← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1297

الاستشفاء بالقرآن الكريم

علي بن غازي التويجري

Полный текст (69 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾ [النساء: ١]، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]؛ أما بعد (١): فمن رحمة الله بعباده المؤمنين أن أنزل عليهم كتابه العظيم، نزله على قلب

стр. 2

خاتم النبيين وأفضلهم أجمعين ﷺ ، وجعله بينهم يقرؤونه ويرجعون إليه متى شاءوا، في جميع شؤونهم، مع تكفله جلَّ وعلا بحفظه وعدم وصول يد التحريف والتبديل إليه، بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وجعله هدى، ونوراً، وشفاء، وحكماً عدلاً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وإن مما ينبغي للمسلم العناية به: الاستشفاء بهذا القرآن العظيم من جميع الأدواء الحسية والمعنوية: أدواء القلوب وأدواء الأبدان، وهذا من تمام التصديق والعمل به، وما أحوجنا إلى ذلك خاصة في هذه الأزمنة التي كثر فيها الشر وأهله، وكثرت الأدواء التي لا تعرف. وقد رغبت أن أكتب في هذا الموضوع مذكراً نفسي ومن يطلع عليه من إخواني المسلمين، عسى أن يكون عوناً ومذكرا ومبصرا، والله حسبي عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، فإن أصبت فمحض فضل الله علي، وهو ما قصدت، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، فأستغفر الله وأتوب إليه، وقد سميته: «الاستشفاء بالقرآن الكريم». أهمية الموضوع وأسباب الاختيار: تتلخص أهمية الموضوع وأسباب اختياره فيما يلي: ١) إن سعادة الأمة كامنة في رجوعها إلى كتاب ربها، والعمل بما فيه، فكل ما يردُّها إليه ويحملها على العمل بما فيه فهو من الأهمية بمكان. ٢) إرشاد المسلمين إلى التداوي بكتاب الله والتذكير به. ٣) عدم تعرض كثير من المفسرين لهذا الموضوع بشيء من البسط. ٤) كثرة الأدواء في هذه الأزمنة والتي لا يكاد يعرف لها دواء في الطب الحديث، بينما دواءها موجود في كتاب الله، كما سيأتي بيان ذلك.

стр. 3

٥) إيضاح ما ورد من نصوص الكتاب والسنة التي تدل على الاستشفاء بكتاب الله. ٦) معرفة الصفات الواردة عن النبي ﷺ في الاستشفاء بالقرآن، حتى يكون المسلم على بينة من أمره. ٧) المساهمة في نفع المسلمين وتفريج كربات بعض المصابين. ٨) المساهمة في الدفاع عن المسلمين ورد كيد أعدائهم من شياطين الجن والإنس، كالسحرة والمشعوذين ومن يطلبون منهم أذية المسلمين، وذلك حسب الطاقة والمستطاع. ٩) تنبيه الرقاة والمسترقين لما يشرع لهم عند الاستشفاء بالقرآن، وتحذيرهم من بعض المخالفات في ذلك. خطة البحث: إن الخطة التي سوف تتم الكتابة في البحث من خلالها بإذن الله ستكون كالتالي: مقدمة: وتشتمل على أهمية البحث، وأسباب الكتابة فيه، وقد مرت قريباً. صلب الموضوع: وفيه مبحثان: المبحث الأول: الأدلة من الكتاب والسنة على مشروعية الاستشفاء بالقرآن. وتحته مطلبان: المطلب الأول: نصوص القرآن الدالة على الاستشفاء بالقرآن وتفسيرها. المطلب الثاني: ذكر نصوص السنة الدالة على الاستشفاء بالقرآن وبيانها. المبحث الثاني: كيفية الاستشفاء بالقرآن، وصفات الراقي والمرقي، ومحاذير يجب تجنبها.

стр. 4

وتحته أربعة مطالب: المطلب الأول: ذكر الصفات الواردة عن النبي ﷺ في كيفية التداوي بالقرآن والسنة. المطلب الثاني: الصفات الواجب توافرها في الراقي. المطلب الثالث: الصفات الواجب توافرها في المرقي. المطلب الرابع: محاذير يجب تجنبها. الخاتمة: وفيها أذكر ما توصلت إليه من نتائج. الفهارس: وسيأتي تفصيلها في منهج البحث. منهج البحث: تمت الكتابة بحمد الله في هذا البحث وفق المنهج التالي: ١ - عزو الآيات المستشهد بها إلى سورها، وذلك بذكر اسم السورة، ورقم الآية عند نهاية المستشهد به منها داخل المتن. ٢ - تخريج الأحاديث من كتب السنة المعتمدة. ٣ - الالتزام في الاستدلال بذكر الأحاديث الصحيحة، مع بيان من صححها من أهل العلم، ما لم تكن في الصحيحين، أو أحدهما. ٤ - ترجَمَةُ الأعلامِ الواردة، ما لم تكن مشهورة. ٥ - توثيق ما أورده من أقوال أهل العلم، أو تعريفاتهم، أو النقول عنهم بعزوها إلى مصادرها. ٦ - شرح الكلمات التي تحتاج إلى بيان وإيضاح. ٧ - تذييل البحث بفهارس علمية كالتالي:

стр. 5

أ- فهرس الآيات القرآنية. ب- فهرس الأحاديث النبوية. ج- فهرس الأعلام. د - فهرس المراجع والمصادر. هـ - فهرس الموضوعات. هذا والله أسأل التوفيق، والسداد، والإعانة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 6

المبحث الأول الأدلة من الكتاب والسنة على مشروعية الاستشفاء بالقرآن الكريم وتحته مطلبان: المطلب الأول: نصوص القرآن الدالة على الاستشفاء بالقرآن وتفسيرها. الآية الأولى: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. تفسير الآية: ينادي الله عباده بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فعم جميع الخلق؛ لأن هذا القرآن مخاطب به الجميع ومأمور بالعمل بما فيه، فهو موعظة للجميع، ولا يختص به أهل الإيمان دون غيرهم. ثم أخبر أنه ﴿موعظة﴾ أي: عظة وتذكرة من الله لعباده، يتذكر بها الموفقون، وأنه ﴿شفاء﴾ والشفاء: ما يبرئ السقم. ﴿لما في الصدور﴾: وهي القلوب، فهو شفاء لها من الجهل، والغي، والشبهات، والشهوات. ﴿وهدى﴾: يهتدى به من الضلالة. ﴿ورحمة للمؤمنين﴾: وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون به دون من سواهم. يقول الطبري مبينا معنى الآية: «يقول تعالى ذكره لخلقه: ﴿يا أيها الناس قد

стр. 7

جاءتكم موعظة من ربكم﴾ يعني: ذكرى تذكِّركم عقابَ الله، وتخوِّفكم وعيده، ﴿من ربكم﴾ يقول: من عند ربكم، لم يختلقها محمد ﷺ ، ولم يفتعلها أحدٌ، فتقولوا: لا نأمن أن تكون لا صحةَ لها، وإنما يعني بذلك - جلّ ثناؤه- القرآنَ، وهو الموعظة من الله. وقوله: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ يقول: ودواءٌ لما في الصدور من الجهل يشفي به الله جهل الجهال، فيبرئ به داءهم، ويهدي به من خلقِه من أراد هدايته به، ﴿وَهُدى﴾ يقول: وهو بيانٌ لحلال الله وحرامه، ودليلٌ على طاعته ومعصيته، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يرحم بها من شاء من خلقه، فينقذه به من الضلالة إلى الهدى، وينجيه به من الهلاك والردى، وجعله ﵎ رحمة للمؤمنين به دون الكافرين به؛ لأن من كفر به فهو عليه عمى، وفي الآخرة جزاؤه على الكفر به الخلود في لظى» (١). ويقول ابن كثير ﵀: «يقول تعالى ممتنا على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: زاجر عن الفواحش، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه، كقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] (٢). ويزيد السعدي ﵀ معنى الآية إيضاحاً وبياناً، فيقول: «﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ «وهو هذا القرآن شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد

стр. 8

للشرع، وأمراض الشبهات القادحة في العلم اليقيني؛ فإن ما فيه من المواعظ، والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة، وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، ونمتا على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن أوجب ذلك تقديم مراد الله على مراد النفس، وصار ما يرضي الله أحب إلى العبد من شهوة نفسه، وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرَّفها الله غاية التصريف، وبينها أحسن بيان، مما يزيل الشبه القادحة في الحق، ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين، وإذا صح القلب من مرضه، ورفل بأثواب العافية تبعته الجوارح كلها؛ فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فالهدى: هو العلم بالحق والعمل به، والرحمة: هي ما يحصل من الخير، والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى به، فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدي به ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين، وإذا حصل الهدى وحلت الرحمة الناشئة عنه حصلت السعادة، والفلاح، والربح، والنجاح، والفرح، والسرور» (١). فائدة في وجه اختصاص المؤمنين بما في القرآن من الهدى والرحمة والشفاء: لقد اختص الله المؤمنين بكون القرآن لهم هدى، وشفاء، ورحمة؛ لأنهم هم الذين يؤمنون به، ويعملون بما فيه، ويهتدون بهديه، ويتعظون بمواعظه، وأما الكفار فإنهم لما أعرضوا عنه، وكفروا به، حرموا هدايته وما فيه من الخير، كما بين ذلك أهل التفسير. قال قتادة: «جعل الله هذا القرآن هدى وبشرى للمؤمنين؛ لأن المؤمن إذا سمع القرآن حفظه، ووعاه، وانتفع به، واطمأن إليه، وصدق بموعود الله الذي

стр. 9

وعده فيه، وكان على يقين من ذلك» (١). وقال الطبري: «فإن قال لنا قائل: أو ما كتاب الله نوراً إلا للمتقين، ولا رشاداً إلا للمؤمنين؟ قيل: ذلك كما وصفه ربنا ، ولو كان نوراً لغير المتقين، ورشاداً لغير المؤمنين لم يخصص الله المتقين بأنه لهم هدى، بل كان يعم به جميع المنذرين، ولكنه هدى للمتقين، وشفاء لما في صدور المؤمنين، ووقر في آذان المكذبين، وعمي لأبصار الجاحدين، وحجة لله بالغة على الكافرين، فالمؤمن به مهتد، والكافر به محجوج» (٢). ويقول الفخر الرازي: «فإن قيل: ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟ الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى إنما خصهم بذلك؛ لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب، فهو كقوله تعالى: ﴿هدى للمتقين﴾ [البقرة: ٢] والثاني: أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين؛ وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم، وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين؛ فلهذا خصهم الله به» (٣). وقد بين الأمين الشنقيطي ﵀ الآيات الدالة على اختصاصه بالمؤمنين، فقال: «صرح في هذه الآية (٤) بأن هذا القرآن ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويفهم من مفهوم

стр. 10

الآية أعني: مفهوم المخالفة، المعروف بدليل الخطاب: أن غير المتقين ليس هذا القرآن هدى لهم، وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [فصلت: ٤٤]، وقوله ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقوله ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [المائدة: ٦٤] الآيتين» (١). وبهذا يتبين وجه اختصاص أهل الإيمان بالقرآن اهتداء به، واستشفاء به، وعملا بما فيه، ولله الحمد والمنة على ذلك. دلالة الآية على الاستشفاء بالقرآن: لقد أخبر الله في هذه الآية أن القرآن شفاء لما في الصدور، وهي القلوب، وهي محل الشبهات، والشهوات، والجهل، والهموم، والغموم من الإنسان، والإنسان مركب على قلبه صلاحاً وفساداً، وفي إخبار الله بذلك عن القرآن دليل على شرعية الاستشفاء به، من كل ما يعرض للقلب، فعلى من رام شفاء قلبه أن يقبل على هذا القرآن تلاوةً وعملاً واستشفاءً، فهو شفاء محض لا تشوبه شائبة. ومن النكت اللطيفة في الآية: أن الله وصف القرآن بأنه شفاء، ولم يصفه بأنه دواء، وهذا يدل على تحقق حصول النتيجة عند الاستشفاء به، وهي زوال الداء

стр. 11

بخلاف الدواء؛ فإنه قد يحصل به الشفاء وزوال الداء، وقد لا يحصل، فالحمد لله على منه، وكرمه، وجعله كلامه بين أيدينا، نقرأه ونستشفي به متى شئنا، لا يحول بيننا وبينه أحد. قال ابن القيم ﵀ في تقرير شفاء القرآن: «فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به بصدق وإيمان وقبول تام، واعتقاد جازم واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبدا. وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء؟ الذي لو نزل على الجبال لصدعها وعلى الأرض لقطعها، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه، وسببه، والحمية منه، لمن رزقه الله فهما في كتابه، وأما الأدوية القلبية، فإنه يذكرها مفصلة، ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها، قال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، فمَن لم يَشْفِه القرآن، فلا شفاه الله، ومَن لم يَكفِه، فلا كفاه الله» (١). الآية الثانية: قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [الإسراء: ٨٢]. تفسير الآية: يبين الله عظيم منته على عباده، حيث أنزل عليهم قرآنا جعله شفاء لأهل الإيمان منهم، من الأهواء، والشبهات، والضلال، وسائر الأدواء، وجعله رحمة لهم وموصلا لهم إلى رحمة الله، بخلاف الكفرة الظالمين؛ فإنه لا يزيدهم إلا خساراً وضلالاً وهلاكاً.

стр. 12

يقول الطبري شارحا للآية ومبينا لها: «يقول تعالى ذكره: وننزل عليك يا محمد من القرآن ما هو شفاء، يستشفى به من الجهل من الضلالة، ويبصر به من العمى للمؤمنين، ورحمة لهم دون الكافرين به؛ لأن المؤمنين يعملون بما فيه من فرائض الله، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه، فيدخلهم بذلك الجنة، وينجيهم من عذابه، فهو لهم رحمة ونعمة من الله أنعم بها عليهم، ﴿وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ يقول: ولا يزيد هذا الذي ننزل عليك من القرآن الكافرين به، ﴿إلا خسارا﴾ يقول: إهلاكا؛ لأنهم كلما نزل فيه أمر من الله بشيء، أو نهى عن شيء كفروا به، فلم يأتمروا لأمره، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه، فزادهم ذلك خسارا إلى ما كانوا فيه قبل ذلك من الخسار، ورجسا إلى رجسهم قبل» (١). ويقول ابن كثير شارحا للآية أيضا: «يقول تعالى مخبرا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ ، وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، إنه شفاء ورحمة للمؤمنين، أي: يذهب ما في القلوب من أمراض من شك، ونفاق، وشرك، وزيغ، وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضاً رحمة يحصل فيها الإيمان، والحكمة، وطلب الخير، والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به، وصدقه، واتبعه؛ فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدا وكفرا، والآفة من الكافر لا من القرآن» (٢). فائدة: في بيان أن القرآن كله شفاء لا بعضه، وأن ﴿من﴾ في قوله تعالى: ﴿من القرآن﴾ بيانية، لا تبعيضية: لقد اختلف المفسرون في نوع ﴿من﴾ في قوله تعالى في هذه الآية: ﴿من

стр. 13

القرآن﴾ على ثلاثة أقوال، هي: القول الأول: إنها لبيان الجنس، قاله الزمخشري (١)، وابن عطية (٢)، وأبو البقاء (٣). والقول الثاني: إنها للتبعيض، قاله الحوفي (٤). والقول الثالث: إنها لابتداء الغاية، وبه جزم أبو حيان (٥)، والشوكاني (٦). والراجح: هو القول الأول: إنها لبيان الجنس، وإن جميع القرآن شفاء، كما جزم بذلك ابن القيم (٧)، والشوكاني، والشنقيطي (٨) وغيرهم، ويدل له ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] حيث أخبر أن القرآن جميعه شفاء لما في الصدور، ولم يقتصر على شيء منه دون شيء. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ

стр. 14

هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. ووجه الاستدلال: أن الله أمر نبيه ﷺ أن يخبر أن هذا القرآن كله هدى وشفاء للمؤمنين، وتخصيص عموم الآيتين السابقتين يحتاج إلى دليل، ولا دليل، بل هاتان الآيتان مبينتان لآية الإسراء وموضحتان لها. دلالة الآية على الاستشفاء بالقرآن: لقد دلت هذه الآية الكريمة أن القرآن الكريم كله شفاء ورحمة للمؤمنين، والشفاء: حقيقته زوال الداء، فدل على مشروعية الاستشفاء بما جعله الله شفاء مزيلا للأدواء، وإن من مقتضى الإيمان بالقرآن وتصديقه: العمل بما فيه، ومن ذلك: الاستشفاء به من سائر الأدواء تصديقا وعملا بالآيات التي جاء فيها الإخبار بأنه شفاء. قال ابن القيم: «ومن المعلوم أنَّ بعض الكلام له خواصُّ ومنافعُ مُجرَّبة، فما الظنُّ بكلام ربّ العالمين!، الذي فَضْلُهُ على كل كلامٍ كفضلِ اللهِ على خلقه، الذي هو الشفاءُ التام، والعِصْمةُ النافعة، والنورُ الهادي، والرحمة العامة، الذي لو أُنْزِلَ على جبل لتَصَدَّعَ من عظمته وجلالته، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، و ﴿مِنْ﴾ ههنا لبيان الجنس، لا للتبعيض، هذا أصَحُّ القولين» (١). الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].

стр. 15

تفسير الآية: يبين الله في هذه الآية الكريمة شدة تعنت الكفار وأعراضهم عن القرآن وعدم إيمانهم به، فلو جعل أعجميا لقالوا هلّا فصلت آياته، فهم كما لم يؤمنوا به مع كونه عربيا فلن يؤمنوا به لو جعله الله أعجميا. يقول ابن كثير: «لما ذكر تعالى القرآن، وفصاحته، وبلاغته، وإحكامه في لفظه ومعناه، ومع هذا لم يؤمن به المشركون نبه على أن كفرهم به كفر عناد وتعنت، كما قال : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِين فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨_ ١٩٩]، وكذلك لو أنزل القرآن كله بلغة العجم لقالوا على وجه التعنت والعناد: ﴿لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي﴾ أي: لقالوا: هلا أنزل مفصلا بلغة العرب، ولأنكروا ذلك، فقالوا: أعجمي وعربي؟! أي: كيف ينزل كلام أعجمي على مخاطب عربي لا يفهمه؟!، هكذا روي هذا المعنى عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي وغيرهم» (٢). ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. يبين الله جل وعلا أن القرآن للمؤمنين هدى يهتدون به من الضلالة إلى الحق، وشفاء لأبدانهم من الإمراض الحسية، ولقلوبهم من الشبهات والشهوات والجهل. يقول ابن كثير: «قال : ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء﴾ أي: قل يا محمد، هذا القرآن لمن آمن به هدى لقلبه وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب، ﴿والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر﴾ أي: لا يفهمون ما فيه، ﴿وهو عليهم عمى﴾ أي: لا يهتدون إلى ما فيه من البيان، كما قال : ﴿وننزل من

стр. 16

القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا﴾. ﴿أولئك ينادون من مكان بعيد﴾ قال مجاهد: يعني بعيد من قلوبهم، قال ابن جرير: معناه كأن من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد، لا يفهمون ما يقول، قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ [البقرة: ٢٣] وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة بأشنع أسمائهم» (١). ويقول السعدي: «قوله: ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء﴾ أي: يهديهم لطريق الرشد والصراط المستقيم، ويعلمهم من العلوم النافعة ما به تحصل الهداية التامة، وشفاء لهم من الأسقام البدنية والأسقام القلبية؛ لأنه يزجر عن مساوئ الأخلاق وأقبح الأعمال، ويحث على التوبة النصوح التي تغسل الذنوب وتشفي القلب، ﴿والذين لا يؤمنون﴾ بالقرآن ﴿في آذانهم وقر﴾ أي: صمم عن استماعه وإعراض، ﴿وهو عليهم عمى﴾ أي: لا يبصرون به رشدا، ولا يهتدون به، ولا يزيدهم إلا ضلالا؛ فإنهم إذا ردوا الحق ازدادوا عمى إلى عماهم وغيا إلى غيهم، ﴿أولئك ينادون من مكان بعيد﴾ أي: ينادون إلى الإيمان ويدعون إليه فلا يستجيبون، بمنزلة الذي ينادي وهو في مكان بعيد، لا يسمع داعيا ولا يجيب مناديا، والمقصود: أن الذين لا يؤمنون بالقرآن لا ينتفعون بهداه، ولا يبصرون بنوره، ولا يستفيدون منه خيرا؛ لأنهم سدوا على أنفسهم أبواب الهدى بإعراضهم وكفرهم» (٢). فائدة: في بيان أن شفاء القرآن ليس خاصا بالقلوب، بل عام لها وللأبدان. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

стр. 17

القول الأول: قال الحسن: إنه شفاء للقلوب فقط (١). والقول الثاني: ذهب الجمهور إلى أن القرآن يتضمن شفاء الأبدان، كما يتضمن شفاء القلوب (٢)، وهو الراجح؛ لأن الأصل في دلالة الألفاظ أن تحمل على العموم، وقصرها على بعض إفرادها يحتاج إلى دليل يدل على المدعى، وإن حمل الآيات الدالة على أن القرآن شفاء على عمومها هو المتعين، فالقرآن كله شفاء، وشفاء أيضا لكل داء، سواء أدواء القلوب أو أدواء الأبدان، ويؤكد رجحان هذا القول ما جاء في السنة من قول النبي ﷺ وفعله، وتقريره لأصحابه في الاستشفاء بالقرآن من الأمراض البدنية، كما سيأتي مفصلا في المطلب التالي، وهو: «ذكر نصوص السنة الدالة على الاستشفاء بالقرآن وبيانها» (٣). دلالة الآية على الاستشفاء بالقرآن: دلت هذه الآية الكريمة على أن القرآن الكريم للمؤمنين هدى، يهتدون به من الضلالة، وشفاء يستشفون به من كل داء، بخلاف الكافرين فإن في آذانهم وقرا ولا يزدادون به إلا عمى وبعدا عن الحق، وهذا دليل واضح على أنه لابد من الإيمان بالله لمن أراد الانتفاع بهذا القرآن العظيم اهتداء أو استشفاء.

стр. 18

المطلب الثاني: ذكر نصوص السنة الدالة على الاستشفاء بالقرآن وبيانها. لقد جاءت سنة النبي ﷺ دالة على مشروعية الاستشفاء بالقرآن الكريم من قوله وفعله وتقريره، وفيما يلي ذكر جملة من الأحاديث الدالة على ذلك: الحديث الأول: ما اتفق عليه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ (١) سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم (٢): نعم، والله إني لأرقي، ولكن - والله- لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم، حتى تجعلوا لنا جعلا (٣)، فصالحوهم على قطيع من الغنم (٤)، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (٥)، فكأنما نشط من عقال (٦)، فانطلق

стр. 19

يمشي وما به قلبة (١)، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ ، فذكروا له، فقال: ((وما يدريك أنها رقية؟))، ثم قال: ((قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهما)) فضحك رسول الله ﷺ (٢). الحديث الثاني: ما رواه البخاري، والدارقطني، وابن حبان، والبيهقي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرًا (٣) مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرُّوا بِحَي مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَفِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَقَالُوا: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ فِي الْمَاءِ لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَرَقَاهُ عَلَى شَاءٍ، فَبَرَأَ، فَلَمَّا أَتَى أَصْحَابَهُ كَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ)) (٤).

стр. 20

بيان دلالة الحديث على الاستشفاء بالقرآن: لقد دل هذا الحديث العظيم بطريقيه على مشروعية الاستشفاء بالقرآن الكريم من عدة وجوه: الأول: قراءة أبي سعيد ﵁ سورة الفاتحة على اللديغ، وشفاؤه من أثر اللدغ، حتى إنه قام وكأنما نشط من عقال، وهذا يدل على سرعة تأثير هذه السورة العظيمة على المريض، وأن القرآن شفاء. الثاني: إقرار النبي ﷺ لأبي سعيد على ذلك بقوله: ((وما يدريك أنها رقية)). الثالث: تصويب النبي ﷺ وتحسينه لفعل الصحابة ذلك بقوله: ((أصبتم))، وفي لفظ: ((أحسنتم)) (١). الرابع: طلب النبي ﷺ من الصحابة أن يقسموا له من الجعل يدل على تمام حله، ومشروعية السبب الذي حصل به الجعل، وهو الرقية بكتاب الله. الخامس: فهم أبي سعيد جواز الرقية بكتاب الله، مع أنه لم يكن لديه علم بجوازها حين قام بها، بدليل جوابه للنبي ﷺ لما سأله بقوله: ((وما يدريك أنها رقية؟))، فقال: «شيء نفث في روعي» (٢)، وعند ابن حبان: «قلت: يا رسول الله ما دريت أنها رقية، شيء ألقاه الله في نفسي» (٣).

стр. 21

السادس: قول النبي ﷺ : ((إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ)) عند إخبار الصحابة له بأخذ الجعل على القراءة دليل بين وواضح في مشروعية الاستشفاء بالقرآن الكريم، وهذا إقرار من النبي ﷺ لهم على ذلك، بل قد فهم جمهور أهل العلم (١) من هذا الحديث جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، واستدلوا به على ذلك، فكيف بالأمر الذي كان سببا لقول النبي ﷺ هذا، وهو أخذ الأجرة على الرقية بكتاب الله. السابع: قول النبي ﷺ للصحابة -كما في حديث ابن عباس ﵁ لما أخبروه بأخذ الجعل-: ((خذوا منهم)) (٢)، فأمره دليل على مشروعية أخذ الجعل، ومشروعية فعل ما كان سببا له، وهي الرقية بالفاتحة. قال ابن حبان: «قوله ﷺ : ((خذها)) أراد به جواز ذلك الشيء المأخوذ مع جواز استعماله في المستقبل؛ لأن الشاء أخذها الراقي قبل أن يأتي النبي ﷺ ، ثم سأل بعد ذلك، فقال له النبي ﷺ : ((خذها))، أراد به جواز فعل الماضي والمستقبل معا» (٣). الثامن: ضحك النبي ﷺ لما أخبروه بأخذ الجعل، وقوله عند ذلك: ((وما يدريك أنها رقية)) (٤) إقرار منه لذلك، والإقرار على أخذ الجعل دليل على مشروعية ما حصل أخذ الجعل بسببه، وهو الاستشفاء بالقرآن. التاسع: قول الصحابة: «فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنَّا، مَا كُنَّا نَظُنُّهُ يُحْسِنُ رُقْيَةً» (٥) ظاهر

стр. 22

أنهم يظنون به عدم معرفة الرقية، ومع ذلك لم ينكروا عليه اجتهاده بقراءة سورة الفاتحة على المريض، فدل على أن الاستشفاء بكتاب الله متقرر عندهم كما هو ظاهر القرآن. يقول ابن القيم ﵀ في معرض تقريره للاستشفاء بفاتحة الكتاب بعد أن ذكر هذا الحديث: «فما الظنُّ بفاتحة الكتاب التي لم يُنزل في القرآن، ولا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزَّبور مِثلُها، المتضمنة لجميع معاني كتب الله، المشتملة على ذكر أُصول أسماء الرب تعالى ومجامعها، وهى: الله، والرَّب، والرحمن، وإثبات المعاد، وذكرِ التوحيدين: توحيدِ الربوبية، وتوحيدِ الإلهية، وذكر الافتقار إلى الربِّ سُبحانه في طلبِ الإعانة وطلب الهداية، وتخصيصه سبحانه بذلك، وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق وأنفعِهِ وأفرَضِه، وما العبادُ أحوج شيء إليه، وهو الهدايةُ إلى صِراطه المستقيم، المتضمن كمالَ معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمرَ به، واجتنابِ ما نَهَى عنه، والاستقامة عليه إلى الممات، ويتضمن ذِكْر أصنافِ الخلائق وانقسامهم إلى مُنْعمٍ عليه بمعرفة الحق، والعمل به، ومحبته، وإيثاره، ومغضوب عليه بعدُوله عن الحق بعد معرفته له، وضال بعدم معرفته له، وهؤلاء أقسامُ الخليقة مع تضمنها لإثبات القَدَر، والشرع، والأسماء، والصفات، والمعاد، والنبوات، وتزكيةِ النفوس، وإصلاح القلوب، وذكر عدل الله وإحسانه، والرَّدِّ على جميع أهل البدع والباطل … وبالجملة: فما تضمنته الفاتحةُ مِنْ إخلاص العبودية والثناء على اللهِ، وتفويضِ الأمر كُلِّه إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النِّعَم كُلِّها، وهى الهداية التي تجلبُ النِّعَم، وتدفَعُ النِّقَم، من أعظم الأدوية الشافية الكافية» (١).

стр. 23

الحديث الثالث: ما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي بسند صحيح (١)، عن خارجة بن الصلت (٢)، عن عمه (٣)، قال: أقبلنا من عند النبي ﷺ ، فأتينا على حي من العرب، فقالوا: أنبئنا أنكم جئتم من عند هذا الرجل بخير، فهل عندكم دواء أو رقية؟ فإن عندنا معتوها (٤) في القيود (٥)، قال: فقلنا: نعم، قال: فجاءوا بالمعتوه في القيود، قال: فقرأت بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية (٦) أجمع بزاقي (٧)، ثم أتفل، قال: فكأنما نشط من عقال، قال: فأعطوني جعلا، فقلت:

стр. 24

لا حتى أسأل النبي ﷺ ، فسألته، فقال: ((كل لعمري (١) من أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق)) (٢). بيان دلالة الحديث على الاستشفاء بالقرآن: دل هذا الحديث على مشروعية الاستشفاء بالقرآن من عدة وجوه: ١ - قراءة الصحابي لسورة الفاتحة على المعتوه، وشفاؤه بسبب ذلك. ٢ - إقرار النبي ﷺ له على ذلك بقوله: ((كل)). ٣ - قول النبي ﷺ : ((لقد أكلت برقية حق))، حيث وصف هذه الرقية بأنها حق، وهذا واضح في مشروعية الاستشفاء بالفاتحة، ومثلها بقية القرآن. الحديث الرابع: ما رواه البخاري، ومسلم عن عائشة: «أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد

стр. 25

النبي ﷺ عنه» (١). بيان دلالة الحديث على الاستشفاء بالقرآن: دل هذا الحديث العظيم أن الأسوة ﷺ كان إذا اشتكى ومرض يستشفي بالمعوذات، ويعالج بها نفسه من كل شكوى، وهذا - والله أعلم- منه كالبيان والتفسير لقوله: ﴿قل هو للذين امنوا هدى وشفاء﴾، وكالدعوة إلى ذلك، فعلينا أن نتأسى به؛ فإن ربنا جل وعلا يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. الحديث الخامس: ما رواه ابن حبان عن عائشة: أن رسول الله ﷺ دخل عليها وامرأة تعالجها أو ترقيها فقال: ((عالجيها بكتاب الله)) (٢). بيان دلالة الحديث على الاستشفاء بالقرآن: دل هذا الحديث على مشروعية الاستشفاء بالقرآن جميعه؛ لأنه ﷺ أمر المرأة المعالجة أن تعالج أم المؤمنين عائشة بكتاب الله، والكتاب يشمل جميع القرآن، لا يختص ببعضه دون بعض. الحديث السادس: ما رواه البخاري ومسلم واللفظ له عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِى مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ

стр. 26

بَرَكَةً مِنْ يَدِى» (١). بيان دلالة الحديث على الاستشفاء بالقرآن: دل هذا الحديث الكريم على أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى أحد من أهله عالجه بالقراءة عليه والنفث بالمعوذات، وفي هذا دليل على مشروعية الاستشفاء بالقرآن الكريم؛ لأنه تعليم منه ﷺ لأمته، وهذا شامل لجميع كتاب الله؛ لأنه لا دليل على تخصيص ذلك بالمعوذات، بل هذا الذي يدل عليه وصف الله له بالشفاء، كما مر بيانه في مطلب: نصوص القرآن الدالة على الاستشفاء بالقرآن (٢). الحديث السابع: ما رواه مسلم، وأبو داود، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، والبيهقي عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ، قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ((اعْرِضُوا عَلَىَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ)) (٣). بيان دلالة الحديث على الاستشفاء بالقرآن: لما سأل الصحابة النبي ﷺ عما يراه في الرقى التي كانوا يرقون بها في الجاهلية أجابهم بالجواز ما لم يكن فيها شرك، فإخباره ﷺ بجواز الرقى مطلقا - ما دامت خالية من الشرك- دليل على مشروعية الرقية بالقرآن مطلقا، بل هي

стр. 27

أعظم الرقى وأنفعها على الإطلاق؛ لأنها بكلام الله. وقد نص العلماء (١) على أن الرقية إذا اجتمعت فيها ثلاثة شروط، وهي: أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى فهي جائزة بالاتفاق، لا يختلفون في ذلك، وهذه الشروط متحققة في كتاب الله، فهو أولى وأحسن ما يستشفي به المسلم. الحديث الثامن: ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أرْخَص رسول الله ﷺ في رُقْيَةِ الحَيَّةِ لبني عمرو بن حزم، قال أبو الزبير (٢): فسمعتُ جابر بن عبد الله، يقول: لَدَغَتْ رجلا منا عَقْرَب، ونحنُ جُلوس مع رسول الله ﷺ ، فقال رجل: يا رسول الله، أرْقي؟ قال: ((مَنْ استطاع منكم أن ينفعَ أخاه فَلْيَفْعَلْ)) (٣). وفي رواية: قال جابر: كان لي خال يَرْقي من العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرُّقَى، قال: فأتاه، فقال: يا رسول الله، إنَّك نَهيْتَ عن الرُّقى، وإني أرْقِي من العقرب؟ فقال: ((مَنْ استطاع منكم أن ينفعَ أخاه فليفعل)) (٤).

стр. 28

وفي أخرى: قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرُّقى، فجاء آلُ عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رُقْية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرُّقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: ((ما أرى بأسا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)) (١). بيان دلالة الحديث على الاستشفاء بالقرآن: دل الحديث برواياته الثلاث على إذن النبي ﷺ لكل من سأله عن الرقى بقوله: ((لا باس)، بل حث المسلم على نفع أخيه، بقوله: ((من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل))، ولا شك أن الرقية بالقرآن للمريض نفع له، فيكون ذلك داخلاً في جملة ما أمر به النبي ﷺ بهذا الحديث، وهذا يدل على مشروعية الاستشفاء بالقرآن.

стр. 29

المبحث الثاني كيفية الاستشفاء بالقرآن، وصفات الراقي، والمرقي، ومحاذير يجب تجنبها وتحته أربعة مطالب: المطلب الأول: ذكر الصفات الواردة عن النبي ﷺ في كيفية التداوي بالقرآن والسنة. إن الناظر فيما ورد من نصوص السنة في الرقية يتبين له أنها وردت بعدة صفات، وبيانها كالتالي: الصفة الأولى: الرقية بالقراءة (١) وحدها: لقد كان النبي ﷺ في بعض الأحيان يكتفي في الرقية بمجرد القراءة، كما دل على ذلك جملة من الأحاديث، منها: الحديث الأول: ما اتفق عليه البخاري ومسلم عن عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا، أَوْ أُتِيَ بِهِ قَالَ: ((أَذْهِبِ البأس، رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا)) (٢). الحديث الثاني: ما رواه مسلم وأحمد عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبي ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَاهُ جِبْرِيلُ، قَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ

стр. 30

يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذي عَيْنٍ» (١). الحديث الثالث: ما رواه مسلم، وأحمد، والترمذي عَنْ أَبِى سَعِيدٍ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النبي ﷺ ، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟»، فَقَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شيء يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ» (٢). الصفة الثانية: الرقية بالقراءة والنفث (٣): لقد دلت جملة من الأحاديث أن النبي ﷺ كان ينفث أحيانا مع رقيته للمريض،

стр. 31

وكذلك أقر بعض أصحابه على ذلك، وسواء كان النفث بعد القراءة أو معها، وإليك ذكر هذه الأحاديث: الحديث الأول: ما رواه النسائي، وابن ماجة، وابن أبي شيبة عن عائشة «أن النبي ﷺ كان ينفث في الرقية» (١). الحديث الثاني: ما اتفق عليه البخاري ومسلم عن عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَعَوِّذَاتِ، وَيَنْفُثُ» (٢). وفي رواية لمسلم قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ» (٣). الصفة الثالثة: الرقية بالقراءة والتفل: لقد أقر النبي ﷺ رجلين من أصحابه -كل منهما تفل مع قراءة الرقية- على ما فعلاه، فدل ذلك على مشروعية هذه الصفة، وإليك ذكر الحديثين الواردين في ذلك: الحديث الأول: حديث أبي سعيد ﵁ في رقية سيد الحي، وقد مر (٤)،

стр. 32

وفيه: «فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه، ويتفل فبرأ» (١). الحديث الثاني: ما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، عن خارجة بن الصلت، عن عمه، قال: «أقبلنا من عند النبي ﷺ ، فأتينا على حي من العرب، فقالوا: أنبئنا أنكم جئتم من عند هذا الرجل بخير، فهل عندكم دواء أو رقية؟ فإن عندنا معتوها في القيود، قال: فقلنا: نعم، قال: فجاءوا بالمعتوه في القيود، قال: فقرأت بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية أجمع بزاقي، ثم أتفل، قال: فكأنما نشط من عقال … » الحديث، وقد سبق (٢). الحديث الثالث: ما رواه أحمد، والنسائي، وابن أبي شيبة، والطبراني عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ (٣) قَالَ: وَقَعَتْ الْقِدْرُ عَلَى يَدِي، فَاحْتَرَقَتْ يَدِي، فَانْطَلَقَ بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ يَتْفُلُ فِيهَا، وَيَقُولُ: ((أَذْهِبْ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ)) وَأَحْسِبُهُ قَالَ: ((وَاشْفِهِ إِنَّكَ أَنْتَ الشَّافِي)) (٤).

стр. 33

الصفة الرابعة: الرقية بالقراءة والمسح: لقد كان من هدي النبي ﷺ أنه يمسح بيده اليمنى على المريض، عند ما يقرأ عليه الرقية، يدل لذلك ما يلي: الحديث الأول: ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ كان يُعَوِّذُ بعض أهلِه، يَمْسحُ بيده اليمنى، ويقول: ((اللهم ربَّ الناس، أذهب الباسَ، اشفِ أنتَ الشافي، لا شفاءَ إلا شفاؤكَ، شفاءا لا يُغَادِرُ سَقَما)) (١). الحديث الثاني: ما رواه أحمد، والطبراني، وابن حبان، والطحاوي، والحاكم عن طلق بن علي (٢) قال: «لدغتني عقرب عند نبي الله ﷺ فرقاني، ومسحها بيده» (٣). الصفة الخامسة: الرقية بالقراءة، ووضع اليد على مكان الألم، ثم المسح: لقد كان من هدي النبي ﷺ أنه يضع يده على الألم، أو يأمر المريض بذلك، ثم يمسح بها.

стр. 34

والفرق بين هذه الصفة والتي قبلها: أنه هنا كان يضع يده ثم يمسح، وهناك كان يمسح فقط، ويدل على هذه الصفة ما يلي من الأحاديث: الحديث الأول: ما رواه البخاري وأبو داود عن عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ (١) أَنَّ أَبَاهَا قَالَ: «اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ فجاءني النبي ﷺ يعودني، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جبهتي، ثُمَّ مَسَحَ صدري وبطني، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ)) (٢). الحديث الثاني: ما رواه مسلم، ومالك، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثقفي (٣) أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ في جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((ضَعْ يَدَكَ عَلَى الذي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ)) (٤).

стр. 35

وفي رواية للنسائي: ((ضع يمينك على المكان الذي تشتكي، فامسح به سبع مرات، وقل: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد في كل مسحة)) (١). الصفة السادسة: الرقية بالقراءة والنفث مع المسح: لقد أقر النبي ﷺ الرقية بالقراءة مع النفث والمسح، وهذا يدل على مشروعية هذه الصفة، ويدل لذلك ما جاء في بعض طرق حديث أبي سعيد ﵁ في رقية سيد الحي، كما عند عبد بن حميد، والنسائي، ولفظه: «فجعلت أقرأ فاتحة الكتاب، وأمسح المكان الذي لدغ حتى برأ، فأعطونا الغنم» (٢). وفي رواية أخرى: «فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه، وينفث، فبرأ الرجل فأتوا بالشاء» (٣). فدل مجموع الروايتين على أن أبا سعيد ﵁ جمع بين القراءة والنفث مع المسح، والنبي أقره ولم ينكر عليه. الصفة السابعة: الرقية بالقراءة، مع وضع الريق على الإصبع، ثم وضعها على الأرض، ثم على المريض. يدل لهذه الصفة ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ له، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الإِنْسَانُ الشَّيء مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جَرْحٌ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا - وَوَضَعَ سُفْيَانُ (٤) سَبَّابَتَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا-:

стр. 36

((بِاسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا)) (١). قال النووي مبينا هذه الصفة: «معنى الحديث: أنه أخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب، فيعلق بها منه شيء، فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل، ويقول هذا الكلام حالة المسح» (٢). مسألة: اختلف العلماء بالمراد بقوله: ((أرضنا))، هل هو خاص بالمدينة أم عام في جميع الأرض؟، على قولين: قال النووي، وابن القيم: «قال جمهور العلماء: المراد بأرضنا هنا جملة الأرض، وقيل: المدينة خاصة لبركتها) (٣)، وذكر ملا علي قاري القولين، وزاد: قلت: ويحتمل أن يراد بأرضنا: أرض الإسلام» (٤). قلت: الأظهر قول الجمهور، لعدم الدليل على خصوصية ذلك بالمدينة، قال شيخنا عبد المحسن العباد حفظه الله: «وتعميمه أظهر؛ لأنه لم يأت شيء يبين أن هذا خاص بالمدينة، وأنه لا يستعمل إلا في المدينة» (٥). الصفة الثامنة: الرقية بوضع الملح في الماء، ثم المسح به على مكان الألم، مع القراءة للديغ: يدل لهذه الصفة ما رواه ابن أبي شيبة، واللفظ له، والطبراني، وأبو نعيم، والبيهقي عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ يُصَلِّي، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ فَلَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ، فَتَنَاوَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَعْلِهِ فَقَتَلَهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: ((لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ، لَا تَدَعُ مُصَلِّيًا، وَلَا غَيْرَهُ)) أَوْ ((نَبِيًّا، وَلَا غَيْرَهُ)) ثُمَّ دَعَا بِمِلْحٍ وَمَاءٍ، فَجَعَلَهُ فِي إِنَاءٍ، ثُمَّ جَعَلَ يَصُبَّهُ عَلَى إِصْبَعِهِ حَيْثُ لَدَغَتْهُ، وَيَمْسَحُهَا وَيُعَوِّذُهَا بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ» (٦). وفي رواية: «ويقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾» (٧). وفي رواية: «وجعل يمسح عليها، ويقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾» (٨). الصفة التاسعة: الرقية بالقراءة، مع خلط التراب بالماء والنفث فيه، ثم صبه على المريض: يدل له ما رواه أبو داود، والنسائي، والبخاري في التاريخ الكبير، والطبراني

стр. 37

عن ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ (١): أن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عليه، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ: ((اكْشِفِ الْبَأسَ رَبَّ النَّاسِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بن شماس، ثُمَّ أَخَذَ تُرَابًا مِنْ بَطْحَانَ، فَجَعَلَهُ فِى قَدَحٍ، ثُمَّ نَفَثَ عَلَيْهِ بِمَاءٍ، وَصَبَّهُ عَلَيْهِ» (٢). الصفة العاشرة: الرقية بكتابة شيء من القرآن، ثم صب الماء عليه، وشربه أو غسل البدن به: هذه الصفة لم يرد عن النبي ﷺ ما يدل على جوازها صراحة، ولهذا اختلف العلماء في جوازها على قولين: الأول: ذهب إبراهيم النخعي، وابن سيرين، وابن العربي إلى منعها (٣). الثاني: ذهب الجمهور إلى جوازها. واستدل الجمهور على جوازها بما يلي: ١ - ما رواه ابن أبي شيبة، وابن السني عن ابن عباس، قَالَ: إِذَا عَسِرَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَدُهَا، فَيَكْتُبُ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وَالْكَلِمَاتِ فِي صَحْفَةٍ، ثُمَّ تُغْسَلُ، فَتُسْقَى مِنْهَا: «بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ

стр. 38

السَّبْعِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً، أَوْ ضُحَاهَا﴾ [سورة النازعات: ٤٦] ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾» [الأحقاف: ٣٥] (١). قلت: وهذا الأثر ضعيف؛ لأن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو صدوق سيء الحفظ جداً، كما قال ابن حجر في التقريب (٢). ٢ - وروى ابن أبي شيبة عن ليث ومجاهد: أنهما لم يريا باساً أن يكتب آية من القرآن، ثم يسقاه صاحب الفزع (٣). وهذا القول هو: الراجح، ويستدل له بما يلي: ١ - أن الله وصف القرآن بأنه شفاء، فكيفما استعمل في غير صفة محرمة فهو جائز، وكتابته ومحوه من ذلك الجائز. ٢ - أن الأصل في التداوي: الحل والإباحة، كما قال النبي ﷺ : (( … عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد))، قالوا: ما هو؟ قال: ((الهرم)) (٤). ٣ - أنه فعله جمع من السلف كمجاهد، والليث، وسعيد بن جبير، والإمام

стр. 39

أحمد، والقاضي عياض (١) وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وغيرهم (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئ من كتاب الله وذكره بالمداد المباح، ويغسل، ويسقى، كما نص على ذلك أحمد وغيره» (٣). وقال ابن القيم: «ورخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه، وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه» (٤). وقالت اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز في جوابها على هذه المسألة بقولها: «أما كتابة الآيات بماء الورد والزعفران ونحو ذلك، ثم غمرها في الماء وشربها، أو القراءة على العسل واللبن ونحوها ودهن الجسم بالمسك وماء الورد المقروء عليه آيات قرآنية فلا بأس به، وعليه عمل السلف الصالح» (٥). قلت: وهذه الصفة وإن كانت جائزة فتركها أولى؛ لأن فيما ثبت عن النبي ﷺ غنية وكفاية عما لم يثبت عنه. قال الشيخ صالح الفوزان: «أما كتابة الآيات في ورقة، ثم تمحى هذه الورقة في ماء ويشربها المريض فهذا رخص فيه كثير من العلماء قياسًا على ما ورد، وأخذًا لعموم الاستشفاء بالقرآن الكريم؛ لأن الله أخبر أنه شفاء فلا بأس به- إن

стр. 40

شاء الله - ولكن الأولى: هو ما ذكرناه، وهو الوارد عن الرسول ﷺ ، وهو القراءة على المريض مباشرة أو القراءة في ماء ويشربه» (١). المطلب الثاني: الصفات الواجب توافرها في الراقي: أولاً: صحة المعتقد، وهو أن يكون على منهج السلف الصالح، وهو ما كان عليه النبي ﷺ ، وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، ويكون متبعا لهم، ويحذر من مخالفتهم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقال ﷺ : ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ))، متفق عليه (٢). وأعظم المخالفة: ارتكاب الشرك بنوعيه: الأكبر والأصغر، ثم البدع، ثم كبائر الذنوب، قال تعالى محذرا من الشرك ومبينا خطره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].
следующие страницы →