شك بعد الانتهاء فلا شيء عليه. -٧- جعل البيت على يساره، فإن نكسه لم يصح طوافه. -٨- الموالاة، إلا إذا أقيمت الصلاة، أو حضرت الجنازة، فإنه يصلي ثم يبني على ما طاف، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (٥) ، وعن الإِمام: إذا أعيا في الطواف فلا بأس أن يستريح، أما إن قطع الطواف لغير عذر أو لحاجة استأنفه. -٩- أن يكون الطواف داخل المسجد وإن وسع، ويجوز في هواء المسجد وعلى سطحه، ولو مرتفعاً عن البيت. فإن طاف خارج المسجد لم يصح طوافه. -١٠- محاذاة الحجر بجميع بدنه. -١١- دخول وقت الطواف، وأوله بعد نصف الليل ليلة النحر. -١٢- أن يطوف ماشياً مع القدرة، فلا يجزئ طواف الراكب لغير عذر، وعن الإِمام أحمد أنه يجزئ وعليه دم، وعنه رواية أخرى: يجزى ولا دم عليه وهو مذهب الشافعي ﵁. أما طواف الراكب لعذر فيجوز بغير خلاف.

стр. 364

سنن الطواف: أن يستلم الحجر الأسود بيده في ابتداء الطواف، ويقبله، لما روى سالم أن أباه حدثه قال: (قبّل عمر بن الخطاب الحجر. ثم قال: أمَ والله! لقد ⦗٤٤٠⦘ علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) (١) . فإن لم يمكنه تقبيله أستلمه وقبّل يده، لما روى نافع قال: (رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده. ثم قبّل يده. وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله) (٢) . ويسن استلامه في بداية كل طوفة، فإن لم يتمكن من استلامه بيده، اقتصر على استلامه بعصا ونحوها، ثم يقبل ما استلمه به، لما روى أبو الطفيل ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن) (٣) ، فإن لم يتمكن من استلامه بشيء أشار إليه بيده أو بشيء، عن بعد، ولا يقبله. أما المرأة فلا يستحب لها مزاحمة الرجال لا ستلام الحجر بل تشير بيدها إليه، قال عطاء: (كانت عائشة ﵂ تطوف حجزة من الرجال لا تخالطهم) (٤) . ويستحب أن يقول عند استلامه: "بسم الله والله أكبر. اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، وإتباعاً لسنة نبيك ﷺ " (٥) . -٢- ين استلام الركن اليماني بيده اليمنى دوت تقبله، لما روى نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (ما تركت استلام هذين الركنين، اليماني والحجر، مذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما، في شدة ولا رخاء) (٦) . وعن ابن عباس ﵄ قال: (وكل بالركن اليماني سبعون ملكاً. فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا: آمين) (٧) . ⦗٤٤١⦘ ويسن أن يقول بين الركنين: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"، لما روى عبد الله بن سائب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ما بين الركنين: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (٨) . وفي باقي الطواف يقول: "اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً. رب اغفر وارحم. واعف عما تعلم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم". ويصلي على النبي ﷺ ويدعوا بما أحب. ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف لأنه صلاة والصلاة محل القرآن. ولا يسن في الطواف استلام الركنين الشامي والعراقي. -٣- أن يطوف ماشياً، بناء على الرواية الثانية، إلا لعذر من مرض أو نحوه، لحديث أم سلمة ﵂ قالت: (شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي. فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) (٩) . -٤- يسن الاضطباع للرجل والصبي، في طواف يسن فيه الرمل فقط، وذلك بأن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن ويتركه مكشوفاً ويرد طرفيه على منكبه الأيسر، لما روى ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجِعرانة فرَمَلوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قد قذفوها على عواتقهم اليسرى) (١٠) . ولا يسن الاضطباع في ركعتي الطواف لكراهته في الصلاة. -٥- يسن الرمل (١١) للرجل فقط في الطوفات الثلاثة الأولى إذا أعقب الطواف سعي مطلوب، وأن يقول أثناء الرمل: اللهم اجعله حجاً مبروراً - أو عمرة مبرورة - وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وتجارة لن تبور، يا عزيز ويا غفور". ⦗٤٤٢⦘ أما المرأة فلا ترمل ولا تضطبع، لأن الرمل شرط في الأصل لإظهار الجد والقوة ولا يقصد ذلك من المرأة، ولذلك لا يسن الرمل في حق المكي ومن جرى مجراه، وقال بعض أهل العلم: "ليس على أهل مكة رمل ولا على من أحرم منها" (١٢) . -٦- الدنو من البيت للرجل فقط، لأنه أيسر في الاستلام والتقبيل، أما إذا أدى الاقتراب إلى تأذيه أو تأذي غيره فالبعد أولى. -٧- الإكثار من الدعاء، ورفع الأيدي في جميع الطواف، وخاصة حين رؤية الكعبة، ومأثور الدعاء أفضل، فالقراءة، فغير المأثور، ويسن الإِسرار بذلك. -٨- أن يصلي بعد كل سبعة أشواط ركعتين سنة الطواف، سواء كان الطواف فرضاً أم واجباً أم نفلاً. وإن صلى المكتوبة بعد طوافه أجزأته عنهما، وإن جمع بين الأسابيع وصلّى لكل أسبوع ركعتين جاز، لأن عائشة والمسوّر بن مخرمة ﵄ فعلا ذلك، ولا تجب الموالاة بينهما. وتسن صلاة الركعتين خلف مقام إبراهيم ﵇ وتصح في أي موضع آخر، ويسن أن يقرأ فيهما: (قل يا أيها الكافرون) و (الإخلاص) ، لما روي عن جابر ﵁ (أن النبي ﷺ طاف بالبيت سبعاً، فرمل من الحجر الأسود ثلاثاً ثم صلى ركعتين قرأ فيهما: قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد) (١٣) . -٩- يستحب أن يدع الحديث كله إلا ذكر الله وقراءة القرآن أو دعاء أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، لحديث ابن عباس ﵄ المتقدّم عند الترمذي: (الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير) .

стр. 365

رابعاً: السعي بين الصفا والمروة: تعريفه: أصل السعي الإسراع، والمراد به مطلق الشيء. دليل فرضيته: قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج ⦗٤٤٣⦘ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) (١) ، وما روت أم حبيبة بنت أبي تجرأة أن رسول الله ﷺ قال وهو يسعى: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) (٢) .

стр. 366

شروط صحة السعي: -١- النية: فلو سعى بقصد طلب غريم له لم يصح. -٢- الإِسلام. -٣- العقل. -٤- أن يكون بعد طواف صحيح ولو مسنوناً، فإن طاف وسعى ثم علم أن طوافه غير صحيح لعدم الطهارة أو غيرها لم يعتد بسعيه لفوات الترتيب. -٥- أن يبدأ الساعي بالصفا، لحديث جابر ﵁ قال: (لما دنا ﷺ من الصفا قرأ: إن الصفا والمرة من شعائر الله، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا) (١) . فلو عكس لم تحسب المرة الأولى، ويشترط في المرة الثانية أن يبدأ بالمروة وهكذا. -٦- أن يكون عدد مرات السعي سبعاً، فلو ترك من السبع شيئاً لم يصح، ويحسب ذهابه من الصفا إلى المروة مرة وعودته مرة أخرى. -٧- يشترط استعياب جميع المسافة ما بين الصفا والمروة، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه بل يجب على الماشي أن يلصق رجله بالجبل في الابتداء والانتهاء. -٨- المشي مع القدرة، وفي رواية أنه سنة.

стр. 367

سنن السعي: -١ً- يستحب بعد صلاة ركعتي الطواف أن يستلم الحجر قبل أن يخرج إلى الصفا. ⦗٤٤٤⦘ -٢ً- أن يخرج الصفا من بابه. -٣ً- أن يرقى الرجل على كل من الصفا والمروة دون المرأة، ثم يقف بعد الرقي مستقبلاً القبلة، لأن رسول الله ﷺ رقى على كل منهما حتى رأى الميت، فقد روى جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال: (ثم خرج من الباب إلى الصفا. فلما دنى من الصفا قرأ: إن الصفا والمرة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا. فرقي عليها. حتى رأى البيت فاستقبل القبلة. فوحَّد الله وكبَّره. وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده. أنجز وعده. ونصر عبده. وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك. قال مثل هذه ثلاث مرات. ثم نزل إلى المروة) (١) . وزاد البيهقي: (اللهم اعصمنا بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، وجنبنا حدودك، اللهم اجعلنا نحبك، ونحب ملائكتك وأنبيائك ورسلك، ونحب عبادك الصالحين، اللهم حببنا إليك، وإلى ملائكتك، وإلى نبيائك ورسلك، وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسرنا لليسرى، وجنبنا العسرى، واغفر لنا في الآخرة والأولى، واجعلنا من أئمة المتقين. اللهم إنك قلت "ادعوني أستجب لكم" وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني إلى الإِسلام ألا تنزعه مني حتى تتوفني وأنا مسلم، اللهم أحيني على سنة نبيك ﷺ وتوفني على ملته وأعذني من مضلات الفتن) (٢) . وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإِقامة ذكر الله) (٣) . -٤ً- يسن المشي أول السعي وآخره، ويعدو الرجل بين الميلين الأخضرين، دون المرأة، روى جابر ﵁ قال: ( ... ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبَّت ⦗٤٤٥⦘ قدماه في بطن الوادي سعى. حتى إذا صعدتا مشى. حتى أتى المروة. ففعل على المروة كما فعل على الصفا) (٤) . -٥ً- أن يسعى ماشياً بناء على الرواية الثانية، ويجوز راكباً، عن جابر ﵁ قال: (طاف النبي ص في حجة الوداع على راحلته، بالبيت، وبالصفا والمروة. ليراه الناس، وليشرف وليسألوه. فإن الناس غشوه) (٥) . -٦ً- الموالاة بين مرات السعي وبين السعي والطواف. -٧ً- الطهارة وستر العورة، ولكن لو سعى محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو نفساء، أو عليه نجاسة، أو مكشوف العورة صح سعيه، لحديث عائشة ﵂ المتقدم، عند البخاري، أن النبي ﷺ قال لها حين حاضت: (افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (٦) ، ولأن الفقهاء من أهل المدينة كانوا يقولون: (أيما امرأة طافت بالبيت ثم وجهت لتطوف بالصفا والمروة فحاضت فلتطف بالصفا والمروة وهي حائض) (٧) . ولا يسن تكرار السعي بين الصفا والمروة، إنما هو ركن في الحج مرة وفي العمرة مرة، فمن سعى بعد الطواف القدوم لم يعده بعد طواف الزيارة، أما من لم يسع بعد طواف القدوم أتى به بعد طواف الزيارة، أما قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما، ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم) (٨) فهو من قبيل إطلاق الجزء على الكل والمراد به الحج والعمرة الشاملين على السعي لا السعي فقط. ⦗٤٤٦⦘

стр. 368

الباب الثالث (واجبات الحج)

стр. 369

واجبات الحج هي: -١- الإحرام من الميقات. -٢- الوقوف بعرفة إلى الليل لمن وقف نهاراً. -٣- المبيت بمزدلفة إلى نصف الليل. -٤- الرمي. -٥- المبيت بمنى. -٦- الحلق. -٧- طواف الوداع. -٨- اجتناب محظورات الإحرام. أولاً: الإِحرام من الميقات: تعريف الميقات: الميقات لغة: الحد. وشرعاً: زمن العبادة ومكانها. أقسام الميقات: للحج ميقاتان: مكاني وزماني. آ- الميقات الزماني: شوال وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، آخرها طلوع فجر ليلة النحر. والدليل عليه قوله : (الحج أشهر معلومات) (١) . والأفضل ألا يحرم بالحج قبل أشهره، لأنه تقديم للعبادة على وقتها، فإن فعل كره ذلك. ⦗٤٤٧⦘ ب- الميقات المكاني -١- للآفاقي: خمسة مواضع: -١ً- ذو الحُلَيفة (أي آبار علي) لأهل المدينة. -٢ً- الجُحْفَة (أبدلت برابغ) لأهل الشام ومصر والمغرب. -٣ً- قَرْن ويقال له قرن المنازل: لأهل نجد (نجد والحجاز ونجد واليمن) . -٤ً- يَلَمْلَم: لأهل اليمن. -٥ً- ذات عِرْق: لأهل العراق. ودليل تحديد المواقيت حديث ابن عباس ﵄ قال: (إن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحُلَيْفَة، ولأهل الشام الجُحْفَة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة) (٢) . وعن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عِرْق) (٣) . فهذه المواقيت لكل من مر عليها من أهلها ومن غيرهم للحديث. -٢- لمن كان منزله بين الميقات ومكة: فميقاته منزل للحديث المتقدم. -٣- لأهل مكة: ميقاتهم منها، وسواء في ذلك أهلها أو غيرهم. ويجوز لهم الإحرام من أي موضع في مكة داخلها أو خارجها، لحديث جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ قال لأصحابه في حجة الوداع: (وإذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا فأهللنا من البطحاء) (٤) وهي خارج مكة. -٤- ومن سلك طريقاً لا ينتهي إلى ميقات أحرم من محاذته، براً أو بحراً، لما روى ابن عمر ﵄ قال: (لما فتح هذان المصران، أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حدَّ لأهل نجد قرناً، وهو جَوْر عن طريقنا، وإنا ⦗٤٤٨⦘ إن أردنا قرناً شق علينا، قال: فانظروا حَذْوَها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عِرْق) (٥) . فإن حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أبعدهما عن مكة، وإن لم يحاذ ميقاتاً أحرم على بعد مرحلتين من مكة. -٥- ومن جاوز الميقات مريداً غير مكة، ثم أراد النسك أحرم من موضعه.

стр. 370

حكم من تجاوز الميقات بغير إحرام: -١ً- من تجاوز الميقات مريداً للنسك وجب عليه العودة ليحرم منه، فإن لم يرجع عمداً أثم وعليه دم، وإن لم يرجع خوفاً من الرجوع أو خشي الفوات فعليه دم ولم يأثم. أما إن أحرم بعد اجتياز الميقات ثم رجع إليه فلا يسقط عنه الدم، لأنه استقر عليه بإحرامه من دونه فأشبه من لم يرجع، حتى ولو أفسد حجه ظلٍ دم تجاوز الميقات في ذمته ولا يسقطه وجوب القضاء. -٢ً- من تجاوز الميقات غير مريد للنسك: فعلى قسمين: -١- لا يريد دخول الحرم: فهذا لا يلزمه الإِحرام بلا خلاف. وقد أتى النبي ﷺ وأصحابه بدراً مرتين، وكانوا يسافرون للجهاد وغيره فيمرون بذي الحليفة، فلا يحرمون فإن بدا له الإِحرام وتجدد له العزم فعليه أن يحرم من موضعه ولا شيء عليه. -٢- يريد دخول الحرم: على ثلاثة أوجه: آ- دخول الحرم لقتال مباح أو لحاجة متكررة: فلا إحرام عليه، لما روى جابر بن عبد الله ﵄ (أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام) (١) . ⦗٤٤٩⦘ ب- دخول الحرم من غير مكلف بالحج (كالعبد أو الصبي أو الكافر) ثم أصبح مكلفاً بعد اجتياز الميقات كالعبد إذا أعتق أو الصبي إذا بلغ أو الكافر إذا أسلم، فإنه يحرم من موضعه ولا دم عليه لأنه أحرم من الموضع الذي وجب عليه الإِحرام منه. جـ- دخول الحرم وهو مكلف، ولغير قتال ولا لحاجة متكررة، ولا يريد نسكاً: فيُحرم تجاوزه الميقات بغير إحرام، وإن فعل فلا شيء عليه (٢) . ثانياً: الوقوف بعرفة إلى الليل لمن وقف نهاراً: كما سبق ذكره في أركان الحج. ثالثاً: المبيت بالمزدلفة: ويتحقق المبيت بالبقاء فيها إلى دخول النصف الثاني من الليل، فإن ارتحل منها قبل دخول نصف الليل الثاني فعليه دم. ودليل وجوبه أن النبي ﷺ وقف بها. وسماها موقفاً، عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (نحرت ههنا. ومنى كلها منحر. فانحروا في رحالكم. ووقفت ههنا. وعرفة كلها موقف. ووقف ههنا. وجمع كلها موقف) (٣) ، وقف من مزدلفة أجزأه بدليل الحديث. وحدّها: ما بين مأزمي جبل عرفة مُحَسِّر.

стр. 371

سنن المبيت في المزدلفة: -١- أن يدفع إلى المزدلفة بعد الغروب، ويسير عليه السكينة، لحديث جابر ﵁: (وأردف أسامة خلفه. وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة) (١) . -٢- أن يجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة. ⦗٤٥٠⦘ -٣- يسن لغير النساء والضعفاء أن يمكثوا فيها حتى يصلوا الصبح أو دخول وقته، ثم يسيروا وشعارهم التلبية مع التكبير، فإذا وصلوا المشعر الحرام (٢) وقفوا عليه، مشتغلين بالدعاء والاستغفار إلى الإِسفار، ويكون من دعائهم: "اللهم كما وفقتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق". عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ (أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين. ولم يسبح بينهما شيئاً. ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر. وصلى الفجر، حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة) (٣) . -٤- أن يدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس متوجهاً إلى منى، فإذا أتى بطن محسّر أسرع حتى يجاوزه، لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ (أتى بطن محسِّر. فحرك قليلاً. ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى) (٤) . -٥- يستحب أن يأخذ من مزدلفة حصى رمي الجمار، وعددها سبعون حصاة، ومن أينما أخذها جاز.

стр. 372

رابعاً: الرمي: آ- رمي جمرة العقبة يوم النحر: جمرة العقبة: هي آخر الجمرات مما يلي منى، وأولها مما يلي مكة، وهي عند العقبة، والعقبة ليست من منى. وقت رمي جمرة العقبة: أوله: من بعد نصف ليلة النحر، لحديث عائشة ﵂ قالت: (أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل ⦗٤٥١⦘ الفجر، ثم مضت فأفاضت) (١) وأفضله: بعد طلوع شمس يوم النحر، ويجوز إلى الغروب، لما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ (أن رجلاً قال للرسول ﷺ : رميت بعد ما أمسيت، فقال: لا حرج) (٢) . أما إذا غربت الشمس ولم يرم فيرمي في أي يوم من أيام التشريق بعد الزوال. ومن ترك رمي جمرة العقبة حتى فات وقتها في آخر يوم من أيام التشريق صح حجه ولزمه دم. ب- رمي الجمرات الثلاث أيام التشريق الثلاثة بسبع حصيات لكل واحدة في كل يوم، إن لم يتعجل في يومين ويسافر، وإلا سقط عنه رمي اليوم الثالث، لقوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه) (٣) . ومن ترك الرمي كله حتى مضت أيام التشريق فعليه دم لأنه ترك نسكاً واجباً، أما إن ترك رمي حصاة أو اثنتين من جمرة أخيرة فعليه إخراج مد أو مدين. ولا يسن لمن أخره عن أيام التشريق أن يأتي به لفوات وقته. وقت رمي الجمرات الثلاثة: من بعد الزوال لكل يوم من أيام التشريق، فإن أخر يوم إلى آخر، أو أخر الرمي كله إلى اليوم الثالث، ترك السنة ولا شيء عليه، لكنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث، لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، وإنما الواجب الترتيب بالنية كقضاء الفوائت. الاستنابة بالرمي: من عجز عن الرمي لمرض، أو حبس، أو عذر، جاز أن يستنيب من يرمي عنه، لأن جابراً ﵁ قال: (حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم) (٤) . ويستحب أن يضع كل حصاة في يد النائب ويكبّر النائب (هذا إذا كان حضر معه مشهد ⦗٤٥٢⦘ الرمي) . فإذا رمى عنه ثم برئ لم يلزمه إعادته لأن الواجب سقط بفعل المستناب. وإن أغمي على إنسان فرمى عنه آخر، فإن كان أذن له وإلا فلا.

стр. 373

شروط صحة الرمي: -١- أن يكون الرمي بحجر ولا يجزئ غيره، وأن يكون الحجر المرمي به حجمه بين الحمص والبندق، فلا يجزئ صغير جداً ولا كبير. -٢- أن لا يرمي بحجر قد رمي به، لأن النبي ﷺ رمى بالحصى وأمر بلقطه من غير المرمى. -٣- أن يرمي الحصى بالفعل، فلا يكفي وضعه في المرمى بدون رمي، لأن النبي ﷺ رمى. -٤- أن يكون الحصى سبعه حصيات بسبع رميات، واحدة بعد أخرى، فلو رمى حصاتين أو أكثر برمية واحدة لم تعتبر إلا حصاة واحدة. -٥- أن يعلم وصول الحصى إلى المرمى فلو رمى حصاة ووقعت خارج المرمى ثم تدحرجت حتى سقطت في أجزأته. -٦- يشترط أن يكون الرمي ضمن وقته من يوم النحر وأيام التشريق، وأن يكون الرمي مرتباً بين الجمرات، بحيث يبتدئ بالجمرة الصغرى وهي أبعدها عن مكة وتلي مسجد الخيف، ثم الوسطى ثم جمرة العقبة. سنن الرمي: -١- أن يرمي جمرة العقبة يوم العيد راكباً لمن دخل منى راكباً، لما روى جابر ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا عني مناسككم. فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) (١) . -٢- أن يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي. -٣- أن يستقبل القبلة في رمي الجمرات، ويجعل رمي جمرة العقبة على حاجبه الأيمن، لما روى عبد الرحمن بن يزيد قال: (لما أتى عبد الله جمرة العقبة، ⦗٤٥٣⦘ استبطن الوادي واستقبل القبلة، وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن ثم رمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ثم قال: والله الذي لا إله إلا هو من ههنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة) (٢) . -٤- قطع التلبية عند البداء بالرمي، لما روى ابن عباس ﵄ أن الفضل أخبره (أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) (٣) ، ولأن التلبية للإحرام وبالرمي يَشرع في التحلل منه. -٥- أن يكبر مع كل حصاة، لما روى ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ استبطن الوادي ورمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة: الله أكبر الله أكبر. اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً) (٤) . -٦- أن يكون الحصى المرمي به قدر حصى الخزف، أي أكبر من الحمص ودون البندق (والمعتمد أنه شرط فلا تجزئ الصغيرة جداً ولا الكبيرة) . -٧- يسن الوقوف طويلاً عند رمي الجمرتين الصغرى والوسطى ويدعو الله رافعاً يديه، أما عند جمرة العقبة فلا يسن الوقوف إن فرغ من رميها لأن النبي ﷺ لم يقف عندها.

стр. 374

خامساً: المبيت بمنى أيام التشريق الثلاثة: يجب (١) المبيت بمنى أيام التشريق الثلاثة لمن لم ينفر النفر الأول، وإلا سقط عنه مبيت الليلة الثالثة، كما يسقط عنه رمي يومها، لما روت عائشة ﵂ قالت: (أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق) (٢) ، وقد رخص ﷺ للعباس في ترك المبيت لأجل السقاية، فدل ذلك على أنه لا يجوز لغيره تركه. فإن ترك المبيت كله لزمه ⦗٤٥٤⦘ دم، وإن ترك مبيت ليلة أو ليلتين ما عدا الثالثة لمن تعجل لزمه دم كذلك على القول المعتمد. أما إن كان ذو عذر من مرض أو خوف على نفسه أو ماله جاز له ترك المبيت بمنى (كرعاية الإبل وسقاية الحاج) وبإمكانه أن يجمع رمي الأيام الثلاثة في وقت واحد (كما قدمنا في رمي الجمرات) أو يرمي من كل يوم في الليلة المستقبلة. شروط جواز النفر الأول: -١- أن يكون أنهى رمي الأول. -٢- أن ينفر قبل غروب الشمس، فإن غربت وهو في منى، لزمه البيتوتة والرمي من بعد الزوال لقوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) (٣) . وإن رحل وخرج ثم عاد إليها لحاجة لم يلزمه المبيت ولا الرمي.

стр. 375

سادساً: الحلق أو التقصير: تعريف: الحلق هو استئصال الشعر بالموس، والتقصير هو قطع الشعر من غير استئصال. دليله: قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ (١) . ولما رواه ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (وليقصر وليحلل) (٢) . والحلق للرجل أفضل من التقصير، لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين) (٣) . ومن لبد رأسه فيحلق، لما روى ابن عمر ﵄ عن ⦗٤٥٥⦘ النبي ﷺ قال: (من لبد رأسه فليحلق) (٤) ، ومن كان لا شعر له فلا شيء عليه، إلا أنه يستحب له أن يمرر الموس على رأسه. ويستحب أن يكون التقصير قدر أنملة، ويجزئ بالأقل، فيقصر من جميع رأسه لا من كل شعرة بعينها. أما المرأة فلها التقصير، لما روي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: (ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير) (٥) ، ويكره لها الحلق، لأن الحلق في حقها مثلى فلم يكن مشروعاً.

стр. 376

سنن الحلق: - أن يكون بعد ذبح الهدي. -٢- أن يكبر عند حلقه لأن نسك. -٣- أن يستقبل القبلة. -٤- أن يبدأ بشقه الأيمن، لما روى أنس بن مالك ﵁ (أن رسول الله ﷺ أتى منى. فأتى الجمرة فرماها. ثم أتى منزله بمنى ونحر. ثم قال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن. ثم الأيسر. ثم جعل يعطيه للناس) (١) . -٥- يستحب لمن حلق أن يأخذ شاربه وأظافره، لما روى عبد الله بن زيد بن عبد ربه عن أبيه (أنه شهد النبي ﷺ عند المنحر هو ورجل من الأنصار فقسم رسول الله ﷺ ضحايا فلم يصبه ولا صاحبه شيء وحلق رأسه في ثوبه فأعطاه وقسم منه على رجال وقلم أظفاره فأعطاه وقسم منه عللا رجال وقلم أظفاره فأعطاه صاحبه..) (٢) . ولا بأس لمن حلق أن يتطيب، لحديث عائشة زوج النبي ﷺ قالت: (طيبت رسول الله ﷺ لِحُرمِهِ حين أحرم. ولِحلِّهِ حين أحلّ. قبل أن يطوف بالبيت) (٣) . ⦗٤٥٦⦘ وقت الحلق أو التقصير: يبدأ وقته بعد رمي جمرة العقبة، ويجوز تأخيره إلى آخر أيام التشريق، أما إن أخره عن ذلك ففيه روايتان، إحداهما: عليه دم، والأخرى: لا شيء عليه سوى فعله، لأن الله تعالى بيّن أو وقته بقوله عزّ من قائل: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (٤) ، ولم يبن آخر وقته وهو المعتمد.

стр. 377

سابعاً: طواف الوداع: يجب طواف الوداع على كل من أراد مفارقة مكة، ولو لم يكن حاجاً أو معتمراً. أما من أراد المقام بمكة بعد قضاء نسكه فلا توديع عليه لأن الوداع للمفارق. كما يجب طواف الوداع على من أراد الخروج من مكة، ولو كان مكياً، والابتعاد عنها مسافة القصر، أو العودة إلى وطنه، وإن كان وطنه على مسافة من مكة أقل من مسافة القصر. دليله: عن ابن عباس ﵄ قال: (كان الناس ينصرفون في كل وجه. فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) (١) . ويجبر تركه بدم. فإن عاد بعد فراقه، وقبل أن يقطع مسافة القصر، أو قبل وصوله إلى بلده إن كان قريباً، وطاف مودعاً، سقط عنه الدم. أما إن رجع بعد اجتيازه مسافة القصر فلا يسقط عنه الدم، لأن طوافه لخروجه الثاني وقد استقر عليه دم الأول. أما الحائض والنفساء فلا وداع عليهما ولا دم، بدليل ما روى ابن عباس ﵄، قال: (أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفَّف عن الحائض) (٢) ، إلا أنه يستحب للحائض والنفساء أن تقفا على باب المسجد فتدعوان بدعاء المودع. لكن إن طهرت الحائض والنفساء قبل مفارقة بنيان مكة لزمهما الطواف. ⦗٤٥٧⦘ ومن مكث بعد الطواف أعاده، إلا إذا مكث لصلاة أقيمت، أو شغل سفر، كشراء زاد، ولم يطل زمن ذلك، أو شد حمولة أو شرب ماء زمزم، أو انتظار رفقة، أو إغماء، أو إكراه، وإن طال زمنه.

стр. 378

سنن طواف الوداع: يستحب للمودع أن يصلي ركعتين الطواف خلف المقام، ثم يقف عند الملتزم (١) بين الركن والباب فيدعو ويقول: "اللهم هذا بيتك، وأنا عيدك وابنُ عيدك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضاً، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير". ثم يصلي على النبي ﷺ .

стр. 379

ما يجزئ عن طواف الوداع: من ترك طواف الزيارة فطافه عند الخروج من مكة أجزأه عن طواف الوداع، لأنه يحصل به المقصود منه، كإجزاء طواف العمرة عن طواف القدوم وصلاة الفرض عن تحية المسجد. أما إن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة، لقوله ﵇: (إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى) ، ويكون حكمه حكم من ترك طواف الزيارة. ⦗٤٥٨⦘ ثامناً: اجتناب محظورات الإِحرام محظورات الإحرام هي: ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإِحرام. أولاً: ما يتعلق باللباس: آ- ما يحرم على الرجال: -١- لبس المحيط أو المخيط ببدنه، أو بأي عضو منه، مثل القفازين، سواء كان محيطاً كقميص وقباء (١) أو منسوجاً كدرع أو كيس معقوداً كالطربوش، يحرم ذلك كله إذا لبسه لبساً معتاداً، كأن يضع عباءة على منكبيه دون أن يدخل يديه في كميها، لأنها تستمسك ولو لم يدخل يديه فيها، بدليل ما روي عن ابن عمر ﵄ (أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : لا يلبس القُمُصَ، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسّه الزعفران أو الورس) (٢) . أما إذا لم يكن الللبس على الهيئة المعتادة، كأن ألقى على نفسه عباءة أو ثوباً وهو مضطجع، وكان ذلك بحيث لو قعد لم تستمسك عليه، فلا حرمة فيه، ولا فدية عليه. وخرج بذلك الإِزار والرداء، فلا يحرم لبسهما وإن كان بهما خياطة، لأن مدار الحرمة على الإِحاطة لا على الخياطة، فإذا لم يجد إزاراً فله لبس السراويل، ولا فدية عليه، لما روى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل) (٣) . ومن عدم الرداء لم يبح له القميص، لأنه يمكنه أن يرتدي به على صفته، ولا يجوز له عقد ردائه، وهو الذي يوضع على الأكتاف، ولا أن يزره عليه أو يخله بشوكة أو بغيرها، ولا يغرس طرفيه في إزاره لأنه في معنى عقده، لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: (لا تعتقد ⦗٤٥٩⦘ عليك شيئاً) (٤) . أما الإِزار فله عقده لأنه ضروري لستر العورة، وله أن يشد وسطه بعمامة أو حبل ولا يعقده ولكن يدخل بعضه في بعض، وله أن يضع على خصره الحزام الذي وضع فيه نفقته فإن لم يثبت عقده، لقول عائشة ﵂: "أوثق عليك نفقتك". أما المنطقة وما لا نفقة فيه فلا يجوز عقده لعدم الحاجة إليه. -٢- لبس المصبوغ بالورس أو الزعفران (٥) ، أما المصبوغ بالعصفر فيباح لبسه سواء كان الصبغ قوياً أو ضعيفاً للحديث المتقدم عن ابن عمر ﵄. -٣- لبس الخفين للحديث المتقدم، فإن لم يجد نعلين لبس الخفين وقطعهما أسفل من الكعبين (٦) ، وعن الإِمام أحمد: لا يقطع الخفين. ومن وجد نعلين لا يمكنه لبسهما لبس الخفين وافتدى لأن إسقاط الفدية مشروط بعدم النعلين. -٤- تعمد تغطية الرأس أو بعضه بما يسمى ساتراً، سواء كان مخيطاً أو غيره كالقلنسوة أو الخرقة أو الشال، لنهي النبي ﷺ المحرم عن لبس العمامة، ولقوله في الذي مات محرماً: (لا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً) (٧) . فمتى غطى رأسه بلاصق معتاد كعمامة، أو سترة بغير لاصق، بأن استظل بمحمل (مظلة) أو ثوب، راكباً أو لا، حرم وفدى، لأنه قصده بما يقصد به الترفه، لأنه ستره بما يستدام ويلازمه غالباً أشبه ما لو ستره بشيء يلاقيه. بخلاف استظلاله بخيمة أو شجرة أو بيت فله ذلك. وفي الاستظلال بالمحمل رواية ثانية أنه يجوز، لما روت أم الحصين ﵂ قالت: (حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ . والآخر ⦗٤٦٠⦘ رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة) (٨) . والأول هو المعتمد. وإن وضع يده على رأسه أو حمل عليه طبقاً فلا بأس إن لم يقصد به الستر. ويعد من الرأس البياض الذي وراء الأذن، ولا فرق بين شعر الرأس وبشرته. وخرج بذلك الوجه فلا تحرم تغطيته. وإن ستر رأسه لعذر من حر أو برد أو مداواة جاز، لكن تلزمه الفدية، لقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (٩) ، وقياساً على الحلق بسبب الأذى.

стр. 380

ب- ما يحرم على النساء: -١- يحرم على المرأة ستر وجهها بما يعد ساتراً، أما ما لا يعد ساتراً، مثل وضع يدها على وجهها، فلا يحرم، ويجب عليها أن تستر من وجهها مالا يتأتى ستر جميع رأسها إلا به. وإن خشيت الفتنة وجب عليها ستر وجهها، لما روت عائشة ﵂، قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذَوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه) (١) . أما إن غطته لغير حاجة فعليها فدية. -٢- يحرم عليها لبس ما مسه الورس والزعفران من الثياب. -٣- يحرم عليها لبس القفازين، لأن إِحرام المرأة في وجهها وكفيها، لما روى ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ (نهى النساء في إحرامهن عن القُفَّازين والنِقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معُصفراً أو خزاً أو حلياً أو سراويل أوقميصاً أو ⦗٤٦١⦘ خفاً) (٢) ، وروى النجاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي صلى الله ﷺ قال: (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) (٣) . ثانياً: ما يتعلق بالبدن: -١ً- إزالة الشعر، لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (٤) وقيس عليه سائر شعر البدن، لأنه يتنظف ويترفه بإزالته فأشبه حلق الرأس، وقص الشعر ونتفه كحلقه. ولا يحرم عليه حلق شعر الرأس الحلال لأنه لا يترفه بذلك. ولو دخل الشعر إلى عينه، أو استرسل شعر حاجبيه فغطى عينيه، فله إزالته، ولا فدية عليه. وكذلك يجوز إزالة الشعر للضرورة، كوجود قروح في الرأس أو شدة حر، وعليه فدية، لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية ... ) (٥) . -٢ً- يحرم تقليم الأظافر من يد أو رجل بلا عذر، فإن كان لعذر كما لو كسر ظفره فأزاله فلا فدية عليه. -٣ً- يحرم استعمال الطيب في بدنه وثيابه، لقول النبي ﷺ في الذي مات محرماً: (ولا تمسوه طيباً) (٦) ، ولما روى ابن عمر ﵄ في الحديث المتقدم عند البخاري عن النبي ﷺ : (ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسَّه الزعفران أو الورس) والطيب هو كل ما يُتطيب به أو يتخذ منه طيب كالمسك والكافور والعنبر والزعفران والورس والورد والبنفسج والياسمين. ⦗٤٦٢⦘

стр. 381

ويلحق بحرمة استعمال الطيب ما يلي: آ- لبس المبخّر بالطيب والمصبوغ به. ب- أكل الطيب أو شربه، أو المخلوط به، سواء كان قليلاً أو كثيراً إلا إذا استهلك الطيب بحيث لم يبق له طعم ولا رائحة. ولا فرق في ذلك بين أن يكون ما يضاف إليه الطيب مطبوخاً أو مطبوخ. جـ- الاكتحال بالطيب، أما الاكتحال بما ليس فيه طيب فجائز. د- الادهان بالطيب كدهن الورد والبنفسج والزنبق ونحوها، أما الادهان بما ليس فيه طيب كالزيت والسمن فلا يحرم ولو دهن شعر رأسه ووجه. هـ- شم الورد والياسمين والبنفسج، أي شم كل ما يتخذ منه الطيب، أما نبات البرية كالشيح والإذخر والخزامى والفواكه كالأترج والتفاح والسفرجل والحناء فليس بطيب، لأنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه طيب فأشبه العصفر، وقد ثبت أن العصفر ليس بطيب، لقول النبي ﷺ في الحديث المتقدم عن أبي داود: (ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب مُعصفراً أو خزاً ... ) . فإن مس المحرم طيباً لا يعلق بيده كقطع الكافور والعنبر فلا فدية فيه، لأنه لم يتطيب، أما إن شمه فعليه الفدية لأنه يستعمل هكذا. وكذا إن تعمد شم الطيب، مثل أن يدخل الكعبة وهي تجمرّ، أو حمل مسكاً ليشم رائحته فعليه فدية، لأنه شمه قاصداً له فأشبه ما لو باشره، أما إن لم يقصد شمه كالجالس عند العطار لحاجة أخرى، أو دخل الكعبة ليتبرك بها، أو حمل الطيب من غير مس للتجارة فلا يمنع منه، لأنه لا يمكن التحرز منه فعفي عنه. ثالثاً: ما يتعلق بالأفعال: -١ً- عقد النكاح: يحرم عقد النكاح إيجاباً لنفسه، أو قبولاً لغيره، بدليل الحديث الذي روي عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يَنْكِحُ ⦗٤٦٢⦘ المحرم ولا يَنْكِحُ ولا يخْطُب) (١) . ولا فدية فيه لأنه لا ينعقد أصلاً، فوجوده كعدمه، وسواء كان بوكالة أو ولاية فلا يصح ولو كان الزواج حلالاً. وتجوز له الخطبة ولكن تكره للحديث، ويؤخذ الحديث على أن قوله ﷺ : (لا ينكح ولا يُنكَح) للتحريم، (ولا يخطب) للكراهة. ولا مانع من هذا التفسير قياساً على ما ورد في الآية الكريمة: (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) (٢) فالأكل مباح والإيتاء واجب. ويجوز أن يراجع المحرم المحرمة والمحلّة، سواء طلقها قبل الإحرام أو أثناءه، لأن المراجعة استدامة نكاح، فتصبح بلا كراهية. -٢ً- الجماع: يحرم الجماع، لقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (٣) وتجب فيه الكفارة. ويحرم على الحلال من الزوجين تمكين المحرم من الوطء، لأنه إعانة له على المعصية. فإن كان الجماع قبل التحلل الأول فسد نسكهما ولو بعد الوقوف بعرفة، ولا فرق بين العامد والساهي، ويجب على الواطئ والموطوءة المضي في النسك الفاسد ولا يخرجان منه بالوطء فحكمه كالإِحرام الصحيح لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج العمرة لله﴾ (٤) ، ويقضيانه وجوباً العام الثاني، أما إذا كان الوطء بعد التحلل الأول فلا يفسد النسك وعليه شاة، ولا فدية على مكرهة ونفقة حجة قضائها عليه لأنه المفسد لنسكها. -٣ً- تحرم المباشرة بشهوة وإن ينزل، كالمعانقة والقبلة واللمس والنظر، وتجب فيها الفدية، أما لو فعل ذلك مع وجود حائل ففعله حرام، فإن أنزل بما سبق ⦗٤٦٤⦘ فعليه بدنة وإن لم ينزل فعليه شاة ولا يفسد حجه. وأما المباشرة بلا شهوة فلا تحرم. -٤ً- يحرم الاستمناء سواء كان بحائل أم لا، لأنه حرام في غير الإِحرام ففي الإِحرام أولى. -٥ً- يحرم الكلام الفاضح في المسائل الجنسية. -٦ً- الفسوق والجدل، لقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (٥) ، فينبغي أن ينزه الحاج إحرامه عن الكذب والشتم والكلام القبيح والمراء، فالحاج أحوج ما يكون إلى حسن الخلق والتذرع بالصبر، فإنه يتعرض لكثير من المتاعب في السفر، فليشهد الحاج أنه في حضرة مولاه، وليلاحظ ذلك دائماً، وليلتزم الأدب. روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه) (٦) . وقلة الكلام في ما لا ينفع مستحبة في كل حال، صيانة لنفسه عن اللغو والوقوع في الكذب وفيما لا يحل، فإن من كثر كلامه كثر سقطه. روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) (٧) ، وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (٨) . فهذا في حال الإِحرام أشد طلباً وآكد، لأنه حال عبادة واستشعار لطاعة الله. فليشتغل المحرم بالتلبية وذكر الله تعالى وقراءة القرآن وتعليم الجاهل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ⦗٤٦٥⦘

стр. 382

رابعاً: ما يتعلق بالصيد: -١ً- يحرم الصيد البري الوحشي المأكول فقط للمحرم، لقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ (١) داخل الحرم أو خارجه، أم صيد الحرم فيحرم على المحرم والحلال طوال العام، لما روى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح: ( ... إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي. ولم يحل لي إلا ساعة من نهار. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعضد شوكه. ولا ينفر صيده. ولا يلتقط إلا من عرَّفها. ولا يختلى خَلاها، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإِذخر. فإنه لِقَيْنِهِم ولبيوتهم. فقال إلا الإِذخر) (٢) . وحكمه في الجزاء حكم صيد الإِحرام لأنه مثله في التحريم. ويشترط في الصيد المحرم ثلاثة شروط: أ- أن يكون برياً، فلا يحرم الصيد البحري (٣) ، بدليل قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ (٤) . ب- أن يكون وحشياً، فأما الأهلي كبهيمة الأنعام والدجاج فليس بمحرم، لأنه ليس بصدد الاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال، فلو تأنس الوحشي كحمار الوحش والحمام لم يحل وفيه الجزاء، ولو توحش الأنسي لم يحرم. جـ- أن يكون مما يؤكل لحمه، أما ما لا يؤكل لحمه فلا حرمة في صيده، ولا فدية فيه، إلا أنه إذا كان غير مؤذٍ فيكره قتله، وإن كان مؤذياً فيباح قتله بلا كراهة، لما روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ⦗٤٦٦⦘ (خمس من الدواب، ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والفأرة والعقرب، والكلب العقور) (٥) ، والحديث ليس على سبيل الحصر، وإنما ينطبق على كل حيوان مؤذ. فإذا تولد الحيوان من حيوان مأكول وغيره كالسمع، وهو ولد الضبع من الذئب، يحرم قتله وفيه الجزاء تغليباً لحرمة القتل كما غلبت فيه حرمة الأكل. وكذا المتولد بين أهلي ووحشي. -٢ً- يحرم تنفير الحيوان البري الوحشي المأكول، لقوله ﷺ : (ولا ينفر صيده) فإن نفرّه فهلك بتنفيره ضمنه. -٣ً- يحرم الإعانة على قتله بدلالة بقول أو إشارة، أو إعانة آلة، لأن ما حرم قتله حرمت الإِعانة على قتله. فإن أعان حلالاً على قتله فالجزاء على المحرم، وإن أعان محرماً على قتله فالجزاء بينهما. -٤ً- يحرم التعرض لجزئه مثل بيضه أو فرخه، فإن أتلفه ضمنه، إلا إن كان البيض مذراً (فاسداً) فلا شيء عليه. -٥ً- يحرم شراء الصيد وهبته، لما روى ابن عباس ﵄ عن الصعب بن جثامة (أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشياً، وهو بالأبواء - أو بودان -، فرده عليه رسول الله ﷺ . قال: فلما رأى ما في وجهي قال: إنا لم نرده عليك، إلا أنّا حُرُمٌ) (٦) . أما إن كان مالكاً له قبل إحرامه فيبقى في ملكه ولا يجب عليه إرساله.

стр. 383

حكم أكل المصيد للمحرم: -١- يحرم أكل لحم ما صاده المحرم على المحرم وغيره لأن المحرم مُنع من الذبح لحق الله تعالى. ⦗٤٦٧⦘ -٢- يجوز أكل لحم ما صاده الحلال للمحرم وغيره. -٣- يحرم أكل لحم ما صاده الحلال بإشارة إعانة من المحرم على المحرم فقط، ليس على الحلال. -٤- يحرم أكل لحم ما صاده الحلال لأجل المحرم على المحرم فقط وأحل؟؟ الحلال، لما روى جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: (صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم) (١) . -٥- يحرم أكل البيض على المحرم إن كسره، ولا يحرم على الحلال لأنه لا يحتاج إلى ذكاة وفيه جزاء.

стр. 384

خامساً: ما يتعلق بشجر الحرم وحشيشه: يحرم على المحرم والحلال التعرض لشجر الحرم الرطب الذي لم ينبته الآدمي وحشيشه، بقطع أو قلع أو تلاف، ولا لغصن من أغصانه حتى الشوك والعوسج، ومن قطعه فلا يباح له ولا لغيره الانتفاع به، لما روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إلا وأنها ساعتي هذه حرام، لا يختلى شوكها، ولا يُعضد شجرها) (١) ، لما روى ابن عباس ﵄ في الحديث المتقدم عن النبي ﷺ قال: (لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط إلا من عرَّفها، ولا يختلى خَلاها. فقال العباس: يا رسول إلا الإذخر، فإنه لقينهم لبيوتهم فقال إلا الإِذخر) (٢) . ويستثنى ما يلي: -١ً- والإِذخر والكمأة. -٢ً- ما زرعه الإنسان من بقل ورياحين وشجر غرس من غير شجر الحرام لأنه كالحيوان الأهلي. ⦗٤٦٨⦘ -٣ً- الثمر. -٤ً- قطع الشجر اليابس لأنه بمنزلة الميت، أما قلعه من جذوره فيحرم. -٥ً- يجوز أخذ ما تناثر أو يبس من الورق، أو تكسر من الشجر والعيدان بغير فل الآدمي، أما ورق الشجر الأخضر فلا يجوز أخذه والانتفاع به. ومن قلع شجرة لزمه ردها إلى موضعها كمن صاد صيداً لزمه إرساله، فإن أعادها فيبست ضمنها لأنه أتلفها. كما يحرم صيد المدينة وشجرها، لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (المدينة حرم ما بين عَيْر إلى ثور) (٣) ، وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرّمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عِضاهها (٤) ولا يصاد صيدها) (٤) .

стр. 385

ما يجوز للمحرم فعله: -١- أن يغتسل المحرم بالماء والصابون، لقولا النبي ﷺ في الذي مات محرماً: (اغسلوه بماء سدر) (١) ، ويكون ذلك بصب الماء على الرأس، ولا بأس ن كان الصابون ذا رائحة إلا أنه مكروه وقيل عليه صدقة. -٢- أن يحتجم وأن يفتصد دون أن يقطع شعراً، لما روى ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم) (٢) . -٣- أن يتقلد بالسيف عند الضرورة، لأن أصحاب رسول الله صلة الله عليه وسلم دخلوا في عمرة القضاء متقلدين سيوفهم. ⦗٤٩٦⦘ -٤- يجوز للمحرم الحاج التجارة والتكسب والصناعة لقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ (٣) . قال ابن عباس ﵄: (كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم" في مواسم الحج) (٤) . وأخيراً فإن محظورت الإحرام على وجه الإجمال تسعة: حلق الشعر، تقليم الأظافر، تغطية رأس الذكر، لبسه المخيط، الطيب، قتل صيد البر واصطياده، عقد النكاح، الوطء، المباشرة دون الفرج. ⦗٤٧٠⦘

стр. 386

الباب الرابع (سنن الحج)

стр. 387

-١- يستحب الاغتسال لدخول مكة، وأن يدخلها من أعلاها من ثنية كداء، ويخرج من أسفلها، لما روى نافع قال: (كان ابن عمر ﵄، إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طِوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن نبي الله ﷺ كان يفعل ذلك) (١) . -٢- أن يدخل الحرم من باب بني شيبة، لقول عطاء: "يدخل الحرم من حيث شاء. قال: ودخل النبي الله ﷺ من باب بني شيبة وخرج من باب بني مخزوم إلى الصفا) (٢) . -٣- أن يدعو عند رؤية البيت، ويرفع يديه، لما روى ابن جريج (أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة وزد من شرفه وكرمه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً) (٣) . وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان حين ينتظر إلى البيت يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام حيّنا ربنا بالسلام" وزاد الأثرم: "الحمد لله رب العالمين كيراً كما هو أهل له وكما ينبغي لكريم ووجهه وعز جلاله. الحمد لله الذي بلّغني بيته ورآني لذلك أهلاً. الحمد لله على كل حال. اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك. اللهم تقبل مني واعفُ عني وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت". ⦗٤٧١⦘ -٤- أن يبدأ بالطواف، لما روت عائشة ﵂ (أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة) (٤) ، ولأن الطواف تحية المسجد كالركعتين في غيره من المساجد، وينوي به طواف القدوم ن كان محرماً بحج أو قارناً، وينوي به طواف العمرة إن كان متمتعاً. -٥- الإكثار من الطواف بالبيت، لما روى عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من طاف بالبيت وصلى ركعتين كان كعتق رقبة) (٥) . -٦- يستحب الشرب من ماء زمزم لما أحب، لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له) (٦) . ويستحب أن يقول ند شربه: "بسم الله. اللهم اجعل لنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً، واجعله لنا ريّاً وشبعاً وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي واملأه من خشيتك". -٧- الإكثار من التلبية في حال إحرامه كما مر في سنن الإحرام. -٨- يستحب الخروج يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) قبل صلاة الظهر إلى منى، والمبيت بها إلى الضحى، ومن ثم مغادرتها إلى عرفة. فإن لم يكن محرماً أحرم بالحج من الحرم، ثم يطوف بالبيت سبعاً، ويصلي ركعتين، ثم يستلم الركن وينطلق منها مهِلاًّ بالحج، لأن عطاء كان يفعل ذلك. -٩- أن يغادر منى قبل الظهر لى عرفة. -١٠- أن يجمع صلاة الظهر مع العصر جمع تقديم، من له الجمع وهو المسافر سفر قصر، في عرفة بأذان وإقامتين ومن لم يصلِّ مع الإمام جمع في رحله. -١١- أن يجمع صلاة المغرب مع العشاء في مزدلفة جمع تأخير. -١٢- أن يغادر عرفة عقب الغروب مباشرة. -١٣- أن يخطب الإِمام ثلاث خطب: يوم عرفة في مسجد نمرة، ويوم النحر بمنى، يعلم الناس فيهما مناسكهم وأفعالهم في وقوفهم وفي الإفاضة والرمي ⦗٤٧٢⦘ والمبيت بمنى، وخطبة ثالثة يوم النفر، وهو أوسط أيام التشريق، يعلم الناس فيها حكم التعجيل والتأخير والوداع، لما روى أبو نجيح عن أبيه عن رجلين من بني بكر قالا: (رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته) (٧) . ويقصر الخطبة يوم عرفة، ثم يأمر بالأذان، ويصلي بهم الظهر والعصر بأذان وإقامتين، لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ خطب يوم عرفة وقال: إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم ... إلى آخر خطبته (قال: ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف) (٨) . -١٤- يسن يوم النحر أن يفعل فيه ستة أشياء: الوقوف في المشعر الحرام، ثم الإفاضة إلى منى، ثم الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم طواف الزيارة، والسنة ترتيبها هكذا لأن النبي ﷺ رتبها في حديث جابر ﵁ ويره، فإن فعل شيئاً قبل شيء جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه، لما روى ابن عباس ﵄ قال: (سئل النبي ﷺ : عمن حلق قبل أن يذبح، ونحوه، فقال: لا حرج) (٩) ، وروي عنه أيضاً: "قال رجل للنبي ﷺ زرت قبل أن أرمي، قال: لا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: لا حرج. قال ذبحت قبل أن أرمي، قال لا حرج" (١٠) إلا إذا قدّم الحلق على الرمي فعليه دم، لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (١١) ، ولأن الحلق كان محرّماً قبل التحليل الأول ولا يحصل إلا بالرمي. ⦗٤٧٣⦘ -١٥- تسن زيارة قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄، لما روي عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من زارني أو زار قبري كنت له شفيعاً أو شهيداً) (١٢) ، ولحديث أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى) (١٣) . ويصلي في مسجد رسول الله ﷺ ، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام) (١٤) . ⦗٤٧٤⦘

стр. 388

الباب الخامس

стр. 389

الفصل الأول

стр. 390

أوجه تأدية الحج أوجه تأدية الحج ثلاثة هي: -١- التمتع. -٢- الإفراد. -٣- القران. -١- التمتع: وهو أن يحرم بعمرة من ميقات بلده في أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من مكة في عامه، وعليه دم، لأنه في التمتع يفوت الإِحرام بالحج من ميقات بلده، ولأنه يتمتع بمحظورات الإِحرام ما بين العمرة والحج. قال تعالى: (فمن تمتع بلعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) (١) . -٢- الإِفراد: وهو أن يحرم بالحج مفرداً من ميقات بلده ثم يحرم بعمرة بعد فراغه من الحج. -٣- القران: وهو أن يحرم بهما معاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الإِحرام بالحج قبل الطواف إن لم يكن معه هدي، فإن كان معه هدي فيجوز ولو بعد السعي لما روت عائشة ﵂ قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فهللنا بعمرة ثم قال رسول الله ﷺ : من كان معه هديٌ فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً) (٢) . ويجب على القرن دم، لأن القران نع من التمتع فيدخل في عموم الآية: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) ، ولأن ترفه بترك أحد السفرين، ولفوات أعمال العمرة كلها لأنها تندمج بأفعال الحج. ⦗٤٧٥⦘ وتجزئ عمرة القارن وعمرة المفرد من أدنى الحل عن عمرة الإِسلام. وأفضل هذه الوجوه على الترتيب: -١ً- التمتع: لما روى جابر ﵁ (أنه حج مع النبي ﷺ يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفرداً فقال لهم أحِلّوا من إحرامكم، بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، ثم أقيموا حلالاً، حتى إذا كان يم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة. فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلو ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله. ففعلوا) (٣) . وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولَحَلَلْت مع الناس حين حلوا) (٤) . فيدل هذا على فضيلة التمتع. ويستحب للقارن ولمفرد إذا لم يكن معهما هدي أن يفسخا نيتهما بالحج وينويا عمرة مفردة ليصيرا متمتعين لحديث جابر ﵁ المتقدم. وقال سلمة ابن شبيب لأحمد بن حنبل ﵁: "يا أبا عبد الله كل شيء منك حسن جميل إلا خلة واحدة تقول بفسخ الحج. فقال أحمد: قد كنت أرى لك عقلاً، عندي ثمانية عشر حديثاً صحاحاً جياداً كلها في فسخ الحج، أتركها لقولك: -١ً- أما من ساق الهدي فليس له ذلك للحديث المتقدم ولقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (٥) . -٢ً- الإفراد بعد التمتع، لأنه يأتي بنسكين كاملي، والقارن يقتصر على عمل الحج فقط. ⦗٤٧٦⦘ -٣ً- القران. حكم تغيير نية الإِحرام: -١- لا يصح للمفرد أن يدخل على الحج عمرة ولا يصبح قارناً، لأن إحرامه بها لا يزيده عملاً على ما لزمه بإحرام الحج لا يغير ترتيبه. -٢- يجوز للمتمتع (٦) أن يدخل الحج على العمرة، ويصبح قارناً، ولو لم يكن هناك عذر بشرط أن لا يكون طاف طواف العمرة، إلا إن كان معه هدي فله ذلك ولو كان طاف وسعى لأن من سق هدياً لا يجوز له التحلل حتى ينحر هديه، فلا يتحلل بطواف ويتعين عليه إدخال الحج على العمرة ويصير قارناً. -٣- يجوز للمفرد أن يفسخ حجه، ويتحلل بعمرة، ويصبح متمتعاً، بل إن ذلك مستحب له لحديث جابر ﵁ المتقدم. -٤- ويستحب للقارن أن يفسخ حجه، ويتحلل بعمرة إن لم يكن وقف بعرفة، ويصبح متمتعاً، ولو طاف وسعى إن لم يسق معه هدي، وإلا فليس له أن يحل من إحرامه بالحج ويجعله عمرة، لما روى ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى، فإنه لا يحلُّ من شيء حَرُمَ منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصرِّ ولْيَحْلِلْ ثم لْيُهِلَّ بالحج ولْيُهْدِ. فمن لم يجد هدياً، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) (٧) .
следующие страницы →