← Сира

Сира · id 12935

محمد صلى الله عليه وسلم

محمد رضا

Полный текст (615 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

إهداء الكتاب

стр. 2

-بكل خضوع وخشوع، أقدّم كتابي هذا إلى محمد رسول الله ﷺ . إلى من أُنزل عليه الفُرقان. ونشر لواء الإسلام. وعلَّم الخلق كيف يعملون لدنياهم الفانية وآخرتهم الباقية. إلى نور الهُدى الذي بلغ من حسن الخلُق ورُجحان العقل وثبات العقيدة، غايةً ليس وراءها مُطَّلَعٌ لناظر، ولا نهايةٌ لمستزيد ولا فوقها مُرْتَقىً لِهمَّة. من أثنى عليه رب العالمين فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . هذه يا رسول الله سيرتك الطاهرة العاطرة، أرجو أن تنال عَطْفَك وتحظى برضاك. فإني لم أُرِدْ غيرَ وجه الله الكريم والتبركَ برسوله الأمين. وخدمة المسلمين أجمعين.

стр. 3

المقدمة

стр. 4

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد النبيّ العربيّ الأميّ الأمين، الذي سطعت أنواره من مكة المكرمة فأضاءت الأنام وبددت جحافل الظلام، ومحت الوثنية ومحقت الأصنام وثبتت بفضل جهوده دعائم الوحدانية وأسس الإيمان وانتشرت الفضائل بالاقتداء بسيرته والاهتداء بتعاليمه. وبعد فهذه قطرة من بحر السيرة النبوية عنيت بتأليفها وتنسيقها لتكون درساً ومرجعاً لطلاب التاريخ الإسلامي. وقد بذلت المجهود في البحث والتنقيب والاطلاع على ما ألف في هذا الموضوع المترامي الأطراف الذي قضى العلماء فيه أعمارهم من قديم الزمان إلى الآن، واستعنت بأوثق المصادر وحققت ما وجدت من خلاف وجمعت شمل ما تشتت في بطون الأسفار، فلم أقتصر على كتب السير وهي تفوق حد الكثرة، بل اعتمدت أيضاً على تفاسير القرآن الشريف وكتب الحديث الموثوق بها وتراجم الصحابة رضوان الله عليهم ومعاجم اللغة وساقني البحث إلى مطالعة كتب المستشرقين في السيرة النبوية للوقوف على طرائق بحثهم وسردهم الحوادث ومواطن شبههم واعتراضاتهم، فمنهم المنصفون وهم الأقلون وقد استشهدت بآرائهم في الدفاع عن صاحب الشريعة، ومنهم المعتدلون لكن لا تخلو تعليقاتهم من اعتراضات ومغامز خفية وشبهات لا يستطيع ردها إلى الصواب من الوجهة التاريخية إلا من درسها ودرس معها التاريخ الإسلامي بتوسع من مصادره الأصلية وينابيعه الصافية، ومنهم من لا هم له إلا الطعن بدافع التعصب والحقد، كزمرة المبشرين الذين لا يبغون غير إفساد العقائد وهؤلاء لا يمكن أن نسميهم علماء محققين بل هم في الواقع تجارٌ مضللون فقد ينسب الواحد منهم إلى الإسلام ورسوله الكريم من الخرافات والمفتريات ما لا أصل له إلا في مخيلته ومخيلة كل متعنت نغرض، ولذا اضطررت بعد أن وقفت على حقائق التاريخ الإسلامي أن أترجم إلى قراء العربية بعض هذه الشبهات والاعتراضات ورددت عليها من المصادر الصحيحة ردوداً يضمحل أمامها كل شبهة ويزول كل شك حتى تتطهر النفوس من أدران الشبهات وتعود إلى الهدى وتسلك المحجة الواضحة، ولا يخفى أن ترك هؤلاء المتعصبين الحانقين على الإسلام أو المتجرين باسم الذين يلقون بذور الفساد وينشرون المفتريات والاعتراضات من غير أن ينهض من يذود عن الحقائق بسلاح العلم الصحيح وإقامة الحجج الناصعة والبراهين القاطعة، تهاون وتقصير يجب أن ينزه عنهما كل من آتاه الله عقلاً راجحاً. إن الينابيع التي تُسقى منها السيرة النبوية واقية لكنها مع ذلك مشتتة في بطون كتب التواريخ العامة والأدب واللغة والطب والفلك فقد تعثر فيها على بحوث قيمة قد لا توجد في كتب السير فلقطف هذه الثمار لا بد من البحث والاطلاع بصبر وتأن وهذا يحتاج إلى جهد شاق ووقت طويل. أما كتب السير نفسها فهي على ما يعلم كل باحث ومحقق غير مرتبة ترتيباً يسهل على الطالب العثور على بغيته من ضبط تواريخ الوقائع والحوادث وتسلسلها ومعرفة مواقع البلدان والأماكن والوقوف على سير الرجال بصورة واضحة جلية، وهي إما مطولة تطويلاً مملاً أو مختصرة اختصاراً مخلاً. تلك الكتب تنقصها الفهارس الوافية التي لا يخلو منها كتاب حديث، فهارس بأسماء الرجال والقبائل والنساء والأماكن. هذا غير الفهرس العام بالموضوعات، وقد قمت بتحريره وترتيب هذه الفهارس بأنواعها لسهولة البحث والمراجعة إذ قد لا يتسع وقت الباحث في موضوع خاص لتلاوة الكتاب من أوله إلى آخره. أضف إلى ذلك ما في السير من الحشو والخروج عن الموضوع والتضارب والاختلافات التي لا يخلو منها كتاب والتي لا يكاد يستخلص القارئ منها واقعة صحيحة أو رأياً قاطعاً يرتاح إليه. هذه حالة المؤلفات العربية التي بين أيدينا. وقد تعرّض بعض المصنفين في العصر الحاضر إلى تحليل شخصية رسول الله ﷺ تحليلاً نفسياً باعتبار أنه شخص عاديّ إلا أن ذلك قد يؤدي إلى الشطط وطمس الحقائق التاريخية وتشويهها، لأن سيرة رسول الله ليست كسيرة أي فرد من الأفراد أو عظيم من العظماء ممن يطبق على حياتهم وسلوكهم أصول علم النفس ويحكم عليهم بمجرد الرأي والملاحظة. نعم إنه ﵊ إنسان لكنه إنسان ممتاز بلغت عظمته الكمال البشري فلا يمكن مقارنته بغيره من عظماء القادة والزعماء. إنسان اختاره الله واصطفاه لتبليغ رسالته للناس كافة وأنزل عليه الوحي وأتى بمعجزات خارقة للطبيعة يقف أمامها العقل البشري حائراً لا يفقه لها تعليلاً. ولا يزال العقل عاجزاً عن إدراك كنهها وكيفية وقوعها بالرغم من تقدم العلوم والاكتشافات الحديثة. ولا يفوتني أن أذكر أن التاريخ لا يعتبر الآن كما كان في سالف الأزمان قصصاً تكتب وتتلى بل أصبح علماً يدرس كما تدرس العلوم المؤسسة على البحث والتحقيق. إن للعلماء السابقين مزيد الفضل فقد حرصوا على تدوين الأحاديث النبوية وتحروا صحتها وألفوا السير فاغترفنا من مناهلهم العذبة وقطفنا من ثمار مجهوداتهم الصادقة. وها أنا ذا أتقدم بهذا الكتاب إلى العالم الإسلامي راجياً المولى جل شأنه أن أكون بعملي هذا قد أديت بعض الواجب عليّ نحو سيدي وحبيبي رسول الله ونحو الدين الحنيف دين الطهر والتوحيد والأخلاق الفاضلة. ثم أتقدم بالشكر الخالص للفاضلين عبد العزيز أفندي الحلبي ومحمد أفندي الحلبي لعنايتهما بطبع الكتاب طبعاً متقناً وتولى نشره في العالم الإسلامي. جزاهما الله خير الجزاء، وأشكر جميع أصدقائي الذين أبدوا غيرتهم واهتمامهم لإظهار الكتاب حباً منهم في العلو وخدامه. محمد رضا.

стр. 5

[متن الكتاب]

стр. 6

نسبه ﷺ

стр. 7

-هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف (١) بن قصي (٢) بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي (٣) بن غالب بن فهر (٤) بن مالك بن النضر (٥) بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس (٦) بن مضر (٧) بن نزار (٨) بن سعد (٩) بن عدنان (١٠) . إن نسب سيدنا محمد ﷺ لا يختلف النسابون فيه إلى معد بن عدنان كما هو مذكور ههنا. إنما اختلف النسابون من عدنان إلى إسماعيل، لكنهم أجمعوا على أنه ينتهي إلى إسماعيل. وكره الإمام مالك رفع النسب إلى آدم، وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال "ههنا كذب النسابون". ومضر وربيعة هم صريح ولد إسماعيل باتفاق جميع أهل النسب.

стр. 8

مناقب أجداده ﷺ

стр. 9

-النبي ﷺ من سلالة آباء كرام وكلهم سادة وقادة ولهم مكان مكين ومقام بَيِّنُ العِزِّ عظيم، وقد اشتهروا بالحكمة والشجاعة والإقدام والكرم كما يتبين ذلك من ن؟؟ ذكره بالاختصار من مناقبهم وأخبارهم. فقد كان (معد) صاحب حروب وغارات على بني إسماعيل ولم يحارب أحداً إلا رجع بالنصر. وكان (نزار) أجمل أهل زمانه وأرجحهم عقلا. وكان (مضر) جميلا كذلك ولم يره أحد إلا أحبه، ومن حكمه المأثورة: "خير الخير أعجله فاحملوا أنفسكم على مكروهها واصرفوها عن هواها فيما أفسدها فليس بين الصلاح والفساد إلا صَبْرُ فواق" والفواق ما بين الحلبتين. ومضر أول من حدا للإبل وكان من أحسن الناس صوتاً. وكان (إلياس) في العرب مثل لقمان الحكيم في قومه، ومن حكمه: "من يزرع خيراً يحصد غبطة، ومن يزرع شراً يحصد ندامة". وأما (فهر) فإليه جماع قريش وما كان فوق فهر فلا يقال له قرشي بل يقال له كناني، واسمه قريش وكان فهر كريماً يفتش على حاجة المحتاج فيسدها بماله وهو الجد السادس لأبي عبيدة بن الجراح. (كعب) وهو الجد الثامن لعمر بن الخطاب. كان يجمع قومه يوم العروبة أي يوم الرحمة وهو يوم الجمعة فيعظهم ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ وينبئهم بأنه من ولده ويأمرهم باتباعه. (مرة) وهو الجد السادس لرسول الله ﷺ والجد السادس أيضاً لأبي بكر الصديق ﵁، وفي مرة أيضاً يجتمع نسب الإمام مالك بنسب الرسول ﷺ . و (كلاب) اسمه حكيم وقيل عروة. ولقب بكلاب لأنه كان يكثر الصيد بالكلاب وهو الجد الثالث للآمنة أمه ﷺ فهو ملتقى نسب أبيه بنسب أمه. وقيل أنه أول من سمى الأشهر العربية المستعملة إلى الآن. و (قصي) اسمه زيد ويقال له مجمع وبه جمع الله القبائل من قريش في مكة بعد تفرقها فأنزلهم أبطح مكة وكان بعضهم في الشعاب ورءوس الجبال بمكة فقسم منازلهم فسمى مجمعاً، وهذا عمل جليل وفضل عظيم لا يتم إلا على يد ذوي النفوس الأبية والهمم العالية. وقصي أول من أوقد نار المزدلفة وكانت توقد حتى يراها من دفع من عرفة. وله يقول مطرود وقيل إن قائله حذافة بن غانم أبوكم قصي كان يدعى مجمعاً ... به جمع الله القبائل من فهر وكان إلى قصي في الجاهلية حجابة البيت وسقاية الحاج وإطعامه المسمى بإرفادة، والندوة وهي الشورى لا يتم أمر إلا في بيته ولا يعقد عقد نكاح إلا في داره ولا يعقد لواء حرب إلا فيها فكان بيته عبارة عن برلمان للعرب بل هو ملجأهم في جميع المشكلات سواء كانت هذه المشكلات قومية أو شخصية. ولما حضرته الوفاة نهى بنيه عن الخمر ولا بد أنه أدرك مضرتها فنهى أحب الناس إليه عن احتسائها. ومن كلامه الدال على تجاربه ورجاحة عقله: "من أكرم لئيما شاركه في لؤمه. ومن استحسن قبيحاً ترك إلى قبحه. ومن لم تصلحه الكرامة أصلحه الهوان. ومن طلب فوق قدره استحق الحرمان. والحسود هو العدو الخفي" وإذا كنا نحكم على الإنسان بكلامه فهذا يدل على أن قصياً كان يبغض اللؤم والقبح بغضاً شديداً وكان شجاعاً كارها للغرور والحسد. و (عبد مناف) اسمه المغيرة وكان يقال له "قمر البطحاء" لحسنه وجماله، وكانت قريش تسميه الفياض لكرمه، وهو الجد الرابع لعثمان بن عفان والجد التاسع للإمام الشافعي (هاشم) واسمه عمرو بن عبد مناف ويقال له عمرو العلا لعلو رتبته وقد ساد قومه بعد أبيه عبد مناف، وقد وقعت مجاعة شديدة في قريش بسبب جدب شديد حصل لهم فخرج هاشم إلى الشام فاشترى دقيقا وكعكا وقدم به مكة في الموسم فهشم الخبز والكعك ونحر جزراً (١) وجعل ذلك ثريدا وأطعم الناس حتى أشبعهم فسمى بذلك "هاشما" وكان يقال له "أبو البطحاء" و"سيد البطحاء" -والبطحاء مَسِيل الوادي- ولم تزل مائدته منصوبة في السراء والضراء، وكان موسرا يؤدي الحق ويؤمن الخائف. وهو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء ورحلة الصيف، فكان يرحل في الشتاء إلى اليمن وإلى الحبشة وفي الصيف إلى الشام. (عبد المطلب) وأمه سلمى بنت زيد النجارية. واسم عبد المطلب شيبة الحمد لأنه ولد وله شيبة مع رجاء حمد الناس له. وكان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال وهذا إحساس لطيفٌ ورفيقٌ بالحيوان الأعجم ولذا كان يقال له "مطعم الطير" ويقال له "الفياض". وكان مفزع قريش في النوائب وملجأهم في الأمور وشريفهم وسيدهم كمالاً وفعالاً. عاش مئة وعشرين سنة أو أكثر وقد انتهت إليه الرياسة بعد عمه المطلب. وكان يأمر أولاده يترك الظلم والبغي ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دَنِيّات الأمور. ورفض عبد المطلب في نهاية عمره عبادة الأصنام ووحده لله. وقال دغفل النسابة أن عبد المطلب كان أبيض. مديد القامة. حسن الوجه. في جبينه نور النبوة وعز الملك. يطيف به عشرة من بنيه كأنهم غاب. وهو الذي كشف عن زمزم بئر إسماعيل وأقام سياتها [سياقتها؟؟] للحجاج فكانت له فخرا وعزا على قريش وعلى سائر العرب. وكان يكرم النبي ﷺ ويعظمه وهو صغير ويقول "أن لابني هذا لشأناً عظيما" وذلك مما كان يسمعه من الكهان والرهبان قبل مولده وبعده. وكانت كنية عبد المطلب "أبا الحارث" كني بذلك لأن الأكبر من ولده الذكور اسمه الحارث.

стр. 10

أولاد عبد المطلب: أعمام رسول الله وعماته

стр. 11

-أولاد عبد المطلب عشرة ذكور: عبد الله. أبو طالب "واسمه عبد مناف" الزبير (أمهم فاطمة بنت عمرو المخزومية) . العباس. ضرار (أمهما نتيلة العمرية) حمزة. المقوم (أمهما هالة بنت وهب) أبو لهب وهو عبد العزى (أمه لبنى الخزاعية) الحارث (أمه صفية من بني عامر بن صعصعة) الغيداق (أمه ممنعة) واسمه حجل. وست نسوة هن: صفية وأم حكيم البيضا وعاتكة وأميمة وأروى وبرة (١) أما (عبد الله) فهو أبو رسول الله ﷺ ويكنى أبا قثم وقيل أبا محمد وقيل أبا أحمد. وقيل أن عبد المطلب أول من خضب بالوسمة أي السواد لأن الشيب أسرع إليه وكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين جميع الشهر وكان صعوده للتخلي عن الناس يتفكر في جلال الله وعظمته. ويؤثر عن عبد المطلب سنن جاء القرآن وجاءت السنة بها منها الوفاء بالنذر والمنع من نكاح المحارم وقطع يد السارق والنهي عن قتل الموءودة وتحريم الخمر والحد عليه وأن لا يطوف بالبيت عريان وتعظيم الأشهر الحرم. وكان نديمه في الجاهلية حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان في جوار عبد المطلب يهودي فأغلظ ذلك اليهودي القول على حرب في سوق من أسواق تهامة فأغرى عليه حرب من قتله علم عبد المطلب بذلك ترك منادمة حرب ولم يفارقه حتى أخذ منه مائة ناقة دفعها لابن عم اليهودي. ثم نادم عبد الله بن جدعان التيمي.

стр. 12

نذر عبد المطلب جد النبي ﷺ

стр. 13

-كان عبد المطلب نذر حين لقي من قريش العنت (١) في حفر بئر زمزم لئن ولد له عشرة نفر وبلغوا معه حتى يمنعونه لينحرن أحدهم عند الكعبة لله تعالى. وقد ارتاب بعضهم في حكاية هذا النذر لكنا لا نرى مندوحة من ذكرها لأنها وردت في أمهات كتب التاريخ التي استقينا منها، فقد رواها ابن إسحاق ونقلها الطبري وابن الأثير وطبقات ابن سعد. لما بلغ أولاد عبد المطلب عشرة وعرف أنهم سيمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه وقالوا كيف نصنع؟ قال يأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه. ففعلوا وأتوه بالأقداح فدخلوا على هبل في جوف الكعبة وكان أعظم أصنامهم وهو على بئر يجمع فيه ما يهدى إلى الكعبة، فقال عبد المطلب لصاحب القداح اظرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه وأخبره بنذره الذي نذر وكان عبد الله أصغر بني أبيه وأحبهم أليه، فلما أخذ صاحب القداح يضرب قام عبد المطلب يدعو الله تعالى، ثم طرب صاحب القداح فخرج قدح عبد الله فأخذ عبد المطلب بيده ثم أقبل إلى (أساف ونائلة) وهما الصنمان اللذان ينحر الناس عندهما. فقامت قريش من أنديتها فقالوا ماذا تريد أن تصنع؟ قال أذبحه. فقالت قريش وبنوه والله لا ندعك تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل منا يأتي بابنه حتى يذبحه. فقال له المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن المخزوم: والله لا تذبحه حتى تعذر فيه فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت له قريش وبنوه لا تفعل وانطلق إلى كاهنة بالحجر فسلها فإن أمرتك بذبحه ذبحته وأن أمرتك بمالك وله فيه فرج قبلته. فانطلقوا حتى أتوها بخيبر فقص عليها عبد المطلب خبره فقالت لهم ارجعوا اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا عنها ثم غدوا عليها فقالت نعم قد جاءني الخبر فكم دية الرجل عندكم؟ قالوا عشرة من الإبل وكانت كذلك. قالت ارجعوا إلى بلادكم فزيدوا في الإبل عشرا ثم اضربوا أيضا حتى يرضى ربكم وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم. فخرجوا حتى أتوا مكة ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل فخرجت القداح على عبد الله، فزادوا عشرا فخرجت القداح على عبد الله فما برحوا يزيدوا عشرا وتخرج القداح على عبد الله حتى بلغت الإبل مائة ثم ضربوا فخرجت القداح على الإبل. فقال من حضر قد رضي ربك يا عبد المطلب. فقال عبد المطلب لا والله حتى أضرب ثلاث مرات فضربوا ثلاثا فخرجت القداح على الإبل فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع. إن خروج القداح على عبد الله في كل مرة حتى بلغت الإبل مئة من غرائب الصدف ولولا معارضة قرش وبنيه ومشورة الكاهنة لذهب عبد الله فربانا لنذر عبد المطلب، ولكن شاء الله أن يحفظ أبا محمد حتى يظهر رسول الله ﷺ . قد التجأ عبد المطلب إلى هذا النذر لما عارضه عدي بن نوفل بن عبد مناف في حفر زمزم وأذاه وقال له: "اعبد المطلب أتستطيل علينا وأنت فذ لا ولد لك؟ " فقال "أبا لقلة تعيرني فو الله لئن أتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرن أحدهم عند الكعبة" وقيل سفه عليه وعلى ابنه ناس من قريش ونازعوهما وقاتلوهما فاشتد بذلك بلواه وكان معه ولده الحارث ولم يكن له سواه فنذر ذلك النذر الذي ذكرناه. انصرف عبد المطلب بعد أن نحر الإبل آخذا بيد ابنه عبد المطلب فمر به على امرأة من بني أسد بن عبد العزى بن قصي وهي عند الكعبة فقالت له حين نظرت إلى وجهه أين تذهب يا عبد الله؟ قال مع أبي، قالت له مثل الإبل التي نحرت عنك وقع عليَّ الآن. فأبى وقال إن معي أبي لا أستطيع خلافه ولا فراقه وكان عبد الله أحسن رجل رؤى في قريش، وكان ذا عفة وسماحة. وكانت ولادة عبد الله نحو سنة ٥٤٥ م.

стр. 14

زواج عبد الله

стр. 15

-خرج عبد المطلب بعبد الله يريد تزويجه حتى أتى بن عبد مناف بن زهرة وهو يومئذ سيد بني زهرة سنا وشرفا فزوجه ابنته آمنة بنت وهب (١) وهو يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا فحملت برسول الله ﷺ ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه نفسها فقال لها "مالك لا تعرضين عليَّ اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس؟ " فقالت له فارقك النور الذي كان معك بالأمس فليس لي بك اليوم حاجة. وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر واتبع الكتب أنه كائن لهذه الأمة نبيّ. وكان تزويج عبد الله من آمنة بعد حفر زمزم بعشر سنين، وكان اسم عبد الله عبد الدار، فلما كان في السنة التي فدي فيها قال عبد المطلب "هذا عبد الله" فسماه يومئذ كذلك. وبعد زواج عبد الله بقليل خرج من مكة قاصدا الشام في تجارة ثم لما أقبل من الشام نزل بالمدينة وهو مريض وبها أخواله من بني النجار فأقام بها حتى توفي لشهرين من الحمل بابنه محمد ﷺ ودفن في دار النابغة الجعدي وله خمس وعشرون سنة، وهذا هو المشهور. وقيل ثمان وعشرون سنة. وترك عبد الله جاريته أم أيمن بركة الحبشية وخمسة جمال وقطعة من غنم. وقد رثته آمنة بهذه الأبيات: عفا جانب البطاء من آل هاشم ... وجاور لحدا خارجا في الغماغم دعته المنايا دعوة فأجابها ... وما تركت في الناس مثل ابن هاشم عشية راحوا يحملون سريره ... تعاوره أصحابه في التزاحم فإن تك غالته المنون وريبها ... فقد كان معطاء كثير التراحم

стр. 16

قصة الفيل

стр. 17

-من الحوادث المهمة التي وقعت عام مولده ﷺ حوالي سنة ٥٧٠ م قدوم أبرهة الأشرم ملك اليمن إلى مكة لهدم الكعبة وهذه خلاصتها: إن الحبشة ملكوا اليمن بعد حمير فلما صار الملك إلى أبرهة بن الصياح الأشرم بنى كنيسة عظيمة بصنعاء يقال لها القليس (١) لم ير مثلها في زمنها بناها بالرخام وجيد الخشب المذهب وقصد أن يصرف حج العرب إليها ويبطل الكعبة، فلما تحدث العرب بذلك غضب رجل من النساءة من بني فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن ملك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر. النساءة الذين كانوا ينسؤون المشهور على العرب في الجاهلية فيحلون الشهر من أشهر الحرم ويحرمون مكانه الشهير من أشهر الحل ويؤخرون ذلك الشهر ففيه أنزل الله ﵎ ﴿إنَّما النَّسيءُ زِيَادَةٌ في الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحلِوُّنَهُ عَاماً وَيُحَرّمُونَهُ عَاماً لِيُواطِئوُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله فَيُحِلُّوا مّا حّرَّمَ الله﴾ قال ابن هشام ليواطئوا ليوافقوا.. وكان أول من نسأ الشهور على العرب فأحلت منها ما أحل وحرمت منها ما حرم القلمس وهو حذيفة بن عبد الله بن فقيم ... وأول الأشهر الحرم "محرم".. فخرج الكناني حتى أتى القليس "الكنيسة" وتقوط فيها ليلا ثم خرج فلحق بأرضه فلما أخبر بذلك أبرهة غضب وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه (وسمى هذا العام بعام الفيل) فلما وصل إلى الطائف بعد أن هزم من تعرض له من العرب بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود إلى مكة فساق أموال أهلها وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم وأحضرها إلى أبرهة وأرسل أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قال له إن الملم يقول أني آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فقال له عبد المطلب والله ما نريد حربه ولا لنا بذلك منه طاقة. هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم فإن لم يمنعه منه فهو بيته وحرمته وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه. ثم أنطلق عبد المطلب مع رسول أبرهة إليه فلما استؤذن لعبد المطلب قالوا لأبرهة هذا سيد قريض فأذن له. فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته وكره أن تراه الحبشة معه على سرير ملكه فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه ثم قال له. حاجتك؟ فذكر عبد المطلب أباعره التي أخذت له فقال أبرهة: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتك، أتكلمني عن مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ قال له عبد المطلب: أنا رب الإبل وإن للبيت رباً سيمنعه فرد أبرهة على عبد المطلب الإبل فأنصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز بالجبال والشعاب تخوفا عليهم معرة الجيش (٢) وقد كانوا أكثر من قريش عدداً. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجيشه. فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: لا هم أن العبد يمنع رحله ... فامنع حلالك (٣) لا يغلبن صليبهم ومحالهم ... غدوا محلك (٤) إن كنت تاركهم وقبلتنا ... فأمر ما بدا لك فما تهيأ أبرهة لدخول مكة وهيأ فيه "محموداً" وهو مجمع لهدم البيت فكانوا كلما وجهوا الفيل إلى مكة برك ولم يبرح وإذا وجهوه إلى سائر الجهات قام يهرول. ويقال كان عدد الفيلة في هذه الموقعة ثلاثة عشر فيلا. وبينما هم كذلك أرسل الله طيراً أبابيل (٥) أمثال الخطاطيف مع كل طائر ثلاثة أحجار واحد في منقاره واثنان في رجليه فقذفتهم بها وهي مثل الحمس والعدس ولا تصيب أحداً منهم إلا هلك. وليس كلهم أصابت. ثم أرسل الله تعالى سيلا فألقاهم في البحر والذي سلم منهم ولى هارباً مع أبرهة إلى اليمن يبتدر الطريق وأصيب أبرهة بتساقط أعضائه وخرجوا به معهم تتساقط أعضاؤه حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وقيل أو ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام. ولما مات أبرهة ملك مكانه يكسوم. ونظراً لأهمية هذا الحديث صار العرب يؤرخون به إذ لو تغلب أبرهة على قريش وتم له هدم الكعبة لأدخلت الديانة المسيحية مكة وأرغم العرب على اعتناقها لأن اليمن كانت تابعة لأمراء الحبشة المسيحين وأرغم كثير من أهلها سواء من عباد الأصنام أو اليهود على اعتناق المسيحية. وكانت قريش تؤرخ السنين بموت قصى بن كلاب لجلالة قصى. فلما كان عام الفيل أرخت به.

стр. 18

مولده ﷺ

стр. 19

-ولد النبي ﷺ في فجر يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول (وأهل مكة يزورون موضع مولده في هذا الوقت) في عام الفيل ولأربعين سنة خلت من حكم كسرى أنوشروان خسرو بن قياذ بن فيروز ٢٠ أغسطس سنة (٥٧٠) بمكة (١) في الدار التي صارت تدعى لمحمد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج. وكانت قبل ذلك لعقيل بن أبي طالب ونزل على يد الشفا أم عبد الرحمن بن عوف فهي قابلته رافعاً بصره إلى السماء واضعاً يده بالأرض وكانت أمه تحدث أنها لم تجد حين حملت به ما تجده الحوامل من ثقل وكان يطوف بالبيت تلك الليلة فجاء إليها فقالت له يا أبا الحارث ولد لك مولود عجيب فذعر عبد المطلب وقال أليس بشراً سوياً؟ فقالت نعم ولكن سقط ساجداً ثم رفع رأسه وأصبعيه إلى السماء فأخرجته ونظر إليه وأخذه ودخل به الكعبة وعوذه ودعا له ثم خرج ودفعه إليها. وهو الذي سماه محمداً.. فقيل كيف سميت بهذا الاسم وليس لأحد من آبائك فقال أني لأرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم. وكانت تلك السنة التي حمل فيها برسول الله ﷺ سنة الفتح والابتهاج فإن قريشاً كانت قبل ذلك في جدب وضيق في تلك السنة ... ومن عجيب ولادته ما روى من ارتجاج إيوان كسرى وسقوط أربع عشرة شرفة [من؟؟] شرفاته وذلك إشارة إلى أنه لم يبق من ملوكهم المستنين بالملك إلا أربعة عشر ملكا فهلك عشرة في أربع سنين وهلك أربعة إلى زمن عثمان ﵁. وغيض بحيرة طبرية وخمود نار فارس وكان على ما يقال لها ألف عام لم تخمد كما رواه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي في الهواتف وابن عساكر. ومن ذلك أيضاً ما وقع من زيادة حراسة السماء بالشهب وقطع رصد الشياطين ومنعهم من استراق السمع. ولقد أحسن الشقراطيسي حيث قال: ضاءت لمولده الآفاق واتصلت ... بشرى الهواتف في الإشراق والطفل وصرح كسرى تداعى من قواعده ... وانقض منكسر الأرجاء ذا ميل ونار فارس لم توقد وما خمدت ... مذ ألف عام ونهر القوم لم يسل خرت لمبعثه الأوثان وانبعثت ... ثواقب الشهب ترمى الجن بالشهب وينسب بعضهم ذلك إلى أنه حدث في ذلك الوقت زلزال عظيم. قال اليعقوبي في تاريخه: "وأصابت الناس زلزلة عمت جميع الدنيا الخ". ويروى أن الرشيد أراد هدم إيوان كسرى فقال له وزيره يحيى بن خالد البرمكي يا أمير المؤمنين لا تهدم بناء هو آية الإسلام. وقال البوصيري في الهمزية: وتدعى إيوان كسرى ولولا ... آية منك ما تداعى البناء وغدا كل بيت نار وفيه ... كربة من خمودها وبلاء وعيون للفرس غارت فهل كا ... ن (كان) لنيرانهم بها إطفاء

стр. 20

الاحتفال بمولده ﷺ .

стр. 21

-قال الإمام أبو شامة شيخ النووي: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده ﷺ من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور. فإن ذلك، مع ما فيه من الإحسان للفقراء، مُشْعِرٌ بمحبة النبي ﷺ وتعظيمه في قلب فاعِلِ ذلك، وشكرٌ الله تعالى على ما مَّن به من إيجاد رسوله ﷺ الذي أرسله رحمة للعالمين. قال السخاوي: إن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. وقال ابن الجوزي: من خواصه إنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام. وأول من أحدثه من الملوك، الملك المظفر أبو سعيد صاحب إربل وألف له الحافظ بن دحية تأليفاً أسماه "التنوير في مولد البشير النذير" فأجازه الملك المظفر بألف دينار. وصنع الملك المظفر المولد وكان يعمله في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا وكان شهماً شجاعاً بطلا عاقلا عادلا وقيل أنه كان يصرف على المولد ثلاثمائة ألف دينار. وكان السلطان أبو حمو موسى صاحب تلمسان يحتفل ليلة المولد غاية الاحتفال كما كان ملوك المغرب والأندلس في ذلك العصر وما قبله، ومن احتفاله له ما حكاه الحافظ سيدي أبو عبد الله التنسي ثم التلمساني في كتابه راح الأرواح فيما قاله المولى أبو حمو من الشعر وقيل فيه من الأمداح وما يوافق ذلك على حسب الاقتراح ونصه أنه كان يقيم ليلة الميلاد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام بمشورة من تلمسان المحروسة مدعاة حفيلة يحشر فيها الناس خاصة وعامة فما شئت من نمارق مصفوفة وزرابى مبثوثة وبسط موشاة ووسائد بالذهب مغشاة وشمع كالأسطوانات وموائد كالهالات ومباخر منصوبة كالقباب يخالها المبصر تبراً مذاباً ويفاض على الجميع أنواع الأطعمة كأنها أزهار الربيع المنمنة فتشتهيها الأنفس وتستلذها النواظر ويخالط حسن رياها الأرواح ويخامر رتب الناس فيها على مراتبهم ترتيب احتفال وقد علت الجميع أبهة الوقار والإجلال وبعقب ذلك يحتفل المسمعون بامداح المصطفى ﵊ ومكفرات ترغب في الإقلاع عن الآثام يخرجون فيها من فن إلى فن ومن أسلوب إلى أسلوب ويأتون من ذلك بما تطرب له النفوس وترتاح إلى سماعه القلوب وبالقرب من السلطان رضوان الله تعالى عليه خزانة المنجانة قد زخرفت كأنها حلة يمانية لها أبواب موجفة على عدد ساعات الليل الزمانية فمهما مضت ساعة وقع النقر بقدر حسابها وفتح رفعة مشتملة على نظم فيه تلك الساعة باسمها مسطورة فتصقها بين يدي السلطان بلطافة ويسراها على فمها كالمؤدية بالمبايعة حق الخلافة. هكذا حالهم إلى انبلاج عمود الصباح ونداء المنادي حي على الفلاح. انتهى وفي زماننا هذا يحتفل المسلمون بيوم مولده ﷺ في جميع الأمم الإسلامية. وفي القطر المصري تتلى الأذكار وتوزع الصدقات على الفقراء والمحتاجين. وفي القاهرة يتحرك موكب أرباب الطرق بعد الظهر من ميدان باب الخلق أمام المحافظة، ويسير قاصداً ميدان الاحتفال بالعباسية مجتازاً شوارع تحت الربع فالسكرية فالغورية فميدان الأشراقية فالفحامين فالحسينية فالعباسية ويشتد الزحام في هذه الشوارع وتتقدم الموكب كوكبة من فرسان رجال الشرطة وتحف به من الجانبين قوة من رجال الجيش وقد جرت عادة الحكومة أن تحتفل بهذا اليوم المبارك احتفالا رسمياً في العباسية حيث تقام سرادقات للوزارات ويتوجه جلالة الملك أو نائبه إلى مكان الاحتفال وهناك يعرض الحامية المصرية على أثر وصوله ثم ينتقل إلى السرادق الملكي ويستقبل رجال الطرق الصوفية بأعلامهم وبعدئذ يقصد سرادق شيخ مشايخ الطرق الصوفية فيستمع تلاوة القصة النبوية وبعد سماعها يخلع على تاليها الخلعة الملكية وتدار المرطبات والحلوى على الحاضرين ثم ينصرف بعد ذلك بموكبه الحافل أثناء قصف المدافع وفي المساء تنار الزينات المقامة على السرادقات وتطلق الألعاب النارية البديعة وفي الصباح تعطل الحكومة وزارتها ومصالحها وتتلى القصة النبوية الشريفة في المشهد الحسيني بحضور محافظ مصر.

стр. 22

مرضعاته ﷺ

стр. 23

-أول من أرضعه ﷺ من النساء أمه آمنة ثم ثويبة الأسلمية جارية أبي لهب التي أعتقها حين بشرته بولادته أياماً قبل قدوم حليمة، وخولة بنت الأزور وأم أيمن، وامرأة سعدية غير حليمة، وثلاث نسوة من العواتك. وأكثرهن إرضاعاً له حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية وكان من عادة العرب إذا ولد لهم مولود يلتمسون له مرضعة من غير قبيلتهم ليكون أنجب للولد وأفصح له فجاءت نسوة من بني سعد إلى مكة يلتمسن الرضعى ومعهن حليمة السعدية في سنة شديدة القحط فكل امرأة أخذت رضيعاً الا حليمة وقد كانت تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها الحارث بن عبد العزى وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمس الرضعاء. قالت وهي سنة شهباء (١) لم تبق لنا شيئا، فخرجت على أتانِ لي قمراء (٢) معنا مشارف (٣) لنا والله ما تبض (٤) بقطرة وما ننام ليلنا من صبينا (٥) الذي معناه من بكائه من الجوع. ما في ثديي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذيه ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج. فخرجت على أتان تلك فلقد أدمت (٦) بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا (٧) حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل لها أنه يتيم وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نتركه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعاً فقلت والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. فقال لا بأس عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بكرة فذهبت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، فما أخذته رجعت به إلى رحلي فما وضعته في حجري أقبل على ثديي بما شاء من لبن فشرب حتى روى وشرب معه أخوه حتى روى ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك وقام زوجي إلى شارفنا فإذا إنها لحافل (٨) فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا فبتنا بخير ليلة وقال صاحبي حين أصبحنا تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة فقلت والله أني لأرجو ذلك، ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته عليها معي فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم حتى إن صواحبي ليقلن لي يا ابنة أبي ذؤيب ويحك أربعي علينا (٩) أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها فأقول لهن بلى والله إنها لهي فيقلن والله إن لها شأناً ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبناً فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعاً لبناً فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً (١٠) فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فلم نزل بها حتى ردته معنا.

стр. 24

شق الصدر

стр. 25

-قالت حليمة فرجعنا فوالله أنه بعد مقدمنا بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا (١) خلف بيوتنا إذا أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه (٢) قالت فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائماً منقعاً وجهه (٣) فالتزمته والتزمه أبوه فقلنا له مالك يا بني؟ قال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو؟ قالت فرجعنا إلى خبائنا وقال لي أبوه يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به فاحتملناه فقدمنا به على أمه فقالت ما أقدمك به ما ظئر (٤) وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك فقلت قد بلغ الله بابني وقضيت الذي عليَّ وتخوفت الأحداث عليه فأديته عليك كما تحبين. قالت ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك قالت فلم تدعني حتى أخبرتها. قالت أفتخوفت عليه الشيطان؟ قلت نعم. قالت كلا: والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لبنيّ لشأناً أفلا أخبرك خبره؟ قلت بلى. قالت رأيت حين حمله به أنه خرج مني نور أضاء لي به قصور بصرى (٥) من أرض الشام، ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه ووقع حين ولدته وأنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء. دعيه عنك وانطلقي راشدة. كان أو ما شق صدره ﵊ في السنة الثالثة من عمره وقيل في الرابعة وذلك لتطهيره وإخراج حظ الشيطان منه ويقول مؤرخو الأفرنج (٦) ومنهم الأستاذ نيكلوسن في كتابه أدب العرب صفحة (١٤٧ - ١٤٨) طبعة ١٩٠٨ وكذا الأستاذ موير في كتابه حياة محمد: إن هذه نوبة صرعية، وهذا مردود لأنه لم تشاهد فيه علامات الصرع طول عمره. وإلى قصة إرضاعه ﷺ يشير الهمزية حيث يقول: وبدت في رضاعه معجزات ... ليس فيها عن العيون خفاء إذ أبته ليتمه مرضعات ... قلن ما في اليتيم عنا غناء فأتته من آل سعد فتاة ... قد أبتها لفقرها الرضعاء أرضعته لبانها فسقتها ... وبنيها ألبانهن الشاء أصبحت شولا عجافا وأمست ... ما بها شائل ولا عجفاء أخصب العيش عندها بعد محل ... إذ غدا للنبي منها غذاء يا لها منة لقد ضوعف الأجـ ... ـر (الأجر) عليها من جنسها والجزاء وإذا سخر الإله أناساً ... لسعيد فإنهم سعداء

стр. 26

الحض على قتله صغيراً

стр. 27

-وكانت حليمة كلما مر بها جماعة من اليهود وحدثتهم بشأنه ﷺ حضوا على قتله ولكما عرضته على العرافيى [العرافين؟؟] في الأسواق صاحوا بقتله وكانوا يقولون اقتلوا هذا الصبي فليقتلن أهل دينكم وليكسرن أصنامكم وليظهرن أمره عليكم. وعن حليمة ﵂ أنه مر بها جماعة من اليهود فقالت ألا تحدثوني عن ابني هذا؟ حملته أمه كذا ووضعته كذا ورأت عند ولادته كذا وذكرت لهم كل ما سمعته من أمه وكل ما رأته هي بعد أن أخذته وأسندت الجميع إلى نفسها كأنها هي التي حملته ووضعته. فقال أولئك اليهود بعضهم لبعض اقتلوه. فقالوا أو يتيم هو؟ فقالت لا. هذا أبوه وأنا أمه. فقالوا لو كان يتيما قتلناه لأن ذلك عندهم من علامات نبوته. وعن حليمة أيضاً ﵂ أنها نزلت به ﷺ بسوق عكاظ وكان سوقاً للجاهلية بين الطائف ونخلة المحل المعروف، كانت العرب إذا قصدت الحج أقامت بهذا السوق شهر شوال يتفاخرون ويتناشدون الأشعار ويبيعون ويشترون. فلما وصلت حليمة به سوق عكاظ رآه كاهن من الكهان فقال يا أهل عكاظ اقتلوا هذا الغلام فإن له ملكا. فمالت به وحادت عنه الطريق فأنجاه الله. وقد رأت حليمة السعدية من النبي ﷺ الخير والبركة وأسعدها الله بالإسلام هي وزوجها وبنيها.

стр. 28

وفاة آمنة

стр. 29

-بعد أن ردت حليمة رسول الله ﷺ خرجت به أمه مرة إلى المدينة سنة ٥٧٥-٥٧٦ لزيارة أخواله من بني النجار أي أخوال جده عبد المطلب فمرضت وهي راجعة به وماتت ودفنت بالأبواء بين مكة والمدينة وعمره ست سنوات وكان عمر آمنة حين وفاتها ثلاثين سنة. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ زار قبر أمه بالأبواء في إلف مقنع فبكى وأبكى. فحضته أم أيمن بركة الحبشية التي ورثنها من أبيه وحملته إلى جده عبد المطلب بن هاشم الذي كان يحبه ويكرمه فقد كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إلا لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه. فيقول عبد المطلب إذا رأي ذلك منهم: "دعوا ابني فوالله إن له لشأناً". ثم يجلسه معه عليه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع. وبوفاة أمه صار يتيما وقد أشير إلى يتمه في القرآن قال تعالى ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى﴾ وفي السنة التي استقل جده ﷺ فيها بكفالته رمد رمداً شديداً.

стр. 30

عبد المطلب يهنئ سيف بن ذي يزن

стр. 31

-لما ظفر سيف بن ذي يزن الحميري بالحبشة وذلك بعد مولد النبي ﷺ أتته وفود العرب وأشرافها وكان من جملتهم وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ وأمية بن عبد شمس وأسد بن عبد العزى وعبد الله بن جدعان فقدموا عليه وهو في قصر يقال له غمدان بضم الغين فطلبوا الأذن عليه فأذن لهم وتكلم عبد المطلب مهنئاً ولما فرغ أدناه وقربه ثم استنهضوا إلى دار الضيافى وقاموا ببابه شهراً لا يصلون إليه ولا يؤذن لهم في الإنصراف. ثم انتبه إليهم انتباهه فدعا بعبد المطلب من بينهم فخلا به وأدنى مجلسه قوال: (١) "يا عبد المطلب أني مفوض إليك من علمي أمراً لو غيرك كان لم أبح له به ولكني رأيت معدنه فأطلعتك عليه فليكن مصوناً حتى يأذن الله بالغ أمره. أني أجد في العلم المخزون والكتاب المكنون الذي أرخرناه لأنفسنا واحتجبناه دون غيرنا خبراً عظيماً وخطراً فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس كافة ولرهطك عامة ولنفسك خاصة". قال عبد المطلب: "مثلك يا أيها الملك بر، وسر، وبشر، ما هو؟ فداك أهل الوبر زمراً بعد زمر". قال ابن ذي يزن: "إذا ولد مولود بتهامة. بين كتفيه شامة. كانت له الإمامة. إلى يوم القيامة". قال عبد المطلب: "أبيت اللعن لقد أبت بخير ما آب به أحد فلولا اجلال الملك لسألته عما ساره إلى ما أزداد به سروراً". قال ابن ذي يزن: "هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد. يموت أبوه وأمه. ويكفله جده وعمه وقد وجناه مرارا. والله باعثه جهاراً. وجاعل له منا أنصارا يعزبهم أولياءه. ويذل به أعداءه. ويفتتح كرائم الأرض. ويضرب بهم الناس عن عرض. يخمد الأديان. وكسر الأوثان ويعبد الرحمن. قوله حكم وفصل. وأمره خزم وعدل. يأمر بالمعروف ويفعله. وينهي عن المنكر ويبطله". فقال عبد المطلب: "طال عمرك. ودام ملكك. وعلا جدك. وعز فخرك. فهل الملك يسرني بأن يوضح فيه بعض الإيضاح؟ ". فقال ابن ذي يزن: "والبيت ذي الطنب. والعلامات والنصب. إنك يا عبد المطلب لجده من غير كذب". فخر عبد المطلب ساجداً. قال ابن ذي يزن: "ارفع رأسك. ثلج صدرك. وعلا أمرك. فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك؟ ". فقال عبد المطلب: "أيها الملك. كان لي ابن كنت له محبا وعليه حدبا مشفقا. فزوجته كريمة من كرائم قومه. يقال لها آمنة بنت وهب بن عبد مناف فجاءت بغلام بين كتفيه شامة فيه كل ما ذكرت من علامة مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه". قال ابن ذي يزن: "أن الذي قلت لك كما قلت. فاحفظ ابنك واحذر عليه اليهود فانهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا. أطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة من أن تكون لكم الرياسة. فيبغون لك الغوائل وينصبون لك الحبائل وهم فاعلون وأبناؤهم، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مهاجره، فإني أجد في الكتاب الناطق العلم السابق أن يثرب دار هجرته، وبيت نصرته، ولولا أني أقيه الآفات، وأحذر عليه العاهات لأعلنت على حدائه ستة وأوطأت أقدام العرب عقبه ولكني صارف إليك ذلك عن تقصير مني بمن معك". ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد وعشر إماء سود وخمسة أرطال فضة وحلتين من حلل اليمن وكرش مملوء عنبرا وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال: "إذا حال الحول فأنبئني بما يكون من أمره". فما حال الحول حتى مات ابن ذي يزن. فكان عبد المطلب بن هاشم يقول "يا معشر قريش لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك فإنه إن نفاد ولكن يغبطني بما يبقى لي ذكره وفخره ولعقى." فإذا قالوا له وما ذاك قال سيظهر بعد حين اهـ. وفي أسد الغابة أن سيف بن ذي يزن أدرك النبي ﷺ وأخبره جده عبد المطلب بنبوة محمد ﷺ وصفته. كانت اليمن تابعة للحبشة فكره أهلها حكمهم ونهض سيف بن ذي يزن لسترداد عرش آبائه فسعى لدى الإمبراطورية الرومانية لشد أزره فلم يفلح فالتجأ إلى ملك الفرس فأمده بجيش فحارب الحبشة وانتصر عليها وقتل وإليها الذي كان يدعى مسروقا وذلك حوالي سنة ٥٧٥ م ويوافق العام الذي توفيت فيه آمنة أم رسول الله ﷺ . فليس هناك اعترض على ذهاب الوفود العربية لتهنئة ابن ذي يزن من الوجهة التاريخية. أضف إلى ذلك أن الواجب يقضي على رؤساء العرب بذلك لقرابتهم وجوارهم واشتراك مصالحهم التجارية لأنهم كانوا يرحلون إلى اليمن للتجارة في الشتاء كما كانوا يرحلون إلى الشام صيفا. وقد اعترض الأستاذ "فيل" Weil على صحة القصة المتقدمة من الوجهة التاريخية وفيما شرحه الأستاذ "برسيفال" M.C. de Perceval رد على إعتراضه لأنه أثبت انهزام الحبشة لأول مرة في سنة ٥٧٥ م وإن كانت لم تطرد نهائيا من اليمن إلا سنة ٥٩٧ م. أما الأستاذ موير فإنه لم يستطع تكذيب ذهاب الوفود ومعهم عبد المطلب (الذي كان وقتئذ حاكم مكة) تكذيبا باتا قال أن قصة تشمل مبالغات كثيرة فيما يتعلق بالأخبار عن النبي المنتظر وهذا ما جعله يرتاب فيها. على أن المتتبع للسيرة النبوية يجد أن هذه القصة ليست فريدة في بابها من حيث الأخبار برسول الله ﷺ فإن ما أخبره به سيف لعبد المطلب قاله بحيرا لأبي طالب وعرفه سلمان الفارسي وأذاعه أحبار اليهود مما سنعني بذكره مفصلا في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى ولعل ما أخبر به ابن ذي يزن لعبد المطلب كان من الأسباب التي جعلت عبد المطلب يكرم النبي ﷺ ويقول لأولاده إذا نحوا رسول الله ﷺ عن مجلسه لصغره (دعوا ابني فو الله إن له لشأنا) .

стр. 32

وفاة جده عبد المطلب وكفالة عمه أبي طالب

стр. 33

-لما بلغ رسول الله ﷺ ثماني سنوات توفى جده عبد المطلب في مكة سنة ٥٧٨ م بعد عام الفيل بثماني سنين وله عشر ومائة سنة وقيل أكثر من ذلك ودفن بالحجون جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها عند قبر جده قصي ولما حضرته الوفاة أوصى به إلى عمه شقيق أبيه "أبي طالب" واسمه عبد مناف وعبد الكعبة وكان كريما لكنه كان فقيرا كثير الأولاد. وكان يرى منه ﷺ الخير والبركة ويحبه حبا شديدا ولذا لا ينام إلا جنبه ويخرج به متى خرج وأوصى عبد المطلب إلى أبي طالب أيضا بسقاية زمزم وإلي ابنه الزبير بالحكومة وأمر الكعبة وكان رسول الله يبكي خلف سرير جده. وفي هذه السنة مات حاتم الطائي وكسرى أنوشروان. وقد أخرج ابن عساكر عن جهلمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في قحط فقالت قريش يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب. فهلم فاستسق فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجى تجلت عنه سحابة قتماء حوله أغيلمة (جمع غلام) فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ الغلام بإصبعه (اشار بأصبعه إلى السماء كالمتضرع الملتجئ) وما في السماء قزعة (قطعة من سحاب) فأقبل السحاب من هنا وهنا وأغدق وأغدودق (كثر مطره) وانفجر الوادي وأخصب النادي. وفي ذلك يقول أبو طالب مادحا النبي ﷺ : وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل (الثمال) بكسر المثلثة الملجأ والغياث وقيل المطعم في الشدة. (عصمة للأرامل) أي يمنعهم من الضياع والحاجة. هذان بيتان من قصيدة طويلة لأبي طالب (١) . وقد شاهد أبو طالب هذا الاستسقاء فنظم هذه القصيدة وقد شاهده مرة أخرى قبل هذه فروى الخطابي حديثا فيه أن قريشا تتابعت عليهم سنو جدب في حياة عبد المطلب فارتقى هو ومن حضره من قريش أبا قبيس (بالتصغير اسم الجبل المشرف على مكة) . فقام عبد المطلب واعتضده ﷺ فرفعه على عاتقه وهو يومئذ غلام فقال أيفع أو قرب ثم دعا فسقوا في الحال فقد شاهد أبو طالب ما دله على ما قال أعني قوله: "وأبيض يستسقي الغمام بوجهه" وكان الاستسقاء في الجاهلية الأولى بخاف هذه الطريقة فكانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات واشتد الجدب واحتاجوا إلى الأمطار يجمعون لها بقراً معلقة في أذنابها وعراقيبها السلع والعشر (٢) ويصعدون بها إلى جبل وعر ويشعلون النار ويضجون بالدعاء والتضرع وكانوا يرون من الأسباب المتوصل بها إلى نزول الغيث.

стр. 34

السفر إلى الشام .

стр. 35

-لما بلغ رسول الله ﷺ اثنتي عشرة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام في ركب للتجارة سنة ٥٨٢ م فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وهي قصبة حوران وكانت في ذلك الوقت قصبة للبلاد العربية التي كانت تحت حكم الرومان وكان ببصرى راهب يقال له بحيرا في صومعة له. وكان ذا علم من أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة راهباً إليه يصير علمهم عن كتاب يتوارثونه كابراً عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيراً ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام نزلوا به قريبا من صومعته. فصنع لهم طعاماً كثيراً وذلك عن شيء رآه من صومعته فقد رأى رسول الله ﷺ في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريباً منه فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت أغصانها على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع ثم أرسل إليهم فقال إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش. فإني أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم. وعبدكم وحركم. قال له رجل منهم والله يا بحيرا إن لك شأنا اليوم ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيراً فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرا صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم ضعاماً فتأكلون منه كلكم. فاجتمعوا وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة. فلما نظر بحيرا في القوم فلم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده فقال يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي. قالوا يا بحيرا ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك وهو أحدث القوم سنا في رحالهم. فقال لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم ثم قام إليه رجل من قريش فاحتضنه وأجلسه مع القوم. فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام بحيرا فقال يا غلام أسألك بحق اللات والعزي إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما فأبى رسول الله أن يستحلفه بهما فقال له بحيرا ألا أخبرتني عما أسألك عنه؟ فقال له سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن أشياء من حاله ومن نومه وهيئته وأموره فجعل رسول الله يخبره بخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه وكان مثل أثر المحجمة (يعني أثر المحجمة القابضة على اللحم حتى يكون ناتئا) فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال ما هذا الغلام منك؟ قال ابني. قال بحيرا ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا؟ فقال إنه ابن أخي. قال فما فعل أبوه؟ قال مات وأمه حبلى به. قال صدقت فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً فإنه كائن له شأن عظيم فأسرع به إلى بلده فخرج به عمه أبو طالب سريعاً حتى أقدامه مكة حين فرغ من تجارته بالشام (١) إن بحيرا لما عرف رسول الله تخوف عليه من اليهود فنصح لأبي طالب بالرجوع به سريعاً والمحافظة عليه وقد روت حليمة أن اليهود كانوا إذا رأوه وعرفوه حض بعضهم بعضا على قتله حتى أنها كانت تضطر إلى الإختفاء به والإبتعاد عنهم وعلى كل حال كانوا ينتظرون في ذلك الوقت ظهور نبي وكان بعض المتعمقين في الدين يعرفون علامات ذلك النبي وسنذكر فيما بعد أوصافه ﷺ المذكورة في التوراة ولا شك أن عالما مثل بحيرا كان يعرفها قال مستر وليام موير في كتابه (حياة محمد) بشأن رحلته ﷺ مع عمه إلى الشام: "أن جميع الذين دنوا سيرة الرسول قد ذكروا تفاصيل مضحكة عن هذه الرحلة تدل على عظمة نبوته المنتظرة" ثم أورد قصة سفره كما ذكرت في هذا الكتاب وكما ذكرها المؤرخون. وإنا لا ندري لماذا كانت هذه التفاصيل مضحكة في نظر مستر موير؟ إنه يعترف بأن جميع المؤرخين رووا هذه التفاصيل ولا شك أنه يستسقي منهم سيرة الرسول. ومن بينهم من يعتمد عليه ويحتج بكلامه ويرفض ما يريد رفضه إذ لم تكن الحادثة أو الرواية واردة في كتبهم أو إذا طرأ تحريف في نص كلامهم فهو يعول مثلا على ابن اسحاق وعلى الطبري والواقدي وغيرهم. فكان الواجب عليه باعتبار كونه مؤرخاً أن يقر هذه التفاصيل التي ذكرها جميع المؤرخين بلا استثناء. هذا وليس لديه رواية أثبت من روايتهم تعارض أو تنفي ما ذكروه. أما كون هذه التفاصيل مضحكة فهذا ما لم يقل به أحد من أكابر المؤرخين الذين استمد منهم مادته. وكان ينبغي عليه أن يقدر موقفه ويعلم أنه إنما يكتب تاريخ نبي لا شخص عادي. فالأنبياء والرسل تقع في حياتهم أمور خارقة تدل على نبوتهم وتؤيد رسالتهم فالتي تقع قبل النبوة كالخوارق التي حدثت في مولده ﷺ وما شاهدته حليمة من تيسير الرزق والبركة وشق الصدر وما حدث أثناء سفره إلى الشام تسمى أرهاصات والتي تقع بعد النبوة تسمى معجزات. وكرامات الأولياء كمعجزات الأنبياء غير أنهم لم يدعوا النبوة. ولا شك أن محمدا ﷺ وقعت منه خوارق العادات قبل النبوة وبعدها ولا سبيل إلى إنكار مجموع ارهاصاته ومعجزاته (أولاً) من الوجهة التاريخية لأن معاصريه وكبار الصحابة قد شاهدوها ورووها ورواها عنهم كبار المؤرخين ولو أبطلنا مشاهداتهم ورواياتهم لم يبق للتاريخ قيمة (ثانياً) من الوجهة الدينية لأن الدين يقر معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء. فمن ذلك معجزات عيسى ﵇ فإنه تكلم في المهد صبياً وأبرأ الأعمى والأبرص وأحيا الميت. ومع ذلك لم يقل أحد من المسلمين أن هذه أمور مضحكة وفي العالم أناس ليسوا بأنبياء ولا أولياء تراهم في كل زمان ممتازين على أبناء جيلهم يأتون أعمالا يستحيل على غيرهم الإتيان بمثلها ولقد شاهدنا في مصر فتى أميا من أبناء أحد المزارعين ذاع صيته ونشرت الجرائد صورته. هذا الطفل يضرب أرقاما طوالا وينطق بالجواب الصحيح بسهولة وبسرعة مدهشة من غير أن يخط بقلم وقد رأيته شخصياً أكثر من مرة وحار فيه علماء الرياضة وامتحنه كبار رجال الحكومة والصحافة. فهذا إنسان عادي له موهبة خاصة أذهلت عقول الخاصة. فكيف يمكن إنكار هذه الموهبة الخارقة والفتى لا يزال حياً بين ظهرانينا يحل المسائل في الطرق ويجيب كل سائل؟ فإذا جاء رجل مثل مستر موير بعد ذلك بجيل أو أكثر وزعم أن هذه خرافة مضحكة ابتدعها المصريون لم يغير ذلك شيئا من الحقيقة.

стр. 36

من هو بحيرا ؟

стр. 37

-لا ريب أن بحيرا الذي مر ذكره كان راهباً مسيحياً في الشام في ذلك الوقت وقد ذكر في الآداب البيزنطية أنه راهب نسطوري على مذهب أريوس ونسطور وكان ينكر لاهوت المسيح ويقول أن تسميته بآله غير جائزة بل يجب أن يدعى كلمة وأن تدعى والدته مريم والدة الناسوت الذي هو مظهر الكلمة السامي لا والدة الله وكان بحيرا قساً عالما فلكياً منجماً وقد اتخذ صومعته بقرب الطريق الموصل إلى الشام وأقام هناك مدة تمر عليه العربان والقوافل فكان ينذرهم بعبادة الله الواحد وينهاهم عن عبادة الأصنام وله تلميذ اسمه مذهب، وكان من جملة المتتلمذين له سلمان الفارسي النصراني وسلامه قصة غريبة ستذكر في موضعها. قال مذهب: إن بحيرا توفي قتيلا بدسيسة بعض يهود أشرار. ومعنى بحيرا في السريانية عالم متبحر (١) .

стр. 38

رعية رسول الله الغنم بمكة (١)

стр. 39

-قال رسول الله ﷺ "ما من نبي إلا قد رعى الغنم" قالوا وأنت يا رسول الله؟ قال "وأنا". وقال "ما بعث الله نبيا إلا راعي الغنم" قال له أصحابه وأنت يا رسول الله؟ قال "وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط (٢) " وعن جابر بن عبد الله قال. كنا مع النبي ﷺ نجني الكباث (٣) فقال عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه فإني كنت أجنيه إذا كنت راعي الغنم قلنا وكنت ترعى الغنم يا رسول الله؟ قال نعم وما من نبي إلا قد رعاها.

стр. 40

حرب الفجار (١) (٥٨٠ - ٥٩٠ م)
следующие страницы →