← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1292

تبصير البشر بتحريم السحر

علي بن غازي التويجري

Полный текст (129 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الثاني: الحديث عن آية البقرة وهي قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان … ﴾ وتحته أربعة مباحث: المبحث الأول: سبب نزول الآية، وتحقيق القول في ذلك قد ذكر العلماء أسباباً عدة لنزول هذه الآية، كما سأذكره - إن شاء الله - وإن كانت هذه الأسباب في جملتها لا تعارض بينها، بل يستفاد من مجموعها تفسير الآية، كما أشار إليه ابن كثير (١)، بقوله: «فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة، والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفهم». وفيما يلي بيانها: السبب الأول: أخرج سعيد بن منصور في سننه (٢)، وابن جرير (٣)، وابن أبي حاتم (٤)، والحاكم (٥)، وصححه (٦)، ووافقه الذهبي (٧)، عن ابن عباس، ﵄،

стр. 37

قال: أتاه رجل فقال له: من أين أقبلت؟، فقال: من العراق، قال: كيف تركت الناس وراءك؟، قال تركت الناس يتحدثون أن عليا سوف يخرج إليهم (١)، فقال: لو شعرنا ما زوجنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه (٢)، وسأحدثك عن ذلك: إن الشياطين كانت تسترق السمع في السماء، فإذا سمع أحدهم كلمة حق كذب معها ألف كذبة، فاشربتها قلوب الناس، واتخذوها دواوين، فاطلع عليها سليمان، فدفنها تحت كرسيه، فلما مات سليمان قام شياطين بالطريق، فقالت: ألا أدلكم على كنز سليمان الممنَّع الذي لا كنز مثله؟، فاستخرجوها، قالوا: سحر، وإن بقيتها هذا يتحدث به أهل العراق، وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين … ﴾ الآية (٣) [سورة البقرة: ١٠٢]. قلت: وهذا الإسناد صحيح إلى ابن عباس، ﵄، كما مر، لكنه موقوف عليه، مع أنه من أخبار بني إسرائيل، لأن ابن عباس ممن أخذ عن بني إسرائيل، وإن كان ذلك لا يضر هنا، كما سأبينه بعد ذكر جميع الأسباب.

стр. 38

السبب الثاني: ما رواه ابن أبي حاتم (١)، والنسائي (٢)، عن ابن عباس، ﵄ أيضاً، قال: قال آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً، وقالوا هذا الذي كان سليمان يعمل بها، قال فأكفره جهال الناس، وسبوه، ووقف علماؤهم، فلم يزل جهالهم يسبوه حتى نزل على محمد: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ (٣) [سورة البقرة: ١٠٢]. قلت: هو موقوف على ابن عباس، ﵄، وهو -والله أعلم - مما تلقاه عن أهل الكتاب، وقد رواه النسائي عن محمد بن العلاء، عن أبي أسامة، نا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن حبير، عن ابن عباس، ﵄، ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة به، ورجاله ثقات، غير المنهال: صدوق ربما وهم. السبب الثالث: ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير (٤)، قال: كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر، فيأخذه، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم

стр. 39

تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدنت إلى الإنس، فقالوا لهم: أتريدون العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين، والرياح، وغير ذلك، قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته، وتحت كرسيه، فاستثارته الإنس، فاستخرجوه، فعملوا به، فقال أهل الحجى (١): (ما) (٢) كان سليمان يعمل بهذا، وهذا سحر، فأنزل الله على نبيه براءة سليمان، فقال: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ الآية [سورة البقرة: ١٠٢]، فأبرأ الله سليمان على لسان محمد ﷺ (٣). السبب الرابع: ما رواه الطبري مطولاً، والواحدي مختصراً عن السدي (٤)، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، يستمعون من كلام الملائكة، فيما يكون في الأرض من موت، أو غيب، أو أمر، فيأتون الكهنة، فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس، فيجدونه كما قالوا، حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، فأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة فاكتتبت الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا في بني إسرائيل إن الجن تعلم الغيب، فبعث

стр. 40

سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال سليمان لا أسمع أحداً يذكر أن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه، فلما مات سليمان، وذهب العلماء الذي يعرفون أمر سليمان، وخلف بعد ذلك خلف تمثل شيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفراً من بني إسرائيل، فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً - أي لا تنفدونه أبداً - قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي، وذهب معهم، فأراهم المكان، وقام ناحية، فقالوا له: فادن، قال: لا، ولكنني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني، فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها، قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر، ثم طار، فذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، واتخذت بنوا إسرائيل تلك الكتب، فلما جاءهم محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ (١) [البقرة: ١٠٢]. السبب الخامس: أورد الواحدي عن الكلبي (٢)، قال: إن الشياطين كتبوا السحر والنارنجيات (٣) على لسان آصف هذا ما علم آصف برخيا الملك، ثم دفنوها

стр. 41

تحت مصلاه حين نزع الله ملكه، ولم يشعر بذلك سليمان، ولما مات سليمان استخرجوه من تحت مصلاه، وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا، فتعلموه، فأما علماء بني إسرائيل فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان، وأما السفلة فقالوا: هذا علم سليمان، وأقبلوا على تعلمه، ورفضوا كتب أنبيائهم، وفشت على سليمان، فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله محمداً ﷺ ، فأنزل عذر سليمان على لسانه، وأظهر براءته مما رمي به، فقال: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ الآية» (١) [سورة البقرة: ١٠٢]. قال ابن حجر في العجاب (٢): «وأما أثر الكلبي فأخرج الطبري (٣) نحوه، عن ابن إسحاق (٤)، ثم ساق لفظه -مع بعض الاختلاف- ثم قال: « … هكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد، وأخرج الطبري (٥) من طريق شهر بن حوشب نحوه بطوله، فلعل ابن إسحاق أخذه عنه، وعن الكلبي» اه.

стр. 42

السبب السادس: ما رواه سعيد بن منصور (١)، عن خصيف (٢)، قال: كان سليمان إذا نبتت الشجرة، قال: لأي داء أنت، فتقول: لكذا وكذا، فلما نبتت شجرة الخُرنُوبة الشامي (٣)، قال: لأي شيء أنت، قالت: لمسجدك، أخربه، قال: تخربينه، قالت: نعم، قال: بئس الشجرة أنت! فلم يلبث أن توفي، فجعل الناس يقولون في مرضاهم: لو كان لنا مثل سليمان، فأخذوا الشياطين، فأخذوا كتابا، فجعلوه في مصلى سليمان، فقالوا: نحن ندلكم على ما كان سليمان يداوي به، فانطلقوا، فاستخرجوا ذلك الكتاب، فإذا فيه سحر ورقى، فأنزل الله : ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين﴾ [سورة البقرة: ١٠٢]، وذكر أنها في قراءة أبي «وما يتلى على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر» سبع مرار، فإن أبى إلا أن يكفر، علماه، فيخرج منه نار أو نور حتى يسطع في السماء، - قال المعرفة التي كان يعرف - اه. واسنده الواحدي (٤) مختصراً، ونقله عنه الحافظ ابن حجر في

стр. 43

العجاب (١)، ثم قال (٢): « … وأما أثر خصيف ففيه ضعف مع إعضاله». السبب السابع: ما رواه الطبري (٣) عن الربيع بن أنس (٤): أن اليهود سألوا محمداً زمانا عن أمور التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله تعالى عليه ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك، قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا. وإنهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان … ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢]؛ وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب، فكتبوا فيه السحر والكهانة، وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان، وكان سليمان ﵇ لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا، استخرجوا ذلك السحر، وخدعوا الناس، وقالوا هذا علم كان سليمان يكتمه، ويحسد الناس عليه، فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث، فرجعوا من عنده بخزي، وأدحض الله حجتهم». الخلاصة: بالنظر في أسباب نزول الآية السابقة يتبين ما يأتي: ١ - أنه لا يصح منها شيء عن رسول الله ﷺ ، سواء ما كان عن ابن عباس ﵄، وهما سببان منها، أو ما كان عن التابعين، وهي خمسة،

стр. 44

وذلك لما يلي: أ- ما كان منها عن ابن عباس فإنه وإن صح الإسناد إليه لا يكون له حكم الرفع، لأن ابن عباس ممن أخذ عن أهل الكتاب، والسببان المذكوران من أخبار أهل الكتاب. ب - ما كان منها عن التابعين فإنه موقوف عليهم، ولم يرفعوه، وغايته أن يكون من أخبار بني إسرائيل. لكن ينبغي أن يعلم أن ذلك ليس قادحاً في قبول ما ورد فيها من حيث الجملة، كما سيأتي. ٢ - أنها جميعها نصت على أن الشياطين هي التي وضعت السحر، وأنهم نسبوه إلى سليمان ﵇ زوراً وبهتانا، وأنه منه براء، كما برأه الله فيما أنزله على رسوله في الآية المتحدث عنها. ٣ - أنها وإن كانت من أخبار بني إسرائيل، فإنها مما يقبل، ويؤخذ به من حيث الجملة، لأن ظاهر القرآن يدل عليها إجمالاً، ولذلك أوردها الأئمة، كابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن كثير، والواحدي، وابن حجر، وغيرهم، على أنها سبب نزول الآية، وقد تقدم قول ابن كثير في الإشارة إلى ذلك (١). ٤ - أن التفسير الصحيح للآية لا يخرج عما ورد في هذه الأسباب، وأقوال الأئمة في ذلك؛ والله أعلم.

стр. 45

المبحث الثاني: تفسير مفردات الآية، وبيان أقوال المفسرين إجمالاً قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين … ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢]. ذكر المفسرون في معنى «تتلوا» قولين هما: الأول: «تتلوا» بمعنى: «تروي، وتتكلم، وتخبر»، وبه قال ابن عباس، وعطاء (١)، وقتادة (٢) (٣). الثاني: «تتلوا» بمعنى: تتبع، وتعمل به؛ وبه قال ابن عباس، وأبو رزين (٤) (٥). وسبب الاختلاف: أن «تتلوا» ترد في كلام العرب لمعنيين: فترد بمعنى القراءة، وهذا كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿وما تكون في شأن وما تتلوا منه من

стр. 46

قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً﴾؛ [سورة يونس: ٦١]، وقوله: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته﴾؛ [سورة الجمعة: ٢]. وترد بمعنى الاتباع، كما في قوله تعالى: ﴿أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه﴾؛ [سورة هود: ١٧]. لكن بالنظر إلى سبب نزول الآية، يترجح المعنى الأول؛ والله أعلم. قوله: ﴿الشياطين﴾ الشياطين: جمع شيطان، وهو مشتق في اللغة من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير، وهذا اختيار البصريين، على أن نونه أصلية. وقيل: مشتق من شاط، إذا احترق، لأنه مخلوق من نار، وهذا على أن نونه زائدة، وهو اختيار الكوفيين (١). والأول أصح، وعليه يدل كلام العرب، قال أمية بن أبي الصلت (٢) في ذكر ما أوتي سليمان ﵇: أيما شاطن عصاه عكاه … ثم يُلقى في السجن والأغلال (٣) فقال: أيما شاطن، ولم يقل: شائط.

стр. 47

وقال سيبويه (١): «العرب تقول: تشيطن فلان، إذا فعل فِعل الشيطان، ولو كان من شاط لقالوا: تشيط» (٢). والشيطان مشتق من البعد، ولهذا يسمى كل من تمرد من جني وأنسي وحيوان شيطاناً (٣). قال الله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً﴾؛ [سورة الأنعام: ١١٢]. فبين في الآية أن الشيطان يكون في الجن والإنس. وأما إطلاقه على الحيوان، فكما في الحديث الذي رواه مسلم: «الكلب الأسود شيطان» (٤). والمراد به في الآية: أنهم شياطين الجن، وهو الذي يدل عليه سياق الآية، وسبب نزولها. وقيل: المراد: شياطين الإنس؛ وفيه نظر. قوله: ﴿على ملك سليمان﴾ أي في ملك سليمان، قاله ابن جرير (٥)، ونقله عن ابن جريج (٦)، وابن

стр. 48

إسحاق، على أن «على» بمعنى: «في»؛ وهو القول الأول. والقول الثاني: أن «تتلوا» ضمنت معنى: «تكذب، أو تتقول»، ولذلك عديت ب «على»؛ وهو اختيار ابن كثير (١)، وأبي حيان (٢)، والسمين الحلبي (٣)، ورجحه بقوله: والثاني أولى، فإن التجوز في الأفعال أولى من التجوز في الحروف. ومعنى ملك سليمان: شرعه، ونبوته، وحاله. وقيل: على عهده، وفي زمانه، وهما متقاربان (٤). قوله: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ فيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في نوع «ما» في قوله تعالى ﴿وما أنزل﴾ اختلف المفسرون في ذلك على أقوال: الأول: أن «ما» موصولة، بمعنى: الذي، ومحلها النصب، عطفاً على السحر، والتقدير: يعلمون الناس السحر، والمنزل على الملكين. الثاني: أنها موصولة أيضا، ومحلها النصب، لكن عطفاً على: «ما تتلوا الشياطين»؛ والتقدير: واتبعوا ما تتلوا الشياطين، وما أنزل على الملكين، وعلى هذا فما بينهما اعتراض، ولا حاجة إلى القول بأن في الكلام تقديماً وتأخيراً.

стр. 49

قلت: والقولان متقاربان من حيث المعنى. الثالث: أن «ما» حرف نفي، والجملة معطوفة على الجملة المنفية قبلها، وهي: «وما كفر سليمان»؛ والتقدير: وما أنزل على الملكين إباحة السحر. الرابع: أن محلها الجر عطفاً على «ملك سليمان»؛ والتقدير: افتراءً على ملك سليمان، وافتراءً على ما أنزل على الملكين. قال أبو البقاء (١): «تقديره: وعلى عهد الذي أنزل على الملكين» (٢). هذا حاصل ما قيل في إعرابها، وبالتأمل في هذه الأقوال الأربعة، يتبين أن الأول والثاني يدلان على أن السحر أنزل على الملكين، والثالث والرابع يدلان على نفي إنزال السحر على الملكين؛ ولهذا تدور أقوال المفسرين على المعنيين المذكورين؛ وإليك بعض توجيهات المفسرين لهما: أولاً: القول بأن «ما» نافية: قال ابن جرير الطبري: « … فتأويل الآية على هذا المعنى الذي ذكرناه عن ابن عباس، والربيع من توجيهها معنى قوله: «وما أنزل على الملكين» إلى: ولم ينزل على الملكين؛ واتبعوا الذي تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت»؛ فيكون حينئذ قوله:

стр. 50

ببابل هاروت وماروت من المؤخر الذي معناه التقديم. فإن قال قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟؛ قلنا: وجه تقديمه أن يقال: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنيا بالملكين «جبريل وميكائيل (١)، لأن سحرة اليهود فيما ذكر تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبها الله بذلك، وأخبر نبيه محمداً ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر قط، وبرّأ سليمان مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن اللذين يعلمانهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون «هاروت وماروت» على هذا التأويل ترجمة (٢) على الناس ورداً عليهم» (٣) اه. وقال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين﴾، «ما» نفي، والواو للعطف على قوله: ﴿وما كفر سليمان﴾، وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر، فنفى الله ذلك. وفي الكلام تقديم وتأخير، التقدير: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فهاروت

стр. 51

وماروت بدل من الشياطين في قوله: «ولكن الشياطين كفروا»، هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل، وأصح ما قيل فيها، ولا يلتفت إلى ما سواه» (١) اه. ثانيا: القول بأن «ما» موصولة أكثر المفسرين على ذلك، وهو اختيار الطبري، وابن كثير، ويعضده ظاهر القرآن، وبعض الآثار، مع السلامة من الحاجة إلى تقدير تقديم وتأخير في الكلام. قال ابن جرير بعد أن ساقه عن ابن مسعود، وابن عباس، والسدي، وقتادة، وابن زيد (٢) «فمعنى الآية على تأويل هذا القول الذي ذكرناه عمن ذكرنا عنه: واتبعت اليهود الذي تلت الشياطين في ملك سليمان، والذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، وهما ملكان من ملائكة الله … ». وهذا القول يرد عليه إشكالان: الأول: ما أشار إليه الطبري بقوله: «إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن ينزل الله السحر، أم هل يجوز لملائكته أن تعلمه الناس؟». وأجاب عنه بقوله: «قلنا له: إن الله قد أنزل الخير والشر، وبين جميع ذلك لعباده، فأوحاه إلى رسله، وأمرهم بتعليم خلقه، وتعريفهم ما يحل لهم مما يحرم عليهم، وذلك كالزنا، والسرقة، وسائر المعاصي التي أخبرهم بها، ونهاهم عن العمل بها … » (٣). الثاني: ما دلت عليه النصوص من عصمة الملائكة من الوقوع في المعاصي،

стр. 52

كما قال تعالى: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾؛ [سورة التحريم: ٦]. وقد أجاب عنه ابن كثير بقوله: « … فيكون الجمع بين هذا - القول بأنهما ملكين - وبين ما ثبت من الدلائل على عصمة الملائكة: أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصاً لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، وفي قول: إنه كان من الملائكة، لقوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى﴾؛ [سورة طه: ١١٦] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. مع أن شأن هاروت وماروت على ما ذكر أخف مما وقع من إبليس لعنه الله» (١). المسألة الثانية: هل الملكان ملكان حقيقيان أم لا؟ اختلف المفسرون في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنهما من الإنس على خلاف بين القائلين بذلك: فقال الضحاك: هما علجان من أهل بابل (٢). وقال عبد الرحمن بن أبزي (٣): هما سليمان وداود (٤)، وكان يقرأ «الملكين» بكسر اللام (٥)، لكنها قراءة شاذة.

стр. 53

وقال ابن عباس: هما رجلان ساحران من أهل بابل (١). القول الثاني: أنهما من الشياطين (٢)؛ وقال ابن حزم: هما قبيلان من الجن (٣). وهذان القولان مرجوحان، لأن القول بهما عدول عن ظاهر القرآن بغير حجة يجب المصير إليها، فلا يلتفت إليهما. القول الثالث: أنهما ملكان حقيقيان، هما هاروت وماروت، قال ابن كثير: «وذهب كثيرون من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما قال» (٤). وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية (٥)، أنه قال: هما جبريل وميكائيل (٦). قلت: والجزم بمثل ذلك يحتاج إلى نقل صحيح صريح، يصار إليه، وإنما الذي يجزم به أنهما ملكان من ملائكة الله، واسمهما هاروت وماروت، لظاهر القرآن، ولمجيء ما يدل عليه من الآثار، منها: ما رواه الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمر، ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن آدم ﵇ لما أهبطه الله إلى الأرض، قالت الملائكة: أي رب، ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك،

стр. 54

ونقدس لك، قال: إني أعلم ما لا تعلمون﴾، [سورة البقرة: ٣٠]؛ قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة، حتى نهبطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان؟، قالوا: يا ربنا، هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله شيئاً أبداً، فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: لا والله لا نقتله أبداً، ثم ذهبت فرجعت بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا، فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا، قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا أبيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما، فخيّرا بين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا» (١). قلت: هذا الحديث مما اختلف أهل العلم في صحته؛ فحسنه الحافظ ابن حجر في العجاب، فقال بعد إيراده له: « … قال شيخنا الحافظ أبو الحسن (٢) في زوائد المسند: «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير موسى بن جبير، وهو ثقة» (٣). قلت: السند على شرط الحسن، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه، كعادته في تصحيح مثله … » (٤).

стр. 55

وحسنه أيضا في فتح الباري (١)، وقال في القول المسدد: «وله طرق كثيرة، جمعتها في جزء مفرد، يكاد الواقف عليه يقطع بوقوع هذه القصة، لكثرة الطرق الواردة فيها، وقوة مخارجها؛ والله أعلم» (٢) اه. وصححه الحاكم أيضا بقوله بعد إيراده له: «حديث صحيح الإسناد، لم يخرجاه، وترك حديث يحيى بن سلمة عن أبيه، من المحالات التي يردها العقل، فإنه لا خلاف أنه من أهل الصنعة، فلا ينكر لأبيه أن يخصه بأحاديث ينفرد بها» (٣). وتعقبه الذهبي بقوله: «قال النسائي: متروك، وقال أبو حاتم: منكر الحديث» (٤). وضعف هذا الحديث كثير من أهل العلم، فقد قال الإمام أحمد: «هذا منكر، إنما يروى عن كعب (٥) (٦). وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: حديث منكر (٧). وقال ابن كثير في تفسيره (٨) بعد إيراده

стр. 56

للحديث السابق عند أحمد: «وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات، من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي، مولاهم، المديني الحذاء … وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يحك فيه شيئاً من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال … »، ثم ذكر له متابعين، وقال عنهما: «وهذان أيضاً غريبان جداً، وأقرب ما في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار، لا عن النبي ﷺ ، كما قال عبد الرزاق (١) في تفسيره عن الثوري (٢)، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب … »؛ ثم ذكر له طرقاً، ثم قال: «فهذا أصح، وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع، فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار، عن كتب بني إسرائيل؛ والله أعلم» (٣). وذكر ابن كثير نحو ذلك في البداية والنهاية فقال: «روى الإمام أحمد حديثا مرفوعاً عن ابن عمر وصححه ابن حبان في تقاسيمه، وفي صحته عندي نظر، والأشبه أنه موقوف على عبد الله بن عمر، ويكون مما تلقاه عن كعب الأحبار … ثم قال: «وبالجملة فهو خبر إسرائيلي، مرجعه إلى كعب الأحبار» (٤).

стр. 57

وأخرجه البزار، وقال: «رواه بعضهم عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً، وإنما أتى رفع هذا عندي من زهير، لأنه لم يكن بالحافظ» (١). والبيهقي في سننه، وقال: «رواه موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن كعب، قال: … وهذا أشبه» (٢). وضعفه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند، وأطال النفس في إبطاله، وتعقب ابن حجر في قوله الذي مر: «وله طرق كثيرة، جمعتها في جزء مفرد، يكاد الواقف عليه أن يقطع بوقوع هذه القصة، لكثرة الطرق الواردة فيها، وقوة مخارجها»؛ تعقبه بقوله: «أما هذا الذي جزم به الحافظ بصحة وقوع هذه القصة، لكثرة طرقها، وقوة مخارج أكثرها فلا، فإنها كلها طرق معلولة، أو واهية … » (٣) (٤). وقال عنه الشيخ الألباني في الضعيفة: «باطل مرفوعاً» (٥). قلت: وبهذا يتبين أن رفع الحديث إلى النبي ﷺ غير صحيح، وأما وقفه على ابن عمر، فصحيح، وعليه يحمل تحسين الحافظ ابن حجر، إلا أن ابن عمر رواه عن كعب، فرجع إلى كونه من أخبار بني إسرائيل، لا من قول المعصوم ﷺ ؛ والله أعلم.

стр. 58

وقد جاءت جملة من الآثار تدل على ما دل عليه الأثر السابق، أنهما ملكان؛ منها: ما جاء عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد (١) بأسانيد جيدة (٢). المسألة الثالثة: في المراد ببابل في قوله: ﴿بابل﴾ فيه أربعة أقوال: القول الأول: أنها دنباوند أو جبال دماوند. القول الثاني: أنها نصيبين. القول الثالث: أنها المغرب؛ وضعفه ابن عطية. القول الرابع: أنها بابل العراق (٣)، ورجحه ابن كثير، واستدل عليه بما رواه ابن أبي حاتم (٤)، وأبو داود (٥)، عن علي ﵁، أنه قال: «إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل، فإنها ملعونة»؛ وبما

стр. 59

رواه الطبري (١)، وابن أبي حاتم (٢)، عن عائشة بسند جيد، كما قال ابن كثير (٣)، وفيه قصة عجيبة، لامرأة أرادت أن تتعلم السحر، فذهبت إلى بابل». قلت: وهو ظاهر القرآن، فإنه خطاب لرسول الله ﷺ ، وأصحابه رضوان الله عليهم بما يعرفون من اسم ذلك المكان. قوله: ﴿هاروت وماروت﴾ مر عند قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ أقوال المفسرين فيهما، وأن الراجح أنهما ملكان (٤)، وقد أورد المفسرون جملة من الآثار في خبرهما؛ منها: ١ - ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر، ﵄، وقد سبق هناك (٥)، وسبق بيان أن غايته وإن صح إلى ابن عمر أنه من أخبار بني إسرائيل. ٢ - ما رواه عبد بن حميد بسند صحيح، كما يقول الحافظ ابن حجر (٦)، عن علي ﵁، أنه قال: «أرأيتم الزهرة - نجم في السماء معروف بشدة الإضاءة - تسميها العجم أناهيد - وكانت امرأة، وكان الملكان يهبطان أول النهار، يحكمان بين الناس، ويصعدان آخر النهار، فأتتهما، فأراداها على نفسها، كل واحد من غير علم صاحبه، ثم اجتمعا، فأراداها، فقالت لهما: لا إلا أن تخبراني بم تهبطان إلى الأرض، وبما تصعدان، فقال أحدهما للآخر: علمها. فقال: كيف بنا لشدة عذاب الله؟، قال: إنا لنرجو سعة رحمة الله،

стр. 60

فعلماها، فتكلمت به، فطارت إلى السماء، فمسخها الله، فكانت كوكباً» (١). ٣ - وأخرج عبد الرزاق في تفسيره (٢)، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي (٣)، وابن حجر (٤)، عن ابن عباس، ﵄، قال: «إن المرأة التي فتن بها الملكان مسخت، فهي هذه الكوكبة الحمراء، يعني الزهرة». وقال ذكر الحافظ في العجاب له عن ابن عباس عدة طرق، بعضها مطول، وبعضها مختصر (٥). وقد جاء ذكر قصتهما عن جمع من السلف، كما في تفسير الطبري (٦)، وابن كثير (٧)، والدر المنثور (٨)، إلا أن القول الفصل فيها ما قاله ابن كثير ﵀ حيث قال: «وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي، والحسن البصري (٩)، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من

стр. 61

المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة، من غير بسط، ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى؛ والله أعلم بحقيقة الحال» (١). قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ قال ابن كثير: «أي ولقد علم اليهود الذي استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول ﷺ ، لمن فعل فعلهم ذلك أنه ما له في الآخرة من خلاق» (٢). واختلف المفسرون في المراد بالخلاق على أقوال: القول الأول: قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وسفيان: أن المراد به النصيب. القول الثاني: قال قتادة: الخلاق: الحجة. القول الثالث: قال الحسن: الخلاق: الدين. القول الرابع: قال ابن عباس: الخلاق: القوام (٣). والراجح: أن المراد بالخلاق: «النصيب»، قال الطبري: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: معنى الخلاق في هذا الموضع النصيب، وذلك أن ذلك معناه في كلام العرب، ومنه قول النبي ﷺ : «ليؤيدن الله هذا الدين بأقوام لا

стр. 62

خلاق لهم» (١). قوله: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون﴾ أي لبئس ما باعوا به أنفسهم؛ قاله السدي، وابن جرير (٢). لأن كلمة «شروا» من الأضداد، تأتي للبيع، وللشراء، كما ذكره ابن الأنباري في الأضداد (٣). قال ابن كثير (٤) في بيان معنى الآية: «يقول تعالى: «ولبئس» البديل ما استبدلوا به من السحر عوضاً عن الإيمان ومتابعة الرسل، لو كان لهم علم بما وعظوا به، ﴿ولو أنهم آمنوا، واتقوا لمثوبة من عند الله خير﴾، أي ولو أنهم آمنوا بالله ورسله، واتقوا المحارم، لكان مثوبة الله على ذلك خيراً لهم مما استخاروا لأنفسهم، ورضوا به، كما قال تعالى: ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن، وعمل صالحاً، ولا يلقاها إلا الصابرون﴾؛ [سورة القصص: ٨٠].

стр. 63

المبحث الثالث: دلالة الآية على كفر الساحر، وتحقيق القول في ذلك لقد قدمت في التعريف أن مرادي السحر الذي يكون فيه تعظيم لغير الله، وتقرب إلى الجن، ونحو ذلك، وهذا النوع لا يختلف أهل العلم في كفر من فعله - وهو السحر المعني في الآية التي نحن بصدد الاستدلال بها على كفر الساحر -. قال الشيخ الأمين الشنقيطي ﵀ في معرض تقريره مسألة كفر من تعلم السحر، أو استعمله: « … التحقيق في المسألة هو التفصيل، فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله، كالكواكب، والجن، وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر، فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة، فإنه كفر بلا نزاع، ثم ذكر من الآية ما يدل على كفره - وسنورده قريباً، إن شاء الله - ثم قال: « … وإن كان السحر لا يقتضي الكفر، كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات، وغيرها، فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر» (١). قلت: وبهذا يتبين أن مدار الحكم على كفر الساحر من عدمه يتوقف على معرفة نوعية السحر الذي يقوم به الساحر، وهل هو مما اتفق العلماء على أنه سحر أم لا؟. وقد وفق الشيخ سليمان بن عبد الله (٢) ﵀ بين قولي العلماء

стр. 64

في حكم الساحر اللذين ظاهرهما الاختلاف، فقال بعد أن ذكر قول الجمهور في كفر الساحر، وقول الشافعي في عدم كفره: « … وعند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يكفر لظنه أنه يتأتى بدون الشرك، وليس كذلك، بل لا يتأتى السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك، وعبادة الشيطان، والكواكب، ولهذا سماه الله كفراً في قوله: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ [سورة البقرة: ١٠٢]، وقوله: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ [سورة البقرة: ١٠٢] … إلى أن قال: « … وأما سحر الأدوية، والتدخين، ونحوه، فليس بسحر، وإن سمى سحراً، فعلى سبيل المجاز، كتسمية القول البليغ، والنميمة سحراً، ولكنه يكون حراماً لمضرته يعزر تعزيرا بليغاً» (١). بعد هذه المقدمة الموجزة، والتي يزول بها كثير من الإشكالات في هذا الموضوع إليك بيان دلالة الآية على كفر الساحر؛ فقد دلت هذه الآية والتي تليها على كفر الساحر من خمسة أوجه: الأول: نفي الكفر عن نبي الله سليمان ﵇ في معرض اتهامه بالسحر في قوله: ﴿وما كفر سليمان﴾، إذ لو كان ساحراً - وحاشاه - لكان كافراً. ثانياً: قوله: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ صريح في كفر معلم الناس السحر. ثالثاً: قوله عن هاروت وماروت مقرراً له: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، قال صديق حسن خان: أبلغ إنذار وأعظم تحذير، أي: إن هذا ذنب يكون من فعله كافر، فلا تكفر (٢).

стр. 65

رابعاً: قوله: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ أي: نصيب، ونفي النصيب في الآخرة بالكلية لا يكون إلا للكافر عياذاً بالله تعالى (١). خامساً: قوله: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون﴾. ففي إخباره أنهم لو تركوا الحال التي هم عليها، وانتقلوا منها إلى الإيمان، والتقوى، لكان ذلك خيراً لهم، مثوبة عند الله، دليل على أنهم كانوا كفرة، فحثهم على الإيمان. ومما يستدل به أيضاً على كفر الساحر من غير هذه الآية، ما يلي: ١ - قوله تعالى في سورة طه: [٦٩]: ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾، فهو يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد ذلك بالتعميم في الأمكنة، بقوله: «حيث أتى»، وذلك دليل على كفره، لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفياً عاماً إلا عمن لا خير فيه، وهو الكافر، قاله الأمين الشنقيطي، واستدل عليه بأمرين: الأول: هو ما جاء من الآيات الدالة على أن الساحر كافر - وذكر ما مر قريباً من الاستنباطات الدالة على كفر الساحر -. الثاني: أنه عرف باستقراء القرآن أن الغالب فيه أن لفظة: «لا يفلح»، يراد بها الكافر، كقوله تعالى في سورة يونس: [٦٨ - ٧٠]: ﴿قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون. قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون﴾.

стр. 66

وقوله في سورة يونس أيضا، آية: [١٧]: ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون﴾. وقوله في سورة الأنعام، آية: [٢١]: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون﴾؛ إلى غير ذلك من الآيات، ويفهم من مفهوم مخالفة الآيات المذكورة أن من جانب تلك الصفات التي استوجبت نفي الفلاح عن السحرة والكفرة أنه ينال الفلاح، وهو كذلك، كما بينه جل وعلا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾، [سورة البقرة: ٥]. وقوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾، [سورة المؤمنون: ١]، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ولا يفلح الساحر﴾ مضارع أفلح، بمعنى: نال الفلاح، والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب. وقوله في هذه الآية: «حيث أتى» حيث كلمة تدل على المكان، كما تدل «حين» على الزمان، ربما ضمنت معنى الشرط، فقوله: «ولا يفلح الساحر» أي: حيث توجه وسلك» (١). ٢ - ما رواه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟، قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٢). فقد جعله رسول الله ﷺ قرين الشرك، وعده من الموبقات التي توبق

стр. 67

وتهلك صاحبها في الدنيا والآخرة. ٣ - ما رواه أحمد، والحاكم، وصححه على شرطهما، والبيهقي عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أتى كاهنا أو عرّافاً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (١). والساحر كاهن وزيادة، وقد صح عن ابن مسعود ﵁ قوله: «من أتى كاهنا، أو ساحرا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد» (٢). وقد مر قول الإمام أحمد: «العراف: طرف من السحر، والساحر أخبث» (٣). ٤ - ما رواه البزار، والطبراني في الأوسط، عن عمران بن حصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من تطير، أو تطير له، أو تكهن، أو تكهن له، أو سحر، أو سحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (٤). ٥ - أن الساحر إنما يقوم بسحره بواسطة إعانة الشياطين له، مقابل ما

стр. 68

يقدمه لهم من طاعة، وخضوع في مخالفة الشرع، والالتجاء إلى الشياطين، واتخاذهم أولياء دليل على عدم الإيمان (١)، قال الله تعالى: ﴿إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾، [سورة طه: ٢٧]؛ وكما قال: ﴿فريقاً هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾، [سورة الأعراف: ٣٠]. وقال: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾، [سورة البقرة: ٢٥٧]. وقال: ﴿ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم﴾؛ [سورة الأنعام: ١١٨]. وبهذا يتبين أن الساحر كافر، وأن قول جماهير أهل العلم هو الصواب، وأن الخلاف بينهم في كفره خلاف لفظي، وصوري، وعند التحقيق لا خلاف بينهم في ذلك على ما مر؛ والله أعلم.

стр. 69

المبحث الرابع: دلالة الآية على حكم تعلم السحر وتعليمه (١) لقد جاءت هذه الشريعة المباركة بتحصيل المصالح، ودرء المفاسد، فما أحلت، وأذنت في شيء إلا وخيره أكثر من شره، إن لم يكن خيراً محضاً، ولا منعت من شيء إلا وشره أكثر من خيره، إن لم يكن شراً محضاً، ولهذا فإن الشر الذي من السحر أضعاف أضعاف ما يحصل به من النفع إن حصل؛ ولهذا لم يختلف العلماء في تحريمه، قال ابن قدامة: «تعلم السحر، وتعليمه حرام، لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم» (٢). وقال النووي: « … فعمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع»، ثم قال: « … وأما تعلمه، وتعليمه فحرام … » (٣). وقد دلت هذه الآية الكريمة على تحريم تعلمه، وتعليمه من عدة وجوه: الأول: قوله: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾، قال الأمين الشنقيطي ﵀ في تقريره عدم جواز تعلم السحر: «والتحقيق وهو الذي عليه الجمهور، وهو أنه لا يجوز، ومن أصرح الأدلة في ذلك: تصريحه تعالى بأنه يضر

стр. 70

ولا ينفع، في قوله: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾، وإذا أثبت الله أن السحر ضار، ونفى أنه نافع، فكيف يجوز تعلم ما هو ضرر محض، لا نفع فيه؟» (١). الثاني: قوله: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، فنهيهما لمن أراد أن يتعلم، وتحذيرهما له من الكفر دليل على عدم جوازه، إذا كيف يجوز تعلم، أو تعليم ما يجعل الإنسان كافراً، والعياذ بالله. قال العلامة صديق حسن خان: «الآية دليل على أن تعلم السحر كفر، وظاهره عدم التفريق بين المعتقد وغير المعتقد، وبين من تعلمه ليكون ساحراً ومن تعلمه ليقدر على دفعه» (٢). الثالث: قوله: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ فقد علل كفر الشياطين بسبب تعليمهم الناس السحر، فكيف يجوز تعلم أو تعليم ما يكفر به الإنسان، ويخرج من دينه. الرابع: قوله: ﴿ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ فالتفريق بين المرء وزوجه أمر محرم، يضاد ما أمر الله به من النكاح، واجتماع الزوجين، وائتلافهما، وحث كل واحد منهما على الصبر على الآخر، بل وبعث حكمين عند الاختلاف سعياً في الإصلاح، واستدامة العشرة الزوجية، فتعلم أو تعليم أمر يضاد ذلك، ويناقضه لا شك في تحريمه. الخامس: قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾، فنفي الحظ والنصيب في الآخرة عمن أخذ السحر، وعمل به، دليل على كفر صاحبه، لأن المسلم مهما كان عنده من الذنوب، فله حظ ونصيب في الآخرة، فأمر هذا مآل وحال صاحبه، كيف يجوز تعلمه وتعليمه؟.

стр. 71

قوله: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير﴾، فقد دلت هذه الآية على أن الساحر على حال غير الإيمان والتقوى، فخير له أن يؤمن بالله، ويتقي؛ فأمر صاحبه على غير الإيمان والتقوى، كيف يقال يجوز تعلمه، أو تعليمه؟، فإن ذلك دعوة إليه، ومعارضة لصريح القرآن في إرشاده لتركه؛ والله أعلم.

стр. 72

الفصل الثالث: آيات السحر الواردة في قصة موسى مع فرعون ؛ وتحته ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تفسير تلك الآيات، وذكر أقوال المفسرين فيها وتحته أربعة مطالب: - لقد ذكر الله قصة موسى مع فرعون وسحرته وما جرى بينهم من مناظرة، أظهر الله فيها الحق على الباطل في أربعة مواضع في كتابه الكريم: في سورة الأعراف، وفي سورة يونس، وفي سورة طه، وفي سورة الشعراء؛ كما سيأتي ذكرها وتفسيرها، وتكرر ورود هذه القصة لحكم بالغة منها: ١ - ما ذكره ابن كثير ﵀ في تفسيره (١) بقوله: « … وكثيراً ما يذكر الله تعالى قصة موسى ﵇ مع فرعون في كتابه العزيز، لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر، فسخره القدر أن رَبَّى هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع، وعقد الله له سببا أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى، ليعبده ويرجع إليه، هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله، وليس له وزير سوى أخيه هارون ﵇، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية والنفس الخبيثة الأبية، وقوي رأسه، وتولى بركنه، وادعى ما ليس له … وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل، والله تعالى يحفظ رسوله موسى وأخاه هارون، ويحوطهما بعنايته،

стр. 73

ويحرسهما بعينه التي لا تنام، ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئا بعد شيء، ومرة بعد مرة، مما يبهر العقول، ويدهش الألباب، مما لا يقوم له شيء ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله، وما تأتيهم من آية إلا هي أكبر من أختها، وصمم فرعون وملؤه - قبحهم الله - على التكذيب بذلك كله، والجحد والعناد والمكابرة، حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وأغرقهم في صيحة واحدة أجمعين: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾. [الأنعام: ٤٥]. ٢ - ومنها إظهار إعجاز القرآن، والدلالة على أنه من لدن حكيم خبير، فتجده يذكر في كل موضع من الفوائد ما لم يذكره في المواضع الأخر، مع أن كلها حق وصدق، ولهذا سمى القرآن مثاني، لأنه تثنى فيه الأخبار والقصص. ٣ - ومنها ما جبلت عليه النفوس من محبة القصص، وتأثرها به، واتعاظها بما ورد به، فكلما تكرر عليها زادت انتفاعاً به، وإتقانا لمضمونه. هذه بعض الحكم لتكرار هذه القصة العظيمة، وقد تناولت كل موضع وردت فيه بالتفسير على حدة (١) اتباعاً لكتاب الله، وجعلت كل موضع في مطلب؛ وإليك ذلك:

стр. 74

المطلب الأول: تفسير ما ورد في قصة موسى مع فرعون وسحرته في سورة الأعراف قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين. حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل. قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين. قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون. قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين. يأتوك بكل ساحر عليم. وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين. قال نعم وإنكم لمن المقربين. قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين. قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم. وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون. فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين. وألقي السحرة ساجدين. قالوا آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون. قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون. لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين. قالوا إنا إلى ربنا منقلبون. وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين﴾ [الأعراف: ١٠٤ - ١٢٦]. التفسير: يخبر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة أن موسى ﵇ لما جاء إلى فرعون، ودعاه إلى الإيمان بالله، وأخبره بأنه رسول من رب العالمين، وأن معه بينة ومعجزة تدل على صدقه، وهي العصا واليد، طالبه فرعون بالإتيان بذلك،

стр. 75

كما قال تعالى عنه: ﴿قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين﴾ فأجابه موسى إلى ذلك، قال تعالى: ﴿فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين﴾، قال ابن عباس: «ثعبان مبين»، الحية الذكر، وفي رواية عنه: «فتحولت - أي العصا - حية عظيمة، فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رأى فرعون أنها قاصدة إليه اقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل؛ ونحوه قول قتادة، والسدي (١). وقوله: ﴿ونزع يده فإذا هي بيضاء﴾ قال ابن عباس: «أي: أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء ﴿من غير سوء﴾ يعني من غير برص، ثم أعادها إلى كمه، فعادت إلى لونها الأول، وكذا قال مجاهد وغير واحد (٢). فلما جاءهم موسى بالبينات لم يستكينوا للحق، ولم يؤمنوا، بل وصفوا موسى بأنه ساحر، وما جاء به السحر، كما قال تعالى: ﴿وقال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم﴾، والمراد بالملأ: جمهورهم وسادتهم، موافقة لقول فرعون، حيث قال ذلك أولاً، كما أخبر الله تعالى عنه في سورة الشعراء حينما رأى آية العصا والثعبان: ﴿قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم﴾، [الشعراء، آية: ٣٤]. أي ساحر عليم بالسحر. ﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون﴾ يعني يريد أن يخرجكم من أرض مصر - ثم تشاوروا في شأنه، وماذا يصنعون في أمره، وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره، فاتفق رأيهم على ما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿قالوا أرجه
следующие страницы →