أحمد وأبو داود عن أوس بن حذيفة الثقفي، قال: كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف ... فذكر الحديث، وفيه: فقال لنا رسول الله ﷺ : «طرأ عليّ حزبي من القرآن، فأردت ألّا أخرج حتى أقضيه» قال أوس: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ : كيف تحزّبون القرآن؟ قالوا: نحزّبه: ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من ق حتى نختم. فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان على عهد رسول الله
ﷺ (١).
وقد أكد عدد من العلماء استنادا إلى هذه الروايات وغيرها (٢)، أن ترتيب السور في المصحف توقيفي أيضا، منهم أبو بكر بن الأنباري الذي قال: «اتساق السور كاتساق الآيات والحروف، كله عن النبي ﷺ » (٣). وقال الحافظ أبو عمرو الداني: «القول عندنا في تأليف السور وتسميتها وترتيب آيها في الكتابة: إن ذلك توقيف من رسول الله ﷺ لتوفر مجيء الأخبار بذلك، واقتضاء العادة بكونه كذلك، وتواطؤ الجماعة عليه» (٤).
وقد لخص الإمام مالك بن أنس هذا الموضوع بقوله المشهور الذي نقله عنه عبد الله بن وهب: «إنما ألّف القرآن على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله ﷺ » (٥).
стр. 72
ثالثا- ترتيب القرآن حسب النزول (السور المكية والسور المدنية):
من المعروف أن ترتيب الآيات والسور في المصحف لم يعتمد على تأريخ نزولها، وإنما اعتمد على بيان رسول الله ﷺ وقراءته للقرآن وتعليمه ذلك للصحابة.
ولم يعد تأريخ نزول الآيات والسور محفوظا على نحو مفصل، لأن الصحابة لم يعتنوا بهذا الجانب من تأريخ القرآن، وإنما كانت عنايتهم متجهة إلى حفظه على نحو ما يقرؤه لهم النبي ﷺ ، لكن إشارات تأريخية ومعنوية ارتبط بها نزول آيات وسور من القرآن ظلت تشير إلى وقت نزولها ومكانه. واعتنى علماء القرآن من الصحابة والتابعين بحفظ تلك الإشارات والبناء عليها، حتى صارت علما من علوم القرآن يسمى بعلم المكي والمدني، وأفرده بالتصنيف جماعة من العلماء (١).
١ - تعريف المكي والمدني من القرآن:
ناقش علماء القرآن تعريف المكي والمدني، واتخذ بعضهم زمان النزول أساسا للتعريف، وجعل تأريخ الهجرة حدا فاصلا. واستند بعضهم إلى مكان النزول في صياغته للتعريف.
التعريف بحسب الزمان: المكي هو ما نزل قبل الهجرة، والمدني هو ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة، عام الفتح أو عام حجة الوداع، في سفر أو في حضر (٢). وروي هذا التعريف عن يحيى بن سلام البصري المفسر (ت ٢٠٠ هـ) حيث قال: «ما نزل بمكة وما نزل بطريق المدينة قبل أن يبلغ النبي ﷺ المدينة، فهو من المكي، وما نزل على النبي ﷺ في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدني» (٣). وهذا هو التعريف المشهور في كتب علوم القرآن.
стр. 73
التعريف بحسب المكان: المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة (١). وقسّم هبة الله بن سلامة المفسر البغدادي (ت ٤١٠ هـ) المكي على قسمين، هما: المكي الأول، وهو ما نزل في مكة قبل الهجرة، والمكي الأخير: وهو ما نزل فيها بعد الفتح (٢).
٢ - كيفية معرفة المكي والمدني:
لم يحدثنا التاريخ أن النبي ﷺ كان قد أمر أصحابه بحفظ الآيات والسور على زمان النزول، وإنما تشير الروايات إلى أنه كان يحدد لهم مواضع الآيات من السور وقت التنزيل وعند كتابتها في الرقاع. ومن ثم فإن الصحابة كانت جهودهم متجهة إلى حفظ القرآن مرتبا على نحو ما يرتبه لهم رسول الله ﷺ ، ولكن بقي في ذاكرتهم ما لاحظوه من مكان وزمان نزول كثير من الآيات والسور، ونقل ذلك عنهم تلامذتهم من التابعين. قال القاضي أبو بكر الباقلاني:
«إنما يرجع في معرفة المكي والمدني إلى حفظ الصحابة التابعين، ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول» (٣).
ولاحظ العلماء أن معرفة المكي والمدني من سور القرآن يمكن أن يكون من طريقين: سماعي وقياسي (٤).
فالسماعي: ما وصل إلينا الخبر بنزوله في مكة أو المدينة، قبل الهجرة أو
стр. 74
بعدها، وكان عدد من الصحابة قد أبدوا اهتماما بهذا الجانب من تأريخ القرآن، على نحو ما نقل ابن سعد عن عبد الله بن عباس أنه قال: «كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله ﷺ وما نزل من القرآن في ذلك. وكنت لا آتي أحدا منهم إلا سرّ بإتياني لقربي من رسول الله ﷺ . فجعلت أسأل أبيّ بن كعب يوما، وكان من الراسخين في العلم، عما نزل من القرآن بالمدينة، فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة، وسائرها بمكة» (١). وسوف أذكر من نقلت عنهم روايات في ذلك من الصحابة والتابعين في آخر هذا المبحث.
أما القياسي: فإنه يعتمد على جملة من الضوابط التي استخلصها العلماء من الروايات المنقولة عن عدد من الصحابة والتابعين في بيان خصائص السور المكية والسور المدنية، فمن تلك الروايات:
أ- عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: «كل شيء في القرآن يا أَيُّهَا النَّاسُ أنزل بمكة، وكل شيء في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنزل بالمدينة» (٢). ولاحظ بعض العلماء أن (يا أيها الناس) منه مكي ومنه مدني وأكثره مكي (٣).
ب- عن عروة بن الزبير، قال: «ما كان من حدّ أو فريضة أنزلها الله بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والقرون أنزل بمكة» (٤).
ج- قال المفسر محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي (ت ٧٤١ هـ): «واعلم أن السور المكية نزل أكثرها في إثبات العقائد، والرد على المشركين، وفي
стр. 75
قصص الأنبياء، وأن السور المدنية نزل أكثرها في الأحكام الشرعية، وفي الرد على اليهود والنصارى وذكر المنافقين، والفتوى في مسائل، وذكر غزوات النبي ﷺ ، وحيث ورد: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهو مدني، وأما يا أَيُّهَا النَّاسُ فقد وقع في المكي والمدني» (١).
٣ - أهمية معرفة السور المكية والسور المدنية:
لهذا البحث التاريخي في تحديد وقت نزول سور القرآن فوائد يذكرها العلماء في مجال الدراسات القرآنية منها (٢):
أ- تتوقف معرفة الآيات الناسخة والمنسوخة على معرفة ما نزل أولا، قال النحاس: «وإنما نذكر ما أنزل بمكة لأن فيه أعظم الفائدة في الناسخ والمنسوخ، لأن الآية إذا كانت مكية، وكان فيها حكم، وكان في غيرها حكم غيره نزل بالمدينة، علم أن المدنية نسخت المكية» (٣).
ب- ساير نزول القرآن تاريخ الدعوة، وترتيب السور ترتيبا زمنيا يمكننا من تصور تأريخ السيرة تصورا أكثر جلاء ووضوحا، في ضوء الآيات القرآنية الكريمة، والقرآن من هذه الناحية يعتبر المرجع الأصيل لدراسة السيرة النبوية.
ج- إن تتبع السور المكية والسور المدنية والنظر في موضوعاتها وأسلوبها يكشف عن المنهج الذي رسمه القرآن للدعوة في مراحلها المختلفة، فكانت موضوعات السور المكية تتحدث عن قضية العقيدة خاصة، وتعددت صور عرضها، في أسلوب قوي مؤثر، لأنه كان يخاطب أناسا غلب عليهم الشرك وفساد العقيدة، فلما استقرت العقيدة الصحيحة في قلوب الجماعة المؤمنة التي تكونت في
стр. 76
المدينة عندها أنزل الله تعالى الفرائض والحدود في أسلوب متمهل مترسل يناسب مخاطبة القلوب المؤمنة.
٤ - تحديد السور المكية والسور المدنية وترتيبها:
لم يعد ممكنا ترتيب القرآن على تواريخ تنزلاته، لطول المدة التي نزل فيها وتعدد مرات نزول الوحي، وتنوع الظروف التي ينزل فيها، وترتيب القرآن في سورة على
نحو آخر غير ترتيب النزول، وقد سأل ابن سيرين عكرمة مولى ابن عباس: ألّفوه الأوّل فالأوّل؟ فقال عكرمة: لو اجتمعت الإنس والجن على أن يؤلفوه ذلك التأليف ما استطاعوا (١). لكن علماء القرآن من الصحابة والتابعين تمكنوا من تحديد السور المكية والسور المدنية وأن يرتبوها ترتيبا تقريبيا حسب أوقات نزولها، معتمدين في ذلك على نزول أول السورة، كما روي عن ابن عباس أنه قال: «كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة، ثم يزيد الله فيها ما يشاء» (٢).
وقد نقل المؤلفون في علوم القرآن عددا من الروايات في ذكر السور المكية والمدنية، منقولة عن الصحابة والتابعين، مثل الرواية المنقولة عن عبد الله بن عباس (٣)، وأبي الشعثاء جابر بن زيد (٤)، والحسن البصري (٥)، وقتادة بن دعامة السدوسي (٦)، ومجاهد بن جبر المكي (٧)، وعلي بن أبي طلحة (٨). وهذه الروايات
стр. 77
متقاربة في مضمونها، ويتفق أكثرها على أن عدد السور المدنية ثمان وعشرون سورة، والمكية ست وثمانون سورة.
وننقل هنا مقطعا من الرواية المنقولة عن عبد الله بن عباس، وهي: (١) «وكان أول ما أنزل من القرآن: اقرأ باسم ربك، ثم: ن والقلم، ثم: يا أيها المزمل، ثم: يا أيها المدثر، ثم: تبت يدا أبي لهب، ثم: إذا الشمس كورت، ثم: سبح باسم ربك الأعلى ... ثم: أنزل بالمدينة سورة البقرة، ثم: الأنفال، ثم: آل عمران، ثم: الأحزاب، ثم: الممتحنة، ثم: النساء، ثم: إذا زلزلت، ثم:
الحديد، ثم: القتال، ثم الرعد، ثم: الرحمن، ثم: الإنسان، ثم: الطلاق، ثم:
لم يكن، ثم: الحشر، ثم: إذا جاء نصر الله، ثم: النور، ثم: الحج، ثم:
المنافقون، ثم: المجادلة، ثم: الحجرات، ثم: التحريم، ثم: الجمعة، ثم:
التغابن، ثم: الصف، ثم: الفتح، ثم: المائدة، ثم: التوبة، فذلك ثمان وعشرون سورة».
المبحث الخامس تطور شكل المصحف
حظي المصحف بعناية كبيرة من الخطاطين والعلماء وأولي الأمر ومن غيرهم من المؤمنين، وكانوا يستحبون تحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها، وكرهوا كتابته في الشيء الصغير، وكان يقال: عظّموا كتاب الله (٢). وتركزت تلك العناية على جوانب متعددة من المصحف، منها ما يتعلق بكتابته وضبطها، ومنها ما يتعلق بتجزئته وعدد آياته وأسماء سوره، ومنها ما يتعلق بتجليده وتذهيبه ونوع الورق الذي يكتب عليه. وكانت قد ظهرت دراسات مستقلة لبحث تلك الجوانب
стр. 78
من المصحف (١)، صارت جزءا من علوم القرآن، وهي توضح ما يتعلق بشكل المصحف وما لحق بعض جوانبه من تطور.
أولا- علم رسم المصحف:
تعني عبارة (رسم المصحف) طريقة رسم الكلمات في المصحف من ناحية عدد حروف الكلمة ونوعها، لا من حيث نوع الخط وجماليته، ويستند رسم الكلمات في المصحف إلى طريقة رسمها في المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان، ﵁، والتي عرفت في المصادر الإسلامية باسم المصاحف العثمانية، نسبة إلى سيدنا عثمان لكونه هو الذي أمر بنسخها وإرسالها إلى البلدان خارج الجزيرة العربية، كما صار رسم الكلمات فيها يعرف بالرسم العثماني (٢).
وقد حافظ المسلمون على رسم الكلمات في المصحف كما جاءت في المصاحف العثمانية الأولى، مع ما في عدد منها من حذف بعض الحروف أو زيادة بعضها، اقتداء بعمل الصحابة، ﵃، وكان الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) قد سئل: «أرأيت من استكتب مصحفا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء (الإملاء) اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى» قال أبو عمرو الداني: ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمة (٣). وظل هذا الموقف من الالتزام بالرسم العثماني في كتابة المصاحف إلى زماننا (٤).
стр. 79
وألّف عدد من العلماء بعد عصر تدوين العلوم الإسلامية كتبا خاصة لوصف طريقة كتابة الكلمات في المصاحف العثمانية (١)، لعل من أشهرها في زماننا كتاب (المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار) لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني الأندلسي المتوفى سنة ٤٤٤ هـ. وهو مطبوع عدة طبعات.
ثانيا- علم النقط والشكل:
كانت المصاحف العثمانية مجردة من نقاط الإعجام ومن الحركات وغيرها من علامات الحركات، لخلو الكتابة العربية في تلك الحقبة منها، وبقيت الكتابة العربية تستعمل على ذلك النحو حتى النصف الثاني من القرن الأول الهجري، حين بدأت الدراسات اللغوية في العراق، وكان خلوّ الكتابة العربية من العلامات من أولى المشكلات التي عالجتها تلك الدراسات.
وتجمع المصادر العربية القديمة على أن أبا الأسود الدؤلي (ظالم بن عمرو ت ٦٩ هـ) هو أول من اخترع طريقة لعلامات الحركات تعتمد على النقاط الحمر، وكان ذلك في البصرة، فجعل الفتحة نقطة فوق الحرف، والكسرة نقطة تحت الحرف، والضمة نقطة أمام الحرف، وجعل التنوين نقطتين (٢).
وتنسب المصادر العربية إلى نصر بن عاصم الليثي البصري (ت ٩٠ هـ)، وهو تلميذ أبي الأسود الدؤلي، اختراع نقاط الإعجام التي تميز بين الحروف المتشابهة في الرسم، مثل الدال، والذال، والراء، والزاي، ونحوها. وكان ذلك بتوجيه من الحجاج بن يوسف الثقفي في أثناء ولايته على العراق بين سنة (٧٥ - ٩٥ هـ) (٣).
стр. 80
ولم تستمر طريقة أبي الأسود الدؤلي في تمثيل الحركات بالنقاط الحمر طويلا، لصعوبتها عند الكتابة، واحتمال التباسها بنقاط الإعجام التي وضعها نصر للتمييز بين الحروف المتشابهة في الرسم، وذلك حين جعل الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري (ت ١٧٠ هـ) الحركات حروفا صغيرة مكان النقاط الحمر، وكذلك وضع الخليل علامة للهمزة والتشديد والرّوم والإشمام، واستخدمت العلامات الجديدة تدريجيا، حتى زالت طريقة الدؤلي بعد ذلك (١).
وصارت المباحث المتعلقة بالعلامات الكتابية علما أطلق عليه اسم (علم النّقط والشّكل)، وهو يعالج كيفية استخدام العلامات في رسم المصحف خاصة، ومذاهب العلماء في ذلك، وسمي هذا العلم في العصور المتأخرة بعلم الضبط (٢).
وكتبت في هذا العلم كتب كثيرة (٣)، أشهرها كتاب «المحكم في علم نقط المصاحف»، لأبي عمرو الداني، مؤلف كتاب «المقنع»، وكتاب «المحكم» (مطبوع).
ثالثا- علم العدد القرآني:
كان رسول الله ﷺ يرتّل ويبيّن قراءته إذا قرأ القرآن، وكان يقطّع قراءته ويقف عند رءوس الآيات، وكتب الصحابة ﵃، القرآن في المصاحف على نحو ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله ﷺ ، وكتبوه مجردا مما سواه، ولم يكتبوا في المصاحف الأولى إلا ألفاظ الوحي، فلم يكن فيها أسماء السور وأرقام الآيات، ولا علامات الأجزاء ونحوها.
وقد اعتنى علماء قراءة القرآن من الصحابة والتابعين بتعيين رءوس الآيات،
стр. 81
وإن لم تكن مرسومة في المصحف، فكانوا يعلّمون الناس القرآن ويوقفونهم على رءوس الآي، وقد وضعوا أول الأمر ثلاث نقاط عند رأس الآية (١)، ثم تطورت فصارت دائرة، ثم كتب رقم الآية في داخلها في العصور المتأخرة.
وظهر في المراكز العلمية الخمسة: مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام (دمشق) علماء اشتهروا بمعرفة عدد الآيات، واعتنوا بإحصاء عدد كلمات كل سورة وعدد حروفها، كذلك اعتنوا بتجزئة القرآن ثلاثين جزءا أو ستين أو أكثر من ذلك، وضعوا علامات للخموس والعشور والأجزاء، كرهها الفقهاء في أول الأمر، كما كرهوا النقط والشكل في المصاحف، وكانوا يقولون: جرّدوا القرآن ولا تخلطوا به شيئا، وكرهوا فواتح السور التي يكتب فيها اسم السورة وعدد آياتها ومكية أو مدنية (٢). ثم خفّت
الكراهة وأثبت الخطاطون تلك الزيادات في المصحف، وصار استعمال النقط والشكل في المصاحف لازما صيانة له من اللحن والتحريف.
وألّف علماء القرآن كتبا كثيرة في علم العدد القرآني، ذكر ابن النديم منها قريبا من عشرين كتابا إلى زمن تأليفه كتاب «الفهرست» سنة ٣٧٧ هـ، ويكاد كتاب الدانيّ «البيان في عدّ آي القرآن» يكون أوسع كتاب في هذا الموضوع وأكثر كتبه شهرة، قال في مقدمته: «هذا كتاب عدد آي القرآن وكلمه وحروفه، ومعرفة خموسه وعشوره، ومكيّه ومدنيّه، وبيان ما اختلف فيه أئمة أهل الحجاز والعراق والشام من العدد، وما اتفقوا عليه منه، وما جاء من السّنن والآثار في عدد الآي عن السالفين، وورد من الآثار في العقد بالأصابع عن الماضين، وسائر ما ينتظم بذلك من الأبواب ... » (٣).
стр. 82
رابعا- أسماء السور:
سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، كانت أسماؤها معروفة في زمن النبي ﷺ فقد كان إذا نزل عليه الشيء من القرآن يدعو بعض من يكتب له ويقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا (١). يشير بهذا إلى اسم السورة، وقال السيوطي: «وقد ثبتت أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار» (٢).
واسم السورة يؤخذ من شيء ورد ذكره فيها أو مما اختصت به، كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم لقرينة ذكر قصة البقرة المذكورة فيها وعجيب الحكمة فيها، وسميت سورة النساء بهذا الاسم لما تردد فيها من كثير من أحكام النساء، وتسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل أحوالها، وهكذا في تسمية سائر سور القرآن (٣).
وقد يكون للسورة اسم واحد وهو كثير، وقد يكون لها اسمان فأكثر، من ذلك سورة براءة تسمى التوبة، وسورة الإسراء تسمى سورة بني إسرائيل، وسورة فصّلت تسمى حم السجدة، وسورة غافر تسمى المؤمن، وسورة محمد تسمى القتال، وسورة تبارك تسمى الملك، وهكذا (٤). وقد تساءل الزركشي: هل تعدد الأسامي توقيفي أو بما يظهر من المناسبات؟ وقد رجّح أنه توقيفي أيضا (٥).
ولم تكن أسماء السور تكتب في المصحف في الحقبة الأولى من تاريخ الإسلام، فكان يترك بين السورتين فراغ قدر سطر واحد (٦)، ثم صار هذا الفراغ
стр. 83
يشغل بخطين تزيّن ما بينهما دوائر، أو خط متعرج كالسلسلة، أو يترك ما بينهما خاليا (١). ثم صار الخطاطون يعتنون بزخرفة ما بين السورتين، وصار يكتب في داخل تلك الزخرفة اسم السورة وما يتصل بمكان نزولها وعدد آياتها (٢).
وحافظ المصحف في عصر الطباعة على تلك الصورة لفواتح السور.
خامسا- علامات الوقف:
يحتاج القارئ إلى تقسيم ما يتلوه إلى جمل وعبارات يقف عند نهايتها، ليتم المعنى، والقراءة بالترتيل والمكث واجبة بنص القرآن، فقد قال الله تعالى:
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) [المزمل] أي بيّنه تبيينا (٣).
واعتنى علماء قراءة القرآن بالمواضع التي يحسن الوقف عليها في أثناء القراءة، وجعلوا الوقف على ثلاثة أقسام هي: الوقف التام، والحسن، والقبيح، وألّفوا في ذلك كتبا كثيرة فصّلوا فيها تلك الأقسام من أول القرآن إلى آخره (٤).
وكانت المصاحف الأولى خالية من علامات الوقف، وظلت كذلك قرونا كثيرة، وعمل الخطاطون في فترات متأخرة على وضع علامات لأنواع الوقف التي ذكرها العلماء في كتبهم، مثل (م، ج، صلى، قلى، لا) ونحوها، وتجد في آخر المصاحف المطبوعة توضيحا لدلالة تلك العلامات وما يشبهها. وقد تختلف هذه العلامات من مصحف إلى آخر تبعا لاختلاف اجتهاد العلماء في فهم التركيب النحوي للآيات، وما يترتب على ذلك من تغير المعنى.
стр. 84
سادسا- المصحف في عصر الطباعة:
يسّرت الطباعة الحديثة نشر آلاف النسخ الموحدة الشكل من المصحف، المزدانة بالورق الصقيل والزخارف المذهبة الجميلة والتجليد المتين المزيّن، والنسخ المتنوعة الحجم، لكن الطباعة لم تغير شيئا من شكل المصحف العام وطريقة كتابته وضبطه، فالمصحف أخذ شكله المتميز منذ وقت مبكر، وأكثر المصاحف التي تطبع اليوم تستنسخ من مصحف مخطوط روعي فيه الشكل الموروث للمصحف.
ويكاد الإجماع ينعقد على أن أول مصحف أخرجته المطابع ورأى النور (١) كان في سنة ١٦٩٤ م، الذي وقف على طبعه هنكلمان في مدينة هامبورج بألمانية (٢). وهو لم يخل من الأخطاء الطباعية (٣)، ثم توالت طباعة المصاحف بعد ذلك ودخلت البلاد الإسلامية فظهرت المصاحف المطبوعة في تركيا ومصر والهند، وطبع المصحف في بلادنا في العقود الأخيرة عدة طبعات على نسخة بقلم الخطاط حافظ محمد أمين رشدي التي كتبها سنة ١٢٣٦ هـ.
وكان خط مصاحف القرآن في القرون الأولى يغلب عليه ما يسمى بالخط الكوفي، ثم تفنن الخطاطون في تطوير الحرف العربي وانتقل إلى الليونة، في القرن الرابع والخامس الهجريين، وغلب على المصاحف رسمها بها صار يعرف بخط النسخ، لكن أهل المغرب طوّروا الخط الكوفي على نحو ظل متميزا وصار يعرف بالخط المغربي، وظلت المصاحف تطبع به في بلاد المغرب، لكن استخدام خط النسخ هو الشائع في المصاحف التي تطبع في معظم البلدان الإسلامية الأخرى.
стр. 85
إن رحلة المصحف الطويلة عبر القرون لم تغيّر من نصه الذي كتبه الصحابة، ﵃، حين تلقوه عن رسول الله ﷺ وجمعوه في المصحف ونسخوه في المصاحف، وأنت إذا أخذت أحدث نسخة مطبوعة من المصحف، ثم وازنت بينها وبين إحدى النسخ العتيقة من المصحف المكتوبة على الرقوق، بالخط الكوفي القديم المجرد من العلامات، مما تحتفظ به بعض المكتبات العالمية، لوجدت النص واحدا والتطابق بينهما تامّا، سوى ما يرجع إلى الاختلافات الشكلية التي لا تغير من النص المكتوب ولا من قراءته.
وقد يسّر الله تعالى أسباب حفظ القرآن، كتابة في السطور، وحفظا في الصدور، وتلاوة في الألسنة، وتحقق بذلك وعد الله الحق في حفظ القرآن في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر]. فالقرآن الكريم معجزة النبي ﷺ الخالدة، وحجة الله تعالى الباقية، هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، عصمة لمن اعتصم به، ونجاة لمن تمسك به، لا يعوجّ فيقوّم، ولا يخلق من كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدّق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم (١).
وقد اتفقت كلمة العلماء المدققين، والمستشرقين المنصفين على صحة نقل القرآن وانتهائه بنصه إلى النبي ﷺ على الرغم من أنهم لا يؤمنون أنه من عند الله. وهناك بضع شهادات لكبار العلماء منهم تؤكد أن القرآن هو الكتاب الوحيد في الدنيا الذي بقي نصه محفوظا من التحريف، من بين كتب الديانات جميعا، وأنه لم يتطرق شكّ إلى أصالته، وأن كل حرف نقرؤه اليوم نستطيع أن نثق بأنه لم يقبل أي تغيير من يوم نزوله إلى زماننا (٢).
стр. 86
الفصل الثالث قراءة القرآن الكريم
المبحث الأول أهداف قراءة القرآن
إن الهدف من قراءة أي كتاب يتوقف على موضوعه، فإن كان كتابا في علم من العلوم فإن الهدف من قراءته اكتساب المعرفة، وإذا كان كتابا تاريخيا كان الهدف اتخاذ العبرة من أحداث الماضي وتدبر شئون الحاضر والمستقبل من خلال ذلك، وإذا كان كتابا أدبيا كان الهدف التذوق الفني وما قد يصحبه من متعة روحية وتهذيب أخلاقي، وهكذا.
وإذا أردنا أن نحدد أهداف قراءة القرآن الكريم وجدنا أنها ترتبط أيضا بموضوعه إلى حد كبير، فالقرآن ليس كتابا في علم من العلوم، وإن كان فيه من العلم ما يعجز
العقل البشري عن الإحاطة به، والقرآن ليس كتابا في التاريخ، وإن كان فيه من القصص ما فيه عبرة لأولي الألباب، كما أنه ليس كتابا أدبيا، وإن كان فيه من جمال الأسلوب وروعة التعبير ما يعجز البشر عن الإتيان بمثله.
فما موضوع القرآن إذن، وما أهداف قراءته؟
إن موضوع القرآن الأساسي هو هداية البشرية إلى منهج الله تعالى الذي اختاره لها، وكانت قراءته من أهم ما يحرص المسلمون على تعلمه وتعليمه والمداومة عليه، حتى قال ابن خلدون: «اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات، وسبب ذلك أن
стр. 87
التعليم في الصغر أشد رسوخا، وهو أصل لما بعده، لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات، وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما ينبني عليه» (١).
إن تتبّع ما ورد في القرآن والأحاديث النبوية عن قراءة القرآن، وما تضمنته سيرة السلف من تعلق بالقراءة وحرص عليها يوضح جوانب من الأهداف والغايات التي تتحقق من قراءة القرآن، والتي تتمثل في كون القراءة وسيلة من وسائل الدعوة، وكونها عبادة تزكو بها النفوس، وهي أيضا أساس للفقه والعمل.
١ - قراءة القرآن وسيلة من وسائل الدعوة:
إن تلاوة القرآن كانت من وسائل الدعوة إلى الإسلام، فكان رسول الله ﷺ يلقى الناس في المواسم، فكان يدعوهم إلى الإسلام ويقرأ عليهم القرآن (٢).
وكان تأثير القرآن في نفوس سامعيه عظيما، على نحو ما كان من موقف النفر الذين لقيهم رسول الله ﷺ في العقبة، وكانوا من الخزرج، فدعاهم إلى الله، ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فأجابوه إلى ما دعاهم إليه، وصدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام (٣). فكان إسلامهم فتحا عظيما في تاريخ الدعوة.
وكان المشركون قد أحسّوا بتأثير قراءة القرآن واجتذابها النفوس إلى الدعوة الجديدة، فتنادوا بينهم: لا تسمعوا لهذا القرآن، كما حكى القرآن قولهم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) [فصلت]، ولكن الله تعالى خيّب آمالهم، وأخذ القرآن طريقه إلى القلوب (٤).
стр. 88
وظلت قراءة القرآن تقوم بذلك الدور في نشر الدعوة بعد أن مكّن الله تعالى لدينه، فكانت وفود العرب تأتي إلى المدينة، لا سيما بعد فتح مكة، فكان رسول الله ﷺ يقرأ عليهم القرآن ويعلّمهم شرائع الإسلام (١).
وكان من حرص النبي ﷺ على تعليم القرآن أنه كان يرسل القراء من الصحابة إلى المواطن التي يفتح الناس فيها صدورهم للدعوة، كما أرسل مصعب بن عمير، ﵁، بعد بيعة العقبة الأولى إلى المدينة، «وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلّمهم الإسلام، ويفقّههم في الدين، فكان يسمى المقرئ بالمدينة مصعب» (٢).
وبيّن الله تعالى في كتابه الكريم أنه إنما بعث محمدا ﷺ ليتلو القرآن على الناس، فقال: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) [النمل]. وقد امتدح الله تعالى المؤمنين الذين وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً (٢) [الانفال]، وذمّ الكفار الذين إذا تتلى عليهم آيات الله قالوا: هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) [الأحقاف] أو قالوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) [المطففين].
٢ - قراءة القرآن عبادة:
إن تلاوة القرآن هي أفضل الأذكار (٣)، ومن ثمّ يستحب الإكثار منها (٤)، وقد بيّن النبي ﷺ ثواب قارئ القرآن وفضله في أحاديث كثيرة، منها قوله:
«اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ... » (٥). ومنها قوله: «من
стр. 89
قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقوال (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (١). والأحاديث في فضل التلاوة كثيرة، سوف نشير إلى عدد منها في المبحث الآتي، إن شاء الله تعالى.
وكانت استجابة الصحابة، ﵃، ومن تبعهم من سلف الأمة الصالح للتوجيه النبوي بتلاوة القرآن استجابة عظيمة، ملأت عليهم أوقاتهم في الهواجر والأسحار، يوضّح ذلك ما قاله الإمام النووي: «ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، وقد كانت للسلف، ﵃، عادات في القدر الذي يختمون فيه، فكان جماعة منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثمان ليال ختمة، وآخرون في كل سبع ليال ختمة، وهذا فعل الأكثرين من السلف ... وكثيرون في كل ثلاث، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة ... وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم، فمنهم عثمان ابن عفان، وتميم الداريّ، وسعد بن جبير» (٢).
ولا شك في أن الإكثار من التلاوة له أثره العميق في تهذيب النفس وتقويم السلوك، فالله تعالى قال: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) [يونس]، وقال سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) [الإسراء]، ففي القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة، وفي القرآن شفاء من الهوى والطمع والحسد ونزعات الشيطان، في القرآن شفاء من شطط التفكير والشعور. وبذلك كان القرآن ذكرا من أفضل
стр. 90
الأذكار وعبادة من أجلّ العبادات، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ... » (١).
٣ - قراءة القرآن للفقه والعمل:
إن الهدف الأساسي من قراءة القرآن، مع كونها عبادة، هو التفهم للمعاني التي تتضمنها الآيات الكريمة، والتطبيق لما تتضمنه من أحكام، وقد قال الله تعالى في وصف القرآن: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩٢) [ص]، كما حث الله تعالى على تفهم معانيه بقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) [النساء]، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [محمد].
وكان رسول الله ﷺ إذا أسلم الرجل أمره بقراءة القرآن قبل كل شيء (٢)، وقال للصحابة: فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعلّموه القرآن (٣). لأن القرآن الكريم هو الأصل الأول للعقيدة والأحكام والآداب، والسّنّة مبيّنة ومفصّلة لما تضمنه القرآن.
وكانت طريقة تلقي الصحابة للقرآن عن رسول الله ﷺ تؤكد على التفهم للمعاني، فقد قال عبد الله بن مسعود، ﵁: كنا إذا تعلّمنا من النبي ﷺ عشر آيات من القرآن لم نتعلم من العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيها، يعني من العمل (٤).
وكان أبو عبد الرحمن السلمي (ت ٧٤ هـ)، وهو مقرئ أهل الكوفة في
стр. 91
عصر التابعين، يحدّث عن الصحابة الذين علّموه القرآن ويقول: «حدثني الذين كانوا يقرءوننا: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر فلا يجازونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» (١).
وقال العلماء: تكره قراءة القرآن بلا تدبّر (٢)، وقال الآجري: والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره أحبّ إليّ من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك والسّنة وقول أئمة من المسلمين (٣).
ونقل الآجري روايتين تدلان على ذلك (٤):
الرواية الأولى: عن أبي جمرة الضّبعي، قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال ابن عباس: لأن أقرأ البقرة في ليل، فأتدبرها وأرتّلها أحبّ إليّ من أن أقرأ كما تقول.
والرواية الثانية: عن مجاهد بن جبر، تلميذ ابن عباس، أنه سئل عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة، قراءتهما واحدة، وركوعهما وسجودهما وجلوسهما، أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء].
ونقل أبو عمرو الداني رواية عن زيد بن ثابت أن رجلا سأله عن قراءة القرآن في سبع؟ فقال: حسن، ولأن أقرأه في عشرين أو في النصف أحب إليّ من أن أقرأه في سبع، واسألني عن ذلك؟ أردّده وأقف عليه (٥).
стр. 92
ونقل رواية أخرى عن ابن مسعود أن رجلا أتاه فقال: أقرأ القرآن بالمفصل في ركعة! فقال: أهذّا كهذّ الشعر، ونثرا كنثر الدّقل؟ (١) ومع ذلك فإن العلماء لا يمنعون من القراءة السريعة مطلقا، وقد نصوا على أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، كما أنه يختلف لاختلاف حال الشخص في النشاط والضعف والتدبر والغفلة (٢).
المبحث الثاني فضائل التلاوة وآدابها
أولا: فضائل التلاوة:
إن قيمة كل كتاب تعتمد على منزلة مؤلفه وأهمية موضوعه وبلاغة أسلوبه، والقرآن الكريم بلغ أقصى الغايات في ذلك كله، فهو كلام الله تعالى «وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» (٣). وموضوعه بيان منهج الله الذي لا تتحقق سعادة البشرية إلا به وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) [آل عمران]، وأسلوبه جاء في أعلى درجات الفصاحة والبلاغة التي أعجزت الفصحاء والبلغاء في جميع العصور.
وبيان فضائل تلاوة القرآن ترتبط بفضل القرآن الكريم ذاته، وقد وصف الله تعالى القرآن في آيات كثيرة بأنه مصدر الهداية للبشرية وسبب الرحمة الإلهية لها، ومن تلك الآيات:
стр. 93
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) [الإسراء].
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) [يونس].
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) [النحل].
طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) [النمل].
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) [النمل].
وقد امتدح الله تعالى الذين يتلون كتاب الله، ووعدهم مغفرة منه وفضلا، بقوله الكريم: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) [فاطر].
وجاءت في فضل القرآن وفضل تلاوته عشرات الأحاديث التي رواها العلماء في كتب الحديث في باب (فضائل القرآن)، وأفردها عدد منهم في رسائل منفردة؛ سميت بكتب (فضائل القرآن)، مثل كتاب «فضائل القرآن» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ)، وكتاب «فضائل القرآن» لأبي جعفر بن محمد الفريابي (ت ٣٠١ هـ)، وكتاب «فضائل القرآن» لأحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣ هـ)، وغيرها كثير.
وسوف أقتبس مما ورد في تلك الكتب عددا من الأحاديث التي تبيّن فضل تعلم القرآن وفضل تلاوته، منها:
١ - روى البخاري وغيره، عن أبي عبد الرحمن السّلميّ، عن عثمان بن عفان، عن النبي ﷺ ، قال:
стр. 94
«خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (١).
قال أبو عبد الرحمن السلمي، وهو الذي جاء بالمصحف من المدينة إلى الكوفة في خلافة عثمان: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا (٢). وكان أبو عبد الرحمن قد جلس في المسجد الأعظم في الكوفة ونصب نفسه لتعليم الناس قراءة القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة، إلى أن توفاه الله سنة ٧٣ هـ (٣).
وقد روى الترمذي وغيره هذا الحديث عن علي بن أبي طالب أيضا (٤).
٢ - وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (٥).
٣ - وروى مسلم بن الحجاج عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ... » (٦).
وجاء هذا المعنى في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: ربّ إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان» (٧).
стр. 95
٤ - وروى أصحاب الكتب الستة (١) عن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ، له أجران».
٥ - وروي عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (٢).
قال المنذري: والمراد بالحسد هنا الغبطة، وهو تمني مثل ما للمحسود، لا تمني زوال تلك النعمة، فإن ذلك هو الحسد المذموم (٣).
٦ - وعن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» (٤).
٧ - وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة: ريحها طيّب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مرّ» (٥).
٨ - وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت
стр. 96
الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (١).
٩ - وعن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في الصّفّة، فقال:
أيّكم يحبّ أن يغدو كلّ يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقلنا: يا رسول الله كلّنا يحبّ ذلك، قال: فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلّم آيتين من كتاب الله، ، خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل (٢).
١٠ - وردت أحاديث في فضل الإكثار من قراءة سورة أو آيات معينة، فمما رواه البخاري ومسلم ما ورد في فضل سورة الفاتحة، وسورة البقرة، وخواتيمها «الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه» وآية الكرسي منها، وسورة الكهف، وعشر آيات من أولها، والمعوذتين، وسورة الإخلاص، حيث قال ﷺ : أيعجز، أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) تعدل ثلث القرآن» (٣).
ثانيا- آداب التلاوة:
ينبغي أن يستشعر قارئ القرآن عظمة كتاب الله تعالى، فإذا أراد القراءة فعليه أن يلتزم بما ورد من الآداب والسنن التي تتعلق بنظافة البدن والمكان وبكيفية التلاوة، والتزام توقير القرآن، واجتناب ما ينافي ذلك من مظاهر الغفلة وعدم التيقظ والخشوع.
стр. 97
١ - نظافة البدن والمكان:
يستحب أن يقرأ القارئ وهو على طهارة، إذا كان يقرأ من حفظه، فإن قرأ وهو محدث جاز بإجماع المسلمين، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، وأما الجنب والحائض فإنه يحرم عليهما قراءة القرآن، سواء كان آية أو أقل منها، ويجوز لهما إجراء القرآن على قلبهما من غير تلفظ به.
وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فاه بالسّواك وغيره، والاختيار في السواك أن يكون بعود من أراك، ويجوز بسائر العيدان، وبكل ما ينظف كالخرقة الخشنة والأشنان وغير ذلك.
ويستحبّ أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار، ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد، لكونه جامعا للنظافة وشرف البقعة (١)، لكن القراءة جائزة في أي مكان طاهر نظيف.
ويحرم على المحدث مسّ المصحف وحمله، وأما كتب تفسير القرآن فإن كان القرآن فيها أكثر من غيره حرم مسّها وحملها على المحدث، وإن كان غيره أكثر جاز على خلاف في ذلك (٢).
٢ - ترتيل القرآن وتحسين الصوت:
أجمع العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ما لم يخرج عن حد القراءة، فإن أفرط حتى زاد حرفا أو أخفاه فهو حرام، وتكره لذلك القراءة بالألحان التي تخرج بالتلاوة عن حدها (٣).
стр. 98
وينبغي لمن قرأ القرآن أن يرتّله ترتيلا، كما قال الله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ٤ [المزمل]، أي بيّنه تبيينا، وعلى القارئ ألّا يخلّ بقواعد التلاوة سواء قرأ بالتحقيق، وهو التمهل، أو بالحدر، وهو السرعة في القراءة، أو توسّط في ذلك (١).
٣ - التدبر والخشوع:
قراءة القرآن عبادة مقصودها الاتعاظ والائتمار والانزجار، وقد قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ٢٩ [ص]. وقال سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ٢٤ [محمد]. والتدبّر معناه التفكر والنظر في عاقبة الشيء.
وقد حث العلماء على التزام قارئ القرآن بتفهم ما يقرأ، والتفكر فيه، مع الخشوع، وترك ما لهي عن ذلك، ومن لوازم التفكر أن القارئ إذا مر بآية رحمة سأل مولاه الكريم، وإذا مرت به آية عذاب استعاذ بالله من النار (٢).
وعلى القارئ أن يلزم احترام القرآن والابتعاد في أثناه القراءة عن الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة، إلا كلاما يضطر القارئ إليه، وينبغي أن يتمثل القارئ والمستمع قول الله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٢٠٤ [الأعراف] (٣).
وقد لخص الإمام الغزالي شرائط القراءة المحمودة بقوله: «تلاوة القرآن حقّ تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظّ اللسان تصحيح الحروف
стр. 99
بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثير والانزجار والائتمار، فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ» (١).
٤ - أوقات القراءة المحمودة، والسرعة فيها:
إن أفضل القراءة ما كان في الصلاة، أما القراءة في غير الصلاة فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير من الليل أفضل من النصف الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة، وأما القراءة في النهار فأفضلها بعد صلاة الصبح، ولا كراهية في القراءة في وقت من الأوقات (٢).
وقد اختلف العلماء في الأفضل هل الترتيل وقلة القراءة أو السرعة مع كثرة القراءة؟ فذهب بعضهم إلى أن كثرة القراءة أفضل، لأن للقارئ بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لكن معظم العلماء يقولون إن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها، لأن المقصود من القرآن فهمه والتفقه فيه والعمل به. وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه. وقال بعض العلماء: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجلّ وأرفع قدرا، وإن ثواب كثرة القراءة أكثر عددا (٣).
ومما له علاقة بسرعة القراءة تحديد المدة المفضلة لختم القرآن، والأصل استحباب الإكثار من قراءة القرآن (٤)، وقد تفاوتت سيرة السلف في القدر الذي يختمون فيه، فكثيرون كانوا يختمون في أسبوع، أو في أسبوعين أو في شهر، وكرهوا أن يختم القارئ في أقل من ثلاث ليال لقوله ﷺ : «لم يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث» (٥). كما كرهوا أن يأتي عليه أكثر من أربعين يوما ولم
стр. 100
يختم القرآن (١). وقال بعض العلماء: إن ذلك يختلف باختلاف حال الشخص في النشاط والضعف والتدبر والغفلة (٢).
المبحث الثالث أصل القراءات القرآنية
القراءات القرآنية من أهم علوم القرآن، صرف إليها العلماء كثيرا من عنايتهم وجهودهم من لدن عصر الصحابة، رضوان الله عليهم، إلى عصرنا هذا، رواية وتعليقا وتأليفا، وموضوع القراءات شديد الصلة بنص القرآن الكريم، لأنه يعنى بكيفية النطق بألفاظ القرآن، وتحقيق الروايات المنقولة في ذلك عن أئمة القراءة.
وقد صار كثير من مباحث هذا العلم أقرب إلى دائرة البحث التأريخي بعد أن انتشرت في معظم بلدان العالم الإسلامي قراءة واحدة من القراءات القديمة المشهورة، وهي قراءة عاصم بن أبي النّجود الكوفي، المتوفى سنة ١٢٧ هـ، التي تضبط عليها أكثر المصاحف المطبوعة في عصرنا، وزالت القراءات الأخرى من ميادين التلاوة والتعبد بقراءة القرآن، إلى ميادين البحث والدراسة والرواية في دور العلم ومعاهد الإقراء.
وهناك سببان، في الأقل، يحملان الدارس على النظر في موضوع القراءات والبحث في أصلها، الأوّل: انتشار التسجيل الصوتي لقراءات قرآنية غير قراءة عاصم، يعجز كثير من الناس في زماننا عن فهم حقيقتها ومعرفة أصلها، فتكون لذلك موضع تساؤل وتشويش لا يزيله إلا الوقوف على تأريخ هذا الموضوع وتفصيلاته. والثاني: إن علم القراءات من أكثر علوم القرآن الكريم بحثا وتأليفا،
стр. 101
ولا بد لدارس علوم القرآن من الوقوف على المعالم البارزة لهذا العلم الذي يتعلق بضبط النص القرآني والمحافظة عليه (١).
أولا- سبب تعدد القراءات وحديث الأحرف السبعة:
والحديث عن أصل القراءات القرآنية يستدعي بحث قضيتين: الأولى تحديد مصدر القراءات، والثاني: تحديد السبب الذي أدّى إلى ظهورها، ومناقشة هاتين القضيتين مرتبط بالظروف التي ظهرت فيها الدعوة الإسلامية، وطبيعة المجتمع العربي في تلك الحقبة، وما كان بين أجزائه من تباين لغوي ظاهر، لأن قراءة القرآن هي في جانب منها نشاط لغوي، ومن جانب آخر هي نشاط فكري ينعكس على سلوك الفرد والجماعة.
كان العرب في جزيرتهم قبائل وجماعات، تفصل بين قبيلة وأخرى فواصل طبيعية أو عوامل نفسية، فالجزيرة بطبيعة أرضها ومناخها تفرض على الناس نوعا من العزلة والتنقل المستمر وراء مساقط المياه ومنابت الكلأ، ولم يكن هناك سلطان سياسي يشمل تلك القبائل والجماعات، بل إن المنازعات كثيرا ما كانت تزيدها تشتتا وعزلة، ومن ثم فإن عوامل الافتراق كانت أكثر فاعلية في المجتمع العربي قبل الإسلام من عوامل التقارب والتوحد، وقد انعكس ذلك على الوضع
стр. 102
اللغوي الذي كان يتميز بتعدد اللهجات وتباين صور النطق للعربية (١)، لا سيما في وقت كانت تسود فيه الأمية، ويصعب التنقل والامتزاج، ما عدا فرصا محدودة يلتقي فيها أفراد معدودون في مواسم الحج والتجارة لأيام معدودة، ثم يمضي كل واحد منهم لينخرط في حياة قبيلته أو بلدته.
وفي ذلك الظرف شاء الله تعالى أن يبعث نبيه محمدا ﷺ برسالة تدعو إلى التوحيد والتوحيد، وتحثّ على التعلم والتحضر، يقول القاسم بن ثابت السرقسطي (ت ٣٠٢ هـ): «إن الله ﵎ بعث نبيه ﷺ والعرب متناءون في المحال والمقامات، متباينون في كثير من الألفاظ واللغات، ولكل عمارة (٢) لغة دلت بها ألسنتهم، وفحوى قد جرت بها عادتهم، وفيهم الكبير العاسي والأعرابي القح، ومن لو رام نفي عادته وحمل لسانه على غير دربته (٣) تكلف منه حملا ثقيلا، وعالج منه عبئا شديدا، ثم لم يكسر غربه (٤) ولم يملك استمراره إلا بعد التمرين الشديد، والمساجلة الطويلة، فأسقط الله عنهم هذه المحنة، وأباح لهم القراءة على لغاتهم، وحمل حروفه على عادتهم، وكان رسول الله ﷺ يقرئهم بما يفقهون، ويخاطبهم بالذي يستعملون بما طوّقه الله من ذلك، وشرح به صدره، وفتق به لسانه، وفضّله على جميع خلقه» (٥).
والقرآن الكريم نزل بلغة قريش، في الرأي الراجح، على نحو ما أشرنا إلى ذلك في المبحث الخاص بعربية القرآن، ومعنى ذلك أن رسول الله ﷺ تلقاه من جبريل ﵇ وتلاه على الناس بنطق عربي يطابق نطق العربية السائد في مكة المكرمة في ذلك الوقت، وكان كتبة الوحي يكتبون ألفاظ الوحي على نحو ما
стр. 103
يسمعونه من رسول الله ﷺ ولهذا فإن الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان، ﵁، أمر الجماعة الذين نسخوا المصاحف أن يكتبوه على لسان قريش، لأنه هو النطق المنزل به.
ولا شك في أن أهل مكة كانوا أقدر على تحقيق نطق القرآن كما نطقه رسول الله ﷺ لأنهم قومه وعشيرته، أما غيرهم من العرب فكانوا متفاوتين في القدرة على تحقيق ذلك النطق، بحسب قرب أو بعد لغاتهم (أي لهجاتهم) من لغة أهل مكة، ومن ثمّ ظهرت مشكلة أهل مكة. وقد أشار بعض العلماء إلى أن تلك المشكلة ظهرت بصورة واضحة بعد الهجرة، حين دخل في الإسلام أفراد من قبائل عربية متباينة النطق (١).
وأمام ذلك الوضع اللغوي المعقد لم يحمل رسول الله ﷺ الناس على تعلم نطق قريش، ولم يمنعهم من قراءة القرآن، وإنما رخّص لهم أن يقرءوا القرآن بالنطق الذي يمكنهم تحقيقه، قال الصحابي عبد الله بن عباس (ت ٦٨ هـ) حول الموضوع: «إن النبيّ ﷺ كان يقرئ الناس بلغة واحدة، فاشتد ذلك عليهم، فنزل جبريل، فقال: يا محمد، أقرئ كلّ قوم بلغتهم» (٢).
وروى الترمذي في سننه عن أبي بن كعب أنه قال: «لقي رسول الله ﷺ جبريل، فقال: يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير، والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط! قال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح قد ورد عن أبيّ بن كعب من غير وجه (٣).
стр. 104
وقد تواتر في أحاديث صحيحة كثيرة أن النبي ﷺ قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه». وبلغ عدد الصحابة الذي رووا ذلك عن رسول الله ﷺ واحدا وعشرين صحابيا (١)، في مناسبات متعددة، ووردت روايات الحديث في أصح كتب الحديث وكتب التفسير وعلوم القرآن (٢).
وكانت رخصة الأحرف السبعة حلّا لمشكلة واجهت الصحابة في عصر النبوة حيث يسّرت عليهم قراءة القرآن، من غير أن يختل نظمه أو تتحرف كتابته، قال ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ): «وكل هذه الحروف كلام الله تعالى، نزل به الروح الأمين على رسوله ﵇ وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن، فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسر على عباده ما يشاء، فكان من تيسيره أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم. فالهذليّ يقرأ: عتى حين، يريد: حَتَّى حِينٍ ٥٤ [المؤمنون] لأنه كان يلفظ بها ويستعملها. والأسديّ يقرأ تعلمون وتعلم وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ١٠٦ [آل عمران] وأَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ ٦٠ [يس]. والتميمي يهمز والقرشيّ لا يهمز، والآخر يقرأ: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ١١ [البقرة] ووَ غِيضَ الْماءُ ٤٤ [هود] بإشمام الضم مع الكسر، وهذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا [يوسف] بإشمام الكسر مع الضم، وما لَكَ لا تَأْمَنَّا ١١ [يوسف] بإشمام الضم مع الإدغام وهذا ما لا يطوع به كل لسان.
«ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده
стр. 105
طفلا وناشئا وكهلا، لاشتدّ ذلك عليه، وعظمت المحنة للعادة. فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم متسعا في اللغات ومتصرفا في الحركات، كتيسيره عليه في الدين ... » (١).
ثانيا- معنى الأحرف السبعة:
ولم تكن تلك الأحرف تتجاوز تنوع صور النطق إلى اختلاف المعاني، على نحو ما نقل محمد بن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ) عن الصحابة، فقد قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه «قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي الأمر الذي يكون واحدا، لا يختلف في حلال ولا حرام» (٢). أي أن الألفاظ المختلف في قراءتها لا يتغير معناها، وإنما الذي يتغير هو النطق فقط.
ولم يرد في روايات هذا الحديث ما يحدد المراد بالأحرف السبعة، ولم ينقل عن الصحابة ما يوضح ذلك أيضا، غير ما نقله ابن شهاب عنهم في قوله:
بلغني أن تلك السبعة الأحرف، ومن ثم فإن العلماء اجتهدوا في تفسيرها بعد اتفاق جمهورهم على أنها تخص النطق والقراءة، لا اختلاف المعاني والأحكام (٣).
ويمكن أن نلخص جهود العلماء في تفسير الأحرف السبعة في اتجاهين:
الاتجاه الأول:
أن عدد السبعة الواردة في الحديث لا يقصد به الحصر وأنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التيسير والتسهيل والسعة، ولفظ
стр. 106
السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات، وسبع مائة في المئين، ولا يراد العدد المعين (١).
قال ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ): «وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل المراد السعة والتيسير، وأنه لا حرج عليهم في قراءته بما هو من لغات العرب، من حيث إن الله تعالى أذن لهم في ذلك، والعرب يطلقون لفظ السبع والسبعين والسبع مائة ولا يريدون حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل يريدون الكثرة والمبالغة من غير حصر، قال تعالى:
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ (٢٦١) [البقرة]، وإِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً (٨٠) [التوبة]، وقال ﷺ : «إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة» ... » (٢).
الاتجاه الثاني
: وذهب أكثر علماء السلف إلى أن المقصود بالسبعة الحصر، لكن اختلفوا في تعيين السبعة، وأشهر الأقوال في هذا الاتجاه ثلاثة:
١ - أنها سبع لغات (لهجات) من لغات العرب، قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ): «قوله: (سبعة أحرف) يعني سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، هذا ما لم نسمع به قط، ولكن نقول هذه اللغات متفرقة في القرآن ... » (٣).
٢ - الأحرف السبعة هي سبعة ألفاظ مختلفة في النطق متفقة في المعنى، قال الطبري: «الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن هي لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، كقول القائل: هلم، وأقبل، وتعال، وإليّ، وقصدي، ونحوي، وقربي، ونحو ذلك مما تختلف
стр. 107
فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني» (١). ويرى الطبري أن عثمان، ﵁، جمع الناس على حرف واحد، وأن الأحرف الستة الأخرى قد ذهبت (٢).
٣ - الأحرف السبعة هي سبعة وجوه من وجوه القراءات، قال ابن قتيبة: «وقد تدبّرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه ... » (٣)، وذلك مثل إبدال لفظ بلفظ، أو حرف بحرف، أو تقديم وتأخير، أو زيادة حرف أو نقصانه، أو اختلاف حركة بناء الكلمة أو إعرابها، أو اختلاف في تفخيم الصوت أو ترقيقه، أو نحو ذلك (٤).
ولم يحظ أي قول من هذه الأقوال، أو غيرها مما قاله بعض العلماء في تفسير الأحرف السبعة، بما يمكن أن يرجحه على غيره أو يحمل على القطع بصحته، لكن العلماء بعد ذلك مجمعون على أن تلك الرخصة كانت في وقت معين، قال الطحاوي (ت ٣١٠ هـ (: إن تلك السبعة إنما كانت في وقت خاص، لضرورة دعت إلى ذلك» (٥). أما الأجيال اللاحقة فليس لها إلا اتباع القراءة المأثورة عن الصحابة التي تناقلتها الأمة عبر العصور (٦).
ولم تكن تلك الرخصة مطلقة حتى في زمن الصحابة فقد نص العلماء على «أن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، بأن يغير كل أحد الكلمة بمرادفها في
стр. 108
لغته، بل المرعي في ذلك السماع من النبي ﷺ » (١). قال الداني: «وهذه القراءات كلها والأوجه بأسرها من اللغات هي التي أنزل القرآن عليها، وقرأ بها رسول الله ﷺ ، وأقرأ بها وأباح الله تعالى لنبيه القراءة بجميعها وصوّب الرسول ﷺ من قرأ ببعضها» (٢).
فأصل القراءات القرآنية يرجع- إذن- إلى رخصة الأحرف السبعة التي يسّر الله تعالى بها على الصحابة في قراءاتهم للقرآن، فكل القراءات القرآنية ترجع إلى قراءات الصحابة، وكان رسول الله ﷺ قد علّم الصحابة القرآن، وسمع منهم قراءتهم وأقر لهم اختلافهم في النطق، كما جاء في عدد من روايات حديث الأحرف السبعة، وكما ورد في رواية أبي العالية الرياحي (رفيع بن مهران ت ٩٢ هـ) التي نقلها الطبري، وقال فيها: «قرأ على رسول الله ﷺ من كلّ خمس رجل، فاختلفوا في اللغة، فرضي قراءاتهم كلهم» (٣). وروي عن معاذ بن جبل أنه قال: عرضنا على رسول الله ﷺ فلم يعب أحدا منا (٤). وكان ﷺ يقول للصحابة: «اقرءوا كما علّمتم» وينهاهم عن الجدال في القرآن وقراءته (٥).
المبحث الرابع نشأة مدارس القراءة
أولا- قراءة القرآن في عصر النبوة:
إن هدف النبوات والرسالات هو هداية الناس وتعليمهم، وكان رسول الله ﷺ خاتم النبيين، ورسالته خاتمة الرسالات الإلهية، وكان إيصال هذه الرسالة
стр. 109
إلى الناس يستلزم التبليغ والتعليم، وقد قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ... (٢) [الجمعة]، وقال سبحانه: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ (٤٥) [العنكبوت]، وقال عزّ من قائل: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء]. وقال رسول الله ﷺ : «إنما بعثت معلّما» (١). فكان رسول الله ﷺ معلّم هذه الأمة الأوّل، علّمها القرآن وتلاوته، وبيّن لها الأحكام والسنن والآداب.
وكانت قراءة القرآن أول شيء يأمر به رسول الله ﷺ كلّ من يدخل في الإسلام، قال علم الدين السخاوي: «كان ﷺ إذا أسلم الرجل يأمره بقراءة القرآن قبل كل شيء» (٢). وكان يتولى تعليم أصحابه ما ينزل عليه من الوحي، ويتدارس معهم ما نزل من القرآن، ويعلّم من يدخل في الدين القرآن والفرائض، وكانت البيوت في أول عهد الدعوة أماكن للتعليم، وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي في مكة مركزا للدعوة وتعليم الصحابة القرآن (٣).
وازدادت الحاجة إلى تعليم القرآن بانتشار الإسلام وصار رسول الله ﷺ لا يجد ما يكفي من الوقت لتعليم كل من يدخل في الدين، لا سيما أهل القرى والبوادي خارج المدينة المنورة، فكان يكل تعليم القرآن إلى عدد من أصحابه الذين تميزوا بحفظ القرآن وضبط قراءته، وكان يرسل المعلمين إلى من نأى عنه من المسلمين، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل رجل في الإسلام قال: «فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعلّموه القرآن» (٤). وقال عبادة بن الصامت، وكان أحد علماء الصحابة بالقرآن: «كان رسول الله ﷺ يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر على
стр. 110
رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منا يعلّمه القرآن، فدفع إليّ رسول الله ﷺ رجلا، وكان معي في البيت، أعشّيه عشاء أهل البيت، فكنت أقرئه القرآن» (١).
وكان أبي بن كعب أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله، روي عن النبي ﷺ أنه قال: أقرأ أمتي أبيّ (٢). فلما قدمت وفود العرب إلى المدينة بعد فتح مكة، كان أبي بن كعب يعلّمهم القرآن، وممن ذكرت الروايات أنهم تعلموا القرآن من أبي وفد أهل البحرين، ووفد بني حنيفة، ووفد قبيلة غامد (٣).
أما المعلمون الذين بعث بهم رسول الله ﷺ لتعليم القرآن، فكان أوّلهم مصعب بن عمير الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية، يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وكان يدعى القارئ والمقرئ (٤).
وكان معاذ بن جبل الأنصاري أحد فقهاء الصحابة وعلمائهم بالقرآن، وقد ذكر ابن سعد أن رسول الله ﷺ خلّف معاذ بن جبل بمكة بعد الفتح، حين توجه إلى الطائف، يفقه أهل مكة ويقرئهم القرآن (٥). وبعد دخول أهل اليمن في الإسلام بعثه رسول الله ﷺ إلى هناك، يعلّم القرآن وشرائع الإسلام، كما بعث إلى بعض أنحاء اليمن الأخرى أبا موسى الأشعري للغاية ذاتها (٦).
وبذلك اشتهر عدد من الصحابة في عصر النبوة بحفظ القرآن وإجادة قراءته،