واجبات الغسل:
للغسل واجب واحد وهو التسمية، وتسقط سهواً أو جهلاً. ولا يجب في الغسل الترتيب، لأن الله تعالى قال: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (١) فلم يقدم بعض البدن على بعض.
стр. 72
سنن الغسل:
-١- غسل اليدين ثلاثاً قبل إدخالهما إلى الإناء.
-٢- إزالة الأذى عن الجسم وغسل الفرج وما يليه.
-٣- الوضوء قبله، فإن اقتصر على الغسل ونواهما أجزأه عنهما قوله تعالى: (وإن كنتم جنباً فاطهروا) ولم يأمر بالوضوء معه، ولأنهما عبادتان صغرى وكبرى من جنس واحد فدخلت الصغرى في الكبرى في الأفعال دون النية. وعن الإمام أحمد: لا يجزئه عن الحدث الأصغر حتى يتوضأ. ⦗١٠٠⦘
-٤- التيامن: تقديم غسل الشق الأيمن على الأيسر.
-٥- الموالاة: وهو أن لا يجف بعض أعضائه قبل غسل الباقي.
-٦- الدلك: وهو إمرار اليد على الجسد.
-٧- إعادة غسل الرجلين بمكان آخر.
-٨- أن يكون الوضوء بمد والغسل بصاع.
-٩- تثليث غسل الأعضاء.
كيفية الغسل كاملاً:
-١- النية
-٢- التسمية.
-٣- غسل اليدين ثلاثاً قبل وضعهما في الإناء.
-٤- إزالة الأذى وغسل الفرج.
-٥- يتوضأ وضوءه للصلاة.
-٦- يحثي على رأسه ثلاث حثيات يروي بهن أصول شعره ويخلله بيده، ثم يفيض الماء على سائر بدنه متيامناً، ثم يدلك بدنه بيده.
لما روت السيدة عائشة ﵂ في صفة غسله ﵊.
قالت: (كان رسول الله ﷺ ، إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه. ثم يفرغ بيمينه على شماله. فيغسل فرجه. ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. ثم يأخذ الماء. فيدخل أصابعه في أصول الشعر. حتى إذا رأى أن قد استبرأ (١) ، حفن على رأسه ثلاث حَفَناتٍ. ثم أفاض على سائر جسده. ثم غسل رجليه) (٢) .
وعن ميمونة ﵂ قالت: (وضع رسول الله ﷺ وضوءاً لجنابة، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثاً، ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط، ⦗١٠١⦘ مرتين أو ثلاثاً، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل جسده، ثم تنحى فغسل رجليه قالت: فأتيته بخرقة فلم يُرِدْها) (٣) .
أما غسل الحيض فيزيد على غسل الجنابة بأن يستحب للمرأة أن تأخذ شيئاً من المسك أو الطيب فتتبع به أثر الدم ليزيل فورته، لما روت عائشة ﵂، قالت: سألت امرأة النبي ﷺ : كيف تغتسل من حيضتها؟ قال فذكرت أنه علمها كيف تغتسل. ثم تأخذ فِرْصَةً من مِسْكٍ (٤) فَتَطَهَّرُ بها. قالت: قالت كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها. سبحان الله! واستتر قال قالت عائشة: واجتذبتها إليَّ. وعرفت ما أراد النبي ﷺ . فقلت: تَتَبَّعي بها أثر الدم (٥) .
стр. 73
حكم الماء المختلى به:
يجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا من إناء واحد، لحديث عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أن ورسول الله ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه من الجنابة) (١) ، أما الماء الذي تختلي به المرأة فلا يجوز للرجل أن يتطهر به، لما روى الحكم بن عمرو أن النبي ﷺ (نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طَهور المرأة) (٢) .
ومعنى الخلوة بالماء: أن لا يشاهدها إنسان تخرج عن الخلوة في النكاح، وذكر القاضي أنها لا تخرج عن الخلوة ما لم يشاهدها رجل. وإنما تؤثر خلوتها بالماء اليسير، لأن النجاسة لا تؤثر في الماء الكثير. والمنع من تطهر الرجل به تعبدي.
стр. 74
مكروهات الغسل:
-١- يكره ترك سنة من سنن الغسل. ⦗١٠٢⦘
-٢- يكره الإسراف في الصب.
-٣- تكره إراقة ماء الوضوء والغسل في مكان يداس فيه كالطريق تنزيهاً للماء لأنه أثر عبادة.
-٤- يكره للرجل الغسل في الحمام إن خيف الوقوع في المحرّم، أما إن أمن الوقوع في المحرّم بأن يسلم من النظر إلى عورات الناس ومسها ويسلم من نظرهم إلى عورته ومسها، فيباح له الغسل في الحمام.
أما المرأة فيباح لها الغسل في الحمام بشروط:
-١- الأمن من الوقوع في محرّم.
-٢- أن يوجد لها عذر من حيض، أو نفاس، أو جنابة، أو مرض، أو حاجة إلى الغسل، ولم تستطيع الغسل في بيتها، فإن كان لديها في بيتها حمام فيحرم عليها.
-٥- يكره الغسل عرياناً وإن لم يره أحد.
ومن آدب دخول الحمام نذكر:
-١- أن يقدم رجله اليسار في الدخول.
-٢- أن يغسل قدميه وإبطيه بماء بارد عند الدخول، وهو الأولى.
-٣- أن يقلل الالتفات.
-٤- أن لا يطيل المقام إلا بقدر الحاجة.
-٥- أن يغسل قدميه عند الخروج بماء بارد فإنه يذهب الصداع.
-٦- تكره القراءة فيه وكذا السلام.
-٧- يحرم أن يغتسل عرياناً بين الناس.
ما يحرم بالحدث الأكبر:
-١- يحرم بالحدث الأكبر كل ما يحرم بالحدث الأصغر، وهو الصلاة والسجود ⦗١٠٣⦘ للتلاوة أو الشكر وكذلك الطواف ومس المصحف لقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (١)
-٢- قراءة القرآن آية فصاعداً لما روي عن علي ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجُبُهُ - أو قال يحْجُزُهُ - عن القرآن شيء ليس الجنابة) (٢) أما في بعض الآية روايتان: إحداهما: يحرم قراءتها لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) (٣) ، والأخرى: يجوز، لأن الجنب لا يُمنع من قول بسم الله، الحمد لله وذلك بعض آية. ويمكن التهجية والذكر والقراءة التي لا تجزئ في الصلاة لإسرارها وكذا قراءة آيات الذكر كالبسملة والأدعية.
-٣- يحرم اللبث في المسجد ولو كان مصلى عيد، قال تعالى: (ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (٤) . قال ﷺ فيما روته عائشة ﵂: (فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (٥) . أما العبور فلا مانع لقوله تعالى: (إلا عابري سبيل) ، ولما روت عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : (ناوليني الخُمْرَةَ (٦) من المسجد. قالت فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك) (٧) . وقال البعض: إذا توضأ الجنب حل له اللبث في المسجد، لأن الصحابة رضوان الله عليهم كان أحدهم إذا أراد أن يتحدث في المسجد وهو جنب توضأ ثم دخل المسجد فجلس فيه. ⦗١٠٤⦘
стр. 75
الأغسال المسنونة:
-١- غسل الجمعة لمن يريد حضورها وصلاتها ولو كان مسافراً أو عبداً، وأول وقته من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة فإن اغتسل بعدها فلا يجزئ، لحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل) (١) ، وإن اغتسل ثم أحدث فعندها يكفيه الوضوء وغسله يجزئ. كما يجزء الغسل الواجب عن غسل الجمعة.
-٢- الغسل من تغسيل الميت مسلماً كان أو كافراً.
-٣- الغسل لصلاة يومي العيدين لحاضرها إن أراد صلاتها. فهو للصلاة لا لليوم، وأول وقته من الفجر وقيل من قبله إلى الصلاة.
-٤- الغسل لصلاة الكسوفين.
-٥- الغسل لصلاة الاستسقاء.
-٦- الغسل لجنون (مرض يسلب به العقل) .
-٧- الغسل لإغماء (ما يكون العقل به مغلوباً وهو فوق النوم) .
-٨- غسل المستحاضة لكل وقت صلاة.
-٩- الغسل عند الإحرام بالحج أو بالعمرة أو بهما معاً حتى لحائض ونفساء.
-١٠- الغسل لدخول مكة ولو لحائض، كما يسن لمن كان بالحرم كالذي بمنى وأوراد أن يدخل مكة.
-١١- لدخول حرم مكة.
-١٢- للوقوف بعرفة.
-١٣- لطواف الإفاضة.
-١٤- لطواف الوداع.
-١٥- للوقوف بمزدلفة.
-١٦- لرمي الجمار. ⦗١٠٥⦘
-١٧- للسعي.
-١٨- لزيارة قبر النبي ﷺ ، فقد قال الشيخ تقي الدين: نص أحمد على استحبابه الغسل لدخول المدينة.
وفي حالة الضرورة أو فقد الماء يتيمم عن الأغسال المذكورة كلها، كما يستحب التيمم لما يُسن له الوضوء كقراءة القرآن والذكر إن تعذر الوضوء كما في حالة المريض والجريح والعاجز. ⦗١٠٦⦘
стр. 76
الباب السادس (التيمم)
стр. 77
تعريفه التيمم:
التيمم لغة: القصد.
وشرعاً: استعمال تراب مخصوص في أعضاء مخصوصة من شخص مخصوص في وقت مخصوص.
دليله:
القرآن والسنة والإجماع.
من القرآن: قوله تعالى: (وإن كنتم جُنباً فاطهروا. وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) (١) .
ومن السنة: ما روى عمران بن حصين ﵁: (كنا مع رسول الله ﷺ في سفر ... وفيه: فصلى الناس، فلما انفتل من صلاته، إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك فلما حضر الماء أعطى النبي ﷺ الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: اذهب فأفرغه على نفسك) (٢) .
والتيمم من خصائص هذه الأمة لم يجعله الله طهور لغيرها. ⦗١٠٧⦘
стр. 78
ماهيته:
هو طهارة بالتراب تقم مقام الطهارة بالماء عند العجز عن استعماله، سواء كانت الطهارة من الحدث الأصغر الأكبر أو من الخبث عن البدن، إلا أنها إذا كانت من الحدث الأصغر فينبغي مراعاة الترتيب، فمثلاً إن أراد التيمم عن عضو جريح من أعضاء الوضوء تيمم عنه في وقت غسله فيما لو كان صحيحاً، أما إذا كانت الطهارة من الحدث الأكبر تيمم عن العضو الجريح قبل الغسل أو بعده، لأنه لا ترتيب في الطهارة الكبرى.
ويجوز التيمم للنجاسة على البدن بعد تخفيفها ما أمكن بمسح رطبها وحك يابسها لزوماً، ولا فرق في كون النجاسة على عضو صحيح أو جريح، فإن تيمم لها قبل تخفيفها لم يصح. ودليل جواز التيمم للنجاسة على البدن هو أن طهارة البدن مشروطة للصلاة فجاز التيمم عنها كطهارة الحدث.
وفي وجوب إعادة الصلاة التي تيمم لها عن النجاسة روايتان: إحداهما: لا تجب الإعادة لأنه صلى بنجاسة.
ولا يجوز التيمم عن النجاسة بغير البدن.
شروط جواز صحة التيمم:
أولاً: العجز عن استعمال الماء: وهنا حالتان:
أ- فقد الماء.
ب- الخوف على نفسه من استعمال الماء.
أ- فقد الماء:
دليله: قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وحديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد ماء عشر سنين، فإذا وجد الماء، فليمسه بشرته، فإن ذلك خير) (١) .
حالات فقد الماء:
إن انقطع عنه الماء إما بحبس الماء عنه، أو بحبسه عن الماء، كأن يقطع العدو الماء عن البلد، أو يعجز عن تناول الماء من البئر أو من غيره ولو بفم، تيمم وصلى ولا إعادة عليه.
أو إن كان مسافراً ووصل إلى بلد لم يجد فيها الماء، أو كان معه ماء يحتاج إلى شربه للعطش أو لشرب رفيقه أو بهائمه، أو كان بينه وبين الماء سبع أو عدو يخاف على نفسه أو ماله إن تركه وذهب لجلب الماء، ففي كل هذه الحالات جاز له التيمم سواء كان مسافراً أو مقيماً وسواء كان السفر قصيراً أو طويلاً.
وإن وجد ماء لا يكفي لطهارته إذا كان محدثاً حدثاً أصغر أو أكبر استعماله فيما يكفي وجوباً وتيمم عن الباقي من أعضائه، ولا يصح تيممه قبل استعماله (كما لو كان بعض بدنه صحيحاً وبعضه جريحاً فإنه يلزمه غسل الصحيح والتيمم عن الجريح) لقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء) وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٢) وحديث (فإذا وجد الماء، فليمسه بشرته) .
وإذا وجد مريد التيمم تراباً قليلاً لا يكفيه لتيممه استعمله وصلى ثم يعيد الصلاة إن وجد ما يكفي من ماء أو تراب.
وكذا إن وصل المسافر إلى الماء وقد ضاق الوقت عن طهارته به. أو علم أن نوبة استسقائه منه لا تصل إليه إلا بعد خروج الوقت أو دخول وقت الضرورة، عدل [ص-١٠٩] إلى التيمم لأنه غير قادر على استعمال الماء في الوقت فأشبه العادم له. أما غير المسافر فلا يعدل إلى التيمم ولو فاته الوقت لتشاغله بتحصيله أو استسقائه، لأن الله تعالى قال: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ وهذا واجد له، حتى ولو خاف فوات الجنازة، أما عند الإمام أحمد ﵁ فيجوز لأنه لا يمكن استدراكها.
ومن أرق الماء، أو مر به وأمكنه الوضوء منه، وهو يعلم أنه لا يجد غيره في الوقت، ولم يتوضأ، أو باعه، أو وهبه، وقد دخل الوقت ولم يترك منه شيئاً يتطهر به، فقد حرم عليك ذلك، ولم يصح البيع ولا الهبة لتعلق حق الله تعالى به كالأضحية المعينة، ثم إن لم يجد غيره تيمم وصلى وليس عليه إعادة لعدم القدرة على الماء.
وإذا اجتمع الحدث الحدث ونجاسة خبث على البدن والثوب، وكان معه ماء لا يكفي للجميع، فإنه يغسل ثوبه (لأنه لا يصح التيمم عن نجاسته) بشرط سبع مرات وإلا فهو كعدمه، ثم إن فضل شيء من الماء غسل النجاسة من على بدنه، ثم إن فضل شيء تطهر به وإلا تيمم وجوباً، أما إذا كانت النجاسة في أعضاء الوضوء فيبدأ بالوضوء، لأن ماء الوضوء يرفع الحدث ويزيل الخبث.
стр. 79
ب- الخوف على نفسه من استعمال الماء:
وأسباب هذا الخوف هي:
-١- المرض: كجروح أو قروح أو حمى، فيجوز للمكلف التيمم إذا خاف أن يؤدي استعمال الماء إلى تلف عضو أو زيادة مرض أو تباطؤ شفاء أو حدوث شين فاحش في جسمه، والدليل قوله تعالى: (وإن كنتم جُنباً فاطهروا. وإن كنتم مرضى أو على سفر) (١) وقوله أيضاً: (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم) (٢) . ⦗١١٠⦘ وإن كان بعض بدنه صحيحاً وبعضه جريحاً غسل الصحيح وتيمم للجريح جنباً كان أو محدثاً حدثاً أصغر، لما روى جابر ﵁ قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيّ السؤال، إنما كان يكفي أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) (٣) . وليس عليه إعادة الصلاة في جميع الأحوال حتى ولو كان الجرح في أعضاء التيمم.
-٢- شدة البرد: والدليل ما روى عمرو بن العاص ﵁ قال: (احتلمت في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً" (٤) . فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً) (٥) ، ولأن خاف على نفسه أشبه بالمريض. ولا إعادة عليه إن كان مسافراً، أما إن كان في حاضراً ففي لزوم الإعادة روايتان، إحداهما: لا تلزمه الإعادة، والثانية: تلزمه الإعادة، وهي الرواية المعتمدة، لأنه ليس بمريض ولا مسافر فلا يدخل في عموم الآية، ولأن الحضر مظنه إسخان الماء، فالعجز عن التسخين عذر غير متصل، وإن قدر على تسخين الماء لزمه كما يلزمه شراء الماء.
ثانياً: طلب الماء:
يجب على فاقد الماء طلبه بدليل قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء) ولا يتحقق عدم الوجود إلا بعد الطلب، فإن تيمم قبل طلبه لم يصح تيممه، ولأنه بدل فلا يجوز العدول إليه قبل طلب المبدل. ⦗١١١⦘
стр. 80
كيفية الطلب:
-١- أن ينظر يمنة ويسرة وأمامه ووراءه، فإن كان بين يديه حائل من ربوة أو حائط علاه ونظر حوله، وإن رأى خضرة أو سواها استبرأها.
-٢- إن كان معه رفيق سأله فإن بدله له لزمه قبوله.
-٣- إن وجد ماء يباع بثمن المثل أو بزيادة غير مجحفة وهو واجد للثمن غير محتاج إليه لزمه
شراؤه.
-٤- إن علم بماء قريب لزمه قصده ما لم يخف على نفسه أو ماله أوفوت رفقة أو فوت الوقت.
فإن تيمم ثم رأى ركباً أوشيئاً يدل على الماء كسراب ظنه ماء قبل الدخول بالصلاة لزمه الطلب لأنه وجد دليل الماء وبطل تيممه لأن من شروط التيمم الطلب، أما لو وجد الدليل وهو بالصلاة لم تبطل، لأنه شرع فيها بطهارة متيقنة فلا يبطلها بالشك، وإن علم أو ظن وجود الماء آخر الوقت فيسن له أن ينتظر إلى آخر الوقت المختار، لما روى علي بن أبي طالب ﵁ قال: (إذا أجنب الرجل السفر نلوم (١) ما بينه وبين آخر الوقت، فإن يجد الماء تيمم وصلى (٢)) ، ولأن الطهارة بالماء فريضة والصلاة بأول الوقت فضيلة فانتظار الفريضة أولى. أما إن يئس من وجود الماء استحب له أن يتيمم ويصلي بوقت الفضيلة ومتى صلى صحت صلاته ولا إعادة عليه ولو وجد الماء في الوقت، لما روى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال الذي لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلاتك وقال للذي توضء وأعاد: لك الأجر مرتين) (٣) . وإن ⦗١١٢⦘ علم في رحله ماء ونسيه فعليه إعادة، لأنها طهارة واجبة فلا تسقط بالنسيان، وكذا إن وجد بقربه بئراً أو غديراً علامته ظاهرة أعاد لأنه مفرط في بالطلب، وإن كانت علامته خفية لم يعد لعدم تفريطه.
стр. 81
ثالثاً: دخول الوقت:
أي دخول وقت الصلاة التي يريد صلاتها من فرض أو نافلة، لأنه قبل الوقت مستغن عن التيمم، فلا يصح التيمم لصلاة قبل دخول وقتها، لأنه بدخول وقتها يبطل تيممه، ولا يصح التيمم لنافلة في وقت منهي عن فعلها فيه إلا ركعتي الطواف فيصح التيمم لها في أي وقت.
ويستبيح المكلف بالتيمم لمكتوبة في وقتها أن يصلي ما شاء من الفرائض أداء وقضاء ومن النوافل ما شاء قبلها وبعدها إلى أن يخرج وقتها.
رابعاً التيمم بتراب:
دليله: قوله تعالى: (فتيمموا صعيداً طيباً) (١) ، قال ابن عباس ﵄ الصعيد: هو التراب الحرث، والطيب: الطاهر، وروى علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء فقلنا يا رسول الله ما هو؟ قال: نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض وسميت أحمد وجعل التراب لي طهوراً وجعلت أمت خير الأمم (٢)) ، فلو كان غيره طهوراً ذكره فيما منّ الله به عليه. وعن الإمام أحمد ﵁ يجوز التيمم بالرمل والسبخة (٣) ، لما روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمساً، لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) (٤) . ⦗١١٣⦘
شروط التراب:
-١- أن يكون التراب مباحاً فلا يصح بمغصوب.
-٢- أن يكون التراب طاهراً.
-٣- أن يكون له غبار يعلق على اليد، لأن ما لا غبار له لا يمسح شيء منه. وإن ضرب بيده على أي شيء طاهر له غبار (صخرة، حائط، لباد) أبيح له التيمم به، لأن المقصود التراب الذي يمسح به وجهه ويديه، لحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ ضرب بيديه على الحائط فمسح بهما وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه) (٥) .
ولا بأس أن يتيمم جماعة موضع واحد كما يتوضؤون من حوض واحد.
-٤- أن يكون التراب غير محترق، فلا يصح التيمم بما دق من الخزف لأنه ليس بتراب.
وإن خالط التراب جصٌ أو دقيق فحكمه حكم الماء إذا خالطته الطاهرات (أي إذا غلبت الطاهرات على التراب لم يصح، وإن غلب التراب على الطاهرات صح التيمم به) ، وإن خالطه ما لا يعلق باليد كالرمل والحصى فيصح التيمم به لأنه لا يمنع من وصول الغبار إلى اليد.
стр. 82
خامساً: النية:
أي أن ينوي استباحة مالا يباح إلا به، فإن نوى استباحة فرض صلاة مكتوبة استباح كل شيء معها لأنه تابع لها، وإن نوى استباحة الصلاة أو استباحة نفل يبح له الفرض ويباح له ما دون ذلك بما فيها صلاة الجنازة إن لم تكن متعينة عليه، أما إن كانت متعينة عليه، كأن لم يوجد أحد يصلي على هذه الجنازة إلا هو، فيصبح حكمها فرضاً وعندها لا يستطيع صلاتها بنية استباحة الصلاة أو استباحة ⦗١١٤⦘ نفل بل لا بد من ذكر استباحة فرض الصلاة. وإن نوى استباحة تلاوة القرآن لم تبح له الصلاة بكل أنواعها، لأنها أعلى من التلاوة. وإن نوى بالتيمم رفع الحدث لم يجزئه، لأن التيمم لا يرفع حدثاً، وعن الإمام أحمد: أنه يرفع حدثاً فعندها يكون حكمه حكم الوضوء بنيته. وأما إن نوى بتيممه استباحة شيء يشترط له الطهارة استباحة واستباح مثله وما دونه، وترتيب هذه الأشياء كما يلي: فرض عين (الصلاة المكتوبة وطواف الإفاضة) فالنذر ففرض الكفاية فنافلة الصلاة والطواف فمس المصحف فالتلاوة فالمكث في المسجد.
سادساً: الإسلام.
سابعاً: العقل.
ثامناً: التمييز.
تاسعاً: الاستنجاء أو الاستجمار المستوفيان للشروط.
أركان التيمم:
أولاً: تعيين النية لما يتيمم له هل هو الحدث الموجب للغسل أو الوضوء أو من نجاسة فيقول: نويت التيمم لاستباحة فرض الصلاة عن الحدث الأكبر أو الأصغر أو النجاسة، فإن نوى التيمم عن الحدث الأصغر ونسي الجنابة لم يجزئه، أو نسي الحدث وتيمم. عن الجنابة لم يجزئه والأفضل أن يقول: نويت التيمم لاستباحة فرض الصلاة من الحدث الأكبر والأصغر.
محلها: لا يشترط فيها مقارنة عند وضع يده على ما يتيمم به بل يصح تقدمها عن المسح بزمن يسير.
ثانياً: مسح جميع الوجه بباطن أصابع كفيه بيده واحده أو أصبع، ويدخل في الوجه اللحية ولو طالت، وكذا الوترة (١) ، وما غار من الأجفان، وما بين ⦗١١٥⦘ العذار، وكذا ما تحت الوتد من البياض الذي بين الأذن والعذر. ولا يتتبع ما غار من بدنه، ولا ما تحت شعره ولو خفيفاً، ولا داخل الأنف والفم.
ثالثاً: مسح ظاهر اليدين إلى الكوعين بباطن راحتيه، ويجب أن ينزع ما ستر شيئاً منها كالخاتم، والدليل على ذلك أن الله تعالى إذا علق حكماً بمطلق اليدين لم يدخل فيه الذراع كقطع يد السارق في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (٢) . ويصح أن يمرّ العضوَ الواجب مسحه على التراب فيمسحه به، أو ينصبه للريح أي يعرضه للريح والتراب ثم يمسحه، أما إن سفته الريح من غير قصد فلا يجزئ.
ودليل مسح الوجه واليدين إلى الكوعين ما روي عن عمار ﵁ أنه قال: (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرَّغ الدابة ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة. ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه) (٣) .
رابعاً: الترتيب: وهو مسح الوجه أولاً ثم اليدين لحدث أصغر، لأن التيمم مبني على طهارة الماء وهو فرض في الوضوء دون ما سواه.
خامساً: الموالاة بين مسح الوجه ومسح اليدين إذا كان التيمم عن الوضوء، وكذا الموالاة بين التيمم ومتابعة الوضوء في الطهارة الصغرى إذا كان التيمم عن عضو جريح، فإذا جعل فاصل بين التيمم ومتابعة الوضوء بطل التيمم.
стр. 83
واجبات التيمم:
للتيمم واجب واحد هو التسمية ولو كان التيمم عن نجاسة ببدنه، وتسقط التسمية بالسهو والجهل، ويبطل التيمم بتركها عمداً. ⦗١١٦⦘
سنن التيمم:
-١- يسن أن يضرب على التراب ضربتين، ضربة للوجه وضربة لليدين.
-٢- يستحب أن يمسح اليدين إلى المرفقين خروجاً من خلاف من أوجبه.
-٣- أن يغرق الأصابع عند الضرب ليدخل التراب فيما بينها.
-٤- أن ينفض التراب إن كان كثيراً قبل المسح.
-٥- أن يمسح إحدى راحتيه بالأخرى وأن يخلل بين الأصابع.
-٦- أن يأتي بالشهادتين مع ما بعدهما كما في الوضوء. ويجوز أن ييممه غيره كما يجوز أن يوضئه غيره.
كيفية التيمم:
-١- ينوي استباحة ما يتيمم له (فرض صلاة، طواف ... ) مع تعيين الحدث الذي يتيمم عنه، كأن يقول نويت التيمم عن الحدث الأكبر أو الحدث الأصغر أوعن العضو الجريح لاستباحة فرض الصلاة.
-٢- التسمية.
-٣- يضرب التراب بيديه مفرجة الأصابع، فإذا كان التراب ناعماً ووضع يديه وضعاًعلى التراب دون ضرب فعلق التراب بيديه أجزأه، والأحوط أن تكون ضربتان ضربة لمسح وجهه وضربة لمسح يديه إلى المرفقين بعد نزع الخاتم ونحوه يمسح بالضربة الأولى وجهه وبالثانية يديه، فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع يده اليمنى ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع قبض أطراف أصابعه على حرف الذراع وأمرها إلى مرفقه، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمرها عليه ويرفع إبهامه، فإذا بلغ الكوع أمرّ الإبهام على ظهر إبهام يده اليمنى، ثم يمسح بيده اليمنى يده اليسرى مثل ذلك، ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى ويخلل بين أصابعهما.
أما إذا كانت ضربة واحدة مسح بباطن أصابع يديه ووجهه وبباطن الكفين ظهر الكفين إلى الكوع. ⦗١١٧⦘ مبطلات التيمم:
أولاً: يبطل التيمم بجميع مبطلات الطهارة التي تيمم عنها لأنه بدل عنها، فإن كان تيممه عن الوضوء بطل تيممه بأحد نواقض الوضوء، وإن كان تيممه عن غسل بطل تيممه بطروء موجب من موجبات الغسل، أما إن كان تيممه عن وضوء وغسل بطل تيممه بناقض من نواقض الوضوء ولم يَعُدْ محدثاً حدثاً أكبر.
ثانياً: القدرة على استعمال الماء سواء وجده أثناء الصلاة أو قبلها لحديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير) (١) دل بمفهومه أن الصعيد ليس بطهوره عند وجود الماء، ودل بمنطوقه على وجوب استعماله عند وجوده، فعلى هذا إن وجده وهو في الصلاة خرج وتوضأ واغتسل إن كان جنباً واستقبل الصلاة كما لو أحدث أثنائها. أما إن وجد الماء أو قدر على استعماله بعد الصلاة فلا إعادة عليه ولو لم يخرج الوقت، والطواف كالصلاة.
ثالثاً: خروج الوقت يبطل التيمم بكل أنواعه، لأنها طهارة عذر وضرورة فتقدرت بالوقت كطهارة المستحاضة، فإن خرج الوقت وهو في الصلاة بطل تيممه كما لو أحدث أثناء الصلاة.
رابعاً: ذكر بعض السادة الحنابلة أن التيمم يبطل فيما لو خلع خفيه أو عمامته، لأنهما من مبطلات الوضوء لكن الأرجح أن لا يبطل، لأن التيمم طهارة لم يمسح على الخفين أو العمامة فيها فلا تبطل بخلعها.
стр. 84
فاقد الطهورين:
إذا عدم المكلف الماء والتراب، أو عجز عن استعمالهما لمرض شديد، أو حبس في مكان ليس فيه ما يصح به التيمم أو الوضوء، فإنه يجب عليه أن يصلي في ⦗١١٨⦘ الوقت بدون وضوء وبدون تيمم، لأن الطهارة شرط من شروط صحة الصلاة، فتعذرها لا يبيح ترك الصلاة، كالسترة، واستقبال القبلة، ويصلي صلاة حقيقية ولا يعيد تلك الصلاة (وفي رواية أخرى: تلزمه الإعادة، لأن عدم الماء والتراب عذر نادر غير متصل أشبه نسيان الطهارة) إلا إنه يجب عليه أن يقتصر في صلاته على الفرائض والشروط التي لا تصح الصلاة إلا بها.
стр. 85
الباب السابع (الحيض والاستحاضة والنفاس)
стр. 86
الحيض:
تعريفه: الحيض لغة السيلان.
وفي اصطلاح الفقهاء: دم جبلة، يخرج من رحم المرأة مع الصحة، من غير سبب ولادة أو، في أوقات معلومة.
والحامل لا تحيض، فإن رأت دماً فهو دم فساد، بخلاف الشافعية والمالكية، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ ورفعه إلى النبي ﷺ أنه قال في سبايا أوطاس: (لا توطأ الحامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) (١) أي تعلم براءتها من الحمل بالحيضة، فدل على أن الحيضة لا تجتمع مع الحمل.
стр. 87
سن الحيض: أقل سن تحيض به المرأة تسع سنين لقول عائشة ﵂: "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة". وأكثر سن تحيض به خمسون عاماً، فإن رأت دم بعده فهو دم فاسد، لأن السيدة عائشة ﵂ قالت: "إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض"، ولقولها أيضاً: "لن ترى المرأة في بطنها ولداً بعد الخمسين".
مدة الحيض:
أقله: يوم وليلة بشرط أن يكون الدم نازلاً كالمعتاد في زمن الحيض بحيث لو وضعت قطنة لتلوثت بالدم، والمراد باليوم والليلة (٢٤) ساعة فلكية، فلو رأت الدم وانقطع قبل مضي هذه المدة لا تعتبر المرأة حائضاً (أما عند الإمام أحمد أقله يوم فلو انقطع الدم لأقل منه فهو فساد) . ⦗١٢٠⦘
أكثره: خمسة عشر يوماً مع لياليها، فإذا رأت الدم بعد ذلك فإنه ليس بحيض. ولا عبرة في هذا التقدير بعادة المرأة، فلو اعتادت تحيض ثلاثة أيام أو أربعة أيام أو خمسة أيام ثم تغيرت عادتها فرأت الدم بعد هذه المدة فإنها تعتبر حائضاً إلى خمسة عشر يوم.
غالبه: ستة أو سبعة أيام، لما روته حمنة بنت جحش ﵂ في حديث لها أن رسول الله ﷺ قال لها: إنما هي ركضة من الشيطان فتحيّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي، فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعاً وعشرين ليلة، وصومي وصلي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن أو طهرهن) (١)
مدة الطهر: أقل مدة الطهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً (٢) ، لما روي عن علي ﵁ أنه سئل عن امرأة ادعت انقضاء عدتها في الشهر. فقال لشريح قل فيها. فقال: "إن جاءت ببطانة من أهلها يشهدون أنها حاضت في شهر ثلاث مرات تترك الصلاة فيها وإلا هي كاذبة" فقال علي ﵁: "قالون" يعني جيداً وهذا اتفاق بينهما. ولا يمكن ذلك إلا إذا كان الطهر ثلاثة عشر يوماً.
أما أكثر مدة الطهر بين حيضتين فلا حد له لأن من النساء من تطهر شهور أو سنة ومنهن من لا تحيض أبداً. أما غالب الطهر هو أربعة وعشرون يوماً أو ثلاثة وعشرون يوماً.
стр. 88
ما يحرم بالحيض:
-١ً- الصلاة: عائشة ﵂ قالت عن فاطمة بنت أبي حبيش قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إني لا أطهر.. فقال ﷺ : ... فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (١) . ⦗١٢١⦘
-٢ً- الصيام: لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال للنساء: (أليس إذا حاضت -يعني المرأة- لم تصل ولم تصم) (٢) .
-٣ً- الطواف: لقوله ﷺ لعائشة ﵂ حين حاضت في الحج: (افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (٣) .
-٤ً- قراءة القرآن: لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) (٤)
-٥- مس المصحف: لقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (٥) ، ولقوله ﷺ لعمرو بن حزم: (أن لا يمسَّ القرآنَ إلا طاهرٌ) (٦) .
-٦ً- اللبث في المسجد: لقوله ﷺ فيما روته عائشة ﵂: (فإني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب) (٧) . أما المرور فجائز إن أمنت تلويثه.
-٧ً- يحرم الوطء في الفرج لقوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) (٨) أما الاستمتاع بها في غير الفرج فلا يحرم، لما روى أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (اصنعوا كل شيء غير النكاح) (٩) ، وعن عائشة ﵂ قالت: (كانت إحدانا، إذا كانت حائضاً، أمرها رسول الله ﷺ فتأتزر بإزار، ثم يباشرها) (١٠) ، ولأن الوطء حُرِّم للأذى فاختص بمحله، فإذا كان الوطء قبل انقطاع الدم فعليه دينار أو نصف دينار إن قدر وإلا سقطت عنه الكفارة، ووجبت عليه التوبة سواء كان الوطء بأول الحيض أو بآخره، وسواء كان الواطئ مكرهاً أو جاهلاً الحيض أو التحريم ناسياً. ومحل ذلك إذا لم يترتب ⦗١٢٢⦘ عليه مرض أو أذى شديداً وإلا كان حراماً حرمة مغلظة بالإجماع. كما يحرم على المرأة أن تمكن الواطئ من وطئها في الفرج فإذا طاوعته على ذلك فعليها كفارة مثل ما على الرجل.
-٨ً- يحرم إيقاع الطلاق، فإن طلقها فهو طلاق بدعة لما فيه من تطويل العدة، إلا أنه يقع ويؤمر بمراجعتها إن كانت لها رجعة.
стр. 89
الأحكام المتعلقة بالحيض:
-١- سقوط وجوب قضاء الصلاة دون الصيام، لما روي عن معاذة، قالت: سألت عائشة ﵂ فقلت: (ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرُوريَّة أنت؟ قلت لست بحرورية. ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) (١) .
-٢- منع صحة الطهارة، لأنه حدث يوجب الطهارة فاستمراره يمنع صحتها.
-٣- وجوب الغسل عند انقطاعه والنقاء منه، لحديث عائشة ﵂ قالت: (إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم ... فقال لها رسول الله ﷺ : امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي) (٢) .
-٤- وجوب الاعتداد به، فلا تنقضي العدة في حق المطلقة وأشباهها إلا به، لقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (٣) .
-٥- حصول البلوغ به لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة الحائض إلا بخمار) (٤) . ⦗١٢٣⦘
стр. 90
الأحكام المتعلقة بانقطاع الحيض وقبل الطهارة:
إذا انقطع الحيض ولم تغتسل المرأة زالت أربعة أحكام متعلقة فيه وهي:
-١- سقوط فرض الصلاة.
-٢- منع صحة الطهارة.
-٣- تحريم الصيام.
-٤- تحريم الطلاق.
أما باقي المحرمات فتبقى حتى تغتسل. وتحريم الوطء باقٍ لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن﴾ (١) قال مجاهد: حتى يغتسلن.
فإن لم تجد الماء تيممت وحل وطؤها لأن التيمم قائم مقام الغسل، وكذا إن تيممت للصلاة حل وطؤها. وإن كان الوطء قبل طهرها فعليه كفارة نصف دينار، لما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : (في الرجل يقع على امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بنصف دينار) (٢) . أما إن كان الوطء بعد انقطاع الدم وقبل الطهر فلا كفارة فيه.
стр. 91
مدة حيض المبتدئة:
إذا رأت المرأة الدم في سن تحيض لمثله النساء (تسع فما فوق) فتترك الصلاة والصوم، لأن دم الحيض وعادة جبلة وعادة ودم الفساد عارض لمرض ونحو والأصل عدمه، فإن انقطع لدون يوم وليلة فهو دم فساد، وإن بلغ ذلك تركت الصلاة والصوم يوماً وليلة، فإن انقطع لذلك اغتسلت وصلت وكان ذلك حيضها، وإن واجبة بيقين وما زاد على أقل الحيض مشكوك فيه فلا تسقط العبادة بالشك. فإن انقطع دمها ولم يعبر أكثر الحيض اغتسلت غسلاً ثانياً ثم تفعل ذلك في شهرين ⦗١٢٤⦘ آخرين. فإن كان في أشهر كلها مدته واحدة علمت أن ذلك حيضها فانتقلت إليه وعملت على أساسه، وأعادت ما صامت من فرض فيه لأنه تبين أنها صامت في حيضها.
المبتدئة المميزة:
أي التي دمها متميز فبعضه أسود وبعضه أحمر. فإن عبر دمها أكثر الحيض فهو استحاضة، فتنظر في دمها، فإن كان بعضه أسود ثخيناً منتناً وبعضه رقيقاً أحمر، وكان الأسود لا يزيد على اكثر الحيض ولا ينقص عن أقله، فهذه مدة حيضها زمن الدم الأسود فتجلسه، فإذا خلفته بدم أحمر رقيق فهي مستحاضة تغتسل للحيض وتتوضأ للصلاة وتصلي، لما روت عائشة ﵂ قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ قالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أَطْهُر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا. إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة. فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة. وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) (١) ، وفي رواية عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ : (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يُعْرَف - أو يُعْرِف - أي يعطي رائحة، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق) (٢) .
стр. 92
المعتادة:
كل ما تراه المرأة أثناء عادتها من دم أو صفرة أو كدرة أو غيرها فهو حيض، لقول عائشة ﵂: (لا تعجلن حتى تَرَيْنَ القصَّة البيضاء) (١) . قال مالك وأحمد ﵄: هي ماء أبيض يتبع الحيضة.
стр. 93
تغير العادة: هناك حالات:
أولاً: نقيت المرأة قبل انتهاء عادتها: تغتسل وتصلي، لقول ابن عباس ﵄: (لا يحل لها ما رأت الطهر ساعة إلا أن تغتسل) (١) وهناك حالتان:
أ- عاودها الدم في عادتها: هو حيض ومع ذلك لا تعيد ما صامته أثناء طهرها.
ب- عاودها الدم في عادتها:
-١- وعبر أكثر الحيض: فهو استحاضة.
-٢- ولم يعبر اكثر الحيض ولكنه تكرر ثلاثاً: فهو حيض، وإلا فلا لأنه لم يصادف عادة فلا يكون حيضاً بغير تكرار.
ثانياً: رأت الدم في غير عادتها قبلها أو بعدها مع بقاء عادتها أو طهرها فيه: لا تترك الصلاة والصوم حتى يتكرر ثلاثاً. وعن الإمام أحمد: أنها تصير إليه من غير تكرار، واختاره جمع وعليه العمل ولا يسع النساء العمل بغيره. وقيل هو الصواب: إذ يصعب على النساء التقيد بالتكرار.
ثالثاً: أن ينضم إلى العادة ما يزيد بمجموعة عن أكثر الحيض: وهناك حالتان:
آ- ذاكرة لعادتها: إما غير مميزة فتجلس قدر عادتها ثم تغتسل بعدها وتصلي وتصوم، لقوله ﷺ لأم حبيبة: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي) (٢) .
أو مميزة: ففيها روايتان: إحداهما: تعمل بالعادة وهو المعتمد، والثانية تعمل بالتمييز.
ب- ناسية لعادتها: إن كانت مميزة فتعمل بالتمييز، أو كانت غير مميزة: ⦗١٢٦⦘
-١ً- المتحيرة: وهي الناسية لوقت العادة ولعددها فهذه تتحيض في كل شهر ستة أيام أو سبعة (وعن الإمام أنها ترد إلى عادة النساء) تترك خلالها الصلاة والصيام بالاجتهاد في العدد بين الست والسبع.
-٢ً- تعلم عددها وتنسى وقتها: فتجلس قدر أيامها من أول كل شهر على أحد الوجهين، وعلى الوجه الآخر تجلسه بالتحري.
-٣ً- تذكر وقتها وتنسى عددها: فحكمها في قدر ما تجلسه حكم المتحير. فتجلس في موضع حيضها من أوله غالب الحيض ستاً أو سبعاً بالتحري إن اتسع له شهرها في كأن يكون شهرها عشرين فتجلس في أوله ستاً أو سبعاً ثم تغتسل وتصلي بقية العشرين.
стр. 94
أنوع العادة: متفقة ومختلفة.
-١ً- المتفقة: أن تكون أياماً متساوية، مثل من تحيض خمسة أيام من كل شهر.
-٢ً- المختلفة: مثل من تحيض في شهر ثلاثة وفي الثاني أربعة وفي الثالث خمسة ثم تعود إلى الثلاثة.
التلفيق:
إذا رأت المرأة يوماً دماً ويوماً طهراً فإنها تغتسل وتصلي في زمن الطهر، لقول ابن عباس ﵄ المتقدم: (لا يحل لها إذا رأت الطهر ساعة إلا أن تغتسل) . ثم إذا انقطع الدم لخمسة عشر فما دون فجميعه حيض وتغتسل عقب كل يوم وتصلي في الطهر. وإن عبر الخمسة عشر فهي مستحاضة ترد إلى عادتها، فإن كانت عادتها سبعة أيام متوالية جلست ما وافقها من الدم فيكون حيضها منه ثلاثة أيام أو أربعة أيام. وإن كانت ناسية جلست سبعة أيام.
مسائل:
-١ً- إذا رأت الدم (٣) أيام، وطهرت بعدها (١٢) يوماً، ثم رأت الدم (٣) أيام، فالمجموع ويساوي (١٨) يوماً زاد على أكثر الحيض، فيعتبر ⦗١٢٧⦘ مجموع الـ (٣) أيام مع الـ (١٢) يوماً وهو خمسة عشر يوماً حيض، والدم الثاني استحاضة لأنه جاوز الخمسة عشر فلا يحسب من الحيض، وما بيته وبين الدم الأول أقل من الطهر فهو ليس بحيضة ثانية.
-٢ً- رأت الدم (٣) أيام، وطهرت بعدها (١٣) يوماً، ثم رأت الدم (٣) أيام، فالمجموع (١٩) زاد على أكثر الحيض، فنقول أن المجموع (٣) و (١٣) يساوي (١٦) فلا يمكن أن يكون الدم الثاني من الحيض الأول لتجاوز المجموع الخمسة عشر يوماً وهي أكثر مدة الحيض، ويمكن أن يكون حيضة ثانية لأنه بينه وبين الدم الأول (١٣) يوماً وهي أقل مدة الطهر، هذا فيما إذا تكرر ذلك أكثره من مرة، فيكون تبين أن طهرها (١٣) يوماً دائماً.
-٣ً- رأت الدم يومين، وطهرت بعدها عشرة أيام، ثم رأت الدم ثلاثة أيام، فالمجموع خمسة عشر لم يزد على أكثر الحيض، فيعتبر عندئذ المجموع كله حيض فيما إذا تكرر أكثر من مرة.
الاستحاضة:
الاستحاضة هي دم ليس بحيض ولا نفاس، فكل ما زاد عن أكثر الحيض، أو نقص عن أقله، أو سال قبل سن الحيض فهو استحاضة. وهو دم فساد ناتج عن مرض.
حكم المستحاضة:
حكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات وفعلها، لأنها نجاسة غير معتادة أشبه بثلث البول. فإن اختلط حيضها باستحاضتها فعليها الغسل عند قطع الحيض، ومتى أرادت الصلاة غسلت فرجها وما أصابها من الدم، حتى إذا استنقأت عصبت فرجها، واستوفقت بالشد والتلجم، ثم توضأت ونوت فرائض الوضوء لاستباحة فرض الصلاة، (حكم وضوئها كحكم التيمم) ، وصلت، لحديث حمنة بنت جحش قالت: (قلت يا رسول الله إني استحاض حيضاً كثيرة ⦗١٢٨⦘ شديدة فما تأمرني فيها، قد منعتني الصيام والصلاة؟ قال: أنِعتُ لك الكُرْسف فإنه يذهب الدم. قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فتلجمي. قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فاتخذي ثوباً. قالت: هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجاً. ثم قال: إنما هي ركضة من الشيطان) (١) .
وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ (أن امرأة كانت تُهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ ، فاستفت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال: لتنظُر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلَّفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر لثوب ثم لتصلِّ فيه) (٢) . وإن خرج الدم بعد الوضوء فلا شيء عليها لأنه لا يمكن التحرز منه فسقط، وتصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض والنوافل قبل الفريضة وبعدها حتى يخرج الوقت فتبطل به طهارتها وتستأنف الطهارة لصلاة أخرى، لحديث عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقال لها: (واغتسلي ثم توضئي لكل صلاة، وصلي) (٣) . فهي طهارة عذر وضرورة فتقيدت بالوقت كالتيمم، ولو توضأت قبل دخول الوقت فيبطل وضوؤها بدخوله كما في التيمم. فإن انقطع الدم بعد الوضوء وكانت عادتها انقطاعه وقتاً لا يتسع للصلاة لم يؤثر انقطاعه في طهارتها، لأنه وقت لا تتمكن من أداء الصلاة فيه في طهارة كاملة وإن لم تكن لها عادة أو كانت عادتها انقطاعه مدة طويلة لزمها استئناف الوضوء، وإن كانت في الصلاة بطلت.
وحكم من به سلس بول، أو مذي، أو ريح، أو جرح لا يرقأ دمه، حكمها في ذلك إلا أن ما لا يمكن عصبه يتركه كما هو ويصلي فقد صلى عمر ﵁ وجرحه يعثف دماً
стр. 95
ما يسن للمستحاضة:
-١ً- لا توطأ المستحاضة إلى لضرورة لأنه أذى في الفرج، وإن خاف على نفسه العند أبيح له الوطء، وفي رواية يحل له، والفرق بين الوطء في الاستحاضة وبين الوطء في الحيض هو أن الوطء في الحيض ربما يتعدى ضرره إلى الولد فإنه قيل قد يأتي الولد مجذوماً، بخلاف الوطء في الاستحاضة.
-٢ً- يستحب لها الغسل لكل صلاة، لما روت عائشة ﵂ (أن أم حبيبة بنت جحش ﵂ استحيضت في عهد رسول الله ﷺ فأمرها بالغسل لكل صلاة) (١) ، وعن حنا بنت جحش قالت: كنت استحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي ﷺ استفتيه وأخبره ... قال: فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلين حين تطهرين، وتصلين الظهر والعصر جميعاً، ثم تؤخرين المغرب، وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين، وكذلك فافعلي، وصومي إن قويتي على ذلك) (٢) .
стр. 96
النفاس:
تعريفه: هو الدم الخارج عقب الولادة أو قبلها بيومين أو ثلاثة (مع وجود أمارة كالطلق) لأن سبب خروجه الولادة، أما إن خرج قبل ذلك فهو دم فساد لأن الحامل لا تحيض. ولا يعتبر الدم الخارج عقب الولادة نفاساً إلا بوضع ما تبين فيه خلق إنسان، وأقل ما يتبن فيه خلق إنسان واحد وثمانون يوماً، فلو وضعت علقة أو مضغة لا تخطيط فيها فلا يثبت لها حكم النفاس، وكذا إذا وضعت كتلة ليس فيها خلق شيء (حمل عنقودي) فلا نفاس لها. أما السقط فقيل فيه: وسقطٌ لأربعة أشهر كالمولود حياً يغسل ويكفن ويُصلى عليه وبالتالي يثبت لها حكم النفاس. ⦗١٣٠⦘
حكمه: حكم الحيض تماماً فيما يحرم ويجب ويسقط به، لأنه دم حيض متجمع احتبس لأجل الحمل.
أكثره: أربعون يوماً لما روت أم سلمة ﵂، (كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً، أو أربعين ليلة) (١) فإذا رأت الدم بعد الأربعين فهو دم فساد، وإن صادف عادة الحيض فهو حيض.
أقله: ليس لأقله حد، ففي أي وقت رأت الطهر فهي طاهر تغتسل وتصلي. ويستحب لزوجها الإمساك عن وطئها حتى تتم الأربعين. فإن عاودها الدم في مدة النفاس فهو مشكوك فيه لذا تصوم وتصلي وتقضي الصوم احتياطاً، لأن الصوم واجب بيقين فلا يجوز تركه لعارض مشكوك فيه، ويجب قضاؤه لأنه ثابت بيقين فلا يسقط بفعل مشكوك فيه. ويفارق الحيضُ المشكوك فيه النفاسَ لكثرة الحيض وتكرره ومشقة إيجاب القضاء فيه.
تعقيب:
يجوز للرجل أن يشرب دواء غير محرم ليمنع الجماع، ويجوز للمرأة شرب دواء لإلقاء النطفة وحصول الحيض، أو شرب دواء لقطع الحيض إن أمنت الضرر. ولا يجوز لأحد أن يسقيها بغير علمها ما يقطع حيضها لإسقاط حقها من النسل، أما شرب ما يمنع الحمل مطلقاً فلا يجوز. ⦗١٣١⦘
стр. 97
كتاب الصلاة
стр. 98
الباب الأول (تعريف الصلاة)
стр. 99
لغة: الدعاء بخير، بدليل قوله تعالى: (وصلّ عليهم) (١) أي ادع لهم وأنزل رحمتك عليهم.
وشرعاً: قربة (٢) فعلية (٣) ذات إحرام وسلام، أو أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وقيل هي سجود (فتشمل سجود التلاوة فهو صلاة) .
стр. 100
حكمها:
فرض، ودليل فرضيتها من الكتاب قوله تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) (١) . أي مفروضاً بوقت معلوم، وقد فرضت الصلاة بمكة ليلة الإسراء قبل الهجرة. ومن السنة حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) (٢) .
وقد أجمعت الأمة على فرضيتها، فمن أنكر ذلك فهو مرتد عن دين الإسلام بلا خلاف ⦗١٣٤⦘
стр. 101
عدد الصلوات المفروضة: خمس، قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (١) ، وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) (٢) ، وعن طلحة بن عبيد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال للسائل عن الإسلام: (خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل عليّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطَّوَّع) (٢) . وروى عبادة بن الصامت ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يأتِ بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة) (٤) .
стр. 102
حكم تارك الصلاة:
-١ً- من تركها متهاوناً بها معتقداً بوجوبها وجب قتله، لقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) (١) مما يدل على أنهم إذا لم يقيموا الصلاة يقتلون، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على قتال مانعي الزكاة، والصلاة آكد منها، ولكن لا يقتل تاركها حتى يستتاب ثلاثة أيام ويُضيَّق عليه ويدعى إلى فعل كل صلاة في وقتها ويقال له: إما أن تصلي وإما أن تقتل، فإن تاب ترك وإلا قتل بالسيف. والتساؤل هنا هل قتله حد أو بسبب كفره فهناك روايتان، الأولى: لكفره فهو كالمرتد في أحكامه لحديث جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ ⦗١٣٥⦘ يقول: (إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) (٢) ، ولأن الصلاة لا تسقط عن المكلف بنيابة شخص ولا مال، فيكفر تاركها كالشهادتين وهذا الرأي هو المعتمد.
والرواية الثانية: أنه يقتل حداً كالزاني المحصن، للحديث المتقدم عن عبادة بن الصامت ﵁: (خمس صلوات كتبهن الله ... ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد: إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة) (٣) فلو اعتبر كافراً لما دخل في حكم المشيئة وفق ما ورد في الحديث، ولما روي عن عبادة بن الصامت أيضاً ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار) (٤) ، وروي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله) (٥) .
-٢- من جحد وجوبها فهو مرتد وتجري عليه أحكام المرتد ويقتل بعد استتابته ثلاثة أيام إن لم يتب ويكون قتله كفراً بإتفاق.
стр. 103
أوقات الصلاة
أولاً صلاة الظهر:
أول وقتها: هو زوال الشمس، لما روى أبو برزة الأسلمي ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يصلي الظهر إذا زالت الشمس) (١) أي عندما تكون الشمس في منتصف السماء عمودية على الأرض تقريباً.
وآخر وقتها: إذا صار ظل كل شيء مثله، مضافاً إليه القدر الذي زالت الشمس عليه، لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أمَّني جبريل ⦗١٣٦⦘ ﵇ عند البيت مرتَيْن، فصلى الظهر في الأولى منها حين كان الفيء مثل الشراك (٢) ، ثم صلى العصر حين كان كلُّ شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين بَرَقَ الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كلّ شيء مثله، لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كلّ شيء مِثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليَّ جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك؛ والوقت بين هذين الوقتين" (٣) . ويعرف زوال الشمس بطول الظل بعد تناهي قصره. والأفضل تعجيلها في أول الوقت إلا في شدة الحر فيستحب الإبراد بها، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: (إذا اشتد الحر فأبرِدوِا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم (٤) ، وإلا مع الغيم لمصلِ في جماعة يؤخرها لقرب وقت العصر.
стр. 104
ثانياً صلاة العصر: وهي الوسطى، لما روي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً) (١) .
أ- وقت اختيار: ويبدأ من أول وقتها إذا صار الظل كل شيء مثله سوى ظل الزوال، ويستمر إلى أن يصبح ظل كل شيء مثليه سوى ظل الزوال، لحديث ابن عباس ﵄ المتقدم: (ثم صلى العصر حين كل شيء مثل ⦗١٣٧⦘ ظله ... وصلى المرة الثانية ... العصر حين كان ظل كل شيء مثليه) . وعن الإمام أحمد: أن آخر وقت العصر ما لم تصفر الشمس لما روى عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:
(وقت العصر ما لم تصفر الشمس) (٢) فينتهي وقت الاختيار.
ب- وقت جواز (وقت ضرورة) : ويستمر إلى وقت غروب الشمس، ومن أدرك جزءاً منها قبل الغروب فقد أدركها، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك) (٣) .
ج- وقت فضيلة والأفضل تعجيلها في أول الوقت لحديث أبي برزة ﵁ عن صلاة رسول الله ﷺ : ( ... وكان يصلي الظهر حين تزول الشمس والعصر، يذهب الرجل إلى أقصى المدينة، والشمس حية..) (٤) .
стр. 105
ثالثاً: صلاة المغرب:
أول وقتها: إذا غربت الشمس.
آخره: إذا غاب الشفق الأحمر، لحديث بريدة ﵁ أن رجلاً سأل عن وقت الصلاة وفيه: (أن النبي ﷺ أمر بلالاً حين غابت الشمس ... فلما أن كان اليوم الثاني ... صلى المغرب قبل أن يغيب الشفق ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: وقت صلاتكم ما بين ما رأيتم) (١) وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (أن النبي ﷺ قال ... ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق) (٢) . ⦗١٣٨⦘ ويكره تأخير صلاة المغرب عن أول وقتها، لأن جبريل ﵇ صلاها بالنبي ﷺ في المرتين في أول وقتها، وروي عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة. والعصر والشمس نقية. والمغرب إذا وجبت (٣) ... ) (٤) . إلا ليلة جمع لنحرم قصد المزدلفة فيجمع المغرب مع العشاء جمع تأخير، أما إذا وصل إلى مزدلفة قبل الغروب فيصلي كلاً من المغرب والعشاء على حدة. ويسن تأخيرها في الغيم لمصل في جماعة.
стр. 106
رابعاً: صلاة العشاء:
أول وقتها: إذا غاب الشفق الأحمر.
وآخره: إلى طلوع الفجر الثاني.
ولها وقت اختيار: من غياب الشفق إلى ثلث الليل الأول، لحديث بريدة ﵁ وفيه: (فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره ... فلما أن كان اليوم الثاني أمره.... وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل) (١) ، وحديث ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : (الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة) (٢) . وعن الإمام أحمد: آخره الوقت المختار نصف الليل الأول، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: (سئل رسول الله ﷺ عن وقت الصلوات؟ فقال: ... ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل) (٣) .
والأفضل تأخير صلاة العشاء، لما روى أبو برزة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يؤخر العشاء إلى ثلث الليل، ويكره النوم قبلها، والحديث ⦗١٣٩⦘ بعدها) (٤) ويستحب أن يراعي الإمام حال المأمومين، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر: والعشاء أحياناً يؤخرها وأحياناً يعجل، كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطأوا آخَّر) (٥) .
أما وقت الجواز أو الضرورة فيستمر إلى طلوع الفجر الثاني.
стр. 107
خامساً: صلاة الفجر:
أول وقتها: طلوع الفجر الثاني، وهو البياض الذي يبدو من قبل المشرق معترضاً لا ظلمة بعده.
وآخر وقته: إذا طلعت الشمس.
وقت اختيار: من طلوع الفجر إلى الإسفار، لما روى بريدة ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: ( ... ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما أن كان اليوم الثاني: صلى الفجر فأسفر بها ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله قال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم) (١) ، ولحديث ابن عباس ﵄ المتقدم عن صلاة جبريل ﵇.
والأفضل تعجيلها، لما روت عائشة زوج النبي ﷺ قالت: (لقد كان نساء من المؤمنات يشهد الفجر مع رسول الله ﷺ مُتَلَفِّعاتٍ بمُرُوطهنَّ ثم ينقلبن إلى بيوتهن وما يُعْرفْن. من تغليس (٢) رسول الله ﷺ بالصلاة) (٣) . وعن الإمام أحمد: أنه يُراعى حال المأمومين فإن أسفروا فالإسفار أفضل كما ذكرنا في العشاء. ⦗١٤٠⦘ حالة من شك بدخول الوقت: لا يصلي حتى يتيقن أو يغلب على ظنه دخول الوقت، فإن أخبره ثقة عن علم عمل به وإن أخبره عن اجتهاد لا يقلده، ويجتهد حتى يغلب على ظنه دخول الوقت، وإن صلى فبان أنه وافق الوقت أو بعده أجزأه، وإن كان صلى قبل الوقت لم يجزئه لأنه صلى قبل الوجوب.
متى تجب الصلاة؟
تجب الصلاة في أول الوقت لأن الأمر بها يتعلق في أول وقتها، والأمر يقتضي الوجوب، ولكن أول الوقت هو سبب الوجوب تثبت عقبه كسائر الأسباب. فلو حاضت المرأة بعد دخول جزء من الوقت لزمها القضاء. بل هناك رأي يقول: إن من أدركت جزءاً من الوقت لزمها قضاء الظهر والعصر لأنها أدركت إحدى صلاتي الجمع فلزمتها الأخرى كمن أدركت جزءاً من الوقت. وقيل: بل لا يلزمها قضاء العصر، بخلاف ما لو أدركت وقت العصر، فإنها إن نقيت قبل الغروب لزمتها صلاتا الظهر والعصر. وكذا يقال في المغرب والعشاء
متى تُدرك الصلاة أداء؟
روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) (٤) ، وعن عائشة ﵂ قالت، قال رسول الله ﷺ : (من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها) (٥) .
وتدرك الصلاة أداء بإدراك تكبيرة الإحرام في وقتها فإذا كبر للإحرام قبل طلوع الشمس فقد أدرك الفجر وكانت أداءً وإذا: بر للإحرام قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر أداءً. وكذا وقت الجمعة يدرك بتكبيرة الإحرام. ⦗١٤١⦘
стр. 108
الأعذار المبيحة لتأخير الصلاة عن وقتها:
-١- النوم والنسيان والغفلة عن دخول الوقت ولو كان ناشئاً عن تقصير
-٢- المرض.
-٣- السفر.
قضاء الفوائت ووقته:
يجب قضاء الفوائت على الفور وقبل الحاضرة، لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصليها إذا ذكرها فإن الله يقول: أقم الصلاة لذكري) (١) .
وتسقط الفورية بما يلي:
-١- إذا خشي فوات الحاضرة، أي ضاق الوقت بحيث لا يسع إلا الحاضرة، قدم الحاضرة كي لا تصبح فائتة.
-٢- إذا نسي الفائتة حتى صلى الحاضرة سقط الترتيب، لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٢) .
-٣- إذا كان هناك متسع من الوقت، وكان مأموماً في صلاة حاضرة وذكر الفائتة، أتم الحاضرة خلف الإمام ثم يقضي الفائتة ثم يعيد الحاضرة.
-٤- إذا كان منفرداً وذكر الفائتة أثناء أداء الحاضرة، قيل يتمها ثم يقضي الفائتة ثم يعيد الحاضرة، وقيل يقطع الحاضرة ويصلي الفائتة ثم الحاضرة.
ويشترط في القضاء الترتيب بين الفوائت، فإن كثرت عليه قضاها متتابعة، ما لم تشغله عن معيشته أو تضعفه في جسده حتى يخشى فوات الحاضرة فيصلي ⦗١٤٢⦘ الحاضرة ثم يعود إلى القضاء. وعن الإمام أحمد: إذا كثرت الفوائت ولم يمكنه فعلها قبل فوات الحاضرة، فله فعل الحاضرة أولاً في أول وقتها لعدم الفائدة من التأخير مع لزوم الإخلال بالترتيب.
ومن نسي صلاة لا يعلم عينها لزمه خمس صلوات ينوي في كل واحدة منها المكتوبة.
وتجوز صلاة الفائتة في أي وقت من ليل أو نهار، لحديث أنس ﵁ المتقدم.
أوقات الصلاة النافلة:
وقت النافلة الراتبة:
إن كانت الراتبة قبلية فوقتها من دخول وقت الفريضة حتى صلاة الفريضة، وإن كانت بعدية فوقتها بعد انتهاء صلاة الفريضة إلى خروج الوقت.
وقت صلاة الجنازة والطواف وإعادة الجماعة: تصح في جميع الأوقات بما فيها بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، لأنهما وقتان طويلان، باستثناء أوقات ثلاث:
عند شروق الشمس إلى أن ترتفع قدر رمح، وعند الاستواء إلى أن تزول، وعند الغروب إلى أن تغرب كاملة، ففي هذه الأوقات روايتان، إحداهما تجوز صلاة النوافل المذكورة فيها لعموم الأدلة المجوزة، والثانية: لا تجوز، لحديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب) (٣) ، ولأنها أوقات خفيفة لا يخشى على الميت فيها، ولا يشق تأخير الركوع للطواف فيها بخلاف غيرها. ⦗١٤٣⦘
أما الأدلة على جواز هذه الصلوات الثلاث (الجنازة، الطواف، إعادة الجماعة) بعد صلاة الصبح والعصر فهي على الترتيب:
بالنسبة للجنازة: لأنهما وقتان طويلان فالانتظار فيها يضر بالميت.
وأما ركعتا الطواف، فلما رواه جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار) (٤) .
وإعادة الجماعة لما روى يزيد بن الأسود ﵁ قال: (شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخَيْف، قال: فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: عليَّ بهما، فجيء بهما تُرْعَد فَرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة) (٥) ، ومتى أعاد المغرب شفعهما برابعة لأنها نافلة ولا يشرع التنفل بوتر في غير الوقت، فينتظر حتى يسلم الإمام ثم يقوم ويأتي بأربعة.
وقت النافلة ذات السبب: تحية المسجد، الكسوف، سجدة التلاوة، قضاء السنن وقتها حين حصول سببها، أما فعلها في أوقات النهي فهناك روايتان، إحداهما: المنع فلا تنعقد في أوقات النهي وهو المعتمد، والثانية: الجواز، لأن الرسول ﷺ صلى بعد العصر ركعتين وقال فيما روته عنه أم سلمة ﵂: (إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان) (٦) ، ولتقريره ﷺ لمن رآه يصلي بعد صلاة الفجر نافلة ⦗١٤٤⦘ الفجر، عن قيس بن عمرو ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ فأقيمت الصلاة، فصليت معه الصبح، ثم انصرف النبي ﷺ فوجدني أصلي، فقال، مهلاً يا قيس! أصلاتان معاً؟ قلت يا رسول الله، إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر، قال: فلا إذن) (٧) ، ولأنها صلاة ذات سبب فأشبهت ركعتي الطواف. وعن الإمام أحمد ﵁: عن صلاهما بعد صلاة الفجر أجزأه، وقال: أما أنا فأختار تأخيرهما إلى الضحى، لما روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من لم يصلِّ ركعتي الفجر فليصلِّهما بعدما تطلع الشمس) (٨) . وقت النافلة التي لا سبب لها (أي النوافل المطلقة) : تصح في كل الأوقات إلا في خمسة أوقات فلا تصح صلاتها فيها، وهي في الأرجح أربعة أوقات تتعلق بالزمن وهي:
-١- من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، لما روي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا صلاة ببعد افجر إلا سجدتين) (٩) أي لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.
-٢- من طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح، أي بعد طلوع الشمس بثلث ساعة، لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب) (١٠) .
-٣- وعند الاستواء حتى تزول، لحديث عقبة بن عامر ﵁ المتقدم.
-٤- وعند الغروب حتى تغرب، لحديث ابن عمر ﵄ المتقدم. ⦗١٤٥⦘
والوقت الخامس يتعلق بالفعل وهو بعد صلاة العصر، لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا صلاة بعد الصبح تى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس) (١١) .
فهذه الأوقات لا تجوز النافلة المطلقة فيها سواء كان المصلي في مكة أو في غيرها وسواء كان يوم الجمعة أو غيره. ⦗١٤٦⦘
стр. 109
الباب الثاني (الأذان والإقامة)
стр. 110
تعريف الأذان:
لغة: الإعلام، بدليل قوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله) .
شرعاً: إعلام بدخول وقت الصلاة.