-لا ريب أن بحيرا الذي مر ذكره كان راهباً مسيحياً في الشام في ذلك الوقت وقد ذكر في الآداب البيزنطية أنه راهب نسطوري على مذهب أريوس ونسطور وكان ينكر لاهوت المسيح ويقول أن تسميته بآله غير جائزة بل يجب أن يدعى كلمة وأن تدعى والدته مريم والدة الناسوت الذي هو مظهر الكلمة السامي لا والدة الله وكان بحيرا قساً عالما فلكياً منجماً وقد اتخذ صومعته بقرب الطريق الموصل إلى الشام وأقام هناك مدة تمر عليه العربان والقوافل فكان ينذرهم بعبادة الله الواحد وينهاهم عن عبادة الأصنام وله تلميذ اسمه مذهب، وكان من جملة المتتلمذين له سلمان الفارسي النصراني وسلامه قصة غريبة ستذكر في موضعها.
قال مذهب: إن بحيرا توفي قتيلا بدسيسة بعض يهود أشرار. ومعنى بحيرا في السريانية عالم متبحر (١) .
стр. 38
رعية رسول الله الغنم بمكة (١)
стр. 39
-قال رسول الله ﷺ "ما من نبي إلا قد رعى الغنم" قالوا وأنت يا رسول الله؟ قال "وأنا". وقال "ما بعث الله نبيا إلا راعي الغنم" قال له أصحابه وأنت يا رسول الله؟ قال "وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط (٢) " وعن جابر بن عبد الله قال. كنا مع النبي ﷺ نجني الكباث (٣) فقال عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه فإني كنت أجنيه إذا كنت راعي الغنم قلنا وكنت ترعى الغنم يا رسول الله؟ قال نعم وما من نبي إلا قد رعاها.
стр. 40
حرب الفجار (١) (٥٨٠ - ٥٩٠ م)
стр. 41
-أيام الفجار عدة. فالفجار الأول كان بين كنانة وهواز. والثاني بين قريش وهوازن والثالث بين كنانة وهوازن والفجار الأخير بين قريش وكنانة كلها وهوازن. وهذه الحروب كانت قبل مبعث النبي ﷺ بخمس وعشرين سنة. وقد شهد النبي ﷺ الفجار الأخير وهو ابن خمس عشرة سنة وكان سببها النعمان بن المنذر أمير الحيرة بعث بلطيمة له إلى سوق عكاظ للتجارة (واللطيمة الإبل تحمل التجارة كالطيب والبز وأشباههما) وأجارها له عروة الرجال من بني هوازن فنزلوا على ماء يقال له أوارة، فوثب البراض خلي من بني كنانة على عروة فقتله وهرب إلى خيبر فاستخفى بها ولقي بشر بن أبي خازم الأسدي الشاعر فأخبره الخبر وأمره أن يعلم ذلك عبد الله بن جدعان وهشام بن المغيرة وحرب بن أمية ونوفل بن معاوية الدبلي وبلعاء بن قيس فوافى عكاظا فأخبرهم فخرجوا موائلين منكشفين إلى الحرم وبلغ قيسا الخبر آخر ذلك اليوم فقال أبو براء رئيس هوازن ما كنا من قريش إلا في خدعة فخرجوا في آثارهم فأدركواهم وقد دخلوا الحرم فناداهم رجل من بني عامر يقال له الأدرم بن شعيب بأعلى صوته: أن ميعاد ما بيننا وبينكم هذه الليالي من قابل وإنا لا نأتي في جمع
ولم تقم في تلك السنة سوق عكاظ فمكثت قريش وغيرها من كنانة وأسد بن خزيمة ومن لحق بهم من الأحابيش سنة يتأهبون لهذه الحرب وتأهبت قيس بن عيلان ثم حضروا من قابل ورؤساء قريش: عبد الله بن جدعان بن المغيرة وحرب بن أمية وأبو أحيحة سعيد بن العاص وعتبة بن ربيعة والعاص بن وائل ومعمر بن حبيب الجمحي وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وخرجوا متساندين (أي ليس لهم أمير واحد يجمعهم) ويقال بل أمرهم إلى عبد الله بن جدعان وكان في قيس أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر وسبيع بن ربيعة بن معاوية النضري ودريد بن الصمة ومسعود بن معتب وأبو عروة بن مسعود وعوف بن أبي حارثة المرى وعباس بن رعل السلى. وهؤلاء الرؤساء والقادة. ويقال بل كان أمرهم جميعا إلى براء وكانت الراية بيده وهو سوي صفوفهم فالتقوا فكانت الدبرة أول النهار لقيس وكنانة على هوازن ومن ضوى إليهم. ثم صارت الدبرة آخر النهار لقريش وكنانة على قيس فقتلوهم قتلا ذريعاً حتى نادى عتبة بن ربيعة يومئذ - وإنه لشاب ما كملت له ثلاثون سنة - إلى الصلح فاصطلحوا على أن عدوا القتلى ووردت قريش لقيس ما قتلت فضلا عن قتلاهم ووضعت الحرب أوزارها فانصرفت قريش وقيس
قال رسول الله ﷺ وذكر الفجار فقال "قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم وماأحب أني لم أكن فعلت" وقال رسول الله ﷺ "كنت أنبل على أعمامي" يعني أناولهم النبل.
стр. 42
حِلف الفضول
стр. 43
-كان حلف الفضول منصرف قريش من الفجار وكان أشرف حلف. وأول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب فأجتمعت بنو هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاماً فتعاقدوا وتعاهدوا بالله لنكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة، وفي التآسى في المعاش، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضور. وعن رسول الله ﷺ أنه قال "ماأحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم وأني أعذر به هاشم وزهرة وتيم تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما بل بحر صوفة ولو دعيت به لأجبت وهو حلف الفضول".
стр. 44
هل سافر النبي إلى اليمن ؟
стр. 45
-قال الأستاذ فيل الألماني Weil إن رسول الله سافر في السادسة من عمره إلى اليمن مع عمه الزبير في رحلة تجارية. ورد عليه الدكتور اشبرنجر Dr.Sprenger أن هذا الخبر ليس له أساس صحيح وأنه لم يجده في الكتب الموثوق بها. والحقيقة كما قال الدكتور اشبرنجر. نعم قد ذكر الطبري رواية جاء فيها أن خديجة إنما كاننت استأجرت رسول الله ورجلا آخر من قريش إلى سوق حباشة بتهامة الخ، غير أنه جاء في الطبري بعد ذلك أن الواقدي قال "فكل هذا خطأ والمشهور رواية ابن اسحاق وهي رحلته إلى الشام".
стр. 46
الرحلة الثانية إلى الشام ٥٩٥ م .
стр. 47
-لما بلغ رسول الله ﷺ خمساً وعشرين سنة قال له أبو طالب أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا وهذه عير قومك وقد حضر خروجها إلى الشام وخدسجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيراتها فلو جئتها فعرضت عليها نفسك لأسرعت إليك. وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له فأرسلت إليه في ذلك وقالت له أنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك. فخرج مع غلامها ميسرة وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدم بصرى من الشام وهي مدينة على دمشق فنزلا في ظل شجرة فقال نسطور الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي. ثم قال: لميسره أفي عينيه حمرة؟ قال: نعم لا تفارقه. قال: هو نبي وهو آخر الأنبياء. وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتد الحريرى ملكين يظلان رسول الله ﷺ من الشمس فوعى ذلك كله ميسرة وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون. فلما رجعوا أخبرها بما قال الراهب نسطور فلما رأت خديجة الربح الكثير أضعفت له ضعف ماسمت به.
قال مستر موير عند ذكر هذه الرحلة أن محمداً ﷺ لم يكن في وقت من الأوقات طعاماً في الغنى، إنما كان سعيه لغيره ولو ترك الأمر لنفسه لآثر أن يعيش في هدوء وسلام قانعاً بحالته ولما فكر في رحلة كهذه. ولكن لما عرض عليه عمه السفر شعرت نفسه الكريمة بضرورة تفريج كربة عمه فأجاب طلبه مسروراً.
стр. 48
تزويج رسول الله خديجة ﵂ .
стр. 49
-كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة حازمة جلدة شريفة غنية من أواسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً. وقد عرض كثيرون عليها الزواج فلم تقبل فلما رجع رسول الله ﷺ أرسلت إليه من يرغبه في الزواج وقيل أنها أرسلت أختها فقال ما بيدي ما أتزوج به فقالت فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال فمن هي؟ قالت له خديجة قال فأنا أفعل. فذهبت فأخبرت خديجة فأرسلت إله أن ائت لساعة كذا وكذا وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها خديجة فحضر ودخل رسول الله ﷺ في عمومته فزوجه أحدهم فقال عمرو بن أسد "هذا البضع لا يفرع أنفه" وتزوجها رسول الله ﷺ وهو ابن خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة وقد حضر رؤساء مضر وحضر أبو بكر ﵁ ذلك العقد فقال أبو طالب: "الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد (معدنه) وعنصر مضر (أصله) وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتاً محجوجا حرماً آمناً وجعلنا الحكام على الناس ثم أن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل الا رجح به شرفاً ونبلا وفضلا وعقلا فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وأمر حائل. ومحمد من قد عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما آجله وعاجله كذا (١) وهو والله بعد هذا له بنأ عظيم وخطر جليل جسيم". فلما أتم أبو طالب الخطبة تكلم ورقة بن نوفل فقال: "الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت وفضلنا على ما عددت فنحن سادة العرب وقاتدتها وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم وقد رغبنا في الأتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا عليَّ معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على كذا". ثم سكت فقال أبو طالب "قد أجبت أن يشركك عمها. فقال عمها:
"اشهدوا عليّ يا معشر قريش بأني قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد" فقبل النبي ﷺ النكاح وشهد على ذلك صناديد قريش.
قال الواقدي: ويقولون أيضاً أن خديجة أسلت إلى النبي ﷺ تدعوه إلى نفسها تعني التزويج وكانت امرأة ذات شرف وكان كل قريش حريصاً على نكاحها قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك فدعت أباها فسقته خمراً حتى ثمل ونحرت بقرة وخلقته بخلوق وألبسته حلة حبرة ثم أرسلت إلى رسول الله ﷺ في عمومته فدخلوا عليه فزوجه. فلما صحا قال: ما هذا العقير وما هذا العبير وما هذا أكابر قريش فلم أفعل. قال الواقدي وهذا غلط والثبت عندنا المحفوظ من حديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ومن حديث ابن أبي حبيبة عن داود عن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس "أن عمها بن أسد زوجها رسول الله ﷺ وأن أباها (خويلد بن أسد) مات قبل الفجار (٢) .
تزوج خديجة قبل رسول الله ﷺ وهي بكر عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ثم هلك عنها وتزوجها وبعده أبو هالة النباش بن زرارة.
وولد خديجة لعتيق هند بنت عتيق وولدت لأبي هالة هند بنت أبي هالة وهالة بن أبي هالة فهند بنت عتيق وهند وهالة ابنا أبي هالة كلهم أخوة أولاد رسول الله من خديجة.
стр. 50
تجديد بناء الكعبة سنة ٦٠٥ م .
стр. 51
-الكعبة هي بيت الله الحرام وهو بناء مربع الشكل في وسط المسجد، بابه مرتفع على الأرض نحو قامة. وقد بنى الكعبة إبراهيم ﵇ وهو رسول من أولي العزم أرسله الله إلى الكلدانيين في جنوب بابل وكانوا يعبدون النجوم والأثان ثم ترك إبراهيم قومه حين عصوه وهاجر إلى مدين وهناك أمره الله تعالى بالهجرة بولده إسماعيل (١) وأمه هاجر إلى بلاد العرب فقصدوا مكة ثم أمره الله ببناء الكعبة. قال السيد الإمام التقي الفاسي: بناء الخليل إبراهيم ﵊ ثابت بالكتاب والسنة. ورورى الأزرقي في تارخه عن ابن اسحاق أن الخليل ﵊ لما بنى البيت جعل طوله في السماء تسعة أذرع وجعل طوله في الأرض من قبل وجه البيت الشريف من الحجر الأسود إلى الركن الشامي أثنين وثلاثين ذراعاً وجعل عرضه في الأرض من قبل الميزاب من الركن الشامي إلى الركن الغربي الذي يسمى الآن الركن العراقي أثنين وعشرين ذراعاً وجعله طوله في الأرض من جانب ظهر البيت الشريف من الركن الغربي المذكور إلى الركن اليماني أحداً وثلاثين ذراعاً وجعل عرضه في الأرض من الركن اليماني إلى الحجر الأسود عشرين ذراعاًوجعل الباب لاصقاً بالأرض غير مرتفع عنها ولا مبوب حتى جعل لها تبع الحميري بابا وغلقا بعد ذلك ومقام إبراهيم ﵇ بإزاء وسط البيت الذي فيه الباب. قال ياقوت في معجم البلدان: إن خصائص الكعبة كثيرة وفضائلها لا تحصى ولا يسع كتابنا إحصاء الفضائل وليست أمة في الأرض إلا وهم يعظمون ذلك البيت ويعترفون بقدمه وفضله وأنه بناء إبراهيم حتى اليهود والنصارى والمجوس والصابئة وقد بقيت الكعبة على هيئتها من عمارة إبراهيم ﵇ إلى أن بلغ النبي ﷺ خمسا وثلاثين سنة من عمره فخافت قريش أن تهدم لتصدع جدرانها بسيل دخلها بعد حريق اصابها وكانت رضما فوق القامة (الرضم أن تنضد الحجارة بعضها على بعضمن غير ملاط) وكان البحر رمى بسفينة إلى جدة (٢) فتحطمت فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش فابتاعوا خشبها وأعدوه لتسقيفها وكان بمكة نجار يدعى باقوم مولى سعيد بن العاصي وصانع المنبر الشريف فأمروهأن يلي بناء الكعبة وكان ﷺ ينقل الحجارة معهم فلما وصلوا إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يضع الحجر موضعه وأرادت كل قبيلة رفعه وتواعدوا للقتال ثم تشاوروا وجعلوا بينهم أول من يدخل من باب المسجد يقضي بينهم فكان أول من دخل رسول الله ﷺ فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا به وأخبروه الخبر فوضع رسول الله ﷺ رداءه وبسطه على الأرض ثم أخذ الحجر فوضعه فيهثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه ففعلوا فلما بلغوا موضعه وضعه هو بيده الشريفة فرضوا وانتتهوا عن الشرور.
وكانت قريش تسمي رسول الله ﷺ قبل أن ينزل الوحي الأمين وفي كتاب تهذيب الأسماء أن أول امرأة عربية كست الكعبة الحرير نتيلة أم العباس وسببه أن العباس ضاع وهو صغير فنذرت أن وجدته أن تكسوها فوجدته ففعلت.
стр. 52
تسميته بالأمين ﷺ .
стр. 53
-جاء في دائرة المعارف البريطانية في ترجمة حياته ﷺ أن تسميته بالأمين مأخوذة من اسم أمه (آمنة) زإن كان العرب لا يجعلون علاقة بينهما في هذه التسمية. هذا ما زعمه كاتب الترجمة في دائرة المعارف البريطانية فهو يريد أن يقول أن العرب لم يسموه أميناً لأمانته بل لأن اسم والدته آمنة فلا فخر ولا فضل. والحقيقة التاريخية أنه ﷺ سمي أميناً لأمانته ولذا استخدمته خديجة في تجارتها فربحت ربحاً طائلا ثم تزوجته لثقتها به. وقد جعله قومه حكما بينهم في بناء الكعبة عن طيب نفس. قال المسيو سيدللو Sedillot في كتابه تاريخ العرب (١) "ولما بلغ محمد من العمر خمساً وعشرين سنة استحق بحسن سيرته واستقامة سلوكه مع الناس أن يلقب (بالأمين) وقال موير Muir (٢) أنه لقب بالأمين بإجماع أهل بلده لشرف أخلاقه. وكتب لفظة أمين بالأنجيليزية هكذا Faithful.
стр. 54
رسالة محمد ﷺ .
стр. 55
إثباتها من التوراة والإنجيل
أرسل النبي ﷺ إلى الناس كافة ناسخاً بشريعته الشرائع الماضية قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَةً للِنَاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾ سورة سبأ
وقال ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ سورة الفرقان
وقد وردت البشارة فيه في التوراة والإنجيل والزبور
فجاء في قول يوحنا حكاية عن المسيح ﵇ (ص ١٤ ف ١٥) ما يأتي: (إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليطاً آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه. ولا يعرفه. وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم وفيكم)
وفي ص ١٦ ف ٥: (وأما الآن فأنا ماض إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي لكن لأتي قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم الفارقليط لكن إن ذهبت أرسله إليكم ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطيئته وعلى بر [؟؟] وعلى ديبوبة. أما على الخطيئة فلأنهم لا يؤمنون بي وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني ايضا وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين. إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن وأما متى ذاك روح الحق يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم) .
إن هذه الترجمة رديئة فالأسلوب ضعيف والألفاظ مكررة تكراراً لا مسوغ له والجمل مفككة خالية من الروح ولذا لا يتأثر منها القارئ وترجمة الفارقليط أو البارقليط بالعربية (أحمد) كما قال تعالى في كتابه العزيز ﴿وَمُبَشِّراً برَسُولٍ يأتِى مِن بَعْدِى اًسْمُهُ أَحْمَد﴾ (١) وقد تصرف المترجمون في هذه اللفظة فكانوا تارة ينقلونها عن اللغات الثلاث الأصلية وهي العبرانية والكلدانية واليونانية بالمعزى وأخرى بالمخلص أو يكتبونها البارقليط كما هي.
ومن يقرأ هذه النصوص وينعم النظر في معناها ومرماها يجد أن عيسى عيله السلام بشر برسالة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام فسماه فارقليطا آخر يعنى رسولا غيره تبقى شريعته إلى قيام الساعة ولا يأتى بعده نبي ولا رسول وقال أنه إن لم ينطلق لا يأتي الفارقليط وقد بكت النبي ﷺ النصارى واليهود الذين أنكروا نبوة المسيح وأساءوا إليه وحرفوا دينه وقد أرشد النبي ﵊ الناس كافة إلى الحق وكان لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع بتكلم به أي لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى وثبت أنه أخبر بأمور آتية وقد وقع ما أخبر به ومجد عيسى ﵇ وتدل آيات القرآن الكريم على ما ورد في الأنجيل فإن النبي ﷺ (الفارقليط الذي أتى به عيسى ﵇ لا يتكلم من نفسه به كل ما يسمع يتكلم به وأنه يرشد إلى الحق. قال تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرى مَا يُفْعَلُ بي وَلاَ بِكُمْ إِن أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلىَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِييٌ﴾ ﴿وّكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِن أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِىِ بِه مَن نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّآتِهمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ ﴿تِلْكَ آيَاتُ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ .
وإذا كان الفارقليط لا يشير إلى محمد رسول الله ﷺ فإلى من يشير إذن؟ وأين الذي جاء بعد عيسى ﵇؟ ومن هو الذي بكت العالم على خطيئته. ومن هو روح الحق الذي لا يتكلم من نفسه الخ، أليس هو رسول الله ﷺ ؟
وجاء في وصية موسى الكليم ﵇ كما في ص ٣٣ ف ٢: من التثنية ولفظه:
(قال جاء الرب من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سنة من نار. أحب الشعوب جميع الأطهار بيده والذين يقتربون من رجليه يقبلون من تعليمه) .
هذه الوصية هي آخر وصايا موسى ﵇. وقد أخبر بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ووضح لهم أن الله جاء من سيناء (يريد بمجيئه ظهور دينه وتوحيده بما أوحى إلى موسى بسيناء) وأوصاكم بواسطتي باتباع التوارة ويستشرق عليكم بواسطة عيسى من ساعير وهي جبال فلسطين فلم يبق إلا أن يستعلن من جبال فاران (والمراد بها مكة وهي البلدة التي سكنها إسماعيل) وألوف الأطهار هم الصحابة رضوان الله عليهم. في يمينه سنة من نار وهي الشريعة الإسلامية لأنها أحرقت المشركين ولما كان من المهم أن نعرف مكان فاران التي وردت في وصية موسى بحثت عنها في أشهر المراجع الموثوق بها فجاء في معجم ياقوت جزء ٦ صحيفة ٣٢٣ طبع مصر سنة ١٣٢٤ (فاران هي من أسماء مكة ورد ذكرها في التوراة. قيل هو اسم لجبال مكة) وجاء في كتاب صفة جزيرة العرب للهمداني طبع ليدن ١٨٨٣ صفحة ١٧٠: وأما معدن فران فإنه نسب إلى فَرَان بن بَلىّ بن عمرو كما قيل في جبال الحرم جبال فاران وذكرت بذلك في التوراة وإنما نسبت إلى فاران بن عميلق. وجاء في كتاب الأعلام بأعلام بيت الله الحرام تأليف قطب الدين النهروالي المكي طبع ليبسيك سنة ١٨٥٧ ص ١٨ عند ذكر أسماء مكة ما يأتي:
(ومن أسمائها كوثى لأن كوثى اسم لمحل من قعيقعان وفاران والمقدسة وقرية النمل لكثرة نملها والحاطمة لحطمها للجبابرة والوادي والحرم الخ) فلم يبق شك أن فاران جبال بمكة أو هي مكة نفسها سميت باسم تلك الجبال
جاء في سفر أشعيا الأصحاح الحادي والأربعون (أنصتي إلىَّ أيتها الجزائر ولتجدد القبائل قوة ليقتربوا ثم يتكلموا. لنتقدم معاً إلى المحاكمة من أنهض من الشرق الذي يلاقيه النصر عند رجليه. دفع أمامه أمما وعلى ملوك سلطة. جعلهم كالتراب بسيفه وكالقش المنذري بقوسه. طردهم. مر سالما في طريق لم يسلكه برجليه من فعل وصنع داعيا الأجيال من البدء أنا الرب الأول ومع الآخرين أنا هو)
والمراد بالقبائل قبائل العرب وصاحب السيف والقوس هو محمد ﷺ فإن عيسى لم يحارب أصلا
وجاء في الفصل ١٨ من الكتاب الخامس من سفر التثنية أن الله تعالى قال لموسى ﵇ (قل لبني اسرائيل أني أقيم لهم آخر الزمان نبيا مثلك من بني أخوتهم) وكل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل وأخرهم عيسى ﵇ فلم يبق أن يكون من بني أخوتهم إلا نبينا محمد ﷺ لأنه من ولد إسماعيل وإسماعيل أخو اسحاق واسحاق جد بني اسرائيل فهذه هي الأخوة التي ذكرت في التوراة ولو كانت هذه البشارة بنبي من أنبياء بني اسرائيل لم يكن لذكر اخواتهم معنى وجاء في كتاب الرؤيا المنسوب إلى يوحنا الإنجيلي في ص ١٩ ف ١١ ما نصه: (ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه أمينا صادقا وبالعدل يحكم ويحارب وعيناه كلهيب نار وعلى رأسه تيجان كثيرة وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلا هو) وهنا قال أنه يحارب ولا شك أنه محمد ﷺ . وقد كان يدعى قل الرسالة بالأمين الصادق كما أسلفنا
وجاء في رؤيا يوحنا اللاهوتي ص ١٩ ف ١٥ (ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم وهو سيرعاهم بعصا من حديد وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شيء) والمراد من قوله يخرج من فمه سيف ماض الخ هو القرآن الكريم. وقد داس النبي ﷺ معصرة خمر أعني أنه حرم الخمر تحريما قطعياً. أما عيسى فقد روى عنه المسيحيون أنه قلب الماء خمرا في عرس قانا وروى عنه أنه قال عن الخمرة أنها دمه.
هذه النصوص المذكورة في التوراة والإنجيل ناطقة برسالة محمد ﵊ لهذا لما كان بحيرا الراهب متبحراً في علم النصرانية فقد عرف النبي ﷺ وأخبر برسالته مما اطلع عليه في الكتب المقدسة ففيها أوصافه ﵊ وشيء من أرهاصاته ومعجزاته وكانت حليمة السعدية تعرض النبي ﷺ على اليهود والكهان وتحدثهم بشأنه فيعرفونه من أوصافه وأحواله وقد أخبر برسالته ﵊ ورقة بن نوفل ابن عم خديجة وكان شيخا نصرانيا عند ما أخبره رسول الله ﷺ بما رأى من الوحي إذ قال له "هذا هو الناموس الذي نزل الله على موسى" إلى آخر ما قال مما سيأتي ذكره في موضعه. هذا وقد أنذر اليهود برسول الله ﷺ وإليك ما جاء في سيرة ابن هشام.
стр. 56
انذار يهود برسول الله ﷺ .
стр. 57
-قال ابن اسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه لنا ما كنا نسمع من رجال يهود وكنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا أنه تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة ﴿وَلَمَّا جَاءَهثمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ الله مُصَدّقٌ لمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَاعَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الْكَافِرينَ﴾ قال ابن هشام يستفتحون يستنصرون: ويستفتحون أيضاً يتحاكمون. وفي كتاب الله تعالى ﴿رَبَّنَا أفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾
قال ابن اسحق وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش وكان سلمة من أصحاب بدر. قال كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل. قال فخرج علينا يوماً من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل قال سلمة وأنا يومئذ من أحدث من فيه سناً علىَّ بردة لي مضطجع فيها بفناء أهلي فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار قال فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت فقالوا له ويحك يا فلان أترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ويجزون فيها بأعمالهم، قال نعم والذي يحلف به. ولو دان له بحظه من تلك النار غداً. فقالوا له ويحك يا فلان فما آية ذلك قال نبي مبعوث من نحو هذه البلاد واشار بيده إلى مكة واليمن. قالوا ومتى تراه؟ قال فنظر إلي وأنا من أحدثهم سناً. فقال إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة فو الله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ وهو حي بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغياً وحسداً. قال فقلنا له ويحك يا فلان ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال بلى ولكن ليس به. قال ابن اسحق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال قال لي هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسد بن عبيد نفر من هدل خوة بني قريظة كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإسلام قال قلت لا والله. فقال إن رجلا من يهود من أهل الشام يقال له ابن الهيبان قدم علينا قبل الإسلام بسنين فحل بين أظهرنا لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس أفضل منه فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا فيقول لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة فنقول له كم؟ فيقول صاعاً من تمر أو مدَّين من شعير. قال فنخرجها ثم يخرج بنا ظارهر حرثنا فيستسقي الله لنا فو الله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى. قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث. قال ثم حضرته الوفاة عندنا فلما عرف أنه ميت قال يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمر إلى أرض البؤس والجوع؟ قال قلنا أنت أعلم. قال فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه وهذه البلدة مهاجره فكنت أرجوا أن يبعث فأتبعه وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن خالفه فلا يمنعنكم ذلك منه. -وكانوا شبابا أحداثا- يا بني قريظة والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان، قالوا ليس به، قالوا بلى والله إنه لهو بصفته فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم. قال ابن اسحاق فهذا ما بلغنا عن أحبار يهود.
стр. 58
سلمان الفارسي وقصة إسلامه
стр. 59
-سلمان الفارسي أبو عبد الله ويعرف بسلمان الخير مولى رسول الله ﷺ وأصله من جيّ وهي مدينة أصفهان وكان اسمه قبل الإسلام مابه بن بوذخشان ابن مورسلان بن بهبوزان بن فيروز بن سهرك من ولد آب الملك وكان ببلاد فارس مجوسيا سادن النار (١) . وكان أبوه مجوسيا فاتفق أنه هرب منه يوما ولحق بالرهبان وصحبهم واحداً بعد واحد ثم قدم الحجاز عند ظهور النبي مع العرب فباعوه إلى يهودي من قريظة فأتى به المدينة فلما دخلها النبي أسلم وشهد معه أكثر المشاهد وأول مشاهده وقعة الخندق وكان من فضلاء الصحابة وزادهم وعلمائهم وذوي القربى من الرسول وهو الذي أشار على الرسول بحفر الخندق حين جاءت الأحزاب وفيه قال رسول الله ﷺ "سلمان منا أهل البيت" وكان يعمل الخوص بيده ويأكل من ثمنه وآخى الرسول بينه وبين أبي الدرداء وروى عنه جماعة من العلماء. توفي سنة ٣٥ للهجرة وقيل ٣٤ ودفن في المدائن شرقي بغداد وله مقام إزاء ايوان كسرى يزار حتى الآن ويعرف بمقام سلمان باك وهي لفظة فارسية معناها الطاهر وقيل عاش ١٥٠ سنة وقيل أكثر من ذلك وهو من معمري العرب
وهذه قصة إسلامه عن ابن عباس ﵁:
عن ابن عباس ﵁ قال حدثني سلمان الفارسي وأنا اسمع من فيه قال كنت رجلا من أهل فارس من أصبهان من جىّ ابن رجل من دهاقينها (٢) وكنت أحب خلق الله إليه فأجلسني في البيت كالجواري فاجتهدت في الفارسية (٣) وكان أبي صاحب ضيعة وكان له بناء يعالجه فقال لي يوا يا بني قد شغلني ما ترى فانطلق إلى الضيعة ولا تحتبس فتشغلني عن كل ضيعة بهمي بك. فخرجت لذلك فمررت بكنيسة النصارى وهم يصلون فملت غليهم وأعجبني أمرهم وقلت هذا والله خير من ديننا فأقمت عندهم حتى غابت الشمس لا أنا أتيت الضيعة ولا رجعت إليه فاستبطأني وبعث رسلا في طلبي. وقد قلت للنصارى حين أعجبني أمرهم اين أصل هذا الدين؟ قالوا بالشام. فرجعت إلى والدي. فقال يا بني قد بعثت إليك رسلا فقلت مررت بقوم يصلون بكنيسة فأعجبني ما رأيت من أمرهم وعلمت أن دينهم خير من ديننا. فقال يا بني دينك ودين آبائك خير من دينهم. فقلت كلا والله. فخافني وقيدني فبعثت إلى النصارى وأعلمتهم ما وافقني من أمرهم وسألتهم إعلامي من يريد الشام ففعلوا فألقيت الحديد من رجلي وخرجت معهم حتى أتيت الشام فسألتهم عن عالمهم فقالوا الأسقف فأتيته فأخبرته وقلت أكون معك أخدمك وأصلي معك. قال أقم. فمكثت مع رجل سوء في دينه كان يأمرهم بالصدقة فإذا أعطوه شيئا أمسكه لنفسه حتى جمع سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً فتوفى فأخبرتهم بخبره فزجروني فدللتهم على ماله فصلبوه ولم ولم يغيبوه ورجموه وأجلسوا مكانه رجلا فاضلا في دينه زاهداً ورغبة في الآخرة وصلاحاً فألقى الله حبه في قلبي حتى حضرته الوفاة فقلت أوصني فذكر رجلا بالموصل وكنا على أمر واحد حتى هلك فأتيت الموصل فلقيت الرجل فأخبرته بخبري وأن فلانا أمرني بإتيانك فقال. أقم. فوجدته على سبيله وأمره حتى حضرته الوفاة. فقلت له أوصني فقال. ماأعرف أحداً على ما نحن عليه إلا رجلا بعمورية فأتيته بعمورية (٤) فأخبرته بخبري فأمرني بالمقام وثاب لي شيئا واتخذت غنيمة وبقرات فحضرته الوفاة فقلت إلى من توصي بي؟ فقال لا أعلم أحدا اليوم على مثل ما كنا عليه ولكن قد أظلك نبي يبعث بدين إبراهيم الحنيفية مهاجره بأرض ذات نخل وبه آيات وعلامات لا تخفى بين منكبيه خاتم النبوة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فإن استطعت فتخلص إليه. فتوفي. فمر بي ركب من العرب من بني كلاب فقلت أصحبكم وأعطيكم بقراتي وغنمي هذه وتحملوني إلى بلادكم فحملوني إلى وادي القرى فباعوني من رجل من اليهود. فرأيت النخل فعلمت أنه البلد الذي وصف لي فأقمت عند الذي اسشتراني وقدم عليه رجل من بني قريظة فاشتراني منه وقدم بي المدينة فعرفتها بصفتها فأقمت معه أعمل في نخله وبعث الله نبيه ﷺ وغفلت عن ذلك حتى قدم المدينة فنزل في بني عمرو بن عوف. فأني لفي رأس نخلة إذ أقبل ابن عم لصاحبي (٥) فقال أي فلان قاتل الله بني قيلة (٦) مررت بهم آنفا وهم مجتمعون على رجل قدم عليهم من مكة يزعم أنه نبي. فو الله ما هو إن سمعتها، فأخذني القر ورجفت بي النخلة حتى كدت أسقط ونزلت سريعا فأقبلت على عملي حتى أمسيت فجمعت شيئا فأتيته به وهو بقباء عند أصحابه فقلت اجتمع عندي. أردت أن أتصدق به فبلغني أنك رجل صالح ومعك رجال من أصحابك ذوو حاجة فرأيتهم أحق به فوضعته بين يديه فكف يده وقال لأصحابه كلوا فأكلوا. فقلت هذه واحدة ورجعت وتحول إلى المدينة فجمعت شيئا فأتيته به فقلت أحببت كرامتك فأهديت لك هدية وليست بصدقة فمد يده فأكل وأكل أصحابه فقلت هاتان اثنتان ورجعت فأتيته وقد تبع جنازة في بقيع الغرقد (٧) وحوله أصحابه. فسلمت وتحولت أنظر إلى الخاتم في ظهره فعلم ما أردت فألقى رداءه فرأيت الخاتم فقبلته وبكيت فأجلسني بين يديهفحدثته بشأني كله كما حدثتك يا ابن عباس فأعجبه ذلك وأحب أن يسمعه أصحابه ففاتني معه بدر وأحد بالرق فقال لي كاتب يا سليمان عن نفسك فلم أزل بصاحبي حتى كاتبته على أن أغرس له ثلثمائة ودية (٨) وعلى أربعين أوقية من ذهب. فقال النبي ﷺ أعينوا أخاكم بالنخل فأعانوني بالخمس والعشر حتى اجتمع لي فقال لي نقر لها ولا تضع منها شيئا حتى أضعه بيدي ففعلت فأعانني أصحابي حتى فرغت فأتيته فكنت آتيه بالنخلة فيضعها ويسوي عليها ترابا فانصرف والذي بعثه بالحق فما ماتت منها واحدة وبقي الذهب فبينما هو قاعد إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابه من بعض المعادن. فقال ادع سلمان المسكين الفارسي الكاتب. فقال أدّ هذه. فقلت يا رسول الله وأين تقع هذه مما على (٩)
هذه قصة سلمان الفارسي وهي كما يتضح للقارئ المنصف معقولة وليس فيها شيء من المبالغة ويلاحظ أن سلمان كان من صغره ميالا إلى التدين والتقشف فصاحب كبارا أهل الدين وتعلم منهم وهذه القصة تدل على صدق رسالة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام لأن سلمان ما عرف النبي إلا بالعلامات التي أخبره بها صاحبه بعمورية ولم يسلم إلا بعد ان تحقق صحة هذه العلامات فيه ﷺ . ومن المحقق من ترجمة حياة سلمان أن أباه كان مجوسيا من بلاد الفرس وأنه هرب منه ولحق بالرهبان وصاحبهم واحداً بعد واحد إلى أن لقي النبي ﷺ
ونلاحظ أن سلمان لم يذكر أسماء الرهبان أو الأساقفة الذين كان يلازمهم وإن كان قد ذكر بلادهم
وشهد رسول الله لسلمان الفارسي بالطهارة والحفظ الألهي والعصمة حيث قال "سلمان منا أهل اليت" وفيه قال رسول الله ﷺ "لو كان الأيمان بالثريا لناله رجال من فارس" واشار إلى سلمان الفارسي
стр. 60
من تسمى في الجاهلية بمحمد
стр. 61
-كانت العرب تسمع من أهل الكتا ومن الكهان ان نبيا يبعث من العرب اسمه محمد فسمى من بلغه ذلك من العرب ولده محمدا طمعاً في النبوة. سمي محمد بن خزاعي حزابة من بني ذكوان من بني سليم طمعاً في النبوة فأتى أبرهة باليمن فكان معه على دينه حتى مات فلما وجه قال أخوه قيس بن خزاعى
فذلكم ذو التاج منا محمد وروايته في حومة الوغى تخفق
وكان في بني تميم محمد بن سفيان بن مجاشع وكان أسقفا قيل لأبيه أنه يكون للعرب نبي اسمه محمد فسماه محمداً. ومحمد الجشعي في بني سواءة ومحمد الأسدي ومحمد الفقيمي سموهم طمعاً في النبوة
هذا ما وجدته في طبقات ابن سعد فليرجع إليه من شاء ومن هذا كله يتضح أنهم كانوا ينتظرون ظهور نبي في ذلك الزمان.
стр. 62
كنية النبي وأسماؤه
стр. 63
-كنية النبي المشهورة "أبو القاسم" وكناه جبريل ﷺ "أبا إبراهيم" ولرسول الله أسماء كثيرة أفرد فيها الإمام الحافظ أبو القاسم على بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي الدمشقي المعروف بابن عساكر بابا في تاريخ دمشق ذكر فيها أسماء كثيرة جاء بعضها في الصحيحين وباقيها في غيرهما. منها محمد وأحمد والحاشر والعاقب والمقفى والماحي وخاتم الأنبياء ونبي الرحمة ونبي الملحمة وفي رواية نبي الملاحم ونبي التوبة والفاتح وطه ويس وعبد الله. قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي زاد عض العلماء. فقال: سماه الله في القرآن رسولا نبياً شاهداً مبشراً نذيراً داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ورءوفاً رحيماً ومذكراً وجعله رحمة ونعمة وهاديا ﷺ . وعن ابن عباس رضي الله عنهماقال. قال رسول الله ﷺ "اسمي في القرآن محمد وفي الأنجيل أحمد وفي التوراة أحيد وإنما سميت أحيد لأني أحيد أمتي عن نار جهنم".
стр. 64
عبادة الأصنام والأوثان
стр. 65
-قال ابن سيدة: الصنم ينحت من خشب ويصاغ من فضة ونحاس. والجمع أصنام وقيل هو ما كان له جسم أو صورة فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن. قال ابن الأثير: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ماله جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد والصنم الصورة بلا جثة. ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين قال وقد يطلق الوثن على غير الصورة (١) الوثنية ببلاد العرب ترجع إلى عهد بيعد جداً. قيل إن إسماعيل بن إبراهيم لما يكن مكة وولد له بها أولاد كثيرة حتى ملأوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق، ضاقت عليهم مكة ووقعت بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهم بعضاً فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش (٢) .
وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن الا احتمل معه حجراً من حجارة الحرم تعظيما للحرم وصبابة بمكة فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة تيمناً منهم وصبابة بالحرم وحباً له. وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل.
ثم سلخ بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم وانتجثوا (٣) ما كان يعبد قوم نوح منها على إرث ما بقي فيهم من ذكرها وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة مع ادخالهم فيه ما ليس منه.
فكان أول من غير دين إسماعيل ﵇ فنصب الأوثان وسيب السائبة ووصل الوصيلة وبحر البحيرة وحمى الحامية عمرو بن ربيعة ويه لحى بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي وهو أبو خزاعة.
وكانت أم عمرو بن لحى فهيرة بنت عمرو بن الحارث.
وكان الحارث هو الذي يلى أمر الكعبة فلما بلغ عمرو بن لحى نازعه في الولاية وقاتل جرهما ببني إسماعيل فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة ونفاهم من بلاد مكة وتولى حجابة البيت بعدهم.
ثم أنه مرض مرضاً شديداً، فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة ان أتيتها برأت فأتاها فاستحم بها فبرأ. ووجد أهلها يعبدون الأصنام. فقال: ما هذه؟ فقالوا نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو. فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة (٤) وقيل أنهم أعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فوضعه عند الكعبة فكان أول صنم وضع بمكة.
قال هشام: فحدثنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : رفعت لى النار فرأيت عمراً (أي عمرو بن لحى) رجلا قصيراً أحمر أزرق يجر قصبه في النار. قلت: من هذا؟ قيل هذا عمرو بن لحى أول من بحر البحيرة ووصل الوصيلة وسيب السائبة وحمى الحامي وغير دين إبراهيم ودعا العرب إلى عبادة الأوثان.
وقد جاء في القرآن ذكر الأصنام الخمسة التي كان يعبدها قوم نوح. قال تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنى وَاتَّبَعُوا مّنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهتَكُمْ وَلاَ تذَرُنَّ وَدّاً وَلاَسُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقدْ أَضَلُوا كَيِيراً وَلاَ تَزِدْ الظَّالمِينَ إِلاًّ ضَلاَلاً﴾ . ويقال إن هذه الأصنام وجدها عمرو بن لحى في ساحل جدة وفرقها فانحتها العرب آلهة.
ومن الأصنام المشهورة القديمة أساف ونائلة عبدتهما خزاعة وقريش ومن حج البيت بعد من العرب.
ومناة كان منصوباً على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعاً تعظمه وتذبح حوله ولم يكن أحد أشد اعظاماً له من الأوس والخزرج. وقد ورد ذكر مناة في القرآن قال تعالى ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ وكانت لهذيل وخزاعة. وقد هدمها علي ﵁ عند فتح مكة بأمر رسول الله ﷺ .
والفلس وهو صنم طيئ هدمه علي ﵁ بأمر رسول الله ﷺ واللات وهي أحدث من مناة وكانت صخرة مربعة وكانت قريش كلها تعظمها وهي بالطائف. ذكرها الله في القرآن فقال ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ولم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. والطاغية هي اللات كانوا يقولون لها الربة. وجاء في القاموس الاسلام (٥) "إن هير ودوت لم يشر إلى الكعبة لكنه ذكر اللات وقال إنها من أعظم آلهة العرب وهذا دليل قوي على وجود الصنم المسمى باللات وقد كان من معبودات ذلك الزمن".
ومن أصنامهم العزى ويقال إنها أحدث من اللات ومناة. كانت بواد من نخلة الشآمية وكانت أعظم الأصنام عند قريش وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح.
قال ابن حبيب: العزى شجرة كانت بنخلة عندها وثن تعبده غطفان. وفي التنزيل ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ .
ولم تزل العزى كذلك حتى بعث الله نبيه ﷺ فعابها وغيرها من الأصنام ونهاهم عن عبادتها ونزل القرآن فيها فأشتد ذلك على قريش ومرض أبو أحيحة سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف مرضه الذي مات فيه فدخل عليه أبو لهب فوجده يبكي فقال له ما يبكيك يا أبا أحيحة؟ أمن الموت تبكي ولا بد منه؟ فقال: لا. ولكني أخاف ألا تعبد (العزى) بعدي. فقال له أبو لهب: ما عبدت في حياتك لأجلك ولا تترك عبادتها بعدك لموتك. فقال أبو أحيحة: الآن علمت أن لي خليفة شدة نصبه في عبادتها (٦) . وتدل القصة على شدة التمسك بعبادة الأصنام.
فلما افتتح النبي ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد فهدمها وكانت لقريش أصنام حول الكعبة وفي جوفها وكان أعظمها عندهم هبل. قيل أنه كان من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسورة اليد اليمنى. أدركته قريش كذلك فجعلوا له يداً من ذهب وكان أول نصبه خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر وكان يقال له هبل خزيمة. وعنده ضرب عبد المطلب على ابنه عبد الله بالقداح. ومن الأصنام التي كانت عند الكعبة أساف ونائلة فلما ظهر رسول الله ﷺ يوم فتح مكة أخرجت من المسجد وحرقت وكان يبلغ عددها ٣٦٠ صنما ومن أصنامهم مناف.
وكان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع الرجل إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضاً وكانوا يسمون الحجارة التي ينصبونها حول الحرم "الأنصاب" ومن أصنامهم: دو الخلصة وسعد وذو الكفين وذو الشرى والأقيصر وسعير وعميانس.
стр. 66
الأربعة الباحثون عن دين إبراهيم
стр. 67
-قد استنكر بعضهم عبادة الأصنام وأدرك أنها لا تنفع ولا تضر وذلك في الجاهلية قبل أن يبعث رسول الله ﷺ . فقد حدث أنه بينما كانت قريش مجتمعة يوما في عيد لهم عند صنم من أصنامهم يعتكفون عنده ويدورون به وكان ذلك عبداً لهم كل سنة إذ خلص منهم أربعة وهم ورقة بن نوفل بن أسد بن العزى. وعبيد الله بن جحش بن رئاب وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى فقال بعضهم لبعض تعلموا والله ما قومكم على شيء لقد أخطأوا دين إبراهيم. ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع. يا قوم التمسوا لأنفسكم دينا فإنكم والله ما أنتم على شيء. فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم.
стр. 68
١ - فأما ورقة بن نوفل وهو ابن عم خديجة فاستحكم في النصرانية واتبع الكتب في أهلها حتى علم علماً من أهل الكتاب.
стр. 69
٢ - وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ومعه امرأته أم حبيبة ابنة أبي سفيان مسلمة ثم تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هناك نصرانياً. وخلف رسول الله ﷺ بعده على امرأته أم حبيبة.
стр. 70
٣ - وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر الروم فتنصر وحسنت منزلته عنده.
стр. 71
٤ - وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان.
قال المستر كانون سل في كتابه "حياة محمد (١) " (قال زيد وأصحابه أنهم رغبوا في اتباع دين إبراهيم. ويظن أن محمداً أخذ منهم هذه الفكرة) ثم قال (بقي زيد حنيفاً وعاب على أهل مكة عبادة الأصنام فأثار ذلك غضبهم إلى ترك مكة والإقامة في جبل حراء وبعد أن مضى هنالك زمناً يفكر توفى ودفن بأسفل الجبل وقد كان له تأثير عظيم في محمد الذي كان يجل شأنه ويقدره قدره. ولا ريب أن هؤلاء الرجال وأمثالهم من ذوي العقول الراجحة كانوا كثيراً ما يتشاورون ويتحادثون فيما وصلت إليه حالة العرب الأجتماعية من الإنحطاط ويأسفون لانتشار الوثنية وضعف مركزهم السياسي. ولم ينجح عثمان بن الحويرث في تأسيس سلطة مركزية لاعتماده إلى دولة أجنبية الأمبراطورية الرومانية ومع ذلك كانت الحاجة تدعو إلى وجود سلطة مركزية والأعتراف بالكعبة وجعلها قوة دينية للعرب جميعاً فكيف الوصول إلى ذلك وكيف يمكن إبطال عبادة الأصنام إلى أن قال وهنا سنحت الفرصة لظهور نبي وقد كان الأستعداد لظهوره قريبا وما لبث أن ظهر نبي قوي الشخصية ذو فطنة سياسية فائقة برسالة محدودة للأمة العربية) اهـ.
نعم أن هؤلاء تحادثوا في أمر انتشار عبادة الأصنام وأخذوا يبحثون عن الدين الصحيح لكن محادثاتهم كانت قليلة. ليس لها شأن ولن يبلغنا أن النبي ﷺ كان يجتمع بهم ويحادثهم في شؤون العرب الدينية أو السياسية وقد كان زيد بن عمرو مضطهداً ولجأ إلى حراء لكن لم تكن له اجتماعات برسول الله حتى يقال أنه تذاكر معه مسائل الدين وترك في نفسه أثراً عميقاً أو أنه أخذ منه الفكرة لأن المسألة ليست مسألة اقتباس فكرة. فالقرآن وما حواه من فصاحة وبلاغة خارقة وحكم بالغة وأمثال محكمة وذكر أحوال الماضين من أنبياء وأمم وأنباء المستقبل وعلاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بغيره والتشريع مصدره اجتماع زيد بن عمرو برسول الله مصادفة في حراء أو في الطريق. ثم أننا فوق ذلك لا نعلم من تاريخ رسول الله أنه كان يتذاكر مع رجال أو كانوا يعلمونه من صغره إلى أن صار نبيا بل الثابت أنه كان أمياً لا يدري ما الكتابة والقراءة ولا الدين وأصوله حتى أوحى إليه.
وهذه ترجمة حياة زيد بن عمرو تماما للبحث.
стр. 72
زيد بن عمرو (١)
стр. 73
هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك القرشي العدوي والد سعيد بن زيد أحد العشرة وابن عم عمر بن الخطاب يجتمع هو وعمر في نفيل سئل عنه النبي ﷺ فقال "يبعث أمة وحده يوم القيامة" وكان يتعبد في الجاهلية ويطلب دين إبراهيم الخليل ﷺ ويوحد الله تعالى ويقول إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول (الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله تعالى) انكاراً لذلك واعظاماً له وكان لا يأكل مما ذبح على النصب واجتمع به رسول الله ﷺ بأسفل بلدح (٢) قبل أن يوحى إليه وكان يحيى الموءودة. وعن زيد بن حارثة قال خرجت مع رسول الله ﷺ يوما حاراً من أيام مكة وهو مردفي فلقينا زيد بن عمرو بن نفيل فحيا كل واحد منا صاحبه فقال النبي ﷺ يا زيد مالي أرى قومك قد شنفوا لك (٣) قال والله يا محمد إن ذلك لغير نائلة تره لي فيهم ولكن خرجت أبتغي هذا الدين جتى أقدم على أحبار خيبر فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به فقلت ماهذا الدين الذي أبتغى فخرجت فقال لي شيخ منهم إنك لتسأل عن دين مانعلم أحداً يعبد الله به إلا شيخاً بالحيرة. قال فخرجت حتى أقدم عليه فلما رآني قال ممن أنت؟ قلت أنا من أهل بيت الله من أهل الشوك والقرظ قال إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك قد بعث نبي قد طلع نجمه وجميع من رأيتهم في ضلال. قال فلم أحس بشيء.
قال زيد ومات زيد بن عمرو وأنزل على النبي ﷺ فقال النبي لزيد "انه يبعث يوم القيامة أمة وحده".
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت لقد رأيت زيد بن عمرو نفيل مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول يا معشر قريش والذي نفس زيد بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري. وكان يقول اللهم لو أني أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلمه ثم يسجد على راحته. وقال ابن اسحاق بعض آل زيد كان إذا دخل الكعبة قال لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً. عذت بما عاذ به إبراهيم. ويقول وهو قائم. أنفى لك عان راغم. مهما تجشمني فأني جاشم. البر أبغى لا المال وهل مهجر كمن قال. وكان الخطاب بن نفيل قد آذى زيد بن عمرو بن نفيل حتى خرج إلى أعلى مكة فنزل حراء مقابل مكة ووكل به الخطاب شباباً من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم فلا يتركونه يدخل الكعبة وكان لا يدخلها إلا سراً منهم فإذا علموا به آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد منهم على فراقهم. وتوفى زيد قبل مبعث النبي ﷺ (٤) فرثاه ورقة بن نوفل
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنوراً من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله ... وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وقد يدرك الإنسان رحمة ربه ... ولو كان تحت الأرض ستين واديا
وكان يقول يا معشر قريش أياكم والرياء فإنه يورث الفقر.
هذه ترجمة زيد بن عمرو وهو مع اعتناقه دين إبراهيم هرباً من الوثنية لم يكن يعلم أحب الوجوه إلى الله تعالى ليعبده به.
стр. 74
بدء الوحي
стр. 75
-لما قربت أيام الوحي حبب إليه الخوة فكان يختلي في غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها، وكانت عبادته على دين إبراهيم ﵇، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وكانت تلك الرؤيا الصادقة مقدمات الوحي. قيل مدتها ستة أشهر.
فلما تم له أربعون سنة جاء جبريل بالنبوة وذلك في يوم الأثنين لسبع عشرة خلت من رمضان للسنة الحادية والأربعين من ميلاده، فيكون عمره إذ ذاك أربعين سنة قمرية وستة أشهر وثمانية أيام، وذلك يوافق ٦ أغسطس سنة ٦١٠ م وهو بغار حراء.
جاء في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت:
"أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم (١) فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح (٢) ثم حبب إليه الخلاء (٣) وكان يخلو بغار حراء (٤) فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله (٥) ويتزود لذلك (٦) ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق (٧) وهو بغار حراء فجاءه الملك (٨) فقال له أقرأ، فقال له ما أنا بقارئ (٩) قال فأخذني فغطني (١٠) حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال أقرأ. فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال أقرأ فقلت ما أنا بقارئ فغطني ثالثة ثم أرسلني فقال أقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، أقرأ وربك الأكرم فرجع بها (١١) رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال زملوني زملوني (١٢) فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي (١٣) .فقالت خديجة: كلا والله ما يحزنك الله أبداً (١٤) إنك لتصل الرحم (١٥) وتحمل الكل (١٦) وتكسب المعدوم (١٧) وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان أمرأً قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني. فيكتب من الأنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخاً كبيرا قد عمى. فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع من ابن أخيك (١٨) فقال لي ورقة يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقاله له ورقة هذا الناموس (١٩) الذي نزل على موسى، يا ليتني فيها (٢٠) جذعا (٢١) ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك (٢٢) فقال رسول الله ﷺ أومخرجي هم؟ قال نعم. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به الا عودى، وأن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزراً (٢٣) ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي (٢٤) .
أول ما نزل عليه ﷺ من القرآن "اقرأ" كما صح ذلك عن عائشة وورى ذلك عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير. قال النووي وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف.