وكذا قراءة القرآن جماعية في الكتاتيب من أجل حفظ القرآن (١) . فهذه من المصالح المرسلة التي لم يشهد الشارع لها باعتبار ولا إلغاء ولكنها داخلة في مقاصده العامة فليس من حق أحد أن يقول فيها أنها بدع حسنة ويقيس عليها ما حرم رسول الله ﷺ من الابتداع في الدين بقوله: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» . وخلاصة القول أيها القارئ أن المصالح المرسلة لا تراد ولا تقصد لذاتها، وإنما تراد وسيلة لحفظ واجب أو أدائه، أو درء مفسدة، أو تجنبها أما البدع فإنها تشريع يضاهى به
стр. 37
شرع الله مقصود لذاته، لا وسيلة لغيره من جلب نفع أو دفع ضر، والتشريع المقصود بذاته من حق الله تعالى وحده، إذ غير الله لا يقدر على وضع عبادة تؤثر في النفس البشرية، بالتطهير والتزكية وما الإنسان بأهل لذلك أبدا. وعليه فليلزم المرء حده وليطلب ما هو له، وليترك ما ليس له فإن ذاك خير له وأسلم.
стр. 38
[الموالد عامة وحكم الإسلام عليها]
الموالد عامة
وحكم الإسلام عليها إن كلمة الموالد جمع مولد مدلولها لا يختلف بين إقليم إسلامي وآخر إلا أن كلمة مولد لا تَطَّرِدُ في كل البلاد الإسلامية إذ أهل بلاد المغرب الأقصى (مراكش) يسمونها بالمواسم فيقال: موسم مولاي إدريس مثلا، وأهل المغرب الأوسط " الجزائر " يسمونها بالزرد جمع زردة فيقال زردة سيدي أبي الحسن الشاذلي مثلا، وأهل مصر والشرق الأوسط عامة يسمونها الموالد فيقولون مولد السيدة زينب، أو مولد السيد البدوي مثلا، وسماها أهل المغرب بالمواسم لأنهم يفعلونها موسميا أي في العام مرة. وسماها أهل الجزائر بالزردة باعتبار ما يقع فيها من ازدراد الأطعمة التي تطبخ على الذبائح التي تذبح للولي، أو عليه بحسب نيات المتقربين، وسماها من سماها بالحضرة إما لحضور روح الولي
стр. 39
فيها ولو بالعناية والبركة، أو لحضور المحتفلين لها وقيامهم عليها.
هذا بالنسبة إلى مجرد التسمية أما بالنسبة إلى ما يجري فيها من أعمال فإنها تختلف كيفا وكما بحسب وعي أهل الإقليم، وفقرهم وغناهم والقاسم المشترك بينهم فيها ما يلي:
١ - ذبح النذور والقرابين للسيد أو الولي المقام له الموسم أو الزردة أو المولد أو الحضرة.
٢ - اختلاط الرجال الأجانب والنساء الأجنبيات.
٣ - الشطح (١) .
٤ - إقامة الأسواق للبيع والشراء وهذا غير مقصود غير أن التجار يستغلون التجمعات الكبرى ويجلبون إليها بضائعهم لعرضها وبيعها وعندما يوجد الطلب
стр. 40
والعرض تقوم السوق على ساقها، وناهيك بأسواق منى وعرفات.
٥ - دعاء الولي أو السيد والاستغاثة به والاستشفاع وطلب المدد وكل ما تعذر الحصول عليه من رغائب وحاجات وهو شرك أكبر والعياذ بالله.
٦ - قد يحصل شيء من الفجور وشرب الخمور، ولكن لا يطرد هذا لا في كل البلاد ولا في كل الموالد.
٧ - مساعدة الحكومات على إقامة هذه المواسم بنوع من التسهيلات وقد تسهم بشيء من المال أو اللحم أو الطعام. فقد كانت فرنسا في بلاد المغرب بأقاليمه الثلاثة تساعد حتى بتخفيض تذكرة الإركاب في القطار، وكذلك بلغني أن الحكومات المصرية تفعل، ومن أغرب ما نسمع عن هذا الوفاق أن حكومة اليمن الجنوبي وهي بلشفية خالصة تشجع هذه الموالد ولو بعدم إنكارها (١) وهي التي
стр. 41
أنكرت الإسلام عقائد وعبادات وأحكاما. ولهذا دلالة كبرى وهي أن هذه الموالد ما ابتدعت إلا لضرب الإسلام، وتحطيمه والقضاء عليه. ومن هنا كان حكم الإسلام على هذه الموالد والمواسم والزرد والحضرات المنع والحرمة فلا يبيح منها مولدا ولا موسما ولا زردة ولا حضرة، وذلك لأنها بدع قامت على أساس تقويض العقيدة الإسلامية، وإفساد حال المسلمين، ويدلك على ذلك مناصرة أهل الباطل لها ووقوفهم إلى جنبها ومعها، ولو كان فيها ما يوقظ الروح الإسلامي، أو يحرك ضمائر المسلمين لما وجدت من حكومات الباطل والشر إلا محاربتها والقضاء عليها.
هذا وهل دعاء غير الله والذبح والنذر لغير الله، غير شرك حرام؟ وهذه الموالد ما قام سوقها إلا على ذلك. وهل الرقص والمزامير واختلاط النساء بالرجال إلا فسق وحرام؟ وما خلت تلك الموالد والمواسم من شيء من هذا فكيف
стр. 42
إذا لا تكون حراما، وهل هذه الموالد عرفها رسول الله وأصحابه والتابعون لهم بإحسان؟ والجواب: لا، لا، وما لم يكن على عهد رسول ﷺ وأصحابه دينا فهل يكون اليوم دينا؟ وما لم يكن دينا فهو بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. سئل مالك رحمه الله تعالى عما يترخص فيه بعض أهل المدينة من الغناء فقال للسائل: هل الغناء حق؟ قال: لا، قال إذا فماذا بعد الحق إلا الضلال. فهذه الموالد على اختلافها ما فيها من حق البتة، وما لم يكن حقا فهو باطل، إذ ما بعد الحق إلا الضلال. ومن ثم أصبح المولد النبوي الشريف عبارة عن اجتماعات في المساجد أو في بيوت الموسرين من المسلمين يبتدئ غالبا من هلال ربيع الأول إلى الثاني عشر منه، يتلى فيها جانب من السيرة النبوية كالنسب الشريف وقصة المولد، وبعض الشمائل المحمدية الطاهرة الْخَلْقِيَّة منها وَالْخُلُقِيَّة مع جعل اليوم الثاني عشر من شهر ربيع يوم عيد يوسع فيه على العيال، وتعطل فيه المدارس والكتاتيب، ويلعب فيه الأطفال أنواعا
стр. 43
من اللعب، ويلهون ألوانا من اللهو هكذا كنا نعرف المولد ببلاد المغرب، حتى إذا جئنا بلاد المشرق وجدنا المولد فيها عبارة عن اجتماعات في بيوت الأغنياء والموسرين تعقد تحت شعار ذكرى المولد النبوي الشريف وليس خاصا عندهم بشهر ربيع الأول ولا باليوم الثاني عشر منه، بل يقيمونه عند وجود أية مناسبة من موت أو حياة، أو تجدد حال، وكيفيته: أن تذبح الذبائح وتعد الأطعمة ويدعى الأقارب والأصدقاء وقليل من الفقراء، ثم يجلس الكل للاستماع فيتقدم شاب حسن الصوت فينشد الأشعار ويترنم بالمدائح وهم يرددون معه بعض الصلوات (١) ثم يقرأ قصة المولد حتى إذ بلغ: وولدته آمنة مختونا. قام الجميع إجلالا وتعظيما ووقفوا دقائق في إجلال وإكبار تخيلا منهم وضع آمنة لرسول الله ﷺ ، ثم يؤتى بالمجامر وطيب البخور فيتطيب الكل، ثم تدار كؤوس المشروبات الحلال فيشربون ثم تقدم قصاع الطعام فيأكلون وينصرفون، وهم معتقدون
стр. 44
أنهم قد تقربوا إلى الله تعالى بأعظم قربة.
ومما يجدر التنبيه إليه هنا أن جُلَّ القصائد والمدائح التي يُتَغَنَّى بها في المولد لا يخلو من ألفاظ الشرك وعبارات الغلو الذي نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، وإنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا عبد الله ورسوله» (١) كما يختم الحفل بدعوات تحمل ألفاظ التوسلات المنكرة، والكلمات الشركية المحرمة لأن جل الحاضرين عوام أو غلاة في حب التوسلات الباطلة التي نهى عنها العلماء كالسؤال بجاه فلان وحق فلان والعياذ بالله تعالى، واللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. هذا هو المولد في عرف الناس اليوم ومنذ ابتداعه على عهد الملك المظفر سنة ستمائة وخمسة وعشرين من الهجرة النبوية.
стр. 45
أما حكمه في الشريعة الإسلامية فإنا نترك للقارئ الكريم الإفصاح عنه إذ قد عرف من خلال هذا البحث أن المولد أحدث في القرن السابع فقط، وأن كل ما لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه دينا لم يكن لمن بعدهم دينا. والمولد في عرف الناس اليوم لم يكن موجودا على عهد الرسول وأصحابه ولا على عهد أهل القرون المفضلة وإلى مطلع القرن السابع قرن الفتن والمحن، فكيف يكون إذا دينا؟ وإنما هو بدعة ضلالة بقول الرسول ﷺ «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (١) وزيادة في إيضاح الحكم نقول: إذا كان الرسول ﷺ قد حذرنا من محدثات الأمور وأخبرنا أن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة وأن مالكا رحمه الله تعالى قال: لتلميذه الإمام الشافعي (٢) رحمه الله تعالى: إن كل ما لم
стр. 46
يكن على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه دينا لم يكن اليوم دينا. وقال: من ابتدع في الإسلام بدعة فرآها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ قد خان الرسالة، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (١) وأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: كل ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا فهو بدعة. فهل يكون المولد النبوي بالمعنى العرفي غير بدعة، وهو لم يكن سنة من سنن الرسول ولا من سنن الخلفاء الراشدين، ولا من عمل السلف الصالح، وإنما أحدث في القرون المظلمة من تاريخ الإسلام حيث نجمت الفتن وافترق المسلمون، واضطربت أحوالهم وساء أمرهم ثم إننا لو سلمنا جدلا أن المولد قربة من القرب بمعنى أنه عبادة شرعية يتقرب بها فاعلها إلى الله تعالى لينجيه من عذابه، ويدخله جنته فإنا نقول: من شرع هذه العبادة آلله أم الرسول ﷺ ؟ والجواب لا، وإذًا
стр. 47
فكيف توجد عبادة لم يشرعها الله ورسوله وهذا مستحيل. وشيء آخر أن العبادة لها حيثيات أربع، وهي كميتها وكيفيتها وزمانها ومكانها فمن يقدر على إيجاد هذه الحيثيات وتحديدها وتعيينها؟ لا أحد؟ وعليه فلم يكن المولد قربة ولا عبادة بحال من الأحوال، وإذا لم يكن قربة ولا عبادة فماذا عساه أن يكون سوى بدعة؟ ؟
стр. 48
[المولد النبوي الشريف وحكم الإسلام فيه]
المولد النبوي الشريف
وحكم الإسلام فيه تعريف المولد: ما هو المولد النبوي الشريف؟ إن المولد النبوي الشريف في عرف اللغة العربية هو المكان أو الزمان الذي ولد فيه خاتم الأنبياء وإمام المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. فمولده المكاني - فداه نفسي وأبي وأمي - هو دار أبي يوسف المقام عليها اليوم مكتبة عامة بمكة المكرمة. ومولده الزماني هو يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من عام الفيل على أشهر الروايات وأصحها، الموافق لأغسطس من عام سبعين وخمسمائة من تاريخ ميلاد المسيح عيسى ابن مريم ﵇.
стр. 49
هذا هو المراد من كلمة المولد النبوي الشريف في العرف اللغوي، والذي لم يعرف المسلمون غيره طيلة ستة قرون وربع قرن أي من يوم نزول الوحي إلي مطلع القرن السابع الهجري، ثم بعد سقوط الخلافة الإسلامية الراشدة وانقسام بلاد المسلمين وتمزقها وما تبع ذلك من ضعف وانحراف في العقائد، والسلوك، وفساد في الحكم والإدارة ظهرت بدعة المولد النبوي الشريف كمظهر من مظاهر الضعف والانحراف فكان أول من أحدث هذه البدعة الملك المظفر صاحب إربل من بلاد الشام (١) غفر الله لنا وله، وأول من ألف فيها مولدا أبو الخطاب بن دحية سماه: التنوير في مولد البشير النذير قدمه للملك المظفر الآنف الذكر فأجازه بألف دينار ذهبا.
ومن طريف ما يعلم في هذا الشأن أن السيوطي ذكر في كتابه الحاوي أن الملك المظفر مبتدع بدعة المولد قد أعد سماطا في أحد الموالد التي يقيمها وضع عليه خمسة
стр. 50
آلاف رأس غنم مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى. وأنه أقام سماعا للصوفية من الظهر إلى الفجر، وكان يرقص فيه بنفسه مع الراقصين. فكيف تحيا أمة ملوكها دراويش يرقصون في حفلات الباطل، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وإن قيل: وإذا كان المولد بدعة أفلا يثاب فاعله على أفعال البر التي فيه من ذكر ودعاء وإطعام طعام؟ نقول: هل يثاب على صلاة في غير وقتها؟ هل يثاب على صدقة لم تقع في موقعها؟ هل يثاب على حج في غير وقته؟ هل يثاب على طواف حول غير الكعبة أو على سعي بين غير الصفا والمروة؟ فإن قيل في كل هذه لا، لا، قيل كذلك في أفعال البر المصاحبة للمولد لا، لا، لعلة الإحداث فيها والابتداع الذي صاحبها، إذ لو صح ذلك وقبل من فاعله لأمكن الإحداث في الدين، وهذا مردود بقول الرسول ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . " (١) .
стр. 51
[علل غير كافية في إقامة المولد]
علل غير كافية
في إقامة المولد إن مما يدل على أن مسألة المولد النبوي الشريف قد اتبع فيها الهوى ولم يتبع فيها الشرع تبرير أهلها لها بالعلل الخمس الآتية وهي:
١ - كونها ذكرى سنوية يتذكر فيها المسلمون نبيهم ﷺ ، فيزداد حبهم وتعظيمهم له.
٢ - سماع بعض الشمائل المحمدية، ومعرفة النسب النبوي الشريف.
٣ - إظهار الفرح بولادة الرسول ﷺ لما يدل ذلك على حب الرسول وكمال الإيمان به.
٤ - إطعام الطعام وهو مأمور به، وفيه أجر كبير لا سيما بنية الشكر لله تعالى.
٥ - الاجتماع على ذكر الله تعالى من قراءة القرآن والصلاة على النبي ﵊.
стр. 52
هذه خمس علل تعلل بها بعض مجيزي المولد وهي علل كما سترى غير كافية وباطلة أيضا لما فيها من معنى الاستدراك على الشارع، بتشريع ما لم يشرعه مع الحاجة إليه. وإليك أيها القارئ بيان بطلان هذه العلل واحدة بعد أخرى.
١ - كون المولد ذكرى إلخ. . هذه تصلح أن تكون علة لو كان المسلم لا يذكر النبي ﷺ في كل يوم عشرات المرات فتقام له ذكرى سنوية أو شهرية يتذكر فيها نبيه ليزداد بذلك إيمانه به وحبه له، أما والمسلم لا يصلي صلاة من ليل أو نهار إلا ذكر فيها رسوله وصلى عليه فيها وسلم. ولا يدخل وقت صلاة ولا يقام لها إلا ويذكر الرسول ﷺ ويصلي عليه. إن الذي تقام له ذكرى خشية النسيان هو من لا يذكر. أما من يذكر ولا ينسى فكيف تقام له ذكرى حتى لا ينسى، أليس هذه من تحصيل ما هو حاصل، وتحصيل الحاصل عبث ينزه عنه العقلاء.
стр. 53
٢ - سماع بعض الشمائل المحمدية الطاهرة والنسب الشريف هذه علة غير كافية في إقامة المولد، لأن معرفة الشمائل المحمدية والنسب الشريف لا يكفي فيها أن تسمع مرة في العام، وماذا يغني سماعها مرة، وهي جزء من العقيدة الإسلامية؟ إن الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يعرف نسب نبيه ﷺ وصفاته كما يعرف الله تعالى: بأسمائه وصفاته. وهذا لا بد له من التعليم. ولا يكفي فيه مجرد سماع تلاوة قصة المولد مرة في العام.
٣ - إعلان الفرح إلخ هذه علة واهية، إذ الفرح إما أن يكون بالرسول ﷺ ، أو بيوم ولد فيه، فإن كان بالرسول ﷺ فليكن دائما كلما ذكر الرسول ولا يختص بوقت دون وقت، وإن كان باليوم الذي ولد فيه، فإنه أيضا اليوم الذي مات فيه، ولا أحسب عاقلا يقيم احتفال فرح وسرور باليوم الذي مات فيه حبيبه، وموت الرسول ﷺ أعظم مصيبة
стр. 54
أصابت المسلمين حتى أن الصحابة ﵃ كانوا يقولون: من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته برسول الله ﷺ . أضف إلى ذلك أن الفطرة البشرية قاضية: أن الإنسان يفرح بالمولود يوم ولادته، ويحزن عليه يوم موته، فسبحان الله، كيف يحاول الإنسان غرورا تغيير الطبيعة!!
٤ - إطعام الطعام إلخ. هذه العلة أضعف من سابقاتها؟ إذ إطعام الطعام مندوب إليه مرغب فيه كلما دعت الحاجة إليه فالمسلم يقري الضيف ويطعم الجائع ويتصدق طوال العام، ولم يكن في حاجة إلى يوم خاص من السنة يطعم فيه الطعام، وعليه فهذه ليست بعلة تستلزم إحداث بدعة بحال من الأحوال.
٥ - الاجتماع على الذكر إلخ هذه العلة فاسدة وباطلة لأن الاجتماع على الذكر بصوت واحد لم يكن معروفا عند السلف فهو في حد ذاته بدعة منكرة. إما
стр. 55
المدائح والقصائد بالأصوات المطربة الشجية فهذه بدعة أقبح ولا يفعلها إلا المتهوكون (١) . في دينهم والعياذ بالله تعالى، مع أن المسلمين العالمين يجتمعون كل يوم وليلة طوال العام في الصلوات الخمس في المساجد وفي حلق العلم لطلب العلم والمعرفة، وما هم في حاجة إلى جلسة سنوية الدافع عليها في الغالب الحظوظ النفسية من سماع الطرب والأكل والشرب.
стр. 56
[شبه ضعيفة احتج بها المرخصون في الاحتفال بالمولد]
شبه ضعيفة
احتج بها المرخصون
في الاحتفال بالمولد اعلم أخي المسلم - فتح الله تعالى علي وعليك في العلم والعمل - أنه عند ما أحدثت بدعة المولد في مطلع القرن السابع وفشت وانتشرت بين الناس لوجود فراغ روحي وبدني معا، لترك المسلمين الجهاد وانشغالهم بإطفاء نيران الفتن التي أشعل نارها أعداء الإسلام وخصومه من اليهود والنصارى والمجوس، وتأصلت هذه البدعة في النفوس وأصبحت جزءا من عقيدة كثير من أهل الجهل لم يجد بدا بعض أهل العلم كالسيوطي رحمه الله تعالى من محاولة تبريرها بالبحث عن شبه يمكن أن يستشهد بها على جواز بدعة المولد هذه وذلك إرضاء للعامة والخاصة أيضا من جهة وتبريرا لرضى العلماء بها وسكوتهم عنها لخوفهم من الحاكم والعوام من جهة أخرى. وهاك بيان هذه الشبه مع
стр. 57
إظهار ضعفها وبطلانها لتزداد بصيرة في هذه القضية التي اضطررنا لبحثها وبيان الحق فيها. والشبه المذكورة تدور على أثر تاريخي، وثلاثة أحاديث نبوية، ومثير هذه الشبه وبطلها هو السيوطي غفر الله تعالى لنا وله وما كان أغناه عن مثل هذا وهو أحد علماء القرن العاشر قرن الفتن والإحن والمحن، والعجيب أنه فرح بهذه الشبه وفاخر بها وقال: إني وجدت للمولد أصلا في الشرع، وخرجته عليه (١) ولا يستغرب هذا من السيوطي وهو كما قيل فيه حاطب ليل يجمع بين الشيء وضده!!
الشبهة الأولى: في الأثر التاريخ (٢) وهو ما روي من أن أبا لهب الخاسر رؤي في المنام، فسئل فقال: إنه يعذب في النار، إلا أنه يخفف عنه كل ليلة اثنين، ويمص من بين أصبعيه ماء بقدر هذا وأشار إلى رأس أصبعه، وأن ذلك كان له بسبب إعتاقه جاريته ثويبة لما بشرته بولادة محمد
стр. 58
صلى الله عليه وسلم لأخيه عبد الله بن عبد المطلب، وبإرضاعها له ﷺ وَرَدُّ هذه الشبهة وإبطالها من أوجه:
١ - إن أهل الإسلام مجمعون أن الشرع لا يثبت برؤى الناس المنامية مهما كان ذو الرؤيا في إيمانه وعلمه وتقواه، إلا أن يكون نبي الله فإن رؤيا الأنبياء وحي والوحي حق.
٢ - إن صاحب هذه الرؤيا هو العباس بن عبد المطلب والذي رواها عنه بالواسطة فالحديث إذا مرسل، والمرسل لا يحتج به ولا تثبت به عقيدة ولا عبادة، مع احتمال أن الرؤيا رآها العباس قبل إسلامه ورؤيا الكافر حال كفره لا يحتج بها إجماعا.
٣ - أكثر أهل العلم من السلف والخلف على أن الكافر لا يثاب على عمل صالح عمله إذا مات على كفره، وهو الحق لقول الله تعالى، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقوله :
стр. 59
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] «وقول الرسول ﷺ ، وقد سألته عائشة ﵂ عن عبد الله بن جدعان الذي كان يذبح كل موسم حج ألف بعير، ويكسو ألف حلة، ودعا إلى حلف الفضول في بيته: هل ينفعه ذلك يا رسول الله؟ فقال: " لا، لأنه لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» وبهذا يتأكد عدم صحة هذه الرؤيا، ولم تصبح شاهدا ولا شبهة أبدا.
٤ - إن الفرح الذي فرحه أبو لهب بمولود لأخيه فرح طبيعي لا تعبدي، إذ كل إنسان يفرح بمولود يولد له، أو لأحد إخوته أو أقاربه، والفرح إن لم يكن لله لا يثاب عليه فاعله، وهذا يضعف هذه الرواية ويبطلها. مع أن فرح المؤمن بنبيه معنى قائم بنفسه لا يفارقه أبدا لأنه لازم حبه، فكيف نحدث له ذكرى سنوية نستجلبه بها، اللهم إن هذا معنى
стр. 60
باطل، وشبهة ساقطة باطلة لا قيمة لها ولا وزن فكيف يثبت بها إذًا شرع لم يشرعه الله لا عن عجز ولا عن نسيان ولكن رحمة بعباده المؤمنين، فله الحمد وله المنة.
الشبهة الثانية: فيما روي من أن النبي ﷺ قد عق عن نفسه، بعد شرعه العقيقة لأمته (١) . وبما أن جده عبد المطلب قد عق عنه، والعقيقة لا تعاد، دل هذا على أنه إنما فعل ذلك شكرا لله تعالى على نعمة ولادته، أَوَ يمكن حينئذ أن يتخذ هذا أصلا تخرج عليه بدعة المولد!! هذه الشبهة أضعف من سابقتها، ولا قيمة لها ولا وزن، إذ هي قائمة على مجرد احتمال أن النبي ﷺ قد عق شكرا على نعمة إيجاده والاحتمال أضعف من الظن، والظن لا تثبت به الشرائع، والله يقول ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] والرسول ﷺ
стр. 61
يقول: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» (١) .
وشيء آخر هو هل ثبت أن العقيقة كانت مشروعة لأهل الجاهلية وهم يعملون بها حتى نقول إن عبد المطلب قد عق عن ابن ولده، وهل أعمال أهل الجاهلية يعتد بها في الإسلام، حتى نقول: إذا عق النبي ﷺ عن نفسه شكرا لا قياما بسنة العقيقة، إذ قد عق عنه؟ ؟ سبحان الله ما أعجب هذا الاستدلال وما أغربه!! وهل إذا ثبت أن النبي ﷺ ذبح شاة شكرا لله تعالى على نعمة إيجاده وإمداده يلزم من ذلك اتخاذ يوم ولادته ﷺ عيدا للناس؟ ولم لم يدع إلى ذلك رسول الله ﷺ ويبين للناس ماذا يجب عليهم فيه من أقوال وأعمال؟ كما بين ذلك في عيدي الفطر والأضحى. أنسي ذلك أم كتمه وهو المأمور بالبلاغ؟ سبحانك اللهم إن رسولك ما نسي ولا كتم ولكن الإنسان كان أكثر شيء جدلا!!
стр. 62
الشبهة الثالثة: فيما صح من أن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء (١) وأمر بصيامه ولما سئل عن ذلك قال: «إنه يوم صالح أنجى الله تعالى فيه موسى وبني إسرائيل» - الحديث ". . . . . . ووجه الشبهة فيه: أنه لما صام النبي ﷺ وأمر المؤمنين بالصيام في هذا اليوم شكرا لله تعالى على نجاة موسى وبني إسرائيل، لنا أن نتخذ نحن يوم ولادة النبي ﷺ لا يوم صيام ولكن يوم أكل وشرب وفرح، فما أعجب هذا الفهم المعكوس، والعياذ بالله تعالى، إذ المفروض أننا نصوم كما صام النبي ﷺ لا أننا نقيم المآدب والأفراح بالطبول والمزامير، فهل الله تعالى يشكر بالطرب والأكل والشرب؟ اللهم لا، لا. ثم هل لنا من حق في أن نشرع لأنفسنا صياما أو غيره، إنما واجبنا الاتباع فقط. وقد صام رسول الله ﷺ عاشوراء فكان صيامه سنة وسكت عن يوم ولادته فلم يشرع فيه شيئا فوجب أن
стр. 63
نسكت كذلك، ولا نحاول أن نشرع فيه صياما ولا قياما فضلا عن اللهو واللعب.
الشبهة الرابعة: فيما صح عنه ﷺ من أنه كان يصوم يوم الاثنين والخميس (١) وتعليله ذلك بقوله: «أما يوم الاثنين فإنه يوم ولدت فيه وبعثت فيه، وأما يوم الخميس فإنه يوم تعرض فيه الأعمال على الله تعالى فأنا أحب أن يعرض عملي على ربي وأنا صائم» .
ووجه الشبهة عندهم والتي خرجوا عليها بدعة المولد هي كونه ﷺ صام يوم الاثنين وعلله بقوله «إنه يوم ولدت فيه وبعثت فيه» وَرَدُّ هذه الشبهة وإبطالها وإن كانت أضعف من سابقاتها من أوجه: الأول: إنه إذا كان المراد من إقامة المولد هو شكر الله تعالى على نعمة ولادة الرسول ﷺ فيه فإن المعقول
стр. 64
والمنقول يحتم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول ربه به وهو الصوم، وعليه فلنصم كما صام، وإذا سئلنا قلنا إنه يوم ولد فيه نبينا فنحن نصومه شكرا لله تعالى، غير أن أرباب الموالد لا يصومونه، لأن الصيام فيه مقاومة للنفس بحرمانها من لذة الطعام والشراب، وهم يريدون ذلك، فتعارض الغرضان فآثروا ما يحبون على ما يحب الله وهي زلة عند ذوي البصائر والنهى، والثاني: أن الرسول ﷺ لم يصم يوم ولادته وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إن صح أنه كذلك، وإنما صام يوم الاثنين الذي يتكرر مجيئه في كل شهر أربع مرات أو أكثر، وبناء على هذه فتخصيص يوم الثاني عشر من ربيع الأول بعمل ما دون يوم الاثنين من كل أسبوع يعتبر استدراكا على الشارع وتصحيحا لعمله وما أقبح هذا إن كان والعياذ بالله تعالى.!! والثالث: هل النبي ﷺ لما صام يوم الاثنين شكرا على نعمة الإيجاد والإمداد وهو تكريمه ببعثته إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا أضاف إلى الصيام احتفالا كاحتفال أرباب الموالد من تجمعات ومدائح وأنغام، وطعام وشراب؟
стр. 65
والجواب لا، وإنما اكتفى بالصيام فقط إذًا ألا يكفي الأمة ما كفى نبيها، ويسعها ما وسعه؟ ؟ وهل يقدر عاقل أن يقول: لا. وإذًا فلم الافتيات على الشارع والتقدم بالزيادة عليه، والله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] ورسوله ﷺ يقول: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» ويقول: «إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء في غير نسيان، ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها» (١) .
стр. 66
[البديل الخير]
البديل الخير وإن قيل لك أيها القارئ الكريم: إنكم قد أبطلتم بدعة المولد بما أجلبتم عليها من خيل الحجج ورجل البراهين، فما هو البديل عن هذه البدعة التي ما كانت تخلو في الجملة من بعض الخير؟ قل لهم إليكم البديل الخير:
أما عن قراءة قصة المولد وما تضمنته من استعراض للنسب الشريف والشمائل المحمدية الطاهرة فإن البديل عن ذلك أن يأخذ المسلون أنفسهم بالجد، فيجتمعوا في مساجدهم كل يوم من بعد صلاة المغرب إلى صلاة العشاء على عالم بالكتاب والسنة يعلمهم أمور دينهم، ويفقههم فيه، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ويومئذ سيتعلمون النسب الشريف ويدرسون الشمائل المحمدية ويتصفون بما فيه الأسوة منها وبذلك يصبحون حقا
стр. 67
من أتباع رسول الله ﷺ وأحبائه المحتفين به صدقا وحقا لا ادعاء ونطقا.
وأما عن الذكر وقراءة القرآن فإن البديل أن يكون لأحدهم ورد في الصباح وورد في المساء، وورد في آخر الليل. أما ورد الصباح: فسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أستغفر الله مائة مرة، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، وورد في المساء: أستغفر الله لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات مائة مرة، الصلاة على النبي ﷺ مائة مرة (١) وأما ورد آخر الليل فصلاة ثمان ركعات يقرأ في كل ركعة ربع جزء، ويختم صلاته بثلاث ركعات يصلي اثنتين ويوتر بواحدة. مع المحافظة على صلاة الجماعة في بيوت الله خاصة البردين لحديث " من صلى البردين دخل الجنة " (٢) والبردان العصر والصبح.
стр. 68
وأما عن السماع فالبديل الخير أن يقتني عددا من تسجيلات عظماء المجودين أمثال يوسف كامل البهتيمي، والمنشاوي، والصيفي، والدوري، والطبلاوي، وكلما جفت نفسه وشعر باليبوسة فليفتح مسجله وليصغ يستمع فإنه يطرب الطرب الحق المثير الشوق إلى الله تعالى، والرغبة في جواره الكريم.
وأما عن إطعام الطعام وازدراده مع الإخوان فبابه مفتوح وطريقه معروف والعامة يقولون: (من بيد، كل يوم عيد) (١) فلا يتوقف على احتفال ولا طاعة ولا امتثال، فليطبخ طعامه وليدع الفقراء وحتى الأغنياء وليأكل وليحمد الله تعالى، وليشكره، ومن يشكر الله يزده، والله خير الشاكرين.
стр. 69
[غلو في المولد شائن]
غلو في المولد شائن إن مما يدعو إلى الأسى والأسف معا وجود كثير من أصحاب الموالد والمحبذين لها ومن بينهم طلبة علم قد غلوا في تمجيد هذه البدعة، أكبروا من شأنها وتعظيمها إلى حد أن بعضهم لا يتورع أن ينسب من ينكرها بوصفها بدعة محدثة ضلالة أن ينسبه إلى الكفر والمروق من الدين بقوله: فلان يبغض الرسول ﷺ أو يكرهه، لأنه لا يحب المولد أو يكره الاحتفال بالمولد، وهو يعلم أن من يكره الرسول ﷺ أو لا يحبه يكفر بذلك بإجماع المسلمين، ومن هنا كان قَوْلُهُ فلان يكره الرسول ﷺ تكفيرًا له، وتكفير المسلم لا يحل أبدا. ومع العلم أنه لا ينكر البدعة ولا ينهى عنها ويحذر منها إلا مؤمن وصالح أيضا، فكيف يُكَفَّرُ أو يُتَّهَمُ بالكفر والعياذ بالله، وكأن هؤلاء الغلاة في شأن هذه البدعة عَمُوا عن قول الرسول ﷺ في حديث ابن عمر
стр. 70
رضي الله عنهما المتفق على صحته البخاري ومسلم: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه» وصموا عن قوله، ﷺ في حديث أبي ذر المتفق عليه أيضا: «من دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه» ، أي رجع عليه ما قاله من الكفر أو اللعن. إن هذا السلوك لشيء يدعو إلى العجب والاستغراب حقا!! إن من حق المسلم على المسلم أن يأمره بالمعروف إذا تركه، وينهاه عن المنكر إذا ارتكبه، فإذا قام المسلم بحق أخيه فأمره أو نهاه يجاريه أخوه المأمور أو المنهي بأسوأ جزاء وأقبحه بنسبته إلى الكفر والعياذ بالله تعالى. وهذا في الحقيقة عائد إلى سوء أحوال المسلمين، وفساد قلوبهم وأخلاقهم بسبب بعدهم عن التربية الإسلامية، التي هي قوام حياة المسلمين، وسبب سعادتهم وكمالهم. إذ قد انعدمت هذه التربية منذ قرون عدة وانعدم بينهم من يقوم بها فيهم مع شديد الأسف، وهذه الأمة المحمدية
стр. 71
حاجتها إلى التربية الروحية والخلقية أمس حاجاتها إليها، إذ ما كملت في الصدر الأول ولا سعدت إلا عليها قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] (١) فتركية الرسول ﷺ لأصحابه هي تربية نفوسهم على الكمالات، وأخلاقهم على الفضائل بما يغذوهم به يوميا من أنواع المعارف ويروضهم عليه من أنواع المعارف والآداب حتى كملوا وطهروا. وقام بعده حواريوه وأصحابه بتربية المسلمين في كل الأمصار والبلاد التي انتشروا فيها، وخلفهم بعد وفاتهم تلامذتهم من التابعين، وتابعي التابعين مع من بعدهم، وسارت أمة الإسلام كاملة طاهرة خيرة إلى أن انعدمت فيها هذه التربية وانعدم رجالها. فسادتها الفوضى والانقسام، وتقاسمتها الأهواء والشهوات، وتولى في يوم من الأيام تربيتها رجال
стр. 72
ليسوا أهلا لذلك فزادوا في سوء حالها واضطراب أمرها فكانوا كما قيل: (ضغثا على إبالة) وأخيرا ما علي إلا أن أنصح لأخي المسلم الذي أصر على هذه البدعة وعز عليه أن يتركها لاقتناعه بجوازها أو فائدتها ونفعها، أو لطول ما اعتاد فعلها وألف إقامتها أنصح له أن يعذر أخاه المسلم إذا نهاه عنها أو أنكرها عليه؟ لأنه مأمور بذلك من قبل المحتفل به ﷺ ، إذ قال «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (١) وبقوله «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» (٢) إن المفروض في المسلم إذا أمره أخوه بمعروف أو نهاه عن منكر أو نصح له بفعل خير وترك شر أن يستجيب له، أو يرد
стр. 73
عليه ردا جميلا كأن يقول جزاك الله خيرا لقد أديت واجبك معي. وأنا مبتلى عسى الله أن يعفو عني. أو يقول هذه بدعة غير أني رأيت بعض أهل العلم أقرها أو عمل بها أو أجازها، فاتبعتهم وإني أرجو أن لا يؤاخذنا الله! هكذا ينبغي أن يكون المسلمون، لا أن يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا اتباعا للهوى وتعصبا للآراء، وغلوا في الدين غير الحق والعياذ بالله تعالى من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.
стр. 74
[إجحاف غير لائق]
إجحاف غير لائق إن مما ينبغي أن يعلم ويقال أيضا تمشيا مع مبدأ الإنصاف من النفس (١) أن أكثر الذين يقيمون حفلات المولد النبوي الشريف من المسلمين إنما يقيمونها حبا في رسول الله ﷺ وحب الرسول دين وإيمان، وحب من يحب الرسول واجب، فلذا لا يصح من المسلم ولا ينبغي له أن يبغض أخاه المسلم لفعله بدعة كهذه قد وجد أكثر الناس في بلاده وفي العالم الإسلامي يفعلونها، ولم يحمله عليها، ولا دفعه إليها غالبا إلا عاطفة الحب لنبيه ﷺ والرغبة في التقرب إلى الله تعالى بذلك. وإلا كان ذلك إجحافا غير لائق بمثله.
وكما لا يصح أن يبغضه لا يصح أيضا أن يصفه بالشرك
стр. 75
والكفر لمجرد احتفاله بالمولد أو إتيانه الحفل إن دُعِيَ إليه فإن مثل هذه البدعة لا تكفر فاعلها ولا من يحضرها ووصم المسلم بالكفر والشرك أمر غير هين، وقد تقدمت الأحاديث في ذلك (١) فلا غلو أيها المسلم ولا إجحاف ولكن العدل والإنصاف، وإلا لعن بعضنا بعضا وخسرنا وجودنا كأمة تهدي بالحق وبه تعدل.
إن كل ما يجب على المسلم حيال أخيه المسلم المرتكب لهذه البدعة " بدعة المولد " أن يعلمه حكمها الشرعي، ثم يأمره برفق أن يتركها مبينا له أنه لا فائدة يجنيها منها لأنها بدعة وكل بدعة ضلالة، والضلالة غير الهداية. وإن أبى نهاه برفق كذلك ولا يكثر عليه من التشنيع والتقبيح لفعله كيلا يحمله على العناد والمكابرة، فيهلك، ويهلك معه لتسببه في إهلاكه. ويومئذ يخسران معا، إن المواجهة بالمكروه كان النبي ﷺ يتحاشاها، ويقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ويريدون أن يفعلوا كذا وكذا» . . . . . . . . . ".