← Акыда

Акыда · id 12913

الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف

أبو بكر الجزائري

Полный текст (85 стр.). Показаны 71–85 · переход к 76.

стр. 71

حاجتها إلى التربية الروحية والخلقية أمس حاجاتها إليها، إذ ما كملت في الصدر الأول ولا سعدت إلا عليها قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] (١) فتركية الرسول ﷺ لأصحابه هي تربية نفوسهم على الكمالات، وأخلاقهم على الفضائل بما يغذوهم به يوميا من أنواع المعارف ويروضهم عليه من أنواع المعارف والآداب حتى كملوا وطهروا. وقام بعده حواريوه وأصحابه بتربية المسلمين في كل الأمصار والبلاد التي انتشروا فيها، وخلفهم بعد وفاتهم تلامذتهم من التابعين، وتابعي التابعين مع من بعدهم، وسارت أمة الإسلام كاملة طاهرة خيرة إلى أن انعدمت فيها هذه التربية وانعدم رجالها. فسادتها الفوضى والانقسام، وتقاسمتها الأهواء والشهوات، وتولى في يوم من الأيام تربيتها رجال

стр. 72

ليسوا أهلا لذلك فزادوا في سوء حالها واضطراب أمرها فكانوا كما قيل: (ضغثا على إبالة) وأخيرا ما علي إلا أن أنصح لأخي المسلم الذي أصر على هذه البدعة وعز عليه أن يتركها لاقتناعه بجوازها أو فائدتها ونفعها، أو لطول ما اعتاد فعلها وألف إقامتها أنصح له أن يعذر أخاه المسلم إذا نهاه عنها أو أنكرها عليه؟ لأنه مأمور بذلك من قبل المحتفل به ﷺ ، إذ قال «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (١) وبقوله «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» (٢) إن المفروض في المسلم إذا أمره أخوه بمعروف أو نهاه عن منكر أو نصح له بفعل خير وترك شر أن يستجيب له، أو يرد

стр. 73

عليه ردا جميلا كأن يقول جزاك الله خيرا لقد أديت واجبك معي. وأنا مبتلى عسى الله أن يعفو عني. أو يقول هذه بدعة غير أني رأيت بعض أهل العلم أقرها أو عمل بها أو أجازها، فاتبعتهم وإني أرجو أن لا يؤاخذنا الله! هكذا ينبغي أن يكون المسلمون، لا أن يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا اتباعا للهوى وتعصبا للآراء، وغلوا في الدين غير الحق والعياذ بالله تعالى من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.

стр. 74

[إجحاف غير لائق] إجحاف غير لائق إن مما ينبغي أن يعلم ويقال أيضا تمشيا مع مبدأ الإنصاف من النفس (١) أن أكثر الذين يقيمون حفلات المولد النبوي الشريف من المسلمين إنما يقيمونها حبا في رسول الله ﷺ وحب الرسول دين وإيمان، وحب من يحب الرسول واجب، فلذا لا يصح من المسلم ولا ينبغي له أن يبغض أخاه المسلم لفعله بدعة كهذه قد وجد أكثر الناس في بلاده وفي العالم الإسلامي يفعلونها، ولم يحمله عليها، ولا دفعه إليها غالبا إلا عاطفة الحب لنبيه ﷺ والرغبة في التقرب إلى الله تعالى بذلك. وإلا كان ذلك إجحافا غير لائق بمثله. وكما لا يصح أن يبغضه لا يصح أيضا أن يصفه بالشرك

стр. 75

والكفر لمجرد احتفاله بالمولد أو إتيانه الحفل إن دُعِيَ إليه فإن مثل هذه البدعة لا تكفر فاعلها ولا من يحضرها ووصم المسلم بالكفر والشرك أمر غير هين، وقد تقدمت الأحاديث في ذلك (١) فلا غلو أيها المسلم ولا إجحاف ولكن العدل والإنصاف، وإلا لعن بعضنا بعضا وخسرنا وجودنا كأمة تهدي بالحق وبه تعدل. إن كل ما يجب على المسلم حيال أخيه المسلم المرتكب لهذه البدعة " بدعة المولد " أن يعلمه حكمها الشرعي، ثم يأمره برفق أن يتركها مبينا له أنه لا فائدة يجنيها منها لأنها بدعة وكل بدعة ضلالة، والضلالة غير الهداية. وإن أبى نهاه برفق كذلك ولا يكثر عليه من التشنيع والتقبيح لفعله كيلا يحمله على العناد والمكابرة، فيهلك، ويهلك معه لتسببه في إهلاكه. ويومئذ يخسران معا، إن المواجهة بالمكروه كان النبي ﷺ يتحاشاها، ويقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ويريدون أن يفعلوا كذا وكذا» . . . . . . . . . ".

стр. 76

لأن الطبع البشري هكذا لا يتحمل المواجهة بالمكروه، حتى ولو كان أتى المكروه وفعله، ورحم الله تعالى الإمام الشافعي إذ أثر عنه قوله: " من نصح أخاه سرا فقد نصحه، ومن نصحه علنا فقد فضحه ". هذا كله فيما إذا كانت البدعة المنهي عنها ليس فيها من أعمال الشرك وأقواله شيء، وذلك كدعاء غير الله تعالى أو الاستغاثة به وكذبح لغيره أو قيام في خشوع من مظاهر العبادة لغير الله تعالى. وإنما هي إظهار الفرح بمولد الرسول ﷺ وإطعام الطعام شكرا لله تعالى على نعمة الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ . أو قراءة شيء من السيرة النبوية أو سماع بعض المدائح الخالية ألفاظها من الشرك والغلو في المدح ولا اختلاط فيها بين النساء والرجال ولا وجود منكر، ولا ترك معروف كترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها. أما إذا صاحب هذه البدعة شيء من الشرك في الأقوال أو الأفعال أو داخلها باطل أو فساد فإن على المسلم

стр. 77

المنكر لها أن يشدد في الإنكار، ولا بأس أن يغلظ في القول بحسب المنكر الموجود قوة وضعفا وعليه أن يطالب في إصرار بترك المنكر من شرك وغيره من المعاصي المحرمة، ولو أدى ذلك إلى مقاطعة فاعله وهجرانه فقد كان السلف الصالح إذا رأى أحدهم أخاه يأتي منكرا أنكره عليه فإن أصر عليه هجره حتى يتركه. وإن كان هناك فارق بيننا وبينهم، وهو أن المقاطعة اليوم لا تنفع لأنها لا تكون كاملة بحيث تؤثر على الأخ المقاطع ولذا فترك الهجران مع بقاء دعوة الأخ ومراوضته على فعل ما ترك من الواجب، أو ترك ما ارتكب من الحرام أجدى وأنفع. وخلاصة القول في هذا أن بدعة المولد كثيرا ما تكون خالية من أفعال الشرك وأقواله، ومن فعل المحرمات ففي هذه الحال ينكرها المسلم على إخوانه برفق ولين بعد تعليمهم حكمها الشرعي وترغيبهم في ترك البدع مطلقا. لأنهم ما فعلوها إلا بدافع الإيمان والرغبة في الأجر فيراعى مقاصد الناس وبواعث أعمالهم وهذا من الحكمة المأمور بها

стр. 78

المسلم في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. أما في حال وجود شرك أو باطل أو فساد أو شر مصاحب لهذه البدعة فإن الإنكار يكون بحسبه شدة ويسرا قوة وضعفا. وليكن الرائد في ذلك والحامل عليه أداء حق الله تعالى وواجب نصح المسلمين ومساعدتهم على الاستقامة على دينهم ليكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة. والله من وراء القصد وهو المستعان وعليه وحده التكلان.

стр. 79

[الخاتمة] الخاتمة لعل بعضا ممن يقرءون هذه الرسالة قد يتساءلون قائلين: إذا كان المولد النبوي الشريف بدعة محرمة كسائر البدع لم سكت عنها العلماء وتركوها حتى ذاعت وشاعت وأصبحت كجزء من عقائد المسلمين، أليس من الواجب عليهم أن ينكروها قبل استفحال أمرها وتأصلها وَلِمَ لَمْ يفعلوا؟ ؟ ونجيب الإخوة المتسائلين فنقول: لقد أنكر هذه البدعة العلماء من يوم ظهورها وكتبوا في ردها الرسائل، ومن قدر له الاطلاع على كتاب المدخل لابن الحاج عرف ذلك وتحققه. ومن بين الردود القيمة رسالة الفاكهاني تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري الفقيه المالكي صاحب شرح الفاكهاني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني والتي سماها " المورد في الكلام على المولد " وسنثبت نصها في

стр. 80

هذه الخاتمة غير أن الأمم في عصور انحطاطها تضعف عن الاستجابة لداعي الخير والإصلاح بقدر قوتها على الاستجابة لداعي الشر والفساد. لأن الجسم المريض يؤثر فيه أدنى أذى يصيبه، والجسم الصحيح لا يؤثر فيه إلا أكبر أذى وأقواه، ومن الأمثلة المحسوسة، أن الجدار الصحيح القوي تعجز عن هدمه المعاول والفؤوس، والجدار المتداعي للسقوط يسقط بهبة ريح أو ركلة رجل. ولذا فلا يدل بقاء هذه البدعة وتأصلها في المجتمع الإسلامي على عدم إنكار العلماء لها، وهاهي ذي رسالة تاج الدين الفاكهاني نقدمها شاهدا على ذلك. قال رحمه الله تعالى بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله: (أما بعد: فإنه قد تكرر سؤال جماعة من المباركين (١) عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد: هل له أصل في الشرع، أو هو بدعة

стр. 81

وحدث في الدين؟ ؟ وقصدوا الجواب من ذلك مبينا، والإيضاح عنه معينا، فقلت وبالله التوفيق: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها المبطلون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون بدليل أنا إذا أدرنا عليها الأحكام الخمسة: قلنا إما أن يكون واجبا أو مندوبا، أو مباحا أو مكروها أو محرما، وليس هو بواجب إجماعا، ولا مندوبا، لأن حقيقة المندوب: ما طلبه الشارع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشارع، ولا فعله الصحابة، ولا التابعون، ولا العلماء المتدينون فيما علمت، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت ولا جائزا أن يكون مباحا، لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو محرما، وحينئذ يكون الكلام في فصلين، والفرقة بين حالين: أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه

стр. 82

في عياله لا يجازون في ذلك الاجتماع أكل الطعام، ولا يقترفون شيئا من الآثام. هذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام، وعلماء الأنام، سرج الأزمنة، وزين الأمكنة. والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه (١) . يؤلمه، ويوجعه لما يجد من ألم الحيف وقد قال العلماء: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف (٢) . لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى، وآلات الباطل من الدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الشباب المرد، والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم، أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو.

стр. 83

ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن. رافعات أصواتهن بالتهتيك (١) والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع، والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب. وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المنكرات المحرمات فإنا لله وإنا إليه راجعون. بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فيما أجزناه: قد عرف المنكر واستنكر آل ... معروف في أيامنا الصعبة وصار أهل العلم في وهدة ... وصار أهل الجهل في رتبة حادوا عن الحق فما للذي ... ساروا به فيما مضى نسبه فقلت للأبرار أهل التقى ... والدين لما اشتدت الكربة لا تنكروا أحوالكم قد أتت ... توبتكم في زمن الغربه

стр. 84

ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب. هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه الرسول ﷺ هو ربيع الأول هو بعينه الذي توفي فيه فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه، وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله نرجو حُسْنَ القبول. إلى هنا انتهت رسالة تاج الدين الفاكهاني المسماة: " المورد في الكلام على المولد " ومن عجائب الحياة أن السيوطي وقد ذكرها في حاويه، ومنه نقلناها حرفيا قد حاول الرد عليها فلم يفلح فكان رده ساقطا باردا، لأنه يجادل بالباطل ليدحض به الحق، والعياذ بالله تعالى. وقد عرفت أيها القارئ شبهات السيوطي التي فرح بها ظانا أنه قد استخرج لبدعة المولد أصلا من الشرع وعرفت ردنا عليه بما ينير الطريق لطالبي الحق والراغبين في العيش عليه، فلذا لا يضرك عدم اطلاعك على رد السيوطي المومى إليه، فإن نظرك في شبهاته يغنيك عن النظر فيه، هذا وإن قرأت رسالتي هذه ولم يفتح لك فيها، وما زلت حيران شاكا في بدعة المولد أنها بدعة ضلالة. فَأَكْثِرْ من الدعاء التالي فإن

стр. 85

الله تعالى يقطع حيرتك ويلهمك الصواب ويهديك إلى الرشد، وهو على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. وهذا هو الدعاء: " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ".