← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1289

الإيضاح لما ورد في الكتاب والسنة بشأن الإصلاح

علي بن غازي التويجري

Полный текст (57 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾ [النساء: ١]، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]؛ أما بعد (١): فإن وقوع الخلاف بين الناس أمر معلوم وحقيقة ملموسة وواقع يعيشه الكثير، وغير خاف ما يترتب عليه من عواقب لا تحمد من الهجر والتقاطع والتدابر،

стр. 2

والبغضاء بين الناس إلا ما رحم ربي، ولكن من رحمة الله بعباده أن شرع لهم ما يطفئ شره، ويزيل أثره، وهو الإصلاح بين المتخاصمين، سواء من قبل المختلفين أنفسهم، أو من قبل غيرهم. ولقد جاءت نصوص الشرع في بيان فضل الإصلاح وأهميته، والحث عليه، وبيان الأجر الجزيل والثواب العظيم الذي أعده الله لمن قام به. لذلك رغبت أن أكتب فيه حثاً لنفسي وإخواني المسلمين عليه، وخاصة الذين ييسر الله لهم الاطلاع على هذا البحث راجيا ربي أن يجعله سببا في رأب صدع الاختلاف وإعادة الائتلاف، والتواد والتواصل بين المسلمين. كما أسأله سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه نافعاً بين يديه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وقد اقتصرت على ذكر النصوص الواردة في الحث علي الإصلاح طلباً للاختصار ورغبة في أن يستفيد منه شريحة كبيرة من المسلمين، حتى لو لم يكونوا من طلبة العلم، لأنه لا يشترط في الإصلاح ذلك، وكم من مسلم موفق نفع الله به في هذا الباب وأصلح به. وقد سميته: «الإيضاح لما ورد في الكتاب والسنة بشأن الإصلاح»، أسال الله أن يعينني عليه ويوفقني فيه للصواب، فالله حسبي، ونعم الوكيل. خطة البحث: سيكون البحث في هذا الموضوع وفق الخطة التالية: أولاً: مقدمة: تشتمل على أهمية الموضوع وأسباب الكتابة فيه، وقد تقدمت قريباً. ثانياً: صلب الموضوع: ويقع في أربعة مباحث:

стр. 3

المبحث الأول: تعريف الإصلاح لغةً واصطلاحاً، وأنواع الصلح، وفيه مطلبان: الأول: تعريف الإصلاح لغة واصطلاحا. الثاني: بيان أنواع الصلح. المبحث الثاني: ذكر الآيات التي ورد فيها ذكر الإصلاح. المبحث الثالث: ذكر الأحاديث التي ورد فيها ذكر الإصلاح. المبحث الرابع: ذكر أمثلة من الإصلاح في الكتاب والسنة، وفيه مطلبان: الأول: ذكر أمثلة من الإصلاح في كتاب الله. الثاني: ذكر أمثلة من الإصلاح في سنة رسول الله ﷺ . ثالثاً: الخاتمة، وفيها أذكر ما توصلت إليه من نتائج.

стр. 4

منهج البحث ١ - أذكر الآيات التي نص المفسرون على أنها في الإصلاح بين الناس، وأما الآيات التي ورد فيها ذكر الصلح مراداً به إصلاح العمل أو إصلاح النفس أو لم يذكر المفسرون أنها في الإصلاح بين الناس فلم أتعرض لها. ٢ - أقوم بتفسير الآية تفسيراً إجمالياً مفتتحا ذلك بإجمال مني لمعنى الآية وباختصار، ثم أردفه بذكر تفسير بعض أئمة التفسير للآية؛ لأن لكلامهم ﵏ وزنه ومكانته. ٣ - أفرد دلالة الآية على الإصلاح بمزيد من التوضيح والبيان. ٤ - عند إيراد الأحاديث أذكر وجه دلالتها علي الإصلاح باختصار. ٥ - أعزو الآيات إلى سورها، مع ذكر رقمها داخل المتن. ٦ - أخرج الأحاديث من كتب السنة المعتمدة. ٧ - التزمت في الاستدلال بذكر الأحاديث الصحيحة، مع بيان من صححها من أهل العلم، ما لم تكن في الصحيحين، أو أحدهما. ٨ - أترجم الأعلام الواردة، ما لم تكن مشهورة. ٩ - ذيلت الرسالة بفهارس علمية على النحو التالي: أ- فهرس الآيات القرآنية. ب- فهرس الأحاديث النبوية. ج- فهرس الأعلام. د - فهرس المراجع والمصادر. هـ - فهرس الموضوعات.

стр. 5

المبحث الأول تعريف الإصلاح لغةً واصطلاحاً، وأنواع الصلح وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الصلح: الصلح لغةً: مصدر صالح يصالح صلحاً، ويشتق منه - أيضاً -: أصلح يصلح إصلاحاً، والصلاح- بفتح الصاد- ضد الفساد، وبكسرها المصالحة، والاسم الصلح يذكر ويؤنث، يقال: اصطلحا، وصالحا، واصَّالحا - مشدد الصاد- وتَصالحا بمعنى واحد، وهو قطع النزاع (١). الصلح شرعاً: معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين (٢). المطلب الثاني: أنواع الصلح: قال ابن القيم: «الصلح نوعان: الأول: الصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى الله سبحانه ورضى الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالماً بالوقائع، عارفاً بالواجب، قاصداً للعدل، فدرجة هذا المصلح أفضل من درجة الصائم القائم (٣).

стр. 6

والثاني: الصلح الذي يحل الحرام ويحرم الحلال، كالصلح الذي يتضمن تحريم بضع حلال، أو إحلال بضع حرام، أو إرقاق حر، أو نقل نسب أو ولاء عن محل إلى محل، أو أكل ربا، أو إسقاط واجب، أو تعطيل حد، أو ظلم ثالث وما أشبه ذلك، فكل هذا صلح جائر مردود» (١). ويدل على تحريم هذا الصلح جملة من الأدلة، منها: ١ - قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، فقد أمر الله أن يكون الصلح بالعدل لا بالجور، وأمر بالقسط في ذلك، وأخبر عن محبته للمقسطين العادلين في أحكامهم. ٢ - روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة، وعمرو بن عوف المزني (٢) أن رسول الله ﷺ قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما» (٣).

стр. 7

دل هذا الحديث العظيم أن الأصل في الصلح الجواز، إلا إذا تضمن تحريم حلال أو تحليل حرام؛ فإنه لا يجوز ويكون من الصلح المحرم. عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني (١) أنهما قالا: إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه-: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال ﷺ : «قل»، قال: إن ابني كان عسيفاً (٢) على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجمَ، فافتديت منه بمائة شاة ووليدةٍ (٣)، فسألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلدُ مائة وتغريبُ عام، وأن على امرأة هذا الرجمَ، فقال ﷺ : «والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردٌ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها (٤). وهذا الصلح من الجور، كما ترجم عليه البخاري في كتاب «الصلح» من صحيحه: «باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود». ووجه الشاهد من هذا الحديث: أنه لما اصطلح هذان الرجلان على إبطال الحدِّ في حق الزانيين رده رسول الله ﷺ ، وحكم بينهما بكتاب الله، فجلد البكر منهما وغربه، ورجم المحصن وهي المرأة. فيجب على من سعى بالصلح بين المسلمين أن يحرص على أن يكون صلحه

стр. 8

بالعدل وأن يحذر من الجور، والظلم في الصلح، ومن تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، فلا يراعي أحداً لجاهه أو ماله أو مكانته على حساب خصمه، حتى ينال الأجر العظيم الذي أعدَّه الشارع على الإصلاح. قلت: وما ذكره ابن القيم في النوع الأول - وهو الصلح الجائز المشروع- قد قسمه العلماء إلى خمسة أنواع: النوع الأول: الصلح بين المسلمين وأهل الحرب، كما في صلح الحديبية بين النبي ﷺ وأصحابه وبين كفار قريش (١). النوع الثاني: صلح بين أهل العدل وأهل البغي من المسلمين، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] (٢). النوع الثالث: صلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]) (٣). النوع الرابع: إصلاح بين متخاصمين في غير المال، كإصلاح النبي ﷺ بين أناس من بني عمرو بن عوف في خصومة كانت بينهم (٤). النوع الخامس: إصلاح بين متخاصمين في الأموال، كإصلاحه بين المتخاصمين في الدين بأن يضع أحدهما نصفه ويوفيه الآخر حقه (٥). (٦)

стр. 9

المبحث الثاني ذكر الآيات التي ورد فيها ذكر الإصلاح وشرحها الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. شرح الآية: يخبر ربنا جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لا خير في كثير مما يتناجى (١) به الناس، إلا إذا كان ذلك التناجي أمراً بصدقة، أو بالمعروف، أو بالإصلاح بين المتخاصمين والمتنازعين، قال الطبري في تفسير الآية: «يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾: لا خير في كثير من نجوى الناس جميعًا، ﴿إلا من أمر بصدقة أو معروف﴾ والمعروف: هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير، ﴿أو إصلاح بين الناس﴾ وهو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين، بما أباح الله الإصلاح بينهما، ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة، على ما أذن الله وأمر به، ثم أخبر جل ثناؤه بما وعد مَنْ فعل ذلك، فقال: ﴿ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاةِ الله فسوف نؤتيه أجرًا

стр. 10

عظيمًا﴾ يقول: ومن يأمر بصدقة أو معروف من الأمر، أو يصلح بين الناس ﴿ابتغاء مرضاة الله﴾ يعني طلب رضا الله بفعله ذلك ﴿فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾ يقول: فسوف نعطيه جزاءً لما فعل من ذلك أجراً عظيمًا، ولا حدَّ لمبلغ ما سمى الله ﴿عظيمًا﴾ يعلمه سواه» (١). دلالة الآية على الإصلاح: دلت الآية الكريمة على أهمية الإصلاح، وفضله، والحث عليه، من عدة وجوه: الوجه الأول: تخصيص الإصلاح بين الناس بالذكر مع إنه داخل في عموم المعروف المذكور قبله في الآية، وهذا يدل على فضله وأهميته. قال ابن عطية: «والمعروف لفظ يعم الصدقة والإصلاح، ولكن خُصَّا بالذكر اهتماماً بهما، إذ هما عظيما الغناء في مصالح العباد» (٢). وقال البقاعي (٣): «ولما كان إصلاح ذات البين أمراً جليلاً، نبه على عظمه بتخصيصه بقوله: ﴿أو إصلاح بين الناس﴾» (٤). وقال ابن رجب: «فنفى الخير عن كثيرٍ ممّا يتناجى الناسُ به إلاَّ في الأمر بالمعروف، وخص من أفراده الصدقة، والإصلاح بين النَّاس؛ لعموم نفعهما،

стр. 11

فدل ذلك على أن التَّناجي بذلك خيرٌ» (١). الوجه الثاني: جعل الله الإصلاح بين الناس والأمر بالصدقة والمعروف خيراً ولو لم يبتغ الفاعل به وجه الله، وهذا دليل على عموم نفعه وفضله، فمتى وجد حصل به خير. قال ابن رجب: «وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرهما خيراً، وإن لم يبتغ به وجه الله؛ لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي فيحصل به للناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر فإن قصد به وجه الله وابتغاء مرضاته كان خيراً له وأثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيراً له ولا ثواب له عليه) (٢). الوجه الثالث: إفادة العموم في قوله تعالى: ﴿أو إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ من جهتين: الأولى: من جهة من يُصلَح بينهم، فعم جميع الناس، ولم يخص أحدا دون أحد. والثانية: من جهة ما يُصلَح به، فلم يخص امرأً دون غيره، فهو شامل للإصلاح في الأموال، والدماء، والأعراض، والأديان وغيرها، فهذا العموم يدل على رغبة الشارع في الإصلاح وتطلعه إليه. قال القرطبي: «﴿أو إصلاح بين الناس﴾ عام في الدماء، والأموال، والأعراض، وفي كل شئ يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى» (٣). الوجه الرابع: الإتيان بضمير الإشارة الدال على البعيد في قوله: ﴿ومن يفعل ذلك﴾ مع قرب العهد به يدل على علو مكانةِ الإصلاح وما ذكر معه، ورفعةِ شأنه.

стр. 12

قال أبو السعود: «﴿ومن يفعل ذلك﴾ إشارة إلى الأمور المذكورة، أعني الصدقة والمعروف، والإصلاح؛ فإنه يشار به إلى متعددٍ، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بها للإيذان ببعد منزلتها ورفعة شأنها» (١). الوجه الخامس: عظم ثواب الإصلاح بين الناس وكثرته يدل على فضله، ويحث على فعله. قال الطبري: «﴿فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾ يقول: فسوف نعطيه جزاءً لما فعل من ذلك أجراً عظيمًا، ولا حدَّ لمبلغ ما سمى الله ﴿عظيمًا﴾ يعلمه سواه» (٢). الآية الثانية: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٨ - ١٢٩] شرح الآية: حث الله تعالى في الآية الأولى الزوجين على الصلح إذا خافا مما يؤدي إلى الاختلاف، وبين أن الصلح بينهما خير لهما من الاختلاف والتنازع، قال الطبري مبيناً معنى الآية: «يعني بذلك جل ثناؤه: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها﴾ يقول: علمت من زوجها ﴿نشوزًا﴾ يعني: استعلاءً بنفسه عنها إلى غيرها، أثرة عليها، وارتفاعًا بها عنها، إِما لبغْضةٍ، وإما لكراهةٍ منه بعض أسبابها، إِما

стр. 13

دَمامتها (١)، وإما سِنُّها وكبرها، أو غير ذلك من أمورها، ﴿أو إعراضًا﴾ يعني: انصرافًا عنها بوجهه، أو ببعض منافعه التي كانت لها منه، ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا﴾ يقول: فلا حرج عليهما، يعني: على المرأة الخائفة نُشُوز بعلها أو إعراضَه عنها، ﴿أن يصلحا بينهما صلحًا﴾ وهو أن تترك له يومها، أو تضعَ عنه بعض الواجب لها من حقٍّ عليه، تستعطِفه بذلك وتستديم المُقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، يقول: ﴿والصلح خير﴾ يعني تعالى ذكره: والصلح بترك بعض الحقّ استدامةً للحُرْمة، وتمسكًا بعقد النكاح، خيرٌ من طَلَب الفرقة والطلاق» (٢)، ثم أيد ما ذكره بما رواه عن عمر، وعلي، وابن عباس، وعائشة، وآخرين (٣). ثم بين تعالى أن الشح حاضر للنفوس فينبغي الحذر منه وتركه، حتى يتم الصلح بين الطرفين، قال الشوكاني: «قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ إخبار منه سبحانه بأن الشحّ في كل واحد منهما، بل في كل الأنفس الإنسانية كائن، وأنه جعل كأنه حاضر لها لا يغيب عنها بحال من الأحوال، وأن ذلك بحكم الجبلة والطبيعة، فالرجل يشحّ بما يلزمه للمرأة من حسن العشرة، وحسن النفقة ونحوها، والمرأة تشحّ على الرجل بحقوقها اللازمة للزوج، فلا تترك له شيئاً منها، وشحّ الأنفس: بخلها بما يلزمها، أو يحسن فعله بوجه من الوجوه، ومنه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون﴾ [الحشر: ٩]، وقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: تحسنوا عشرة النساء، وتتقوا ما لا يجوز من النشوز والإعراض، ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ فيجازيكم يا معشر الأزواج بما تستحقونه» (٤).

стр. 14

ثم بين سبحانه في الآية الثانية أن الإنسان لن يستطيع العدل مع النساء في كل شيء، ولكن فيما يقدر عليه، قال ابن كثير موضحاً معنى الآية: «وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي: لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن حصل القسْم الصوري: ليلة وليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع، كما قاله ابن عباس .. »، ثم قال: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهن، فلا تبالغوا في الميل بالكلية، ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي: فتبقى هذه الأخرى مُعَلَّقة، قال ابن عباس ومجاهد .. : معناه: لا ذات زوج ولا مطلقة، وقوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: وإن أصلحتم في أموركم، وقسمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال، غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض» (١). دلالة الآية على الإصلاح: دلت الآية على الحث على الإصلاح وبيان فضله من عدة وجوه: الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ حيث نفى الإثم عن الزوجين فيما تصالحا عليه، ولو كان في الصلح ترك، أو إسقاط بعض الحقوق الواجبة، مع أن الأصل لزوم الحقوق الواجبة، ومثل هذا الصلح جائز بإلاجماع (٢)، قال السعدي موضحاً ذلك: «أي: إذا خافت المرأة نشوز زوجها، أي: ترفعه

стр. 15

عنها، وعدم رغبته فيها وإعراضه عنها، فالأحسن في هذه الحالة: أن يصلحا بينهما صلحا، بأن تسمح المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها، على وجه تبقى مع زوجها، إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة، أو الكسوة، أو المسكن، أو القسم، بأن تسقط حقها منه، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها، فإذا اتفقا على هذه الحالة فلا جناح ولا بأس عليهما فيها، لا عليها ولا على الزوج، فيجوز حينئذ لزوجها البقاء معها على هذه الحال، وهي خير من الفرقة» (١). قلت: ويدل على فضل مصالحة المرأة لزوجها ولو بترك بعض حقها: ما ثبت في سبب نزول هذه الآية: أنها في مصالحة أم المؤمنين سودة (٢) للنبي ﷺ ، حينما وهبت يومها لعائشة، كما رواه الترمذي وأبو داود الطيالسي عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها النبي ﷺ ، فقالت: لا تطلقني وأمسكني وأجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾ (٣). الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿صلحا﴾، فكلمة ﴿صلحا﴾ مصدر مؤكد، يؤكد

стр. 16

الصلح، ويحث عليه، ويرغب فيه (١). الوجه الثالث: إخباره جل وعلا بأن الصلح خير، وإطلاق ذلك، قال ابن عطية: «وقوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ لفظ عام مطلق يقتضى أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق» (٢). وقال الطاهر بن عاشور: وقد دلت الآية على شدة الترغيب في هذا الصلح بمؤكدات ثلاثة: وهي المصدر المؤكد في قوله: ﴿صلحا﴾، والإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿والصلح خير﴾، والإخبار عنه بالمصدر أو بالصفة المشبهة فإنها تدل على فعل سجية» (٣). وقال السعدي: «﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ .. والمعنى: أن الصلح بين مَنْ بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه؛ لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح، وهو جائز في جميع الأشياء، إلا إذا أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً، فإنه لا يكون صلحاً، وإنما يكون جورا .. »، ثم قال: «ونبه على أنه خير، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان - مع ذلك- قد أمر الله به، وحثّ عليه، ازداد المؤمن طلباً له ورغبة فيه» (٤). الوجه الثالث: الإظهار في موضع الإضمار (٥)، حيث أظهر كلمة «الصلح» في قوله: ﴿والصلح خير﴾، ولم يكن عنه بالضمير، وهذا يدل على الحث على

стр. 17

الإصلاح والتأكيد عليه. الوجه الرابع: حثه على الصلح، بقوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، حيث جعله مع التقوى سببا للمغفرة والرحمة، كما يشير إلى ذلك ختم الآية بقوله: ﴿فإن الله كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. شرح الآية: يخبر جل وعلا أن الصحابة سألوا النبي ﷺ عن الأنفال - وهي: الغنائم - فأمره أن يبين لهم أنها لله ورسوله يقسمانها حيث شاءا، ثم أمرهم بالتقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله. يقول السعدي ﵀ في بيان معنى هذه الآية: «الأنفال هي الغنائم التي ينفلها اللّه لهذه الأمة من أموال الكفار، وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نزلت في قصة «بدر» أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاع، فسألوا رسول اللّه ﷺ عنها، فأنزل اللّه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَال﴾ (١) كيف تقسم؟ وعلى من تقسم؟ ﴿قُلْ﴾ لهم: الأنفال لله ورسوله يضعانها حيث شاءا، فلا اعتراض لكم على حكم اللّه ورسوله، بل عليكم إذا حكم اللّه ورسوله أن ترضوا بحكمهما، وتسلموا الأمر لهما، وذلك داخل في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

стр. 18

﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: أصلحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر، بالتوادد والتحاب والتواصل، فبذلك تجتمع كلمتكم، ويزول ما يحصل - بسبب التقاطع - من التخاصم، والتشاجر والتنازع، ويدخل في إصلاح ذات البين تحسين الخلق لهم، والعفو عن المسيئين منهم، فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر، والأمر الجامع لذلك كله قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإن الإيمان يدعو إلى طاعة اللّه ورسوله، كما أن من لم يطع اللّه ورسوله فليس بمؤمن، ومن نقصت طاعته للّه ورسوله، فذلك لنقص إيمانه» (١). دلالة الآية على الإصلاح: لقد دلت الآية على الحث على الإصلاح وأهميته من عدة وجوه: الوجه الأول: أن الله أمر بالإصلاح، وحرج على المؤمنين أن يفعلوه، والأمر يقتضي الوجوب، قال ابن عباس: «هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله وأن يصلحوا ذات بينهم» (٢). الوجه الثاني: تأكيد الأمر بالإصلاح ضمنا في قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. الوجه الثالث: الحث والإلهاب والتهييج على فعله، مع التقوى وطاعة الله ورسوله في قوله في آخر الآية: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾،

стр. 19

قال الشوكاني: « .. ثم قال: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي: امتثلوا هذه الأوامر الثلاثة إن كنتم مؤمنين بالله، وفيه من التهييج والإلهاب ما لا يخفى، مع كونهم في تلك الحال على الإيمان، فكأنه قال: إن كنتم مستمرين على الإيمان بالله؛ لأن هذه الأمور الثلاثة التي هي: تقوى الله، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله والرسول، لا يكمل الإيمان بدونها، بل لا يثبت أصلاً لمن لم يمتثلها، فإن من ليس بمتق وليس بمطيع لله ورسوله ليس بمؤمن» (١). الآية الرابعة: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]. شرح الآية: في هاتين الآيتين يوجه الله عباده المؤمنين إلى ما يجب فعله، حينما تقتتل طائفتان من أهل الأيمان، وذلك بأن يبدؤوا بينهم أولاً بالإصلاح، فإن أبت إحداهما على البغي؛ فإنها تقاتل، حتى ترجع إلى الحق، فيصلح بينهما بالقسط والعدل، ثم بين أن المؤمنين إخوة، وما داموا كذلك فالواجب الإصلاح بينهم، وعدم الاقتتال والنزاع. يقول الطبري ﵀ ملخصاً معنى الآيتين: «يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل،

стр. 20

﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى﴾ يقول: فإن أبَت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله لها وعليها، وتعدّت ما جعل الله عدلاً بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما، ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ يقول: فقاتلوا التي تتعدَّى، وتأبى الإجابةَ إلى حكم الله ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ يقول: حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه، ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها ﴿بالعدل﴾: يعني بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه .. »، ثم قال: «وقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ يقول تعالى ذكره: واعدلوا أيها المؤمنون في حكمكم بين من حكمتم بينهم، بأن لا تَجاوَزوا في أحكامكم حكمَ الله وحكمَ رسوله ﷺ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ من خلقه، يقول: إن الله يحب العادلين في أحكامهم، القاضين بين خلقه بالقسط .. » إلى أن قال: «يقول تعالى ذكرُه لأهل الإيمان به: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ إذا اقتتلا، بأن تحملوهما على حكم الله وحكم رسوله، ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلَين من أهل الإيمان .. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول تعالى ذكرُه: وخافوا الله أيها الناس بأداء فرائضه عليكم، في الإصلاح بين المقتتلين من أهل الإيمان بالعدل، وفي غير ذلك من فرائضه، واجتناب معاصيه؛ ليرحمكم ربكم، فيصفح لكم عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه، واتبعتم أمره ونهيه، واتقيتموه بطاعته» (١).

стр. 21

دلالة الآية على الإصلاح: دلت هذه الآية على الإصلاح من وجوه عدة: الوجه الأول: أمره جل وعلا بالإصلاح في قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، والأمر يقتضي الوجوب إلا إذا صرفه صارف، ولا صارف له هنا عن ذلك. الوجه الثاني: أن الله أمر بالبداءة به قبل كل شيء، فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فدل على فضله وأهميته. الوجه الثالث: أن الله أمر به بعد الاقتتال أيضاً، مما يدل على أن الصلح أمر لازم لا بد منه، ولا يصلح الحال بدونه، فمن لم يستجب له أولاً يقاتل حتى يرجع إليه ويرضى به. الوجه الرابع: أن عاقبته حميدة، فهو الذي يزيل ما يحصل في النفوس من الشر والنزاع والبغضاء قبل الاقتتال وبعده إن حصل. الوجه الخامس: أن الإصلاح من مقتضى الإخوة الإيمانية، ولا تصلح إلا به؛ فإنه لما ذكر أن المؤمنين إخوة أعقبه بالأمر بالإصلاح بينهم. الآية الخامسة: قال تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٨٢] شرح الآية: يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا جناح ولا إثم على من أصلح بين موصٍ - جار في وصيته - وبين ورثته، فسددهم للصواب، قال الواحدي ملخصاً دلالة الآية: «﴿فمن خاف﴾ أَيْ: علم ﴿من موصٍ جنفاً﴾ خطأً في الوصية من غير عمدٍ، وهو أن يُوصي لبعض ورثته، أو يوصي بماله كلِّه

стр. 22

خطأً، ﴿أو إثماً﴾ أَيْ: قصداً للميل، فَحافَ في الوصية، وفعل ما لا يجوز مُتعمِّداً ﴿فأصلح﴾ بعد موته بين ورثته وبين المُوصى لهم، ﴿فلا إثم عليه﴾ أَيْ: إِنَّه ليس بمبدلٍ يأثم، بل هو متوسطٌ للإِصلاح، وليس عليه إثمٌ» (١). ويزيد ابن كثير الآية إيضاحاً، فيقول: (قال ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي: الجَنَف: الخطأ، وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها، بأن زاد وارثاً بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعه الشيءَ الفُلاني محاباة، أو أوصى لابن ابنته ليزيدها، أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئًا غير عامد، بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوصيّ - والحالة هذه - أن يصلح القضية، ويعدلَ في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به، جمعاً بين مقصود الموصي والطريق الشرعي، وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء» (٢). دلالة الآية على الإصلاح: تدل هذه الآية على فضل الإصلاح من جهة أن الله رفع الحرج والإثم عمن بدل وصية غيره من أجل الإصلاح، مع أن التبديل والتغيير في الأصل لا يجوز، لكن لما كان من أجل الإصلاح بين الموصي وورثته رفع الله الحرج عمن فعله، فدل على فضله العظيم، وعلى تطلب الشارع له، ورغبته فيه. الآية السادسة: قال الله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا

стр. 23

وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم﴾ [البقرة: ٢٢٤]. شرح الآية: ينهى الله المؤمن أن يجعل حلفه بالله سبباً مانعا من فعل البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس، قال الطبري: «فمعنى قوله تعالى ذكره: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ إذن: لا تجعلوا الله قوةً لأيمانكم في أن لا تبروا، ولا تتقوا، ولا تصلحوا بين الناس، ولكن إذا حلف أحدكم فرأى الذي هو خيرٌ مما حلف عليه، من ترك البر والإصلاح بين الناس، فليحْنَثْ في يمينه، وليبرَّ، وليتق الله، وليصلح بين الناس، وليكفّر عن يمينه» (١). دلالة الآية على الإصلاح: من جهة نهي الله عباده عن جعل اليمين مانعة من الإصلاح، فالإصلاح خير فحتى لو حلف الإنسان أن لا يصلح، فعليه أن يكفر عن يمينه ويحنث فيها، لأجل الإصلاح ويصلح، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» (٢). الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا

стр. 24

إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] شرح الآية: يرشد الله إلى أن المطلقات ينتظرن بأنفسهن ثلاث حيض، ولا يجوز لهن كتمان ما في أرحامهن من الحمل وغيره، ثم بين أن أزواجهن أحق بردهن، إذا أرادوا الإصلاح لا الإضرار والمشاقة عليهن، ثم بين أن لهن من الحقوق على الأزواج مثل ما عليهن لهم، وإن كان الرجال أفضل منهن درجة. قال السعدي: «قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ أي: النساء اللاتي طلقهن أزواجهن، ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن ويعتددن مدة ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أي: حيض، أو أطهار، على اختلاف العلماء في المراد بذلك، مع أن الصحيح أن القرء: الحيض .. أوجب تعالى عليهن الإخبار عن ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ وحرم عليهن كتمان ذلك، من حمل أو حيض؛ لأن كتمان ذلك يفضي إلى مفاسد كثيرة»، إلى أن قال: «فلهذا قال تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فصدور الكتمان منهن دليل على عدم إيمانهن بالله واليوم الآخر، وإلا فلو آمنّ بالله واليوم الآخر، وعرفن أنهن مجزيات عن أعمالهن، لم يصدر منهن شيء من ذلك، ثم قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: لأزواجهن ما دامت متربصة في تلك العدة، أن يردوهن إلى نكاحهن ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ أي: رغبة وألفة ومودة. ومفهوم الآية: أنهم إن لم يريدوا الإصلاح، فليسوا بأحق بردهن، فلا يحل لهم أن يراجعوهن، لقصد المضارة لها، وتطويل العدة عليها، وهل يملك ذلك مع هذا القصد؟ فيه قولان: الجمهور على أنه يملك ذلك مع التحريم، والصحيح: أنه إذا لم يرد الإصلاح لا يملك ذلك، كما هو ظاهر الآية الكريمة، وهذه حكمة أخرى في هذا التربص، وهي: أنه ربما أن زوجها ندم على فراقه

стр. 25

لها، فجعلت له هذه المدة، ليتروى بها ويقطع نظره. ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم، مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة، ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي: رفعة ورياسة، وزيادة حق عليها، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. ومنصب النبوة والقضاء، والإمامة الصغرى والكبرى، وسائر الولايات مختص بالرجال، وله ضعف ما لها في كثير من الأمور، كالميراث ونحوه. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: له العزة القاهرة والسلطان العظيم، الذي دانت له جميع الأشياء، ولكنه مع عزته حكيم في تصرفه. ويخرج من عموم هذه الآية: الحوامل، فعدتهن وضع الحمل، واللاتي لم يدخل بهن، فليس لهن عدة) (١). دلالة الآية على الإصلاح: دلت هذه الآية على فضل الإصلاح من جهة أن الله لم يجعل للمطلق الحق في مراجعة زوجته إلا بشرط الإصلاح، لأن به يحصل الإئتلاف والاجتماع وصلاح الحال بين الزوجين، وأما بدونه فلا، قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀: «ومن فوائد الآية: أنه لا حق للزوج في الرجعة إذا لم يرد الإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿إن أرادوا إصلاحاً﴾؛ وقال بعض أهل العلم: «إن هذا ليس على سبيل الشرط، ولكنه على سبيل الإرشاد»؛ وهو خلاف ظاهر الآية؛ والواجب إبقاء الآية على ظاهرها؛ فليس له أن يراجع

стр. 26

إلا بهذا الشرط» (١). الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] شرح الآية: في هذه الآية توجيه كريم من الله لعباده إذا خافوا الشقاق والمنازعة بين الزوج وزوجته أن يبعثوا حكما من أهل الزوج وحكما من أهل الزوجة، ثم حث الحكمين على إرادة الإصلاح، وأخبر أن ذلك سبباً لتوفيق الله لهما، قال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: «فإن وصلت الحال إلى أنه لا يمكن اجتماعهما وإصلاحهما، إلا على وجه المعاداة، والمقاطعة، ومعصية الله، ورأيا أن التفريق بينهما أصلح، فرقا بينهما، ولا يشترط رضا الزوج، كما يدل عليه: أن الله سماهما حكمين، والحكم يحكم ولولم يرض المحكوم عليه، ولهذا قال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي: بسبب الرأي الميمون، والكلام الذي يجذب القلوب، ويؤلف بين القرينين، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أي: عالمًا بجميع الظواهر والبواطن، مطلعاً على خفايا الأمور وأسرارها، فمن علمه وخبره أن شرع لكم هذه الأحكام الجليلة والشرائع الجميلة» (٢). دلالة الآية على الإصلاح: تدل الآية على فضل الإصلاح من عدة وجوه: الوجه الأول: أن الله حث الحكمين على إرادة الإصلاح.

стр. 27

الوجه الثاني: أن الله أخبر أن إرادة الإصلاح سبب للتوفيق للحق والصواب، قال ابن عباس في قوله: ﴿إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما﴾ «وذلك الحكمان، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب» (١). الوجه الثالث: حرص الشارع على الإصلاح بين الزوجين قبل كل شيء، ولم يرشدهما إلى الخلع أو الطلاق قبله، بل بدأ به.

стр. 28

المبحث الثالث ذكر الأحاديث التي ورد فيها ذكر الإصلاح إن الناظر في كتب السنة يجد عدداً من الأحاديث النبوية جاءت في بيان فضل الإصلاح بين الناس، والترغيب فيه، والحث على فعله، وذكر الثواب العظيم لمن قام به، فحري بالمسلم أن يعقل ذلك ويعمل به، ساعياً في الإصلاح بين المسلمين، لأن هذا شأن أهل الإيمان كما أخبر الله عنهم في كتابه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]. ومن النصوص النبوية الواردة في ذلك ما يلي: الحديث الأول: ما رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام، والصدقة؟» قالوا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة (١) (٢).

стр. 29

ثم قال الترمذي بعد تصحيحه للحديث: ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» (١). ابتدأ النبي ﷺ هذا الحديث بأداة التنبيه: «ألا»، وهي تقتضي أهمية المنبه عليه وهو هنا: الإصلاح، وأخبر أنه أفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة (٢). قال الطيبي في شرح هذا الحديث: «فيه حث وترغيب في إصلاح ذات البين، واجتناب عن الإفساد فيها؛ لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين، وفساد ذات البين ثلمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع

стр. 30

فسادها نال درجةً فوق ما يناله الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه» (١). الحديث الثاني: روى البخاري في التاريخ الكبير والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «ما عمل ابن آدم شيئا أفضل من الصلاة، وصلاح ذات البين، وخلق حسن» (٢). يدل هذا الحديث العظيم على فضل الإصلاح، حيث أخبر الصادق المصدوق ﷺ أنه ما عمل ابن آدم عملاً أفضل من الصلاة، وصلاح ذات البين، وخلق حسن يتخلق به المسلم، فقد جعل إصلاح ذات البين من أفضل الأعمال التي يعملها ابن آدم، وهذا لاشك يدل على فضله وأهميته. الحديث الثالث: روى الطبراني والبزار عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصدقة إصلاح ذات البين» (٣). يبين النبي ﷺ في هذا الحديث أن أفضل الصدقة هو إصلاح ذات البين، وذلك

стр. 31

لنفعه المتعدي؛ لأن به يزول الشقاق والاختلاف والعداوة، وتحصل الإلفة والمحبة والاتفاق، وفي ذلك دلالة واضحة على فضله وأهميته. الحديث الرابع: روى البزار عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي أيوب: «ألا أدلك على تجارة؟»، قال: بلى، قال: «صل بين الناس إذا تفاسدوا، وقرب بينهم إذا تباعدوا» (١). ورواه الطبراني عن أبي أمامة بلفظ: «ألا أدلك على عمل يرضاه الله ورسوله؟» قال: بلى، قال: «صل بين الناس إذا تفاسدوا … » (٢) فذكره. ورواه الطبراني أيضاً عن أبي أيوب، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا أبا أيوب، ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله؟ تصلح بين الناس إذا تباغضوا وتفاسدوا» (٣). ورواه عبد بن حميد والطيالسي بلفظ: «يا أبا أيوب، ألا أدلك على صدقة يرضي الله ورسوله موضعها؟»، قال: بلى، قال: «تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا» (٤).

стр. 32

لقد تضمن هذا الحديث الشريف بمجموع طرقه وألفاظه فضل الإصلاح من وجوه: الأول: افتتاح الكلام بأداة التنبيه «ألا»، وهذا يقتضي أهمية الأمر وحتمية الانتباه له. الثاني: أنه سماه تجارة، وهو من التجارة الرابحة عند الله. الثالث: أنه سماه عملا يرضاه الله ورسوله. الرابع: أنه سماه صدقة يرضاها الله ورسوله. وهذا يدل على فضل الإصلاح وأهميته، ومحبة الشارع له، والمسلم يحرص على ما يحبه الله ورسوله ويرضاه، ويسعى لتحصيله، ويبادر إلي العمل به. الحديث الخامس: روى البخاري ومسلم عن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «كُلُّ سُلَامَى (١) مِنَ النَّاسِ عَلَيهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَينِ صَدَقَةٌ (٢)، وَتُعينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمشِيهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَتُميطُ الأَذى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ» (٣) لقد ركب الله الإنسان من ثلاثمائة وستين مفصلا كما في الحديث الصحيح (٤)، فينبغي له كلما طلعت شمس يوم كما في هذا الحديث أن يتصدق بعدد مفاصله

стр. 33

ليشتري نفسه من ربه، وقد جاء في هذا الحديث جملة من الأعمال الصالحة التي إذا فعلها المسلم كان له بها صدقة، وذكر من بينها الإصلاح بين الناس بقوله «تعدل بين اثنين صدقة»، وهذا فيه بيان فضل الإصلاح والحث عليه. الحديث السادس: روى البخاري ومسلم عن أمِّ كُلْثُوم بنت عُقْبَة بن أَبي مُعَيط (١) ﵂، قَالَتْ: سمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي (٢) خَيراً، أَوْ يقُولُ خَيْراً» (٣). في هذا الحديث ينفي النبي ﷺ الكذب عن الذي يصلح بين الناس، ويبلغ الحديث بينهم على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإن هذا لا يعد كاذباً، ولو قال الكذب، وذلك لعظم منفعة الإصلاح وما يترتب عليه من إطفاء الشر والفتنة بين المسلمين، وهذا يدل على فضله، وحث الشارع على فعله. وفي رواية مسلم زيادة، قَالَتْ: «وَلَمْ أسْمَعْهُ يُرْخِّصُ في شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُهُ النَّاسُ إلاَّ في ثَلاثٍ، تَعْنِي: الحَرْبَ، وَالإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ،

стр. 34

وَحَدِيثَ المَرْأةِ زَوْجَهَا» (١). في هذه الزيادة ذكرت أم كلثوم ﵂ أن النبي ﷺ رخص في الكذب في ثلاثة أشياء، وقد جاء ذلك صريحاً من قوله ﷺ في الحديث التالي، وهو: الحديث السابع: ما رواه أحمد والترمذي عن أسماء بنت يزيد (٢) قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس» (٣). بين النبي ﷺ أن الكذب لا يحل إلا في ثلاث خصال، وهذا يدل على أن الأصل أن الكذب حرامٌ لا يحل، لكن إذا كان من أجل الإصلاح بين الناس إذا اختلفوا، أو من أجل مصلحة الإسلام والمسلمين في الحرب؛ لأن الحرب خدعة (٤)، أو كان من أجل أن يرضي الرجل امرأته أو من المرأة مع زوجها كذلك كان جائزا (٥).

стр. 35

قال الخطابي: «الكذب في الإصلاح بين اثنين: هو أن ينمي من أحدهما إلى صاحبه خيراً، ويبلغه جميلاً، وإن لم يكن سمعه منه، يريد بذلك الإصلاح» (١). قلت: فجواز الكذب من أجل الإصلاح دليل على فضله وتطلع الشارع إليه. الحديث الثامن: روى أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن قَبِيصَةَ بن مُخَارِقٍ الهِلالي (٢)، قال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا»، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ. وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ -. وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ -. فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» (٣).

стр. 36

دل هذا الحديث العظيم على فضل الإصلاح، من جهة أن الله أباح لمن تحمل حمالة من أجل الإصلاح، أن يسأل قدر حاجته، مع أن المسألة في الأصل حرام، كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة، ومنها هذا الحديث، لكن لما كانت بسبب الإصلاح رفع الإثم عن صاحبها، ويؤكد ذلك أقوال العلماء عند شرحهم لهذا الحديث. قال الخطابي: «تفسير الحمالة، أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، ويحدث بسببهما العداوة والشحناء، ويخاف من ذلك الفتق العظيم، فيتوسط الرجل فيما بينهم، ويسعى في إصلاح ذات البين، ويتضمن مالاً لأصحاب الطوائل يترضاهم بذلك، حتى تسكن الثائرة وتعود بينهم الألفة» (١). وقال البيهقي في شعب الإيمان: «وأباح رسول الله ﷺ لمن تحمل حمالة في إصلاح ذات بين أن يأخذ من الصدقات ما يستغني به على قضاء دينه، وإن لم يكن فقيراً، وذلك راجع إلى الترغيب في الإصلاح وتخفيف الأمر على القائمين به؛ ليكون تخفيفه عليهم مبعثا له على الدخول فيه» (٢). وقال صاحب مرقاة المفاتيح: «قوله: "تحملت حمالة" بفتح الحاء وتخفيف الميم، وهو المال يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة، كأن يقع حرب بين فريقين، ويسفك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى؛ ليصلح ذات البين، والتحمل: أن يحملها عنهم على نفسه، أي: يتكفلها ويلتزمها في ذمته» (٣). وذكر الطحاوي في معاني الآثار، وشرح مشكل الآثار أنه جاء في بعض طرق

стр. 37

حديث قبيصة هذا: أن الحمالة كانت بسبب الإصلاح، ولفظه: «رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ عَنْ قَوْمِهِ أَرَادَ بِهَا الإِصْلَاحَ» (١). الحديث التاسع: روى أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة عن أبي هريرة، وعمرو بن عوف المزني أن رسول الله ﷺ قال: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما» (٢). دل هذا الحديث على أن الصلح جائز، إلا إذا حرم حلالا أو أحل حراما، فيؤخذ منه جواز الصلح وإباحته، ولزومه يؤخذ من النصوص الأخرى. قال الشوكاني: «قوله: «الصلح جائز»: ظاهر هذه العبارة العموم، فيشمل كل صلح، إلا ما استثني، ومن ادعى عدم جواز صلح زائد على ما استثناه الشارع في هذا الحديث فعليه الدليل» (٣). الحديث العاشر: روى البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ» (٤). هذا الحديث يدل على فضل الصلح من فعل النبي ﷺ ، فإنه أمر أصحابه بالذهاب معه إلى أهل قباء من أجل الإصلاح، وسيأتي في ذكر أمثلة الإصلاح في السنة ذكر إصلاحه بين أهل قباء مفصلا (٥).

стр. 38

الحديث الحادي عشر: روى أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي عن أبي بكرة (١): أن النَّبِيِّ ﷺ قال لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄: «إن ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ» (٢). يدل هذا الحديث على فضل الإصلاح من جهة أن النبي ﷺ أخبر أن الحسن سيد، وذكر بعده ما هو بمثابة التعليل لسيادته، وهو الإصلاح بين فئتين عظيمتين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية مؤكداً ذلك: «فقد أخبر النبي ﷺ بأنه سيد، وحقق ما أشار إليه من أن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وهذا يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان محبوباً ممدوحاً يحبه الله ورسوله، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي ﷺ » (٣). قلت: سيأتي قريباً في ذكر أمثلة من الصلح كيفية حصول الصلح بينه وبين معاوية ﵄ جميعا (٤).

стр. 39

المبحث الرابع أمثلة من الإصلاح في الكتاب والسنة أضع بين يديك - أخي المصلح- في هذا المبحث أمثلة من الإصلاح جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، حتى تكون نبراساً لك، وعوناً بعد الله في إصلاحك بين المختلفين من إخوانك المسلمين وغيرهم. المطلب الأول: أمثلة من الصلح في كتاب الله: المثال الأول: الصلح بين أهل العدل وأهل البغي، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. تضمنت هذه الآية مثالا من الإصلاح بين المسلمين إذا وقع بينهم الخلاف، وقد سبق شرح الآية، وذكر وجه دلالتها على الإصلاح (١). المثال الثاني: الصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما، قال تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. لقد تضمنت هذه الآية مثالا من الإصلاح بين الزوجين عند الاختلاف، والاختلاف من طبيعة البشر، لكن بالإصلاح والتغاضي عن بعض الحقوق يصلح أمر الزوجين، ويعيشان بطمأنينة ومودة، وقد سبق الكلام على الآية ودلالتها على

стр. 40

الإصلاح، فليرجع إليه (١). المثال الثالث: الإصلاح بين الصحابة، حينما اختلفوا في الفيء، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. تضمنت هذه الآية مثالاً آخر في الإصلاح بين الصحابة ﵃، حينما اختلفوا في شأن الأنفال، كما مر ذكر ذلك، وشرحه، وبيان دلالة الآية على الإصلاح (٢). المطلب الثاني: أمثلة من الإصلاح في السنة المثال الأول: الإصلاح بين متخاصمين في دَين، روى البخاري ومسلم عن عَبْد اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ (٣): أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ (٤) دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمَا، حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ (٥) حُجْرَتِهِ، فَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: «يَا كَعْبُ»، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّه، فَأَشَارَ بِيَدِهِ: أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ، فَقَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ
следующие страницы →