← Акыда

Акыда · id 12913

الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف

أبو بكر الجزائري

Полный текст (85 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[تصدير] الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصدير الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد فقد ترددت كثيرا في الكتابة في هذا الموضوع - المولد النبوي- احتراما للجناب المحمدي الشريف وتقديرا له، ولكن بعد أن أصبح بين المسلمين من يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا في شأن المولد وجدتني مضطرا إلى كتابة هذه الرسالة راجيا أن تضع حدا لهذه الفتنة التي تثار كل عام، ويهلك فيها ناس من المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 3

لقد سمعت قبيل شهر المولد - ربيع الأول - إذاعة لندن البريطانية تقول إن مفتي الديار السعودية الشيخ عبد العزيز بن باز يكفر من يحتفل بالمولد النبوي مما أثار سخط العالم الإسلامي، فاندهشت للخبر وما فيها من باطل وتهويل، إذ المعروف عن سماحة المفتي القول ببدعية المولد، والنهي عنها لا تكفير من يقيم (١) ذكرى المولد ولا من يحتفل فيها. ولعل هذا من كيد الرافضة الناقمين على السعودية التي لا مجال عندها للبدع والخرافات والشرك والضلالات. ومهما يكن فإن الأمر قد أصبح ذا خطورة، ووجب على أهل العلم أن يبينوا الحق في هذه المسألة الخطيرة التي أدت إلى أن أبغض المسلمون بعضهم بعضا، ولعن بعضهم بعضا. فكم من أحد يقول لي مشفقا علي: إن فلانا يقول إني أبغض فلانا لأنه ينكر الاحتفال بالمولد، فأعجب من

стр. 4

ذلك، وأقول: فهل الذي ينكر البدعة ويدعو إلى تركها يبغضه المسلمون؟ إن المفروض فيهم أن يحبوه لا أن يبغضوه!! وأدهى من ذلك وأمر أن يشاع بين المسلمين أن الذين ينكرون بدعة المولد هم أناس يبغضون الرسول ﷺ ولا يحبونه، وهذه جريمة قبيحة كيف تصدر من عبد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ إذ بغض الرسول ﷺ أو عدم حبه كفر بواح (١) لا يبقى لصاحبه أية نسبة إلى الإسلام والعياذ بالله تعالى. وأخيرا فمن أجل هذا وذاك كتبت هذه الرسالة أداء لواجب البيان من جهة، ورغبة في وضع حد لهذه الفتنة التي تتجدد كل عام، وتزيد في محنة الإسلام من جهة أخرى، والله المستعان وعليه وحده التكلان.

стр. 5

[مقدمة علمية هامة] مقدمة علمية هامة إنني أنصح في صدق لمن أراد قراءة هذه الرسالة ليعلم حكم الشرع الإسلامي في ما يسمى بالمولد النبوي الشريف أن يقرأ هذه المقدمة باعتناء عدة مرات حتى يطمئن إلى فهمها، ولو أدى ذلك به إلى تكرار قراءتها عشر مرات، وإن تعذر عليه فهمها فليقرأها على طالب علم حتى يساعده على فهمها فهما جيدا وصحيحا لا خطأ فيه. فإن فهم هذه المقدمة لا يفيده في فهم قضية المولد المختلف فيها فحسب بل يفيده في كثير من القضايا الدينية التي يتنازع فيها الناس عادة: هل هي بدعة أو سنة وإن كانت بدعة هل هي بدعة ضلالة، أو بدعة حسنة!! ؟ وسأبسِّط للقارئ المسلم العبارة، وَأُقَرِّب إليه الإشارة، وأضرب له المثل وأوضحه، وَأُدْنِي منه المعنى وَأُقَرِّبُهُ، رجاء

стр. 6

أن يفهم هذه المقدمة الهامة، والتي هي كالمفتاح، لفهم المغلق من مسائل الخلاف فيما هو دين وسنة يعمل به، أو هو ضلال وبدعة يجب تركه والبعد عنه. وبسم الله أقول: اعلم أخي المسلم أن الله تبارك اسمه وتعالى جده قد بعث رسوله نبينا محمدا ﷺ وأنزل عليه كتابه القرآن الكريم من أجل هداية الناس وإصلاحهم فيكملوا ويسعدوا في دنياهم وأخراهم. قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥] (١) وبهذا عرفنا أن هداية الناس وإصلاحهم ليكملوا في أرواحهم، ويفضلوا في أخلاقهم لا تتم إلا على الوحي الإلهي المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فإن الله

стр. 7

عز وجل يوحي بالأمر والرسول يبلغه ويبين كيفية العمل به، والمؤمنون يعملون به، (١) فيكملون عليه ويسعدون به، ولنا أن نحلف بالله العظيم أيها القارئ الكريم: أنه لا سبيل إلى إكمال الناس وإسعادهم بعد هدايتهم وإصلاحهم إلا هذا السبيل وهو العمل بالوحي الإلهي الذي تضمنته السنة والكتاب. وَسِرُّ هذا أيها القارئ الفطن: أن الله تعالى هو رب العالمين أي خالقهم ومربيهم ومدبر أمورهم ومالكها عليهم فالناس كلهم مفتقرون إليه في خلقهم وإيجادهم، ورزقهم وإمدادهم وتربيتهم وهدايتهم وإصلاحهم ليكملوا ويسعدوا في كلتا حياتيهم. وقد جعل تعالى سننا للخلق عليها يتم خلقهم وهي التلاقح (٢) بين الذكر والأنثى، وجعل كذلك سننا عليها تتم هدايتهم وإصلاحهم، وكما لا يتم الخلق إلا على سنته في الناس لا تتم كذلك الهداية والإصلاح إلا على

стр. 8

سنته تعالى في ذلك وهي العمل بما شرع الله في كتابه وعلى لسان رسوله محمد ﷺ ، وتطبيق ذلك على الوجه الذي بينه رسوله ﷺ ومن هنا كان لا مطمع في هداية أو سعادة أو كمال يأتي من غير طريق شرع الله بحال من الأحوال. وها أنت تشاهد أهل الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية والمجوسية وغيرها فهل اهتدوا بها أو كملوا أو سعدوا عليها؟ وذلك لأنها ليست من شرع الله، كما أننا نشاهد القوانين التي وضعها الناس لتحقيق العدالة بين الناس وحفظ أرواحهم وأموالهم وصيانة أعراضهم وتكميل أخلاقهم فهل حققت ما أريد منها؟ والجواب لا، إذ الأرض قد خَمَّتْ من الجرائم والموبقات!!! كما نشاهد أهل البدع في أمة الإسلام وأنهم أفسد الناس عقولا، وأرذلهم أخلاقا، وأحطهم نفوسا، كما نشاهد أيضا أكثر المسلمين لما عدلوا عن شرع الله إلى ما شرع الناس من تلك القوانين التي هي من وضع غير الله تعالى كيف تفرقت كلمتهم، وحقر شأنهم وذلوا وهانوا، وما ذاك إلا لأنهم يعملون بغير الوحي

стр. 9

الإلهي. واسمع القرآن الكريم كيف يُنَدِّدُ بكل شرع غير شرع الله تعالى ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٢١] (١) واستمع إلى الرسول ﷺ وهو يقول «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢) «ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ومعنى رد مردود (٣) على صاحبه لا يقبل منه ولا يثاب عليه، وعلة ذلك: أن العمل الذي لم يشرعه الله تعالى لا يُؤَثِّر في النفس بالتزكية والتطهير لخلوه من مادة التطهير والتزكية التي يوجدها الله تعالى في الأعمال التي يشرعها ويأذن بفعلها. وانظر إلى مادة التغذية كيف أوجدها الله تعالى في الحبوب والثمار واللحوم فكان في أكل هذه الأنواع غذاء للجسم ينمو عليها ويحتفظ بقواه، وانظر إلى التراب والخشب والعظام لما أخلاها من مادة التغذية كانت غير

стр. 10

مغذية، وبهذا يظهر لك أن العمل بالبدعة كالتغذية بالتراب والحطب والخشب فإذا كان آكل هذه لا يتغذى فكذلك العامل بالبدعة لا تطهر روحه ولا تزكو نفسه. وبناء على هذا فكل عمل يراد به التقرب إلى الله تعالى للحصول على الكمال والسعادة بعد النجاة من الشقاء والخسران ينبغي أن يكون أولا مما شرع الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، وأن يكون ثانيا مؤدىً على نحو ما أداه عليه رسول ﷺ مراعى فيه كميته أي عدده بحيث لا يزيد عليه ولا ينقص منه، وكيفيته بحيث لا يقدم فيه بعض أجزائه ولا يؤخر. وزمانه بحيث لا يفعله في غير الوقت المحدد له. ومكانه فلا يؤديه في غير المكان الذي عينه الشارع له. وأن يريد به فاعله طاعة الله تعالى بامتثال أمره. أو التقرّب إليه طَلَبًا لمرضاته والقرب منه، فإن فقد العمل واحدة من هذه الاعتبارات: أن يكون مشروعا، وأن يؤديه على النحو الذي أداه عليه

стр. 11

رسول الله ﷺ ، وأن يريد به وجه الله خاصة بحيث لا يلتفت فيه إلى غير الله . فإنه يبطل، ومتى بطل العمل فإنه لا يؤثر في النفس بالتزكية والتطهير بل قد يؤثر فيها بالتدسيّة والتنجيس واصبر علي أوضح لك هذه الحقيقة بالأمثلة التالية: ١ - الصلاة فإنها مشروعة بالكتاب قال تعالى ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] (وبالسنة) قال رسول ﷺ «خمس صلوات كتبهن الله» (١) " الحديث. فهل يكفى العبد أن يصليها كيف شاء ومتى شاء، وفي أي زمان أو مكان شاء؟ والجواب لا، بل لا بد من مراعاة باقي الحيثيات من عددها وكيفيتها، وزمانها ومكانها فلو صلى المغرب أربع ركعات بأن زاد فيها ركعة عمدا بطلت، ولو

стр. 12

صلى الصبح ركعة واحدة بأن نقص منها ركعة لما صحت. وكذلك لو لم يراع فيها الكيفية بأن قدم بعض الأركان على بعض لم تصح، وكذا الحال في الزمان والمكان فلو صلى المغرب قبل الغروب، أو الظهر قبل الزوال لما صحت، كما لو صلى في مجزرة أو مزبلة لما صحت لعدم مراعاة المكان المشروط لها. ٢ - الحج فإنه مشروع بالكتاب والسنة قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (١) وقال رسول الله ﷺ «يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» (٢) فهل للعبد أن يحج كيف شاء ومتى شاء؟ والجواب لا، بل عليه أن يراعي الحيثيات الأربع وإلا لما صح حجه وهي الكمية فيراعى عدد الأشواط في كل من الطواف والسعي فلو زاد فيها أو نقص منها عمدا فسدت، والكيفية

стр. 13

فلو قدم الطواف على الإحرام، أو السعي على الطواف (١) لما صح حجه، والزمان فلو وقف بعرفة في غير تاسع شهر الحجة لما صح حجه، والمكان فلو طاف بغير البيت الحرام أو سعى بين غير الصفا والمروة أو وقف بغير عرفة لما صح حجه. ٣ - الصيام فإنه عبادة مشروعة عليها أمر الله وأمر رسوله قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٢) الآية وقال رسوله ﷺ «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين» (٣) . فهل للعبد أن يصوم كيف شاء ومتى شاء؟ والجواب لا، بل عليه مراعاة الحيثيات الأربع وهي الكمية فلو صام أقل من تسعة وعشرين أو ثلاثين يوما لما صح صومه كما لو زاد يوما أو أياما لما

стр. 14

صح ذلك منه لإخلاله بالكمية وهي العدد، والله تعالى يقول ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] والكيفية فلو قدم أو أخر بأن صام الليل وأفطر النهار لما صح منه، والزمان فلو صام شعبان أو شوالا بدل رمضان لما صح منه، والمكان وهو المحل القابل للصيام فلو صامت حائض أو نفساء لما صح منها. وهكذا سائر العبادات لا تصح ولا تقبل من فاعلها إلا إذا راعى فيها كل شروطها وهي: ١ - أن تكون مشروعة بالوحي الإلهي لقول الرسول ﷺ «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) . ٢ - أن يؤديها أداء صحيحا ملاحظا فيه الحيثيات الأربع: الكمية بمعنى العدد والكيفية وهي الصفة التي عليها العبادة، والزمان الذي حدد لها، والمكان الذي عُيِّنَ لها.

стр. 15

٣ - أن يخلص فيه لله تعالى بحيث لا يشرك فيها أحدا كائنا من كان. ومن هنا كانت أيها الأخ المسلم البدعة باطلة وكانت ضلالة، كانت باطلة لأنها لا تزكي الروح إذ هي من غير شرع الله أي ليس عليها أمره ولا أمر رسوله ﷺ وكانت ضلالة لأنها أضلت فاعلها عن الحق فأبعدته عن عمل مشروع يزكي نفسه ويجزيه به ربه ويثيبه عليه.

стр. 16

[تنبيه] تنبيه: اعلم أخي المسلم وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه أن العبادة المشروعة بالكتاب والسنة أي عليها أمر الله ورسوله قد يطرأ عليها الابتداع ويداخلها الإحداث في كميتها أو كيفيتها أو زمانها أو مكانها فتفسد على فاعلها ولا يثاب عليها، ولنضرب لك مثلا بالذكر فإن الذكر مشروع بالكتاب والسنة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] (١) وقال رسوله ﷺ : «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت» (٢) . ومع مشروعيته فقد داخله الابتداع عند كثير من الناس فأفسده عليهم، وحرمهم ثمرته من تزكية النفس وصفاء الروح، وما يترتب على ذلك من مثوبة ورضوان. إذ بعضهم يذكر بألفاظ غير مشروعة مثل الذكر بالاسم المفرد: الله، الله، الله، أو بضمير الغيبة المذكر: هو، هو، هو، وبعضهم يذكر بنداء

стр. 17

الله تعالى عشرات المرات ولا يسأل فيقول: يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف، وبعضهم يذكر الله مع آلات الطرب، وبعضهم يذكر بلفظ مشروع بنحو الهيللة (١) ولكن في جماعة بصوت واحد مما لم يفعله الشارع ولم يأمر به أو يأذن فيه، فالذكر عبادة شريفة فاضلة ولكن نظرا إلى ما داخله من الابتداع في كمية أو كيفية وهيئة بطل مفعوله وحرم أهله مثوبته وأجره. وأخيرا ألخص للقارئ الكريم هذه المقدمة النافعة فأقول: إن ما يتعبد به العبد ويتقرب به إلى الله، لينجو من عذابه ويفوز بالنعيم المقيم في جواره بعد أن يكون قد استكمل به فضائل نفسه في الدنيا وصلح عليه أمره فيها لا يكون ولن يكون إلا عبادة مشروعة أمر الله تعالى بها في كتابه، أو استحبها أو رغب فيها على لسان رسوله. وأن يؤديها المؤمن أداء صحيحا مراعىً فيها الحيثيات الأربع:

стр. 18

الكمية، والكيفية، والزمان والمكان مع الإخلاص فيها لله تعالى وحده. فإن كانت العبادة غير مشروعة بالوحي الإلهي فهي بدعة ضلالة، وإن كانت مشروعة واختل أداؤها بعدم مراعاة حيثياتها الأربع أو داخلها الابتداع في ذلك فهي قربة فاسدة، وإن خالطها شرك فهي عبادة حابطة باطلة لا تجلب رخاء، ولا تدفع بلاء، والعياذ بالله تعالى.

стр. 19

[تتمة نافعة في بيان السنة والبدعة] تتمة نافعة في بيان السنة والبدعة إنه قبل تعريف البدعة ينبغي تعريف السنة، إذ السنة من باب الأفعال والبدعة من باب التروك، وما يفعل مقدم على ما يترك، كما أنه بتعريف السنن تعرف البدع ضرورة. فما هي السنة إذن؟ السنة لغة هي الطريقة المتبعة، والجمع سنن. وشرعا هي ما شرعه رسول الله ﷺ بإذن الله تعالى لأمته من طرق البر وسبل الخير، وما انتدبها إليه من الآداب والفضائل، لتكمل وتسعد. فإن كان ما سنه قد أمر بالقيام به والتزامه فذلك السنن الواجبة التي لا يسع المسلم تركها، وإلا فهي السنن المستحبة التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.

стр. 20

واعلم أيها القارئ أن النبي ﷺ كما يسن بقوله يَسُنُّ بفعله وتقريره إنه ﷺ إذا عمل شيئا وتكرر منه بالتزامه له يصبح سنة للأمة إلا أن يدل الدليل على أنه من خصوصياته ﷺ كموالاة الصيام مثلا، وإن سمع بشيء أو رآه بين أصحابه، وتكرر ذلك الشيء مرات ولم ينكره ﷺ كان سنة بتقرير الرسول ﷺ . أما ما لم يتكرر فعله أر رؤيته أو سماعه فإنه لا يكون سنة، إذ لفظ السنة مشتق من التكرار ولعله مأخوذ من سن السكين إذا حكها على المسن المرة بعد المرة حتى أحدَّتْ أي صارت حادة بمعنى أنها تنفذ في الأجسام وتقطعها. فمثال ما فعله ﷺ مرة واحدة ولم يكرره فلم يصبح سنة، جمعه بين الظهر والعصر (١) والمغرب والعشاء في غير عذر سفر ولا مرض ولا مطر، فلذا لم يكن سنة متبعة لدى سائر المسلمين.

стр. 21

ومثال ما سكت عنه وأقره مرة واحدة فلم يكن لذلك سنة يعمل بها المسلمون «ما روي من أن امرأة نذرت إن رد الله رسوله سالما من سفر كان قد سافره ﷺ مع أصحابه تضرب بالدف على رأسه فرحا بعودته سالما ﵊» (١) ففعل هذه المرأة وإقرار الرسول لها بعدم نهيها عنه مرة واحدة لم يجعل هذا العمل سنة وذلك لعدم تكراره مرات. ومثال ما تكرر من فعله ﷺ فأصبح سنة يعمل بها المسلمون بلا نكير: «استقباله ﷺ الناس بوجهه وجلوسه بين يدي الصف بعد انفتاله من الصلاة المكتوبة» فهذه الهيئة من الجلوس لم يأمر بها ﷺ ولكن فعلها وتكررت منه مئات المرات فكانت بذلك سنة كل إمام يصلي بالناس. ومثال ما تكرر مما رآه أو سمعه فأقره فأصبح سنة، المشي أمام الجنازة ووراءها إذ كان يرى أصحابه منهم من

стр. 22

يمشي وراء الجنازة ومنهم من يمشي أمامها مرارا عديدة فأقرهم على ذلك بسكوته عنهم، فكان المشي وراء الجنازة وأمامها سنة لا خلاف فيها. هذه هي السنة كما عرفتها أيها الأخ المسلم فاذكرها دائما وأضف إليها سنة أحد الخلفاء الراشدين الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين لقوله ﷺ «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» (١) أما البدعة فإنها نقيض السنة مشتقة من ابتدع الشيء إذا أوجده على غير مثال سابق. وهي في عرف الشرع: كل ما لم يشرعه الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ من معتقد أو قول أو فعل، وبعبارة أسهل: البدعة هي كل ما لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه دينا يعبد الله به، أو يتقرب به إليه من اعتقاد أو قول أو عمل مهما أضفي عليه من قداسة، وأحيط به من شارات الدين وسمات القربة والطاعة.

стр. 23

وهذه أمثلة للبدعة في كل من الاعتقاد والقول والعمل نوضح بها حقيقة البدعة تعليما وتحذيرا، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. مثال البدعة الاعتقادية: اعتقاد كثير من المسلمين أن للصالحين ديوانا أشبه بحكومة سرية في العالم عنه يصدر التولية والعزل، والإعطاء والمنع، والضر والنفع وأهله هم الأقطاب، والأبدال، وكم سمعنا من يستغيث بهم قائلا يا رجال الديوان ويا أهل التصريف من حر ووصيف (١) . واعتقاد أن أرواح الأولياء على أفنية قبورهم تشفع لمن زارهم وتقضى حاجاته، ولذا نقلوا إليهم مرضاهم للاستشفاع بهم. وقالوا: من أعيته الأمور فعليه بأصحاب القبور واعتقاد أن الأولياء يعلمون الغيب، ينظرون في اللوح المحفوظ، ويتصرفون بنوع من التصرف وسواء كانوا أحياء أو أمواتا ولذا أقاموا لهم الحفلات واتخذوا لهم القرابين وجعلوا

стр. 24

لهم مواسم وأعيادا ذات مراسم خاصة (١) . فهذه وغيرها كثير من البدع الاعتقادية التي لم تعرف على عهد رسول الله ﷺ ، ولا على عهد أصحابه ولا عهد أهل القرون الثلاث المشهود لها بالصلاح في قول الرسول ﷺ «خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢) . مثال البدعة القولية: سؤال الله تعالى بجاه فلان - وبحق فلان مما جرى عليه الناس وقلد فيه صغيرهم كبيرهم وآخرهم أولهم، وجاهلهم عالمهم حتى عدوا هذا من أشرف الوسائل وأعظمها يعطي الله تعالى عليها ما لم يعط على غيرها ويا ويل من يجرؤ على إنكار هذه الوسيلة فإنه يعد مارقا من الدين مبغضا للأولياء والصالحين. في حين أن هذه البدعة القولية التي أطلقوا عليها اسم الوسيلة لم تكن معروفة على عهد رسول الله ﷺ ولا على عهد السلف الصالح، ولم يَرِدْ بها كتاب ولا سنة وأقرب القول فيها أنها

стр. 25

من وضع الزنادقة من غلاة الباطنية لتعويق المسلمين عن وسائل نافعة تفرج بها كرباتهم، وتقضي بها حاجاتهم كوسائل الصلاة والصدقات والصيام، والدعوات والأذكار المأثورة. ومن هذا الابتداع في القول: ما تعارف عليه أغلب المتصوفة من إقامة حضرات الذكر أحيانا بلفظ هو هو حي، والله الله، بأعلى أصواتههم وهم قيام ويقضون في ذلك الساعة والساعتين حتى يغمى على بعضهم، وحتى يقول أحدهم الْهُجْر وقد ينطق بالكفر وقد قتل أحدهم أخاه وهو لا يشعر حيث طعنه بسكين. ومثله الاجتماع على المدائح والقصائد الشعرية بأصوات المرد وحالق اللحى والضرب على الطار والعود، أو الدف والمزمار، فهذه البدع القولية وغيرها كثير، والله قسما به تعالى ما كانت على عهد رسول الله ﷺ ولا على عهد أصحابه وإنما هي من وضع الزنادقة والمخربين لدين الإسلام المفسدين لأمته لصرفهم عن النافع إلى الضار، وعن الجد إلى اللهو والهزل.

стр. 26

مثال البدعة الفعلية: البناء على القبور وخاصة قبور من يعتقدون صلاحهم، وضرب القباب على قبورهم، وشد الرحال إلى زيارتها والعكوف عليها، وذبح الغنم والبقر عندها وإطعام الطعام حولها كل هذا لم يعرفه رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ومثله خروج بعض الناس من المسجد الحرام القهقرى وكذا من المسجد النبوي حتى لا يستدبر البيت العتيق أو القبر النبوي عند خروجه فهذه بدعة فعلية أيضا لم يعرفها صدر هذه الأمة الصالح ولكن أحدثها المتنطعون من الناس. ومن ذلك وضع توابيت خشبية على أضرحة الأولياء وكسوتها بأفخر الكتان وتجمير الضريح بالبخور وإيقاد الشموع عليه. هذه أيها القارئ الكريم أمثلة لبعض البدع في الاعتقاد والقول والعمل والتي اكتسبت طابع البدعة في العبادات ومثلها البدع في المعاملات كسجن الزاني بدل إقامة حد الزنى عليه، وكذا سجن السارق وضربه بدل إقامة حد السرقة عليه وهو قطع يده، وكإشاعة الأغاني وتعميمها في البيوت والشوارع والأسواق إذ مثل هذا الطرب العاتي

стр. 27

والمدح الماجن لم يعرفه صدر هذه الأمة الصالح رضوان الله عليهم. ومن هذه البدع العملية ترسيم الربا والإعلان عنه، وعدم إنكاره، ومثله سفور النساء وتبرجهن واختلاطهن بالرجال في الأماكن العامة والخاصة كل هذا من الإحداث المشين والمعرِّض لأمة الإسلام للمحو والزوال، وآثار ذلك ظاهرة في أمة الإسلام لا تحتاج إلى تدليل ولا تبيين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (١) .

стр. 28

[فرع مهم في بيان الفرق بين البدعة والمصالح المرسلة] فرع مهم في بيان الفرق بين البدعة والمصالح المرسلة اعلم أخي المسلم فقهني الله وإياك في دينه أنه قد تسلل إلى حق الله تعالى وحق رسوله ﷺ في التشريع النافع المزكي للنفس المطهر للروح المهيء للمسلم السعادة والكمال في الدنيا والآخرة، تسلل إليه أناس تحت شعار ما يسمونه بالبدعة الحسنة، فوضعوا للمسلمين من البدع ما أماتوا به السنن، وأغرقوا أمة القرآن والسنة في بحور من البدعة، الأمر الذي انحرف به أكثر أمة الإسلام عن طريق الحق وسنن الرشاد وما هذه المذاهب المتطاحنة المتناحرة، والطرق المختلفة المتباينة إلا مظهر من مظاهر الانحراف في الأمة نتيجة استحسان البدع، وإطلاق وصف الحسن على البدعة فيبتدع الرجل بدعا يضاد بها سنن الهدى ويصفها بالحسن فيقول عند ترويج بدعته هذه بدعة حسنة لتؤخذ

стр. 29

عنه وتقبل منه، في حين أنه من المضادة للشارع ﷺ أن يقال بدعة حسنة بعد أن قال رسول الله ﷺ «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» ومع الأسف فقد انخدع بعض أهل العلم لهذا التضليل المتحايل على حق الله تعالى وحق رسوله ﷺ في التشريع فقال: إن البدعة تجري عليها الأحكام الشرعية الخمسة من الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرام، وقد تفطن لهذا الإمام الشاطبي ﵀، وإليك رده على هذا التقسيم، وإنكاره وجود بدعة حسنة في دين الله تعالى قال رحمه الله تعالى: (١) " إن تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة وإجراء الأحكام الخمسة عليها هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نفسه متدافع، لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من نصوص الشرع، ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب

стр. 30

أو ندب أو إباحة لما كان ثَمَّ بدعة، ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها، أو الْمُخَيَّرِ فيها. فالجمع بين عد تلك الأشياء بدعا. وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متناقضين!! أخي القارئ أرأيت كيف أنكر الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى أن تكون البدعة حسنة والرسول يقول فيها: ضلالة. وكيف أنكر على من زعم أن البدعة تجري عليها الأحكام الخمسة (١) بمعنى أنها تكون واجبة أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة، إذ لو دل عليها دليل الشرع لما كانت بدعة، إذ البدعة هي ما لم يدل عليه دليل الشرع من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، فإن دل عليها الدليل الشرعي أصبحت دينا وسنة لا بدعة " فافهم " وإن قلت: كيف تطرق هذا الخطأ إلى علماء أجلة أفاضل كالقرافي مثلا فقالوا بإجراء الأحكام الخمسة على البدعة؟ قلت لك: إن سبب ذلك الغفلة، واشتباه المصالح المرسلة

стр. 31

بالبدع المحدثة، وهذا بيان ذلك: إن المصالح المرسلة جمع مصلحة، وهي ما جلبت خيرا أو دفعت ضيرا ولم يوجد في الشريعة ما يدل على ثبوتها أو نفيها، وهذا معنى " مرسلة " أي لم تقيد في الشريعة باعتبار أو إلغاء ولذا عَرَّفَهَا بعضهم بقوله: المصالح المرسلة كل منفعة داخلة في مقاصد الشرع دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء ومعنى قوله: داخلة في مقاصد الشرع. يريد أن يقول: إن الشريعة قائمة على أساس جلب المنافع ودرء المفاسد. فما حقق للمسلم خيرا أو دفع عنه شرا جاز للمسلم استعماله بشرط أن لا يكون قد ألغاه الشارع لما فيه من مفسدة جلية أو خفية، فليس من حق امرأة أن تزني لما يحصل لها من المنفعة المادية، لأن هذه الوسيلة كالمنفعة المتوسل إليها قد ألغاها الشارع وأبطلها. كما ليس من حق المرء أن يتوسل إلى جلب ثروة أو تحقيق مطلب من مطالبه الشخصية بالكذب أو الخيانة أو الربا؟ لأن هذه المصالح قد ألغاها الشارع ولم يعتبرها لمنافاتها

стр. 32

لمقاصده الكبرى في الجمع بين سعادة الروح والجسد معا. ومن أمثلة ما اعتبره الشارع: تحريم الحشيشة فإنها وإن لم ينص على تحريمها داخلة في تحريم الخمر، فلا يقال تحريم الحشيشة من المصالح المرسلة؟ لأن الشارع حرم الخمر لما فيها من ضرر والحشيشة كذلك فهي محرمة بالاعتبار الشرعي لا بوصفها مصلحة تحقق بها دفع شر عن المسلم. ومن ذلك إلزام المفتى الغنيَّ بالصيام في الكفارة لكون العتق أو الإطعام أهون عليه، فنظرا إلى مصلحة الشريعة حتى لا يتجرأ على انتهاكها الموسرون من أهل الثروة والمال أُلْزِمَ الْغَنِيُّ بالصيام، فهذه المصلحة باطلة، لأن الشارع قد اعتبر إلغاءها، والمصالح المرسلة ما لم يشهد لها الشارع باعتبار أو إلغاء، وهنا الشارع قد شهد لهذه بالإلغاء حيث لم يأذن بالصيام إلا عند العجز عن العتق أو الإطعام، قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]

стр. 33

ومثل كفارة اليمين هذه كفارة الجماع في نهار رمضان فليس من حق المفتي أن يفتي بالصيام دون العتق أو الإطعام واعلم أيها القارئ أن المصالح المرسلة والتي يسميها مروجو البدع بالبدعة الحسنة. تكون في الضروريات والحاجيات والتحسينات أي فيما هو ضروري لحياة الفرد والجماعة، أو فيما هو حاجة من حاجات الفرد أو الجماعة وإن لم يكن ضروريا لهما، أو فيما هو من باب الكماليات والتحسينات فقط فليس هو بضروري ولا حاجي. وعلى سبيل المثال لا الحصر كتابة المصحف الكريم وجمع القرآن العظيم على عهد كل من أبي بكر وعثمان ﵄ فليس هذا العمل من باب البدعة (١) وإنما هو من باب المصالح المرسلة، إذ حفظ القرآن من الزيادة والنقصان والمحافظة عليه حتى يرده الله إليه في آخر الحياة واجب على المسلمين فلما خافوا عليه الضياع؛ بحثوا

стр. 34

عن وسيلة تحقق لهم ذلك فهداهم الله تعالى إلى جمعه وكتابته فكان عملهما هذا مصلحة مرسلة إذ لم يشهد لها الشرع باعتبار ولا إلغاء، وإنما هو من مقاصده العامة فهل لأحد أن يقول إن هذا العمل بدعة حسنة أو سيئة؟ لا، بل هو من المصالح المرسلة الضرورية. ومثال المصالح المرسلة الحاجية اتخاذ المحاريب في قبلة المسجد، إذ لم يكن على عهد الرسول ﷺ محاريب في المساجد، وإنما لما انتشر الإسلام وكثر المسلمون وأصبح الرجل يدخل المسجد فيسأل عن القبلة وقد لا يجد من يسأل فيحتار في شأن القبلة فدعت الحاجة إلى وضع طاق في قبلة المسجد يهتدي به الغريب إلى القبلة، ومثل هذا زيادة عثمان الأذان الأول لصلاة الجمعة فإنه لما عظمت المدينة وأصبحت عاصمة الإسلام واتسعت دورها وأسواقها رأى عثمان ﵁ أن يؤذن للناس قبيل الوقت لينبههم وهم في غفلة البيع والشراء فإذا جاءوا ودخل الوقت أذن المؤذن وقام فخطب الناس وصلى بهم. فهذا ليس من

стр. 35

الابتداع إذ الأذان مشروع للصلاة، وقد يؤذن لصلاة الصبح بأذانين أيضا، وإنما هو من المصالح المرسلة التي فيها نفع المسلمين وإن لم تكن من ضرورياتهم، ولكنها تحقق لهم نفعا ما بتنبيههم إلى قرب دخول وقت الصلاة الواجب عليهم حضورها ولما كان الشارع لم يشهد لمسألة المحراب أو الأذان باعتبار ولا إلغاء، وكانت المسألتان تدخلان في مقاصد الشرع صح أن يقال إنهما من المصالح المرسلة، فالأولى من الحاجيات والثانية من التحسينات والكماليات. ومن هذه المصالح المرسلة التي غالط فيها بعض أهل العلم أو غلطوا فيها وادعوا أنها بدعة حسنة. وقاسوا عليها كثيرا من البدع المنهي عنها: بناء المنارات والمآذن في المساجد لإبلاغ صوت المؤذن إلى أطراف المدن والقرى إعلاما لهم بدخول الوقت أو قربه. وكالمآذن اتخاذ مكبرات الصوت لسماع خطبة الإمام وقراءته وتكبيره في الصلاة،

стр. 36

وكذا قراءة القرآن جماعية في الكتاتيب من أجل حفظ القرآن (١) . فهذه من المصالح المرسلة التي لم يشهد الشارع لها باعتبار ولا إلغاء ولكنها داخلة في مقاصده العامة فليس من حق أحد أن يقول فيها أنها بدع حسنة ويقيس عليها ما حرم رسول الله ﷺ من الابتداع في الدين بقوله: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» . وخلاصة القول أيها القارئ أن المصالح المرسلة لا تراد ولا تقصد لذاتها، وإنما تراد وسيلة لحفظ واجب أو أدائه، أو درء مفسدة، أو تجنبها أما البدع فإنها تشريع يضاهى به

стр. 37

شرع الله مقصود لذاته، لا وسيلة لغيره من جلب نفع أو دفع ضر، والتشريع المقصود بذاته من حق الله تعالى وحده، إذ غير الله لا يقدر على وضع عبادة تؤثر في النفس البشرية، بالتطهير والتزكية وما الإنسان بأهل لذلك أبدا. وعليه فليلزم المرء حده وليطلب ما هو له، وليترك ما ليس له فإن ذاك خير له وأسلم.

стр. 38

[الموالد عامة وحكم الإسلام عليها] الموالد عامة وحكم الإسلام عليها إن كلمة الموالد جمع مولد مدلولها لا يختلف بين إقليم إسلامي وآخر إلا أن كلمة مولد لا تَطَّرِدُ في كل البلاد الإسلامية إذ أهل بلاد المغرب الأقصى (مراكش) يسمونها بالمواسم فيقال: موسم مولاي إدريس مثلا، وأهل المغرب الأوسط " الجزائر " يسمونها بالزرد جمع زردة فيقال زردة سيدي أبي الحسن الشاذلي مثلا، وأهل مصر والشرق الأوسط عامة يسمونها الموالد فيقولون مولد السيدة زينب، أو مولد السيد البدوي مثلا، وسماها أهل المغرب بالمواسم لأنهم يفعلونها موسميا أي في العام مرة. وسماها أهل الجزائر بالزردة باعتبار ما يقع فيها من ازدراد الأطعمة التي تطبخ على الذبائح التي تذبح للولي، أو عليه بحسب نيات المتقربين، وسماها من سماها بالحضرة إما لحضور روح الولي

стр. 39

فيها ولو بالعناية والبركة، أو لحضور المحتفلين لها وقيامهم عليها. هذا بالنسبة إلى مجرد التسمية أما بالنسبة إلى ما يجري فيها من أعمال فإنها تختلف كيفا وكما بحسب وعي أهل الإقليم، وفقرهم وغناهم والقاسم المشترك بينهم فيها ما يلي: ١ - ذبح النذور والقرابين للسيد أو الولي المقام له الموسم أو الزردة أو المولد أو الحضرة. ٢ - اختلاط الرجال الأجانب والنساء الأجنبيات. ٣ - الشطح (١) . ٤ - إقامة الأسواق للبيع والشراء وهذا غير مقصود غير أن التجار يستغلون التجمعات الكبرى ويجلبون إليها بضائعهم لعرضها وبيعها وعندما يوجد الطلب

стр. 40

والعرض تقوم السوق على ساقها، وناهيك بأسواق منى وعرفات. ٥ - دعاء الولي أو السيد والاستغاثة به والاستشفاع وطلب المدد وكل ما تعذر الحصول عليه من رغائب وحاجات وهو شرك أكبر والعياذ بالله. ٦ - قد يحصل شيء من الفجور وشرب الخمور، ولكن لا يطرد هذا لا في كل البلاد ولا في كل الموالد. ٧ - مساعدة الحكومات على إقامة هذه المواسم بنوع من التسهيلات وقد تسهم بشيء من المال أو اللحم أو الطعام. فقد كانت فرنسا في بلاد المغرب بأقاليمه الثلاثة تساعد حتى بتخفيض تذكرة الإركاب في القطار، وكذلك بلغني أن الحكومات المصرية تفعل، ومن أغرب ما نسمع عن هذا الوفاق أن حكومة اليمن الجنوبي وهي بلشفية خالصة تشجع هذه الموالد ولو بعدم إنكارها (١) وهي التي
следующие страницы →