ثانياً: النجاسات:
تعريف النجاسة أو الخبث:
النجاسة لغة: كل شيء مستقذر حسياً كان أو معنوياً فيقال للآثام وإن كانت معنوية وفعلها نَجَس. قال تعالى: (إنما المشركون نجس) (١) .
وشرعاً: العين المستقذرة.
أقسام النجاسة: للنجاسة قسمان الأول: النجاسة الحكمية: وهي الطائرة على محل طاهر قبل طروها. ⦗٥١⦘
والثاني: النجاسة الحقيقية: وهي عين النَجَس.
والأعيان النجسة هي:
-١ً- بول الآدمي: بدليل حديث ابن عباس ﵄ قال: (مرَّ رسول الله ﷺ على قبرين. فقال: أما إنهما ليعذبان. وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة. وأما الآخر فكان لا يستتر (٢) من بوله) (٣) .
-٢ً-العذرة: وإن لم تتغير عن حاله الطعام ولو كان الآدمي صغيراً لم يتناول الطعام.
-٣ً-الوادي: وهو ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول فحكمه حكم البول
-٤ً- المذي: وهو ماء رقيق يخرج من القبل عند الملاعبة لقول رسول الله ﷺ لعلي ﵁، وقد سأله عن المذي: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة) (٤) فهو أشبه البول. (وعن الإمام أحمد: أنه كالمني لأنه يخرج بشهوة) .
-٥ً- رطوبة فرج المرأة: وفيها روايتان: إحداهما: أنها نجسة، لأنها بلل يخرج من الفرج ولا يُخلق منه ولد، فأشبه المذي، والثاني: أنها طاهرة، وهي التي عليها أكثر الأصحاب.
-٦ً- القيء والقلس: لأنه طعام استحال بالخوف إلى فساد أشبه بالغائط.
-٧ً- الدم بجميع أنواعه لما روت أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ قالت: (سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب قال: اقرصيه ⦗٥٢⦘
واغسليه وصلي فيه) (٥) ولقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم) (٦) . إلا الكبد والطحال فإنهما طاهران، وكذا دم السمك والقمل والبرغوث.... فكلها طاهرة، وما بقي من الدم في لحم المذكاة أو عروقها معفو عنه ولو علت حمرة الدم القدر، لأنه لا يمكن التحرز منه فيعفى عنه.
-٨ً- العلقة: لأنها دم خارج من الفرج. (وعن الإمام: أنها طاهرة لأنها بدء خلق الآدمي) .
-٩ً- القيح: وهو دم استحال إلى نتن وفساد، وكذا الصديد وهو ماء الجرح الرقيق المختلط بدم وما يسيل من القروح ونحوها.
-١٠ً- الخمر: لقوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رج من عمل الشيطان فاجتنبوه) (٧)
-١١- النبيذ وكل مسكر مائع سواء كان مأخوذاً من عصير العنب أو كان نقيع زبيب أو تمر أو غير ذلك، لأن الله تعالى قد سمى الخمر رجساً والرجس في العرف النجس ولقوله ﷺ فيما رواه عنه ابن عمر ﵄: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) (٨) .
ولأنه شراب فيه شدة مطربة أشبه بالخمر، أما الحشيشة المسكرة ففيها قولان: الأول: هي نجسة سواء أميعت أم لا، والثاني: هي طاهرة إلا إذا أميعت.
-١٢- بخار النجاسة ودخانها إن اجتمع منهما شيء ولاقى جسماً صقيلاً فصار ماءٌ فهو نجس، أما ما أصاب الإنسان من دخان النجاسة وغبارها فلم يجتمع منه شيء ولا ظهرت صفته فهو معفو عنه لعدم إمكان التحرز منه. ⦗٥٣⦘
-١٣- الطيور والبهائم وسائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها والتي هي مما فوق الهرة بالخلقة مثل السبع، العقاب، الصقر، الحدأة، البومة وما يأكل منها الجيف كالنسر والرخم والعقعق وغراب بَيْن، والفيل والبغل والخنزير والكلب والحمار والسبع والأسد والنمر والذئب والفهد وابن آوى والدب والقرد، وما تولد من حيوان مأكول اللحم وحيوان غير مأكول اللحم.
-١٤- فضلة ما لا يؤكل لحمه إذا كان له دم يسيل من بول ورجيع (الروث، والعذرة) وبيض ولبن ومني ولو كان طاهراً قبل الموت كالفأرة، أما ما لا دم له يسيل فإن ميتته طاهرة.
-١٥- ميتتة الحيوان البري إذا كان له دم يسيل سواء كان في حال الحياة طاهراً أم نجساً والدليل قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) (٩) ، بخلاف ميتة الآدمي وأجزائه وأبعاضه فحكمها حكم جملته لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن المؤمن لا ينجس) (١٠) وبخلاف ميتة الحيوان البحري فإنها طاهرة لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) (١١) كالسمك وسائر حيوانات البحر مما لا يعيش إلا في الماء، أما الضفادع والسلاطعين فهي برمائية وعيشتها ليست في البحر فيحرم. أكلها وميتتها نجسة. وأما الجراد وما لا دم سائل له كالعقرب والخنفساء والبق والقمل والبراغيث والعنكبوت والصرصار فكلها طاهرة إذا لم تكن متولدة من نجاسة مثل الكنف لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء) (١٢) .
-١٦- جلود الميتة: ولا تطهر بالدباغة في ظاهر المذهب لقوله تعالى: ⦗٥٤⦘ (حرمت عليكم الميتة) (١٤) والجلد جزء منها ولحديث عبد الله بن عكيم (أن رسول الله ﷺ كتب إلى جهينة قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (١٥) .
-١٧- كل ما يرشح من الكلب والخنزير من لعاب ومخاط وعرق ودمع.
-١٨- كل ما تحله الحياة من أجزاء الميتة: عظمها وقرنها وظفرها وحافرها، لأن ما تحله الحياة يحله الموت فينجسه والله تعالى قال: (حرمت عليكم الميتة) ودليل الحياة الإحساس والألم.
-١٩- كل ما يخرج من الميتة نحو دم، ومخاط، ولبن، وأنفحة، (وعن الإمام أحمد: الأنفحة طاهرة، لأن الصحابة رضوان الله عليهم أكلوا من حين المجوس، وهو يصنع من الأنفحة، وذبائحهم ميتة) ، وبيض الميتة إن لم يصلب قشرة، أما إن كان صلب القشرة وهو من حيوان يؤكل لحمه فطاهر، وكذا البيض الفاسد وهو ما اختلط صفاره ببياضه مع التعفن، فهو طاهر.
-٢٠- كل ذبح لا يفيد إباحة اللحم (يحرم أكله) يكون مذبوحه نجس كذبح المجوسي والمرتد، والذبح المتروك التسمية عليه عمداً، وذبح المحرم للصيد وذبح الحيوان غير مأكول اللحم.
стр. 37
النجاسات المعفو عنها:
-١ً- أثر النجاسة بعد غسلها كأن يبقى لونها أو ريحها لمشقة إزالته، لما روي عن أبي هريرة ﵁ (أن خولة بنت يسار أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إنه ليس لي ثواب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه. فقالت: فإن للم يخرج الدم؟ قال: يكفيك غسل الدم ولا يضرك أثره) (١) . ⦗٥٥⦘
-٢ً- يسير الدم والقيح والصديد في غير المائعات والمطعوم لأنه لا يمكن التحرز منه، بشرط أن يكون من حيوان طاهر حال حياته أو من إنسان لا يخلوا من حبة وبئر وقد روي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم الصلاة مع الدم ولم يعرف لهم مخالف.
وحد اليسير: ما لا ينقص مثله الوضوء، وهو ما يعده الإنسان في نفسه يسيراً، فلو أصاب الدم ثوبا في مواضع فإنه يضم بعضه إلى بعض، فإن كان المجموع يسيراً غفي عنه وإلا فلا، ولو كان مما لا يدرك الطرف كأن تحمله رجل ذبابة فيقع فيها فإنها تنجس.
-٣ً- ريق البغل والحمار وعرقهما وسباع البهائم وجوارح الطير وبول الخفاش، فيها روايتان: إحداهما: يعفى عن يسيره لمشقة التحرز منه، لأنه لا يكاد يسلم مقتني هذه الحيوانات من بللها فعفي عن يسيرها كالدم.
-٤ً- المذي: وفيه روايتان إحداهما: يعفى عن يسيره، لأن المذي يكثر من الشباب.
-٥ً- النبيذ: فيه روايتان إحداهما: يعفى عن يسيره لوقوع الخلاف فيه.
-٦ً- النجاسة التي تصيب عين الإنسان ويتضرر بغسلها.
-٧ً- يسير طين الشارع إن تحققت نجاسته بما خالطه من النجاسة، أما إن ظنت نجاسته فطاهر.
-٨ً- يسير سلس البول بعد كمال التحفظ لمشقة التحرز. ⦗٥٦⦘
-٩ً- أثر الاستجمار بمحله بعد الإنقاء واستيفاء العدد المطلوب في الاستجمار.
-١٠ً- دخان النجاسة وغبارها ما لم تظهر له صفة.
التطهير من النجاسات:
أولاً: تطهير الأرض المتنجسة ونحوها من الصخور والأحواض الكبيرة أو الصغيرة الداخلة في البناء، فإنها تطهر بصب الماء عليها بكثرة ولو من مطر أو سيل حتى تزول عين النجاسة وريحها ولونها وطعمها لما روى أنس ﵁ (أن أعرابياً قام إلى ناحية في المسجد. فبال فيها. فصاح به الناس. فقال رسول الله ﷺ : دعوه. فلما أفرغ أمر رسول الله ﷺ بِذَنوب (١) فصب على بوله) (٢) . ولا تطهر الأرض المتنجسة بالشمس ولا بالريح ولا بالجفاف.
ثانياً: تطهير الآبار: تطهر أرض البئر إن كانت نجسة بنبع الماء فيها.
ثالثاً: تطهير الثياب والأواني وما يماثلها من الأشياء: في تطهيرها من النجاسة روايتان:
الأولى: يجزئ مكاثرتها بالماء حتى تذهب عين النجاسة ولونها وريحها وطعمها من غير عدد، ولأن النبي ﷺ -فيما روته عن أسماء ﵂ قال في دم الحيض: (اغسليه وصلي فيه) (٣) ولم يذكر عدداً، وروى ابن عمر ﵄ قال: (كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار. والغسل من البول سبع مرار. فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمساً والغسل من الجنابة مرة والغسل من البول مرة) (٤) . ⦗٥٧⦘
والثانية هي القول المعتمد في المذهب. أنه يجب في التطهير عدد معين في الغسلات وهو سبع مرات.
ويشترط في تطهير المتنجس الذي تشرب النجاسة أن يعصره كل مرة خارج الماء أن أمكن عصره، وعصر كل شيء بحسبه، ويكتفى بعصر الثوب بالقدر الذي لا يفسده، وإن كان بساطاً ثقيلاً فعصره بتقليبه ودقه حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء.
أما الأواني تطهير بمرور الماء عليها وانفصالها عنها سبع مرات (وقيل ثلاث، واجتهد المتأخرين يكفي الغسل ثلاثاً إذا كانت عين النجاسة مزالة) .
فإن بقي بعد الغسل المطلوب (كل مرة مع الفرك والعصر) لون أو ريح أو بقيا معاً فإنه لا يضر (أي يعتبر طاهراً) ، أما إن بقي الطعام فإنه يضر (أي يبقى نجساً) إلا أنه يعفى عنه لأن بقاء الطعم دليل على بقاء عين النجاسة لا أثرها.
وإذا خفي موضع النجاسة في ثوب أو بدن غسل كل محل احتمل إصابته بالنجاسة حتى يتيقن غسلها، فإن لم يعلم جهتها من البدن أو الثوب غسله جميعاً. أما إذا وقعت النجاسة في أرض حرش واسعة أو في صحراء وجهل المكان فإنه لا يجب غسل جميعه ويصلي فيها بلا تحرٍ.
رابعاً: التطهير من نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما: إذا تنجس شيء، بملاقاة الكلب، غير الأرض يجب غسله سبعاً إحداهن بالتراب سواء كان من ولوغه أو غيره لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (قال النبي ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب إن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" (٥) . وعن الإمام أحمد: يغسله سبع مرات ثم يعفره بواحدة بدليل قوله ﷺ فيما رواه ابن المغفل عنه: (إذا ⦗٥٨⦘ ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب) (٦) . والأولى جعل التراب في الأولى للخبر وليكن الماء بعده.
وأما الدليل على نجاسة الخنزير فبالقياس على الكلب لأنه أسوأ حالاً منه لنص الشارع على تحريمه وحرمة اقتنائه.
خامساً: التطهير من المذي: هناك روايتان في التطهير منه إحداهما: يجزئ نضحه لما روى سهل بن حنيف ﵁ قال: (كنت ألقى من المذي شدة وعناء فكنت أكثر منه الغسل فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ وسألته عنه فقال: إنما يجزئك من ذلك الوضوء. فقلت يا رسول الله كيف بما يصيب ثوبي منه قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه) (٧) .
والثانية: يجب غسله لأن النبي ﷺ أمر بغسل الذكر منه بقوله: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة) (٨) ، ولأنه نجاسة من كبير أشبه بالبول.
سادساً: التطهير من بول الغلام الذي لم يطعم الطعام ومن قيئه: يطهر بالنضح الذي يغمره بالماء وإن لم ينفصل لما روي عن أم قيس بنت محصن ﵂ (أنها أتت رسول الله ﷺ بابن لها لم يأكل الطعام، فوضعته في حجره، فبال: فلم يزد على أن نضح بالماء) (٩) . أما التطهير من بول الجارية فلا يجزئ إلا الغسل لحديث خادم رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام) (١٠) .
سابعاً: تطهير محل الاستنجاء إذا استجمر: هناك روايتان: إحداهما يطهر بالاستجمار لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: (أن رسول الله ﷺ كان ⦗٥٩⦘ يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة) (١١) فهذا دليل على أن غيرهما يطهر به المحل، وسئل الإمام أحمد عن المستجمر يعرق في سراويله فقال: لا بأس به. وأما الثانية: فلا يطهر المحل.
ثامناً تطهير أسفل الخف والحذاء إذا أصابه نجاسة: هناك ثلاث روايات: الأولى: يجزئ دلكه بالأرض لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب) (١٢) . والثانية: يجب غسله لأنه ملبوس فلا يجوز فيه المسح كظاهره، وهذه الرواية هي المعتمد. أما الثالثة: فيجب غسله من البول والعذرة لفحشها ويجزئ دلكه من غيرهما.
تاسعاً: المائعات المتنجسة كالسمن والزيت والعسل لا تقبل التطهير.
عاشراً: الجامدات التي تشربت النجاسة كاللحم إذا طبخ أو سلق بنجاسة لا تقبل التطهير، أما البيض المسلوق بنجاسة فإنه يقبل التطهير لصلابة قشرته المانعة من تسرب النجاسة.
стр. 38
الأعيان النجسة المتحولة إلى طاهرة:
-١ً- الخمرة إن انقلبت خلاً بنفسها طهرت، لأن نجاستها لشدتها المسكرة وقد زال ذلك، ولو كان سبب التخلل نقلها من الظل إلى الشمس أو بالعكس. أما إن خُللت عمداً فلا تطهر لما روي (أن أبا طلحة ﵁ سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً قال: أهرقها قال: أفلا أجعلها خلاً. قال: لا) (١) فلو جاز ⦗٦٠⦘
-٢ً- المسك المنفصل من الغزال الحي طاهر، وكذا جلدته طاهرة، لأن أصله دم نجس استحال إلى طاهر.
стр. 39
أشياء لا تطهر النجاسات:
-١ً- الدباغة: لا تطهر جلود الميتة بالدباغة، وإنما إذا دُبغت أُبيح استعمالها في المواد الجافة لقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) والجلد جزء منها، ولحديث أبي داود المتقدم: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) . وعن الإمام أحمد: يطهر بالدباغة جلد ما كان طاهراً حال الحياة لما روى ابن عباس ﵄ قال: (تُصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ فقال: هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا: إنها ميتة. فقال: إنما حرم أكلها) (١) . أما ما كان نجساً وهو حي فلا يطهر جلده بالدباغة عن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الحرير والذهب وعن مياثر النمور) (٢) ، ولأن أثر الدبغ يكون في إزالة النجاسة الحادثة بالموت فبعد الدبغ يعود كما كان حكمه قبل الموت.
-٢ً- الاستحالة: لا تطهر، فالدود المتولد من النجاسة، وكذا الصرصار المتولد من الكنف كلها نجسة، لأن نجاستها لعينها بخلاف الخمرة، فإن نجاستها لمعنى فيها زال بالانقلاب إلى خل.
-٣ً- النار: لا تطهر النجاسة، فلو عرضت نجاسة على النار حتى احترقت وصارت رماداً، فالرماد والدخان نجسان.
-٤ً- الشمس والريح والجفاف: لا تطهر الأرض ولا الأشياء المتنجسة.
الانتفاع بالنجاسات: لا يجوز الانتفاع بأي مائع نجس كالخمر والدم، وكذا لا يحل الانتفاع بالجامدات النجسة كالخنزير والزبل النجس، كما لا يحل الانتفاع بالميتة ولا بدهنها. أما دهن الحيوان الحي الطاهر كالسمن الذي سقطت فيه نجاسة فإنه يجوز الانتفاع به في غير الأكل كأن يستضاء به في غير المسجد. ⦗٦١⦘
стр. 40
مُلحقات السواك وبعض السنن
حكمه:
-١- السواك:
-١ً- سنة مؤكدة:
-١- عند كل صلاة لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) (١) .
-٢- عند الانتباه من النوم: لما روى حذيفة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يَشُوصُ (٢) فَاهُ بالسواك) (٣) .
-٣- عند تغير رائحة الفم إما بأكل ذي ريح أو من خواء المعدة من الطعام.
-٤- عند الوضوء.
-٥- عند قراءة القرآن.
-٦- عند دخول المسجد.
-٧- عند اصفرار الأسنان.
-٢ً- سنة: في كل الأوقات وإذا دخل بيته لما روى شريح بن هانئ قال: (سألت عائشة ﵂ قلت: بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك) (٤) . ⦗٦٢⦘
-٣ً- مكروه: للصائم بعد الزوال سواء كان السواك بعود رطب أو يابس، لأنه يزيل خلوف فم الصائم وهي أطيب عند الله من ريح المسك، ولأنه أثر عبادة مستطاب شرعاً. أما السواك للصائم فبل الزوال فهو مسنون بعود يابس ومباح بعود رطب.
آلة الاستياك: عود لين ويفضل عود الأراك اتباعاً للسنة. فإن استاك بخرقة أو بأصبعه لم يصب السنة. ويكره الاستياك بعود الريحان أو الرمان أو نحو ذلك مما يضر باللثة.
كيفية الاستياك: يندب الاستياك باليد اليسرى، وأن يبدأ من جانب فمه الأيمن من ثناياه إلى أضراسه، وأن يستاك عرضاً بالنسبة للأسنان طولاً بالنسبة للثة.
فوائد السواك: مُرْضِ لله لحديث عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) (٥) ، مذكر بالشهادة عند الموت، مهضم للطعام، مغٍذ للجائع.
-٢- السنن الأخرى:
تقليم الأظافر، قص الشارب، نتف الإبط، حلق العانة لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الفطرة خمس - أو خمس من الفطرة -: الختان والاستحداد وتقليم الأظافر ونتف الأبط وقص الشارب) (٦) .
الختان: وهو واجب عند البلوغ، فإن كبر وخاف على نفسه من الختان سقط عنه هذا الواجب، والأفضل أن يختن المولود يوم الـ (٢١) وإلا ترك حتى يشتد عوده. والختان من ملة سيدنا إبراهيم ﵇ وقد ختن نفسه قال تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم) (٧) .
ويسن الاكتحال والتطيب والنظر في المرآة ويقول: اللهم كما أحسنت خَلقي فحسن خُلقي وحرم وجهي على النار. ⦗٦٣⦘
стр. 41
الباب الثالث (أحكام التخلي)
стр. 42
أولاً: المستحبات:
-١- يستحب لمن أراد قضاء الحاجة أن يقول عند الدخول: "بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث"، لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله (١) . وروي عن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) (٢) .
وأن يقول عند الخروج: "غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، لما روت عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك (٣) وعن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) (٤) .
-٢- يستحب أن يقدم رجله اليسرى في الدخول على اليمنى، وأن يقدم رجله اليمنى على اليسرى في الخروج، لأن اليسرى للأذى واليمنى لما سواه. ⦗٦٤⦘
-٣- يستحب أن يرفع ما عليه ذكر الله غير قرآن فيحرم إدخاله صيانة له، وعن الإمام: إذا كان ما عليه ذكر الله دراهماً فلا بأس، أما الخاتم الذي عليه ذكر الله فيجعله في بطن كفه إذا أراد دخول الخلاء.
-٤- يستحب إذا كان في الفضاء، أن يبتعد عن الناس، ويستتر عن أعينهم، لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره ... ) (٥) .
-٥- يستحب أن يرتد لبوله مكاناً رخواً لئلا يترشش عليه.
-٦- يستحب أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض لما روى ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) (٦) .
-٧- يستحب أن يبول قاعداً لأنه أستر له وأبعد من أن يترشش عليه.
-٨- يستحب أن يتوكأ في جلوسه على الرجل اليسرى لأنه أسهل لخروج الخارج.
-٩- يستحب أن يتنحنح ليخرج ما بقي.
-١٠- يستحب أن يلبس النعلين ويغطي رأسه، لما روى البيهقي عن حبيب بن صالح قال: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء لبس حذاءه وغطى رأسه) (٧) .
стр. 43
ثانياً: المحرمات:
-١- يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الفضاء لغائط أبو بول بلا ساتر لحديث أبي أيوب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ⦗٦٥⦘ ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا) (١) . ويجزئ الاستتار بدابة، أو جبل، أو جدار، ولو أرخى ثوبه حصل به الستر.
وفي البنيان روايتان: إحداهما لا يجوز لعموم النهي، والثانية يجوز.
وعن مروان الأصفر أنه قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس (٢) .
-٢- يحرم البول والتغوط بين قبور المسلمين وعليها.
-٣- يحرم البول والتغوط في طريق مسلوك، لحديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل) (٣) .
-٤- يحرم البول والتغوط في ظل نافع ومثله مشمس زمن الشتاء، كما يحرم في متحدث الناس إلا أن يكون حديثهم غيبة أو نميمة.
-٥- يحرم قضاء الحاجة تحت الشجرة مثمرة يؤكل ثمرها أو لا، لأنه يفسدها وتعافها النفس.
-٦- يحرم اللبث في الخلاء فوق قدر الحاجة، لأن ذلك يدمي الكبد، ويأخذ منه الباسور.
-٧- يحرم التغوط في الماء الراكد والجاري سواء كان قليلاً أم كثيراً، إلا ماء البحر فإنه لا يحرم فيه ذلك. (أما البول فإنه يكره في الماء الراكد والجاري) .
стр. 44
ثالثاً: المكروهات:
-١- يكره أن يستقبل الشمس والقمر تكريماً لهما.
-٢- يكره أن يستقبل الريح بالبول لئلا يرتد عليه فيتنجس. ⦗٦٦⦘
-٣- يكره أم يبول في شق أو ثقب لما روى عبد الله بن سَرجِس (أن رسول الله ﷺ نهى أن يبال في الحجر) (١) ، لأنه لا يأمن أن يكون مسكناً للجان، أو فيه دابة تلسعه.
-٤- يكره البول في المغتسل، لحديث عبد الله بن مغفل ﵁ (أن النبي ﷺ قال لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه) (٢) . قال الإمام أحمد ﵁: إن صب عليه الماء فجرى في البلوعة فذهب فلا بأس.
-٥- يكره الكلام أو السلام أو ذكر الله تعالى باللسان روى ابن عمر ﵄ (أن رجلاً سلم على النبي ﷺ وهو يبول، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر) (٣) .
-٦- يكره البول في الإناء لغير الحاجة.
-٧- يكره البول في النار لأنه يورث السقم.
-٨- يكره البول في الرماد.
-٩- يكره البول قائماً، إلا إن أمن التلويث، وأمن أن لا ينظر إليه أحد.
-١٠- يكره الاستجمار باليمين والاستعانة بها لحديث أبي قتادة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ لا يُمسِكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) (٤) .
-١١- يكره البول في الماء الراكد والجاري. ⦗٦٧⦘
стр. 45
الاستنجاء
الاستنجاء: هو عبارة عن إزالة الخارج من أحد السبيلين عن المحل الذي خرج منه، إما بالماء، وإما بالأحجار ونحوها.
وسمي استنجاء، لأن الاستنجاء مأخوذ من نجوت الشجرة إذا قطعتها فهو يقطع الخبث من على المحل. والأصل فيه أن يكون بالماء.
ويسمى استطابة، لأن النفس تطيب وتستريح بإزالة الخبث.
ويسمى الاستجمار (مأخوذ من الجمار وهي الحصى الصغار) إذا كانت إزالة الخارج بالأحجار.
حكم الاستنجاء:
واجب من كل خارج نجس ورطب، ولو نادراً من أحد السبيلين، سواء كان معتاداً، أو غير معتاد كدم وودي ومذي، إلا إذا كان النجس الخارج جافاً لم يلوث المحل، كالبعر الناشف والحصاة، أو كان طاهراً كالمني والريح.
وأدلة وجوب ذلك ما روي عن علي ﵁ قال: (كنت رجلاً مذاءً وكنت استحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته. فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: يغسل ذكره ويتوضأ) (١) . وحديث المعذبين في القبر، وحديث عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار) (٢) . ⦗٦٨⦘
стр. 46
واجباته:
الاستبراء أي انقطاع الخارج قبل الاستنجاء حتى يغلب على الظن أنه لم يبق في المحل شيء فالذي يريد الاستجاء يلزمه الاستبراء بحيث لا يجوز له أن يتوضأ وهو يشك في انقطاع بوله، فإن توضأ في حالة الشك ونزلت منه قطرة منالبول، لم يجزئه وضوءه، وإنما يجب عليه أن يخرج ما عساه أن يكون موجوداً؛ كأن يقوم، أو يمشي خطوات، أو يأتي بحركة من الحركات المعتادة له حتى يغلب على ظنه أنه لم يبق في المحل شيء.
وسيلة الاستنجاء:
إن تعدّت النجاسة المخرج بما لم تجر العادة به كالصفحتين ومعظم الحشفة لم يجزئه الماء، لأن ذلك نادر فلم يجز فيه المسح. وإن لم تتجاوز النجاسة قدر الحاجة فيجوز الاستنجاء بالماء أو الاستجمار بالحجر، نادراً كان الخارج أو معتاداً، والأفضل اجمع بين الماء والحجر، فيبداً بالحجر أولاً ثم الماء، فعن عائشة ﵂ أنها قالت: (مُرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول فإني استحييهم، وكان رسول الله ﷺ يفعله) (١) .
فإن اقتصر على أحدهما فيفضل الماء، لأنه يزيل عين النجاسة وأثرها ويطهر المحل، أما الحجر فلا يزيل إلا عينها، ولما روي عن أنس ﵁ (أن رسول الله ﷺ دخل حائطاً ومعه غلام معه ميضأة، وهو أصغرنا، فوضعها عند السدرة، فقضى حاجته، فخرج علينا وقد استنجى بالماء) (٢) . ⦗٦٩⦘
стр. 47
شروط صحة الاستجمار بالحجر:
-١ً- أن يكون الحجر منقياً: أي أن لا يبقى أثر من النجاسة إلا أثر لا يزيله إلا الماء، فلا يصح الاستجمار بالأملس كزجاج ونحوه، ولا بالفحم الرخو.
-٢ً- أن يكون جامداً فلا يصح بالمائع ولا بالطين.
-٣ً- أن يكون طاهراً لما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني بأن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالثة فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذا ركس) (١) . ولأن الاستجمار بالنجس يكسب المحل نجاسة لأنه رطب، ولا يجزئه الاستجمار بعده بطاهر لأن المحلَّ صار نجساً بنجاسة واردة عليه فلزم غسله.
-٤ً- أن لا يكون محترم شرعاً، كقرطاس ذكر فيه اسم الله تعالى، أو كتب فيه حديث، أو علم شرعي، وأن لا يكون جزء حيوان: كيده، أو ذنب بهيمة، أو صوفها المتصل بها لأنه ذو حرمة. وأن لا يكون محرم الاستعمال كالذهب والفضة. فإن استجمر بها نُهي عنه فإنه لا يصح، لأن الاستجمار رخصة والرخصة لا تستباح بالمحرم كسائر الرخص.
-٥ً- أن يكون غير مطعوم ولو كان مطعوم جن أو حيوان، كالعظام وطعام الآدمي، لما روى مسعود ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن) (٢) علل النهي بأنه زاد للجن فزادنا أولى.
-٦ً- أن يكون المسح ثلاثاً مع الإنقاء لقول سلمان ﵁: (لقد نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، ⦗٧٠⦘ أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم) (٣) . ولحديث طاووس (أن النبي ﷺ قال: ثم ليستطبّ بثلاثة أحجار أو ثلاثة حثيات من التراب) (٤) ، فإن كان الحجر كبيراً فمسح به ثلاث مسحات أجزأه.
-٧ً- أن لا يكون المخرج متنجساً بغير الخارج منه.
-٨ً- أن لا تتجاوز النجاسة موضع العادة، فإن تجاوزته تعين الماء.
-٩ً- أن لا يجف الخارج قبل الاستجمار وإلا تعين الماء.
стр. 48
كيفية الاستجمار:
يصح الاستجمار بأية كيفية، إلا أن المستحب أن يمر حجراً من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها، ثم يمره على صفحته اليسرى حتى يرجع به إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك، ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين، لما روى سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار، حجرين للصفحتين وحجر للمسربة (١) .
ويستحب قبل ذلك أن يضع الذكر إصبع يده اليسرى الوسطى تحت الذكر والإبهام فوقه ويمرر بهما إلى رأسه ثلاثاً وينتزه ثلاثاً، لما روى عيسى بن يزداد اليماني، عن أبيه قال: (قال رسول الله ﷺ : إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات) (٢) ، ويبدأ بالقبل لينظفه لئلا تنجس يده عند تنظيف الدبر، والمرأة مخيرة بأيهما شاءت لعدم ذلك. فإن لم ينق المحل بالمسحات الثلاث زاد حتى ينقى، ليحصل مقصود الاستجمار، وسن قطع ما زاد على الثلاث على وتر، فإن أنقى بالرابعة زاد خامسة. أما إن كان الاستنجاء بالماء فيكون الإنقاء بعود المحل كما كان قبل خروج الخارج، وظنه كافٍ، ولا بد من غسله سبعاً. ⦗٧١⦘
стр. 49
الباب الرابع (الوضوء)
стр. 50
تعريفه:
الوضوء لغة: الحسن والنظافة.
وشرعاً: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة بكيفية مخصوصة.
دليل مشروعيته:
قوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (١) .
حكم الوضوء:
آ- فرض:
-١ً- للصلاة وما جانسها سواء كانت فرضاً أم نفلاً لما رواه ابن عمر ﵄ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تُقبل صلاةٌ بغير طهور ولا صدقة من غُلول (٢)) . وما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تقبل صلاة أحدكم، إذا أحدث، حتى يتوضأ) (٣) .
-٢ً- للطواف فرضاً كان أم واجباً أم نفلاً لحديث ابن عباس ﵄ أن ⦗٧٢⦘ النبي ﷺ قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير) (٤) .
-٣- لمس المصحف: بعضه أو كله أو حواشيه بدليل قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (٥) .
وفي كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم: (أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهر) (٦) ، فلا يجوز مسه ببشرته بدون حائل حتى لا يجوز مس الورق الأبيض المتصل به ولو كان الماس غير مكلف (٧) (من التمييز إلى البلوغ) إلا بطهارة كاملة، إلا أن الصبي غير المكلف لا يجب عليه الوضوء، إنما يجب على وليه أن لا يمكنه من مس المصحف أو مس ما كتب على اللوح من القرآن إلا بعد أن يأمره بالوضوء. أما مس المصحف بحائل لغير المتوضئ، فلا مانع كأن كان بغلاف منفصل عنه، أو كيس، أو لف بورقة، أو وضع في صندوق مع أمتعته ولو كان القصد حمل المصحف. وكذا لا مانع من اتخاذ المصحف حرزاً لكن بشرط أن يستر بشيء طاهر، كأن يلف بخرقة طاهرة ونحوها، كما يجوز تقليب ورقة بعود، وحمل تفسيره، وحمل منسوخ التلاوة ولو كان الحكم باقياً، ومس المأثور عن الله تعالى كالأحاديث القدسية والتوراة والإنجيل، ومس كتاب الفقه أو رسالة كتب فيها شيء من القرآن والدليل على ذلك (أن رسول رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر في رسالته: "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم") (٨) .
стр. 51
ب- مستحب:
-١ً- لمن كان متوضئاً، وسبق له أن صلى بوضوئه، أي يستحب تجديد الوضوء لكل صلاة طلباً للفضل، وقد ورد (أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح ⦗٧٣⦘ بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه. قال: عمداً صنعته يا عمر) (١) وذلك ليبين الجواز.
-٢ً- لمن أدراد القراءة أو الذكر أو الأذان أو النوم، ولرفع الغضب، وللجلوس بالمسجد، ولتدريس علم وللأكل.
стр. 52
شروط صحة الوضوء:
-١ً- دخول الوقت على من حدثه دائم لصلاة الفرض.
-٢ً- انقطاع ما ينافي الوضوء أثناء الوضوء: فلو غسل وجهه ويديه مثلاً ثم أحدث فعليه أن يعيد الوضوء من أوله، إلا إذا كان المتوضئ من أصحاب الأعذار، كأن كان مصاباً بسلس البول الدائم ونزلت منه قطرة أو قطرات أثناء الوضوء فإنه لا يجب عليه إعادة الوضوء، أما إن لم يكن سلسه دائماً فإنه يتحرى الوقت الذي ينضبط فيه ويتوضأ.
-٣ً- الإسلام.
-٤ً- التمييز: وقد قدر بسبع سنوات.
-٥ً- العقل: فلا يصح من المجنون ولا من المعتوه.
-٦ً- إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة من شمع وعجين ونحوهما.
-٧ً- أن تكون الطهارة بماء طهور ومباح، فإن توضأ بماء مغصوب لم يصح وضوءه.
-٨ً- أن يتقدم الاستنجاء أو الاستجمار على الوضوء، فلا يصح الوضوء بغير ذلك.
-٩ً- النية: وهي شرط لصحة الطهارة من الأحداث كلها. ⦗٧٤⦘
دليلها: ما رواه عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى) (١) ، ولأن الوضوء عبادة محضة فلا يصح بدون نية كالصلاة محلها: القلب، ويسن لفظها باللسان.
وتجب عند التسمية، لأن التسمية أول واجبات الوضوء، ويستحب تقديمها على غسل اليدين إن وجد قبل التسمية، لتشمل الفروض والسنن، كما يستحب استدامتها في سائر الوضوء.
تعريفها: هي قصد رفع الحدث.
كيفيتها:
آ- للسليم: قصد رفع الحدث، أو قصد الطهارة.
ب- لدائم الحدث: قصد استباحة ما تجب له الطهارة، كاستباحة الصلاة أو الطواف أو مس المصحف دون ذكر الفريضة أو ما يسن له الطهارة. ويستطيع بوضوئه أن يؤدي اكثر من فرض طيلة وقت الصلاة حتى يخرج، أي إذا توضأ مثلاًٍ لصلاة الظهر ونوافله وفرائض أخرى بوضوء واحد حتى يخرج وقت الظهر.
ولا يرتفع الحدث بنية تجديد الوضوء المسنون إذا كان ذاكراً لحدثه، بل عليه أن ينوي الوضوء لرفع الحدث، أما إذا كان ناسياً لحدثه وتوضأ بنية تجديد الوضوء المسنون، فإن هذا الوضوء يرفع حدثه المنسي. ويرتفع الحدث إذا نوى تجب له الطهارة كالصلاة، أو نوى ما تسن له كالقراءة والجلوس بالمسجد، ورفع الغضب والأكل، فإذا نوى شيئاً من ذلك ارتفع حدثه، وله أن يصلي بهذا الوضوء. وكذلك إن نوى بوضوئه صلاة معينة ارتفع الحدث مطلقاً وصلى بوضوئه ما شاء أما إن نوى وضوءاً، أو أطلق، أو غسل أعضائه ليزيل عنها النجاسة، أو ليعلم غيره، أو للتبرد، فلا يجزئه، لأن الوضوء تارة يكون عادة وتارة يكون عبادة فلا بد من تمييزه بالنية. ⦗٧٥⦘
стр. 53
حالة الشك بالنية:
إن الشك بالنية أثناء الوضوء استأنف الوضوء، أما إن الشك بالنية بعد الانتهاء من الوضوء فلا يضر، وكذا لو شك في غسل عضو أثناء الوضوء استأنف، أما بعد انتهاء الوضوء فلا يضر.
فرائض الوضوء
هناك فرق بين الفرض والشرط هو: أن الفرض مرادف للركن، وهو ما كان من حقيقة الشيء، أما الشرط فهو ما توقف عليه وجود الشيء ولم يكن من حقيقته.
وفرائض الوضوء هي:
أولاً: غسل الوجه: ودليل فرضيته قوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) (١) ، والسنن المتظاهرة، والإجماع. وحد الوجه: من منابت شعر رأس المعتاد إلى منتهى آخر الذقن لمن ليست له لحية وإلى آخر شعر اللحية لمن له لحية، وما بين شحمتي الأذنين عرضاً. وإن كان شعر الوجه كثيفاً يكتفى بغسله، وإن كان خفيفاً يغسل الشعر والبشرة. ويستحب تخليل الشعر الكثيف، أما الشعر المسترسل من اللحية عن حد الوجه ففيه روايتان. إحداهما: لا يجب غسله، والثانية: يجب لأنه نابت في بشرة الوجه. ويدخل في الوجه العِذار (٢) والعارض والصدغ. ويستحب أن يزيد في ماء الوجه لأن فيه غضوناً وشعراً وأن يمسح مآقيه.
ويدخل في غسل الوجه فرض ضمني، وهو المضمضة والاستنشاق فهما واجبان في الطهارتين الكبرى والصغرى على اعتبار أنهما داخلان في حد الوجه. ⦗٧٦⦘
ثانياً: غسل اليدين مع المرفقين: ودليل فرضيته قول تعالى: (وأيديكم إلى المرافق) (٣) ، وحديث جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه) (٤) ولأن (إلى) في الآية بمعنى (مع) كقوله تعالى: (من أنصاري إلى الله (٥) أي مع الله وكذلك قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) (٦) أي مع أموالكم ز ويجب غسل تكاميش الأصابع وما تحت الأظافر إن طالت، ويعفى عن وسخ الأظافر إن كان يسيراً، ويجب غسل الأصبع الزائدة واليد الزائدة إذا كان أصلها في محل الفرض، وإن كان أقطع اليد غسل ما بقي من الفرض، وإن لم يبق من اليد شيء سقط الغسل.
ثالثاً: مسح الرأس: لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (٧) . ويجب مسح الرأس كله من منابت الشعر المعتاد إلى نقرة القفا، لأن الباء (برؤوسكم) زائدة. ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر ولا يجزئ عن مسح الرأس سواء رده فعقصه على رأسه أو لم يرده، ولو أدخل يده تحت الشعر فمسح البشرة دون الظاهر لم يجزئه، لأن الحكم يتعلق بالشعر، ولو مسح رأسه ثم حَلَقه لا يجب عليه إعادة مسحه.
وظاهر قول الإمام أحمد ﵁: أن المرأة يجزئها مسح بعض الرأس بدليل ما روى المغيرة بن شعبة ﵁ (أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين) (٨) وأن السيدة عائشة ﵂ كانت تمسح مقدم رأسها. والمستحب أن يمر بيديه من مقدم رأسه إلى قفاه ثم يعدهما، لأن عبد الله بن زيد ﵁ قال في صفة وضوئه ﷺ : (ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح ⦗٧٧⦘ برأسه. فأقبل بيديه وأدبر) (٩) ولا يستحب التكرار، لأن أكثر من وصف وضوءَهُ ﷺ ذكر أنه مسح مرة واحدة. وعن الإِمام أحمد: يستحب التكرار لما روى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (ومن توضأ ثلاثاً فذلك وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي) (١٠) .
وهناك فرض ضمني في مسح الرأس وهو مسح الأذنين، فهما يعتبران من الرأس لحديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة ﵁، وذكر وضوء النبي ﷺ قال: (كان رسول الله ﷺ يمسح المأقين، قال: وقال: الأذنان من الرأس) (١١) لكن يستحب إفرادهما بماء جديد، لأنهما كالعضو المنفرد، وإنما هما من الرأس على وجه التبع. ويستحب أن يُدخِل سباحتيه في أذنيه ويجعل إبهاميه لظاهرهما.
رابعاً: غسل الرجلين مع الكعبين: ودليل فرضيته قوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين) (١٢) ولا يجزئ مسح الرجلين لما روى عمر ﵁ (أن رجلاً توضأ فترك موضع ظُفر على قدمه اليمنى فأبصره النبي ﷺ فقال: ارجع فأحسن وضوءك. فرجع ثم صلى) (١٣) .
ومن كان أقطع اليدين وقدر على أن يستأجر من يوضأه بأجر المثل لزمه ذلك كما لزمه شراء الماء.
خامساً: الترتيب: ودليله أن الله تعالى أدخل ممسوحاً بين مغسولات، ولأن النبي ﷺ لم يُنْقَل عن الوضوء إلا مرتباً. فإن نكس أعضاء الوضوء لم يصح وضوءه. وترتيب أعضاء الوضوء يكون على الشكل التالي:
-١ً- النية (شرط) .
-٢ً- التسمية (واجب) . ⦗٧٨⦘
-٣ً- غسل الكفين ثلاثاً (سنة ما لم يكن مستيقظاً من النوم فهو واجب) .
-٤ً- المضمضة والاستنشاق (فرض عملي ضمني) .
-٥ً- غسل الوجه (فرض) .
-٦ً- غسل اليدين مع المرفقين (فرض) .
-٧ً- مسح كل الرأس (فرض) .
-٨ً- مسح الأذنين (فرض عملي ضمني) .
-٩ً- غسل الرجلين مع الكعبين (فرض) .
سادساً: الموالاة بين غسل الأعضاء: وهي أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله لأنه صح عن بعض أصحاب النبي ﷺ (أنه ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة) (١٤) . فلو لم تجب الموالاة لأجزأه غسلها، ولأنه نقل عن النبي ﷺ أنه والى بين غسل أعضاء الوضوء.
وعكس الموالاة التفريق: وهو أن يؤخر غسل عضو حتى يمضي زمن ينشف فيه الذي قبله في الزمان المعتدل، أما إن أخر غسل عضو لأمرٍ في الطهارة من إزالة وسخٍ أو دلك عضوٍ لم يقدح في طهارته.
стр. 54
واجبات الوضوء:
للوضوء واجب واحد، وهو التسمية لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (١) ، وتسقط سهواً لحديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ ⦗٧٩⦘ قال: إنَّ الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٢) ، وإن ذكرها في أثنائه ابتدأ من الأول، وقيل يأتي بها حيث ذكرها.
ومحلها: اللسان، وموضعها بعد النية ليكون مسمياً على جميع وضوئه.
стр. 55
سنن الوضوء:
تعريف السنة: هي ما يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها، ولها مترادفات وهي المندوب والمستحب.
وسنن الوضوء ثمانية عشر:
-١ً- استقبال القبلة.
-٢ً- السواك عند المضمضة.
-٣ً- غسل الكفين ثلاثاً لما روى حُمران مولى عثمان أنه (رأى عثمان ﵁ دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما ... ) (١) ، ولأن اليدين آلة نقل الماء إلى الأعضاء ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء.
-٤ً- تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه اقتداء برسول الله ﷺ .
-٥ً- المبالغة بالمضمضة والاستنشاق لغير الصائم لأن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة: (أسبغ الوضوء. وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) (٢) .
وصفة المبالغة اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف ولا يجعله سعوطاً (٣) ، وفي المضمضة إدارة الماء في أقاصي الفم ولا يجعله وجوراً (٤) .
-٦ً- المبالغة في سائر الأعضاء. ⦗٨٠⦘
-٧ً- الزيادة في ماء الوجه لغسل أساريره ودواخله وخوارجه وشعوره ومسح مآقيه.
-٨ً- تخليل اللحية الكثة.
-٩ً- تخليل أصابع اليدين والرجلين إذا وصل الماء في الغسل إليها بدون دلك وإن كان التخليل واجباً بدليل ما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك) (٥) . وتخليل أصابع الرجلين يكون بخنصر اليد اليسرى من باطن القدم إلى الأعلى، ويبدأ بخنصر الرجل اليمنى وينتهي بخنصر الرجل اليسرى، أما أصابع اليدين فتتخلل إحداهما بالأخرى.
-١٠ً- تجديد الماء لمسح الأذنين بعد مسح الرأس.
-١١- التيامن لما روت عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في شأنه كله، في نعليه وترجله وطهوره) (٦) .
-١٢- إطالة الغرة والتحجيل: أي مجاوزة القدر الواجب في الغسل، لما روى أبو هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (أنتم الغُرُّ المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غُرَّته وتحجيلَه) (٧) .
-١٣- تثليث الغسل: فالمرة الأولى فرض، والغسلة الثانية والثالثة سنة إن عمت الأولى.
-١٤- استصحاب النية بالقلب إلى آخر الوضوء.
-١٥- الإتيان بالنية عند غسل الكفين إلى الكوعين (الرسغين)
-١٦- التلفظ بالنية سراً، بحيث يحرك بها لسانه وشفتيه، ويُسمِع نفسه دون غيره، وأن لا يستعين بغيره فيه.
-١٧- أن يتولى وضوءه بنفسه من غير معونة أحد، ولكن تباح المعونة كتقريب الماء وحمله وصبه، عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان رسول ⦗٨١⦘ الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا، وغلام نحوي، إداوةً من ماء، وعنزة فيستنجي بالماء) (٨) وعن المغيرة بنشعبة ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مسير فقال لي: أمعك ماء؟ قلت: نعم، فنزل عن راحلته، فمشى حتى توارى في سواد الليل، ثم جاء فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه ... ) (٩) وذكر بقية الوضوء، ولكن الأفضل ترك الاستعانة وترك التنشيف من البلل.
-١٨- أن يقول عند فراغه من الوضوء رافعاً بصره إلى السماء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك الصالحين. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ودليل ذلك حديث عقبة بن عامر وفيه قول عمر ﵁ قال: يعني رسول الله ﷺ : (ما منكم أحد يتوضأ فيُبْلغُ - أو فيسبغ - الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) (١٠) .
стр. 56
كيفية الوضوء:
ينوي المتوضأ رفع الحدث أو استباحة الصلاة أو الوضوء للصلاة.
ثم يسمي فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم يغسل كفيه ثلاث مرات.
ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات.
ثم يغسل وجهه من منابت شعر الرأس المعتاد وإلى الذقن مع ما استرسل من شعر اللحية، ولا يجزئ غسل ظاهر شعر اللحية إلا إذا كان كثيفة لا يصف ⦗٨٢⦘ البشرة، أما إذا كان خفيفاً فيغسله وما تحته، ومن الأذن إلى الأذن، ويغسل ما فيه من شعر خفيف يصف البشرة كعذار (١) وعارض (٢) وأهداب عين وشارب وعنفقة (٣) لأنها من الوجه، ولا يغسل الصُدغ (٤) ولا التحذيف (٥) ولا النزعتان (٦) لأنها من الرأس.
ثم يغسل يديه مع مرفقيه وأظفاره ثلاث مرات، ولا يضر وسخ يسير تحت ظفره، وكذلك يغسل ما كان زائداً في محل الفرض كيد أو أُصبع زائدة.
ثم يمسح كل رأسه بالماء، فيمر يديه من مقدم رأسه إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه مرة واحدة، وبعد ذلك يمسح أذنيه مرة واحدة فيدخل سباحتيه في صماخي أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهرهما وكيف ما مسح أجزأ.
ثم يغسل رجليه مع الكعبين ثلاثاً، أما الأقطع فيغسل بقية الفروض، فإن قطع من مفصل المرفق غسل رأس العضد منه، وإن قطع من مفصل الكعب فيغسل طرف ساقه.
ثم يرفع نظره إلى السماء ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أو غير ذلك مما ورد.
стр. 57
المسح على الخفين
تعريف المسح:
المسح لغة: إمرار اليد على الشيء.
وشرعاً: أن يصيب البلل خفاً مخصوصاً في زمن مخصوص. ⦗٨٣⦘
تعريف الخف:
ما يلبسه الإنسان في قدمي رجليه إلى الكعبين سواء كان مصنوعاً من الجلد أو من الصوف أو من الشعر أو الوبر أو الكتان أو اللباد، ويقال له الجرموقان (١) .
حكم المسح على الخفين: رخصة في الوضوء دون الغسل، لما روي عن جرير ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه) (٢) ، ولما روى صفوان بن عسال ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سَفْراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم) (٣) .
والمسح على الخف أفضل من غسل الرجلين، لأن الله تعالى يحب لعباده أن يأخذوا برخصه.
أما في الغسل فلا رخصة فيه للمسح على الخف، لأن الغسل يقل فلا تدعو الحاجة للمسح عليه.
стр. 58
شروط جواز المسح على الخفين:
-١ً- أن يكونا ساترين لمحل الفرض في الوضوء (القدم مع الكعبين) ، لأن حكم ما استتر المسح وحكم ما ظهر الغسل ولا سبيل إلى الجمع بينهما فغلب الغسل كما لو خرجت إحدى الرجلين فإن كانت فوهة الخف واسعة بحيث يُرى منها بعض القدم فلا يصح المسح عليه، وكذا إن كان الخف رقيقاً يصف لون البشرة من خلاله لم يجز المسح عليه. أما إن كان فيه شق مستطيل منضم لا يظهر القدم منه جاز المسح عليه، وكذلك إذا ثقب من أسفل القدم وكان مشدوداً لا يُظهر شيئاً من القدم إن مشى جاز المسح لأنه كالمخيط ⦗٨٤⦘
-٢ً- إمكان متابعة المشي فيهما المشي المعتاد عرفاً، فإن كان يسقط من القدم لسعته أو ثقله لم يجز المسح عليه سواء كان مصنوعاً من الجلد أو اللباد أو الخشب.
-٣ً- لبسهما على طهارة كاملة، بمعنى أن يتوضأ أولاً وضوءاً كاملاً، ثم يلبسهما بدليل ماروي عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما) (١) .
فإن غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف ثم غسل الأخرى فأدخلها لم يجز المسح، لأنه لبس الأولى قبل كمال الطهارة (وعن الإمام يجوز لأنه أحدث بعد كمال الطهارة واللبس كما عند الحنفية) . وإن تطهر ولبس خفيه إلا أنه أحدث قبل أن تصل القدم إلى موضعها لم يجز المسح.
وإن لبست المستحاضة أو من به ثلاث بول خفاً على طهارتهما فلهما المسح (نص عليه) ، لأن طهارتهما كاملة في حقهما، فإن عوفي لم يجز المسح لأن طهارتهما صارت ناقصة في حقهما فأشبهت التيمم.
وإن لبس خفاً على طهارة ثم لبس فوقه آخر قبل أن يحدث فالحكم للأعلى منهما سواء كان الأول صحيحاً أو مخرَّقاً، وإن لبس الثاني بعد الحدث لم يجز المسح عليه لأنه لبس على غير طهارة، وإن مسح الأول ثم لبس الثاني لم يجز المسح عليه لأن المسح لم يزل الحدث عن الرجل.
-٤ً- أن تكون الطهارة قبل لبسهما بالماء، فلا يصح أن يلبسهما بعد التيمم سواء كان تيممه لفقد الماء أو المرض أو نحو ذلك، لأن التيممَ طهارةٌ لا ترفع حدثاً.
-٥ً- ثبوتهما على القدم ومحل الفرض بنفسهما أو بنعلين فإذا خلع النعل خلع الخفان لا بربطهما ولا بشدهما، فإن شد على رجليه لفائف لم يجز المسح عليهما لأنها لا تثبت بنفسها وإنما تثبت بشدها. ⦗٨٥⦘
-٦ً- أن يكونا مباحين سواء كان هناك ضرورة للبسهما أم لا، فلا يصح المسح على الخفين المغصوبين أو المصنوعين من الحرير لرجل لأنه معصية فلا تستباح به الرخصة.
-٧ً- طهارة عينهما، فإن كان الخف نجساً وخاف نزعه لحصول ضرر للرجل تيمم وعليه إعادة، أما إذا كان الخف متنجساً صح لمسح عليه بشرطين: الأول: أن تكون النجاسة إلا بنزعه، أو كان قادراً على إزالة النجاسة وهو لابسه لكن لم يجد ما يزيلها به، فإنه يصح المسح عليه الصلاة حال الضرورة، ولكنه يعيد الصلاة فقط ويستبيح بهذا المسح مس مصحف ونحو صلاة كطواف.
стр. 59
مدة المسح:
يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر لما روى شريح بن هانئ، أنهم سألوا علياً ﵁ عن المسح على الخفين فقال: (جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم) (١) . ويشترط في السفر الذي يجيز مسح ثلاثة أيام بلياليها أن يكون سفراً قصر مباح، أما إن كان سفر معصية أو سفر غير قصر فتكون مدته يوماً وليلة.
стр. 60
بدء المدة:
تبدأ المدة من أول حدث بعد لبسهما على طهارة، لأنها عبادة مؤقتة اعتبر أول وقت من حين جواز فعلها كالصلاة. وفي رواية أخرى تبدأ المدة من أول مسح، لأن النبي ﷺ أمر بالمسح ثلاثة أيام فاقتضى أن تكون الثلاثة كلها يمسح فيها والمعتمد الأول. ⦗٨٦⦘
مسألة: إن أحدث في الحضر ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر، لأنه بدأ العبادة بالسفر، أما إن مسح في الحضر ثم سافر أو مسح في السفر ثم أقام أتم مسح مقيم، لأنها عبادة يختلف حكمها بالحضر والسفر، فإذا كان أحد طرفيها بالحضر غُلِّب حكم الحضر كالصلاة، وإن شك هل بدأ المسح بالحضر أو بالسفر بنى على أنه مسح في الحضر، لأن الأصل الغسل والمسح رخصة
كيفية المسح:
المقدار المفروض مسحه: مسح أكثر ظاهر أعلى الخف، لما روى المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما) (١) .
أما المسنون فهو أن يضع أصابع يده اليمنى على مقدم خف رجله اليمنى، وأن يضع أصابع يده اليسرى على مقدم رجله اليسرى، ثم يمر بهما إلى الساق فوق الكعبين مفرقاً بين أصابع يديه قليلا بحيث يكون المسح عليهما خطوطاً. ولا يندب مسح أسفل الخف لما روي عن علي ﵁، قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أوْلى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه) (٢) . وإن مسح بإصبع أو أصبعين أجزأه إن كرر المسح حتى يصبح كالمسح بأصابعه خطوطاً.
стр. 61
مبطلات المسح على الخفين:
-١ً- انقضاء مدة المسح.
-٢ً- طروء موجب على موجبات المسح.
-٣ً- خلع خفيه أو أحدهما بعد المسح، أو خروج بعض القدم إلى ساق الخف، أو خلع الأعلى، وبقاء الذي تحته. ⦗٨٧⦘
-٤ً- حدوث خرق في الخف يظهر منه بعض القدم ولو كان يسيراً ولو من موضع خرزه إلا إذا انضم بالمشي لحصول ستر محل الغسل المفروض.
فإذا طرأ إحدى هذه المبطلات بطلت طهارة القدمين وبالتالي تبطل طهارته جميعها، لأن الطهارة لا تتبعض.
مكروهات المسح على الخفين:
-١ً- يكره الزيادة على المرة الواحدة.
-٢ً- يكره غسل الخفين بدل مسحهما إذا نوى الغسل رفع الحدث، أما إن نوى به النظافة فقط، أو إزالة ما عليهما من نجاسة من غير أن ينوي رفع الحدث، فإنه لا يجزئ عن المسح وعليه أن يمسح الخفين بعد ذلك بالغسل.
المسح على الجوارب:
يصح المسح على الجوربين بدليل ما روى المغيرة ﵁ قال: (توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين) (١) ، وقال الإمام أحمد ﵁ في المسح على الجوربين أنه يذكر عن سبعة أو ثمانية من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولأنه ملبوس ساتر للقدم يمكن متابعة المشي فيه فهو أشبه بالخف.
стр. 62
شروط جواز المسح على الجوربين:
هي نفس شروط جواز المسح على الخفين بالإضافة إلى كونهما لا يصفان القدم ولون البشرة من تحتهما، ولا يشترط فيهما أن يكونا ما نعين لنفوذ الماء. ⦗٨٨⦘
المسح على العمامة:
يجوز المسح على العمامة بدليل ما روى المغيرة ﵁ قال: (توضأ النبي ﷺ ومسح على الخفين والعمامة) (١) ، وعن عمرو بن أمية الضميري ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته (٢)) ، وعن عمر ﵁ قال: (من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله) ، ولأن الرأس عضو سقط فرضه بالتيمم فجاز المسح على حائله كالقدمين.
شروطها:
-١ً- أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه فيعفى عنه.
-٢ً- أن يكون لها ذؤابة، أو تكون محنكة يدار منها تحت الحنك كور، لأن ما لا ذؤابة لها ولا حنك تشبه عمائم أهل الذمة ولا مشقة في نزعها.
-٣ً- أن يكون لبسها كمال الطهارة، وأن تكون مباحة.
-٤ً- أن تكون على ذكر، فلا يصح أن تمسح المرأة على العمامة.
стр. 63
المقدار المسموح:
أكثرها، وفي رواية يلزمه استيعابها، وإن ظهرت ناصيته لزمه مسحها ثم إتمام المسح على العمامة، وفي رواية ثانية لا يلزمه مسح ناصيته، لأنه فرض تعلق بالعمامة. فإن خلعها لزمه مسح رأسه ثم غسل رجليه لتحقيق الترتيب إذ تبطل الطهارة بنزعها. ولو انتقض من العمامة كور (دائرة واحدة منها) ففيه روايتان: إحداهما: يبطل المسح لأنه ذهب المسموح، والأخرى: لا يبطل لأن العمامة باقية. ⦗٨٩⦘
ولا يجوز المسح على الطاقية ولا القلنسوات، لأنه لا مشقة في نزعها، أما خمر النساء فيجوز المسح عليها إذا كانت مدارة تحت حلوقهن، لأن أم سلمة كانت تمسح على خمارها.
المسح على الجبيرة والجروح:
تعريف الجبيرة: هي الرباط الذي يربط به العضو المريض، ولا يشترط أن يكون مشدوداً بأعواد من خشب أو جريد، كما لا يشترط أن يكون العضو مكسوراً بل أن يكون مريضاً سواء كان مكسوراً أو مرضوضاً أو به آلام روماتيزمية أو نحو ذلك. أو هي الدواء الذي يوضع فوق العضو ويخاف الضرر من نزعه.
دليل جواز المسح على الجبيرة: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (انكسرت إحدى زندي فسألت النبي ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر) (١) ، ولأنه ملبوس يشق نزعه.
стр. 64
كيفية المسح وحكم الطهارة:
-١ً- إذا وضعها على طهارة وبقدر الحاجة: غسل الصحيح ومسح عليها وأجزأه ذلك دون تيمم (١) .
-٢ً- إذا وضعها على طهارة وزادت عن قدر الحاجة: غسل الصحيح وتيمم عما تحتها ومسح عليها وأجزأه ذلك (٢) .
-٣ً- إذا وضعها على غير طهارة وخاف من نزعها ضرراً، أو كان الجرح مكشوفاً: وجب عليه غسل الصحيح وتيمم عما تحتها ولا مسح عليها (٣) . ⦗٩٠⦘
أما حكم الطهارة مع المسح أو التيمم، فهي صحيحة ولا إعادة للصلاة، لما روى عمران بن الحصين ﵁ (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يصلِّ في القوم فقال يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك) (٤) . وفي رواية أخرى تجب إعادة الصلاة مع التيمم، لأنه صلى بنجاسة ولكن المعتمد الأول.
стр. 65
شروط المسح على الجبيرة:
-١ً- أن يكون غسل العضو المريض ضاراً به كزيادة ألم أو تأخر شفاء.
-٢ً- تعميم الجبيرة بالمسح بأن يغسل الجسم السليم من العضو ثم يمسح عن الجزء المريض جميعه.
الفرق بين المسح على الخفين والمسح على الجيرة:
-١ً- يجب مسح جميعها لأنه مسح للضرورة أشبه بالتيمم، ولأن استيعابها بالمسح لا يضر بخلاف الخف.
-٢ً- لا تحدد مدة للمسح لأنه جاز بالضرورة فيبقى ببقائه.
-٣ً - أنها تجوز بالطهارة الكبرى، لأنه مسح أجيز للضرورة.
-٤ً - تقدم الطهارة لها، فيها روايتان: إحداهما: يشترط تقدم الطهارة، والثانية: لا يشترط.
-٥ً-وضع الجبيرة مخصوص بحال الضرورة، أما الخفان فيلبسان بضرورة أو بغير ضرورة ⦗٩١⦘
مسألة في كيفية طهارة لابس الجبيرة إن كانت في رأسه:
أ- إن عمت الجراحة كل الرأس: مسح على العصابة التي عليها وعممها بالمسح، وتيمم إن شدها على غير طهارة.
ب- إن لم تعلم الجراحة الرأس: مسح على الصحيح من الرأس وأكمل على العصابة، لأنها تنوب عن الرأس في المريض.
نواقض الوضوء:
تعريف النواقض: النواقض جمع ناقضة أو ناقض، يقال: نقضت الشيء إذا أفسدته.
ونواقض الوضوء هي:
-١ً- خروج شيء من أحد السبيلين قليلاً كان أو كثيراً، طاهراً (مثل الولد) أو غير طاهر (كالبول) قال تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط) (١) ، معتاداً أو غير معتاد (كالحصى والدودة، ودم الاستحاضة) عن عائشة ﵂، قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي جُحش إلى النبي ﷺ ، فذكر خبرها. وقال: ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة، وصلي) (٢) ، وسواء كان جامداً أو سائلاً أو ريحاً.
-٢ً- زوال العقل، بجنون، أو برسام (يقع بالساعة) قليلاً كان أو كثيراً، أو بسكر، أو بإغماء، أو بنوم عميق يمنع معرفة الأشياء لحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ) (٣) ، لأنه مظنة الحدث فقام مقامه، سواء نام مضطجعاً أو متكئاً أو معتمداً على شيء أو راكعاً أو ساجداً فإنه ينقض الوضوء قليله وكثيره، أما إذا كان جالساً غير معتمد على شيء ممكناً مقعدته من الأرض فلا ينقض قليله لما ⦗٩٢⦘ روى أنس ﵁ قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون) (٤) .
-٣ً- لمس بشرة الذكر الأنثى أو الأنثى الذكر بدون حائل وبشهوة ولا ينقض لغيرها، لأن اللمس ليس بحدث إنما هو داعٍ إلى الحدث، ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة، والحية أو الميتة، والشابة أو العجوز، وذوات المحارم وغيرهن لعموم الأدلة.
أما الملموس فلا ينتقض وضوؤه ولو وجد شهوة، لأن النقض يختص باللامس وأما من لمس عضواً مقطوعاً، أو مس غلاماً، أو بهيمة، أو مست امرأة امرأة، أو رجل رجلاً، ولو كان أمرداً، أو خنثى خنثى لم ينقض وضوؤه ولو وجد اللامس لذة، لأنه ليس محلاً لشهوة الآخر شرعاً.
-٤ً- مس فرج الآدمي ذكراً كان أو أنثى صغيراً أو كبيراً من نفسه أو لغيره باليد بدون حائل، واليد تشمل حتى الكوع، ولا فرق بين ظهر الكف وبطنه وحرفه لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه وضوء الصلاة) (٥) ، وحديث بُسْرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: (إذا مسّ أحدكم ذكره فليتوضأ) (٦) .
ولا ينقض المس بالظفر ولا مس الذكر المقطوع ولا مس العانة والأنثيين، لأن تخصيص الفرج به دليل على عدمه فيما سواه.
-٥ً- خروج النجاسة من سائر البدن:
آ- إن كان بولاً أو غائطا ينقض الوضوء قليله وكثيره، سواء كان من تحت المعدة أو من فوقها، وسواء كان السبيلان مفتوحين ⦗٩٣⦘ أو مسدودين. ولو انسد المخرج وانفتح غيره فأحكام المخرج باقية (ينقضان الوضوء بمسهما) .
ب- إن كان الخارج غير البول والغائط كالدم والقيء فلا ينتقض الوضوء، إلا إذا كان فاحشاً في نفس المتوضئ فإنه ينقض، أما إن كان قليلاً فلا ينقض.
قاعدة: اعتبار حال الإنسان بما يستفحشه غيره حرج والحرج منفي. قال ابن عباس ﵄ في الدم: إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة، قال ابن عقيل: يعتبر الفاحش في نفوس أوساط الناس لا المبتذلين ولا الموسوسين، وعن الإمام أحمد: أن الكثير شبر بشبر.
-٦ً- أكل لحم الجزور بدليلما روى جابر بن سمر ﵁ (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، فتوضأ. وإن شئت، فلا توضأ. قال: أتوضأ من لحوم الإبل قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل) (٧) ، ولا فرق بين قليله وكثيره، ونيئه ومطبوخه لعموم الحديث. وعن الإمام أحمد ﵁: من أكل وصلى ولم يتوضأ، وكان يعلم أمر النبي ﷺ بالوضوء منه فعليه الإعادة، أما إن كان جاهلاً فلا إعادة عليه.
ولا ينقض الوضوء بتناول بقية أجزاء الإبل كالكبد والطحال واللبن والكرش على المعتمد من المذهب، لأن الأخبار الصحيحة إنما وردت في اللحم، كذا لا ينقض الوضوء بأكل ما غيّرته النار لما روى جابر ﵁ قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيّرت النار) (٨) .
-٧ً- الردّة عن الإسلام: وهو أن ينطق كلمة الكفر، أو يعتقدها، أو يشك شكاً يخرجه عن الإسلام فينقض وضوءه، قال تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن ⦗٩٤⦘ عملك﴾ (٩) ، وقال ابن عباس ﵂: "الحدث حدثان وأشدهما حدث اللسان" فيدخل في عموم قوله ﵊ فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: (لا تقبل صلاة أحدكم، إذا أحدث، حتى يتوضأ) (١٠) .
-٨ً- غسل الميت: أي من باشر الميت بيده، أما من صب عليه الماء فلا يجب عليه الوضوء لأن ابن عمر وابن عباس ﵃ كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء، ولا فرق في ذلك بين غسل المسلم والكافر أو الصغير والكبير. وعن الإمام أحمد: أن الوضوء مستحب غير واجب، فإنه قال: أحب إلي أن أتوضأ، وعلل نفي وجوب الغسل من غسل الميت بكونه لحديث موقوف على أبي هريرة ﵁ والوضوء كذلك، ولأنه ليس بمنصوص عليه والأول هو المذهب. ⦗٩٥⦘
стр. 66
الباب الخامس (الغسل)
стр. 67
تعريف الغُسل:
لغة: الفعل الذي يقع من الإنسان من إراقة الماء على بدنه ودلكه.
شرعاً: استعمال الماء الطهور في جميع البدن على وجه مخصوص.
والأصل في شرعيته قوله تعالى: (وإن كنتم جنباً فاطهروا) (١) .
стр. 68
موجبات الغسل:
أولاً: نزول المني يقظة بلذة ولو بغير جماع كنظر أو تفكير أو ملاعبة. وصفاته: أن يخرج بدفق وتشتد الشهوة عند خروجه ويفتر البدن بعده. ومني الرجل أبيض ثخين، ومني المرأة أصفر رقيق لحديث أم سليم عن النبي ﷺ : (إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر) (١) ، أما إن خرج بغير لذة كمرض أو ألم أو بسبب ضربة شديدة على صلبه فلا يجب الغسل، ولا يخرج بالمرض إلا رقيقاً. وإن جامع واكسل (٢) فاغتسل ثم أنزل بلا لذة لم يجب الغسل لأنها جنابة واحدة فلا توجب غسلين.
ثانياً نزول المني في حالة النوم ويعبر عنه بالاحتلام أو في حالة الإغماء، فمن احتلم ثم استيقظ من نومه فوجد بللاً في ثيابه أو على بدنه فإنه يجب عليه أن ⦗٩٦⦘ يغتسل، وإن احتلم ولم يجد بللاً فلا غسل عليه، وإن وجد بللاً ولم يذكر احتلاماً فعليه الغسل لما روت عائشة ﵂ قالت: (سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد بللاً ولا يذكر احتلاماً، قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل، قال لا غُسل عليه) (٣) ، والمرأة كالرجل في ذلك بدليل حديث أم سلمة ﵂ قالت: (جاءت أم سليم ﵂ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة غُسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم إذا رأت الماء) (٤) .
أما خروج المذي والودي فلا يوجب الغسل وإنما يوجب الوضوء، لما روى سهل بن حنيف ﵁ قال: (كنت ألقى من المذي شدة وعناء فكنت أكثر منه الغسل، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ وسألته عنه فقال: إنما يجزئك من ذلك الوضوء) (٥) ، ولما روى علي ﵁ قال: (كنت رجلاً مذاءً وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد فسأله فقال: يغسل ذكره ويتوضأ) (٦) .
حالة الاشتباه بالخارج هل هو مذي أم مني؟
آ- يقظة: الذي يخرج منه مذي، لأن الني لا يشبه بغيره في اليقظة لأنه يخرج دفقاً وبشهوة.
ب- نوماً: إن كان نومه عقيب شهوة (مداعبة أو تذكر ... ) فهو مذي لأن هذا سببهُ، وإن لم يكن كذلك فهو مني بناء على حديث السيدة عائشة ﵂ المتقدم في الذي يجد بللاً، ولأن خروج المني في النوم معتاد وغيره نادر.
ثالثاً: انتقال المني من مقره (الصلب عند الرجل والترائب عند المرأة) ، فإن أحس الرجل بانفصال المني من صلبه وأحست المرأة بانفصال المني من ترائبها ولو لم ⦗٩٧⦘ يصل المني إلى ظاهر القُبل كأن أمسك ذكره فإنه يوجب الغسل، فإن اغتسل وذهب منه المني بعد الغسل بلا لذة فلا غسل عليه، لأنه جنابة واحدة فلا يجب به غسلان.
رابعاً: التقاء الختانين بلا حائل بمقدار ما تغيب الحشفة أو بقدرها ولو لم يُنزل، لما روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه سأل عائشة ﵂ عما يوجب الغسل قالت: على الخبير سقطت. قال رسول الله ﷺ : (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل) (٧) ، أو إيلاج الحشفة في فرج أصلي ولو دبراً ولو لميت أو بهيمة (أما الفرج غير الأصلي مثل قبل الخنثى المشكل فلا غسل عليه) . وإن مات شهيدا وعليه جنابة غسّل، فإن اغتسل ثم نزل المني بعد الغسل وجب عليه غسل جديد إن نزل بلذة، أما إن نزل بدون لذة فلا غسل عليه بل ينقض الوضوء فقط. وكذلك المرأة إن نزل منيُّها بلذة بعد الغسل فعليها غسل جديد، أما إن كان الخارج منها منيُّ الرجل أو منيها ولكن بلا لذة فلا غسل عليها.
خامساً: إسلام الكافر ولو مرتداً سواء كان وجد في كفره ما يوجب الغسل أم لا، وسواء اغتسل قبل إسلامه أم لا، لما روى قيس بن عاصم قال: (أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر) (٨) ، وفي رواية أنه لا غسل عليه، لما روى ابن عباس ﵄ أن معاذاً ﵁ قال: (بعثني رسول الله ﷺ قال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة) (٩) ولم يأمرهم بالغسل ولو أمر لنقل نقلاً متواتراً. والرواية الأولى هي المذهب.
سادساً: الموت، والعلة هنا تعبدية، ويستثنى من ذلك الشهيد والمقتول ظلماً. ⦗٩٨⦘
سابعاً: الحيض أو النفاس (وهو الدم الخارج عقب الولادة) ، ويشترط لصحة الغسل انقطاعهما. أما الولادة العارية عن الدم فلا غسل عليها، وعن الإمام أحمد: يجب الغسل، لأنه لا تكاد تعرى من نفاس موجب فكانت مظنة له فأقيمت مقامه.
ولا يجب الغسل من تغسيل الميت ولا من إفاقة المجنون أو المغمى عليه.
стр. 69
ما يستحب للجنب لتخفيف الجنابة:
-١- أن يتوضأ إذا أراد أن ينام، لما روى ابن عمر ﵄ (أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله أيرقُدُ أحدنا وهو جنب؟ قال نعم إذا توضأ) (١) .
-٢- أن يتوضأ إذا أراد أن يأكل.
-٣- أن يغسل فرجه ويتوضأ إذا أراد معاودة الجماع.
أما الحائض فلا يستحب لها ذلك لأن الوضوء لا يؤثر في حدثها ولا يصلح منها.
стр. 70
شروط الغسل:
-١- انقطاع ما يوجبه.
-٢- النية: أن ينوي رفع الحث الأكبر أو الغسل للصلاة.
-٣- الإسلام.
-٤- العقل.
-٥- التمييز.
-٦- أن يكون الغسل بماء طهور مباح.
-٧- إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة. ⦗٩٩⦘
فرائض الغسل:
تعميم البدن بالماء بما فيه الفم والأنف وكذا ما يظهر من فرج المرأة عند القرفصاء لقضاء الحاجة، كما يجب غسل ما تحت خاتم ونحوه.
ويجب نقض ضفائر الرجل في الغسل، أما المرأة فيجب عليها أن تنقضها في الغسل من الحيض والنفاس وأما في الجنابة فلا يجب نقضها إن كان الماء يصل إلى أصول الشعر، لما روت أم سلمة ﵂ قالت: (قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنْقُضُه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضن عليه الماء فتطهرين) (١) .
стр. 71
واجبات الغسل:
للغسل واجب واحد وهو التسمية، وتسقط سهواً أو جهلاً. ولا يجب في الغسل الترتيب، لأن الله تعالى قال: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (١) فلم يقدم بعض البدن على بعض.
стр. 72
سنن الغسل:
-١- غسل اليدين ثلاثاً قبل إدخالهما إلى الإناء.
-٢- إزالة الأذى عن الجسم وغسل الفرج وما يليه.
-٣- الوضوء قبله، فإن اقتصر على الغسل ونواهما أجزأه عنهما قوله تعالى: (وإن كنتم جنباً فاطهروا) ولم يأمر بالوضوء معه، ولأنهما عبادتان صغرى وكبرى من جنس واحد فدخلت الصغرى في الكبرى في الأفعال دون النية. وعن الإمام أحمد: لا يجزئه عن الحدث الأصغر حتى يتوضأ. ⦗١٠٠⦘
-٤- التيامن: تقديم غسل الشق الأيمن على الأيسر.
-٥- الموالاة: وهو أن لا يجف بعض أعضائه قبل غسل الباقي.
-٦- الدلك: وهو إمرار اليد على الجسد.
-٧- إعادة غسل الرجلين بمكان آخر.
-٨- أن يكون الوضوء بمد والغسل بصاع.
-٩- تثليث غسل الأعضاء.
كيفية الغسل كاملاً:
-١- النية
-٢- التسمية.
-٣- غسل اليدين ثلاثاً قبل وضعهما في الإناء.
-٤- إزالة الأذى وغسل الفرج.
-٥- يتوضأ وضوءه للصلاة.
-٦- يحثي على رأسه ثلاث حثيات يروي بهن أصول شعره ويخلله بيده، ثم يفيض الماء على سائر بدنه متيامناً، ثم يدلك بدنه بيده.
لما روت السيدة عائشة ﵂ في صفة غسله ﵊.
قالت: (كان رسول الله ﷺ ، إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه. ثم يفرغ بيمينه على شماله. فيغسل فرجه. ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. ثم يأخذ الماء. فيدخل أصابعه في أصول الشعر. حتى إذا رأى أن قد استبرأ (١) ، حفن على رأسه ثلاث حَفَناتٍ. ثم أفاض على سائر جسده. ثم غسل رجليه) (٢) .
وعن ميمونة ﵂ قالت: (وضع رسول الله ﷺ وضوءاً لجنابة، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثاً، ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط، ⦗١٠١⦘ مرتين أو ثلاثاً، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل جسده، ثم تنحى فغسل رجليه قالت: فأتيته بخرقة فلم يُرِدْها) (٣) .
أما غسل الحيض فيزيد على غسل الجنابة بأن يستحب للمرأة أن تأخذ شيئاً من المسك أو الطيب فتتبع به أثر الدم ليزيل فورته، لما روت عائشة ﵂، قالت: سألت امرأة النبي ﷺ : كيف تغتسل من حيضتها؟ قال فذكرت أنه علمها كيف تغتسل. ثم تأخذ فِرْصَةً من مِسْكٍ (٤) فَتَطَهَّرُ بها. قالت: قالت كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها. سبحان الله! واستتر قال قالت عائشة: واجتذبتها إليَّ. وعرفت ما أراد النبي ﷺ . فقلت: تَتَبَّعي بها أثر الدم (٥) .
стр. 73
حكم الماء المختلى به:
يجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا من إناء واحد، لحديث عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أن ورسول الله ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه من الجنابة) (١) ، أما الماء الذي تختلي به المرأة فلا يجوز للرجل أن يتطهر به، لما روى الحكم بن عمرو أن النبي ﷺ (نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طَهور المرأة) (٢) .
ومعنى الخلوة بالماء: أن لا يشاهدها إنسان تخرج عن الخلوة في النكاح، وذكر القاضي أنها لا تخرج عن الخلوة ما لم يشاهدها رجل. وإنما تؤثر خلوتها بالماء اليسير، لأن النجاسة لا تؤثر في الماء الكثير. والمنع من تطهر الرجل به تعبدي.
стр. 74
مكروهات الغسل:
-١- يكره ترك سنة من سنن الغسل. ⦗١٠٢⦘
-٢- يكره الإسراف في الصب.
-٣- تكره إراقة ماء الوضوء والغسل في مكان يداس فيه كالطريق تنزيهاً للماء لأنه أثر عبادة.
-٤- يكره للرجل الغسل في الحمام إن خيف الوقوع في المحرّم، أما إن أمن الوقوع في المحرّم بأن يسلم من النظر إلى عورات الناس ومسها ويسلم من نظرهم إلى عورته ومسها، فيباح له الغسل في الحمام.
أما المرأة فيباح لها الغسل في الحمام بشروط:
-١- الأمن من الوقوع في محرّم.
-٢- أن يوجد لها عذر من حيض، أو نفاس، أو جنابة، أو مرض، أو حاجة إلى الغسل، ولم تستطيع الغسل في بيتها، فإن كان لديها في بيتها حمام فيحرم عليها.
-٥- يكره الغسل عرياناً وإن لم يره أحد.
ومن آدب دخول الحمام نذكر:
-١- أن يقدم رجله اليسار في الدخول.
-٢- أن يغسل قدميه وإبطيه بماء بارد عند الدخول، وهو الأولى.
-٣- أن يقلل الالتفات.
-٤- أن لا يطيل المقام إلا بقدر الحاجة.
-٥- أن يغسل قدميه عند الخروج بماء بارد فإنه يذهب الصداع.
-٦- تكره القراءة فيه وكذا السلام.
-٧- يحرم أن يغتسل عرياناً بين الناس.
ما يحرم بالحدث الأكبر:
-١- يحرم بالحدث الأكبر كل ما يحرم بالحدث الأصغر، وهو الصلاة والسجود ⦗١٠٣⦘ للتلاوة أو الشكر وكذلك الطواف ومس المصحف لقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (١)
-٢- قراءة القرآن آية فصاعداً لما روي عن علي ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجُبُهُ - أو قال يحْجُزُهُ - عن القرآن شيء ليس الجنابة) (٢) أما في بعض الآية روايتان: إحداهما: يحرم قراءتها لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) (٣) ، والأخرى: يجوز، لأن الجنب لا يُمنع من قول بسم الله، الحمد لله وذلك بعض آية. ويمكن التهجية والذكر والقراءة التي لا تجزئ في الصلاة لإسرارها وكذا قراءة آيات الذكر كالبسملة والأدعية.
-٣- يحرم اللبث في المسجد ولو كان مصلى عيد، قال تعالى: (ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (٤) . قال ﷺ فيما روته عائشة ﵂: (فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (٥) . أما العبور فلا مانع لقوله تعالى: (إلا عابري سبيل) ، ولما روت عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : (ناوليني الخُمْرَةَ (٦) من المسجد. قالت فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك) (٧) . وقال البعض: إذا توضأ الجنب حل له اللبث في المسجد، لأن الصحابة رضوان الله عليهم كان أحدهم إذا أراد أن يتحدث في المسجد وهو جنب توضأ ثم دخل المسجد فجلس فيه. ⦗١٠٤⦘
стр. 75
الأغسال المسنونة:
-١- غسل الجمعة لمن يريد حضورها وصلاتها ولو كان مسافراً أو عبداً، وأول وقته من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة فإن اغتسل بعدها فلا يجزئ، لحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل) (١) ، وإن اغتسل ثم أحدث فعندها يكفيه الوضوء وغسله يجزئ. كما يجزء الغسل الواجب عن غسل الجمعة.
-٢- الغسل من تغسيل الميت مسلماً كان أو كافراً.
-٣- الغسل لصلاة يومي العيدين لحاضرها إن أراد صلاتها. فهو للصلاة لا لليوم، وأول وقته من الفجر وقيل من قبله إلى الصلاة.
-٤- الغسل لصلاة الكسوفين.
-٥- الغسل لصلاة الاستسقاء.
-٦- الغسل لجنون (مرض يسلب به العقل) .
-٧- الغسل لإغماء (ما يكون العقل به مغلوباً وهو فوق النوم) .
-٨- غسل المستحاضة لكل وقت صلاة.
-٩- الغسل عند الإحرام بالحج أو بالعمرة أو بهما معاً حتى لحائض ونفساء.
-١٠- الغسل لدخول مكة ولو لحائض، كما يسن لمن كان بالحرم كالذي بمنى وأوراد أن يدخل مكة.
-١١- لدخول حرم مكة.
-١٢- للوقوف بعرفة.
-١٣- لطواف الإفاضة.
-١٤- لطواف الوداع.
-١٥- للوقوف بمزدلفة.
-١٦- لرمي الجمار. ⦗١٠٥⦘
-١٧- للسعي.
-١٨- لزيارة قبر النبي ﷺ ، فقد قال الشيخ تقي الدين: نص أحمد على استحبابه الغسل لدخول المدينة.
وفي حالة الضرورة أو فقد الماء يتيمم عن الأغسال المذكورة كلها، كما يستحب التيمم لما يُسن له الوضوء كقراءة القرآن والذكر إن تعذر الوضوء كما في حالة المريض والجريح والعاجز. ⦗١٠٦⦘