← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1296

المنهيات في سورة الحجرات

علي بن غازي التويجري

Полный текст (76 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المنهيات في سورة الحجرات إعداد: د علي بن غازي التويجري الأستاذ المساعد في كلية القرآن الكريم في الجامعة [الإسلامية]

стр. 2

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [سورة النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب: ٧٠، ٧١] (١). أما بعد: فإن هذا القرآن العظيم كتاب ربنا، فيه نبأ من قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق (٢) على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِه﴾

стр. 3

[الجن: ١، ٢]، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم (١). وهو والله حقيق بطلب الهدى فيه، والنهل من معينه، والاستنباط من معانيه، وإنفاق العمر فيه. وقد أحببت أن أدلي بدلوي بكتابة هذا البحث الذي سميته: المنهيات في سورة الحجرات، شرح آياتها، وبيان حكمها، وأدلة النهي عنها، مع بعض أحكامها. فإن كان صوابا فمن الله، وحده لا شريك له، وهو ما أرجوه، وإن كان خطأ فمني واستغفر الله، وللقارئ غنمه وعليَّ غرمه. أسباب اختيار الموضوع، وأهميته: ١ - لقد لفت انتباهي كثرة ما اشتملت عليه سورة الحجرات، تلكم السورة العظيمة من

стр. 4

الأوامر والنواهي والأخبار رغم قصرها. ٢ - ومن الأسباب أيضا التي دفعتني إلى الكتابة في هذا البحث خاصة الحاجة الماسة إلى معرفة ما ورد من النهي عن المحرمات في هذه السورة وغيرها، لكن هذه السورة خاصة قد اشتملت على جملة من المناهي التي كثر انتشارها بين الناس، حتى بين طلبة العلم، ووقع فيه من وقع إلا من رحم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن بين هذه المنهيات: الغيبة التي كما قيل شب عليها الصغير وهرم عليها الكبير إلا من رحم الله. ومنها السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وكثرة التقدم بين يدي الله ورسوله، والقول عليهما بغير علم، والتجسس، والمنَّ بالنفقة والأعطيات إلى غير ذلك مما ستراه في ثنايا هذا البحث، وكلها نراه واقعا مريرا ملموسا في مجتمعاتنا، نسأل الله أن يردنا إليه ردا جميلا. ٣ - ومن الأسباب كثرة أسباب الغفلة والشر في هذه الأيام، مما يستدعي بذل مزيد من الجهد من طلبة العلم في تذكير الناس بأمر ربهم وشرعه، وردهم إليه. ٤ - ومن الأسباب رغبتي في نفع نفسي علَّ الله أن يمن علي بالتوفيق لاجتناب نواهيه، ونفع إخواني ممن تيسر له الاطلاع عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. خطة البحث: لقد قمت بحمد الله بالكتابة في هذا الموضوع وفق الخطة التالية: أولا: مقدمة تشتمل على أهمية البحث، وأسباب الكتابة فيه، وهي ما سبق ذكرها قريباً.

стр. 5

ثانيا: المنهيات في سورة الحجرات، وجعلتها في سبعة مباحث، وفي كل مبحث مطالب على النحو التالي: المبحث الأول: النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله، وتحته ثلاثة مطالب: المطلب الأول: في بيان التفسير الإجمالي للآية. المطلب الثاني: في بيان معنى التقدم لغة، وفي أقوال المفسرين. المطلب الثالث: حكم التقدم بين يدي الله ورسوله، والنصوص الواردة في النهي عنه. المبحث الثاني: النهي عن رفع الصوت عند النبي ﷺ ، والجهر له عند مخاطبته، وتحته ستة مطالب: المطلب الأول: سبب نزول الآية. المطلب الثاني: التفسير الإجمالي للآية. المطلب الثالث: معنى رفع الصوت والجهر له لغة، وفي أقوال المفسرين. المطلب الرابع: حكم رفع الصوت عند النبي ﷺ والجهر له، والنصوص الواردة في وجوب توقيره واحترامه. المطلب الخامس: حكم رفع الصوت عند قبره. المطلب السادس: نماذج من استجابة الصحابة للنهي عن رفع الصوت عند النبي ﷺ والجهر له. المبحث الثالث: النهي عن السخرية، وتحته ثلاثة مطالب: المطلب الأول: التفسير الإجمالي للآية. المطلب الثاني: معنى السخرية لغة وفي أقوال المفسرين وغيرهم. المطلب الثالث: حكم السخرية وما ورد من النهي عنها. المبحث الرابع: النهي عن اللمز والتنابز بالألقاب، وتحته أربعة مطالب:

стр. 6

المطلب الأول: سبب نزول الآية. المطلب الثاني: التفسير الإجمالي للآية. المطلب الثالث: معنى اللمز والتنابز بالألقاب لغة وفي كلام المفسرين. المطلب الرابع: حكم اللمز والتنابز بالألقاب، وما ورد من النهي عن ذلك. المبحث الخامس: النهي عن التجسس، وتحته ثلاثة مطالب: المطلب الأول: التفسير الإجمالي للآية. المطلب الثاني: التجسس لغة وفي كلام المفسرين. المطلب الثالث: حكم التجسس وما ورد من النهي عنه. المبحث السادس: النهي عن الغيبة، وتحته خمسة مطالب: المطلب الأول: التفسير الإجمالي للآية. المطلب الثاني: معنى الغيبة لغة واصطلاحا، وبعض صورها. المطلب الثالث: حكم الغيبة وما ورد من النهي عنها. المطلب الرابع: ما يستثنى من الغيبة. المطلب الخامس: تحريم سماع الغيبة، ووجوب ردها، والذب عن أعراض المسلمين. المبحث السابع: النهي عن المن على الله ورسوله وسائر الخلق، وتحته أربعة مطالب: المطلب الأول: سبب نزول الآية. المطلب الثاني: التفسير الإجمالي للآية. المطلب الثالث: المراد بالمن لغة وفي أقوال المفسرين. المطلب الرابع: حكم المن والنصوص الواردة فيه. ثالثا: الخاتمة.

стр. 7

منهج البحث: لقد سرت في كتابة هذا البحث وفق المنهج التالي: ١ - ذكر نص الآية في أول المبحث. ٢ - عزو الآيات إلى سورها. ٣ - تخريج الأحاديث من دواوين السنة المشهورة. ٤ - اقتصرت على إيراد الأحاديث الصحيحة، فما كان منها في الصحيحين، أو في أحدهما اكتفيت بالنص على إخراجهما له أو أحدهما، وما كان في غيرهما حكمت على إسناده بذكر قول أهل الفن فيه. ولأجل ذلك أعرضت عن جملة من الأحاديث، وأسباب النزول التي أوردها كثير من المفسرين، ولا يصح إسنادها. ٥ - ذكر سبب نزول الآية إن وجد، وصح سنده. ٦ - أشرح الآية شرحا إجماليا بإيراد كلام أئمة التفسير، كالطبري، وابن كثير، وغيرهما، وأؤلف بينه، ليكون الكلام منسبكا متناسبا، وربما لخصت كلامهم إذا كان التفسير المنقول عنهم قليلا، أو متماثلا، كما حصل في المبحثين الأخيرين. ٧ - أذكر معنى الخصلة المنهي عنها في اللغة من كلام أهل اللغة، ليتبين المعنى الشامل للكلمة. ٨ - أردفه بذكر أقوال أئمة التفسير، ثم أرجح بينها، أو أبين عدم تعارضها. ٩ - أذكر أحيانا كلام بعض أهل العلم من غير المفسرين في تعريف الخصلة، إذا رأيت أن كلام المفسرين منصب على الآية دون الإشارة إلى معنى الخصلة إجمالا. ١٠ - أذكر القراءات الصحيحة (القراءات العشر) ضمن المعنى الإجمالي للآية، إن وجدت.

стр. 8

١١ - أذكر حكم الخصلة المنهي عنها، ثم أردفه بذكر النصوص المؤيدة لذلك الحكم مبتدئا بالآيات. ١٢ - زدت بعض المطالب إذا رأيت أن الأمر يستدعي ذلك، وأن الحاجة إليه ملحة، كما حصل في مبحث النهي عن رفع الصوت عند النبي ﷺ ، ومبحث النهي عن الغيبة. ١٣ - جمعت بين بعض النواهي في مبحث واحد، كما حصل في مبحث اللمز والتنابز، للارتباط الوثيق بينهما، وتقارب دلالتهما، وقلة المادة العلمية لكل واحد منهما على حدة في كلام المفسرين. ١٤ - وثقت ما أوردته من أقوال أهل العلم، أو تعريفاتهم، أو النقول عنهم بعزوها إلى مصادرها. ١٥ - ترجمة الأعلام الواردة، ما لم تكن مشهورة. ١٦ - شرحت بعض الكلمات التي تحتاج إلى بيان في الحاشية. ١٧ - ذيلت الرسالة بفهارس علمية كالتالي: أ- فهرس الآيات القرآنية. ب- فهرس الأحاديث النبوية. ج- فهرس الأعلام. د- فهرس المصادر والمراجع. هـ- فهرس الموضوعات.

стр. 9

المبحث الأول: النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]. المطلب الأول: التفسير الإجمالي للآية ينادي الله عباده بوصف الإيمان، ذلكم الوصف العظيم الذي إذا حققه المسلم في نفسه حمله على فعل الأوامر واجتناب النواهي، فينهاهم عن التقدم بين يدي الله ورسوله في أي حال من الأحوال. قال ابن جرير الطبري: «يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يا أيها الذين أقروا بوحدانية الله، وبنبوة محمد ﷺ ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، يقول: لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم قبل أن يقضي الله لكم فيه ورسوله، فتقضوا بخلاف أمر الله ورسوله … ». وفي قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ قراءتان. قرأ يعقوب (١) ﴿لا تَقدَّموا﴾ بفتح التاء والدال، وذلك على حذف إحدى التاءين، لأن الأصل (لا تتقدموا) مضارع "تقدموا". وقرأ الباقون ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ بضم التاء وكسر الدال، مضارع "قدَّم" مضعف العين. قال الفراء (٢): كلاهما صواب، يقال: قدمت وتقدمت، وقال

стр. 10

الزجاج: كلاهما واحد (١). قلت: وعند التأمل يتبين أن الأمر كما قال الزجاج، وأن حاصل معنى القراءتين ومؤداهما واحد. ومعنى الآية: لا تقطعوا أمرا دون الله ورسوله، ولا تتعجلوا به (٢). ثم قال ابن جرير: «وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: وخافوا الله أيها الذين آمنوا في قولكم، أن تقولوا ما لم يأذن لكم به الله ولا رسوله، وفي غير ذلك من أموركم، وراقبوه إن الله سميع لما تقولون، عليم بما تريدون بقولكم إذا قلتم، لا يخفى عليه شيء من ضمائر صدوركم، وغير ذلك من أموركم، وأمور غيركم» (٣). المطلب الثاني: معنى التقدم لغة وفي أقوال المفسرين أولا: معنى التقدم لغة: أصل هذه الكلمة «قدم» يدل على السبق، قاله ابن فارس (٤). وبذلك فسره الفيروزابادي (٥)، فقال بعد ذكر قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ

стр. 11

يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: «وتحقيقه: لا تسبقوه بالقول والحكم، بل افعلوا ما يأمركم به، كما يفعله العباد المكرمون (١)، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْل﴾ [الأنبياء: ٢٧] (٢). ونحوه قول أبي عبيدة (٣): «تقول العرب: فلان يقدم بين يدي الإمام وبين يدي أبيه، يتعجل بالأمر والنهي دونه» (٤). ثانيا: أقوال المفسرين في معنى التقدم لقد تعددت أقوال المفسرين في المراد بالتقدم، وإن كانت تعود إلى شيء واحد، كما سنذكره بعد ذلك، وإليكها: ١ - قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة (٥) في قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. ٢ - وقال ابن عباس في رواية عطية العوفي (٦): نهوا أن يتكلموا بين

стр. 12

يدي كلامه. ٣ - وقال مجاهد: «لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حتى يقضي الله على لسانه». ٤ - وقال قتادة: ذكر لنا أن أناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، لو أنزل في كذا وكذا، قال فكره الله ذلك، وقدم فيه. ٥ - قال الحسن: هم قوم نحروا قبل أن يصلي النبي ﷺ ، فأمرهم النبي أن يعيدوا الذبح. ٦ - وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم. ٧ - وقال ابن زيد: لا تقطعوا الأمر دون الله ورسوله. ٨ - وقال سفيان (١): لا تقضوا أمرا دون رسول الله (٢). قلت: وكل هذه الأقوال حق، وهي من باب اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد (٣). فمؤداها واحد، والآية شاملة لجميعها، كما قال الألوسي في تفسيره (٤) بعد إيراده لجملة من أقوال المفسرين في ذلك: «ثم إن كل ذلك من باب بيان حاصل المعنى في الجملة».

стр. 13

المطلب الثالث: حكم التقدم بين يدي الله ورسوله، وذكر جملة من النصوص الدالة على تحريمه أولا: حكمه: لا يجوز التقدم بين يدي الله ورسوله في أي أمر من الأمور، سواء في التحليل أو التحريم أو التشريع، أو غير ذلك، فهو أمر محرم، والمؤمن منهي عنه. قال الأمين الشنقيطي موضحا حكم ذلك: « … وهذه الآية الكريمة فيها التصريح بالنهي عن التقديم بين يدي الله ورسوله، ويدخل في ذلك دخولا أوليا تشريع ما لم يأذن به الله، وتحريم ما لم يحرمه، وتحليل ما لم يحلله، لأنه لا حرام إلا ما حرمه الله، ولا حلال إلا ما أحله الله، ولا دين إلا ما شرعه الله» (١). ثانيا: النصوص الواردة في النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله في جميع الأمور: لقد جاءت جملة من الآيات مبينة أن الحكم خير الأحكام، وهو خير الفاصلين، ولا يجوز التحاكم إلى غيره، وذلك مستلزم عدم جواز التقدم بين يديه، وعدم جواز الأخذ بحكم غيره في أي أمر من الأمور، ومسلتزم للنهي عن ذلك. كما أنه مسلتزم أيضا للنهي عن التقدم بين يدي رسوله، لأن الله قد أمرنا بتحكيم رسوله في جميع شئوننا، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ النساء: ٦٥، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الحشر: ٧، وقال تعالى: ﴿وَمَا

стр. 14

كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينا﴾ الأحزاب: ٣٦، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ النساء: ٨٠؛ فمن الآيات الدالة على النهي عن التقدم بين يدي الله وأن الحكم له: ١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الحجرات: ١. ٢ - قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الأنعام: ٦]. ٣ - وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه﴾ [الشورى: ١٠]. ٤ - وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يوسف: ٤٠]. ٥ - وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]. ٦ - وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. ٧ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. ٨ - وقوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ٢٦]. ٩ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]. ١٠ - وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]. ١١ - وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] (١).

стр. 15

المبحث الثاني: النهي عن رفع الصوت عند النبي ﷺ والجهر له عند مخاطبته قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. المطلب الأول: سبب نزول الآية: روى البخاري، عن ابن أبي مليكة (١)، قال: كاد الخيّران أن يهلكا أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس (٢) أخي بن مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر (٣)، قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم

стр. 16

يذكر ذلك عن أبيه (١): يعني أبا بكر (٢). ورواه البخاري عن ابن أبي مليكة: أن عبد الله بن الزبير أخبره: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ ، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد (٣)، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فتماريا فارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ حتى انقضت الآية (٤). المطلب الثاني: التفسير الإجمالي للآية قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت رسول الله، تتجهموه (٥) بالكلام، وتغلظون له في الخطاب، يقول: «ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض». يقوله: ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا: يا محمد، يا محمد، يا نبي الله، يا نبي الله، يا رسول الله» (٦).

стр. 17

ويقول السعدي: «ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ وهذا أدب مع الرسول ﷺ في خطابه. أي: لا يرفع المخاطب له صوته معه فوق صوته، ولا يجهر له بالقول، بل يغض الصوت، ويخاطبه بأدب ولين وتعظيم وتكريم وإجلال وإعظام، ولا يكون الرسول كأحدهم، بل يميزونه في خطابهم كما تميز عن غيره في وجوب حقه على الأمة، ووجوب الإيمان به، والحب له الذي لا يتم الإيمان إلا به، فإن في عدم القيام بذلك محذورا، خشية أن يحبط عمل العبد، وهو لا يشعر، كما أن الأدب معه من أسباب حصول الثواب، وقبول الأعمال (١). المطلب الثالث: معنى رفع الصوت والجهر له لغة، وفي أقوال المفسرين أولا: لغة: الصوت: جنس لكل ما وقر في أذن السامع، وجمعه أصوات، يقال: صات يصوت صوتا، وأصات وصوت به إذا ناداه (٢). قال الراغب في قوله: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ خصص الصوت بالنهي، لكونه أعم من النطق والكلام. ويجوز أنه خصه لأن المكروه رفع الصوت فوق صوته، لا رفع الكلام (٣). الجهر بالصوت: هو رفعه وإعلانه، يقال: جهرت بالقول أجهر به، إذا أعلنته، ورجل جهير الصوت: أي عالي الصوت. وكذلك رجل جَهْوَري

стр. 18

الصوت: رفيعه، والجهر: العلانية (١). ثانيا: أقوال المفسرين في المراد برفع الصوت، والجهر له: إن الناظر في كتب التفسير يجدها قد حفظت لنا جملة من أقوال المفسرين في المراد بالنهي عن رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ ، والجهر له، وفيما يلي شيء منها: ١ - قال قتادة: كانوا يجهرون له بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فوعظهم الله، ونهاهم عن ذلك. ٢ - وقال مجاهد: في قوله: ﴿ولا تجهروا له بالقول﴾ لا تنادوه نداء، ولكن قولا لينا: يا رسول الله. ٣ - وقال الضحاك: قوله: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ هو كقوله: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ [النور: ٦٣]. نهاهم الله أن ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا، وأمرهم أن يشرِّفوه ويعظموه ويدعوه إذا دعوه باسم النبوة (٢). ٤ - وقال الزجاج: أمرهم الله بتجليل نبيه، وأن يغضوا أصواتهم، ويخاطبوه بالسكينة والوقار (٣). قلت: وحاصل هذه الأقوال واحد، وهو النهي عن رفع الصوت فوق صوته ﷺ ، إذا كانوا بحضرته، سواء كان الحديث معه أو مع غيره، كما نهوا حينما يتكلمون معه أن يكون كلامهم له ككلام بعضهم لبعض - وهو كلام الأكفاء الذين ليس لبعضهم على بعض مزية توجب الاحترام والتوقير - بل

стр. 19

يكلموه كلاما مصحوبا بتعظيمه وتوقيره واحترامه والأدب معه، وبلفظ النبوة والرسالة ونحوها. المطلب الرابع: حكم رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ والجهر له، وذكر النصوص الدالة على وجوب توقيره واحترامه وتعظيمه أولا: حكم رفع الصوت فوق صوته والجهر له: لقد دلت هذه الآية أن رفع الصوت فوق صوت النبي والجهر له من أشد الذنوب خطرا، وأعظمها إثما، بل قد يكون سببا في حبوط العمل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول (١) بعد أن ذكر الآية: « … فوجه الدلالة أن الله سبحانه نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن الجهر له كجهر بعضهم لبعض، لأن هذا الرفع والجهر قد يفضي إلى حبوط العمل، وصاحبه لا يشعر، فإنه علّل نهيهم عن الجهر وتركهم له بطلب سلامة العمل من الحبوط، وبين أن فيه من المفسدة جواز حبوط العمل، وانعقاد سبب ذلك، وما قد يفضي إلى حبوط العمل يجب تركه غاية الوجوب … ». ثم قال:: « … فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ والجهر له بالقول يخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر، ويحبط عمله بذلك، وأنه مظنة لذلك وسبب فيه، فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزير والتوقير والتشريف والتعظيم والإكرام والإجلال» ا. هـ. ثانيا: ذكر جملة من النصوص الدالة على وجوب توقير النبي، واحترامه، وتعظيمه: لقد دلت الآية التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا

стр. 20

تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. على لزوم توقير النبي ﷺ ، وتعظيمه، واحترامه، وجاء في مواضع أخر من كتاب الله ما يبين ذلك، ويؤيده، منها: ١ - قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]. على أن الضمير في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ عائد على الرسول ﷺ ، وعليه أكثر المفسرين (١). قال السعدي في بيان معنى الآية: «﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي تعزروا الرسول ﷺ ، ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي تعظموه، وتجلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة في رقابكم» (٢). ٢ - وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. قال الطبري مفسرا لهذه الآية: «فالذين صدقوا النبي الأمي، وأقروا بنبوته ﴿وعزروه﴾ يقول وقروه وعظموه، وحموه من الناس، ﴿واتبعوا النور الذي أنزل معه﴾ يعني القرآن والسنة، ﴿أولئك هم المفلحون﴾ يقول الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصف بها جل ثناؤه أتباع محمد ﷺ ، هم المفلحون المدركون ما طلبوا، ورجوا بفعلهم ذلك» (٣).

стр. 21

٣ - قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. قال قتادة في الآية: أمر الله أن يهاب نبيه، وأن يبجل، وأن يعظم، وأن يفخم، ويشرف (١). ٤ - وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]. ٥ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُون﴾ [الحجرات: ٤]. ٦ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣]. قال الأمين الشنقيطي: «وقد دلت آيات من كتاب الله على أن الله تعالى لا يخاطبه في كتابه باسمه، وإنما يخاطبه بما يدل على التعظيم والتوقير، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِي﴾ [الأنفال: ٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، مع أنه ينادي غيره من الأنبياء بأسمائهم، كقوله: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَم﴾ [البقرة: ٣٥]، وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤]، وقوله: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك﴾ [هود: ٤٦]، ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا﴾ [نوح: ٤٨]، وقوله: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٦]. أما النبي ﷺ فلم يذكر اسمه في القرآن في خطاب، وإنما يذكر في غير ذلك، كقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]،

стр. 22

وقوله: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢]، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] (١). المطلب الخامس: حكم رفع الصوت عند قبره بعد وفاته لقد قرر أهل العلم أنه كما لا يجوز رفع الصوت فوق صوته في حياته ﷺ ، كذلك لا يجوز رفع الصوت عند قبره بعد وفاته ﷺ . قال ابن كثير: «وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في حياته، لأنه محترم حيا وفي قبره، صلوات الله وسلامه عليه دائما» (٢). ويدل عليه ما رواه البخاري عن السائب بن يزيد، قال: كنت قائما في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما. قال: من أنتما -أو من أين أنتما؟ - قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ) (٣). تنبيه: أما ما يقوم به أهل البدعة والجهل عند قبره ﷺ ، من دعائه، وطلب الشفاعة منه، والتوسل به، فهو من المنكر العظيم الذي لا يجوز، لأنه صرف حق الله لغيره، وقد جاءت نصوص الكتاب بتحريمه، ومنها:

стр. 23

١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: ١٨]. و ﴿أحدا﴾ نكرة في سياق النهي، فتدل على العموم، أي لا يجوز دعاء أحد سواه، كائنا من كان فيما لا يقدر عليه إلا الله، كطلب الشفاعة، وقضاء الحوائج، وتفريج الكربات، ورد الضالة، وإعطاء الولد، وشبهه. ٢ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُون. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]. ٣ - وقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٦، ١٠٧]. ٤ - وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سباء: ٢٢، ٢٣] (١). المطلب السادس: نماذج من استجابة الصحابة للنهي عن رفع الصوت عند رسول الله إن أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم خير مثال يحتذى بعد نبينا ﷺ في تطبيق نصوص الشرع، والمبادرة في فعل الأوامر، واجتناب النواهي أو غيرها، وسرعة الاستجابة لله ورسوله، فهذا الفاروق لما قال للنبي ﷺ : يا رسول الله،

стр. 24

لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر» (١). الله أكبر ما أعظمه من جيل، وما أعلمه بربه ونبيه، وأقومه بحجة الله على خلقه، وفيما يلي ذكر شيء من استجابة الصحابة لما جاء في الآية التي نحن بصددها: ١ - ما جاء عن أبي بكر الصديق، ﵁: أخرج الحاكم عن أبي هريرة، قال: «لما نزلت: ﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله﴾ قال أبو بكر: والذي أنزل عليك الكتاب لا أكلمك إلا كاخي السرار» (٢). فقد أقسم الصديق، وهو البار بقسمه ألا يكلم رسول الله إلا كاخي السرار -أي كصاحب المساررة الذي يخفض صوته (٣)؛ استجابة لما جاء في قوله تعالى: ﴿لا ترفعوا أصواتكم﴾ [الحجرات: ٢]. ٢ - ما جاء عن عمر بن الخطاب، ﵁: يدل له ما رواه البخاري (٤) في سبب نزول قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾، وفيه: قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية حتى يستفهمه، وقد سبق.

стр. 25

٣ - ما جاء عن ثابت بن قيس بن شماس (١): رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، واللفظ له عن أنس قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ إلى ﴿وأنتم لا تشعرون﴾، وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت، فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينا، ففقده رسول الله ﷺ ، فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ ، ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ ، وأجهر له بالقول، حبط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال، فقال: «لا، بل هو من أهل الجنة»، قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قتل» (٢).

стр. 26

المبحث الثالث: النهي عن السخرية قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ [سورة الحجرات: ١١]. المطلب الأول: التفسير الإجمالي للآية يقول ابن جرير: «يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين، ﴿ولا نساء من نساء﴾ يقول: ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات، عسى المهزوء منهن أن يكن خيرا من الهازئات» (١). ويقول ابن كثير: «ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الكبر بطر الحق وغَمْص الناس» (٢). وفي رواية: «وغمط الناس» (٣). والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المحتقَر أعظم قدرا عند الله وأحب إليه من الساخر منه المحتقِر له، ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ

стр. 27

قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ (١). قلت: ولكثرة وقوع الناس من رجال ونساء في السخرية، أفرد -والله أعلم- النساء بالذكر لشدة التوكيد على ذلك، مع أن الأكثر أن الخطاب في القرآن يكون مع الرجال، ويكون النساء تبعا لهم، كما في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، ﴿يا أيها الناس﴾، ﴿إن الذين آمنوا﴾، ﴿إنما المؤمنون﴾، ﴿يوصيكم الله﴾، وغيرها، لكن خصهن بالذكر للتأكيد على شدة التحريم في حق الجميع. وقيل: بل أفرد النساء بالذكر، لأن السخرية منهن أكثر، ذكره الشوكاني (٢). وقد ذكر أهل العلم أن لفظة القوم مما يختص به الرجال (٣). ويدل لذلك قول زهير بن أبي سلمى (٤): ولا أدري ولست أخال أدري … أقوم آل حصن أم نساء (٥) المطلب الثاني: معنى السخرية لغة، وفي أقوال أهل العلم من المفسرين وغيرهم أولا: السخرية لغة: السخرية: هي الاستهزاء، يقال: سخر منه وبه سَخْرا، وسَخَرا، ومَسْخَرا، وسُخْرا بالضم، وسُخْرَة، وسِخرِيا، وسُخْرِيا، وسُخْرِية: هزئ به (٦). قال الفراء: يقال: سخرت منه، ولا يقال: سخر به، واستدل بقوله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١]، وقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وقوله: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُم﴾ [هود: ٣٨] (٧).

стр. 28

وحكى الجوهري (١)، عن أبي زيد (٢): سخرت به، وهو أردأ اللغتين. وقال الأخفش (٣): سخرت منه، وسخرت به، وضحكت منه، وضحكت به، وهزءت منه، وهزئت به، كل يقال (٤). ثانيا: السخرية في أقوال المفسرين وغيرهم لقد تكلم المفسرون على المعنى المراد بقوله: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ فمن أقوالهم: ١ - قال مجاهد: هو سخرية الغني بالفقير. ٢ - وقال ابن زيد: لا يسخر من ستر الله ذنوبه ممن كشفه الله. ٣ - قال الطبري بعد إيراد القولين السابقين: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله عم بنهيه المؤمنين أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك» (٥).

стр. 29

قلت: وهذا هو القول الصواب في تفسير هذه الآية. هذا ما يتعلق بأقوال المفسرين في الآية التي نحن بصددها، وقد تناول العلماء تعريف السخرية، والمراد بها مطلقا، فمن ذلك: ١ - ما عرفها به الغزالي في الإحياء، حيث قال: السخرية هي الاستحقار والاستهانة، والتنبيه على العيوب والنقائص بوجه يضحك منه، وقد تكون بالمحاكاة بالفعل والقول، وقد يكون بالإشارة أو الإيماء (١). ٢ - وعرفها بعضهم: بأنها ذكر الشخص بما يكره على وجه مضحك بحضرته (٢). ٣ - واختار الألوسي: أنها احتقار الشخص قولا أو فعلا على وجه مضحك (٣). المطلب الثالث: حكم السخرية، وما ورد مني النهي عنها أولا: حكم السخرية: السخرية محرمة بإجماع أهل العلم، وكبيرة من كبائر الذنوب، يجب على المسلم تجنبها، والحذر منها، وهي من صفات المنافقين والكافرين (٤).

стр. 30

ثانيا: النصوص الدالة على تحريم السخرية: كما حرم الله السخرية في هذه الآية الكريمة، جاءت النصوص في الكتاب والسنة دالة على ذلك، فمنها: ١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩]. فقد أخبر الله أن السخرية بالمؤمنين من صفات المنافقين، فعاقبهم بالسخرية منهم، والعذاب الأليم على ذلك الجرم العظيم. ٢ - قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢]. فقد ذكر الله السخرية بالمؤمنين من صفات الكافرين المترفين، وذكر أن المؤمنين فوقهم، ويسخرون منهم يوم القيامة. ٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُون. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ. وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ. فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففون: ٢٩ - ٣٦]. قال ابن كثير ﵀ مبينا دلالة هذه الآيات: يخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين أي يستهزئون بهم ويحتقرونهم وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم أي محتقرين لهم ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ أي وإذا انقلب أي رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم انقلبوا إليها فاكهين أي مهما طلبوا وجدوا ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحقرونهم ويحسدونهم ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ أي لكونهم على غير دينهم قال الله تعالى ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ أي وما بعث هؤلاء المجرمون

стр. 31

حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر منهم من أعمالهم وأقوالهم ولا نسوا هم فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم كما قال تعالى ? ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١١١] ولهذا قال ها هنا ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أي في مقابلة ما ضحك بهم أولئك ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ (٣٦) أي إلى الله في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون وليسوا بضالين بل هم من أولياء الله المقربين ينظرون إلى ربهم في دار كرامته وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي هل جوزي الكفار على ماكانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقيص أم لا يعني قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله" (١). ٤ - ومنها مارواه مسلم، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (٢). فقد دل الحديث على أنه يكفي المسلم شرا احتقاره لأخيه، والاحتقار من السخرية. ٥ - ما رواه البخاري، ومسلم واللفظ له، عن أبي بكرة، ﵁،

стр. 32

قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: «أي شهر هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: «أليس ذا الحجة؟». قلنا: بلى، قال: «فأي بلد هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس البلدة؟»، قلنا: بلى. قال: «فأي يوم هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟»، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا … » (١). ففي هذا الحديث شدة تحريم الأعراض، والسخرية استهزاء بها واحتقار لها. ٦ - ما رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، عن عائشة، ﵂، قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا، تعني قصيرة، فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته (٢)، قالت: وحكيت له إنسانا، فقال: «ما أحب أني حكيت إنسانا، وأن لي كذا وكذا» (٣).

стр. 33

المبحث الرابع: النهي عن اللمز والتنابز بالألقاب قال تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. المطلب الأول: سبب نزول الآية أخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي عن أبي جَبيرة بن الضحاك (١)، قال: «فينا نزلت في بني سلمة ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دُعي أحد منهم باسم من تلك الأسماء، قالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا فنزلت: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾» (٢).

стр. 34

المطلب الثاني: التفسير الإجمالي للآية يقول تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ أي: لا يطعن بعضكم على بعض، ولا يعب بعضكم بعضا، وهذا كقوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النور: ٦١]، لأن المؤمنين كالنفس الواحدة، فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنه عاب نفسه، فينبغي أن يكون حالهم كالجسد الواحد، ولأنه إذا همز غيره أوجب للغير أن يهمزه، فيكون كالمتسبب بذلك. ثم قال: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ أي: لا تتداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها، ولا يعير بعضكم بعضا، وهذا هو التنابز، وأما الألقاب غير المذمومة فلا تدخل في هذا. ثم قال تعالى: ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ أي: بئس الصفة والاسم الفسوق، وهو التنابز بالألقاب، كما كان أهل الجاهلية يتناعتون بعد ما دخلتم في الإيمان، وعقلتموه، ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ ومن لم يتب من نبز أخيه بما نهى الله عن نبزه به من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم، لتعريضها لعقوبة الله وعذابه، لأن الناس قسمان لا ثالث لهما، إما ظالم لنفسه غير تائب، وإما تائب مفلح (١). وفي قوله: ﴿ولا تلمزوا﴾ قراءتان: قرأ يعقوب: (ولا تلمُزوا) بضم الميم، وقرأ الباقون بكسر الميم (٢).

стр. 35

وهما لغتان في الكلمة، لا يختلف المعنى باختلافهما (١). المطلب الثالث: معنى اللمز والنبز بالألقاب لغة، وفي كلام المفسرين أولا: اللمز لغة: اللمز: هو العيب، وقيل: العيب بالسر، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، يقال: لمزه يلمُزه ويلمِزه لمزا، إذا عابه، ورجل لمّاز ولمُزة، أي: عيَّاب. ويأتي اللمز أيضا بمعنى الدفع والضرب، يقال: لمزه يلمزه لمزا، إذا ضربه ودفعه (٢). واللمزة والهمزة بمعنى واحد، وهو الذي يغتاب الناس ويغضهم قاله الزجاج، وأبو عبيدة. وفرق بينهما أبو العالية، والحسن، وعطاء، فقالوا: الهمزة: الذي يغتاب الرجل في وجهه. واللمزة: الذي يغتاب من خلفه. وقال مجاهد: الهمزة باليد والعين، واللمزة باللسان (٣). ثانيا: النبز لغة: النبز -بالتحريك- اللقب، والجمع الأنباز، والنبز بالتسكين المصدر، تقول: نبزه نبزا، أي: لقبه، وفلان ينَبِّز بالصبيان، أي: يلقبهم، شدد للكثرة. ويقال: النبز، والنزب لقب السوء، وتنابزوا بالألقاب، أي: لقب بعضهم بعضاً (٤).

стр. 36

والألقاب: جمع لقب، هو النبز، وهم اسم يسمى به الإنسان غير اسمه الأصلي، ويراعى فيه المعنى، بخلاف الأعلام، والألقاب ثلاثة: لقب تشريف، ولقب تعريف، ولقب تسخيف، وإياه قصد بقوله: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾، ولقبته بكذا فتلقب (١). ثالثا: أقوال المفسرين في المراد باللّمز: ذكر المفسرون معنيين للّمز الوارد في الآية، وهما: ١ - قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: لا يطعن بعضكم على بعض (٢). ٢ - وقال الضحاك: لا يلعن بعضكم بعضا (٣). قلت: المعنى واحد، لأن لعن بعضهم بعضا من طعن بعضهم على بعض. رابعا: أقوال المفسرين في المراد بالنبز بالألقاب: لقد تعددت أقوال المفسرين في المراد بالتنابز بالألقاب، وهي متقاربة في المعنى، منها: ١ - قال ابن عباس في رواية العوفي: هي تعيير التائب بسيئات قد كان عملها. ٢ - قال ابن عباس في رواية أخرى، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء

стр. 37

الخراساني، والقرظي: هو تسمية المسلم بعد إسلامه بدينه قبل الإسلام، كقولهم: يا يهودي، يا نصراني. ٣ - قال عكرمة: هو قول الرجل للرجل: يا كافر، يا منافق. ٤ - قال ابن زيد: هو تسمية المسلم بالأعمال السيئة، كقوله: يا زاني، يا سارق، يا فاسق (١). قلت: والآية شاملة لجميع ما ذكر، كما حققه إمام المفسرين الطبري بقوله: «والذي هو أولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب، أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب، والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعم الله بنهيه ذلك، لم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفه يكرهها، وإذا كان ذلك كذلك صحت الأقوال التي قالها أهل التأويل في ذلك التي ذكرناها كلها، ولم يكن بعض ذلك أولى بالصواب من بعض، لأن كل ذلك مما نهى الله المسلمين أن ينبز بعضهم بعضا» ا. هـ (٢). المطلب الرابع: حكم اللمز والتنابز بالألقاب، وما ورد من النهي عن ذلك أولا: حكم اللمز والتنابز بالألقاب:

стр. 38

أ- حكم اللمز: لا يجوز لمز المسلم لأخيه، وقد حرم الله ذلك، كما هو صريح قوله: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾، وهو نهي صريح، والنهي يقتضي التحريم، مع ما تأيد به من النصوص الأخرى الدالة على المنع، وستأتي قريبا. ب- حكم التنابز بالألقاب: لا يجوز التنابز بالألقاب إذا كان بما يكرهه المسلم، وقد حكى النووي اتفاق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره، وسواء كان صفة له، أو لأبيه، أو لأمه، أو غيرهما (١). وإن كان بما لا يكرهه الشخص، أو يعجبه ولا اطراء فيه، فهو جائز أو مستحب، كما لقب النبي ﷺ أبا بكر بالصديق، وعمر بالفاروق، وعثمان بذي النورين، ونحو ذلك (٢). ولهذا عقد البخاري في كتاب الأدب من صحيحه ترجمة لذلك، فقال: باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم: الطويل والقصير، وقال النبي ﷺ : «ما يقول ذو اليدين»، وما لا يراد به شين الرجل. وأورد فيه حديث أبي هريرة، قال: «صلى بنا النبي ﷺ الظهر ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، ووضع يده عليها -وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه- وخرج سَرَعان (٣) الناس، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي

стр. 39

القوم رجل كان النبي ﷺ يدعوه ذا اليدين، فقام فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم وضع قبل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر». قال الحافظ ابن حجر، شارحا لذلك: «هذه الترجمة معقودة لبيان حكم الألقاب، وما لا يعجب الرجل أن يوصف به مما هو فيه، وحاصله: أن اللقب إن كان مما يعجب الملقب ولا اطراء فيه، مما يدخل في نهي الشرع، فهو جائز، أو مستحب، وإن كان مما لا يعجبه فهو حرام أو مكروه، إلا أن يعين طريقا إلى التعريف به، حيث يشتهر به، ولا يتميز عن غيره إلا بذكره، ومن ثم أكثر الرواة من ذكر الأعمش، والأعرج، ونحوهما، وعارم، وغندر، وغيرهم، والأصل فيه قوله ﷺ لما سلم من ركعتين في صلاة الظهر: «أكما يقول ذو اليدين» (١). ثانيا: ذكر النصوص الواردة في النهي عن اللمز، والتنابز بالألقاب: لقد صان الشرع أعراض المسلمين من النيل منها بغير وجه حق، فحرم اللمز والتنابز بالألقاب، لما يورثه ذلك من التباغض والعداوة، وذلك في جملة من النصوص منها: الأول: قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. فقد حرم الله اللمز والتنابز من عدة وجوه، وهي: ١ - النهي عن اللمز والتنابز بالألقاب في ﴿ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب﴾، والنهي يقتضي التحريم. ٢ - التحذير منه والتنفير ب «بئس» الدالة على الذم. ٣ - وصفه بالفسوق في قوله: ﴿بئس الاسم الفسوق﴾، والفسوق هو

стр. 40

الخروج عن طاعة الله إلى معصيته. ٤ - ما تشعر به دلالة الآية من قبحه بعد الإيمان، ومنافاته له. ٥ - التحذير والتهديد والوعيد لمن لم يتب منه، بقوله: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾. ٦ - وصف فعلته بأنهم هم الظالمون، أي: الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها، وذلك بتعريضها لعقوبة الله وسخطه. الثاني: قوله تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ [الهمزة: ١]. الثالث: ما رواه البخاري، ومسلم عن أبي بكرة، وفيه: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في يومكم هذا» (١). فاللمز والتنابز بالألقاب داخل في النهي عن التعرض للأعراض. الرابع: ما رواه البخاري، ومسلم عن أبي ذر، وفيه: أنه ساب رجلا فعيره بأمه، وفي رواية: «وكانت أمه أعجمية، فنلت منها» (٢)، وفي رواية: «قلت: يا ابن السوداء» (٣). فقال له النبي ﷺ : «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك
следующие страницы →