← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1295

منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

أحمد محمد أبو نقطة

Полный текст (643 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قال لفظا منها، وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى، والله أعلم (١). وقال النووي: «ويحتمل صحة اللفظين ويكون جرى لفظ التزويج أولا فملكها ثم قال له اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق والله أعلم» (٢). وقد اكتفى الكرماني في الرد على إعلال الرواية بنقل كلام النووي هذا. * * * المبحث الثالث العلل الناتجة بسبب وهم الراوي المقصود بوهم الراوي: والمقصود من وهم الراوي: أن يروي الراوي على سبيل الخطأ، حديثاً مرسلاً أو منقطعاً موصولاً، أو يرفع أثراً موقوفا، أو يُدخل حديثا بحديث آخر (٣). من المعلوم أن ضبط الراوي في تأدية الحديث كما سمعه من شيخه، شرط لصحة المروي، فإذا فقد الراوي صفة الضبط، أو كثر وَهْمُهْ وخطأه، دخل الخلل والضعف لمروياته. ولكن قد يقع الوهم والخطأ عند الراوي الضابط الثقة في مروياته، وقلَّ أن يسلم من ذلك أحد الرواة … وهذا لايؤثر على ضبط الراوي إن كان

стр. 597

الخطأ والوهم قليلاً. وقد يقع وهم الراوي في السند وفي المتن. ١ - الوهم في السند: مثال عن الخطأ في السند ناتج من تبديل راوٍ بآخر. قال البخاري: «حَدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللهِ، قَالَ: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثنا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: مَالِكٌ ابْنُ بُحَيْنَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَاثَ بِهِ النَّاسُ، وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : آلصُّبْحَ أَرْبَعًا، آلصُّبْحَ أَرْبَعًا. تَابَعَهُ غُنْدَرٌ، وَمُعَاذٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ سَعْدٍ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ. وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخبَرَنا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ» (١). بين الكرماني (٢) أن رواية عبد العزيز عن عبدالله بن مالك ابن بحينة، أصح من رواية شعبة عن مالك بحذف لفظ عبدالله … فوقع الوهم من شعبة وغيره، والدليل على ذلك ما نقله الكرماني من أقوال العلماء، فقد روى الإمام مسلم: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ،

стр. 598

عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ … » وفي نهاية الحديث قال: قَالَ الْقَعْنَبِيُّ عَبْدُاللهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ: «وَقَوْلُهُ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأٌ». ورواية مسلم هذه كذلك أخرجها الطبراني في الكبير (١). وقال أبو مسعود الدمشقي أن أهل العراق كشعبة وحماد بن زيد، يقولون عن مالك بن بحينة وأهل الحجاز يقولون عن عبدالله بن مالك بن بحينة وهذا أصح، واستشهد الكرماني بأقوال علماء الجرح والتعديل كذلك: قال البخاري في تاريخه: أنه «عبدالله بن مالك بن بحينة» وذكر أن بعضهم قال مالك بن بحينة والأول أصح (٢). وقال عن ابن معين: عبدالله هو الذي روى عن النبي ﷺ وليس يروي أبوه عن النبي ﷺ شيئاً (٣). وقد روى النسائي حديثاً: «أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ بُحَيْنَةَ» (٤) فبين النسائي أن هذا خطأ والصواب: عبدالله بن مالك

стр. 599

ابن بحينة (١). وقال أبو حاتم الرازي «وَلَيْسَ لابْنِ بُحَيْنَةَ أصلٌ»، وقال أَبُو زُرْعَةَ: إِنَّمَا هُوَ: عبدُالله بنُ مالكٍ ابنُ بُحَيْنَةَ الأَسَدِيُّ حليفُ بني عَبْد المُطَّلِب (٢). وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الأقوال في الإصابة (٣). ومما تجدر الإشارة إليه أن من الرواة من يُنسب لأبيه وأمه، فعبدالله بن مالك ابن بحينة، هو كذلك، فمالك أبوه، وأمه بحينة وقد أشار الكرماني لهذا في شرحه (٤). ٢ - الوهم في المتن: كما وقع الوهم في السند يقع في المتن، كزيادة في متن الحديث أتت من حديث آخر. مثاله: حديث البخاري «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنْ الْإِسْلَامِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ … ». قال البخاري: «وَزَادَ أَسْبَاطٌ عَنْ مَنْصُورٍ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسُقُوا

стр. 600

الْغَيْثَ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ قَالَ اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَانْحَدَرَتْ السَّحَابَةُ عَنْ رَاسِهِ فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ» (١). ذكر الكرماني أن قصة قريش، التماس أبي سفيان، هي قصة مكية إلا أن قوله: وزاد أسباط عن منصور … هي مدنية وليست في مكة (٢). فهذا يدل على أن زيادة أسباط وهم وخطأ، لأنه أدخل قصة المدينة، في قصة قريش. قال الشمس البرماوي: «وَزَادَ أَسْبَاطٌ عَنْ مَنْصُورٍ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسُقُوا الْغَيْثَ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ قَالَ اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَانْحَدَرَتْ السَّحَابَةُ عَنْ رَاسِهِ فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ» (٣). وقد بيّن جملة من شراح الحديث هذا الوهم منهم ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح، (٤) ونقل ذلك عن الداودي، والحافظ شرف الدين الدمياطي (٥).

стр. 601

إلا أن ابن حجر ﵀ خالف الذين نسبوا إلى أسباط بن نصر الوهم، بأنه أدخل حديثاً بحديث، وأن الحديث الذي فيه شكوى كثرة المطر … وقوله: «اللهم حوالينا ولا علينا» لم يكن في قصة قريش، وإنما هو في القصة التي رواها أنس ﵁. فقال: «وليس هذا التعقب عندي بجيد؛ إذ لا مانع أن يقع ذلك مرتين، والدليل على أن أسباط بن نصر لم يغلط: ما جاء في تفسير الدخان من رواية أبي معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى في هذا الحديث، فقيل: يا رسول الله استسق الله لمضر؛ فإنها قد هلكت قال لمضر إنك لجريء، فاستسقى، فسقوا» (١). مثال آخر: حديث: «هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ خَالِي أَتَقَدَّمُكُمْ فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ … » (٢). وقع الوهم في هذا الحديث في قوله: «من بني سليم» والصواب: «من الأنصار» وقد نبه الكرماني على هذا، وذلك بسبب: «إذا المبعوث إليهم، هو من بني سليم لأن رعلا هو ابن مالك بن عوف بن امرئ القيس» (٣). وقد أكد الحافظ ابن حجر هذا الوهم فقال: «التحقيق: أن المبعوث إليهم بنو عامر، وأما بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين، والوهم في هذا السياق من

стр. 602

حفص بن عمر شيخ البخاري، فقد أخرجه هو في المغازي عن موسى بن إسماعيل عن همامن فقال: بعث أخا لأم سليم في سبعين راكبا وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل … فلعل الأصل بعث أقواما معهم أخو أم سليم إلى بني عامر فصارت من بني سليم. وقد بين ابن حجر كذلك تكلّف من تأوّل الحديث من بعض شراح الحديث … (١). ٣ - التصحيف: «تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها، مع بقاء صورة الخط» (٢). قد يقع التصحيف في الحديث، وسببه وهم وخطأ من الراوي، فالتصحيف إما يكون في السمع الراوي، أو بصره والحديث المصحف، من أنواع الحديث المعلول، لأن الخطأ في تصحيف كلمة يؤدي إلى تغيير المعنى، وربما إبدال راوٍ ثقة، بآخر غير ثقة، وأكثر ما يكون التصحيف في السند، وقد يكون التصحيف في طرق التحمل والأداء كأن يُبدل الراوي، «حدثنا» ب «أخبرنا»، أو إبدال «عن» ب «ابن» (٣). وقد يقع التصحيف في سند الحديث ومتنه

стр. 603

١ - التصحيف في السند: بعد أن ذكرت آنفاً أن التصحيف في السند يكون على عدة أوجه، ولكن سأذكر التصحيف المتعلق باسم الراوي، وقد نبه الكرماني ﵀ على ذلك. مثاله: حديث: «مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِيُّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ … » (١). وكعادة الكرماني عند التعريف برواة الحديث كان يذكر أحيانا ما اعترى الاسم من تصحيف وتغيير. فقال في ترجمة: «يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِيّ» هو بالمعجمة المفتوحة وشدة المهملة وبالنون مات سنة ثمان وثمانين ومائة. ونقل الكرماني عن ابن السكن أنّ هناك من صحّف الاسم فقال: العُشانيّ، بضم المهملة وتشديد المعجمة، وقال بعضهم: العثماني والصواب: بالمعجمة ثم المهملة أي كما ضبطناها أولاً» (٢). وقد ذكر الحافط ابن حجر رحمه الله تعالى ونقل عن من قال أنَّه العُشانيّ، أو أنه العثماني، إلا أن هذا من التصحيف والمعتمد هو الضبط الأول:

стр. 604

«الغَسَّانيّ» (١). ٢ - التصحيف في المتن: أشار الكرماني إلى التصحيف الذي وقع في هذا الحديث: « … وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَنْقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ … » (٢). بين الكرماني أن كلمة «فينقذف» هي من التصحيف، ونقل عن الخطابي الذي قال: «هذا هو المحفوظ، وأما يتقذف فلا وجه ههنا، إلا أن يُجعل من القذف أي يتدافعون فيقذف بعضهم بعضاً ويتساقطون عليه» (٣). * * * المبحث الرابع الإعلال بالإدراج تعريف الحديث المدرج: ما ذكر في ضمن الحديث متصلا به من غير فصل وليس منه (٤). وقد يقع الإدراج في السند أو المتن أو فيهما معاً، وقد أشار الكرماني على

стр. 605

ما استُدرك على البخاري من بعض الألفاظ المدرجة في المتن، مثاله: ومن ذلك حديث: عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ، اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى … » (١). فقد بين الكرماني أن لفظ «التعبد» مدرجة من كلام السيدة عائشة ﵂ أو من كلام الزهري (٢) كعادته (٣). ومن ذلك: أخرج البخاري: «عَنْ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ «يَا مُعَاذُ». قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثاً. قَالَ «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقاً مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ». قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ «إِذاً يَتَّكِلُوا». وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّماً» (٤). فبين الكرماني أن آخر الحديث من قوله: وأخبر بها معاذ … هي مدرجة

стр. 606

من كلام أنس ﵁ (١). ومن ذلك حديث: «حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا (٢) مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ (٣) عَلَيْهِ» (٤). والخلاف في الحديث حاصل في ذكر الاستسعاء على أنه من أصل الحديث، أم إنه مدرج فيه؟ فبيّن الكرماني الإدراج في الحديث ونقل عن الدارقطني فقال: «قال الدارقطني (٥) روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة وهما أثبت، ولم يذكرا فيه الاستسعاء ووافقهما همام ففصل الاستسعاء من الحديث وجعله من رأي

стр. 607

قتادة، وقال ابن عبد البر الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها (١) الخطابي (٢): بيّن همام أن ذكر السعاية إنما هو من قتادة وقال ابن المنذر هذا الكلام من فتيا قتادة ليس من نفس الحديث» (٣). وقال كذلك ناقلاً عن العلماء في حكم ذكر السعاية، وذلك عند الرواية الأخرى للحديث، وهي قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ سَمِعْتُ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ عَبْدٍ. حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا أَوْ شَقِيصًا فِي مَمْلُوكٍ فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ. تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ وَأَبَانُ وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ عَنْ قَتَادَةَ اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ» (٤). أي تابع سعيد بن أبي عروبة في روايته عن قتادة حجاج بن حجاج، فسعيد ابن أبي عَروبة ومن تابعه ذكروا السعاية، وشعبة وهشام لم يذكرا الاستسعاء.

стр. 608

«قال الأصيلي وابن العطار وغيرهما: من أسقط السعاية من الحديث أولى ممن ذكرها لأنها ليست في الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر» (١). والظاهر مِنْ نَقْل الكرماني عن العلماء أنه يميل إلى القول الذي يرجح عدم ذكر السعاية، وأن لفظ السعاية هي مدرجة. إلا أن البخاري صرّح بصحة الطريقين، وذلك عند سؤال الإمام الترمذي له إذ قال: «وسألت محمداً عن هذا الحديث، يعني حديث السعاية، فقلت: أيُّ الروايتين أصح؟ فقال: الحديثان جميعا صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة «السعاية» إلا شعبة، وكأنه قوّى حديث سعيد بن أبي عَروبة في أمره بالسعاية» (٢). وأشار البدر العيني ﵀ وحقق في المسألة ولفت النظر لغرض البخاري من ذكر المتابعة فقال: «أراد البخاريُّ بذكر متابعة هؤلاء الرد على من زعم أن الاسْتِسعاء في هذا الحديث غير محفوظ، وأن سعيد بن أبي عروبة تفرد به، فاستظهر له بمتابعة هؤلاء المذكورين» (٣). وقد رجح ابن حجر كلا الروايتين، وما قيل عن تعليل رواية سعيد بن أبي عروبة مردود؛ لأن سعيداً أعرف بحديث قتادة، لكثرة ملازمته له، وعدم نفي شعبة وهشام لما روى سعيد، ولأن سعيد لم ينفرد بذكر السعاية؛ بل تابعه جرير بن حازم وحجاج بن حجاج وموسى بن خلف وحجاج بن أرطأة، وأما

стр. 609

تعليل الحديث بدعوى أن سعيد اختلط فمردود لأن ما في الصحيحين من روايته كان قبل الاختلاط» (١). * * * المبحث الخامس رواية الحديث بالمعنى رواية الحديث بالمعنى: الذين نقلوا لنا حديث رسول الله ﷺ هم الصحابة الكرام ﵃، وهو ما أُضيف إليه ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة (٢). وقد أُتي ﷺ جوامع الكلم، كما أُتيَ صحابته ﵃ الفصاحة والبلاغة والشعر … وعند نقل الحديث للآخرين من الصحابة أو من بعدهم قد يُغيَّر ببعض ألفاظه فتُنقل بمعانيها، وهذا الفعل من الرواة هو عين الأمانة والصدق في نقل الأخبار، وهو مايُسمى برواية الحديث بالمعنى، وتعني الرواية بالمعنى: «هي نقل الحديث وروايته بألفاظ مختلفة مع بقاء المعنى موحَّداً» (٣) أخرج البخاري في صحيحه، «عَنْ أَنَسٍ ﵁ وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَكِنْ

стр. 610

قَالَ السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا» (١). وقال الكرماني: «ولو شئت لقلت معناه أن هذا اللفظ وهو من السنة كذا صريح في رفعه فلو شئت أن أقول رفعه بناء على الرواية بالمعنى لقلت ولو قلت لكنت صادقاً» (٢). فيُفهم من فعل أنس ﵁ التحري والدقة في النقل، وإن قال قال رسول الله ﷺ هو الصدق، لأنه ينقل فعل النبي ﷺ . قال النووي: «هذا اللفظ يقتضي رفعه إلى النبي ﷺ فإذا قال الصحابي السنة كذا أو من السنة كذا فهو في الحكم كقوله قال رسول الله ﷺ كذا هذا مذهبنا ومذهب المحدثين وجماهير السلف والخلف (٣) وجعله بعضهم موقوفا وليس بشيء قوله» (٤). والأحاديث ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار لفعل النبي ﷺ من الصحابة، كقولهم أُمرنا بكذا، ونُهينا عن كذا، ومن السنة كذا … فهذا لا إشكال فيه فلا تدخله الرواية بالمعنى، أما ما كان من قول النبي ﷺ ، ونقله الصحابة قولاً، فهذا الذي تدخله الرواية بالمعنى (٥).

стр. 611

ولا يُفهم من فعل الصحابة ﵃ إذا حكوا قوله ﷺ أنهم لم يكونوا يتحروا الدقة بلفظه ﷺ أو أنهم كانوا يُهملونه، ولكنهم عند الأداء يقع من بعضهم تقديم أو تأخير أو إبدال كلمة مكان أخرى … (١). وكما أن الرواة متفاوتون في قوة الحفظ والدقة في نقل الكلام؛ كان له دور في نقل الحديث بالمعنى، فاللغة العربية واسعة المعاني، وجزلة الألفاظ، فمن كان عالماً بما يؤديه اللفظ من معنى مقصود جاز له أن يروي الحديث بالمعنى، وهو دأب الحفّاظ والمحدثين في ذلك فقد ذكرالإمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه عن طائفة من الرواة الثقات نقلهم للحديث بالمعنى. عن سفيان الثوري قال: «فقال إن قلت لكم إنى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو الْمعنى. وقال وكيع بن الجراح: «إن لم يكن الْمعنى واسعا فقد هلك الناس» (٢). حكم الرواية بالمعنى: قال العلماء أن رواية الحديث بألفاظه كما هي من دون تغيير هو الأفضل والأحسن (٣)، قال القاضي عياض: «ينبغي سد باب الرواية بالمعنى؛ لئلا يتسلط من لا يحسن، ممن يظن أنه يحسن، كما وقع لكثير من الرواة، قديما

стр. 612

وحديثا» (١). أجاز طائفة من العلماء رواية الحديث بالمعنى وهو مروي عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وهو قول الجمهور، وذلك للعالِم بمواقع الخطاب ومدلول الكلمة واللفظ بشرط المطابقة للمعنى، وقال النووي: «ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى» (٢). ومنع طائفة منهم ذلك وهو مروي عن ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة (٣). وقال طائفة من العلماء هناك جملة من الأحاديث لايجوز أن تُروى بالمعنى، إذا كان فيها الصفات الآتية: ١ - الأحاديث التي وُصفت أنها من جوامع كلمه ﷺ (٤). ٢ - الأحاديث التي يُتعبد بلفظها فلا يجوز تغيرها إلى المعنى، قاله ابن حجر (٥). ٣ - الأحاديث التي تدخل في باب المتشابهات كأحاديث الصفات، لأنه

стр. 613

لا يؤمن أن اللفظ الذي تكلم به الراوي يساوي لفظ النبي ﷺ (١). إذاً هذه عوامل منع نقل الرواية بالمعنى للأسباب التي ذُكرت، إذا غيّرت المعنى، وأبدلته، وكانت الأحاديث ذات معنى معين، وقد أجملها القاضي عياض بقوله: «لا خلاف أن على الجاهل والمبتداء ومن لم يمهر في العلم، ولا تقدم في معرفة تقديم الألفاظ وترتيب الجمل وفهم المعاني، أن لا يكتب ولا يروي ولا يحكي حديثا إلا على اللفظ الذي سمعه، وأنه حرام عليه التعبير بغير لفظه المسموع؛ إذ جميع ما يفعله من ذلك تحكم بالجهالة وتصرف على غير حقيقة في أصول الشريعة، وتقول على الله ورسوله ما لم يحط به علما» (٢). إذا حاصل الأقوال في المسألة: أن الذين أجازوا الرواية بالمعنى بشرط معرفة ما يؤديه المعنى بكلمة مرادفة لا تغير المعنى المراد. وتشدد قوم منعوا الرواية بالمعنى مطلقاً. ومنع قوم الرواية بالمعنى لأحاديث معينة كأحاديث الصفات، والمتشابهات وجوامع الكلم. وقد كان الكرماني رحمه الله تعالى يبين جواز الرواية بالمعنى إذا نصّ الراوي على ذلك مثاله: أخرج البخاري: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ

стр. 614

وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ «ابْغِنِي أَحْجَاراً أَسْتَنْفِضْ بِهَا أَوْ نَحْوَهُ وَلَا تَأتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ». فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ … » (١). فقول أبي هريرة أو نحوه دلالة على جواز الرواية بالمعنى كما قال الكرماني (٢). وكان الكرماني في شرحه يُشير إلى تصرف الراوي في الحديث، إذا نقله بالمعنى (٣). فائدة: قد يتصرف الراوي في بعض ألفاظ المتن بسبب الحاجة لذلك، كأن يكون اللفظ قبيحا، فيرويه الراوي بصيغة ضمير الغائب. مثاله: عن سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَاللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي طَالِبٍ «يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُاللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ … ».

стр. 615

فعبارة: هو على ملة عبد المطلب هي تصرف من الراوي فالأصل أن يقول ناقلاً لكلام أبي طالب قوله: «أنا على ملة عبد المطلب» فالراوي «لم يحك كلامه بعينه لقبحه وهو من التصرفات الحسنة» (١). وقال النووي: «فهذا من أحسن الآداب والتصرفات وهو أن من حكى قول غيره القبيح أتى به بضمير الغيبة لقبح صورة لفظه الواقع» (٢). * * * المبحث السادس اختصار الحديث وتقطيعه تعريف اختصار الحديث: وهو حذف بعضه والاقتصار في الرواية على بعضه (٣). واختصار الحديث وتقطيعه يتبع لرواية الحديث بالمعنى. وقد أجاد الكرماني في ذلك وسماه: «خرماً»، والخرم في اللغة: قال ابن منظور: «مَصْدَرُقَوْلِكَ خَرَمَ الخَرَزَةَ يَخْرِمُها، بِالْكَسْرِ، خَرْماً وخَرَّمَها فَتَخرَّمَتْ: فَصَمَها وَمَا خَرَمْتُ مِنْهُ شَيْئًا أَي مَا نَقَصْتُ وَمَا قَطَعْتُ. وقال الليث: خَرِمَ أنفه يَخْرَمُ خرماً، وهو قطع في الوترة وفي الناشرتين أو في طرف الأرنبة لا يبلغ الجدْع» (٤).

стр. 616

فالخرم من معانيه في اللغة القطع، وهو ما وافق المعنى الاصطلاحي من قطع الحديث واختصاره. واختصار الحديث، له أنواع فقد يروي الراوي الحديث وينقله مختصرا، فيقطّعه ويأخذ منه موطن الشاهد الذي يريد، بينما يرويه غيره تاماً، مما يؤدي إلى تعدد صور روايات الحديث، وهو حديث واحد، فلا يُظن أن هذا من قبيل اضطراب المتن، إذ أن الاضطراب تكون الروايات فيه متساوية لايمكن الجمع بينها، مما يُشعر بعدم ضبط الراوي. وقد جاء عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: «قال كنت أسمع الحديث من عشرة اللفظ مختلف والمعنى واحد» (١). فيُفهم من كلام ابن سيرين أن الرواة منذ الصدر الأول كانوا يتصرفون في الحديث فيختصرونه أو يرونه بالمعنى. أسباب اختصار الحديث: لجأ البخاري في صحيحه، لتقطيع الحديث واختصاره، للحاجة إلى ذلك (٢)، وذلك إما لشهرته وإما لأنه رواه كاملا سابقا، وإما لذكر موطن

стр. 617

الشاهد والحاجة من الحديث. وقد بين الحافظ ابن حجر ﵀ في مقدمة الفتح: موضوع تقطيع الحديث تارة واختصاره للحاجة في ذلك، وبيان المقامات، لأن الحديث قد يكون مشتملا على حكمين فأكثر فيعيده في مكان آخر مناسب، ولتكثير الطرق وذلك بإخراجه عن شيخ غير الشيخ الذي في الرواية الأولى، وتارة يورده موصولا، وتارة معلقاً … ) (١). وقال في نزهة النظر: «أما اختصار الحديث؛ فالأكثرون على جوازه بشرط أن يكون الذي يختصره عالما؛ لأن العالم لا ينقص من الحديث إلا ما لا تعلق له بما يبقيه منه؛ بحيث لا تختلف الدلالة، ولا يختل البيان، حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين، أو يدل ما ذكره على ما حذفه؛ بخلاف الجاهل، فإنه قد ينقص ما له تعلق؛ كترك الاستثناء» (٢). حكم اختصار الحديث: وقد قال ابن المبارك: «عَلْمَنا سفيان الثوري (٣) .........................

стр. 618

اختصار الحديث» (١) وقد أجاز أكثر العلماء تقطيع الحديث واختصاره بشرط أن يكون من اختصره عالما بمدلول الألفاظ بحيث لا يؤثر الاختصار على معنى الحديث، ومن العلماء من منع ذلك (٢). وقد بيّن الخطيب في الكفاية حجة ومقصد من لا يرى اختصار الحديث وتقطيعه فقال: «قال كثير من الناس: يجوّز ذلك للراوي على كل حال، ولم يفصّلوا، والذي نختاره في ذلك أنه إن كان فيما حذف من الخبر معرفة حكم شرط وأمر لا يتم التعبد والمراد بالخبر إلا بروايته على وجهه، فإنه يجب نقله على تمامه، ويحرم حذفه، لأن القصد بالخبر لا يتم إلا به، ولا فرق بين أن يكون ذلك تركا لنقل العبادة، كنقل بعض أفعال الصلاة، أو تركا لنقل فرض آخر هو الشرط في صحة العبادة، كترك نقل وجوب الطهارة ونحوها، وعلى هذا الوجه يحمل قول من قال: لا يحل اختصار الحديث» (٣). وقد بين الكرماني أقوال العلماء في مسألة القطع والاختصار فقال: «اختلف في جواز اختصار الحديث بترك البعض وذكر البعض ومثله يسمى بالخرم فمُنع مطلقاً وجوّز مطلقاً والصحيح أنه يجوز من العالم إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة ولا فرق بين أن

стр. 619

يكون قد رواه قبل على التمام أو لم يروه» (١). وكان الكرماني يشير إلى اختصار الحديث عند البخاري ويبين سبب ذلك: مثال على ذلك قال البخاري: «حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَبْدِاللهِ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ. أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ … » (٢). ذكر الكرماني (٣) أن في إسناد هذا الحديث بين البخاري والزهري ثلاثة رجال وهم: إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ وإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وصَالِحٍ بن كيسان. وفي الرواية الأخرى بيّن البخاري والزهري رجلان، والرواية هي: «حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ ابْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ … » (٤).

стр. 620

والرجلان هما: أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ وشُعَيْبٌ. ثم بين الكرماني ممن وَقَعَ القطع والخرم فقال: «فإن قلت فممن وقع هذا الخرم؟ قلت: الظاهر أنه من الزهري لا من البخاري؛ لاختلاف شيوخ الإسنادين بالنسبة إلى البخاري، فلعل شيخه إبراهيم بن حمزة لم يذكر في مقام الاستدلال على أن الإيمان دين إلا هذا القدر» (١). ثم بين سبب الخرم فقال: «فإن قلت فلم يقع الخرم؟ قلت: لأن المقامات مختلفة والسياقات متنوعة فمقام بيان كيفية الوحي يقتضي ذكر الحديث بتمامه ومقام الاستدلال على هذا المطلوب يقتضي ذكر ما به يتم المقصود به اختصاراً وتقريباً لفهم المراد والله تعالى أعلم» (٢). مثال ثانٍ قال البخاري: «عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ» وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ» (٣). فبيّن الكرماني أن هذا الحديث مخروم بمعنى مُقطّع حيث قال: «لأنه بعض من حديث طويل وقد سبق بعضه في باب قول النبي ﷺ رب مبلغ حيث قال: قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ

стр. 621

النَّحْرِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا إلى آخره … وقد خُرم هنا اقتصارا على المقصود وهو بيان التبليغ» (١). ومثله: قال البخاري: «حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللهِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ اجْتَنِبُوا الْمُوبِقَاتِ الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ» (٢). قال الكرماني: «وثبت في الصحيح: اجتنبوا السبع الموبقات، الشرك بالله، السحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات (٣)، فهذا الذي في الكتاب مختصر من مطول، ولهذا ذكر اثنتين فقط، هو من قبيل قوله تعالى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤).

стр. 622

ومن ذلك: ما أخرجه البخاري في كتاب الرقائق: «حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ أَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» (١). قال الكرماني: «فإن قلت هذا مشكل لأن نصف الحديث يبقى بدون الإسناد، ثم أن النصف مبهم أهو الأول أم الآخر، قلت: اعتمد على ما ذكر في كتاب الأطعمة (٢) من طريق يوسف بن على المروزي، وهو قريب من نصف هذا الحديث فلعل البخاري أراد بالنصف المذكور بأبي نُعيم ما لم يذكره، ثمة فيصير الكل مسندا ببعضه بطريق يوسف والبعض الآخر بطريق أبي نُعيم قال صاحب التلويح ذكر الحديث في الاستئذان (٣) مختصرًا وكان هذا هو النصف» (٤) وقد رجح بعض العلماء كلام الكرماني أن الحديث مروي في كتاب الأطعمة:

стр. 623

«والجواب الصحيح أنه روي في موضع آخر في أول كتاب الأطعمة «أنه سأل عمر عن معنى آية، فأجابه ولم يدخله بيته» (١). * * * المبحث السابع شك الراوي في الحديث وقد يكون الشك في الحديث سندا أو متنا: تعريف الشك في اللغة: وفي اصطلاح العلماء من المحدثين وغيرهم قال بعضهم: الشك «هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، وقيل: الشك: ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما» (٢). الشك عند الراوي يكون في السند والمتن: ١ - في السند: قد يكون عند الراوي عشرات الشيوخ، بل المئات، فتجد أحياناً أن الراوي يشك ويتردد فيمن روى عنه الحديث من شيوخه، أهو فلان أم غيره، وهذا الشك عند الراوي يدل على اختلال في ضبطه، من هذه الجهة، أومن هذا الطريق أوشيخه فلان … مما يوجب علة في الحديث تطعن به. وقد بيّن الخطيب البغدادي ﵀ ثلاث صور لشك الراوي وحكم كل

стр. 624

صورة: (الصورة الأولى: أن يكون كل واحد من الرجلين اللذين سماهما عدلا، فلو كان هذا الحال، فإن الحديث ثابت، والاحتجاج به جائز، لأنه قد عينهما، وتحقيق سماع ذلك الحديث من أحدهما وكلاهما ثابت العدالة. الصورة الثانية: تردد الراوي كقوله: عن فلان أو غيره. فهذه الصورة يدخلها الوهن، لأننا لا نعلم من هو هذا الغير، لأن الغير الذي لم يسم لا يعرف: أهو عدل أم لا؟، مع احتمال حالة الأمرين معا. الصورة الثالثة: أن يروي عن أحد الرجلين اللذين سماهما ثقة والآخر مجروحاً: وهذه الصورة من صور الطعن في الحديث؛ لاحتمال أن يكون الراوي المجروح هو صاحب الحديث) (١). وكل هذا إذا كان التردد والشك في غير الصحابة الكرام ﵃ أما إذا كان التردد والشك في اسم صحابي، وصحابي آخر غيره، أيهما صاحب الحديث فإن هذا لا يؤثر على صحة الحديث، لأن الصحابة الكرام كلهم عدول ثقات، فلا يضر الإبهام بمعرفة عين الصحابي الذي روى الحديث، كما هو مقرر عند العلماء (٢).

стр. 625

٢ - الشك في المتن: قد يأتي الشك من أحد الرواة في المتن، ويتردد في عبارة معينة، وأخرى مبهمة، أو يكون التردد في كلمتين مختلفيتين في مدلول كل منهما. مثاله ما أخرجه البخاري: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيّ ﷺ وَكَانَ النَّبِي ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ لَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ «نَامَ الْغُلَيِّمُ». أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ … » (١). قوله: ثم «نَامَ الْغُلَيِّمُ». أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا … هي شك من الراوي، وهو ابن عباس ﵄ كما قال الكرماني. «وقال بجواز الرواية عند الشك في كلمة بشرط التنبيه عليها» (٢). قلت: ومثل هذا الشك لا يؤثر على صحة الحديث، إذ أن العبارة المشكوك فيها رديفة لعبارة «نام الغُليم» كما فُهم من كلام ابن عباس ﵄. ويذكر الكرماني ممن صدر الشك عنه في الحديث، كما بين ذلك في حديث: «حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَسْوَدَ أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ … » (٣).

стр. 626

فقال: «الظاهر أن الشك في أنه رجل أو امرأة، من أبي رافع أو أبي هريرة»، طبعا من دون الجزم كعادته في التردد، إلا أن ابن حجر رحمه الله تعالى قال أن الشك فيه من ثابت لأن جماعة رووه عنه هكذا بالشك، أو أن الشك من أبي رافع» (١). إذاً معرفة الراوي صاحب الشك يُعرف عن طريق أخرى رواها أحد الرواة بالشك، وأخذها عنه غيره بالشك كذلك، فثابت روى الحديث بالشك وأخذها عنه جماعة بالشك كما تلقوها. ويُزال هذا الشك أن تأتي العبارة المشكوك فيها مجزومة من دون تردد من طريق أخرى، بشرط «أن تكون الرواية الجازمة محفوظة، وليست مما أخطأ فيه بعض الرواة الثقات أو الضعفاء، وأن صواب الرواية أنها بالشك وليست بالجزم. فقد يقع الجزم من قِبَل بعض الرواة خطأً منهم، ويكون الصواب التردد والشك، فحينئذ لا اعتبار بالرواية الجازمة، ولا يُدفع الشك بها؛ لأنها خطأ، والخطأ لا يعتبر به» (٢). وأحيانا يجزم الكرماني بصدور الشك من الراوي فيعينه من دون تردد مثاله:

стр. 627

قال البخاري: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قُمْتُ لَيْلَةً أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي، أَوْ بِعَضُدِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِي» (١). فقوله: فأخذ بيدي، أو عضدي، هو شك جزم الكرماني (٢) أنه من ابن عباس ﵄، لأن القرينة تدل عليه (٣). أو قد يضع الكرماني الاحتمالات بين الشك والتنويع من دون أن يرجح: مثاله: «عن سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (٤). قال الكرماني: «وكلمة أو تنتفخ للتنويع ويحتمل أن يكون شكا من الراوي» (٥). وفي رواية تتفطر قدماه (٦) وكل هذه الكلمات مترادفة لا اختلاف فيها، فإن الانتفاخ، والورم واحد، وعند حصوله قد يحصل التفطر وهوالتشقق (٧).

стр. 628

أو قد يجزم أن حرف العطف أو هو للتنويع مثاله: قال البخاري: «إنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى اللهِ مِنْ عِبَادِهِ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ … فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ، أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ … » (١). قال الكرماني: «قوله أو بين السماء لفظة أو، ليست للشك ولا للترديد بل للتنويع» (٢). إلا أن الظاهر ليس تنويعاً، وإنما هو شك من مسدد وإلا فقد رواه غيره عن يحيى بلفظ من أهل السماء والأرض (٣)، وقد روى البخاري نفسه الحديث مرات عدة من غير طريق مسدد، وكل هذه الروايات لا يوجد فيها هذا الشك، وإنما جاءت بصيغة الجزم. والعجيب إن الكرماني لم يتنبه لهذه الرواية التي فيها التردد، مع أن الرواية التي فيها الجزم جاءت قبل رواية التردد بقليل، وجاء بعدها روايتين كذلك بالجزم (٤).

стр. 629

ويبين الكرماني ماورد في الرواية أنه من كلام رسول الله ﷺ ، وليس من قبيل شك الراوي أو تردده. مثاله: أخرج البخاري في كتاب الجنائز: «عن محمد بن المكندر قال سمعت جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ» (١). فقوله ﷺ : تبكين أولا تبكين هي من باب التخيير من كلام رسول الله ﷺ للتسوية بين البكاء وعدمه أي: فوالله أن الملائكة تظله سواء تبكين أم لا» (٢). إذاً لمعرفة حرف العطف أو في الروايات أكان من قبيل الشك، أو التنويع، أو التخيير … لابد من معرفة السياق وتمعّنه بشكل جيد، والاستعانة بالقرائن على ذلك، ومعرفة الروايات الأخرى للحديث وطرقه. * * *

стр. 630

المبحث الثامن مخالفة الراوي لماروى قد يحصل في بعض الأحيان، أن يُخالف الراوي ما وقع من روايته، فتنوعت أقوال العلماء في ذلك. فذهب الحنفية إلى أن القول قول الراوي، وذهب غيرهم أن العمل بالخبر، وترك مخالفة الراوي (١). وقد عدّ الإمام ابن رجب هذا النوع من أنواع العِلل التي تلحق المتن، فقال في القسم الثالث منها، وقال: قد ضعّف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا (٢). وقال إمام الحرمين الجويني (٣): «وهو أنه إن تحققنا أن مخالفة الراوي كانت لنسيان الخبر أو لعدم فهمه له فلا شك في وجوب اتباع الخبر، ولذلك إذا كان لورع في الراوي بأن يكون الخبر يقتضي ترخصا والراوي، شديد الورع فإنه تحمل المخالفة على أخذه بالاحتياط والمبالغة في الورع وإن خفي عنا سبب

стр. 631

المخالفة ولكن علمنا أنه خالف ما رواه عمدا فالرجوع هنا إلى قوله لأن الظاهر أنه لا يرتكب مثل هذه المخالفة إلا لمسوغ يقتضي مخالفة ما رواه. وإن خفي عنا أن المخالفة وقعت عمدا أو لسبب من الأسباب ولم نحط به علما فالواجب اتباع الخبر وترك ما ذهب إليه الصحابي الراوي» (١). ويقف الإمام القرافي من المسألة، أن لا يؤخذ هذا في كل الأحوال فقال: «هذه المسألة عندي ينبغي أن تُخصص ببعض الرواة، فتُحْمل على الراوي المباشر للنقل عن رسول الله ﷺ حتى يحسن أن يقال هو أعلم بمراد المتكلم … حتى يحسن أن يقال: فيه لعله شاهد من القرائن الحالية أو المقالية ما يقتضي مخالفته، فلا تكون المسألة على عمومها» (٢). مثاله: أخرج البخاري: «عن عائشة ﵂ قالت الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر قال الزهري فقلت لعروة ما بال عائشة تتم قال تأولت ما تأول عثمان» (٣). بين الكرماني أن الحنفية استدلوا من حديث السيدة عائشة ﵂، على وجوب قصر صلاة المسافر (٤)، فرد عليهم وقال: «لادلالة فيه لأنهم لو كان

стр. 632

الحديث مجري على ظاهره لما جاز لعائشة ﵂ إتمامها ثم أنه خبر واحد لا يعارض لفظ القرآن وهو (أن تقصروا من الصلاة) الصريح في أنها كانت في الأصل زائدة عليه إذ القصر معناه التنقيص ثم إن الحديث مخصص بالمغرب والصبح وحجية العام المخصص مختلف فيها ثم إن راوية الحديث عائشة وقد خالفت روايتها وإذا خالف الراوي روايته لا يجب العمل بروايته عندهم» (١). * * * المبحث التاسع التنبيه على مزيد في متصل الأسانيد هذا النوع يختص بالسند، ويقابله «زيادة الثقات» الذي يختص بالمتن. تعريفه: أن يزيد الراوي الثقة رجلاً في الإسناد المتصل، لم يذكره غيره من الثقات (٢) فيُظن أنه من الوهم الذي وقع فيه الراوي، وإنما هو من تصرف

стр. 633

الراوي الذي سمعه مرة عالياً من دون واسطة، ومرة نازلاً بواسطة، فرواه على الوجهين، وقد ثبت سماعه عن شيخه وشيخ شيخه. وشرط المزيد في متصل الأسانيد: قال ابن الصلاح: «وإن كان فيه تصريح بالسماع أو بالإخبار … فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه، ثم سمعه منه نفسه» (١). وترد الزيادة بشرط أن يصرح الراوي بالسماع، فإن عنعن ب «عن»، اعتُبر الإسناد الخالي من الزيادة منقطعاً. قال ابن الصلاح: «لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بلفظة «عن» في ذلك فينبغي أن يحكم بإرساله، ويجعل معللا بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد» (٢). وقال العلماء عن هذا النوع: «الحكم بالزيادة في هذا النوع صعب شديد، يقف على حافة النقد، وخطر الانتقاض بأن يكون الراوي قد سمع من الشخص الزائد ثم طلب العلو فسمعه من الشيخ الأعلى مباشرة، وقد وقع ذلك في أحاديث كثيرة، لكنا نستأنس في هذه الحال بالقرائن» (٣). مثاله قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِاللهِ

стр. 634

قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ … » (١). قال الكرماني ناقلاً عن الدارقطني: «خالف يحيى فيه جميع أصحاب عبدالله لأنهم كلهم رووه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة ولم ذكر أباه» (٢). ووردت روايات أخرى للحديث في كتاب الاستئذان: «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِد … » (٣). وفي كتاب الأيمان والنذور: «حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ … » (٤). قال الإمام الترمذي: «وقد روى ابن نمير هذا الحديث، عن عبيدالله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه عن أبيه، عن أبي هريرة. ورواية يحيى بن سعيد، عن عبيدالله بن عمر، أصح، وسعيد المقبري، قد سمع من أبي هريرة، وروى عن أبيه، عن أبي هريرة» (٥).

стр. 635

والحاصل أن الروايات الأخرى لم تذكر الزيادة (أبي سعيد) التي في رواية يحيى بن سعيد وقد قال العلماء أن هذه الزيادة صحيحة وذلك للأسباب الآتية: ثبات سماع سعيد المقبريّ عن أبيه واسمه (كيسان مولى ليث، وهو صحابي) (١) عن أبي هريرة، وسماعه من أبي هريرة مباشرة من دون واسطة أبيه (٢). نقل الكرماني تصحيح رواية يحيى التي فيها الزيادة عن الدارقطني «يحيى حافظ يعني فيُعتمد ما رواه فالحديث صحيح لا علة فيه» (٣). ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ … » (٤). وأخرجه كذلك من طريق أخرى عن: «حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ» (٥).
следующие страницы →