← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1292

تبصير البشر بتحريم السحر

علي بن غازي التويجري

Полный текст (129 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قوله: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير﴾، فقد دلت هذه الآية على أن الساحر على حال غير الإيمان والتقوى، فخير له أن يؤمن بالله، ويتقي؛ فأمر صاحبه على غير الإيمان والتقوى، كيف يقال يجوز تعلمه، أو تعليمه؟، فإن ذلك دعوة إليه، ومعارضة لصريح القرآن في إرشاده لتركه؛ والله أعلم.

стр. 72

الفصل الثالث: آيات السحر الواردة في قصة موسى مع فرعون ؛ وتحته ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تفسير تلك الآيات، وذكر أقوال المفسرين فيها وتحته أربعة مطالب: - لقد ذكر الله قصة موسى مع فرعون وسحرته وما جرى بينهم من مناظرة، أظهر الله فيها الحق على الباطل في أربعة مواضع في كتابه الكريم: في سورة الأعراف، وفي سورة يونس، وفي سورة طه، وفي سورة الشعراء؛ كما سيأتي ذكرها وتفسيرها، وتكرر ورود هذه القصة لحكم بالغة منها: ١ - ما ذكره ابن كثير ﵀ في تفسيره (١) بقوله: « … وكثيراً ما يذكر الله تعالى قصة موسى ﵇ مع فرعون في كتابه العزيز، لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر، فسخره القدر أن رَبَّى هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع، وعقد الله له سببا أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى، ليعبده ويرجع إليه، هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله، وليس له وزير سوى أخيه هارون ﵇، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية والنفس الخبيثة الأبية، وقوي رأسه، وتولى بركنه، وادعى ما ليس له … وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل، والله تعالى يحفظ رسوله موسى وأخاه هارون، ويحوطهما بعنايته،

стр. 73

ويحرسهما بعينه التي لا تنام، ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئا بعد شيء، ومرة بعد مرة، مما يبهر العقول، ويدهش الألباب، مما لا يقوم له شيء ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله، وما تأتيهم من آية إلا هي أكبر من أختها، وصمم فرعون وملؤه - قبحهم الله - على التكذيب بذلك كله، والجحد والعناد والمكابرة، حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وأغرقهم في صيحة واحدة أجمعين: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾. [الأنعام: ٤٥]. ٢ - ومنها إظهار إعجاز القرآن، والدلالة على أنه من لدن حكيم خبير، فتجده يذكر في كل موضع من الفوائد ما لم يذكره في المواضع الأخر، مع أن كلها حق وصدق، ولهذا سمى القرآن مثاني، لأنه تثنى فيه الأخبار والقصص. ٣ - ومنها ما جبلت عليه النفوس من محبة القصص، وتأثرها به، واتعاظها بما ورد به، فكلما تكرر عليها زادت انتفاعاً به، وإتقانا لمضمونه. هذه بعض الحكم لتكرار هذه القصة العظيمة، وقد تناولت كل موضع وردت فيه بالتفسير على حدة (١) اتباعاً لكتاب الله، وجعلت كل موضع في مطلب؛ وإليك ذلك:

стр. 74

المطلب الأول: تفسير ما ورد في قصة موسى مع فرعون وسحرته في سورة الأعراف قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين. حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل. قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين. قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون. قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين. يأتوك بكل ساحر عليم. وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين. قال نعم وإنكم لمن المقربين. قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين. قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم. وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون. فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين. وألقي السحرة ساجدين. قالوا آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون. قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون. لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين. قالوا إنا إلى ربنا منقلبون. وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين﴾ [الأعراف: ١٠٤ - ١٢٦]. التفسير: يخبر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة أن موسى ﵇ لما جاء إلى فرعون، ودعاه إلى الإيمان بالله، وأخبره بأنه رسول من رب العالمين، وأن معه بينة ومعجزة تدل على صدقه، وهي العصا واليد، طالبه فرعون بالإتيان بذلك،

стр. 75

كما قال تعالى عنه: ﴿قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين﴾ فأجابه موسى إلى ذلك، قال تعالى: ﴿فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين﴾، قال ابن عباس: «ثعبان مبين»، الحية الذكر، وفي رواية عنه: «فتحولت - أي العصا - حية عظيمة، فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رأى فرعون أنها قاصدة إليه اقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل؛ ونحوه قول قتادة، والسدي (١). وقوله: ﴿ونزع يده فإذا هي بيضاء﴾ قال ابن عباس: «أي: أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء ﴿من غير سوء﴾ يعني من غير برص، ثم أعادها إلى كمه، فعادت إلى لونها الأول، وكذا قال مجاهد وغير واحد (٢). فلما جاءهم موسى بالبينات لم يستكينوا للحق، ولم يؤمنوا، بل وصفوا موسى بأنه ساحر، وما جاء به السحر، كما قال تعالى: ﴿وقال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم﴾، والمراد بالملأ: جمهورهم وسادتهم، موافقة لقول فرعون، حيث قال ذلك أولاً، كما أخبر الله تعالى عنه في سورة الشعراء حينما رأى آية العصا والثعبان: ﴿قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم﴾، [الشعراء، آية: ٣٤]. أي ساحر عليم بالسحر. ﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون﴾ يعني يريد أن يخرجكم من أرض مصر - ثم تشاوروا في شأنه، وماذا يصنعون في أمره، وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره، فاتفق رأيهم على ما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿قالوا أرجه

стр. 76

وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم﴾، وفي الشعراء: ﴿سحَّار عليم﴾ أي كثير السحر، عالم فيه - ومعنى: «أرجه» من الإرجاء، وهو التأخير، أي: أخره وأخاه، قاله ابن عباس، وقال قتادة: احبسه، والصواب الأول؛ قال الطبري: الإرجاء في كلام العرب التأخير، يقال: «أرجيت هذا الأمر» «وأرجأته» إذا أخرته، ومنه قوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن﴾ [سورة الأحزاب: ٥١] تؤخر (١). ﴿وأرسل﴾ أي: وابعث، كما هو لفظ آية الشعراء (٢). والمدائن: هي الأقاليم وأطراف الملك، أي: وابعث في أقاليم ملكك ومدنه ﴿حاشرين﴾ أي: من يحشر لك السحرة، ويجمعهم من سائر أطراف البلاد. والحاشرون: هم الشرط، شرط فرعون، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وغيرهم (٣). وقد كان السحر في زمنهم غالباً كثيراً ظاهراً، لهذا اعتقد من اعتقد منهم، وأوهم من أوهم أن ما جاء به موسى من قبيل ذلك - كما مر قريباً من قول فرعون وملئه: ﴿إن هذا لساحر عليم﴾، وكما قال تعالى في سورة طه مخبراً عن قول فرعون: ﴿أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى. فلنأتينك بسحر مثله﴾، [طه: ٥٧، ٥٨]. ثم قال تعالى: ﴿وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين. قال نعم وإنكم لمن المقربين﴾. أي: جاء السحرة بعد جمعهم من أطراف مملكة فرعون،

стр. 77

فشارطوه إن غلبوا موسى ليثيبنهم، وليعطينهم عطاء جزيلاً، روي معنى ذلك عن ابن عباس، والسدي، وابن إسحاق (١). وقد اختلف في عدد السحرة، فقال عكرمة (٢): كانوا سبعين ألفاً. وقال ابن إسحاق: خمسة عشر ألفاً. وقال كعب: اثنا عشر ألفاً (٣). قلت: ولا يترتب على معرفة ذلك حكم، والله أعلم بعددهم. وقوله: ﴿قال نعم وإنكم لمن المقربين﴾، أي: إنكم لممن أقربه وأدنيه مني، فوعدهم الأجر، والتقريب، وعلو المنزلة عنده، ليجتهدوا ويبذلوا وسعهم وطاقتهم. ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين﴾ هذه مبارزة من السحرة لموسى ﵇ لما اجتمعوا في حضرة الخلق العظيم، فقالوا على سبيل التألي وعدم المبالاة: إما أن تلقي ما معك، وإما أن نلقي نحن عصينا وما جئنا به؛ قال لهم: ألقوا أنتم قبل. والحكمة في هذا - والله أعلم - ليرى الناس صنيعهم ويتأملوه، فإذا فُرغ من تخييلهم جاء الحق الواضح الجلي بعد تطلب له، وانتظار لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس، وكذا كان. ﴿فلما ألقوا سحروا أعين الناس﴾ سحروا أعينهم سحراً حقيقياً، حيث صرفوها عن إدراكها، فصارت تتخيل الحبال والعصي تسعى (٤).

стр. 78

﴿واسترهبوهم﴾ أي: أدخلوا الرهبة والخوف في قلوبهم، ﴿وجاءوا بسحر عظيم﴾ أي: تخييل عظيم كبير من التخييل والخداع. قال ابن عباس: «القوا حبالا غلاظاً طوالا وخشبا طوالا، فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى» (١). وقال ابن إسحاق: «صف خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه، مع أشراف مملكته، ثم قالت السحرة: ﴿يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى. قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [سورة طه: ٦٥، ٦٦]، فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من العصي والحبال، فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي، يركب بعضها بعضاً، ﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى﴾ [سورة طه: ٦٧]، وقال: والله إن كانت لعصيا في أيديهم، ولقد عادت حيات، وما تعدو عصاي هذه … أو كما حدث في نفسه» (٢). قال تعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون﴾، يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى ﵇ في ذلك الموقف العظيم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل، يأمره بأن يلقي ما في يمينه، وهي عصاه، فألقاها فإذا هي تلقم وتبتلع ﴿ما يأفكون﴾، أي ما يلقونه، ويوهمون أنه حق، وهو باطل. قال ابن عباس: فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم وخشبهم إلا التقمته،

стр. 79

فعرفت السحرة أن هذا أمر من السماء وليس بسحر، فخروا سجداً، وقالوا: ﴿آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون﴾، ونحوه قول السدي، وقتادة، وابن إسحاق، وابن أبي بزة (١) (٢). ﴿فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون﴾، أي: فظهر الحق، وتبين لمن شهده وحضره في أمر موسى وأنه لله رسول يدعو إلى الحق ﴿وبطل ما كانوا يعملون﴾، من إفك السحر وكذبه؛ ﴿فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين﴾، أي: فغلب موسى فرعون وجموعه «هنالك» عند ذلك، «وانقلبوا صاغرين» أي: انصرفوا من ذلك الموقف، «صاغرين» ذليلين مقهورين، قد اضمحل باطلهم، وتلاشى سحرهم، ولم يحصل لهم المقصود. ﴿وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون﴾، أي: خروا على وجوههم سجداً لربهم قائلين: صدقنا بما جاءنا به موسى، وآمنا بربنا رب العالمين، ثم لم يكتفوا بذلك حتى قالوا: ﴿رب موسى وهارون﴾ لئلا يتوهم متوهم من قوم فرعون المقرين له بإلاهيته أن السجود له. وأجابوا للحق مسرعين، لأنهم يعرفون من السحر وأنواعه وجزئياته ما لا يعرفه غيرهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله لا قدرة لأحد بها. ﴿قال فرعون آمنتم به﴾، أي: قال لهم فرعون متوعداً ومهدداً لهم على الإيمان أصدقتم موسى وأقررتم بنبوته، ﴿قبل أن آذن لكم﴾ بالإيمان به. وهذا دليل أنه كان طاغية حاكما مستبداً على أديانهم وأقوالهم، فقد تقرر عنده

стр. 80

وعندهم أن قوله هو المطاع، وأمره نافذ فيهم، ولا خروج لأحد عن قوله وحكمه. ﴿إن هذا﴾ أي: تصديقكم إياه وإيمانكم به، ﴿لمكر مكرتموه في المدينة﴾ يقول لخدعة خدعتم بها من في مدينتنا ومواطأة بينكم وبين موسى على أن تنغلبوا له فتتبعوه، ثم يتبعكم الناس فتخرجوا منها أهلها ﴿فسوف تعلمون﴾ ما أفعل بكم، وما أحل بكم من العقوبة، ثم فسر هذا الوعيد. ﴿لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين﴾ يعني بقطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى أو العكس، فيخالف بين العضوين في القطع، ﴿ولأصلبنكم أجمعين﴾ أي على جذوع النخل، كما في سورة طه آية [٧] ﴿في جذوع النخل﴾، قال ابن عباس، وكان أول من صلب، وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون (١). ﴿قالوا إنا إلى ربنا منقلبون﴾، أي: راجعون إليه بالموت، ﴿وما تنقم منا﴾ وما تنكر منا، ولا تعيب علينا، ﴿إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا﴾، أي: بحججه وأدلته التي لا يقدر على مثلها أنت، ولا أحد سوى الله، ثم دعوا الله قائلين، ﴿ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين﴾ أي: أفض علينا صبراً، أي حبساً يحبسنا عن الكفر بك عند تعذيب فرعون لنا، ﴿وتوفنا مسلمين﴾ أي: اقبضنا إليك على الإسلام منقادين لأمرك متبعين لرسولك؛ قال ابن عباس، وعبيد بن عمير (٢)،

стр. 81

وقتادة، وابن جريج: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخره شهداء (١) (٢). المطلب الثاني: تفسير الآيات الواردة في قصة موسى مع فرعون والسحرة في سورة يونس قال الله تعالى: ﴿ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين. فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين. قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون. قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين. وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم. فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون. فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين. ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون﴾ [سورة يونس: ٧٥ - ٨٢]. التفسير: يخبر ربنا ﵎ بقوله: ﴿ثم بعثنا من بعدهم﴾ أنه بعث وأرسل من بعد أولئك الرسل - وهم من بعد نوح - ﴿موسى وهارون﴾ ابني عمران إلى ﴿فرعون﴾ مصر ﴿وملئه﴾ قومه، ﴿بآياتنا﴾ أي: حججنا وبراهيننا الدالة على حقيقة ما دعوهم إليه من الإذعان لله بالعبودية والإقرار لهما بالرسالة، ﴿فاستكبروا﴾ عن اتباع الحق والانقياد له، ﴿وكانوا قوماً مجرمين﴾ يعني: آثمين

стр. 82

مكذبين بالحق. ﴿فلما جاءهم الحق من عندنا﴾، وهو ما جاء به موسى من الحجج والآيات، ﴿قالوا إن هذا لسحر مبين﴾ أي: بين لمن رآه وعاينه أنه سحر. ﴿قال موسى﴾ موبخاً لهم على ردهم للحق الذي لا يرده إلا أظلم الناس ﴿أتقولون للحق لما جاءكم﴾ أنه سحر مبين، ﴿أسحر هذا﴾ إنكار عليهم، فإنه بمجرد النظر في وصفه، وما اشتمل عليه يجزم بأنه الحق، ﴿ولا يفلح الساحرون﴾ لا يظفرون بمطلوب، ولا يفوزون بخير لا في الدنيا ولا في الآخرة. ﴿قالوا﴾ رادين لقوله بما لا يُرد به ﴿أجئتنا﴾ يا موسى ﴿لتلفتنا﴾ لتصرفنا وتثنينا ﴿عما وجدنا عليه آباءنا﴾ أي: الدين الذي كانوا عليه، فجعلوا الباطل والشرك الذي عليه آباؤهم حجة يردون بها الحق الذي جاء به موسى. ﴿وتكون لكما﴾ أي: لك ولهارون ﴿الكبرياء في الأرض﴾ أي: الملك، قاله مجاهد، وقال الضحاك: الطاعة في الأرض، وقيل: العظمة والرياسة (١)، وهي متقاربة؛ ﴿وما نحن لكما بمؤمنين﴾ بمقرين بأنكما رسولان أرسلتما إلينا ولا متبعين ما جئتما به تكبراً وعناداً، لا لبطلان ما جاءا به، ولا لاشتباه فيه، ولا لغير ذلك، إنما هو الظلم والعدوان، وإرادة العلو في الأرض الذي رموا به موسى وأخاه. ﴿وقال فرعون﴾ معارضاً للحق الذي جاء به موسى ﴿ائتوني بكل ساحر عليم﴾ ماهر بالسحر متقن له، فأرسل في مدائن مصر من أتاه بأنواع السحرة. ﴿فلما جاء السحرة﴾ لمغالبة موسى ﴿قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون﴾ أي: أيُّ شيء أردتم لا أُعيّن لكم شيئا، وذلك لأنه جازم بغلبته غير مبال بهم وبما جاءوا به، وليرى الناس ما صنعوا من الباطل، ثم يأتي الحق بعده، فيدمغه. ﴿فلما ألقوا﴾

стр. 83

حبالهم وعصيهم ﴿قال موسى ما جئتم به السحر﴾ أي: هو السحر العظيم، ولكن مع ذلك ف ﴿إن الله سيبطله﴾ أي: سيذهب به، فذهب به تعالى بأن سلط عليه عصا موسى حينما حولها ثعبانا تتلقفه، حتى لم يبق فيه شيء، كما في سورة الأعراف، آية: [١١٧]: ﴿فإذا هي تلقف ما يأفكون﴾، وفي سورة طه، آية: [٦٩]: ﴿وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا﴾. ﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾ أي: أن الله لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه، وعمل فيها بمعاصيه. ﴿ويحق الحق﴾ أي: يبينه ويوضحه ﴿بكلماته﴾ التي أنزلها في كتبه على رسله، لاشتمالها على الحجج والبراهين ﴿ولو كره المجرمون﴾ من آل فرعون والمجرمون على العموم (١). المطلب الثالث: تفسير الآيات الواردة في قصة موسى مع فرعون وسحرته في سورة طه قال الله تعالى: ﴿ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى. قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى. فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوًى. قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى. فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى. قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى. فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى. قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى. فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفاً وقد أفلح اليوم من استعلى. قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى.

стр. 84

قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. فأوجس في نفسه خيفة موسى. قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى. وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى. فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى. قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى. قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى. إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى. ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى. جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى﴾ [سورة طه: ٥٦ - ٧٦]. يخبر جل وعلا عن قيام الحجة على فرعون بقوله: ﴿ولقد أريناه آياتنا كلها﴾ أي: أدلتنا وحججنا على حقيقة ما أرسلنا به رسولينا: موسى وهارون كلها. ﴿فكذب وأبى﴾ أن يقبل من موسى وهارون ما جاءا به من عند ربهما من الحق استكباراً وعناداً، كما قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾ [النحل: ١٤]، فقال عند ذلك: ﴿أجئتنا لتخرجنا من أرضنا﴾ منازلنا ودورنا ﴿بسحرك يا موسى﴾ زعم أن الآيات التي جاء بها موسى سحر وتمويه، لذا قال: ﴿فلنأتينك بسحر مثله﴾ أي: لنعارضنك بمثل ما جئت به من السحر، حتى يتبين للناس أن الذي جئت به سحر، يقدر على مثله الساحر، ﴿فاجعل بيننا وبينك موعداً﴾، أي: وعداً، أي: اجعل لنا يوماً معلوماً، ويدل عليه: ﴿موعدكم يوم الزينة﴾، وقيل: مكاناً، أي: مكانا مستوياً يتبين الناس ما فيه، قاله عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم، وقال السدي: عدلاً، وقال مجاهد، وقتادة

стр. 85

«سوى» نصفاً بيننا وبينك. ﴿قال﴾ موسى ﴿موعدكم يوم الزينة﴾ وهو يوم عيدهم، قاله ابن جريج والسدي، وقتادة، وابن زيد، وقال سعيد بن جبير: يوم سوقهم، وقال ابن عباس: كان يوم الزينة يوم عاشوراء (١). قال ابن كثير ولا منافاة بينها (٢). ﴿وأن يحشر الناس ضحى﴾، أي: وقت الضحى، ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح، وهكذا شأن الأنبياء، كل أمرهم واضح بين، ليس فيه خفاء ولا ترويج. ﴿فتولى فرعون﴾، أي: انصرف من ذلك المكان، ليهيئ ما يحتاج إليه مما تواعدا عليه، وقيل: «تولى» أعرض عن الحق، ﴿فجمع كيده﴾ أي ما يكيد به موسى من السحرة، ﴿ثم أتى﴾ أي: جاء للموعد الذي وعده موسى، ومعه سحرته. ﴿قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا﴾ لا تختلقوا على الله كذباً، ولا تتقولوه، ﴿فيسحتكم بعذاب﴾ السحت: الاستئصال، أي: فيستأصلكم بعذاب يهلككم، قاله قتادة، وقال ابن عباس: فيهلككم. ﴿وقد خاب من افترى﴾ أي: خاب وخسر من افترى على الله الكذب. ﴿فتنازعوا أمرهم بينهم﴾ أي: تناظروا وتشاوروا وتجاذبوا أطراف الكلام، فصار كل منهم ينزع بكلام، وذلك بعد قول موسى ﵇ السابق؛ ﴿وأسروا النجوى﴾ النجوى: هي المناجاة، والمعنى: أن السحرة تناجوا فيما بينهم سراً، وقد اختلف في الشيء الذي تناجوا فيه. فقال قتادة: قالوا: إن كان هذا ساحراً فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

стр. 86

وقال وهب بن منبه (١): قال بعضهم لبعض ما هذا بقول ساحر. وقال السدي: قالوا فيما بينهم عن موسى وهارون: «إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما». وقال الفراء والزجاج (٢): قال بعضهم لبعض: إن غلبنا اتبعناه (٣). وقد اختلفت القراءة في قوله: «إن هذان». فقرأ عامة القراء بتشديد النون في «إن»، وبالألف في «هذان»، على أن «إن» هي الناصبة، و «هذان» اسمها، لكنها على لغة بني الحارث بن كعب (٤)، يلزمون المثنى الألف في كل حال. وقرأ حفص (٥): «إن» بتخفيف النون، و «هذان» بالألف، على أن «إن»

стр. 87

مخففة من الثقيلة مهملة، و «هذان» مبتدأ، و «لساحران» خبر. وقرأ ابن كثير (١) مثل قراءة «حفص» إلا أنه شدد النون من «هذان»، وذلك للتعويض عن ألف المفرد التي حذفت في التثنية. وقرأ أبو عمرو (٢): «إن» بتشديد النون، و «هذين» بالياء، على أن «إنَّ» هي المؤكدة العاملة، و «هذين» اسمها (٣). ﴿إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم﴾، وهي أرض مصر، ﴿بسحرهما﴾ الذي أظهراه، ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾، قال ابن عباس، ومجاهد: ﴿طريقتكم المثلى﴾ سادتكم وأشرافكم، يقال: هو طريقة قومه، ونظورة قومه، ونظيرتهم إذا كان سيدهم وشريفهم والمنظور إليه، يقال ذلك للواحد والجمع، وربما جمعوا فقالوا هؤلاء طرائق قومهم، ومنه قوله تعالى: ﴿كنا طرائق قددا﴾، [الجن: ١١]؛ قاله ابن جرير (٤).

стр. 88

وقال ابن زيد، والكسائي (١): أي يغيروا سنتكم ودينكم الذي أنتم عليه. وقال ابن عباس: طريقتكم المثلى، ملكهم الذي هم فيه والعيش (٢). قال ابن كثير: «﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ ويستبدَّا بهذه الطريقة، وهي السحر، فإنهم كانوا معظمين بسببها، لهم أموال وأرزاق عليها، يقولون: إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض، وتفردوا بذلك، وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم» (٣). ﴿فأجمعوا كيدكم﴾ الإجماع: الإحكام، والعزم على الشيء. أي: اعزموا على أمركم، وأظهروه دفعة واحدة، متظاهرين متساعدين فيه، متناصرين متفقا رأيكم وكلمتكم. ﴿ثم ائتوا صفاً﴾ أي: مصطفين مجتمعين، ليكون أمكن لعملكم، وأهيب لكم في القلوب، ﴿وقد أفلح اليوم من استعلى﴾ أي: قد ظفر بحاجته من علا على صاحبه، فقهره وغلبه. ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى﴾ خيروا موسى، موهمين أنهم على جزم من ظهورهم عليه بأيّ حال كانت، قال لهم موسى: ﴿بل ألقوا﴾ أنتم، فألقوا ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾، وذلك أنهم

стр. 89

سحروا أعين الناس، ومن بينهم موسى وفرعون حقيقة، وصار أثر ذلك السحر أن أعينهم صارت تتخيل سعي العصي والحبال وحركتها (١). ﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى﴾ أي: أحس خوفاً، كما هو مقتضى الطبيعة البشرية، وإلا فهو جازم بوعد ربه، وقيل: خاف موسى على الناس أن يفتتنوا بسحرهم، ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه؛ ﴿قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى﴾ أي: المستعلي عليهم بالظفر والغلبة والقهر، ﴿وألق ما في يمينك﴾ أي عصاك، ﴿تلقف ما صنعوا﴾ أي: تتلقف وتبتلع بسرعة حبالهم وعصيهم، ﴿إنما صنعوا كيد ساحر﴾ مكيدة وخديعة ساحر، ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ أي: لا يفلح جنس الساحر، حيث أتى، وأين توجه. ﴿فألقي السحرة سجداً قالوا آمنا برب هارون وموسى﴾، في الكلام محذوف، تقديره: فألقى موسى عصاه، فلقفت حبالهم وعصيهم، فلما رأوا ذلك سجدوا، وقد سبق في سورة الأعراف ذكر ذلك، وتفسيره (٢). قال ابن كثير: «وذلك أنها - أي عصا موسى - صارت ثعبانا عظيماً هائلا ذا عيون وقوائم وعنق ورأس وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي، حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهرة نهاراً ضحوة، فقامت المعجزة، واتضح البرهان، وبطل ما كانوا يعملون … ، ثم قال: «فلما عاين السحرة ذلك، وشاهدوه، ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه، علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول

стр. 90

للشيء كن فيكون، فعند ذلك وقعوا سجداً، وقالوا: «آمنا برب العالمين رب موسى وهارون»، ولهذا قال ابن عباس، وغيره: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة (١). ﴿قال آمنتم له﴾ أي: صدقتموه وأقررتم له ﴿قبل أن آذن لكم﴾ في ذلك، بل أفتتم عليّ، ولم تراجعوني وتأخذوا موافقتي، ثم قال قولا يعلم الجميع أنه بهت وكذب ﴿إنه لكبيركم الذي علمكم السحر﴾ أي: لعظيمكم ورئيسكم الذي علمكم السحر، واتفقتم معه عليَّ، ﴿فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف﴾ أي: مخالفا بينها، اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو عكسها، ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ أي: على جذوع النخل، ﴿ولتعلمن أيّنا أشد عذاباً وأبقى﴾ وأدوم أنا أو موسى، ﴿قالوا لن نؤثرك﴾ نختارك ونتبعك ﴿على ما جاءنا من البينات﴾ الحجج والآيات الواضحات على حقيقة ما دعاهم إليه موسى، ﴿والذي فطرنا﴾ معطوف على ﴿ما جاءنا﴾ أي: لن نختارك على ما جاءنا به موسى من البينات والذي فطرنا. وقيل: هو قسم، أي: والله الذي فطرنا لا نؤثرك. ومعنى «فطرنا» أي: خلقنا، ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ فاصنع ما أنت صانع، واعمل بنا ما بدا لك، ﴿إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾ إنما سلطانك علينا، ونفوذ أمرك فينا في هذه الحياة الدنيا، ولا سبيل لك علينا فيما بعدها، ﴿إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا﴾ التي سلفت منا من الكفر، والذنوب، ﴿وما أكرهتنا عليه من السحر﴾ أي: وليغفر لنا ما أكرهتنا عليه من عمل السحر الذي عارضنا به الحق، ﴿والله خير﴾ منك ثواباً لمن أطاعه ﴿وأبقى﴾ وأدوم عذاباً لمن عصاه. ﴿إنه من يأت ربه مجرماً﴾ أي: يلقى الله متلبساً بالكفر والمعاصي ﴿فإن له نار جهنم﴾ مرجعاً ومآلاً ومسكناً ﴿لا يموت

стр. 91

فيها﴾ فيستريح من العذاب، ﴿ولا يحيى﴾ حياة طيبة، ﴿ومن يأته مؤمناً﴾ موحداً لا يشرك به شيئاً ﴿قد عمل الصالحات﴾، أي: الطاعات وما أمره الله به، ﴿فأولئك لهم الدرجات العلى﴾ في الجنة، ﴿جنات عدن﴾ بيان للدرجات، أو بدل منها؛ والعدن: الإقامة، يعني: جنات إقامة لا ضعن عنها ولا نفاد ولا فناء، ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ يعني: من تحت أشجارها الأنهار، ﴿خالدين فيها﴾ أي: ماكثين فيها دائماً وأبداً، ﴿ذلك﴾ إشارة لما تقدم من الثواب، ﴿جزاء من تزكى﴾ أي: تطهر من الكفر والمعاصي والذنوب (١). المطلب الرابع: تفسير الآيات الواردة في قصة موسى مع فرعون وسحرته في سورة الشعراء قال الله تعالى: ﴿قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين. قال أو لو جئتك بشيء مبين. قال فأت به إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين. قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون. قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين. يأتوك بكل سحّار عليم. فجمع السحرة لميقات يوم معلوم. وقيل للناس هل أنتم مجتمعون. لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين. فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين. قال نعم وإنكم إذاً لمن المقربين. قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون. فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون. فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون. فألقي السحرة ساجدين.

стр. 92

قالوا آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون. قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علَّمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين. قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون. إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين﴾ [سورة الشعراء: ٢٩ - ٥١]. التفسير: يخبر جل وعلا أن فرعون لما دعاه موسى إلى الإيمان برب العالمين أبى، وأعرض، وكابر، بل وتهدد موسى قائلا: ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ أي: لأجعلنك من أهل السجن، ﴿قال﴾ موسى ﴿أو لو جئتك بشيء مبين﴾ أي: بحجة وبرهان قاطع واضح يبين لك صحة ما جئت به، ﴿قال﴾ فرعون ﴿فأت به إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين﴾ حية ذكر، بين واضح (١)، ﴿ونزع يده﴾ وأخرج موسى يده من جيبه، ﴿فإذا هي بيضاء﴾ تلمع ﴿للناظرين﴾ لمن ينظر إليها ويراها، ﴿قال للملأ حوله﴾ يعني: لأشراف قومه وسادتهم الذين كانوا حوله ﴿إن هذا لساحر عليم﴾ أي: لساحر ذو علم ومعرفة بالسحر، بارع فيه، فروج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر، لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم على مخالفته، والكفر به، فقال: ﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره﴾ أي: من بلادكم، وهي مصر. خوفهم فرعون أن هذا قصده، ليجدوا ويجتهدوا في معاداة من يريد إجلاءهم عن أولادهم وديارهم. ﴿فماذا تأمرون﴾ ما رأيكم، وما مشورتكم فيما نصنع به. ﴿قالوا أرجه وأخاه﴾ أخر موسى وأخاه، وأنظرهما، وقيل: أحبسهما، ﴿وابعث في المدائن﴾ في الأقاليم، وأطراف الملك ﴿حاشرين﴾ هم الشرط، يقومون بجمع السحرة من كل مكان،

стр. 93

﴿يأتوك بكل ساحر عليم﴾ أي: بكل ساحر فائق في معرفة السحر وصنعته، ﴿فجمع السحرة لميقات يوم معلوم﴾ وهو يوم الزينة الذي ضربه موسى لفرعون وملائه (١)، ﴿وقيل للناس هل أنتم مجتمعون﴾ أي: نودي بعموم الناس بالاجتماع في ذلك اليوم المعلوم، وحثوا على ذلك، ﴿لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين﴾، فيه دليل على خبث طوية القوم، وأن الرعية على دين ملكهم، حيث قالوا ذلك، ولم يقولوا نتبع الحق، سواء كان من السحرة، أو من موسى. ﴿فلما جاء السحرة﴾ إلى فرعون ﴿قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً﴾ أي: لجزاء تجزينا به من مال أو جاه؟، ﴿قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين﴾ أي: أخص مما تطلبون، أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي. ﴿قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون﴾ في الكلام اختصار، يدل عليه قوله تعالى في سورة الأعراف، آية: [١١٥]: ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين﴾، وفي سورة طه، آية: [٦٥]: ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى﴾. فقد عرضوا عليه أيهم يبدأ بالإلقاء، فقال لهم: ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ أي: ألقوا ما في خواطركم إلقاؤه، ولم يقيدهم بشيء دون شيء، لجزمه ببطلان ما جاءوا به من معارضة الحق ﴿فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون﴾، أقسموا بعزة فرعون وشدة سلطانه ومنعة مملكته ﴿إنا لنحن الغالبون﴾ هذا جواب القسم، وقيل: المراد بقولهم: ﴿بعزة فرعون﴾ أي: نغلب بسبب عزة فرعون، والمراد بالعزة: العظمة، وقد ذكر الله في سورة الأعراف، آية: [١١٦] أنهم ﴿سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم﴾، وفي سورة طه، آية [٦٦ - ٦٧]: ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى. وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد

стр. 94

ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾. وقال هاهنا: ﴿فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون﴾ أي: تختطفه وتجمعه من كل بقعة، وتبتلعه، ولم تدع منه شيئا. فلما رأى السحرة هذه الآية العظيمة تيقنوا أن هذا ليس بسحر، وإنما هو آية من آيات الله، ومعجزة تنبئ بصدق موسى، وصحة ما جاء به، ﴿فألقي السحرة ساجدين﴾ أي: خروا لوجوههم سجداً لله، مذعنين له بالطاعة، مقرين لموسى بالذي أتاهم به من عند الله أنه هو الحق، وأن ما كانوا يعملونه من السحر باطل قائلين: ﴿آمنا برب العالمين﴾ الذي دعانا موسى لعبادته، ﴿رب موسى وهارون﴾، هذا عطف بيان ل (رب العالمين)، وأضافوا ربوبيته إليهما، لأنهما القائمان بالدعوة إليه في تلك الحال، وفيه تبكيت لفرعون بأنه ليس برب، وأن الرب في الحقيقة هو الله. فلما سمع فرعون ذلك منهم، ورأى سجودهم لغيره، تمادى في غيه وطغيانه وعناده، فقال لهم: ﴿آمنتم له قبل آذن لكم﴾ في الإيمان به، فقال مغالطاً للسحرة الذين آمنوا، وموهماً للناس أن فعل موسى سحر من جنس ذلك السحر ﴿إنه لكبيركم الذي علمكم السحر﴾ أي: إنه لرئيسكم في السحر، وهو الذي علمكموه، ولذلك آمنتم به، ﴿فلسوف تعلمون﴾ تهددهم إجمالا، ثم فصل تهديده قائلا: ﴿لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف﴾، أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى، ثم اليد اليسرى والرجل اليمنى، ﴿ولأصلبنكم أجمعين﴾ أكد أنه لن يستبق أحداً، فقال السحرة حين وجدوا حلاوة الإيمان، وذاقوا لذته: ﴿لا ضير﴾ أي: لا ضرر علينا، ولا يضرنا الذي تقول، وإن صنعته بنا، قاله ابن زيد (١)، ﴿إنا إلى ربنا منقلبون﴾ أي: راجعون، وهو لا يضيع أجر من أحسن

стр. 95

عملاً، ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء ﴿إنا نطمع﴾ أي: نرجو ﴿أن يغفر لنا خطايانا﴾ يصفح لنا، ويغفر لنا خطايانا التي سلفت منا قبل إيماننا، فلا يعاقبنا بها، ﴿أن كنا أول المؤمنين﴾ بسبب أننا كنا أول المؤمنين بعد ظهور الآية، حيث بادرنا إلى الإيمان بك يا ربنا (١).

стр. 96

المبحث الثاني: ذكر ما ورد عن بعض المفسرين في علاج السحر بقراءة بعض الآيات الواردة في هذه القصة، وبيان جوازه بالرقى الشرعية، وتحريم ما عدا ذلك لقد ذكر بعض المفسرين جملة من الآيات تقرأ لعلاج السحر وإبطاله، لكن قبل إيراد تلك الآيات، أقدم بمقدمة فيها الجواب على التساؤل الذي ينقدح في نفس كل مسلم إذا سمع مثل ذلك - أي تلك الآيات شفاء للسحر مثلاً - ألا وهو ما هو الدليل على ذلك، وما مدى صحته، فأقول: لقد دلت نصوص من الكتاب والسنة على التداوي بالقرآن؛ منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص، فمن هذه الأدلة: ١ - قوله تعالى: ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء﴾؛ [فصلت: ٤٤]. ٢ - قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾؛ [يونس: ٥٧]. ٣ - قوله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾؛ [الإسراء: ٨٢]. ووجه الاستدلال بهذه الآيات الثلاث: أن الله أخبر أن القرآن شفاء، فهو شفاء لأمراض القلوب، وأمراض الأبدان، قال القرطبي في تفسيره: «اختلف العلماء في كونه شفاء على قولين: أحدهما: أنه شفاء للقلوب، بزوال الجهل عنها، وإزالة الريب، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل، لفهم المعجزات، والأمور الدالة على الله تعالى.

стр. 97

الثاني: شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ، ونحوه (١)، … ثم ذكر جملة من الأحاديث في الاسترقاء، وستأتي. وأورد القولين الشوكاني في تفسيره، ثم قال: « … ولا مانع من حمل الشفاء على المعنيين، من باب عموم المجاز، أو من باب حمل المشترك على معنييه» (٢). قلت: وهذا هو الحق في حمل دلالة الآية على العموم إلا إذا دل دليل على صحة بعض ما دلت عليه دون بعض، وظاهر تقرير النبي ﷺ لمن رقى بالفاتحة، ورقيته لنفسه بالمعوذات، كما سيأتي، يدل على العموم. وأشار إلى هذين القولين السمرقندي (٣)، والماوردي (٤)، وابن الجوزي (٥)، وأبو حيان (٦)، والسعدي (٧)، والقاسمي (٨)، وغيرهم. وحققه العلامة ابن القيم في زاد المعاد، فقال: « … قال الله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾، الإسراء: [٨٢]- والصحيح أن «من» هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض (٩)، وقال تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من

стр. 98

ربكم وشفاء لما في الصدور﴾، يونس: [٥٧]- فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبداً، وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه، وسببه، والحمية منه لمن رزقه الله فهما في كتابه» (١). وقال أيضاً: « … ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة، فما الظن بكلام رب العالمين الذي فضله على كل كلام كفضل الله على خلقه الذي هو الشفاء التام، والعصمة النافعة، والنور الهادي، والرحمة العامة، الذي لو أنزل على جبل لتصدع من عظمته وجلالته، قال تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة﴾ [سورة الإسراء: ٨٢] و «من» هنا لبيان الجنس، لا للتبعيض … هذا أصح القولين» (٢). ٤ - ما اتفق عليه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: «انطلق نفر من أصحاب النبي في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حيّ من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحيّ، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء، لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟، فقال

стр. 99

بعضهم (١): نعم، والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم، فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ: - الحمد لله رب العالمين - فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي، وما به قلَبَه، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ ، فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ ، فذكروا له، فقال: «وما يدريك أنها رقية»، ثم قال: «أصبتم، أقسموا، واضربوا لي معكم سهماً»، فضحك رسول الله» (٢). ووجه الاستدلال: أن أبا سعيد عالج المريض بقراءة سورة من القرآن، ولم يكن عنده خبر من رسول الله ﷺ أنها رقية (٣) بدليل: «وما يدريك أنها رقية؟»،

стр. 100

ثم أقره الرسول ﷺ على ذلك. ٥ - ما اتفق عليه الشيخان من حديث عائشة، ﵂، قالت: «أن رسول الله كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح بيده رجاء بركتها» (١). وجه الاستدلال به أن النبي ﷺ كان إذا مرض يتعالج بالقرآن، بقراءة المعوذات. فهذا الحديث والذي قبله يدلان على جواز التداوي بالقرآن مطلقاً، ولا يخص ذلك بالسور التي ذكرت؛ وقد تفطن لذلك البخاري، فبوب في كتاب الطب من صحيحه، باب الرقى بالقرآن والمعوذات (٢). بل ويدل على العموم أيضا ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عوف بن مالك الأشجعي (٣)، قال: «كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك، فقال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (٤).

стр. 101

٦ - أن الأصل في التداوي الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل، لقول النبي ﷺ : «عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاءً» (١). ٧ - إجماع أهل العلم على جواز الرقى بكتاب الله؛ ذكره النووي (٢)، وغيره. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣): « … وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى … ». قلت: فما اجتمع فيها هذه الشروط الثلاثة فهي الرقية الشرعية الجائزة، وما سواها فممنوع. وبعد ذكر ما تقدم من النصوص من الكتاب والسنة الدالة على جواز التداوي بالقرآن، وأن المسلم إذا رقأ نفسه أو غيره بآيات منه - خاصة إذا كان لها مناسبة بالمرض - لا ينكر عليه، بل هو داخل في الإذن العام، نخلص إلى المقصود، وهو ما ذكره بعض المفسرين من الآيات لحل السحر: روى ابن أبي حاتم عن ليث بن أبي سليم (٤)، قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم تصب على رأس المسحور،

стр. 102

وهذه الآيات هي قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون. فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين﴾ [الأعراف: ١١٧ - ١١٩]. وقوله تعالى: ﴿فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين. ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون﴾ [يونس: ٨١ - ٨٢]. وقوله: ﴿إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ [طه: ٦٩] (١). وقال عبد الرزاق الصنعاني: «وفي كتاب وهب أن تؤخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه في الماء، ويقرأ فيه آية الكرسي، وذوات قل (٢)، ثم يحسو (٣) منه ثلاث حسوات، ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله، وهو جيد للرجل إذا حبس من أهله» (٤). وقد جمع العلامة ابن باز بين الأثرين السابقين (٥) في بيان علاج السحر، فقال: «ومن علاج السحر بعد وقوعه أيضاً، وهو علاج نافع للرجل إذا حبس

стр. 103

من جماع أهله أن يأخذ سبع ورقات من السدر الأخضر، فيدقها بحجر أو نحوه، ويجعلها في إناء، ويصب عليه من الماء ما يكفيه للغسل، ويقرأ آية الكرسي، و «قل يا أيها الكافرون»، و «قل هو الله أحد»، و «قل أعوذ برب الفلق»، و «قل أعوذ برب الناس»، وآيات السحر التي في سورة الأعراف، وهي قوله سبحانه: ﴿وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون. فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين﴾ [الأعراف: ١١٧ - ١١٩]. والآيات التي في سورة يونس، وهي قوله سبحانه ﴿وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم. فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون. فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين. ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون﴾ [يونس: ٧٩ - ٨٢]. والآيات في سورة طه ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى. قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. فأوجس في نفسه خيفة موسى. قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى. وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ [طه: ٦٥ - ٦٩]. وبعد قراءة ما ذكر في الماء، يشرب منه ثلاث مرات، ويغتسل بالباقي، وبذلك يزول الداء إن شاء الله، وإن دعت الحاجة لاستعماله مرتين أو أكثر، فلا بأس حتى يزول الداء إن شاء الله» (١). وقد ذكر بعض أهل العلم أنواعا أخرى لعلاج السحر (٢) لكن أردت

стр. 104

الاقتصار على ما ذكر فيه قراءة بعض الآيات - والأصل جواز ذلك، ما لم يشتمل على محظور شرعي، قال العلامة ابن باز ﵀: « … أما حله بالرقية والتعوذات الشرعية والأدوية المباحة، فلا بأس بذلك، كما تقدم، وقد نص على ذلك العلامة ابن القيم، والشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد رحمة الله عليهما، ونص على ذلك أيضاً غيرهما من أهل العلم» (١).

стр. 105

المبحث الثالث: ذكر استدلال بعض المفسرين بقوله: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ على أنه لا حقيقة للسحر، ومناقشة ذلك، مع بيان الراجح في هذه المسألة ذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى أن السحر له حقيقة، وليس تخييلاً (١). وذهب المعتزلة (٢)، ووافقهم بعض العلماء، كابن حزم الظاهري (٣)، وأبو جعفر الاستراباذي من الشافعية (٤)، وأبو منصور الماتريدي (٥)،

стр. 106

والجصاص (١) من الحنفية إلى أنه لا حقيقة للسحر، وأنه مجرد تخييل وتمويه. ومما استدل به المنكرون لحقيقة السحر؛ قوله تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه: ٦٦]. وقد ذكر الله هذه الآية في سياق قصة موسى مع السحرة في سورة طه، وقبلها ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى. قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه: ٦٥، ٦٦]. ووجه الاستدلال بها: قال الجصاص: « … فأخبر أن ما ظنوه سعياً لم يكن سعيا، وإنما كان تخييلاً، وقد قيل إنها كانت عصا مجوفة قد ملئت زئبقا (٢)، وكذلك الحبال كانت معمولة من أدم محشوة زئبقاً، وقد حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسراباً، وجعلوا آزاجا (٣)، وملؤها ناراً فلما طرحن عليه، وحمي الزئبق حركها، لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فأخبر الله أن ذلك كان مموها على غير حقيقة» (٤).

стр. 107

وقال ابن حزم في الفصل بعد إيراده لقوله تعالى: ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [سورة طه: ٦٦]: «فأخبر تعالى أن عمل أولئك السحرة إنما كان تخييلاً لا حقيقة له» (١). ونحوه قول الزمخشري في الكشاف (٢)، والفخر الرازي في التفسير الكبير (٣). فملخص استدلالهم بالآية «أن الله أخبر عن عمل أولئك السحرة أنه كان تخييلاً، لا حقيقة له، حيث لم يقل تسعى على الحقيقة، ولكن قال: يخيل إليه» (٤). مناقشة هذا الرأي: لا يسلم أن الذي حصل مجرد تخييل، بل قد حصل سحر حقيقي لأعين الناس، نتج عنه التخييل، يدل لذلك قوله تعالى: ﴿سحروا أعين الناس﴾ فقد أخبر تعالى أن السحرة سحروا أعين الناس حقيقة، فنتج عن ذلك أن الأعين لما أصابها السحر، صارت تتخيل الحبال والعصي أنها تسعى. قال الشيخ سليمان الحمدان: «فالتخييل إنما هو في نظر المسحور، فهو ناشئ عن السحر، لا نفس السحر» (٥). وأشار إلى أن السحر الذي حصل لموسى سحر حقيقي جمع من المفسرين، منهم ابن جرير الطبري حيث قال « … وذكر أن السحرة سحروا عين موسى، وأعين الناس قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، فخيَّل حينئذ إلى موسى أنها تسعى … ثم ساق بسنده إلى وهب بن

стр. 108

منبه قال: قالوا يا موسى ﴿إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا﴾، فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى، وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من العصي والحبال، فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي، يركب بعضها بعضاً» (١). وحكاه أبو حيان قولاً، فقال: « … وقيل إنها - أي الحبال والعصي - لم تتحرك، وكان ذلك من سحر العيون، وقد صرح تعالى بهذا فقال: ﴿سحروا أعين الناس﴾، فكأن الناظر تخيل إليه أنها تنتقل» (٢). وذكره الألوسي أحد القولين في تفسير الآية، واستظهره بقوله: «والظاهر أن التخيل من موسى قد حصل حقيقة بواسطة سحرهم، وروي ذلك عن وهب» (٣)، وغيرهم (٤). ويقول ابن القيم ﵀ مبينا بطلان من يقول إن السحر لا حقيقة له: « … وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة، والسلف، واتفق عليه الفقهاء، وأهل التفسير، والحديث، وما يعرفه عامة العقلاء. والسحر الذي يؤثر مرضاً وعقداً وحباً وبغضا ونزيفاً وغير ذلك من الآثار - تعرفه عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقاً بما أصيب به منه، وقوله تعالى: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ [سورة الفلق: ٤] دليل على أن هذا النفث يضر المسحور في حال غيبته عنه، ولو كان الضرر لا يحصل إلا بمباشرة البدن ظاهراً،

стр. 109

كما يقوله هؤلاء، لم يكن للنفث ولا للنفاثات شر يستعاذ منه. وأيضاً فإذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناظرين مع كثرتهم، حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به، مع أن هذا تغيير في إحساسهم، فما الذي يحيل تأثيره في تغييره بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم؟، وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية والتغيير الواقع في صفة أخرى من صفات النفس والبدن؟. فإذا غير إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركاً، والمتصل منفصلاً، والميت حياً، فما المحيل لأن يغير صفات نفسه حتى يجعل المحبوب إليه بغيضاً، والبغيض محبوبا، وغير ذلك من التأثيرات، وقد قال تعالى عن سحرة فرعون أنهم ﴿سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم﴾ [الأعراف: ١١٦]، فبين سبحانه أن أعينهم سحرت، وذلك إما أن يكون لتغيير حصل في المرئي، وهو الحبال والعصي، مثل أن يكون السحرة استغاثت بأرواح حركتها، وهي الشياطين، فظنوا أنها تحركت بأنفسها، وهذا كما إذا جرَّ من لا تراه حصيراً أو بساطاً، فترى الحصير والبساط ينجر، ولا ترى الجارَّ له، مع أنه هو الذي يجره، فهكذا حال الحبال والعصي، التبستها الشياطين، فقلبتها كتقليب الحية، فظن الرائي أنها تقلبت بأنفسها، والشياطين هم الذين يقلبونها، وإما أن يكون التغيير حدث في الرائي، حتى رأى الحبال والعصي تتحرك، وهي ساكنة في أنفسها، ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه، حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف في المرئي باستغاثته بالأرواح الشيطانية، حتى يتصرف فيها» (١). مناقشة تفسيرهم للآية: إن تفسيرهم للآية، وهو ما ذكره الجصاص، وغيره (٢)، بأن الحبال والعصي

стр. 110

قد فعل بها ما أوجب سعيها وحركتها، غير صحيح، ولا يسلم لهم ذلك: قال ابن القيم ﵀ مبينا بطلانه: «وأما ما يقوله المنكرون من أنهم فعلوا في الحبال والعصي ما أوجب حركتها ومشيها، مثل الزئبق، وغيره، حتى سعت، فهذا باطل من وجوه: ١ - لو كان كذلك لم يكن خيالاً، بل حركة حقيقية، ولم يكن ذلك سحراً لأعين الناس، ولا يسمى ذلك سحراً، بل صناعة من الصناعات المشتركة، وقد قال تعالى: ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [سورة طه: ٦٦]، ولو كانت تحركت بنوع حيلة، كما يقوله المنكرون لم يكن هذا من السحر في شيء، ومثل هذا لا يخفى. ٢ - لو كان ذلك بحيلة، كما قال هؤلاء، لكان طريق إبطالها إخراج ما فيها من الزئبق، وبيان ذلك المحال، ولم يحتج إلى إلقاء العصا لابتلاعها. ٣ - مثل هذه الحيلة لا تحتاج فيها إلى الاستعانة بالسحرة، بل يكفي فيها حذاق الصناع. ٤ - ولا يحتاج في ذلك إلى تعظيم فرعون للسحرة، وخضوعه لهم، ووعدهم بالتقريب والجزاء. ٥ - لا يقال في ذلك: ﴿إنه لكبيركم الذي علمكم السحر﴾ [سورة طه: ٧١]، فإن الصناعات يشترك الناس في تعلمها وتعليمها» (١). ومما يدل على بطلان ما احتجوا به غير ما ذكره ابن القيم: ٦ - أن الزئبق عنصر فلزي سائل، ووضعه في الحبال والعصي مدعاة لاكتشاف الحيلة التي احتالوها، لأن الحبال والعصي ليست أجساماً حافظة،
следующие страницы →