← Тафсир

Тафсир · id 12

استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية

هنادي بنت عبد العزيز الموسى

Полный текст (546 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وذكر السمين وجه الخطأ الذي بيّنه أبو حيان، ثم ساقَ قولَ الزمخشري في توجيه قراءة النصب، وجعله ردًا على ابن عطية، حيث قال: "وهذا الذي أورده الزمخشري كلامٌ صحيح ومعنى واضح على كلا تقديري كونِ (لا) لتأسيسِ النفي أو تأكيدِهِ، فكيف يجعل الشيخ كلام الطبري فاسداً على أحد التقديرين وهو كونُها لتأسيس النفي؟ فقد ظهر -والحمد لله- صحة كلام الطبري بكلام أبي القاسم الزمخشري وظهر أن ردَّ ابن عطية عليه مردود". اهـ (١) دراسة الاستدراك: أولاً: اختلف المفسرون والنحاة في توجيه القراءة بنصب الراء في ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ على ثلاثة أقوال: ١ - أن تقدّر (أن) قبل الفعل ﴿يَأْمُرَكُمْ﴾ فيكون منصوباً بها، ويكون المعنى: ولا له أن يأمركم، وتكون (لا) مؤكدة لمعنى النفي السابق، كقول القائل: «ما كان من زيد إتيانٌ ولا قيام» وهو يريد انتفاءَ كلِّ واحدٍ منهما عن زيد (٢). أشار إلى هذا القول أبو علي الفارسي (٣).

стр. 72

٢ - أن يكون منصوباً بالعطف على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾، قاله سيبويه (١)، والفراء (٢)، وغيرهما (٣). قال سيبويه في المعنى على هذا التوجيه: "وما كان لبشرٍ أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة". اهـ (٤) ٣ - أن يكون منصوباً بالعطف على ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾، قاله الطبري (٥) والزمخشري (٦) وأبو البقاء العكبري (٧)، وغيرهم (٨). قال الطبري في توجيهه لهذه القراءة: "عطفًا على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ ". اهـ (٩) وقال الزمخشري: "وقرئ ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ وفيه وجهان، أحدهما: أن تجعل (لا) مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه اللَّه، وينصبه للدعاء إلى اختصاص اللَّه بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له ويأمركم أنْ تَتَّخِذُوا الملائِكةَ وَالنَّبِيِّينَ أرباباً، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بى.

стр. 73

والثاني: أن تجعل (لا) غير مزيدة، والمعنى: أن رسول اللَّه ﷺ كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا له: أنتخذك ربا؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه اللَّه، ثم يأمر الناس بعبادته، وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء". اهـ (١) ثانياً: سبب تخطئه ابن عطية لتوجيه الطبري: قال أبو حيان: "ووجهُ الخطأ أنه إذا كان معطوفاً على ﴿يَقُولَ﴾ كانت (لا) لتأسيس النفي، فلا يمكن إلا أن يُقدَّرَ العاملُ قبل (لا) وهو (أَنْ)؛ فَيَنْسَبِكُ مِنْ (أَنْ) وَالْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ مَصْدَرٌ مُنْتَفٍ فيصيرُ المعنى: ما كان لبشرٍ موصوف بما وصف به انتفاء أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، وإذا لم يكن له الانتفاءُ كان له الثبوت، فصار آمِرًا باتخاذهم أرباباً وهو خطأ، فإذا جعلتَ (لا) لتأكيد النفي السابق كان النفي منسحباً على المصدرين المقدر ثبوتهما، فينتفي قوله: كونوا عِباداً لي، وأمرهُ باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، ويوضح هذا المعنى وضع (غير) موضعَ (لا) فإذا قلت: ما لزيد فقه ولا نحو؛ كانت (لا) لتأكيد النفي وانتفى عنه الوصفان، ولو جعلت (لا) لتأسيس النفي كانت بمعنى غير، فيصير المعنى انتفاء الفقه عنه وثبوتَ النحو له، إذ لو قلت: ما لزيد فقه وغيرُ نحو؛ كانَ في ذلك إثبات النحو له، كأنك قلت: ما له غيرُ نحو، ألا ترى أنك إذا قلت: جئتُ بلا زادٍ؛ كان المعنى: جئت بغير زادٍ، وإذا قلت: ما جئت بغير زادٍ، معناه: أنك جِئت بزاد؛ لأنَّ (لا) هنا لتأسيس النفي، فإطلاق ابن عطية الخطأ وعدمَ التئام المعنى إنما يكون على أحد التقديرين، وهو أن تكون (لا)

стр. 74

لتأسيس النفي لا لتأكيده، وأن يكون من عطف المنفي بلا على المُثبَتِ الداخلِ عليه النَّفيُ، نَحْوَ: ما أريد أن تجهل وأن لا تتعلم، تريد: ما أريد أن لا تتعلم". اهـ (١) قال السمين: "الذي أورده الزمخشري كلامٌ صحيح ومعنى واضح على كلا تقديري كونِ (لا) لتأسيسِ النفي أو تأكيدِه، فكيف يجعل الشيخ كلام الطبري فاسداً على أحد التقديرين وهو كونُها لتأسيس النفي؟ فقد ظهر والحمد لله صحة كلام الطبري بكلام أبي القاسم الزمخشري، وظهر أن ردَّ ابن عطيةَ عليه مردود". اهـ (٢) ثالثاً: القول الراجح: قول السمين الحلبي هو الأقرب للصواب لسببين: ١ - زوال العلة التي ضعَّف من أجلها ابنُ عطية قولَ الطبري، وبيّنها أبو حيان. ٢ - أنَّ القول الثالث أورده أئمة من المفسرين والنحاة (٣)؛ مما يدل على صحته (٤). * * *

стр. 75

[٧]: قال ابنُ عطية في توجيهه للقراءة الواردة في ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ (١) بفتح اللام وتشديد الميم في قوله - تعالى-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]: "ويظهر أن (لمَاّ) هذه هي الظرفية

стр. 76

أي لَمّا كنتم بهذه الحال، رؤساء الناس وأماثلهم، أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يؤخذ، فيجيء هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة (١). وذهب ابن جنِّي في (لماَّ) في هذه الآية إلى أن أصلها (لمن ما) (٢)، وزيدت (مِن) (٣) في الواجب على مذهب الأخفش (٤)، ثم أدغمت كما يجب في مثل هذا، فجاء (لمما)، فثقل اجتماع ثلاث ميمات فحذفت الميم الأولى فبقي (لماَّ) ". اهـ (٥) وقال السمين الحلبي: "وأمَّا قراءةُ سعيد (٦) والحسن (٧) ففيها أوجه، أحدها: أَنَّ (لَمَّا) هنا ظرفيةٌ بمعنى حين فتكونُ ظرفية، ثم القائلُ بظرفيتها اختلف تقديرُه في جوابها، فذهب الزمخشري إلى أن الجوابَ مقدرٌ من جنس جواب القسم فقال: " (لَمَّا) بالتشديد بمعنى

стр. 77

حين، أي: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدِّق وَجَبَ عليكم الإِيمانُ به ونصرتُه" (١). وقال ابن عطية: "ويظهر أن (لمَّا) هذه هي الظرفيةُ أي: لَمَّا كنتم بهذه الحالِ رؤساءَ الناس وأماثِلَهم أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يُؤْخَذ، فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة" (٢)، فقدَّر ابن عطية جوابَها من جنس ما سبقها، وهذا الذي ذهبا إليه مذهب مرجوح قال به الفارسي (٣)، والجمهور: سيبويه وأتباعُه على خلافه" (٤). ثم ذكر السمينُ قولاً آخر في توجيه القراءة فقال: "والثالث: أنَّ الأصلَ: (لَمِنْ ما) فأدغمت النون في الميم لأنها تقاربُها، والإِدغامُ هنا واجب، ولما اجتمع ثلاثُ ميمات: ميم (مِنْ)، وميم (ما)، والميم التي انقلبت من نون (مِن) لأجل الإِدغام فحصل ثقل في اللفظ. قال الزمخشري: "فحذفوا إحداها" (٥)، قال الشيخ: وفيه إبهامٌ (٦)، وقد عَيَّنها ابن عطية بأن المحذوفة هي الأولى. قلت: وفيه نظر، لأنَّ الثقلَ إنما حصل بما بعد الأولى، ولذلك كان الصحيح في نظائره إنما هو حَذْفُ الثواني نحو: (تَنَزَّل) (٧) و (تَذَكَّرون) (٨).

стр. 78

وقد ذكر أبو البقاء أنّ المحذوفة هي الثانية، قال: "لضَعْفها بكونِها بدلاً، وحصولِ التكرير بها" (١). و (مِنْ) هذه التي في (لَمِنْ ما) زائدة في الواجب على رأي أبي الحسن الأخفش، وهذا تخريج أبي الفتح". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال العلماء في (لَمَّا): ١ - أن (لَمَّا) ظرفية بمعنى حين. قاله: ابن السرّاج (٣)، والفارسي (٤)، والراغب الأصفهاني (٥) (٦)، والزمخشري، وابن عطية، وابن الجوزي (٧) (٨)، وغيرهم (٩).

стр. 79

واختلفوا في تقدير جوابها؛ فذهب الزمخشري إلى أن الجوابَ مقدرٌ من جنس جواب القسم، أي: "حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدِّق وَجَبَ عليكم الإيمانُ به ونصرتُه" (١). وقدّر ابنُ عطية جوابها من جنس ما سبقها؛ قال: " أي: لَمَّا كنتم بهذه الحالِ رؤساءَ الناس وأماثِلَهم أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يُؤْخَذ". اهـ (٢) ٢ - أن (لَمَّا) حرفُ وجود لوجود، وهو مذهب سيبويه وجمهور النحاة (٣)، ورجحه: أبو حيان (٤)، والسمين الحلبي (٥). وجوابُها كما تقدَّم مِن تقديري ابن عطية والزمخشري. ٣ - أن أصلها (لِمنْ مَا)، وزيدت (مِن) في الواجب على مذهب الأخفش (٦)، ثم أدغمت، كما يجب في مثل هذا، فجاء (لمما)، فثقل اجتماع ثلاث ميمات، فحذفوا إحداها، وهذا قول ابن جني (٧). قال أبو حيان: " وهذا التوجيه في قراءة التشديد في غاية البعد، ويُنَزّه كلام العرب أن يأتيَ فيه مثلُه، فكيف كلام اللَّهِ -تعالى-؟ ". اهـ (٨)

стр. 80

٤ - أنَّ الأصل أيضاً: لَمِنْ ما، فَفُعِل به ما تقدم من القلب والإِدغام ثم الحذفِ، إلا أن (مِنْ) ليست زائدةً بل هي تعليليَّةٌ، قال الزمخشري: "ومعناه لمِنْ أجل ما آتيتكم لتؤمنُنَّ به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى". اهـ (١). قال السمين: "وهذا الوجه أوجهُ ممَّا تقدَّمه لسلامته من ادِّعاء زيادة (مِنْ)، ولوضوح معناه". اهـ (٢) والراجح - والله أعلم- قول سيبويه والجمهور، وهو ما رجحه السمين الحلبي؛ لأسباب، منها: ١ - أنَّ (لَمَّا) ليس فيها شيء من علامات الأسماء (٣). ٢ - أنّها لو كانت ظرفاً لكان جوابها عاملاً فيها، ويلزم من ذلك أن يكون الجواب واقعاً فيها، لأن العامل في الظرف يلزم أن يكون واقعاً فيه، كما في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩] المراد: أنهم أهلكوا بسبب ظلمهم، لا أنهم أهلكوا حين ظلمهم، لأن ظلمهم متقدم على إنذارهم، وإنذارهم متقدم على إهلاكهم (٤). ٣ - أنَّها تشعر بالتعليل، كما في الآية المذكورة، والظروف لا تشعر بالتعليل (٥).

стр. 81

ثانياً: على القول بأن (لَمّا) أصلها (لَمِن ما) فحصل فيها قلب وإدغام وحذف؛ أي الميمات حُذفت؟ قال ابنُ عطية: "حذفت الميم الأولى". اهـ (١) قال السمين مستدركاً عليه: "وفيه نظر، لأنَّ الثقلَ إنما حصل بما بعد الأولى، ولذلك كان الصحيح في نظائره إنما هو حَذْفُ الثواني نحو: (تَنَزَّل) ". اهـ (٢) وقال أبو البقاء: "حذف الثانية لضعفها بكونها بَدَلاً، وحصول التكرير بها". اهـ (٣) والراجح: أن الميم الثانية هي التي حُذفت؛ لما ذكره أبو البقاء والسمين. * * *

стр. 82

[٨]: قال ابن عطية في حديثه عن القراءات الواردة في ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ (١) من قوله - تعالى-: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]: "ويجوز فتح الراء وكسرها مع إرادة الجزم، فأما الكسر فلا أعرفها قراءة، وعبارة الزجّاج (٢) في هذا مُتَجَوَّزٌ فيها، إذ يظهر من دَرْج (٣) كلامه أنها قراءة". اهـ (٤)

стр. 83

وقال السمين الحلبي: "وقرأ الضحاك بن مزاحم (١): (لا يَضُرِّكم) بضمِّ الضاد وتشديدِ الراء مكسورة؛ على ما ذكرْتُه لك مِن التقاء الساكنين، وكأنَّ ابن عطية لم يحفَظْها قراءةً فإنه قال: "وأمَّا الكسرُ فلا أعرفُها قراءةً، وعبارة الزجّاجِ في ذلك مُتَجَوَّزٌ فيها إذ يظهر من دَرْج كلامِه أنها قراءة". قلت: قد بَيَّنْتُ أنها قراءة كما قال الزجاج ولله الحمد". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: يدور الاستدراك حول مسألة: هل وردت قراءة بكسر الراء في (لا يَضُرِّكم)؟ ١ - أغلب العلماء أثبتوا جواز كسر الراء من الناحية اللغوية، إلا أنهم لم يثبتوها قراءة، فضلاً عن أن ينسبوها للضحاك أو غيره (٣). ٢ - أورد أبو جعفر النحاس القراءة بكسر الراء دون نسبة (٤)، ويُفهم من كلام الزجاج أنها قراءة (٥)، وقد ذكرها أبو حيان (٦) والسمين الحلبي منسوبة للضحاك.

стр. 84

ولم أجدها عند غيرهم من أهل التفسير والقراءات. وإثبات القراءة - على شذوذها- أولى من نفيها، بعد ثبوت موافقتها للغة العرب، وسلامتها من الناحية اللغوية (١). * * *

стр. 85

[٩]: قال ابن عطية في حديثه عن القراءات الواردة في قوله - تعالى-: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]: "وقرأ بعض القراء (١) (ولا تَلؤُون) بهمز الواو المضمومة، وهذه لغة، وقرأ بعضهم (ولا تَلُون) بضم اللام وواو واحدة، وهي قراءة متركبة على لغة من همز الواو المضمومة، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام، وحذفت إحدى الواوين الساكنتين". اهـ ... (٢)

стр. 86

وقال السمين الحلبي: "وقرأ الحسن: (تَلُون) بواو واحدة، وخَرَّجوها على أنه أَبدلَ الواوَ همزةً، ثم نقلَ حركةَ الهمزةَ على اللام ثم حذف الهمزةَ على القاعدة، فلم يَبْقَ من الكلمة إلا الفاءُ وهي اللامُ. وقال ابن عطية: "وحُذِفَتْ إحدى الواوين للساكنين"، وكان قد قَدَّم أن هذه القراءةَ مركبةٌ على لغة مَنْ يهمزُ الواو وينقل الحركة، وهذا عجيبٌ بعد أَنْ يجعلَها من باب نَقْل حركة الهمزة كيف يعود يقول: حُذفت إحدى الواوين؟ ويمكنُ تخريجُ قراءةِ الحسن على وجهين آخرين، أحدُها: أَنْ يُقال: استُثْقِلَت الضمةُ على الواو لأنها أختُها، فكأنه اجتمعَ ثلاثةُ واوات، فَنُقلت الضمة إلى اللام فالتقى ساكنان: الواو التي هي عين الكلمة والواو التي هي ضمير، فحُذفت الأولى لالتقاء الساكنين، ولو قال ابن عطية هكذا لكان أولى. والثاني: أن يكونَ (تَلُون) مضارَع ولِيَ كذا؛ من الوِلاية، وإنما عُدِّي بـ (على) لأنه ضُمِّن معنى العطف". اهـ (١) دراسة الاستدراك: أولاً: أقول العلماء في توجيه قراءة الحسن: ١ - أنها قراءة متركبة على لغة من همز الواو المضمومة (تَلْؤُونَ)، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام وحذفت إحدى الواوين الساكنتين، وهو قول ابن عطية (٢).

стр. 87

٢ - أن الضمة استُثْقِلَتِ على الواو في (تلوُون) لأن الضمة كأنها واو، فكأنه اجتمعَ ثلاثةُ واوات، فنُقلت الضمة إلى اللام فالتقى ساكنان: الواو التي هي عين الكلمة والواو التي هي ضمير، فحُذفت الأولى لالتقاء الساكنين، فجاءت (تَلُون)، وهذا قول أبي حيان (١)، والسمين الحلبي (٢). ٣ - أن الواو المضمومة قُلبت همزة (تَلْؤُون)، ثم حذفت، وألقيت حركتها -الضمة- على ما قبلها -اللام- فجاءت (تَلُون)، وهذا قول الجمهور في توجيه القراءة (٣). ٤ - أن يكونَ (تَلُون) مضارَع ولِيَ كذا؛ من الوِلاية، وإنما عُدِّي بـ (على) لأنه ضُمِّن معنى العطف. ذكر هذا القول الراغب الأصفهاني (٤)، وجعله أبو حيان (٥) والسمين (٦) وجهاً محتملاً. ثانياً: نقد الأقوال: انتُقد القول الأول -وهو قول ابن عطية- بأن القراءة إذا كانت متركبة على لغة مَن همز الواو ثم نقل حركتها إلى اللام، فإن الهمزة إذ ذاك تُحذف ولا يلتقي واوان ساكنان (٧).

стр. 88

أما القول الثاني- وهو قول أبي حيان والسمين- فهو توجيه صحيح، وأقرب لقراءة الجمهور. أما القول الثالث- وهو قول الجمهور- فهو قريب من الصواب، إلا أنه مخالف للقياس؛ لأن الضمة في واو (تلوون) عارضة (١). أما القول الرابع فضعفه بعضهم، إلا أن الراغب وجَّهه بأن ما في الآية تبكيت للمخاطبين، وأنهم لم يلوا ما وُلّوا بل أخلّوا (٢). وأقرب الأقوال للصواب: القول الثاني - وهو قول السمين-؛ لموافقته القياس، ولسلامته من المعارض، ولقربه من قراءة الجمهور المتواترة (٣). * * *

стр. 89

[١٠]: قال ابن عطية عند حديثه عن القراءات الواردة في قوله - تعالى-: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]: "وقرأ عبد الله بن يزيد (١) (والأرحامُ) (٢) بالرفع، وذلك على الابتداء والخبر مقدر، تقديره: والأرحام أهل أن توصل". اهـ (٣)

стр. 90

وقال السمين الحلبي: "وقرأ عبد الله أيضاً: (والأرحامُ) رفعاً وهو على الابتداء، والخبر محذوفٌ فقدَّره ابن عطية: "أهلٌ أَنْ توصل"، وقَدَّره الزمخشري: "والأرحامُ مِمَّا يُتقى"، أو "والأرحام مما يُتَساءل به"، وهذا أحسنُ للدلالة اللفظية والمعنوية، بخلاف الأول، فإنه للدلالة المعنوية فقط". اهـ (١) دراسة الاستدراك: للعلماء في توجيه القراءة بالرفع (والأرحامُ) قولان: الأول: أن الرفع على الإغراء؛ لأن مِن العرب مَن يرفع المغرى، ذكره بعض العلماء وجهاً محتملاً (٢). الثاني: أن الرفع على الابتداء، وهو قول الجمهور، واختلفوا في تقدير الخبر: فقدره ابن جني: "والأرحام مما يجب أن تتقوه، وأن تحتاطوا لأنفسكم فيه" (٣)، وقدره الزمخشري: "والأرحام مما يُتَّقى، أو والأرحام مما يُتَساءل به" (٤)، وقدره ابن عطية: "والأرحام أهلٌ أن تُوصَل" (٥).

стр. 91

ورجح السمين الحلبي تقديرَ الزمخشري؛ قال: "وهذا أحسنُ للدلالة اللفظية والمعنوية"، بخلاف تقدير ابن عطية؛ قال: "فإنه للدلالة المعنوية فقط". (١) وقدره أبو البقاء: "والأرحامُ واجبة الوصل" (٢). ولا تعارض بين هذه التقديرات، ولكل منها ما يؤيده من القراءات المتواترة وتفسير الصحابة والتابعين. فتقدير الزمخشري يؤيده القراءة بالجر (والأرحامِ)، والتفسير الوارد في الآية بأن معناها قولهم (٣): أسألك بالله وبالرحم (٤). وتقدير ابن جني وابن عطية وأبي البقاء يؤيده القراءة بالنصب (والأرحامَ)، والتفسير الوارد في الآية بأن معناها: اتقوا الله وصلوا الأرحام، أو اتقوا الأرحام أن تقطعوها (٥). * * *

стр. 92

[١١]: قال ابنُ عطية في معرض حديثه عن القراءات الواردة في ﴿وَاسْأَلُوا﴾ من قوله - تعالى-: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢]: "قرأ جمهور السبعة: ﴿وَاسْأَلُوا﴾ بالهمز وسكون السين، وقرأ الكسائي (١) وابن كثير (٢)

стр. 93

(وسلوا) ألقيا حركة الهمزة على السين، وهذا حيث وقعت اللفظة إلا في قوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] فإنهم أجمعوا على الهمز فيه". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: "قوله: ﴿وَاسْأَلُوا﴾: الجمهورُ على إثباتِ الهمزة في الأمر من السؤال الموجَّه نحو المخاطب إذا تقدَّمه واو أو فاء نحو: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ﴾ [يونس: ٩٤] ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وابن كثير والكسائي بنقل حركةِ الهمزة إلى السين تخفيفاً لكثرةِ استعماله. فإنْ لم تتقدَّمه واو ولا فاء فالكل على النقل نحو: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١]، وإن كان لغائب فالكل على الهمز نحو: ﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]. ووهم ابن عطية فنقل اتفاقَ القراء على الهمز في نحو: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] وليس اتفاقهم في هذا بل في ﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ كما تقدم". اهـ (٢)

стр. 94

دراسة الاستدراك: أولاً: قرأ ابنُ كثير والكسائي وخلف (١) بنقل حركة الهمزة إلى السين الساكنة وحذف الهمزة: (سلوا) في قوله: (وسَلوا الله مِن فضلِه) [النساء: ٣٢] وقوله: (وسَلوا ما أنفقتم) [الممتحنة: ١٠]، وفي جميع القرآن (٢)، ووافقهم حمزة في الوقف (٣). وقرأ الباقون بالهمز (٤): ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾. واتفق جميع القراء على الهمز في ﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] (٥). ثانياً: شروط ترك الهمز في قراءة ابن كثير والكسائي وخلف: أن يكون قبل السين واو أو فاء، نحو: (وسَلوا الله) [النساء: ٣٢]، (فسَل الذينَ) [يونس: ٩٤]، (وسَل مَن أرسلنا مِن قبلك) [الزخرف: ٤٥]، وأن يكون أمرًا من السؤال الموجه نحو المخاطَب

стр. 95

نحو (وسَل القريةَ) [يوسف: ٨٢]، فيخرج بذلك: الأمر للغائب (١)؛ فالكل على الهمز في نحو: ﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال ابن مجاهد (٢): "ولم يختلفوا في همز قوله ﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ لأنه أمر للغائب". اهـ (٣) فيظهر مما سبق أن اتفاق القراء على الهمز لم يكن في قوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ كما وهم ابن عطية، بل في قوله: ﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾، وعليه: فاستدراك السمين وارد على ابن عطية. * * *

стр. 96

[١٢]: قال ابن عطية في توجيهه للقراءة الواردة في ﴿يُرَاءُونَ﴾ (١) من قوله - تعالى-: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]: " وقرأ جمهور الناس (٢) (يُرَؤُّون) بهمزة مضمومة مشددة بين الراء والواو دون ألف، وهي تعدية (رأَّى) بالتضعيف، وهي أقوى في المعنى من ﴿يُرَاءُونَ﴾؛ لأن معناها يحملون الناس على أن يروهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون النفاق". اهـ (٣) قال السمين الحلبي مستدركاً عليه: "وهذا منه ليس بجيد؛ لأنَّ المفاعلة إن كانت على بابها فهي أبلغُ لِما عُرِفَ غيرَ مرة، وإن كانت بمعنى التفعيل فهي وافيةٌ بالمعنى الذي أراده، وكأنه لم يعرف أنَّ المفاعلة قد تجيء بمعنى التفعيل". اهـ (٤)

стр. 97

دراسة الاستدراك: اختلف العلماء في توجيه (يُرَؤُّون) ومقارنتها بالقراءة المتواترة ﴿يُرَاءُونَ﴾، ولهم في ذلك قولان رئيسان: القول الأول: أنها تعدية (رأَّى) بالتضعيف، وهي أقوى في المعنى مِن القراءة المتواترة ﴿يُرَاءُونَ﴾؛ لأن معناها: يحملون على الرياء (١)، أو يحملون الناس على أن يروهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون النفاق، وهو قول ابن جني (٢) وابن عطية (٣). قال ابن جني: "معناه: يُبصِّرون الناس، ويحملونهم على أن يروهم يفعلون ما يتعاطونه، وهي أقوى معنى من ﴿يُرَاءُونَ﴾ بالمد على يفاعِلون؛ لأن معنى يراؤونهم يتعرضون لأن يروهم، و (يُرَءُّونهم) يحملونهم على أن يروهم" (٤). القول الثاني: أن (يُرَؤُّون) قريبة من معنى القراءة المتواترة ﴿يُرَاءُونَ﴾ وليست أقوى منها، وأن ﴿يُرَاءُونَ﴾ مفاعلة بمعنى التفعيل، كما يُقال: راءى؛ بمعنى: رأّى، ونعَّمه وناعمه، وأن القراءة المتواترة ﴿يُرَاءُونَ﴾ أقوى وأولى. قاله: النحاس (٥)، والزمخشري (٦)، والسمين الحلبي (٧). وذهب الفراء إلى أن (فعّل) و (فاعَل) -كما في رأّى وراءى- متقاربة في المعنى (٨).

стр. 98

والقول الثاني هو الراجح لأسباب، منها: ١ - لأن ﴿يُرَاءُونَ﴾ هي القراءة المتواترة والتي أجمع عليها القراء العشرة (١). ٢ - لأن اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه (٢). ٣ - لأن المفاعلة -فاعَل: راءى- تأتي لمعانٍ منها: التفعيل - فَعّل: رأّى- (٣). وعليه: فاستدراك السمين الحلبيّ وارد على ابن عطية. * * *

стр. 99

[١٣]: قال ابنُ عطية في توجيهه للقراءة برفع ﴿وَرُسُلًا﴾ (٤) مِن قوله - تعالى-: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]: "وفي حرف أبيّ بن كعب: (وَرُسُلٌ) في الموضعين بالرفع، على تقدير: هم رُسُلٌ". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: "وقرأ أُبيّ: (وَرُسُلٌ) بالرفع في الموضعين، وفيه تخريجان، أظهرُهما: أنه مبتدأ وما بعده خبرُه". ثم قال: "والثاني: - وإليه ذهب ابن عطية - أنه ارتفعَ على خبر ابتداء مضمر، أي: وهم رسلٌ، وهذا غير واضح، والجملة بعد (رُسُل) على هذا الوجه تكون في محلِّ رفع؛ لوقوعها صفةً للنكرة قبلها". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: موضوع هذا الاستدراك هو توجيه قراءة أبيّ بن كعب بالرفع: (ورُسُلٌ قد قصصناهم عليك)، وقد نقل بعض العلماء هذه القراءة دون توجيه، ومنهم مَن وجهها إعرابيًا، ولهم في توجيهها أربعة أقوال: ١ - أنّ قوله: (رُسلٌ) مبتدأ مرفوع بعائد الذكر، وما بعده خبره، وعائد الذكر هو قوله: (قَدْ قَصَصْنَاهُمْ). قاله: الفراء (٣)، والطبري (٤)، وأبو حيان (٥)، والسمين الحلبي (٦).

стр. 100

فذلك عندهم مِن باب رفع الاسم المشغول عنه، والاسم المشغول عنه يجوز فيه الرفع والنصب، وهناك حالات يترجح فيها أحد الوجهين على الآخر. (١) قال الفراء: "ولو كان رفعًا كان صوابًا بما عاد من ذكرهم، وفي قراءة أُبي بالرفع: (وَرُسُلٌ قَدْ قَصَصْنَاهم عليك من قَبْل ورسلٌ لَمْ نقصصهم عليك) ". اهـ (٢) وقال أبو حيان في توجيهه لقراءة الجمهور: "وانتصاب ﴿وَرُسُلًا﴾ على إضمار فعل، أي: قد قصصنا رسلاً عليك، فهو من باب الاشتغال، والجملة مِن قوله: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ مُفسِّرةٌ لذلك الفعل المحذوف، ويدل على هذا قراءة أبيّ: (ورسلٌ) بالرفع في الموضعين على الابتداء". اهـ (٣) ٢ - أنّ (رسلٌ) خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم رسلٌ، وجملة: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ في موضع رفع صفة.

стр. 101

قاله: ابن عطية (١)، وعلَّق عليه السمين قائلاً: "وهذا غير واضح". اهـ (٢) ٣ - أنّ (رسلٌ) مبتدأ وخبره محذوف، أي: وثمّ رُسلٌ، وجملة: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ صفة لرُسل. قاله: أبو البقاء (٣). ٤ - أنّ (رُسلٌ) مبتدأ لخبر محذوف، والتقدير: ومنهم رُسلٌ. قاله: القرطبي (٤) (٥). وجميع هذه التوجيهات مُحتمَلة ومُوافِقة لمعنى الآية باستثناء قول ابن عطية؛ فهو بعيد من ناحية المعنى، فإن تقدير الكلام بناء على قول ابن عطية: وهم رُسلٌ قد قصصناهم عليك مِن قبل وهم رُسلٌ لم نقصصهم عليك، وهذا التقدير غير ظاهر. والقول الأول - وهو اختيار السمين- أرجح هذه التوجيهات؛ لأنه الأقرب للقول الراجح في توجيه القراءة المتواترة ﴿وَرُسُلًا﴾، وهو أنّ قوله: ﴿وَرُسُلًا﴾ مفعول به لفعل

стр. 102

محذوف يفسره الفعل المذكور بعده، أي: قصصنا رسلاً عليك، فهو من باب الاشتغال، وجملة ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ مفَسِّرة (١). والاسم المشغول عنه يجوز فيه الرفع والنصب، ولكن يترجح النصب هنا؛ لأن العطف كان على جملة فعلية (٢): ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] (٣)، ويبقى الرفع على الابتداء جائزًا على الأصل. فقراءة الجمهور بالنصب: ﴿وَرُسُلًا﴾، وهو الراجح هنا؛ لعطفه على جملة فعلية: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. وقراءة أبيّ بالرفع، وهو جائز على الأصل، إلاّ أنّ النصب هو الراجح هنا. * * *

стр. 103

[١٤]: قال ابنُ عطية في حديثه عن القراءات الواردة (١) في قوله - تعالى-: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]: "وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (٢): ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ بنصب (النفس) على اسم (أَنَّ)، وعطف ما بعد ذلك منصوبًا على ﴿النَّفْسَ﴾، ويرفعون (والجروحُ قصاصٌ) على أنها جملة مقطوعة.

стр. 104

وقرأ نافع (١) وحمزة وعاصم (٢) بنصب ذلك كله، و ﴿قِصَاصٌ﴾ خبر (أَنَّ) ". اهـ (٣) وقال السمين الحلبي: "وأمَّا قراءةُ نافعٍ ومَنْ معه فالنصبُ على اسم (أَنَّ) لفظاً وهي ﴿النَّفْسَ﴾ والجارُّ بعدَه خبرُه، و ﴿قِصَاصٌ﴾ خبر (الجُروحَ) أي: وأنَّ الجروحَ قصاص، وهذا من عطفِ الجملِ، عَطَفنا الاسمَ على الاسم والخبرَ على الخبر، كقولك: «إنَّ زيدًا قائمٌ وعمرًا منطلق»: عطفْتَ «عمراً» على «زيداً» و «منطلق» على «قائم»، ويكون الكَتْبُ شاملاً للجميع (٤)، إلاَّ أنَّ في كلام ابن عطية ما يقتضي أن يكونَ ﴿قِصَاصٌ﴾ خبراً على المنصوباتِ أجمعَ فإنه قال: "وقرأ نافع وحمزة وعاصم بنصبِ ذلك كلِّه، و ﴿قِصَاصٌ﴾ خبرُ (أَنَّ) " اهـ (٥)، وهذا وإنْ كان يَصْدُقُ أنَّ أخْذَ النفسِ بالنفسِ والعينَ بالعينِ قصاص، إلا أنه صار هنا بقرينة المقابلة مختصًا بالجروح، وهو محلُّ نظر". اهـ (٦)

стр. 105

دراسة الاستدراك: اتفق القراءُ على رفع قوله: ﴿قِصَاصٌ﴾، ولكن توجيه هذا الرفع يختلف باختلافهم في قراءة ما قبلها، وموضوع هذا الاستدراك هو توجيه قراءة نافع وحمزة وعاصم بنصب (الجروحَ) وما قبلها من المعطوفات، وإعراب ﴿قِصَاصٌ﴾ بناء على ذلك. وقد قال ابن عطية بأنّ ﴿قِصَاصٌ﴾ في هذه القراءة خبر (أنّ)، أي أنه خبر عن جميع المنصوبات قبله (١). وممن قال بذلك أيضًا: مكّيّ بن أبي طالب في (الكشف) (٢)، والفخر الرازي (٣). قال الفخر الرازي: "وقرأ نافعٌ وعاصم وحمزة كلّها بالنصب عطفًا لبعض ذلك على بعض، وخبرُ الجميعِ: قصاص". اهـ (٤) وقد علّق السمين على هذا القول بكلام وجيه فقال: "وهذا وإن كان يَصْدُقُ أنَّ أخْذَ النفسِ بالنفسِ والعينَ بالعينِ قصاص، إلا أنه صار هنا بقرينة المقابلة مختصًا بالجروح". اهـ (٥)

стр. 106

وذهب السمين الحلبي إلى أن ﴿قِصَاصٌ﴾ هنا خبر (الجروحَ)، أي: وأنّ الجروحَ قصاصٌ. وممن قال بذلك: مكيّ بن أبي طالب في (المُشْكِل) (١)، وأبو حيان (٢)، وغيرهما (٣). قال مكي: "مَن نصب (الجُروحَ) عطفه على ﴿النَّفْسَ﴾، و ﴿قِصَاصٌ﴾ خَبره". اهـ (٤) وهذا التوجيه هو الأرجح، فالقول بأنّ ﴿قِصَاصٌ﴾ خبر عن جميع المنصوبات - وهو قول ابن عطية- يقتضي أن أخذ العين بالعين وكل ما ذُكر قصاص، وهذا وإنّ سُميَ قصاصًا فإن القصاص هنا صار بقرينة المقابلة مختصًا بالجروح، وعليه: فقوله: ﴿قِصَاصٌ﴾ خبر (الجُروحَ). (٥) ويؤيد هذا التوجيه أيضاً قراءة أبيّ بن كعب: (وأنِ الجروحُ قصاصٌ) (٦)، ويؤيده أيضًا قراءة مَن رفع (الجروح) استئنافًا ونصب ما قبل ذلك، فهم استأنفوا فقالوا: (والجروحُ قصاصٌ)؛ لأن خبر الجروح لم يشبه أخبار ما تقدمه، فعدل به إلى الاستئناف (٧).

стр. 107

قال ابنُ خالويه: "ومما يدل على انقطاع ذلك من الأول أنه لم يقل فيه: والجروح بالجروح قصاص". اهـ (١) حتى إن بعض المفسرين والفقهاء ذكروا فائدة في قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وهي أن ذلك يدل على القصاص فيما يمكن القصاص فيه من الجروح وتُعرف فيه المساواة، أماّ ما لا يمكن القصاص فيه فلا قصاص؛ لأنه لا يمكن الوقوف على نهايته (٢). وقد نصّوا أيضًا على أنّ قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ جملة مستقلة فيها تعميم بعد التخصيص (٣)، فقوله: ﴿قِصَاصٌ﴾ خبر خاص بالجروح وليس خبرًا عن جميع المنصوبات قبله. وعليه: فاستدراك السمين الحلبي وارد على ابن عطية. * * *

стр. 108

[١٥]: قال ابن عطية عند تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]: "وقال مجاهد (١): قوله - تعالى-: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يعني محمداً ﷺ هو مؤتمن على القرآن. قال القاضي أبو محمد: وغلط الطبري ﵀ في هذه اللفظة على مجاهد؛ فإنه فسَّر تأويله على قراءة الناس (٢) ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ بكسر الميم الثانية فبعد التأويل، ومجاهد ﵀ إنما يقرأ هو وابن محيصن (٣) (ومهيمَناً عليه) بفتح الميم الثانية، فهو بناء اسم المفعول، وهو حال من الكتاب معطوفة على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾، وعلى هذا يتجه أن المؤتمن عليه هو محمد ﷺ و ﴿عَلَيْهِ﴾ في موضع رفع على تقدير أنها مفعول لم يسم فاعله. هذا على قراءة مجاهد وكذلك مشى مكي (٤) ﵀ وتوغل في طريق الطبري في هذا الموضع". ثم ختم ابن عطية حديثه عن الآية بقوله: "ويحتمل أن يكون ﴿مُصَدِّقًا﴾ و ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ حالين من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾، ولا يخص ذلك قراءة مجاهد وحده كما زعم مكي". اهـ (٥)

стр. 109

وقال السمين الحلبي: "وقرأ ابن محيصن ومجاهد: (ومُهَيْمَنا) بفتح الميم الثانية على أنه اسمُ مفعول، بمعنى أنه حوفظ عليه من التبديل والتغيير، والفاعل هو الله - تعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أو الحافظ له في كل بلد، حتى إنه إذا غُيِرت منه الحركةُ تنبَّه لها الناسُ، ورَدُّوا على قارئِها بالصواب، والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ على هذه القراءة عائد على الكتاب الأول، وعلى القراءةِ المشهورة عائد على الكتاب الثاني. وروى ابن أبي نَجيح (١) عن مجاهد قراءته بالفتح وقال: "معناه: محمد مُؤْتَمَنٌ على القرآن"، قال الطبري: "فعلى هذا يكون ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ حالاً من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾ " (٢)، وطَعَن على هذا القول لوجود الواو في ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾؛ لأنها عطف على ﴿مُصَدِّقًا﴾ و ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من الكتاب لا حال من الكاف؛ إذ لو كان حالاً منها لكان التركيب: لما بين يديك؛ بالكاف". ثم قال السمين: "وقال ابن عطية هنا بعد أن حكى قراءةَ مجاهد وتفسيرَه محمداً ﵇ أنه أمين على القرآن: "قال الطبري: وقولُه (ومهيمناً) على هذا حالٌ من الكاف في قوله ﴿إِلَيْكَ﴾ قال: وهذا تأويلٌ بعيدٌ من المفهوم"، قال: "وغَلِط الطبري في هذه اللفظةِ على مجاهد، فإنه فَسَّر تأويلَه على قراءة الناس: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ بكسر الميم الثانية فَبَعُدَ التأويل، ومجاهد ﵀ إنما يقرأ هو وابن محيصن: (ومهيمَنا) بفتح الميم الثانية، فهو بناء اسم

стр. 110

المفعول، وهو حالٌ من الكتاب معطوف على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾، وعلى هذا يتجه أنَّ المؤتَمَنَ عليه هو محمد ﵇. قال: "وكذلك مشى مكي ﵀". قلت: وما قاله أبو محمد ليس فيه ما يَرُدُّ على الطبري، فإنَّ الطبري استشكل كونَ (مهيمَنا) حالاً من الكاف على قراءة مجاهد، وأيضاً فقد قال ابن عطية بعد ذلك: "ويحتمل أن يكون ﴿مُصَدِّقًا﴾ و ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ حالَيْن من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾، ولا يَخُصُّ ذلك قراءةَ مجاهد وحده كما زعم مكي"، فالناس إنما استشكلوا كونَهما حالين من كاف ﴿إِلَيْكَ﴾ ... ؛ لقلق التركيب". اهـ (١) دراسة الاستدراك: أولاً: قراءة مجاهد وتفسيره: قرأ مجاهد (ومهيمَناً) بفتح الميم الثانية: اسم مفعول، وهي قراءة شاذة، مخالفة لما اتفق عليه العشرة (٢). وقيل في توجيه في قراءة مجاهد أن معناها: هيمن عليه اللَّهُ - سبحانه- (٣).
следующие страницы →