← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12917

محاضرات في علوم القرآن - غانم قدورى

غانم قدوري الحمد

Полный текст (258 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات، وسبع مائة في المئين، ولا يراد العدد المعين (١). قال ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ): «وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل المراد السعة والتيسير، وأنه لا حرج عليهم في قراءته بما هو من لغات العرب، من حيث إن الله تعالى أذن لهم في ذلك، والعرب يطلقون لفظ السبع والسبعين والسبع مائة ولا يريدون حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل يريدون الكثرة والمبالغة من غير حصر، قال تعالى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ (٢٦١) [البقرة]، وإِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً (٨٠) [التوبة]، وقال ﷺ : «إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة» ... » (٢). الاتجاه الثاني : وذهب أكثر علماء السلف إلى أن المقصود بالسبعة الحصر، لكن اختلفوا في تعيين السبعة، وأشهر الأقوال في هذا الاتجاه ثلاثة: ١ - أنها سبع لغات (لهجات) من لغات العرب، قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ): «قوله: (سبعة أحرف) يعني سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، هذا ما لم نسمع به قط، ولكن نقول هذه اللغات متفرقة في القرآن ... » (٣). ٢ - الأحرف السبعة هي سبعة ألفاظ مختلفة في النطق متفقة في المعنى، قال الطبري: «الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن هي لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، كقول القائل: هلم، وأقبل، وتعال، وإليّ، وقصدي، ونحوي، وقربي، ونحو ذلك مما تختلف

стр. 107

فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني» (١). ويرى الطبري أن عثمان، ﵁، جمع الناس على حرف واحد، وأن الأحرف الستة الأخرى قد ذهبت (٢). ٣ - الأحرف السبعة هي سبعة وجوه من وجوه القراءات، قال ابن قتيبة: «وقد تدبّرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه ... » (٣)، وذلك مثل إبدال لفظ بلفظ، أو حرف بحرف، أو تقديم وتأخير، أو زيادة حرف أو نقصانه، أو اختلاف حركة بناء الكلمة أو إعرابها، أو اختلاف في تفخيم الصوت أو ترقيقه، أو نحو ذلك (٤). ولم يحظ أي قول من هذه الأقوال، أو غيرها مما قاله بعض العلماء في تفسير الأحرف السبعة، بما يمكن أن يرجحه على غيره أو يحمل على القطع بصحته، لكن العلماء بعد ذلك مجمعون على أن تلك الرخصة كانت في وقت معين، قال الطحاوي (ت ٣١٠ هـ (: إن تلك السبعة إنما كانت في وقت خاص، لضرورة دعت إلى ذلك» (٥). أما الأجيال اللاحقة فليس لها إلا اتباع القراءة المأثورة عن الصحابة التي تناقلتها الأمة عبر العصور (٦). ولم تكن تلك الرخصة مطلقة حتى في زمن الصحابة فقد نص العلماء على «أن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، بأن يغير كل أحد الكلمة بمرادفها في

стр. 108

لغته، بل المرعي في ذلك السماع من النبي ﷺ » (١). قال الداني: «وهذه القراءات كلها والأوجه بأسرها من اللغات هي التي أنزل القرآن عليها، وقرأ بها رسول الله ﷺ ، وأقرأ بها وأباح الله تعالى لنبيه القراءة بجميعها وصوّب الرسول ﷺ من قرأ ببعضها» (٢). فأصل القراءات القرآنية يرجع- إذن- إلى رخصة الأحرف السبعة التي يسّر الله تعالى بها على الصحابة في قراءاتهم للقرآن، فكل القراءات القرآنية ترجع إلى قراءات الصحابة، وكان رسول الله ﷺ قد علّم الصحابة القرآن، وسمع منهم قراءتهم وأقر لهم اختلافهم في النطق، كما جاء في عدد من روايات حديث الأحرف السبعة، وكما ورد في رواية أبي العالية الرياحي (رفيع بن مهران ت ٩٢ هـ) التي نقلها الطبري، وقال فيها: «قرأ على رسول الله ﷺ من كلّ خمس رجل، فاختلفوا في اللغة، فرضي قراءاتهم كلهم» (٣). وروي عن معاذ بن جبل أنه قال: عرضنا على رسول الله ﷺ فلم يعب أحدا منا (٤). وكان ﷺ يقول للصحابة: «اقرءوا كما علّمتم» وينهاهم عن الجدال في القرآن وقراءته (٥). المبحث الرابع نشأة مدارس القراءة أولا- قراءة القرآن في عصر النبوة: إن هدف النبوات والرسالات هو هداية الناس وتعليمهم، وكان رسول الله ﷺ خاتم النبيين، ورسالته خاتمة الرسالات الإلهية، وكان إيصال هذه الرسالة

стр. 109

إلى الناس يستلزم التبليغ والتعليم، وقد قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ... (٢) [الجمعة]، وقال سبحانه: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ (٤٥) [العنكبوت]، وقال عزّ من قائل: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء]. وقال رسول الله ﷺ : «إنما بعثت معلّما» (١). فكان رسول الله ﷺ معلّم هذه الأمة الأوّل، علّمها القرآن وتلاوته، وبيّن لها الأحكام والسنن والآداب. وكانت قراءة القرآن أول شيء يأمر به رسول الله ﷺ كلّ من يدخل في الإسلام، قال علم الدين السخاوي: «كان ﷺ إذا أسلم الرجل يأمره بقراءة القرآن قبل كل شيء» (٢). وكان يتولى تعليم أصحابه ما ينزل عليه من الوحي، ويتدارس معهم ما نزل من القرآن، ويعلّم من يدخل في الدين القرآن والفرائض، وكانت البيوت في أول عهد الدعوة أماكن للتعليم، وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي في مكة مركزا للدعوة وتعليم الصحابة القرآن (٣). وازدادت الحاجة إلى تعليم القرآن بانتشار الإسلام وصار رسول الله ﷺ لا يجد ما يكفي من الوقت لتعليم كل من يدخل في الدين، لا سيما أهل القرى والبوادي خارج المدينة المنورة، فكان يكل تعليم القرآن إلى عدد من أصحابه الذين تميزوا بحفظ القرآن وضبط قراءته، وكان يرسل المعلمين إلى من نأى عنه من المسلمين، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل رجل في الإسلام قال: «فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعلّموه القرآن» (٤). وقال عبادة بن الصامت، وكان أحد علماء الصحابة بالقرآن: «كان رسول الله ﷺ يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر على

стр. 110

رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منا يعلّمه القرآن، فدفع إليّ رسول الله ﷺ رجلا، وكان معي في البيت، أعشّيه عشاء أهل البيت، فكنت أقرئه القرآن» (١). وكان أبي بن كعب أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله، روي عن النبي ﷺ أنه قال: أقرأ أمتي أبيّ (٢). فلما قدمت وفود العرب إلى المدينة بعد فتح مكة، كان أبي بن كعب يعلّمهم القرآن، وممن ذكرت الروايات أنهم تعلموا القرآن من أبي وفد أهل البحرين، ووفد بني حنيفة، ووفد قبيلة غامد (٣). أما المعلمون الذين بعث بهم رسول الله ﷺ لتعليم القرآن، فكان أوّلهم مصعب بن عمير الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية، يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وكان يدعى القارئ والمقرئ (٤). وكان معاذ بن جبل الأنصاري أحد فقهاء الصحابة وعلمائهم بالقرآن، وقد ذكر ابن سعد أن رسول الله ﷺ خلّف معاذ بن جبل بمكة بعد الفتح، حين توجه إلى الطائف، يفقه أهل مكة ويقرئهم القرآن (٥). وبعد دخول أهل اليمن في الإسلام بعثه رسول الله ﷺ إلى هناك، يعلّم القرآن وشرائع الإسلام، كما بعث إلى بعض أنحاء اليمن الأخرى أبا موسى الأشعري للغاية ذاتها (٦). وبذلك اشتهر عدد من الصحابة في عصر النبوة بحفظ القرآن وإجادة قراءته،

стр. 111

وكان رسول الله ﷺ يحث الصحابة على تعلم القرآن منهم، حيث قال: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب» (١). وقد ظل عدد منهم يؤدي دور معلم القرآن بعد عهد النبوة. ثانيا- قراءة القرآن في عصر الخلافة الراشدة: إن تعليم قراءة القرآن للمسلمين كان قد استأثر باهتمام كبير من لدن رسول الله ﷺ كما استأثر باهتمام الخلفاء الراشدين من بعده، ويحدثنا التاريخ عن وقائع كثيرة تعكس جانبا من ذلك الاهتمام، وقد مرّ الحديث عن جمع القرآن في الصحف بعد أن استمر القتل بقراء القرآن في معركة اليمامة في خلافة الصديق، ﵁. وفي خلافة عمر بن الخطاب تضاعفت الحاجة إلى تعليم القرآن الكريم، بعد حركة الفتوح الواسعة، وكان عمر، ﵁، قد عمل على تحقيق متطلبات المسلمين في الأمصار الجديدة، حيث جعل من ولاة الأمصار معلمين للناس، فقال في إحدى خطبه: «اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم ليعلّموا الناس دينهم وسنة نبيّهم» (٢). وكان قد أرسل أبا موسى الأشعري واليا على البصرة (٣)، فكان يعلم الناس هناك القرآن (٤). وبعث عمر إلى الكوفة عبد الله بن مسعود مع عمار بن ياسر، وكتب إليهم: «إني قد بعثت إليكم بعمار بن ياسر أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر، فاقتدوا بهما، واسمعوا

стр. 112

من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي» (١). فكان عبد الله بن مسعود يعلّم القرآن في المسجد، قال تلميذه مسروق بن الأجدع: «كان عبد الله يقرئنا في المسجد، ثم نجلس بعده نثبت الناس» (٢). وقال ابن مجاهد: «وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين من أهلها قراءة عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، لأنه الذي بعث به إليهم عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، ليعلمهم» (٣). وكان ولاة الأمصار قد أولوا هذا الأمر اهتمامهم، فبعد فتح بلاد الشام كتب يزيد بن أبي سفيان والي الشام رسالة إلى عمر بن الخطاب جاء فيها: إن أهل الشام قد كثروا وملئوا المدائن، واحتاجوا من يعلّمهم القرآن ويفقههم، فأعنّي يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فدعا عمر أولئك الخمسة (معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب)، فقال لهم: إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلّمهم القرآن ويفقههم في الدين، فأعينوني، رحمكم الله، بثلاثة منكم، إن أجبتم فاستهموا، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم، هذا شيخ كبير لأبي أيوب، وأما هذا فسقيم لأبي بن كعب، فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر: ابدءوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن، فإذا رأيتم ذلك فوجّهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق والآخر إلى فلسطين. وقدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق ومعاذ إلى فلسطين، وأما معاذ فمات عام طاعون عمواس (سنة ١٨ هـ)، وأما عبادة فصار بعد إلى فلسطين

стр. 113

فمات بها (سنة ٣٤ هـ)، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات (سنة ٣٢ هـ)، ﵃ (١). وفي خلافة عثمان، ﵁، تم نسخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار، فتوحدت المصاحف التي يقرأ فيها المسلمون جميعا، ورافق إرسال المصاحف تعيين معلمين للقراءة في تلك المصاحف، وقد روى الجعبري أن عثمان، ﵁، أمر زيد بن ثابت (ت ٤٥ هـ) أن يقرأ في المصحف المدني، وبعث عبد الله بن السائب (ت في حدود ٧٠ هـ) مع المصحف المكي، والمغيرة بن [أبي] شهاب (ت ٩١ هـ) مع المصحف الشامي، وأبا عبد الرحمن (ت ٧٣ هـ) مع المصحف الكوفي، وعامر بن عبد قيس (ت ٥٥ هـ) مع المصحف البصري (٢). وكانت جهود الصحابة الأوائل الذين تصدوا لتعليم القرآن، وجهود من سار على نهجهم من الصحابة والتابعين، قد حققت أكبر حملة عرفتها البشرية لتعليم القراءة، فصار يلهج بالقرآن ملايين الناس آناء الليل وأطراف النهار، وكانت تلك الجهود قد أرست أسس مدارس القراءة في الأمصار الإسلامية، خاصة المدن الخمس الكبيرة: مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام (دمشق)، حيث واصل تلامذة الصحابة من التابعين ومن جاء بعدهم من تابعي التابعين عملهم في تعليم قراءة القرآن الكريم. ثالثا- بروز ملامح مدارس القراءة: وبرزت في عصر الصحابة والتابعين بصورة واضحة معالم مدارس الإقراء في الأمصار الإسلامية، وترسخت آداب تعلم القرآن وقراءته، وقد كانت ظروف الدعوة في عصر النبوة تقتضي السرعة في الحركة واستغلال كل الإمكانات، فكان

стр. 114

علماء الصحابة يعلّمون في البيوت إضافة إلى المسجد، وكان الواحد يتنقل من بلد إلى آخر كما فعل معاذ بن جبل حيث خرج من المدينة، وعلّم في مكة، وذهب إلى اليمن، ثم رجع إلى المدينة ليخرج بعدها إلى الشام. لكن تعليم القراءة بعد عصر النبوة صار يأخذ شكل التعليم المنظم، في المكان والطريقة، وصار المعلمون أكثر استقرارا، على نحو يجعل من كل واحد منهم مدرسة لها تميزها وأثرها بعد ذلك في رواية القراءات وتعليمها. فكان أبو الدرداء، قاضي دمشق وسيد القراء فيها، يجعل الناس حين يجتمعون عليه بعد صلاة الغداة للقراءة عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريف أو ملقن، حتى بلغ الذين يقرءون القرآن عنده أزيد من ألف رجل، وهو يقف في المحراب يرمقهم ببصره، وقد يطوف عليهم قائما، فإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء يعرض عليه، وكان عبد الله بن عامر عريفا على عشرة، فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر (١). وكان أبو الدرداء هو الذي سنّ الحلق للقراءة (٢). وكان أبو موسى الأشعري يعلّم الناس القرآن في مسجد البصرة وكان يجلسون إليه حلقا حلقا (٣)، وكان يعلّم القرآن خمس آيات خمس آيات (٤). وجاء أبو عبد الرحمن السلمي إلى الكوفة مع المصحف الذي أرسله عثمان إلى أهلها، فجلس في المسجد الأعظم فيها لتعليم الناس القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة (٥). فكان يقرئهم عشرين آية بالغداة وعشرين آية بالعشي، ويخبرهم بموضع العشور والخموس، وكان يقرأ خمس آيات خمس آيات (٦).

стр. 115

وكان أبو عبد الرحمن يبدأ بأهل السوق لئلا يحتسبوا عن معايشهم (١)، واقتدى به عاصم في ذلك (٢). ولكن حمزة كان يقدّم الفقهاء من طلبة العلم (٣). ولا شك في أن عدد الذين قرءوا القرآن من التابعين على علماء الصحابة كبير جدا، لا يأتي عليهم الحصر، لكن الذين تخصصوا بالقراءة من ذلك العدد الكبير، وخلفوا الصحابة في تعليم القرآن، كانوا معدودين، فقد اشتهر منهم في كل مصر جماعة، تصدروا للإقراء، فعلّموا تابعي التابعين قراءة القرآن، ثم خلفهم تلامذتهم من تابعي التابعين الذين كان من بينهم القراء السبعة المشهورون الذين سنتحدث عنهم وعن قراءاتهم في المبحث الآتي، إن شاء الله تعالى. المبحث الخامس القراء السبعة وأصول قراءتهم كانت الأمصار الخمسة: مكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، والشام (دمشق)، هي المراكز العلمية التي نبتت فيها العلوم الإسلامية في عصر الصحابة والتابعين. وكان علماء القراءة من التابعين قد خلفوا الصحابة في تعليم الناس القرآن في تلك الأمصار، وما عداها من البلدان التي استنارت بنور الدعوة الجديدة، وواصل تلامذتهم الاضطلاع بواجب التعليم الذي لم ينقطع عبر أجيال الأمة، لأن القراءة سنّة يأخذها الآخر عن الأول. وأخذت القراءات القرآنية تتحدد معالمها في عصر التابعين وتابعيهم، وتتشكل اتجاهاتها الرئيسية، مستمدة مادتها من قراءات الصحابة الذين تشرفوا بصحبة النبي ﷺ وتلقي القرآن منه، والذين خصهم الله تعالى برخصة التيسير في القراءة.

стр. 116

وكانت القراءات في القرن الأول تنسب إلى عدد من الصحابة، أو إلى المدن التي كانوا يسكنونها، فيقال: قراءة عبد الله بن مسعود أو قراءة أهل الكوفة، ويقال: قراءة زيد بن ثابت أو قراءة أهل المدينة، وهكذا في القراءات الأخرى، لكن القراءات صارت تنسب بعد عصر الصحابة إلى علماء القراءة من التابعين وتابعيهم، ليس لأنهم تركوا قراءات الصحابة وابتدعوا قراءات جديدة، بل لأن القارئ من التابعين أو من تابعيهم صار يدرس القراءات القرآنية في الأمصار ثم يختار من مجموع ما درسه قراءة يقرأ بها ويعلّمها، وعناصرها مستمدة من قراءات الصحابة، وإن صارت تنسب إلى القارئ الذي اختارها، وكان القراء السبعة من بين عدد من قراء التابعين وتابعي التابعين الذين اختار كل واحد منهم قراءة نسبت إليه، مستمدا مادتها من القراءات التي تلقّاها عن شيوخه. وسوف نعرض هذا الموضوع في فقرتين: الأولى عن الاختيار في القراءة، والثانية عن القراء السبعة. أولا- الاختيار في القراءة: إن الاستجابة لحاجات المجتمع الإسلامي في عصر الصحابة والتابعين كانت تقتضي السرعة في إنجاز الأعمال وتثبيتها في الواقع العلمي من غير أن يتطلب ذلك تدوينها في شكل دراسات نظرية، أو توثيقها بعد ذلك في سجلات تاريخية، ومن ثم فإن الحديث عن القراءات القرآنية في تلك الحقبة وتطورها قد لا يغطي كل تفصيلات ما قام به علماء القراءة آنذاك في كل الأمصار، ولذلك سوف أركز على تتبع الموضوع في المدينة والكوفة اللتين كانتا أكثر الأمصار الخمسة نشاطا علميا في ذلك الوقت، مع الإشارة إلى بعض الروايات الأخرى الموضحة للموضوع. كانت المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية الأولى، وكانت قراءة القرآن فيها تعرف بقراءة العامّة (١)، وقراءة الجماعة (٢)، وقد تعرف بقراءة زيد بن

стр. 117

ثابت (١)، لأنه كان معلّم أهل المدينة. ونقل أبو شامة عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: «كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرءون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله ﷺ على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان علي، ﵁، طول أيامه يقرأ في مصحف عثمان، ويتخذه إماما» (٢). وكانت إلى جانب قراءة الجماعة قراءات أخرى، تنسب إلى بعض الصحابة، ولكن بعد أن أرسلت المصاحف في خلافة عثمان إلى الأمصار «قرأ أهل كل مصر من قراءاتهم التي كانوا عليها بما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم ما خالف خط المصحف» (٣). وكانت قراءة عبد الله بن مسعود، أو قراءة أهل الكوفة الأولى أشهر القراءات بعد قراءة الجماعة. قال ابن مجاهد: «وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين من أهلها قراءة عبد الله بن مسعود، ﵁، لأنه الذي بعث به إليهم عمر ابن الخطاب، ﵁، ليعلّمهم، فأخذت عنه قراءته قبل أن يجمع عثمان، ﵁، الناس على حرف واحد، ثم لم تزل في صحابته من بعده يأخذها الناس عنهم، كعلقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزرّ بن حبيش، وأبي وائل، وأبي عمرو الشيباني، وعبيدة السلماني وغيرهم ... «فلم تزل قراءة عبد الله بالكوفة لا يعرف الناس غيرها، وأول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان، ﵁، الناس عليها أبو عبد الرحمن السلمي، واسمه عبد الله بن حبيب، فجلس في المسجد الأعظم، ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة» (٤).

стр. 118

وانتشرت قراءة أهل المدينة في الكوفة، لا سيما بعد انتقال الإمام علي، ﵁، إليها، لكن أهل الكوفة لم يتركوا قراءة ابن مسعود دفعة واحدة، فقد ظلوا متمسكين بما يوافق خط المصحف منها، حتى كان سعيد بن جبير (ت ٩٥ هـ) يؤمّ الناس في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت (١)، لكن معالم قراءة ابن مسعود كانت في طريقها إلى الاضمحلال، فقد قال سليمان بن مهران الأعمش (ت ١٤٨ هـ): «أدركت الكوفة وما قراءة زيد فيهم إلا كقراءة عبد الله فيكم اليوم، ما يقرأها إلا الرجل والرجلان» (٢). وإذا كنا نلاحظ أن قراءة ابن مسعود قد أخذت تختفي معالمها في أوائل القرن الثاني الهجري، فإن عناصر من تلك القراءة كانت قد دخلت في عدد من قراءات القراء المشهورين، خاصة ما يوافق خط المصحف منها، وهي تشكل أحد مصادر قراءة عاصم (ت ١٢٨ هـ) الذي قال: «ما أقرأني أحد حرفا إلا أبو عبد الرحمن السلمي، وكان أبو عبد الرحمن قد قرأ على علي، ﵁، وكنت أرجع من عند أبي عبد الرحمن فأعرض على زر بن حبيش، وكان زر قد قرأ على عبد الله» (٣). فكانت قراءة عاصم إذن مختارة من قراءات شيوخه من التابعين. وقد عرفت ظاهرة تأليف القراءة على ذلك النحو بظاهرة الاختيار، فكان أئمة الإقراء في القرون الأولى يختارون قراءة من مجموع القراءات التي يروونها عن شيوخهم، ويعلّمون بها تلامذتهم. وهذه الظاهرة قديمة ترجع جذورها إلى عصر الصحابة، فقد ذكر ابن الجزري أن ابن عباس «كان يقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت، إلا ثمانية عشر حرفا أخذها من قراءة ابن مسعود» (٤).

стр. 119

وتسمية القراءة القرآنية باسم القارئ ليس مبنيا على أساس أنه اخترع تلك القراءة بل لأنه اختارها ودوام عليها وعلّمها، قال الدانيّ: «إن معنى إضافة ما أنزل الله تعالى إلى من أضيف إليه من الصحابة، كأبيّ وعبد الله وزيد وغيرهم، من قبل أنه كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراء به، وملازمة له وميلا إليه، لا غير ذلك. وكذا إضافة أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة، وآثره على غيره، ودوام عليه ولزمه، حتى اشتهر به، وعرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه، فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد» (١). وقد كان لمعظم علماء الإقراء في القرن الثاني الهجري اختيار في القراءة فكان نافع بن عبد الرحمن (ت ١٦٩ هـ) إمام أهل المدينة قد قال: «قرأت على سبعين من التابعين» (٢)، وقال: «فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته وما شذّ فيه واحد تركته، حتى ألّفت هذه القراءة في هذه الحروف» (٣). وكان علي بن حمزة الكسائي (ت ١٨٩ هـ) «قد قرأ على حمزة ونظر في وجوه القراءات، وكانت العربية علمه وصناعته، واختار من قراءة حمزة وقراءة غيره قراءة متوسطة، غير خارجة عن آثار من تقدم من الأئمة، وكان إمام الناس في القراءة في عصره» (٤). وقال ابن النديم: «وكان الكسائي من قراء مدينة السلام، وكان أولا يقرئ بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه قراءة، فأقرأ بها الناس في خلافة هارون» (٥).

стр. 120

وصارت كلمة (اختيار) تساوي كلمة (قراءة)، فإذا قيل: اختيار حمزة فإنما ذلك يعني قراءته، لكن قراءات الصحابة لم تستخدم فيها كلمة اختيار، فكان يقال دائما قراءة ابن مسعود، وقراءة زيد وهكذا. وذكر ابن الجزري في كتابه (غاية النهاية في طبقات القراء) عشرات من اختيارات القراء، منها من غير اختيارات القراء السبعة اختيار خلف بن هشام (١)، واختيار يحيى بن مبارك اليزيدي (٢)، واختيار أبي حاتم السجستاني (٣)، واختيار أبي عبيد القاسم بن سلام (٤). وذكر لبعض القراء اختيارين مثل محمد بن عيسى الأصبهاني (٥). ولم تستمر ظاهرة الاختيار إلى أبعد من القرن الثالث، فقد ذكر الذهبي أنه «سأل رجل ابن مجاهد: لم لا يختار الشيخ حرفا يحمل عليه؟ فقال: نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا، أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا» (٦). وإذا كانت ظاهرة الاختيار في القراءة قد توقفت عند عصر ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) فإنها أدت إلى ظهور عدد من القراءات التي صارت تنسب إلى علماء القراءة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري خاصة. كما أنها أدت إلى اختفاء قراءات الصحابة مثل قراءة زيد أو قراءة عبد الله، أو ما كان يعرف بقراءة أهل المدينة أو قراءة أهل الكوفة، لأن عناصر هذه القراءات قد دخلت في اختيارات القراء مختلطة بعضها ببعض، وأوضح مثال على ذلك قراءة عاصم الذي جمعت قراءته عناصر من قراءة زيد بن ثابت عن طريق أبي عبد الرحمن السلمي، وعناصر

стр. 121

من قراءة ابن مسعود عن طريق زر بن حبيش، فكانت ظاهرة الاختيار سبب اختفاء تلك القراءات بصورتها الأولى، وظهورها في قراءات القراء من تابعي التابعين. ثانيا- القراء السبعة: كان القرن الثاني الهجري عصر الاختيار في القراءة، وظهرت بسبب ذلك عشرات القراءات في الأمصار الإسلامية، وقد عمل علماء القراءة على جمع تلك القراءات في مؤلفاتهم، وقد أحصى أحد الباحثين قريبا من تسعين كتابا أو رسالة أو نسخة في القراءات القرآنية من بدء عصر التأليف حتى عصر ابن مجاهد المتوفى سنة ٣٢٤ هـ (١). ولكن تلك المؤلفات لم يبق منها إلا أسماؤها أو إشارات مختصرة إليها، وأقدم كتاب في القراءات وصل إلينا هو كتاب السبعة في القراءات لأبي مجاهد الذي كان له أثر كبير في رواية القراءات ودراستها. ومن الإشارات المفيدة التي تخص المؤلفات القديمة في القراءات التي سبقت عصر ابن مجاهد ما ذكره ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) عن مناهج عدد من تلك المؤلفات وما ذكر فيها من القراء وقراءاتهم، حيث قال: «فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم بن سلّام، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السبعة، وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين. وكان بعده أحمد بن جبير بن محمد الكوفي، نزيل أنطاكية جمع كتابا في قراءات الخمسة من كل مصر واحد، وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائتين. وكان بعده القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي، صاحب قالون، ألّف كتابا في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماما منهم هؤلاء السبعة، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين.

стр. 122

وكان بعده الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جمع كتابا حافلا سماه الجامع، فيه نيّف وعشرون قراءة (١)، توفي سنة عشر وثلاث مائة» (٢). وليس في أيدي الدارسين اليوم تحديد لأسماء أولئك القراء الذين ضمت تلك المؤلفات قراءاتهم، لكن قطعة من كتاب القراءات لأبي عبيد نجت من التلف يمكن أن تكشف لنا عددا من تلك الأسماء، فقد نقل علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ) في كتابه (جمال القراء) نصا طويلا من كتاب القراءات لأبي عبيد، من المحتمل أن يكون جزءا من مقدمة ذلك الكتاب، وجاء فيه ذكر لأسماء القراء من الصحابة ثم التابعين في الأمصار الخمسة، ثم قال أبو عبيد بعد ذلك: «فهؤلاء الذين سميناهم من الصحابة والتابعين هم الذين يحكى عنهم عظم القراءة، وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث. قال: ثم قام من بعدهم بالقرآن قوم ليست لهم أسنان من ذكرنا ولا قدمتهم، غير أنهم تجردوا للقراءة، واشتدت بها عنايتهم ولها طلبهم، حتى صاروا بذلك أئمة يأخذها الناس عنهم ويقتدون بهم فيها، وهم خمسة عشر رجلا من هذه الأمصار المسماة، في كل مصر منهم ثلاثة رجال: فكان من قراء المدينة: ١ - أبو جعفر القارئ، واسمه يزيد بن القعقاع [ت ١٣٠ هـ] (٣) مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي. ٢ - وشيبة بن نصاح [ت ١٣٠ هـ على خلاف]، مولى أم سلمة زوج النبي ﷺ . ٣ - ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم [ت ١٦٩ هـ].

стр. 123

وكان أقدم هؤلاء الثلاثة أبو جعفر، قد كان يقرئ الناس بالمدينة قبل وقعة الحرّة [سنة ٦٣ هـ]، حدثنا ذلك اسماعيل بن جعفر عنه، ثم كان بعده شيبة على مثل منهاجه ومذهبه، ثم ثلثهما نافع بن أبي نعيم، وإليه صارت قراءة أهل المدينة، وبها تمسكوا إلى اليوم، فهؤلاء قراء أهل الحجاز في دهرهم. وكان من قراء مكة: ١ - عبد الله بن كثير [ت ١٢٠ هـ]. ٢ - وحميد بن قيس الذي يقال له الأعرج [ت ١٣٠ هـ]. ٣ - ومحمد بن محيصن [ت ١٢٣ هـ]. وكان أقدم هؤلاء الثلاثة ابن كثير، وإليه صارت قراءة أهل مكة، وأكثرهم به اقتدوا فيها. وكان حميد بن قيس قرأ على مجاهد قراءته فكان يتبعها لا يكاد يعدوها إلى غيرها، وكان ابن محيصن أعلمهم بالعربية وأقواهم عليها، فهؤلاء قراء أهل لمكة في زمانهم. وكان من قراء الكوفة: ١ - يحيى بن وثاب [ت ١٠٣ هـ]. ٢ - وعاصم بن أبي النّجود [ت ١٢٨ هـ]. ٣ - والأعمش [ت ١٤٨ هـ]. وكان أقدم هؤلاء الثلاثة وأعلاهم يحيى، يقال: إنه قرأ على عبيد بن نضلة صاحب عبد الله، ثم تبعه عاصم، وكان أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش ثم كان الأعمش فكان إمام الكوفة المقدم في زمانه عليهم، حتى بلغ إلى أن قرأ عليه طلحة بن مصرف، وكان أقدم من الأعمش. فهؤلاء الثلاثة رؤساء الكوفة في القراءة، ثم تلاهم: ٤ - حمزة بن حبيب الزيات [ت ١٥٦ هـ] رابعا، وهو الذي صار عظم أهل الكوفة

стр. 124

إلى قراءته، من غير أن تطبق عليه جماعتهم، وكان ممن اتبع حمزة في قراءته سليم بن عيسى ومن وافقه. وكان ممن فارقه أبو بكر بن عياش فإنه اتبع عاصما ومن وافقه. ٥ - وأما الكسائي [ت ١٨٩ هـ] فإنه كان يتخير القراءات، فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا. فهؤلاء قراء أهل الكوفة. وكان من قراء أهل البصرة: ١ - عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي [ت ١١٧ هـ]. ٢ - وأبو عمرو بن العلاء [ت ١٥٤ هـ]. ٣ - وعيسى بن عمر الثقفي [ت ١٤٩ هـ]. وكان أقدم الثلاثة ابن أبي إسحاق، وكانت قراءته مأخوذة عن يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم. وكان عيسى بن عمر عالما بالنحو، غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذهب العربية يفارق قراءة العامة، ويستنكرها الناس، وكان الغالب عليه حب النصب ما وجد إلى ذلك سبيلا، منه قوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) [المسد]، والزَّانِيَةُ وَالزَّانِي (٢) [النور]، ووَ السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ (٣٨) [المائدة]، وكذلك قوله: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ (٧٨) [هود]. والذي صار إليه أهل البصرة في القراءة، فاتخذوه إماما أبو عمرو بن العلاء. فهؤلاء قراء أهل البصرة. ٤ - وقد كان لهم رابع، وهو عاصم الجحدري [ت ١٢٨ هـ] لم يرو عنه في الكثرة ما روي عن هؤلاء الثلاثة. وكان من قراء أهل الشام: ١ - عبد الله بن عامر اليحصبي [ت ١١٨ هـ]. ٢ - ويحيى بن الحارث الذماري [ت ١٤٥ هـ].

стр. 125

٣ - وثالث قد سمي لي بالشام، ونسيت اسمه (١). فكان أقدم هؤلاء الثلاثة عبد الله بن عامر، وهو إمام أهل دمشق في دهره، وإليه صارت قراءتهم، ثم اتبعه يحيى بن الحارث، وخلفه في القراءة وقام مقامه. وقد ذكروا الثالث بصفة لا أحفظها. فهؤلاء قراء أهل الأمصار الذين كانوا بعد التابعين» (٢). ثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا، وتفرقوا في البلاد، وانتشروا، وخلفهم أمم بعد أمم، عرفت طبقاتهم واختلفت صفاتهم، فمنهم المحكم للتلاوة المعروف بالرواية والدراية، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف (٣)، فلما كان العصر الرابع سنة ثلاث مائة وما قاربها كان أبو بكر بن مجاهد، ﵀، قد انتهت إليه الرئاسة في علم القراءة، وتقدم في ذلك على أهل ذلك العصر، اختار من القراءة ما وافق خط المصحف، ومن القراء بها من اشتهرت قراءته، وفاقت معرفته، وتقدّم أهل زمانه في الدين والأمانة والمعرفة والصيانة، واختاره أهل عصره في هذا الشأن، وأطبقوا على قراءته، ز وقصد من سائر الأقطار، وطالت ممارسته للقراءة والإقراء، وخصّ في ذلك بطول البقاء ... فاختار هؤلاء القراء السبعة أئمة الأمصار، فكان أبو بكر، ﵀، أول من اقتصر على هؤلاء السبعة، وصنّف كتابه في قراءتهم، واتبعه الناس على ذلك (٤). قال ابن مجاهد في مقدمة كتاب السبعة: «فهؤلاء سبعة نفر من أهل الحجاز

стр. 126

والعراق والشام، خلفوا في القراءة التابعين، وأجمعت على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار التي سمّيت وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار» (١). والقراء السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد وأورد قراءتهم في كتابه (السبعة) هم: ١ - أبو عبد الرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم (ت ١٦٩ هـ) قارئ أهل المدينة. ٢ - عبد الله بن كثير (ت ١٢٠ هـ) قارئ أهل مكة. ٣ - أبو بكر عاصم بن أبي النجود (ت ١٢٨ هـ) قارئ أهل الكوفة. ٤ - حمزة بن حبيب الزيات (ت ١٥٦ هـ) من الكوفة أيضا. ٥ - علي بن حمزة الكسائي (ت ١٨٩ هـ) نشأ بالكوفة ثم انتقل إلى بغداد، وتوفي في قرية من قرى الري. ٦ - أبو عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ) قارئ أهل البصرة. ٧ - عبد الله بن عامر اليحصبي (ت ١١٨ هـ) قارئ أهل الشام. وكان لعمل ابن مجاهد هذا تأثير كبير على دراسة القراءات وروايتها، فصارت أكثر كتب القراءات تؤلف في وصف القراءات السبع، وقد رسّخ ابن مجاهد اتجاها جديدا في النظر إلى القراءات حين ألّف كتابا آخر جمع فيه (شواذ القراءة) (٢)، فأحدث ذلك شعورا بأن ما عدا القراءات السبع يعد شاذّا (٣). لكن بعض المؤلفين الذين جاءوا بعد ابن مجاهد ألحق بالسبعة ثلاثة من القراء هم: ١ - أبو جعفر القارئ (ت ١٣٠ هـ) المدني شيخ نافع.

стр. 127

٢ - يعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت ٢٠٥ هـ) تلميذ أبي عمرو بن العلاء. ٣ - خلف بن هشام (ت ٢٢٩ هـ) أخذ القراءة عن تلامذة حمزة. فظهر مصطلح القراءات العشر. وظهر عدد من الكتب في وصف هذه القراءات. ولعل أشهر الكتب المؤلفة في القراءات السبع في زماننا كتاب (السبعة في القراءات) لأبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ)، وكتاب (التيسير في القراءات السبع) لأبي عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ)، الذي نظمه أبو محمد القاسم بن فيرة الشاطبي (ت ٥٩٠ هـ) في منظومته اللامية الشهيرة المسماة (حرز الأماني ووجه التهاني) التي شرحت شروحا كثيرة (١). ومن أشهر الكتب المؤلفة في القراءات العشر كتاب (النشر في القراءات العشر) لابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ)، وألف الشيخ أحمد بن محمد الدمياطي الشهير بالبناء (ت ١١١٧ هـ) كتابه (اتحاف فضلاء البشر بقراءات الأربعة عشر) ذكر فيه قراءات الأئمة العشرة إضافة إلى قراءة محمد بن محيصن (ت ١٢٣ هـ) ويحيى بن المبارك اليزيدي (ت ٢٠٢ هـ) والحسن البصري (ت ١١٠ هـ) وسليمان بن مهران الأعمش (ت ١٤٨ هـ). ومن المناسب الإشارة هنا إلى أن القراءات السبع لا تعني الأحرف السبعة الواردة في حديث رسول الله ﷺ : «إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه»، فهذا الحديث يشير إلى الرخصة في القراءة التي أذن بها رسول الله ﷺ للصحابة في زمانه، أما القراءات السبع فهي اختيارات سبعة من علماء القراءة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري والذين أفرد ابن مجاهد قراءاتهم في كتاب مستقل، وهذه القراءات وغيرها هي النتيجة العملية لرخصة الأحرف السبعة. وقال مكي بن أبي طالب: «فأما من ظن أن قراءة كل واحد من هؤلاء القراء

стр. 128

كنافع وعاصم وأبي عمرو، أحد الحروف السبعة التي نص النبي ﷺ عليها، فذلك منه غلط عظيم» (١). وكان بعض العلماء قد كره اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء، وقال لو اقتصر على دون هذا العدد أو زاد عليه، حتى لا يظنّ أن المقصود بهذه القراءات الحروف السبعة (٢). فالقراءات السبع إذن هي قراءات سبعة من علماء القراءة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري، وكان ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) أول من سبّع السبعة (٣)، أي أنه أول ميّزهم وأفرد قراءاتهم في كتاب مستقل، وكانوا قد أخذوا قراءاتهم عن علماء القراءة من التابعين الذين تلقوها عن الصحابة، ﵃، وكان علماء القراءة يستندون إلى ضوابط وشروط يرجعون إليها في تمييز القراءة الصحيحة المقبولة مثل القراءات السبع، والقراءات الشاذة التي لا تجوز القراءة بها، وهو ما سنحاول توضيحه في المبحث الآتي إن شاء الله. المبحث السادس القراءة الصحيحة والقراءة الشاذة إن القراءات القرآنية التي تلقاها التابعون عن الصحابة، ﵃، كانت موضع عناية علماء القراءة من تابعي التابعين، الذين اختار كل واحد منهم قراءة من مجموع ما تلقاه عن شيوخه من القراءات المروية، على نحو ما بيّنا في المباحث السابقة، وانتشرت في كل مصر من الأمصار الإسلامية قراءة من تلك القراءات، وكان ما قام به ابن مجاهد من اختياره سبع قراءات مشهورة وتضمينها

стр. 129

في كتابه (السبعة) وإدراج ما عداها في كتاب (شواذ القراءة) - قد رسّخ فكرة تقسيم القراءات إلى صحيحة وشاذة، وكان هذا التقسيم يستند إلى أسس وضوابط كان علماء القراءة يستهدون بها وهم يروون القراءات أو يؤلفونها في الكتب. وهذا توضيح للمراد بالقراءة الصحيحة والشروط التي يجب أن تتوفر فيها، والمقصود بالقراءة الشاذة، ومتى تعد القراءة شاذة. أولا- القراءة الصحيحة: وهي القراءة التي تصح بها القراءة في المصحف ويقرأ بها القرآن في الصلاة، وقد أجمع العلماء على صحة القراءات السبع التي اختارها ابن مجاهد وتواترها (١)، لتوفر شروط الصحة فيها، تلك الشروط التي كان علماء القراءة يستندون إليها في تمييز القراءات منذ بدء عصر التأليف في هذا العلم. فهذا أبو عبيد القاسم بن سلّام (ت ٢٢٤ هـ)، وهو أول من ألّف كتابا جامعا في القراءات، يشير إلى شروط القراءة الصحيحة الثلاثة، كما نقل ذلك عنه أبو بكر الأنباري وهو يوضح رأيه في كيفية الوقف على هاء السكت في مثل قوله تعالى: (يتسنّه، واقتده، وحسابيه، وماهيه) يقول أبو عبيد: «الاختيار عندي في هذا الباب كله الوقوف عليها بالهاء، بالتعمد لذلك، لأنها إن أدرجت في القراءة مع إثبات الهاء كان خروجا من كلام العرب، وإن حذفت في الوصل كان خلاف الكتاب، فإذا صار قارئها إلى السكت عندها على ثبوت الهاءات اجتمعت له المعاني الثلاثة: أن يكون مصيبا في العربية. وموافقا للخط. وغير خارج من قراءة القراء» (٢).

стр. 130

وقال مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ): «إن جميع ما روي من القراءات على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال، وهي: أن ينقل عن الثقات إلى النبي ﷺ . ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعا، ويكون موافقا لخط المصحف» (١). وقال ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ): «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها» (٢). وإليك بيانا موجزا لهذه الأركان أو الشروط الثلاثة: ١ - الرواية وصحة السند: المقصود بهذا الركن أن تكون القراءة مروية عن واحد أو أكثر من الصحابة الذين سمعوا من النبي ﷺ وقرءوا بين يديه (٣)، وهو أهم أركان القراءة الصحيحة (٤)، وكان السلف من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم يعبّرون عن هذا الركن بقولهم (القراءة سنّة)، فقد روى ابن مجاهد عن زيد بن ثابت أنه قال: «القراءة سنّة» وفي رواية أخرى: «القراءة سنة، فاقرءوه كما تجدونه»، وروى عن عروة بن الزبير أنه قال: «إن قراءة القرآن سنة من السنن، فاقرءوا كما أقرئتموه»، وعن عامر الشعبي أنه قال: «القراءة سنة، فاقرءوا كما قرأ أوّلوكم»،

стр. 131

وعن محمد بن المنكدر أنه قال: «القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول» (١). وقال أبو عمرو الداني: «والأخبار الواردة عن السلف والأئمة والعلماء في هذا المعنى كثيرة» (٢). وفي كتب القراءات وأخبار القراء أمثلة كثيرة وشواهد متعددة على أن القراءات منقولة نقلا وليس من اجتهاد القراء، فهذا أبو عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ) كان إمام أهل البصرة في اللغة والنحو، وهو أحد القراء السبعة، كان «لا يقرأ بما لم يتقدمه فيه أحد» وكان يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ به لقرأت حرف كذا وكذا، وحرف كذا وكذا» (٣). وحين سأله تلميذه أبو زيد اللغوي «أكلّ ما أخذته وقرأت به سمعته؟ قال: لو لم أسمعه لم أقرأ به، لأن القراءة سنة» (٤). وكان علماء اللغة والنحو والتفسير يرددون مع علماء القراءة أن القراءة سنة، فقال سيبويه: «إن القراءة لا تخالف لأنها السّنّة» (٥). وقال أبو علي النحوي: «وليس كل ما جاز في قياس العربية تسوغ التلاوة به، حتى ينضم إلى ذلك الأثر المستفيض بقراءة السلف له وأخذهم به، لأن القراءة سنة» (٦). وقال القسطلاني: «الإسناد أعظم مدارات هذا الفن، لأن القراءات سنة متبعة ونقل محض (٧). ولذلك لا بد في القراءة من المشافهة والسماع (٨). فلو

стр. 132

حفظ إنسان الشاطبية مثلا فليس له أن يقرئ بما فيها إن لم يشافهه من شوفه به، لأن في القراءات شيئا لا يحكم إلا بالسماع والمشافهة (١). وكل ما سبق يؤكد على أن القراءات لم تكن نتيجة اجتهاد القراء، بل هي مروية عن الصحابة الذين تلقوا القرآن عن رسول الله ﷺ يقول ابن الجزري: «إن من يزعم أن أئمة القراءة ينقلون حروف القرآن من غير تحقيق ولا بصيرة فقد ظن بهم ما هم منه مبرءون وعنه منزهون» (٢)، وقال أيضا: «نعوذ بالله من قراءة القرآن بالرأي والتشهي، وهل يحل لمسلم القراءة بما يجد في الكتابة من غير نقل؟» (٣). ٢ - موافقة خط المصحف: المقصود بخط المصحف هجاء الكلمات في المصاحف العثمانية، أي الحروف التي رسمت، وهو يمثل ألفاظ الوحي كما نطقها رسول الله ﷺ وأملاها على كتّاب الوحي، قال مكي: «فلما كتب عثمان المصاحف، ووجهها إلى الأمصار، وحملهم على ما فيها، وأمرهم بترك ما خالفها، قرأ أهل كل مصر مصحفهم الذي وجّه إليهم على ما كانوا يقرءون قبل وصول المصحف إليهم مما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم التي كانوا عليها مما يخالف خط المصحف» (٤). ولما كان خط المصاحف القديمة مجردا من علامات الحركات ومن نقاط الإعجام فقد ساعد ذلك على الاحتفاظ بقراءات الأمصار التي لا تقتضي تغيير رسم الكلمات، فثبت أهل كل مصر من الأمصار على ما تلقوه من قراءات موافقة للخط، وتركوا ما كان من القراءات خارجا عن خط المصاحف، مما كان مرخصا بقراءته برخصة الأحرف السبعة، قبل أن يجمع عثمان، ﵁،

стр. 133

الأمة على المصاحف التي أمر بانتساخها من الصحف التي جمع فيها القرآن في خلافة الصديق. وهكذا صارت موافقة القراءة لخط المصحف ركنا ثانيا من أركان القراءة الصحيحة، و «اجتمع القراء على ترك كل قراءة تخالف المصحف» (١). فالقراءات القرآنية المروية عن الصحابة نقلها عنهم التابعون، لكن ما كان مخالفا لخط المصحف صار يعدّ شاذا لا يقرأ به، قال الزجاج: «القراءة بخلاف ما في المصحف لا تجوز، لأن المصحف مجمع عليه، ولا يعارض الإجماع برواية لا يعلم كيف صحتها» (٢). وقد استخدم هذا الركن في الحكم على قراءة بكاملها، فقد قال ابن الجزري عن قراءة محمد بن محيصن المكي: «ولولا ما فيها من مخالفة المصحف لألحقت بالقراءات المشهورة» (٣). ويتضح أثر شرط موافقة القراءة لخط المصحف من موقف علماء القراءة مما أقدم عليه محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ (ت ٣٢٨ هـ) فقد «كان يرى جواز القراءة بما صح سنده، وإن خالف رسم المصحف» (٤). وكان قد ناهضه إمام القراءة في عصره ببغداد أبو بكر بن مجاهد بسبب قراءاته تلك، وعقد له الوزير ابن مقلة مجلسا بحضور ابن مجاهد وجماعة من العلماء والقضاة وكتب عليه فيه المحضر، واستتيب عن مذهبه بعد اعترافه به (٥). وأورد ابن النديم نص كتاب رجوع ابن شنبوذ عن مذهبه في القراءة بما خالف خط المصحف، وهو: «يقول محمد بن أحمد بن أيوب: قد كنت أقرأ

стр. 134

حروفا تخالف ما في مصحف عثمان المجمع عليه، والذي اتفق أصحاب رسول الله ﷺ على قراءته، ثم بان لي أن ذلك خطأ، وأنا منه تائب، وعنه مقلع، وإلى الله، جلّ اسمه، منه بريء، إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذي لا يجوز خلافه، ولا أن يقرأ بغير ما فيه» (١). ولم يكن خط المصحف القديم سببا لنشأة القراءات أو وجودها، كما حاول بعض المستشرقين ومن قلدهم أن يصوروا ذلك (٢)، لأن تعلم القرآن وقراءته كان يستند إلى التلقي الشفهي في عصر النبوة وما بعده، فكان «الاعتماد في نقل القرآن على حفظ المصاحف والكتب» (٣). وكان تعدد وجوه القراءة معروفا في زمن النبي ﷺ قبل وجود المصاحف، فكانت قراءة الصحابة متعددة بفضل رخصة الأحرف السبعة، وإلى جانب ذلك كله فإن من القراءات ما كان مخالفا لخط المصحف، ولو كان الخط سببا لوجود القراءات لانحصرت القراءات فيما يحتمله الخط. فلم يكن خط المصحف إذن سببا في وجود القراءات القرآنية أو اختلافها، ولكن الخط كان سببا في حفظ الاختلاف الموجود أصلا، لأن القراءة سنة متبعة (٤). وكان الخط حين عدّت موافقته شرطا في قبول القراءة مقياسا يمنع ما لا يدخل في نطاقه مما صح من الروايات، فالرسم لا ينشئ القراءة ولكنه يحكم عليها (٥). ولو كان خط المصاحف هو السبب في نشأة القراءات كما يزعم هؤلاء لوجب قبول كل قراءة احتملها خط المصحف، فما دامت القراءات هي اجتهاد القراء- بزعمهم- في قراءة المرسوم فإنه لا فضل للواحدة منها على الأخرى،

стр. 135

وفي قصة حماد الراوية (ت ١٥٥ هـ) (١)، الذي كان مشغولا برواية الشعر عن تعلم قراءة القرآن، فلما أراد أن يحفظ القرآن قرأه في الصحف، قال أبو أحمد العسكري: «روى الكوفيون أن حمادا الراوية كان حفظ القرآن من المصحف، فكان يصحّف نيفا وثلاثين حرفا» (٢). وقد تناقلت كتب التصحيف وغيرها أمثلة مما صحّفه حماد على سبيل التمثيل والحذير من الوقوع فيما وقع فيه، فمن ذلك أنه قرأ (٣): وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ (٦٨) [النحل] فصحفها إلى: النخل، بالخاء. وبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) [ص] صحفها إلى: غرة، بالراء. ولِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) [عبس] صحفها إلى: يعنيه بالعين. ويدل موقف العلماء من حماد الراوية أن القراءات الصحيحة التي اشتهر القراء السبعة وغيرهم ليست ناشئة عن الخط، وإلّا لكان حماد أحد القراء المشهورين، بدل أن كان مثالا لسوء التدبير وعدم اتباع منهج علماء القراءة بتعليم القرآن مشافهة من العلماء بالقراءة. وتعبر عن هذه القضية كلمة قالها الناس في الزمن الأول، وهي: «لا تأخذوا القرآن من مصحفيّ، ولا العلم عن صحفيّ» (٤). فالمصحفي هو «من لم يقرأ القرآن على القراء ويتعلم من ألفاظهم» (٥). وإنما اعتمد على القراءة في المصحف فقط، وأما الصحفي فهو الذي يروي العلم من الصحف فيخطئ في قراءة الصحف لاشتباه الحروف (٦).

стр. 136

٣ - موافقة العربية: كانت القراءات القرآنية موجودة قبل تدوين قواعد اللغة وظهور كتب النحو في القرن الثاني الهجري، فالقراءات ترجع إلى عصر النبوة حين تلقى الصحابة القرآن من رسول الله ﷺ وكانت شروط القراءة الصحيحة تقتصر على أن تكون مروية وموافقة لخط المصحف، ولكن بعد أن استقرت قواعد النحاة أضاف بعض العلماء شرطا ثالثا للقراءة الصحيحة، وهو أن تكون موافقة للعربية، ولا شك في أن هذا الشرط متحقق في القراءات القرآنية لكن عددا محدودا جدا من الكلمات التي قرأها بعض القراء قراءة لا توافق القواعد اللغوية العامة، وعدّها بعض النحاة شاذة مخالفة لقياس العربية. والذي أجمع عليه علماء القراءة وعلماء العربية هو أن القراءة لا تجوز بالقياس ولا بالاجتهاد، ولا بد فيها من صحة النقل أولا وموافقة خط المصحف ثانيا، لكن النحاة اشترطوا أن تكون القراءة موافقة للكثير من كلام العرب، ولا يكتفون بصحة الرواية، ومن ثم وصفوا بعض القراءات بالضعف أو الشذوذ، وهو موقف لا يرتضيه علماء القراءة، لأن القواعد التي وضعها النحاة جاءت لاحقة، ووضعت لغرض تعليمي يستند إلى الظواهر المطردة ولا يعنى كثيرا بالظواهر المنفردة، والقراءات مهما كان موقف النحويين منها فإنها أكثر تعبيرا عن واقع العربية في فترة ظهور الإسلام، من حيث الأصوات والمفردات والتراكيب. وقد قال الداني كلمة موجزة تعبر عن موقف القراء من هذه القضية، وهي قوله: «وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت لا يردّها قياس عربية ولا فشوّ لغة، لأن القراءة سنّة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها» (١).

стр. 137

وحاول ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) أن يصوغ شرط موافقة القراءة لقواعد العربية صياغة فيها مرونة فقال: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه» (١) ثم شرح ذلك بقوله: «وقولنا في الضابط (ولو بوجه) نريد به وجها من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحا، مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله، إذا كانت القراءة مما شاع وذاع، وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية» (٢). وبجانب ذلك فإن العلماء مجمعون على أن القراءة لا تصح مهما كانت قوتها في العربية إذا لم تكن مروية، وفي قصة ابن محيصن، وعيسى بن عمر، وابن مقسم العطار، دليل قاطع على أن القراءات لا مجال فيها للاجتهاد والرأي. أما ابن محيصن (وهو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن ت ١٢٣ هـ) فإنه كان أحد قراء مكة في زمانه، وكان أعلمهم بالعربية، وقال ابن مجاهد: «كان لابن محيصن اختيار في القراءة على مذهب العربية، فخرج به عن إجماع أهل بلده، فرغب الناس عن قراءته وأجمعوا على قراءة ابن كثير لاتباعه» (٣). وكان عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري (ت ١٤٩ هـ) له اختيار في القراءة على قياس العربية (٤)، وقال أبو عبيد: «وكان عيسى بن عمر عالما بالنحو، غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذاهب العربية، يفارق قراءة العامة، ويستنكرها الناس» (٥). وأما ابن مقسم العطار (وهو محمد بن الحسن البغدادي ت ٣٥٤ هـ) فإنه

стр. 138

كان «من أحفظ الناس لنحو الكوفيين وأعرفهم بالقراءات وله في التفسير ومعاني القرآن كتاب جليل سماه كتاب الأنوار وله أيضا في القراءات وعلوم النحو تصانيف عدة» (١). ولكنه على جلالة قدره وسعة علمه «عمد إلى حروف من القرآن فخالف الإجماع وقرأها وأقرأها على وجوه ذكر أنها تجوز في اللغة العربية، وشاع ذلك عنه عند أهل العلم فأنكروه عليه، وارتفع الأمر إلى السلطان، فأحضره واستتابه بحضرة القراء والفقهاء فأذعن بالتوبة، وكتب محضر توبته، وأثبت من حضر ذلك المجلس خطوطهم فيه بالشهادة عليه» (٢). ثانيا- القراءة الشاذة: القراءة الشاذة هي التي نقلت عن علماء القراءة الأوائل من الصحابة والتابعين لكنها مخالفة لخط المصاحف العثمانية، فقد كان المسلمون يقرءون القرآن قبل نسخ المصاحف في خلافة عثمان، ﵁، على وجوه من النطق، وكان بعض تلك الوجوه يخالف خط المصحف، ثم ترك الناس، كل قراءة خارجة عن الخط بعد نسخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار الإسلامية، وقرءوا بالوجوه التي يحتملها الخط من القراءات التي قرأ بها الصحابة، ﵃. وقد سمّيت القراءات المخالفة لخط المصحف بالقراءات الشاذة لأنها جاءت مخالفة لما أجمعت عليه الأمة من نص القرآن الذي نقل بالتواتر، قال علم الدين السخاوي: الشاذ مأخوذ من قولهم شذّ الرجل يشذّ شذوذا، إذا انفرد عن القوم، والذي لم يزل عليه الأئمة الكبار القدوة في جميع الأمصار من الفقهاء والمحدثين وأئمة العربية توقير القرآن واجتناب الشاذ واتباع القراءة المشهورة ولزوم الطرق المعروفة (٣).

стр. 139

وقال أبو منصور الأزهري: «من قرأ بحرف شاذ يخالف المصحف وخالف بذلك جمهور القراء المعروفين فهو غير مصيب، وهذا مذهب الراسخين في علم القرآن قديما وحديثا» (١). وتلك القراءات المخالفة لخط المصحف التي قرأ بها الصحابة هي جزء من رخصة الأحرف السبعة التي رخص لهم بها النبي ﷺ لكن الإجماع على المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان صيّر تلك القراءات كأنها منسوخة (٢)، وظل كثير من علماء السلف ينقلونها للاستشهاد لا للقراءة، فالفقيه والمفسر واللغوي يذكرونها في كتبهم للاستدلال بها على أمر أو استنباط حكم، أما القراءة بها فمتروكة، لأنهم أجمعوا على تحريم القراءة بالشواذ (٣). ولم تحظ القراءات الشاذة بعناية علماء القراءة كما حظيت القراءات الصحيحة التي نقلت نقلا متواترا، ومن ثمّ تشكك كثير من العلماء في صحة ما يروى من تلك القراءات، قال إسماعيل القاضي (ت ٢٨٢ هـ) في كتابه في القراءات: «فإذا اختار الإنسان أن يقرأ ببعض القراءات التي رويت مما يخالف خط المصحف صار إلى أن يأخذ القراءة برواية واحد عن واحد، وترك ما تلقته الجماعة عن الجماعة» (٤). وقال أبو عمرو بن العلاء: «إني أتّهم الواحد الشاذ إذا جاء على خلاف ما جاءت به العامة» (٥). وكان هارون بن موسى العتكي البصري (ت قبل ٢٠٠ هـ) أول من اهتم بالقراءات الشاذة في البصرة، قال أبو حاتم السجستاني البصري (ت ٢٥٥ هـ):

стр. 140

«كان أول من سمع بالبصرة وجوه القراءات وألّفها وتتبع الشاذ منها، فبحث عن إسناده هارون بن موسى الأعور، وكان من القراء، فكره الناس ذلك، وقالوا قد أساء حين ألّفها ... » (١). قال الأصمعي (ت ٢١٥ هـ): «كنت أشتهي أن يضرب مكان تأليفه الحروف» (٢). وكما تشكك بعض العلماء في صحة نقل تلك القراءات فإن بعضا منهم حمل القراءات الشاذة المخالفة لخط المصحف على التفسير، فقال أبو بكر بن الأنباري: «وما يؤثر عن الصحابة والتابعين أنهم قرءوا بكذا وكذا إنما ذلك على جهة البيان والتفسير، لا أن ذلك قرآن يتلى» (٣). وقال معلقا على قراءة مروية عن ابن الزبير لقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (١٠٤) [آل عمران] ويستعينون الله على ما أصابهم: «وهذه الزيادة من تفسير ابن الزبير، وكلام من كلامه، غلط فيه بعض الناقلين فألحقه بألفاظ القرآن» (٤). وقال أبو جعفر النحاس: «وهذا من القراءات المخالفة للسواد، وأكثرها لا يصح ولا يوجد إلا معلولا» (٥). وقال معلقا على إحدى تلك القراءات: «فلا يجوز لأحد أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف، ولو صحت لكانت على التفسير لا على القراءة» (٦). وقال القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني: «وكان منهم من يقرأ التأويل مع التنزيل، نحو قوله تعالى: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى (١٣٨) [البقرة] وهي صلاة

стр. 141

العصر ... » (١). وقال أبو حيان الأندلسي: «إن ما جاء مخالفا لخط المصحف هو «في الحقيقة تفسير لا قراءة» (٢). ويؤيد هذا المذهب في فهم القراءات المخالفة لخط المصحف ما روي عن مجاهد بن جبر المكي (ت ١٠٣ هـ) تلميذ ابن عباس أنه قال: «لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن، مما سألت» (٣). قال شارح سنن الترمذي: «أي لما وقع في قراءته من تفسير كثير من القرآن» (٤). ذلك هو معنى القراءة الشاذة وموقف العلماء منها، لكن ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) حين ألّف كتاب (السبعة في القراءات) وضمنه القراءات الصحيحة المشهورة قد أوحى بمعنى جديدة للقراءة الشاذة وهو أن كل ما عدا القراءات السبع شاذ، لا سيما أنه ألّف كتابا ذكر فيه (شواذ القراءة) الذي شرحه ابن جني في كتابه (المحتسب). قال ابن جني «وأنا بإذن الله بادئ بكتاب أذكر فيه أحوال ما شذ عن السبعة، على أننا ننحي فيه على كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، ﵀، الذي وضعه لذكر الشواذ من القراءة» (٥). وشاع في القرن الرابع هذا المفهوم الجديد للقراءة الشاذة، فإلى جانب دلالة هذا المصطلح على القراءات المخالفة لخط المصحف صار يعني أيضا ما عدا القراءات السبع، حتى وإن كانت موافقة للخط، وقد ألف أبو طاهر بن أبي هاشم تلميذ ابن مجاهد كتابا في (شواذ السبعة) (٦)، كما أن ابن النديم تأثر بهذا

стр. 142

المفهوم أيضا، فذكر أولا (أخبار القراء السبعة)، ثم ذكر (قراء الشواذ) وهم ما عدا السبعة (١). ولم يستمر تأثير هذا المفهوم الجديد للقراءة الشاذة طويلا، فقد انحسر تأثيره بظهور مؤلفات في القراءات العشر، بإضافة قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف إلى القراءات السبع، وظل تعريف القراءة الشاذة بأنها ما خالف المصحف هو المعتمد. قال أبو شامة: «فليس الأقرب في ضبط هذا الفصل إلا ما قد ذكرناه مرارا من أن كل قراءة اشتهرت بعد صحة إسنادها وموافقتها خط المصحف، ولم تنكر من جهة العربية، فهي القراءة المعتمد عليها، وما عدا ذلك داخل في حيز الشاذ والضعيف، وبعض ذلك أقوى من بعض» (٢). وقد بيّن ذلك ابن الجزري بصورة أكثر تفصيلا بقوله: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم العشرة، أم عن الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عن أئمة التحقيق من السلف والخلف» (٣).

стр. 143

المبحث السابع القراءات القرآنية في الوقت الحاضر أولا- انتشار قراءة عاصم بن أبي النجود: دأب علماء القراءة بعد عصر ابن مجاهد، على رواية القراءات السبع، والتأليف فيها، وزاد بعضهم القراءات الثلاث المتممة للعشر، وصارت القراءات العشر مدار القراءة والإقراء، ويميل بعض العلماء من المتأخرين إلى تقسيم القراءات على ثلاثة أقسام: قسم اتفقوا على تواتره وهو السبع، وقسم اختلفوا فيه والراجح أنه متواتر وهو الثلاث بعدها، وقسم متفق على شذوذه وهو ما عدا العشر (١). وقد تلقت الأمة على مدى العصور القراءات الصحيحة بالقبول، وهي لا ترى أن بعضها أولى من بعض بالقراءة، قال مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ): «والقراءات الثابتة عندنا كلها من السّنّة التي لا مدفع فيها لأحد» (٢). وكان السلف بعضهم يقرأ بهذه القراءة وبعضهم يقرأ بتلك، ولم ينكر واحد على الآخر قراءته، ولم يوجب أحد القراءة بقراءة معينة أو بجميع القراءات الصحيحة، قال الطبري: «الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة أن تكفّر بأي الكفارات شاءت: إما بعتق أو إطعام أو كسوة ... » (٣). ويبدو أن المسلمين اتجهوا في العصور المتأخرة إلى القراءة ببعض القراءات دون بعض، على الرغم من أن رواية العلماء للقراءات المأثورة لم تنقطع، فقد ظل علماء القراءة يحرصون على رواية القراءات السبع وغيرها، بينما صار جمهور

стр. 144

الناس يكتفون بضبط قراءة واحدة يتلون بها كتاب الله تعالى، وأدى ذلك خلال القرون المتلاحقة إلى انتشار قراءات معينة وانحسار أخرى، بحيث صارت لا تعرف إلا في الكتب، ولا يضبطها إلا المتخصصون بدراسة القراءات وروايتها. وأكثر القراءات انتشارا في العالم الإسلامي اليوم قراءة عاصم، ويقرأ المسلمون في بلاد المغرب برواية ورش عن نافع، وفي بلاد السودان برواية الدوري عن أبي عمرو بن العلاء، لكن قراءة عاصم آخذة بالانتشار في تلك البلدان أيضا. ولم يكن تميز قراءة عاصم بالأمر الذي حدث في العصور المتأخرة، فهذا الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ يسأله ابنه صالح: أي القراءة أحب إليك؟ فقال: قراءة نافع، قال: فإن لم توجد؟ قال: قراءة عاصم (١). وقال مكي عن قراءة عاصم: «فقراءته مختارة عند من رأيت من الشيوخ، مقدّمة على غيرها، لفصاحة عاصم، ولصحة سندها، وثقة ناقلها» (٢). فهذه ثلاثة أسباب ذكرها مكي لتميز قراءة عاصم، سوف نقف على شواهدها التاريخية بعد قليل، إن شاء الله. وليس من اليسير القول إن قراءة عاصم سادت بلدان المشرق الإسلامي في قرن معين، ولكن لدينا شواهد وأقوال توضح جانبا من هذه القضية الكبيرة، منها أن الخطيب البغدادي ذكر أن أحمد بن سهل الأشناني المتوفى سنة ٣٠٧ هـ «هو أحد القراء المجودين، قرأ على عبيد بن الصبّاح روايته عن حفص بن سليمان حرف عاصم بن أبي النجود، واشتهر بهذه القراءة» (٣). وتمضي قرون حتى نلتقي بقول أبي حيان الأندلسي (ت ٧٥٤ هـ) الذي يذكر فيه أن قراءة نافع هي التي ينشأ عليها أهل المغرب وأن قراءة عاصم هي القراءة

стр. 145

التي ينشأ عليها أهل العراق (١). وهذا دليل تاريخي يؤكد سيادة قراءة عاصم في العراق في القرن الثامن الهجري. ونلتقي بنص آخر من القرن الثاني عشر الهجري يدل على انتشار قراءة عاصم إلى مناطق خارج العراق، فهذا محمد المرعشي المتوفى سنة ١١٥٠ هـ يقول: والمأخوذ به في ديارنا قراءة عاصم برواية حفص عنه (٢)، وهو يعني بلدته مرعش، وهي مدينة بين الشام وبلاد الروم (٣). وهي اليوم تابعة لتركيا تقع جنوبيها. ولعل اختراع المطابع وطباعة المصاحف بها قد ساعد على انتشار قراءة عاصم أيضا، فأول مصحف أخرجته المطابع ورأى النور كان في سنة (١٦٩٤ م- ١١٠٦ هـ تقريبا) الذي وقف على طبعة هنكلمان في مدينة هامبورج بألمانيا، وكان مضبوطا على قراءة عاصم (٤). وخلاصة القول في هذا الأمر أن قراءة عاصم انتشرت في الأمصار الإسلامية في وقت مبكر، وسادت في كثير من البلدان، لا سيما في العراق وما حوله من بلدان المشرق الإسلامي منذ القرن الثامن الهجري في الأقل، وأن القرون اللاحقة شهدت سيادتها في مناطق أخرى. أما عاصم صاحب القراءة فهو عاصم بن أبي النّجود أبو بكر الأسدي، مولاهم، الكوفي، وقيل إن اسم أبيه بهدلة، وقيل هو اسم أمه، وأن اسم أبيه هو عبد الله (٥)، ومهما يكن من أمر فإنه اشتهر باسم عاصم بن أبي النّجود. وكان من
следующие страницы →