← Акыда

Акыда · id 1301

التعليقات على المسائل العقدية في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (265 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وإنَّما جعَلُوهُ مستحيلًا على الله؛ لأنَّهم قالوا: إنَّ التعجُّبَ استعظامٌ خَفِيَ سببُهُ، والصوابُ: أنه لا يَلزَمُ أن يكونَ خفيَّ السببِ، بل هو لمجرَّدِ الاستعظام؛ فعلى هذا لا يستحيلُ على الله) (١). قولُ المؤلِّفِ ﵀: (وأشكَلَ ذلك … )، إلخ: أي: نِسْبةُ العَجَبِ إلى اللهِ؛ كما في القراءةِ المشارِ إليها، وهي قراءةٌ سبعيَّة؛ أي: أشكَلَ ذلك على نفاةِ العَجَبِ عن اللهِ، وهم كلُّ مَنْ ينفي قيامَ الصفاتِ الفعليَّةِ بالله؛ كالأشاعِرةِ، والكُلَّابيَّةِ (٢).

стр. 212

والماتُرِيدِيَّةِ (١)، وهم الذين عناهُمُ المؤلِّفُ بقولِه: «إنَّهم يقولونَ: إنَّ التعجُّبَ مستحيلٌ على الله؛ لأنه استعظامُ شيءٍ خَفِيَ سببُهُ». وقد خالَفَهم المؤلِّفُ في تفسيرِ التعجُّبِ، فجوَّزه على الله، واستشهَدَ له ببعضِ ما جاء في السُّنَّة؛ وقد أصاب في ذلك. والذين نفَوا العجَبَ عن الله، أوَّلوا ما جاء في القرآنِ والسُّنَّة، مما يدُلُّ على إثباتِ العجَبِ بتأويلاتٍ، منها ما أورَدَهُ المؤلِّف؛ فجمَعُوا بين التعطيلِ بنفيِ الصفاتِ، والتحريفِ بتأويلِ الآياتِ.

стр. 213

والجاري على مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: إثباتُ العجَبِ مِنْ اللهِ (١)، كغيرِهِ مِنْ الصفاتِ التي ورَدَ بها الكتابُ والسُّنَّة؛ كالغضَبِ والرضا، والمحبَّةِ والكَرَاهة، وليس شيءٌ مِنْ ذلك يُشبِهُ صفاتِ المخلوقِين، فليس عَجَبُ اللهِ كعَجَبِ المخلوق، ولا حبُّه كحبِّه، ولا رضاهُ كرضاه، وهذا هو الحقُّ الذي قامت عليه الأدلَّةُ مِنْ الكتاب والسُّنَّة.

стр. 214

(٩٣) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِين (٩٩)﴾ [الصافات]: (وقالت المتصوفة: معناه: إني ذاهب إلى ربي بقلبي، أي: مقبلٌ على الله بكليته، تاركٌ لما سواه) (١). قوله: (قالت المتصوفة) إلخ، نقله هذا التأويل للآية عن الصوفية دون تعقب إقرارٌ له، وهذا التأويل في نفسه معنى حقٌّ؛ فلا ريب أن إبراهيم مقبلٌ على ربه بكليَّة قلبه، كيف وقد قال الله فيه: ﴿إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٤)﴾ [الصافات]؟! لكنْ جعْلُ هذا المعنى تفسيرا للآية ليس بمستقيم؛ لأنه خلاف تفسير السَّلف للآية؛ فالسَّلف ومن تبعهم على أن المراد بالآية الهجرةُ من العراق إلى الشام (٢)، فقوله في الصافات: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِين (٩٩)﴾، هو المذكور في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٢٦)﴾، فالآيتان في هجرة البدن، لا في هجرة القلب؛ فإبراهيم لم يزل مهاجراً إلى ربه بقلبه.

стр. 215

سورة ص (٩٤) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] الضمير في ﴿قَالَ﴾ لله ، و ﴿بِيَدَيَّ﴾ من المتشابه الذي ينبغي الإيمان به، وتسليم علم حقيقته إلى الله، وقال المتأوّلون: هو عبارة عن القدرة، وقال القاضي أبو بكر ابنُ الطيب: إن اليد والعين والوجه صفاتُ ذاتٍ زائدةٌ على الصفات المتقرّرة. قال ابن عطية: «وهذا قول مرغوب عنه») (١). قوله ﵀: (من المتشابه الذي ينبغي الإيمان به) إلخ، يعني أن هذه الآية المتضمنة إثبات يدين لله من الآي المتشابه المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، ومن المذاهب في المتشابه من القرآن أنه الذي لا يعلم تفسيره إلا الله، أي: لا يعلم معناه والمراد به إلا الله، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾، وتفسير المتشابه

стр. 216

بهذا مردود؛ لأن الله أمر بتدبر القرآن كله، وذمَّ المعرضين عن تدبره، وما لا يفهم معناه لا يؤمر بتدبره؛ لأنه لا معنى له؛ ككلام الأعجمي لا يؤمر العربي بتدبره، وأيضًا فإنه على تقدير أن المتشابه من القرآن ما لا يُفهم معناه لا يكون هدى ولا بيانا ولا شفاءً، فعلم بذلك بطلان هذا المذهب في معنى المتشابه من القرآن، ونفاة الصفات أو كثير منها - كالأشاعرة - يجعلون نصوص ما ينفونه من المتشابه، أي: مما لا يعلم معناه إلا الله (١)، وقد نصَّ ابن جزي ﵀ على أن هذه الآية ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ من المتشابه الذي فسَّره بالمعنى المتقدم في المتشابه، وهذا يقتضي أنه لا يثبت لله يدين حقيقة؛ لأنه اعتبر لفظ اليدين من المتشابه الذي يؤمَن بلفظه، وتفوَّض حقيقته إلى الله، وهذا هو مذهب أهل التفويض من النفاة؛ لأنه جعل مقابله قول أهل التأويل الذين يفسِّرون اليدين بالقدرة، وابن جزي على خلاف قولهم، وأما ذكره لقول أبي بكر الباقلاني المتضمِّن لإثبات الصفات التي ذكرها، فمقصود ابن جزي - والله أعلم - تعقُّب ابن عطية له بقوله: «وهذا قول مرغوب عنه» (٢)، وقد ظهر بعد المراجعة أن ابن عطية نفسه ينكر على

стр. 217

أبي بكر الباقلاني إثبات هذه الصفات زائدةً على الصفات المتقررة، ولعلهم يريدون بالمتقررة الصفات السبع، وهي القدرة والعلم إلخ، وظهر أيضًا أن ابن عطية من أهل التأويل؛ لأنه فسَّر اليدين بالقدرة، فظهر من سياق كلام ابن جزيٍّ أنه ذكر قول ابن عطية شاهدًا لمذهب أهل التأويل الذين فسَّروا اليدين بالقدرة، فتبيَّن من مجموع كلام ابن جزي أنه من النُّفاة أهل التفويض، وأنَّ ابن عطية من النفاة أهل التأويل، وأبا بكر الباقلاني من أهل الإثبات للصفات الخبرية، كاليدين والعينين والوجه، فالحقُّ مع أبي بكر الباقلاني في إثبات هذه الصفات، ومذهب ابن جزي وابن عطية في نفي حقائق هذه الصفات وتفويض معناها أو تأويلها باطلٌ مخالفٌ لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون جميع صفات الله التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ ، ويُجرون النصوص على ظاهرها مثبتين ما دلَّت عليه معرضين عن تأويلها بخلاف ظاهرها، وهذا معنى قول بعض السلف: أمِرُّوها كما جاءت، بلا كيف (١)، والله أعلم.

стр. 218

سورة الزمر (٩٥) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]؛ تأوَّل الأشعريَّةُ هذه الآيةَ على وجهَيْنِ: أحدُهما: أن الرِّضَا بمعنى الإرادةِ، ويعني ب «عِبَادِهِ»: مَنْ قضَى اللهُ له بالإيمانِ والوفاةِ عليه؛ فهو كقولِه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. والآخَرُ: أنَّ الرضا غيرُ الإرادة، والعبادُ على هذا للعمومِ؛ أي: لا يَرضَى الكفرَ لأحدٍ مِنْ البشَر، وإنْ كان قد أراد أن يقَعَ مِنْ بعضِهم؛ فهو لم يَرْضَهُ دِينًا ولا شَرْعًا، وأرادَهُ وقوعًا ووجودًا. وأمَّا المعتزِلةُ: فالرِّضا عندهم بمعنى الإرادة، والعبادُ على العموم؛ جَرْيًا على قاعدتِهم في القَدَرِ وأفعالِ العباد) (١).

стр. 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذكَرَ المؤلِّفُ الوجهَيْنِ عن الأشاعرة، ولم يرجِّح، والصوابُ هو القولُ الثاني، وهو أنَّ الرضا غيرُ الإرادةِ، وأنه لا تلازُمَ بين الرضا والإرادةِ الكونيَّة؛ وعلى هذا: فاللهُ لا يرضى الكفرَ لأحدٍ مِنْ عباده، وإنْ كان قد يشاؤُهُ مِنْ بعضهم؛ فالكافِرُ قد شاء اللهُ منه الكفرَ، وإنْ كان لا يرضاهُ منه؛ وهذا يوافِقُ قولَ أهلِ السُّنَّة (١).

стр. 220

(٩٦) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (وقال ابن عطية: هي جواب لقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر: ٥٨]؛ فإن معناه يقتضي أن العمر لم يتَّسع للنظر فقيل له: ﴿بلى﴾ على وجه الردِّ عليه) (١). قول ابن عطية: «فإن معناه يقتضي أن العمر لم يتَّسع للنظر» (٢) إلخ، يريد أنَّ معنى قول المتمنِّي للكرَّة الاعتذار أنَّ عمره لم يتسع للنظر؛ فهو يطلب العودة إلى الدنيا؛ لينظر فيُحسِن، فجاء الجواب بأنه قد جاءتك الآيات البيِّنات فكذَّبت بها، واستكبرت عن الانقياد لها، وكنتَ بهذا التكذيب والاستكبار من الكافرين، فلا عذر لك في قصر العمر، وعدم اتساعه للنظر، ويبطل هذا الاعتذار قوله تعالى لمن سأل الرجعة: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].

стр. 221

سورة الشورى (٩٧) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥] أي: يتشقَّقْنَ من خوف الله وتعظيم جلاله. وقيل: من قول الكفار: «اتخذ الله ولدًا»، فهي كالآية التي في «مريم». قال ابن عطية: وما وقع للمفسِّرين هنا من ذكر الثِّقَل ونحوه مردودٌ؛ لأن الله تعالى لا يوصف به) (١). قوله: (وقيل: من قول الكفار) إلخ، هذا المعنى صحيح؛ لدلالة آية سورة مريم عليه، ولكن تفسير هذه الآية به ضعيف؛ لأنه لا ذكر لقول الكفار في هذه الآية من سورة «الشورى»، فالصواب في هذه الآية هو القول الأول؛ لتقدم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم (٤)﴾ [الشورى] (٢).

стр. 222

وقوله: (قال ابن عطية: وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثقل) إلخ: جزْمُ ابن عطية بنفي الثقل عن الله فيه نظر؛ لأنه لم يذكر على النفي دليلاً، والظاهر أن نفي الثقل عند ابن عطية ونحوه مبنيٌّ على نفي الجسم عن الله عندهم، وهو - أعني الجسم - لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفيه ولا إثباته، ولهذا فأهل السنة لا يطلقونه نفيًا ولا إثباتًا؛ لأنه لم يرد فيه شيء، ولأنه لفظ مجمل يحتمل حقًّا وباطلًا، ولذا يوجبون الاستفصال عن مراد من تكلم به؛ فإن أراد حقًّا قُبل، وإن أراد باطلًا رُدَّ (١). وأما الثِّقل فلا أعلم أنه ورد مرفوعًا عن النبي ﷺ إلا حديث الأطيط، وفيه: ((وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا رُكِب من ثقله))، أي: الكرسي، كما في حديث عبد الله بن خليفة عند ابن جرير (٢)،.

стр. 223

وفي معناه حديث جبير بن مطعم في العرش عند أبي داود وغيره (١).

стр. 224

لكن جاء في بعض الآثار عن ابن عباس وغيره في تفسير هذه الآية أنه قال: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾: قال: «يعني من ثقل الرحمن وعظمته ﵎» رواه ابن جرير (١)، وهو ما أشار إليه ابن عطية، ومثل هذه الآثار لا تكفي في إثبات صفة لذاته تعالى، فيجب التوقف عن إضافة الثِّقل إلى الله تعالى، إثباتًا أو نفيًا، ولكن هناك حديث قد يفهم منه إضافة الثقل إلى الله، وهو قوله ﷺ : ((لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويزوى بعضها إلى بعض)) (٢).

стр. 225

(٩٨) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] تنزيهٌ لله تعالى عن مشابهة المخلوقين) (١). قوله: (عن مشابهة المخلوقين) معلوم بالضرورة أن الله منزَّه عن أن يشابه أحدًا من المخلوقين، وعن أن يشابهه أحدٌ من المخلوقين (٢)، ونفيُ أيِّ واحد منهما يستلزم نفي الآخر، ولكن الذي صرَّحت بنفيه نصوص القرآن هو تشبيه المخلوق بالخالق؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي ليس شيء من الموجودات مثلَه، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ [الإخلاص] أي: ليس أحد من الخلق كفوًا له، أي: مثلًا له، ومن ذلك نفي النِّدِّ والسَّمِيِّ، كقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم] أي: شبيهًا أو نظيرًا من خلقه، وقوله سبحانه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: ٢٢] أي: لا تجعلوا لله نظراء في استحقاق الإلهية، ولم يأت نصٌّ في نفي أن يكون تعالى مثلًا لبعض خلقه،

стр. 226

ولكن نفي الأول يستلزم نفي الثاني، ولعل تصريح الآيات بنفي الأول، أي: مماثلة المخلوق للخالق؛ لأنه هو الواقع من المشركين، فكل من عبد مع الله غيره فقد جعله مثلاً لله، ومن ذلك شرك النصارى؛ فإنهم جعلوا المسيح إلها، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. فقول ابن جزي في الآية: «تنزيهٌ لله تعالى عن مشابهة المخلوقين» هذا ما تدل عليه الآية بطريق اللزوم، أما منطوق الآية فهو تنزيه الله أن يماثله شيء من المخلوقين، فلو قال ابن جزي: تنزيه لله أن يماثله شيء من المخلوقين، كان أولى؛ ليوافق منطوق الآية (١)، والآية دالة على نفي التشبيه بنوعيه؛ فتدل على نفي الأول بدلالة المنطوق، وعلى نفي الثاني: بطريق اللزوم، كما تقدم، ومع ذلك فعبارة ابن جزي تحتمل المعنيين؛ لجواز إضافة المصدر إلى فاعله وإلى مفعوله.

стр. 227

سورة الفتح (٩٩) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]: (وذلك على وجهِ التخييلِ والتمثيلِ؛ يريدُ: أنَّ يَدَ رسولِ الله ﷺ التي تعلو أيديَ المبايِعِينَ له هي يَدُ اللهِ في المعنى، وإنْ لم تكن كذلك في الحقيقةِ، وإنما المرادُ: أنَّ عَقْدَ ميثاقِ البَيْعةِ مع الرسولِ ﷺ كعَقْدِهِ مع الله؛ كقولِهِ: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وتأوَّل المتأوِّلونَ ذلك: بأنَّ يَدَ اللهِ معناها: النِّعْمةُ أو القوَّة؛ وهذا بعيدٌ هنا) (١). قولُهُ: (وذلك على وجهِ التخييلِ والتمثيلِ … )، إلخ:

стр. 228

قد أحسَنَ المؤلِّفُ في ترجيحِ هذا الرأي، وتنظيرِ الآيةِ بقولِهِ تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وأحسَنَ في ردِّه قولَ المتأوِّلينَ اليَدَ بالنِّعْمة (١). وما رجَّحه هو ما ذكَرَهُ ابنُ القيِّم ﵀، والآيةُ مع هذا تدُلُّ على إثباتِ اليدِ للهِ تعالى (٢).

стр. 229

سورة الحجرات (١٠٠) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] يريدُ ب «الِاسْمِ»: أنْ يسمَّى الإنسانُ فاسقًا، بعد أن سُمِّيَ مؤمِنًا؛ وفي ذلك ثلاثةُ أوجه: أحدُها: استقباحُ الجمعِ بين الفسوقِ وبين الإيمانِ؛ فمعنى ذلك: أنَّ مَنْ فعَلَ شيئًا مِنْ هذه الأشياءِ التي نُهِيَ عنها، فهو فاسقٌ، وإنْ كان مؤمِنًا. والآخَر: بئسَ ما يقولُهُ الرَّجُلُ للآخَرِ: «يا فاسقُ» بعد إيمانِه؛ كقولِهم لمن أسلَمَ مِنْ اليهود: «يا يهوديُّ». الثالثُ: أن يُجعَلَ مَنْ فسَقَ غيرَ مؤمِنٍ؛ وهذا على مذهبِ المعتزِلة) (١). قولُ المؤلِّفِ: (الثالثُ: أن يُجعَلَ مَنْ فسَقَ غيرَ مؤمِنٍ … )، إلخ: الفرقُ بين الوجهِ الثاني والثالثِ: أنَّ المراد بالوجهِ الثاني: مَنْ أطلَقَ على أخيهِ: «فَاسِق»؛ على وجهِ السَّبِّ مغايَظةً له لخصومةٍ بينهما.

стр. 230

فأمَّا الثالثُ، فمعناه: الحكمُ على المسلِمِ العاصي: بأنه فاسِقٌ، وليس بمؤمِنٍ، فيُخرِجُهُ عن الإيمان، ويَجعَلُهُ في منزِلةٍ بين الإيمانِ والكفر؛ وهذا - كما قال المؤلِّفُ - على مذهَبِ المعتزِلة؛ فإنهم يَجعَلُونَ مرتكِبَ الكبيرةِ في منزِلةٍ بين المنزِلَتَيْنِ، لا هو مؤمِنٌ، ولا هو كافرٌ (١): فخالَفُوا أهلَ السُّنَّةِ الذين يقولونَ: «إنَّ مرتكِبَ الكبيرةِ معه أصلُ الإيمان؛ فهو مؤمِنٌ ناقصُ الإيمان» (٢). وخالَفُوا الخوارجَ الذين يقولونَ: «مرتكِبُ الكبيرةِ كافِرٌ» (٣). ثم يتفِقُ الخوارجُ والمعتزِلةُ على حُكْمِهِ في الآخِرة، وهو الخلودُ في النار (٤).

стр. 231

سورة النجم (١٠١) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم]: (وهذا الذي ذكَرْنا: أنَّ هذه الضمائرَ المتقدِّمةَ لجبريلَ، هو الصحيحُ، وقد ورَدَ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ في الحديثِ الصحيح (١). وقيل: إنَّها للهِ تعالى؛ وهذا القولُ يَرُدُّ عليه الحديثُ والعقلُ؛ إذْ يجبُ تنزيهُ اللهِ تعالى عن تلك الأوصافِ مِنْ الدُّنُوِّ والتدلِّي وغيرِ ذلك) (٢). قولُ المؤلِّفِ: (وهذا الذي ذكَرْنا: أنَّ هذه الضمائرَ المتقدِّمةَ لجبريلَ، هو الصحيحُ … )، إلخ: قد أصاب المؤلِّفُ في تصحيحِهِ أنَّ الضمائرَ في الآياتِ لجبريلَ ﵇.

стр. 232

وأمَّا قولُهُ في تضعيفِ القولِ الثاني: أنَّ الضمائرَ تعودُ إلى اللهِ: «إنَّ هذا القولَ يَرُدُّ عليه الحديثُ والعقلُ»: يريدُ بالحديثِ: ما رواه البخاريُّ (١)، عن عائشةَ ﵂ لمَّا سُئِلَتْ عن قولِه: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾﴾، قالت: «ذَاكَ جِبْرِيلُ». وأمَّا قولُ المؤلِّفِ: (والعقلُ)، فمعناه: أنَّ العقلَ يَدُلُّ على امتناعِ الدُّنُوِّ مِنْ اللهِ تعالى؛ وهذا يجري على مذهبِ مَنْ ينفي علوَّ اللهِ فوق المخلوقات، وينفي قيامَ الأفعالِ الاختياريَّةِ به سبحانه. وهذا خلافُ ما دلَّت عليه نصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ مِنْ علوِّهِ تعالى فوقَ سماواتِهِ على عرشِهِ، وأنه فعَّالٌ لما يريد، والله أعلم (٢).

стр. 233

سورة الحديد (١٠٢) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]؛ أي: ليس لوجودِهِ بدايةٌ، ولا لبقائِهِ نهايةٌ. ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]: أي: «الظاهرُ» للعقولِ بالأدلَّةِ والبراهينِ الدالَّةِ عليه، «الباطنُ» الذي لا تُدرِكُهُ الأبصارُ، أو «الباطِنُ»: الذي لا تَصِلُ العقولُ إلى معرِفةِ كُنْهِ ذاتِه. وقيل: «الظَّاهِرُ»: العالي على كلِّ شيء؛ فهو مِنْ قولِكَ: «ظَهَرْتُ على الشيءِ»: إذا عَلَوْتَ عليه، و «البَاطِنُ»: الذي بطَنَ كلَّ شيءٍ؛ أي: عَلِمَ باطنَهُ. والأوَّلُ أظهَرُ وأرجَح) (١). قولُ المؤلِّفِ: (والأوَّلُ أظهَرُ وأرجَح):

стр. 234

يريد: القولَ الأوَّلَ في تفسيرِ الظاهِرِ والباطِنِ مِنْ أسماءِ الله، والصوابُ في تفسيرِ هذَيْنِ الاسمَيْنِ هو القولُ الثاني؛ لأنه الموافِقُ لتفسيرِهِ ﷺ ؛ إذْ قال في الدعاءِ: ((وَأَنْتَ الظَّاهِرُ؛ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ؛ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ)) (١). وإنَّما رجَّح المؤلِّفُ القولَ الأوَّلَ؛ فرارًا مِنْ إثباتِ علوِّه تعالى بذاتِهِ فوقَ مخلوقاتِهِ، ونفيُ ذلك هو مذهبُ الأشاعِرةِ، وإثباتُهُ هو مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ؛ كما تقدَّم قريبًا (٢).

стр. 235

(١٠٣) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]: (وإعرابُ «رَهْبَانِيَّةً»: معطوفٌ على «رَأْفَةً وَرَحْمَةً»؛ أي: جعَلَ اللهُ في قلوبِهم الرأفةَ والرحمةَ والرهبانيَّةَ، و «ابْتَدَعُوهَا»: صفةٌ للرهبانيَّة، والجَعْلُ هنا بمعنى الخَلْقِ. والمعتزِلةُ يُعرِبونَ: «رَهْبَانِيَّةً» مفعولًا بفعلٍ مضمَرٍ يفسِّرُه: «ابْتَدَعُوهَا» (١)؛ لأنَّ مذهبَهَم: أنَّ الإنسانَ يخلُقُ أفعالَهُ؛ فأعرَبُوها على مذهَبِهم، وكذلك أعرَبَها أبو عليٍّ الفارسيُّ (٢)، وذكَرَ الزمخشريُّ الوجهَيْن (٣) (٤). قولُ المؤلِّفِ: (وإعرابُ «رَهْبَانِيَّةً»: معطوفٌ على «رَأْفَةً وَرَحْمَةً» … )، إلخ:

стр. 236

تضمَّن كلامُ المؤلِّفِ ذكرَ الوجهَيْنِ في إعرابِ «رَهْبَانِيَّةً»؛ هل هي عطفٌ على «رَأْفَةً وَرَحْمَةً»، أو نصبٌ على الاشتغالِ بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرُهُ ما بعده، والتقديرُ: وابتدَعُوا رهبانيَّةً؟ ورجَّح المؤلِّفُ الوجهَ الأوَّل، ونسَبَ الثانيَ للمعتزِلة؛ حيثُ زعَمُوا أنَّ ذلك لئلا يتعلَّقَ الجَعْلُ - بمعنى الخلقِ - بالرهبانيَّةِ، وهي مِنْ فعلِ العبدِ، وعندَهم: أنَّ العبدَ هو الذي يخلُقُ فعلَهُ. والإعرابُ الثاني هو الراجِحُ، وقد ذهَبَ إليه جَمْعٌ؛ كالزَّجَّاجِ (١) والعُكْبَريِّ (٢)، والبغويِّ (٣) والقُرْطُبيِّ (٤)، وابنِ القيِّمِ (٥) وابنِ عاشورٍ (٦) وغيرِهم؛ وذلك لأنَّ مفعولَ «جعَلَ» في الآيةِ مقيَّدٌ في القلوبِ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ﴾ [الحديد: ٢٧]، والرهبانيَّةُ: سلوكٌ ظاهِرٌ، وليس في إعرابِ «رهبانيَّةً» على الوجهِ الثاني، حجَّةٌ للمعتزِلة، ولا منفعةٌ للمخالِف؛ قاله الشيخُ الطاهِرُ بنُ عاشورٍ ﵀ (٧).

стр. 237

سورة الملك (١٠٤) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُون (٢٧)﴾ [الملك]: تَفْتَعِلُونَ مِنْ الدعاء؛ أي: تطلُبُونَ وتستعجِلُونَ به، والقائلون لذلك: الملائكةُ، أو يقالُ لهم بلسانِ الحالِ) (١). قولُهُ تعالى: ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُون (٢٧)﴾ [الملك]: نظيرُهُ قولُهُ سبحانه: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُون (١٤)﴾ [الذاريات]؛ وهذا معنى ما قاله المؤلِّفُ: أنه افتِعالٌ مِنْ الدعاءِ؛ بمعنى: طَلَبِ الشيءِ، وعُدِّيَ بالباءِ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع (١)﴾ [المعارج]. وقولُ المؤلِّفِ: (والقائلون لذلك: الملائكةُ، أو يقالُ لهم بلسانِ الحالِ):

стр. 238

منشَأُ هذا التردُّدِ: أنَّ الفعلَ مبنيٌّ للمفعولِ: «قِيلَ»؛ فيَحتمِلُ ما ذكَرَهُ المؤلِّفُ، ويَحتمِلُ أنَّ القائلَ هو اللهُ؛ توبيخًا للكافِرِين؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون (٣٤)﴾ [الأحقاف]، والله أعلم.

стр. 239

سورة القلم (١٠٥) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]؛ قال المتأوِّلون: ذلك عبارةٌ عن هَوْلِ يومِ القيامةِ وشِدَّتِه، وفي الحديثِ الصحيحِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ؛ أنه قال: ((يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ القِيَامَةِ: لِتَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ؛ فَيَتَّبِعُ الشَّمْسَ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ القَمَرَ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ، وَيَتَّبِعُ كُلُّ أَحَدٍ مَا كَانَ يَعْبُدُ، ثُمَّ تَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، مَعَهُمُ مُنَافِقُوهُمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا شَأْنُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْتَظِرُ رَبَّنَا، قَالَ: فَيَجِيئُهُمُ اللهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي عَرَفُوهُ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُونَهُ بِعَلَامَةٍ تَرَوْنَهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ فَيَكْشِفُ لَهُمْ عَنْ سَاقٍ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ أَنْتَ رَبُّنَا، وَيَخِرُّونَ لِلسُّجُودِ، فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَتَرْجِعُ أَصْلَابُ المُنَافِقِينَ عَظْمًا وَاحِدًا، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سُجُودًا)) (١)، وتأويلُ الحديثِ كتأويلِ الآيةِ) (٢).

стр. 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قولُ المؤلِّفِ ﵀: (﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]؛ قال المتأوِّلون: ذلك عبارةٌ عن هَوْلِ يومِ القيامةِ وشِدَّتِهِ … )، إلخ: اكتفى المؤلِّف ﵀ بذكرِ قولِ المتأوِّلين في الآية، وهو أنَّ معنى ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾؛ أي: يُكشَفُ عن هَوْلِ يومِ القيامة، والساقُ على هذا هي الشِّدَّةُ، ومِن معاني الساق في اللغة: الشِّدَّةُ (١)؛ كقولِه تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاق (٢٩)﴾ [القيامة]؛ أي: اتصَلَتِ الشِّدَّةُ بالشِّدَّةِ عند الموت (٢)، وذكَرَ المؤلِّفُ الحديثَ، وأجراه مُجْرَى الآية. والقولُ الثاني - الذي أعرَضَ عنه المؤلِّفُ -: أنَّ المرادَ بالساقِ: ساقُ اللهِ تعالى؛ كما في روايةٍ في الصحيحِ: ((فَيَكشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ)) (٣)؛ فالحديثُ يفسِّرُ الآيةَ، فيكونُ معناها: يومَ يَكشِفُ ربُّنا عن ساقِه. ويؤيِّدُ ذلك: أنه حينئذٍ يسجُدُ له كلُّ مَنْ كان يسجُدُ في الدنيا استجابةً وطاعة، ويَعجِزُ المنافِقونَ عن السجود؛ كما يدُلُّ لذلك الآيةُ والحديث، والآيةُ تَحتمِلُ القولَيْن، وتفسيرُها بما دَلَّ عليه الحديثُ أولى؛ فإنَّ السُّنَّةَ تفسِّرُ القرآن (٤).

стр. 241

سورة المعارج (١٠٦) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِج (٣)﴾ [المعارج]: جمعُ مَعْرَجٍ، وهو المَصعَدُ إلى عُلْوٍ؛ كالسُّلَّمِ والمَدارِجِ التي يُرتقَى بها. قال ابن عطيَّة: «هي هنا مستعارةٌ في الفضائلِ والصفاتِ الحَمِيدة، وقيل: هي المَرَاقِي إلى السماءِ» (١)؛ وهذا أظهَرُ؛ لأنه فسَّرها بما بعدَها مِنْ عروجِ الملائكةِ والرُّوحِ إليه؛ أي: إلى عرشِهِ، ومِن حيثُ تَهبِطُ أوامرُهُ وقضاياه؛ فالعروجُ: هو مِنْ الأرضِ إلى العَرْش) (٢). قولُ المؤلِّفِ ﵀: (قال ابنُ عطيَّة: «هي هنا مستعارةٌ في الفضائلِ والصفاتِ الحَمِيدة»): يريدُ ابنُ عطيَّةَ: أنَّ المعارِجَ أمورٌ معنويَّةٌ، وهي صفاتُ الكمالِ؛ فلا تدلُّ على علوِّ الذاتِ في حقِّه تعالى، بل على علوِّ القَدْر، وهذا يتفِقُ مع مذهبِ نفاةِ علوِّ اللهِ بذاتِه.

стр. 242

ولكنَّ ابنَ جُزَيٍّ ﵀ رجَّح أنَّ المعارجَ هي المَصاعِدُ إلى السماء؛ بدليلِ قولِه تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج]، ولكنه قال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى عرشِهِ. وهذا تأويلٌ بصرفِ الكلامِ عن ظاهِرِه، وهو أنها تعرُجُ إلى الله، ولا مُوجِبَ لهذا التأويلِ إلا النَّزْعةُ إلى نفيِ العلوِّ الذي هو مذهَبُ القومِ. وقد جاء في السُّنَّةِ: ما يشهدُ لظاهِرِ الآية، وهو قولُهُ ﷺ : ((يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ))، وفيه: ((ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ - كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي … ))؛ الحديثَ (١). والصوابُ في الآيةِ: أنَّ الملائكةَ والرُّوحَ تَعرُجُ إلى اللهِ (٢).

стр. 243

سورة الإنسان (١٠٧) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]؛ أي: سبيلَ الخيرِ والشرِّ؛ ولذلك قسم الإنسانَ إلى قسمَيْنِ: شاكرٍ وكفورٍ، وهما حالانِ مِنْ الضميرِ في: ﴿هَدَيْنَاهُ﴾. و «الهُدَى» هنا بمعنى: بيانِ الطريقَيْنِ، ومَوهِبةِ العقلِ الذي يُميَّزُ به بينَهما. ويَحتمِلُ: أن يكونَ بمعنى الإرشادِ؛ أي: هَدَى المؤمِنَ للإيمانِ، والكافِرَ للكفرِ؛ ﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِنْدِ اللّهِ﴾ [النساء: ٧٨]) (١). قولُ المؤلِّفِ ﵀: (ويَحتمِلُ: أن يكونَ بمعنى الإرشادِ … )، إلخ: يريدُ: أنَّ الهُدَى في قولِه: ﴿هَدَيْنَاهُ﴾، يَحتمِلُ أن يكونَ بمعنى: أرشدناهُ:

стр. 244

فإنْ كان الإرشادُ عنده بمعنى: دَلَلْناهُ، فهو بمعنى البيانِ؛ وهو المعنى الأوَّلُ الذي ذكَرَهُ المؤلِّف. وإنْ كان بمعنى: دَعَوْناهُ إليه، فلا يصحُّ؛ فإنه تعالى لا يدعو إلا إلى سبيلِ الحقِّ، وطريقِ الخير. وعلى هذا: فالصوابُ: أنَّ «الهُدَى» بمعنى البيانِ، وهو المعنى الأوَّلُ الذي قدَّمه المؤلِّف. وقولُه: ﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِنْدِ اللّهِ﴾ [النساء: ٧٨]؛ أي: الهُدَى والضلالُ، والكفرُ والإيمانُ؛ كلٌّ مِنْ عندِ الله؛ أي: بقَدَرِهِ ومشيئتِه، وهذا هو معنى الإيمانِ بالقَدَرِ خيرِهِ وشرِّه. وقولُه: (ومَوهِبةِ العقلِ الذي يُميَّزُ به بينَهما)، لعلَّه يريدُ: أنَّ العقلَ مما يُميَّزُ به بين طريقِ الخيرِ وطريقِ الشرِّ، لا أنه يستقِلُّ بذلك، بل التمييزُ التامُّ بين الطريقَيْنِ إنما يكونُ بما بعَثَ اللهُ به رسولَهُ مِنْ الهُدَى ودِينِ الحقّ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٢)﴾ [الشورى].

стр. 245

سورة الليل (١٠٨) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾ [الليل]؛ أي: بيانَ الخيرِ والشرِّ، وليس المرادُ الإرشادَ عند الأشعريَّةِ؛ خلافًا للمعتزِلةِ) (١). انظر التعليقَ الذي قبلَ هذا؛ فإنَّ كلامَ المؤلِّفِ هنا نظيرُ كلامِهِ على آيةِ الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان].

стр. 246

سورة العاديات (١٠٩) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود (٦)﴾ [العاديات]؛ هذا جوابُ القسَمِ، و «الكَنُودُ»: الكفورُ للنِّعْمة؛ فالتقديرُ: إنَّ الإنسانَ لِنِعْمةِ ربِّه لكفورٌ، و «الإنسان»: جِنْسٌ. وقيل: «الكَنُودُ»: العاصي. وقال بعضُ الصوفيَّة: «الكَنُودُ»: الذي يعبُدُ اللهَ على عِوَضٍ) (١). قولُهُ: (وقال بعضُ الصوفيَّةِ: الكَنُودُ: الذي يعبُدُ اللهَ على عِوَضٍ): معناه عندهم: الذي يعبُدُ اللهَ رَغْبةً في الثوابِ، وخَوْفًا مِنْ العقابِ؛ وهذا مذمومٌ عندهم. وقولهم هذا هو مِنْ بِدَعِهم، لكنَّ المؤلِّفَ ﵀ حكاه، ولم يُعلِّق عليه (٢).

стр. 247

سورة القارعة (١١٠) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُه (٦)﴾ [القارعة] هو جمع ميزان، أو جمع موزون. وميزان الأعمال يوم القيامة له لسان وكِفَّتان عند الجمهور. وقال قوم: هو عبارة عن العدل) (١). قوله: (له لسان وكِفَّتان عند الجمهور) من عقيدة أهل السنة الجماعة إثبات ميزان الأعمال يوم القيامة، ولم يأت ذكر ميزان الأعمال في القرآن مفردًا، بل بصيغة الجمع «موازين»، فقيل: جمع ميزان أو موزون، كما ذكر المؤلف، وإنما جاء مفردا في السنة في أحاديث، كما في قوله ﷺ : ((والحمد لله تملأ الميزان)) (٢)، وقوله: ((كلمتان خفيفتان على اللسان)) الحديث، وفيه: ((ثقيلتان في الميزان)) (٣)، وظاهر الأدلة أنه ميزان حسِّي،

стр. 248

وله كِفَّتان توضع فيهما الحسنات والسيئات، وقد ورد ذكر الكِفَّتين في بعض الأحاديث، وأما اللسان فلا أعلم أنه ورد في شيء مرفوع، ولكن هذا هو المشهور في كلام من تكلَّم عن الميزان من أهل السنة، وإثبات اللسان لميزان الأعمال يتوقف على قيام الدليل (١)، وتفسيره بالعدل هو قول المعتزلة، وهو من التأويل المذموم الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره بغير حجة (٢)، والمؤلف ﵀ اكتفى بذكر الأقوال دون ترجيح؛ فليس له في هذا الموضع مذهب.

стр. 249

(١١١) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في ختامِ الكتاب: (وأنا أَرغَبُ إلى الله، كما أعانَنِي بفضلِهِ على هذا الكتاب، أن يَجعَلَهُ مُوجِبًا لدخولي الجَنَّةَ مِنْ غيرِ حسابٍ ولا عذاب؛ بحُرْمةِ القرآنِ العظيم، وشفاعةِ محمَّدٍ رسولِهِ المصطفَى الكريم) (١). قولُه: (بحُرْمةِ القرآنِ العظيم، وشفاعةِ محمَّدٍ رسولِهِ المصطفَى الكريم): كان الأَوْلى بالمؤلِّفِ ﵀ التوسُّلُ إلى اللهِ بأسمائِهِ وصفاتِهِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وكما جاء في السُّنَّة: ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ … ))؛ الحديثَ (٢).

стр. 250

وما ذكَرَهُ مِنْ التوسُّلِ بحُرْمةِ القرآنِ وشفاعةِ النبيِّ ﷺ ، لا دليلَ عليه؛ فغفَرَ اللهُ له، ورَحِمَهُ، وضاعَفَ مَثُوبَتَه (١). هذا ما تيسر إملاؤه، وكان آخر ذلك يومَ الثلاثاء، ثالثَ عشَرَ جُمَادى الآخِرة، لعام ١٤٣٧ هـ، ولله الحمد والمنة. وقد لحق زيادة على ما سبق التعليق على تسعة وثلاثين موضعًا فكانت العدة مئة وأحد عشر موضعًا، وكان آخره في يوم الأحد الرابع والعشرين من شهر صفر من عام اثنين وأربعين وأربع مئة بعد الألف.
следующие страницы →