← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1292

تبصير البشر بتحريم السحر

علي بن غازي التويجري

Полный текст (129 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تبصير البشر بتحريم السحر إعداد: د علي بن غازي التويجري الأستاذ المساعد في كلية القرآن الكريم في الجامعة [الإسلامية]

стр. 2

المقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران، الآية: ١٠٢]، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾ [النساء: ١]، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]؛ أما بعد (١): فقد أكمل الله لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، كما قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [المائدة: ٣]. وأرسل إلينا رسولاً، هو أفضل الرسل، وخاتمهم، وأنصحهم لعباد الله، فبلغ رسالة ربه، ونصح أمته، وتركها على محجة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، كما أخبر بذلك صلوات الله وسلامه عليه (٢)؛ وما من شر إلا

стр. 3

حذرنا منه، ولا خير إلا دلنا عليه، ولا ترك شيئاً إلا بينه لنا، وذكر لنا منه علماً، كما قال أبو ذر ﵁: «لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه إلا ذكرنا منه علماً» (١). وكما قال حذيفة ﵁: «قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدَّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه … » (٢). وإن مما بينه لنا أمر التداوي والعلاج، فقال ﷺ : «عباد الله تداووا» (٣)، وقال: «ما أنزل الله داء إلا أنزل معه شفاء … » (٤). وإن من الشر الذي حذرنا منه، وحرم علينا فعله، ولم يأذن به «السحر»، ذلكم الداء الخطير الذي تعرفه البشرية قديماً، فهذا القرآن يحكيه عن سحرة فرعون مع موسى في غير ما آية في كتاب الله، وها هو يبرئ نبي الله سليمان منه، ويسنده للشياطين في قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر

стр. 4

سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين﴾ [البقرة: ١٠٢]. وتجد كتب السنة ترويه واقعاً لرسول الله ﷺ ، وتجده اليوم وفي وقتنا الحاضر واقعاً مريرا ملموساً يعرفه العامة والخاصة، بل زاد وكثر وانتشر حتى صارت بعض القنوات الفضائية تعلن له، وتدعو إليه جهاراً نهاراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، علماً بأنه موجود قبل وجود هذه القنوات، لكنها مما زاد الطين بلة - كما يقال - حتى سقط في حبائله كثير من المسلمين، ووقعوا في حمأته، وربما استمرأه بعضهم نظراً لكثرة فعله واعتياده عليه، رغم وجود نصوص الكتاب والسنة الدالة على تحريمه، فلأجل ذلك رغبت أن أكتب في هذا الموضوع رجاء أن يعرف حرمته جاهل به، وتزول عن ذي شبهة فيه شبهته. وسميته: «تبصير البشر بتحريم السحر». ويمكن تلخيص أسباب الكتابة، و أهمية الموضوع في النقاط التالية: ١ - ما ورد من نصوص الوعيد في تحريم السحر، والتغليظ على فاعله ومرتكبه، معالِجاً أو معالَجاً. ٢ - وجود السحر في حياة الناس وواقعهم، وانتشاره بينهم. ٣ - كثرة الواقعين فيه، إما عن جهل، فيعلم الجاهل، وإما عن شبهة، فتزال عنه شبهته، وإما عن عمد وعلم، فتقام عليه الحجة. ٤ - تلبيس دعاته على الناس، بإظهارهم أنهم من أهل الصلاح والدين، أو على الأقل أنهم من المعالجين بالأمور المباحة. ٥ - جهل كثير من المسلمين بخطورته، وما يترتب على فعله، بل يظن كثير منهم أن التحريم خاص بالساحر فقط. ٦ - ظن كثير من الناس أن إصابة الإنسان بالمرض تعتبر ضرورة تحل له ما حرم عليه.

стр. 5

٧ - خطره على العقيدة، فمن مات على ذلك فهو على خطر عظيم، كما سيأتي بيان ذلك. ٨ - أن إنكاره من النصح الواجب على كل مسلم لكل مسلم، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالسحر من أعظم المنكرات، وإنكاره من أعظم المعروف. ٩ - ما بدأ يدب في نفوس كثير من الناس، من تعظيم السحرة، والخوف منهم، حتى بعض أولئك الذين لا يذهبون إليهم تجدهم يرهبون من الإخبار عنهم، وإبلاغ جهات الاختصاص عنهم. وهذا أمر له عاقبته الوخيمة، ونهايته السيئة، أسأل الله أن يحفظ على المسلمين إيمانهم، وأن يقيهم شر كل ذي شر. خطة البحث سيكون البحث في هذا الموضوع وفق الخطة التالية: أولاً: مقدمة: تشتمل على أهمية وأسباب الكتابة في هذا الموضوع، وهي ما أسلفتها قريباً. ثانياً: الفصل الأول: السحر تعريفه، وأدلته، وقوعه، وتحريمه، وخطره، وحكم إتيان الساحر؛ وتحته أربعة مباحث: المبحث الأول: تعريف السحر لغة واصطلاحاً المبحث الثاني: الأدلة على وقوع السحر، وتحريمه؛ وتحته مطلبان: المطلب الأول: أدلة وقوع السحر المطلب الثاني: أدلة تحريم السحر المبحث الثالث: حكم إتيان الساحر للتداوي عنده المبحث الرابع: خطر السحر على المجتمع

стр. 6

ثالثاً: الفصل الثاني: الحديث عن آية سورة البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان … ﴾، وسأتناولها بالبحث تحت أربعة مباحث هي: المبحث الأول: سبب نزول الآية، وتحقيق القول في ذلك. المبحث الثاني: تفسير مفردات الآية، وبيان أقوال المفسرين إجمالاً المبحث الثالث: دلالة الآية على حكم كفر الساحر، وتحقيق القول في ذلك. المبحث الرابع: دلالة الآية على حكم تعلم السحر، وذكر أقوال المفسرين في ذلك، مع بيان الراجح. رابعاً: الفصل الثالث: الآيات الواردة في السحر في قصة موسى مع فرعون، وتحته ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تفسير تلك الآيات، وذكر أقوال المفسرين فيها. المبحث الثاني: ذكر ما ورد عن بعض المفسرين في علاج السحر بقراءة بعض الآيات الواردة في هذه القصة، وبيان جوازه بالرقى الشرعية، وتحريم ما عدا ذلك. المبحث الثالث: ذكر استدلال بعض المفسرين بقوله: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ على أنه لا حقيقة للسحر، ومناقشة ذلك، مع بيان الراجح في هذه المسألة. خامساً: الخاتمة: وتتضمن جملة من الوصايا، فيما يتحصن به من السحر. منهج البحث يتلخص المنهج الذي سرت عليه في كتابة هذا البحث في النقاط التالية:

стр. 7

١ - عزو الآيات المستشهد بها إلى سورها، وذلك بذكر اسم السورة، ورقم الآية عند نهاية المستشهد به منها داخل المتن. ٢ - تخريج الأحاديث من كتب السنة المعتمدة. ٣ - التزمت في الاستدلال بذكر الأحاديث الصحيحة، مع بيان من صححها من أهل العلم، ما لم تكن في الصحيحين، أو أحدهما. ٤ - تخريج الآثار، وعزوها إلى مصادرها. ٥ - ترجمة الأعلام الواردة، ما لم تكن مشهورة، وما لم تكن ضمن إسناد، أو ضمن الكلام على درجة الحديث. ٦ - ذيلت الرسالة بفهارس علمية على النحو التالي: أ- فهرس الآيات القرآنية. ب- فهرس الأحاديث النبوية. ج- فهرس الأعلام. د - فهرس المراجع والمصادر. هـ - فهرس الموضوعات. * * *

стр. 8

الفصل الأول: الفصل الأول: السحر تعريفه، وأدلته، وقوعه، وتحريمه، وخطره، وحكم إتيان الساحر وتحته أربعة مباحث: المبحث الأول: تعريف السحر لغة واصطلاحاً السحر في اللغة: يرد السحر في لغة العرب لعدة معاني ترجع إلى أصل واحد، وهو صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿فأنى تسحرون﴾ [سورة المؤمنون: ٨٩]؛ أي تصرفون، ومنه قوله ﷺ : «إن من البيان لسحراً» (١). قال الأزهري (٢) في تهذيب اللغة: «وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره»، وقال الفراء (٣) في قوله: ﴿فأنى تسحرون﴾ [سورة المؤمنون: ٨٩]:

стр. 9

«معناه تصرفون» (١)، وقال يونس (٢): «تقول العرب للرجل: ما سحرك عن وجه كذا وكذا، أي ما صرفك عنه» (٣). وقال أبو عبيد (٤) في قوله ﷺ : «إن من البيان لسحراً» كأن المعنى - والله أعلم - أنه يبلغ من ثنائه أنه يمدح الإنسان، فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله، ثم يذمه فيصدقه فيه، حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه قد

стр. 10

سحر السامعين بذلك (١). وقال ابن الأثير (٢): يعني: إن من البيان لسحراً، أي منه ما يصرف قلوب السامعين، وإن كان غير حق» (٣). السحر في الاصطلاح: إن تعريف السحر بحد واحد جامع مانع غير ممكن، نظراً لكثرة أنواعه (٤)، فمنه ما هو حقيقي، ومنه ما هو تخييل، ومنه ما هو مخادعة. قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي (٥) ﵀: «اعلم أن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد

стр. 11

جامع مانع، لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها، يكون جامعاً لها مانعاً لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافاً متبايناً» (١). ولذا سأقتصر على إيراد تعريفين مما ذكر في حده (٢)، لأنهما يتناولان السحر الذي جاء القرآن والسنة بتحريمه، والتحذير منه، وذمه، وهو المتبادر للذهن عند إطلاق كلمة السحر، وهو المعني بهذا البحث، وهو الذي قد عظم في هذه الأزمنة خطره، وانتشر شره، ووقع في حمأته كثير من المسلمين. والتعريفان هما: الأول: عرفه ابن قدامة (٣) في الكافي، بأنه: عزائم، ورقى، وعقد تؤثر في

стр. 12

القلوب والأبدان، فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه (١). وهذا التعريف أجمع ما قيل في حد السحر الحقيقي الذي أشرت إليه قريباً. الثاني: عرفه ابن العربي (٢) بأنه: كلام مؤلف، يعظم فيه غير الله تعالى، وتنسب إليه فيه المقادير والكائنات (٣).

стр. 13

المبحث الثاني: الأدلة على وقوع السحر، وتحريمه وفيه مطلبان: المطلب الأول: أدلة وقوع السحر إن وقوع السحر وحصوله ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والواقع؛ وإليك بيان ذلك: أولاً: من الكتاب: ١ - قال الله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون﴾؛ [سورة البقرة: ١٠٢]. ودلالتها على وقوع السحر من عدة وجوه: الأول: قوله: ﴿يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل﴾، هذا خبر من الله، وخبر ربنا لا يدخله خلف، ولا نسخ، ومن أصدق من الله قيلاً، وقد أخبر كما ترى أن الشياطين يعلمون الناس السحر، فدل على وجود السحر، إذ كيف يعلَّم ما لا وجود له، ولا وقوع. الثاني: قوله: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، حيث أخبر أن الملكين يعلمان السحر، ولا يعلمانه لأحد إلا بعد نصحه بأن السحر كفر فلا تكفر، فكيف يعلم، ويوصف بالكفر ما لا وجود له.

стр. 14

الثالث: قوله: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾، فهو خبر عن نوع من أنواع السحر، يتعلمه المفتونون به، وهو التفريق بين المرء وزوجه، فهو شيء موجود، وملموس، وقد ابتلي به كثير من الناس. الرابع: قوله: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾، فنفي الضرر منهم بالسحر لأحد إلا بإذن الله، ومشيئته، دليل على وقوعه إذا أذن الله به. الخامس: قوله: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾، فهو خبر من الله أن السحر ضرر لا نفع فيه، فهو شيء واقع، وملموس. السادس: قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾، فإخباره جل وعلا أن من اشترى السحر، وعمل به، لا حظ له في الآخرة، يدل على أنه شيء واقع، وموجود. السابع: قوله: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون﴾، فذمه للسحر، وما استعاضوه لأنفسهم بدل الإيمان، دليل على أن ذلك موجود، وواقع. الثامن: قوله: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون﴾، فسياق الآية مع ما قبله يدل على أن الله يحث المشترين أنفسهم بالسحر على اتقائه، والإيمان بالله، فكيف يتقون ما لا وجود له، ولا وقوع له؟. ٢ - قصة موسى مع فرعون وسحرته، وقد وردت على سبيل البسط في أربعة مواضع من كتاب الله (١). ومما ورد في هذه القصة مما يدل على وجود السحر، ووقوعه، ما يأتي: وقوله: ﴿فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم﴾، [سورة الأعراف: ١١٦].

стр. 15

وقوله: ﴿وجاءوا بسحر عظيم﴾، [سورة الأعراف: ١١٦]. وقوله: ﴿قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون﴾، [سورة يونس: ٧٧]. وقوله: ﴿فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله﴾، [سورة يونس: ٨١]. وقوله: ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾، [سورة طه: ٦٦]. قوله تعالى: ﴿إنما صنعوا كيد ساحر﴾، [سورة طه: ٦٩]. وقوله: ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾، [سورة طه: ٦٩]. وقوله: ﴿إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر﴾، [سورة طه: ٧٣]. هذا بعض ما ورد في تلك القصة، مما يدل على أن السحر حقيقة، علماً بأن القصة من أولها إلى آخرها تدل على ذلك، وعلى حصوله من سحرة فرعون. ٣ - ورود كلمة السحر في القرآن، ومشتقاتها في قرابة ستين آية دليل على وجود السحر (١). ٤ - قوله تعالى: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ [سورة الفلق: ٤]، والنفاثات في العقد هن السواحر، كما جاء عن ابن عباس، والضحاك (٢) (٣)، وغيرهما، بل لم يذكر المفسرون غير هذا التفسير، ولهذا حكاه بعضهم اتفاقاً بين المفسرين (٤).

стр. 16

ووجه الاستدلال أن الله أمر بالاستعاذة من شر السواحر، وهذا دليل على وقوع السحر، ووجوده، ومضرته، وإلا فكيف يأمر بالاستعاذة مما لا وجود له. ثانياً من السنة: ١ - قصة سحر النبي ﷺ ، وقد أخرجها البخاري في صحيحه في سبعة مواضع (١)، ومسلم من حديث عائشة (٢) ﵂، قالت: «كان رسول الله ﷺ سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن، - قال سفيان (٣): وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا - فقال: يا عائشة: أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيه فيه؟، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟، قال: مطبوب (٤). قال: ومن طبه؟، قال: لبيد بن أعصم (٥) رجل من بني زريق حليف ليهود، كان منافقاً،

стр. 17

قال: وفيم؟، قال: في مشط (١) ومشاقة (٢)، قال: وأين؟، قال: في جف طلعة ذكر (٣)، تحت رعوفة (٤) في بئر ذروان (٥)، قالت: فأتى النبي ﷺ البئر حتى استخرجه، فقال: «هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء (٦)، وكأن نخلها رؤوس الشياطين»، قال: «فاستخرج»، قالت: فقلت: أفلا؟ - أي تنشرت (٧)؟، فقال:

стр. 18

أما والله، فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شراً» (١). فهذا السحر قد وقع لأكمل الخلق صلوات الله وسلامه عليه. ٢ - ما اتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟، قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٢). ووجه الشاهد من الحديث أن الله أمر باجتناب السبع الموبقات، ومن بينها السحر، وهذا دليل على وقوعه، ووجوده، إذ كيف يأمرنا باجتناب ما لا يقع، وما لا وجود له. ٣ - ما اتفق عليه الشيخان من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تصبح سبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر» (٣).

стр. 19

فهذا خبر الصادق المصدوق بأن العجوة تقي من ضرر السحر، فلو لم يكن السحر موجوداً واقعا كيف تقي من ضرر ما لا يقع، ولا يوجد (١). ثالثا: الإجماع والواقع: قال ابن القيم ﵀ في معرض رده على القائلين أنه لا حقيقة للسحر: «وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء، وأهل التفسير، والحديث، وما يعرفه عامة العقلاء، والسحر الذي يؤثر مرضا، وثقلاً، وعقداً، وحبا، وبغضا ونزيفاً، وغير ذلك من الآثار - موجود، تعرفه عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقاً بما أصيب به منه» (٢). وقال القرافي (٣) ﵀: «وكان السحر وخبره معلوماً للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكانوا مجمعين عليه قبل ظهور القدرية (٤) (٥).

стр. 20

المطلب الثاني: أدلة تحريم السحر لقد جاءت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة بتحريم السحر، والتحذير منه، فمن ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ [سورة البقرة: ١٠٢]. وجه الاستدلال: أن الله أخبر أن تعلم السحر كفر، وما كان تعلمه كفر، لا شك في تحريمه. ٢ - قوله تعالى: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ [سورة البقرة: ١٠٢]. وجه الاستدلال: أن الله أخبر أن المتعلمين السحر يتعلمون ما يضرهم، ولا ينفعهم، وقد جاءت هذه الشريعة بجلب المصالح، ودرء المضار والمفاسد، ولهذا من القواعد المقررة عند أهل العلم: «لا ضرر ولا ضرار» (١).

стр. 21

فما كان تعلمه ضرراً، لا نفع فيه، فهو محرم، لا يجوز تعلمه وتعليمه. ٣ - قوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ [سورة البقرة: ١٠٢]. والخلاق: النصيب. وجه الدلالة: أن الله بين أن من اشترى السحر وفعله، لا حظ ولا نصيب له في الآخرة، والذي لا حظ له في الآخرة هو الكافر، فشيء هذه عاقبة أمره محرم لا شك فيه. ٤ - قوله تعالى: ﴿إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ [سورة طه: ٦٩]. وقوله سبحانه: ﴿ولا يفلح الساحرون﴾ [سورة يونس: ٧٧]. وجه الدلالة: أن الله نفى الفلاح عن الساحر، وعمل لا يفلح عامله محرم، لا يجوز فعله. ٥ - قوله تعالى عن سحرة فرعون له حينما آمنوا، وتابوا من السحر: ﴿إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر﴾ [سورة طه: ٧٣]. فهم آمنوا بالله، وثبتوا على إيمانهم طمعاً في مغفرة الله لهم ذنوبهم، وما أُكْرِهوا عليه من السحر، فدل على أن السحر ذنب، وجرم عظيم، فيحرم فعله، ويجب اجتنابه. ٦ - ما اتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن، يا رسول الله؟، قال: الشرك بالله، والسحر … » الحديث (١). وجه الاستدلال: أن رسول الله ﷺ عدّه من الموبقات التي توبق وتهلك صاحبها، وجعله قرين الشرك، فدل على أنه ذنب عظيم محرم، لا يجوز فعله.

стр. 22

٧ - ما رواه مسلم عن بعض أزواج النبي ﷺ ، قالت: قال رسول الله ﷺ «من أتى عرَّافاً، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أخبر أن مجرد سؤال الساحر يمنع قبول صلاة أربعين ليلة، وهذا دليل على أن هذا العمل حرام، لا يجوز، وكبيرة من كبائر الذنوب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإذا كانت هذه حال السائل، فكيف بالمسؤول» (٢). ٨ - ومنها ما رواه أحمد، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أتى كاهناً، أو عرَّافاً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (٣). ووجه الاستدلال به على التحريم ظاهر جداً، فإن عملا يؤدي بصاحبه إلى الكفر، لا يشك أحد في تحريمه. قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (٤): «وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان،

стр. 23

لاعتقاده أنه يعلم الغيب» (١). قلت: وهذا الوعيد في العراف، وهو كما قال الإمام أحمد: العراف: طرف من السحر، والساحر أخبث (٢)، فكيف بالساحر والسحر؟. ٩ - ما رواه البزار بسند جيد عن عمران بن حصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من تَطَيَّر، أو تُطُيِّر له، أو تكهن، أو تكهن له، أو سحر، أو سحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (٣). ووجه دلالته على التحريم: شدة الوعيد الوارد فيه على من فعل ذلك، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (٤): «ليس منا» فيه وعيد شديد يدل على أن هذه الأمور من الكبائر (٥).

стр. 24

١٠ - ما رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد» (١). دل الحديث على أن من تعلم شعبة من النجوم، فقد تعلم شعبة من السحر، والسحر معلوم تحريمه؛ قال شيخ الإسلام: «فقد صرح رسول الله ﷺ بأن علم النجوم من السحر، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ [سورة طه: ٦٩]، وهكذا الواقع، فإن الاستقراء يدل على أن أهل النجوم لا يفلحون في الدنيا، ولا في الآخرة» (٢). ١١ - ما رواه مسلم عن معاوية بن الحكم (٣) ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالا يأتون الكهان؟، قال: «فلا تأتهم» (٤).

стр. 25

وهذا نهي، والنهي يدل على التحريم. ١٢ - ما اتفق عليه الشيخان من حديث أبي مسعود الأنصاري (١)، ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن» (٢). وحلوان الكاهن: مصدر من حلوته حلوانا إذا أعطيته، وأصله من الحلاوة، شبه كسب الحجام بالشيء الحلو من حيث إنه يأخذه سهلا، بلا كلفة، ولا مشقة (٣). ووجه الاستدلال به على التحريم: أن النبي ﷺ نهى عن حلوان الكاهن، والنهي يقتضي التحريم، ولهذا أجمع العلماء على تحريمه، أفاده الحافظ ابن حجر، ثم قال: «لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل» (٤). وهذا في كسب الكاهن الذي هو طرف من السحر، كما مر قريباً من قول الإمام أحمد (٥)، فكيف بالساحر؟، وكيف بالسحر؟.

стр. 26

المبحث الثالث: حكم إتيان الساحر للتداوي عنده لقد جاء دين الإسلام بالعناية التامة بالأبدان، والمحافظة عليها من الأمراض والأسقام والأدواء، وذلك من خلال حثه على اتخاذ أسباب الوقاية والاحتراز من كل ما يضرها قبل أن يقع بها؛ ومن خلال حثه على التداوي والعلاج والاستشفاء بعد إصابتها بالضرر من مرض ونحوه. فمن حثه على أخذ أسباب الوقاية: ١ - ما اتفق عليه الشيخان من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تصبح سبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر» (١). ٢ - ما رواه البخاري، ومسلم عن أسامة بن زيد ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم بالطاعون في أرض، فلا تدخلوها» (٢). ٣ - ما رواه أحمد، والبخاري معلقاً عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «فر من المجذوم فرارك من الأسد» (٣).

стр. 27

٤ - ما رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم عن عثمان، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يقول صباح كل يوم ومساء كل ليلة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم يضره شيء» (١). وغير ذلك من الأذكار التي جاء فيها الإخبار أن من قالها لم يصبه ضرر، أو لم يضره الشيطان، أو نحو ذلك، وهي مبثوثة في كتب الأذكار والسنة (٢). ومن حثه على التداوي والعلاج: ١ - ما رواه البخاري عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أنزل الله من داء إلا أنزل معه شفاء» (٣). ٢ - ما رواه أحمد، ومسلم عن جابر بن عبد الله، ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ

стр. 28

بإذن الله » (١). ٣ - ما رواه أحمد، والبخاري عن ابن عباس، ﵄، عن النبي ﷺ قال: «الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية من نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي» (٢). ٤ - ما رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة عن أسامة بن شريك (٣)، ﵁، قال: كنت عند النبي ﷺ ، وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟، فقال: «نعم، عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد»، قالوا ما هو؟، قال: «الهرم» (٤). لقد دلت هذه النصوص وغيرها على مشروعية التداوي بما أحله الله من الأدوية، أو الرقية، أو غيرها، دون التداوي بما حرمه الله، وفيما أباحه الله وأذن فيه الغنية والكفاية عما حرمه. وإن مما حرمه الله الذهاب إلى السحرة، والمشعوذين، والكهان، فلا يجوز للمسلم في حال من الأحوال أن يأتيهم طلباً للشفاء والعلاج منهم، أو عندهم،

стр. 29

لدلالة النصوص الكثيرة على تحريم ذلك، والتي أوردناها في الفصل السابق، ومن أوضحها دلالة، وأصرحها في ذلك: ١ - ما رواه مسلم عن بعض أزواج النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ قال: «من أتى عرَّافاً، فسأله، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (١). فكيف يجوز إتيان من إتيانه، وسؤاله يذهب بأجر صلاة أربعين ليلة. ٢ - ما رواه أحمد، والحاكم، وغيرهما، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أتى كاهنا، أو عرافا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (٢). فكيف يجوز إتيان من إتيانه، وتصديقه في قوله كفر بالقرآن الذي أنزله الله على نبينا محمد ﷺ . ٣ - ما رواه مسلم عن معاوية بن الحكم، ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالا يأتون الكهان؟، قال: «فلا تأتهم» (٣). فهذا نهي صريح عن إتيانهم، فكيف يقول أحد بجوازه؟. ٤ - ما رواه أحمد، وأبو داود، عن جابر، ﵁، قال: «سئل رسول الله عن النشرة، قال: هي من عمل الشيطان» (٤).

стр. 30

والنشرة: هي حل السحر عن المسحور بسحر مثله (١)؛ وهي التي من عمل الشيطان، لأن الألف واللام في «النشرة» في الحديث للعهد الذهني، أي النشرة المعهودة التي هي من عمل الشيطان، التي كان يقوم بها أهل الجاهلية (٢). ووجه الاستدلال بالحديث: أن الساحر إنما يحل عن المريض بالسحر الذي هو عمل الشيطان، فكيف يجوز للمسلم أن يفعل ذلك، ويطلبه من الساحر. وقد بين أهل العلم تحريم الذهاب إلى السحرة، وما فيه من الخطر، من ذلك: فتوى اللجنة الدائمة جواباً لسؤال عن حكم الذهاب إلى الساحر، ليزيل السحر، فأجابوا بما نصه: «لا يجوز ذلك - يعني الذهاب إلى الساحر - والأصل فيه ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، بسنده عن جابر، ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ عن النشرة، فقال: «هي من عمل الشيطان» (٣)، وفي الأدوية الطبيعية، والأدعية الشرعية ما فيه كفاية، فإن الله ما أنزل من داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله، وقد أمر رسول الله بالتداوي، ونهى عن التداوي بالمحرم، فقال ﷺ : «تداووا، ولا تتداووا بحرام» (٤)، وروي عنه أنه قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» (٥) (٦).

стр. 31

وقال العلامة الشيخ ابن باز في جوابه عن سؤال عن حكم الذهاب إلى الكهنة والمشعوذين: « … أما العلاج عند الذين يدعون علم الغيب، أو يستحضرون الجن، أو أشباههم من المشعوذين، أو المجهولين الذين لا تعرف حالهم، ولا تعرف كيفية علاجهم، فلا يجوز إتيانهم، ولا سؤالهم، ولا العلاج عندهم، لقول النبي ﷺ : «من أتى عرافا، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»، أخرجه مسلم في صحيحه (١)، وقوله ﷺ : «من أتى عرافاً، أو كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ )، أخرجه الإمام أحمد، وأهل السنن بإسناد جيد (٢)، ولأحاديث أخرى في هذا الباب، كلها تدل على تحريم سؤال العرافين، والكهنة، وتصديقهم، وهم الذين يدعون علم الغيب، أو يستعينون بالجن، أو يوجد من أعمالهم وتصرفاتهم ما يدل على ذلك» اه (٣)؛ ونحوه قول العلامة محمد بن صالح العثيمين (٤).

стр. 32

المبحث الرابع: خطر السحر على المجتمع إن السحر داء خطير، يهدد المجتمع المسلم، وينخر في كيانه، ويقوض بنيانه، لما له من العواقب السيئة، ومما يؤسف له أنه قد انتشر في مجتمعات المسلمين انتشاراً مخيفاً، وعظم خطره، وانتشر شره، وصار دعاته ومنتحلوه يتسابقون إلى جذب الناس إليهم، بنشر دعاياتهم الكاذبة عن جودة طبهم، ومعرفتهم بالأمراض، ومقدرتهم على علاجها، فسقط في ذلك كثير من الناس إلا من رحم الله، بحجة أنه معذور بطلب الشفاء والعافية مما أصابه. ولا يخفى ما يصاب به المريض من الضعف، والخور، والتلهف إلى طلب الشفاء، وقديماً قيل: المريض عند مرضه يتشبث فيما يظنه سبباً لشفائه بخيط العنكبوت (١) إلا أن ذلك ليس عذراً يحل له الحرام، وما منعه الله منه بالنصوص الصريحة كما سبق (٢)، وقد فتح الله له - وله الحمد على ذلك كثيراً - أبواب التداوي والعلاج بالمباح والحلال، وأذن فيه. بل الأصل في التداوي الحل والإباحة، كما دل على ذلك كثير من النصوص التي سبق إيراد بعضها (٣). وقد وصل هذا الداء الخطير إلى هذه البلاد المباركة - حرسها الله - مهبط الوحي، وموطن الرسالة والتوحيد، وصفاء العقيدة، رغم ما يقوم به ولاة الأمر - وفقهم الله للخير، وزادهم توفيقاً وأخذاً على أيدي السحرة والمشعوذين، وجميع المفسدين - من تحذير عن السحر والشعوذة عبر وسائل الإعلام، وما تقوم به جهات الاختصاص من مداهمة لأوكارهم، وتنفيذ حدود

стр. 33

الشرع فيهم، وقتل بعض منهم. ومما لا شك فيه أن على المجتمع المسلم قسط كبير من المسئولية عن وجود هؤلاء، لأنهم وفروا لهم مرتعا خصباً، ومصدرا للمال ثرياً بذهابهم إليهم، وتصديقهم، وعدم التعاون مع ولاة الأمر في الإخبار عنهم، لِيُكفَى المسلمون شرهم. فيجب على الجميع التعاون على البر والتقوى، وإخبار الجهات المعنية عنهم، وعن أماكن وجودهم، ليقضى عليهم، وليكف شرهم عن المسلمين. وأجمل خطر السحر على المجتمع في النقاط التالية: ١ - كفر تلك الشريحة من المجتمع التي تقوم بالسحر وتتعاطاه، كما سيأتي بيان ذلك (١). ٢ - كفر أولئك الذاهبين إلى السحرة والمشعوذين بما أنزل على محمد ﷺ (٢) إذا صدقوهم بما يقولون. ٣ - ما يترتب على الكفر - والعياذ بالله - من عداوة الله، ومحاربته، وتخلي الله عن صاحبه، وتولي الشيطان له (٣). ٤ - عدم قبول صلاة أربعين ليلة من أولئك المصلين الذين يذهبون إلى السحرة، ويسألونهم سؤالا مجرداً، من غير تكذيب لهم، أو مصلحة راجحة (٤).

стр. 34

٥ - خضوع بعض المسلمين للسحرة والمشعوذين، وتعلق قلوبهم بهم، وخوفهم، ورجاؤهم، وتقديم أمرهم على أمر الله ورسوله، فإن طلبوا منه أن يذبح ذبيحة بلون معين، وفي وقت معين، وفي مكان معين، وربما بذكر أحد معين، غير اسم الله، أو غير ذلك مما يطلبونه منهم أجابوا لذلك. ٦ - ضعف الاعتماد على الله والتوكل عليه عند المتعاطين السحر، إن لم يكن قد ذهب بالكلية. ٧ - فساد ذات البين بين المسلمين، وإيجاد العداوة والبغضاء والحقد بينهم، فإذا علم المسحور بأن فلانا سحره، نشأ عن ذلك من الأمور المحرمة ما لا يحصى - إلا من رحم الله - فتجده يبغضه، ويحقد عليه، ويسعى في الانتقام منه، والإضرار به، وإن كان من ذي رحمه قطعه وهجره، وربما شارك كل واحد من الطرفين في كل ما سبق أقاربه ومحبوه، فحصل من الشر، والفساد، والقطيعة ما لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [سورة محمد: ٢٢]. ٨ - نشر الرعب، والذعر، والخوف في قلوب كثير من المسلمين، بسبب ما يحصل من أفعال هؤلاء السحرة والمشعوذين، أو بسبب ما يقولونه، ويدعونه من الإضرار بفلان، أو الانتقام منه، أو غير ذلك، حتى صار كثير من المسلمين يعيش في وهم دائم، وحيرة شديدة، وقلق متزايد، ووسوسة ملازمة. ٩ - استنزاف موارد الأمة، وإهدار الأموال، وإضاعتها، وصرفها في غير وجه حقها، بل لأناس سحرة كفرة، أو كادوا، يعبثون بها، ويأكلونها بالباطل، ويصرفونها في معصية الله ورسوله. ١٠ - هدم كثير من بيوت المسلمين، بالتفريق بين هذا المرء وزوجه؛ وإيقاع آخر وعطفه على زوجه، بحيث يستجيب لكل رغبتها، وينقاد معها

стр. 35

انقياد الدابة الذلول مع صاحبها، حتى ولو كان على حساب دينه، بمعصية الله ورسوله، أو بعقوق والديه، أو بإضراره بزوجة أخرى، أو هجر ومقاطعة لذي رحمه؛ وصرف آخر عن زوجه، وبغضه لها، فينتج عنه من الظلم لها، والعداوة، والخلاف، والشر ما لا يعلمه إلا الله. ١١ - مصير كثير من الهارعين إلى السحرة والمشعوذين فقراء معدمين، يتكففون الناس، ويستدينون الأموال الطائلة، لدفعها إليهم، لأنهم كثيرا ما يربطونه بهم، فيصبح مترددا عليهم بين الفينة والأخرى، بحجة استكمال العلاج، لأنه على مراحل لهذا المرض، أو أن هذا المرض خطير يحتاج علاجه إلى سنة أو سنوات، أو نحو ذلك من كذبهم، وافتراءاتهم. ١٢ - ما يحصل من بعضهم مع بعض النساء من الوقوع في المنكرات المحرمة، كالزنا، أو التقبيل، أو تعليقها به، فتطلب الزواج منه، ولا تستطيع الصبر عن رؤيته، ومجيئه، خاصة إذا كانت جميلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا قليل من كثير من خطرهم، إلا أن فيما ذكر كفاية، ومقنعا لكل ذي عقل، بشدة فساد هؤلاء، وضررهم على المجتمع، ووجوب الحذر منهم، والسعي للقضاء عليهم، واستئصال شأفتهم من مجتمع المسلمين؛ والله المستعان.

стр. 36

الفصل الثاني: الحديث عن آية البقرة وهي قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان … ﴾ وتحته أربعة مباحث: المبحث الأول: سبب نزول الآية، وتحقيق القول في ذلك قد ذكر العلماء أسباباً عدة لنزول هذه الآية، كما سأذكره - إن شاء الله - وإن كانت هذه الأسباب في جملتها لا تعارض بينها، بل يستفاد من مجموعها تفسير الآية، كما أشار إليه ابن كثير (١)، بقوله: «فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة، والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفهم». وفيما يلي بيانها: السبب الأول: أخرج سعيد بن منصور في سننه (٢)، وابن جرير (٣)، وابن أبي حاتم (٤)، والحاكم (٥)، وصححه (٦)، ووافقه الذهبي (٧)، عن ابن عباس، ﵄،

стр. 37

قال: أتاه رجل فقال له: من أين أقبلت؟، فقال: من العراق، قال: كيف تركت الناس وراءك؟، قال تركت الناس يتحدثون أن عليا سوف يخرج إليهم (١)، فقال: لو شعرنا ما زوجنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه (٢)، وسأحدثك عن ذلك: إن الشياطين كانت تسترق السمع في السماء، فإذا سمع أحدهم كلمة حق كذب معها ألف كذبة، فاشربتها قلوب الناس، واتخذوها دواوين، فاطلع عليها سليمان، فدفنها تحت كرسيه، فلما مات سليمان قام شياطين بالطريق، فقالت: ألا أدلكم على كنز سليمان الممنَّع الذي لا كنز مثله؟، فاستخرجوها، قالوا: سحر، وإن بقيتها هذا يتحدث به أهل العراق، وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين … ﴾ الآية (٣) [سورة البقرة: ١٠٢]. قلت: وهذا الإسناد صحيح إلى ابن عباس، ﵄، كما مر، لكنه موقوف عليه، مع أنه من أخبار بني إسرائيل، لأن ابن عباس ممن أخذ عن بني إسرائيل، وإن كان ذلك لا يضر هنا، كما سأبينه بعد ذكر جميع الأسباب.

стр. 38

السبب الثاني: ما رواه ابن أبي حاتم (١)، والنسائي (٢)، عن ابن عباس، ﵄ أيضاً، قال: قال آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً، وقالوا هذا الذي كان سليمان يعمل بها، قال فأكفره جهال الناس، وسبوه، ووقف علماؤهم، فلم يزل جهالهم يسبوه حتى نزل على محمد: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ (٣) [سورة البقرة: ١٠٢]. قلت: هو موقوف على ابن عباس، ﵄، وهو -والله أعلم - مما تلقاه عن أهل الكتاب، وقد رواه النسائي عن محمد بن العلاء، عن أبي أسامة، نا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن حبير، عن ابن عباس، ﵄، ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة به، ورجاله ثقات، غير المنهال: صدوق ربما وهم. السبب الثالث: ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير (٤)، قال: كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر، فيأخذه، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم

стр. 39

تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدنت إلى الإنس، فقالوا لهم: أتريدون العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين، والرياح، وغير ذلك، قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته، وتحت كرسيه، فاستثارته الإنس، فاستخرجوه، فعملوا به، فقال أهل الحجى (١): (ما) (٢) كان سليمان يعمل بهذا، وهذا سحر، فأنزل الله على نبيه براءة سليمان، فقال: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ الآية [سورة البقرة: ١٠٢]، فأبرأ الله سليمان على لسان محمد ﷺ (٣). السبب الرابع: ما رواه الطبري مطولاً، والواحدي مختصراً عن السدي (٤)، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، يستمعون من كلام الملائكة، فيما يكون في الأرض من موت، أو غيب، أو أمر، فيأتون الكهنة، فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس، فيجدونه كما قالوا، حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، فأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة فاكتتبت الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا في بني إسرائيل إن الجن تعلم الغيب، فبعث

стр. 40

سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال سليمان لا أسمع أحداً يذكر أن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه، فلما مات سليمان، وذهب العلماء الذي يعرفون أمر سليمان، وخلف بعد ذلك خلف تمثل شيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفراً من بني إسرائيل، فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً - أي لا تنفدونه أبداً - قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي، وذهب معهم، فأراهم المكان، وقام ناحية، فقالوا له: فادن، قال: لا، ولكنني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني، فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها، قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر، ثم طار، فذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، واتخذت بنوا إسرائيل تلك الكتب، فلما جاءهم محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ (١) [البقرة: ١٠٢]. السبب الخامس: أورد الواحدي عن الكلبي (٢)، قال: إن الشياطين كتبوا السحر والنارنجيات (٣) على لسان آصف هذا ما علم آصف برخيا الملك، ثم دفنوها
следующие страницы →