المخالفة ولكن علمنا أنه خالف ما رواه عمدا فالرجوع هنا إلى قوله لأن الظاهر أنه لا يرتكب مثل هذه المخالفة إلا لمسوغ يقتضي مخالفة ما رواه.
وإن خفي عنا أن المخالفة وقعت عمدا أو لسبب من الأسباب ولم نحط به علما فالواجب اتباع الخبر وترك ما ذهب إليه الصحابي الراوي» (١).
ويقف الإمام القرافي من المسألة، أن لا يؤخذ هذا في كل الأحوال فقال: «هذه المسألة عندي ينبغي أن تُخصص ببعض الرواة، فتُحْمل على الراوي المباشر للنقل عن رسول الله ﷺ حتى يحسن أن يقال هو أعلم بمراد المتكلم … حتى يحسن أن يقال: فيه لعله شاهد من القرائن الحالية أو المقالية ما يقتضي مخالفته، فلا تكون المسألة على عمومها» (٢).
مثاله: أخرج البخاري:
«عن عائشة ﵂ قالت الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر قال الزهري فقلت لعروة ما بال عائشة تتم قال تأولت
ما تأول عثمان» (٣).
بين الكرماني أن الحنفية استدلوا من حديث السيدة عائشة ﵂، على وجوب قصر صلاة المسافر (٤)، فرد عليهم وقال: «لادلالة فيه لأنهم لو كان
стр. 632
الحديث مجري على ظاهره لما جاز لعائشة ﵂ إتمامها ثم أنه خبر واحد لا يعارض لفظ القرآن وهو (أن تقصروا من الصلاة) الصريح في أنها كانت في الأصل زائدة عليه إذ القصر معناه التنقيص ثم إن الحديث مخصص بالمغرب والصبح وحجية العام المخصص مختلف فيها ثم إن راوية الحديث عائشة وقد خالفت روايتها وإذا خالف الراوي روايته لا يجب العمل بروايته عندهم» (١).
* * *
المبحث التاسع
التنبيه على مزيد في متصل الأسانيد
هذا النوع يختص بالسند، ويقابله «زيادة الثقات» الذي يختص بالمتن.
تعريفه: أن يزيد الراوي الثقة رجلاً في الإسناد المتصل، لم يذكره غيره من الثقات (٢) فيُظن أنه من الوهم الذي وقع فيه الراوي، وإنما هو من تصرف
стр. 633
الراوي الذي سمعه مرة عالياً من دون واسطة، ومرة نازلاً بواسطة، فرواه على الوجهين، وقد ثبت سماعه عن شيخه وشيخ شيخه.
وشرط المزيد في متصل الأسانيد:
قال ابن الصلاح: «وإن كان فيه تصريح بالسماع أو بالإخبار … فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه، ثم سمعه منه نفسه» (١).
وترد الزيادة بشرط أن يصرح الراوي بالسماع، فإن عنعن ب «عن»، اعتُبر الإسناد الخالي من الزيادة منقطعاً.
قال ابن الصلاح: «لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بلفظة «عن» في ذلك فينبغي أن يحكم بإرساله، ويجعل معللا بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد» (٢).
وقال العلماء عن هذا النوع:
«الحكم بالزيادة في هذا النوع صعب شديد، يقف على حافة النقد، وخطر الانتقاض بأن يكون الراوي قد سمع من الشخص الزائد ثم طلب العلو فسمعه من الشيخ الأعلى مباشرة، وقد وقع ذلك في أحاديث كثيرة، لكنا نستأنس في هذه الحال بالقرائن» (٣).
مثاله قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِاللهِ
стр. 634
قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ … » (١).
قال الكرماني ناقلاً عن الدارقطني: «خالف يحيى فيه جميع أصحاب عبدالله لأنهم كلهم رووه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة ولم ذكر أباه» (٢).
ووردت روايات أخرى للحديث في كتاب الاستئذان: «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِد … » (٣).
وفي كتاب الأيمان والنذور: «حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ … » (٤).
قال الإمام الترمذي: «وقد روى ابن نمير هذا الحديث، عن عبيدالله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه عن أبيه، عن أبي هريرة. ورواية يحيى بن سعيد، عن عبيدالله بن عمر، أصح، وسعيد المقبري، قد سمع من أبي هريرة، وروى عن أبيه، عن أبي هريرة» (٥).
стр. 635
والحاصل أن الروايات الأخرى لم تذكر الزيادة (أبي سعيد) التي في رواية يحيى بن سعيد وقد قال العلماء أن هذه الزيادة صحيحة وذلك للأسباب الآتية:
ثبات سماع سعيد المقبريّ عن أبيه واسمه (كيسان مولى ليث، وهو صحابي) (١) عن أبي هريرة، وسماعه من أبي هريرة مباشرة من دون واسطة أبيه (٢).
نقل الكرماني تصحيح رواية يحيى التي فيها الزيادة عن الدارقطني «يحيى حافظ يعني فيُعتمد ما رواه فالحديث صحيح لا علة فيه» (٣).
ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ … » (٤).
وأخرجه كذلك من طريق أخرى عن: «حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ» (٥).
стр. 636
قال الكرماني: «وسبق شرح الحديث في باب من الكبائر ألا يستبرئ من بوله لكن ثمت قال: عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس وههنا قال: عن مجاهد عن ابن عباس بحذف طاوس وكلاهما صحيح لأن مجاهداً يروي عنهما» (١).
قلت: سبق قلم الكرماني رحمه الله تعالى فعكسهما، لأن الرواية التي في باب: من الكبائر ألا يستبراء من بوله، هي عن: منصور عن مجاهد عن ابن عباس ﵄، والرواية هنا في باب: الجريد على القبر، هي عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس، عن ابن عباس.
إذاً: حكم الكرماني على الروايتين بالصحة لأن مجاهداً سمع الحديث من طاوس عن ابن عباس، وسمعه مباشرة من ابن عباس من دون واسطة، وقد ثبت سماع مجاهد عن طاوس وابن عباس (٢).
وقد رجّح الترمذي في العلل رواية الأعمش فقال: «سألت محمدا عن حديث مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس مرَّ رسول الله ﷺ على قبرين، فقال: الأعمش يقول: عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، ومنصور يقول: عن مجاهد، عن ابن عباس ولا يذكر فيه: عن طاوس، قلت: أيهما أصح؟ قال:
стр. 637
حديث الأعمش» (١).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيحمل على أن مجاهداً سمعه من طاوس عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة، أو العكس ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن بن عباس، وصرح بن حبان بصحة الطريقين معا» (٢).
ومن ذلك قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئاً لَا تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ … » (٣).
بيّن الكرماني أن هذا الحديث مما استدركه الدارقطني (٤) على البخاري، بسبب خلاف الرواية فيه عن ابن أبي مُليكة: فرُوي عنه عن عائشة، وعنه عن القاسم (٥).
стр. 638
فقال الكرماني راداً الاستدراك: «وأقول هذا استدراك ضعيف؛ لأنه محمول على أنه سمعه عنها بالواسطة وبدون الواسطة، فرواه بالوجهين فالاستدراك مُسْتدرك» (١).
وقال ابن حجر: «فالظاهرأنه أخرجه على الاحتمال بأن يكون بن أبي مليكة سمعه من القاسم عن عائشة ثم سمعه من عائشة فحدث به على الوجهين كما في نظائره» (٢).
* * *
стр. 639
الخاتمة
الحمد لله على تمام فضله وتوفيقه، والحمد لله الذي مَنَّ عليَّ وأعانني على إنجاز هذا البحث، وأسأله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبل مني، وأن ينفع به إنه أكرم مسؤول.
وبعد هذه الرحلة في رحاب حديث رسول الله ﷺ ، في شرح أهم وأصح كتب السنة النبوية المطهرة، للإمام الكرماني والذي كان نبراساً يهتدي به من شرح الصحيح بعده، وقفت في هذا البحث على بعض النتائج والتوصيات:
أولاً النتائج:
١ - أهمية كتاب الكواكب الدراري ومكانته بين شروح السنة النبوية.
٢ - سعة اطلاع الكرماني في أكثر أنواع العلوم مكنته من إخراج شرح متوسط وفيه جهد واضح ظهرت فيه شخصيته العلمية.
٣ - المرحلة التي عاش فيها الكرماني، وما فيها من اضطرابات وفتن، لم تُثنه على تحقيق مراده، والصبر على تعليم العلم.
٤ - شَرحُ الكرماني شرح متوسط يميل فيه إلى الاختصار، ليس كغيره من المطولات، وقد توسع الكرماني بعض الشيء في القسم الأول منه، واختصر أكثر
стр. 640
في القسم الآخر، ومع هذا كان عمدة لمن شرح البخاري بعد الكرماني.
٥ - اعتمد الكرماني تقوية شرحه فوثّق نقوله عن الآخرين، وأكثر من أخذ عنهم: الخطابي في أعلام الحديث، والنووي في شرحه على مسلم، وابن بطال المالكي في شرحه للبخاري، ورجع في كل علم إلى مصنفاته، وأحال إليها، وتارة يُسميها بالاسم، وتارة باسم أصحابها.
٦ - وكان الكرماني يأخذ المعنى في النقول دون النقل الحرفي، إلا في مواطن قليلة، وفي كثير من الأحايين يكتفي بنقول العلماء من دون التعليق عليها، وتارة يُعلق ويُبدي رأيه في المسألة.
٧ - اعتمد الكرماني في شرحه طريقة سؤال المستفهم، كقوله فإن قلتَ، ويُجيب على هذا التساؤل، وفي كثير من الأحايين يُعطي احتمالات للإجابة، من دون ترجيح بينها، وأحيانا يُرجح، متّبعاً المنهج النقدي، والتحليلي.
٨ - اتسم الكرماني بالموضوعية في شرحه، فتارة يمدح البخاري على صنيعه، وتارة ينقده في بعض الأمور.
٩ - ظهر اهتمام الكرماني في شرحه ببعض الأمور دون بعض، فتخريج الحديث من غير الصحيح والحكم عليه، وعلم العلل لم يلقيا اهتماماً كبيراً منه؛ بخلاف الكلام عن تراجم البخاري مثلاً والاهتمام بغريب الحديث، وما تعلق بعلوم الرواة، وبعض أمور مصطلح الحديث.
١٠ - اهتم الكرماني بترجمة الأعلام وخصوصا المشاهير منهم كالصحابة وبعض التابعين العلماء، وتوسع في ترجمتهم، وكرر هذه التراجم كما أشار في مقدمته، ليُحفظ العَلَم وينطبع في ذاكرة القاراء.
стр. 641
١١ - أجاب الكرماني عن بعض الانتقادات التي وُجهت للبخاري، إلا أنه لم يستوعبها كاملة.
١٢ - جمع الكرماني في شرحه من علوم شتى، كالطب والجغرافيا، والفلك وغيرها، وأحال إلى مصادرها، وإن لم تكن من تخصصه لأن كتب التراجم لم تذكر ذلك عنه.
١٣ - ظهر اعتناء الكرماني في علوم السند، أكثر من علوم المتن، فأجاب عن إشكالات قد تقع في السند، وأحيانا يُجيب عن بعض إشكالات المتن.
١٤ - اعتنى الكرماني بالمعلّقات في البخاري، وأجاب عنها واهتم بذكر اللطائف الإسنادية.
١٥ - ظهر اهتمام الكرماني بعلم مختلف الحديث ومشكله، وأجاب عن بعض الأحاديث التي تُوهم التعارض، ووفّق بينها.
١٦ - اهتم الكرماني بعرض المسائل الفقهية، بشكل مختصر كما هو منهجه في الكتاب، وتارة يرجح وتارة ينقلها فقط، ويُحيل أحيانا للكتب الفقهية، ويعبر عنها بقوله «الفقهيات»، لمن أراد التوسع.
١٧ - انفرد الكرماني ببعض المسائل برأي خاص، على خلاف المتفق عليه، كتعريف الحديث مثلاً.
١٨ - اهتم الكرماني بالمسائل اللغوية، والنحوية والبلاغية، ويذكر أقوال العلماء في الإعراب والخلاف فيه.
١٩ - ذكر الكرماني أقوال بعض الفِرق العقدية كالخوارج والمعتزلة، ورد عليهم من منظور أهل السنة والجماعة.
стр. 642
٢٠ - ظهر اهتمام الكرماني ببيان رأي البخاري العَقَدي والفقهي.
٢١ - تعرض الكرماني للنقد في شرحه، من بعض العلماء كابن حجر في فتح الباري، والبدر العيني في عمدة القاري، وشمس الدين البرماوي في اللامع الصبيح.
٢٢ - التزم الكرماني بالنقاط التي تكلم عنها في المقدمة، وإن وُجد فيها التفاوت، بمعنى كان اهتمامه ببعض النقاط أكثر من بعض، وقد ذكر في مقدمة الكتاب أن من أسباب تصنيفه للشرح أنه لم يجد شرحا من الذين سبقوه يشفي العليل بكشف بعض ما يتعلق بالكتاب … وقد أوصله جهده بإخراج الكواكب الدراري، وقد انتقد الشرح ممن جاء بعده.
٢٣ - تأثّر العلماء ممن شرح الحديث ممن جاء بعده بشرحه، ولو أنهم نقدوه في بعض الأمور إلا أنهم أكثروا من النقل عنه في شرحه.
٢٤ - ظهرت شخصية الإمام الكرماني رحمه الله تعالى في شرحه، ونقده للأقوال، وتفنيده لها.
٢٥ - كل جهد وكل عمل مهما بلغ صاحبه من العلم … لابد من الخطأ والسهو، وسبحان من له الكمال.
ثانياً والتوصيات:
١ - أوصي بإعادة إخراج كتاب الكواكب الدراري، محققاً على أحسن حال، وخالياً من أخطاء المطابع، وتصحيفاته وتحريفاته، فالطبعات الموجودة مليئة بذلك وهي غير محققة، وذلك بالاعتماد على مخطوطات الكتاب.
٢ - إفراد بحث خاص عن جهود الكرماني في علوم اللغة في كتابه
стр. 643
الكواكب الدراري.
٣ - وإفراد بحوث خاصة للمقارنة بين شروح البخاري، كابن بطال المالكي، والكرماني، وابن الملقن، وابن حجر، شافعيو المذهب، والبدر العيني حنفي المذهب.
وفي الختام:
حسبي أني بذلت جهدي قدر المستطاع في البحث، فإن أصبت فمن الله وحده وتوفيقه، وإن قصرت؛ فمن نفسي، وأسأل الله العافية والصواب في كل أمر وحال، وأسأل الله أن يتقبل مني هذا العمل، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ولمشايخي، ولوالديّ والمسلمين أجمعين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه.
أبوظبي حرسها الله، يوم الخميس الموافق ١٧/ جمادى الآخرة/ ١٤٣٨ هـ، الموافق: ١٦/ آذار/ ٢٠.
* * *