(٧٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ [النور: ٣٩]، ضميرُ الفاعلِ في «وَجَدَ»: للكافر، والضميرُ في «عندَهُ»: لعمَلِهِ، والمعنى: وجَدَ اللهَ عندَهُ بالجزاءِ، أو وجَدَ زَبَانِيَةَ اللهِ) (١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (وجَدَ اللهَ عندَهُ بالجزاءِ)؛ أي: وجَدَ جزاءَ عمَلِهِ الذي أعدَّه اللهُ له:
هذا معنًى صحيحٌ؛ ولا يمنعُ أنْ يكونَ مِنْ معنى الآيةِ: أنَّ الكافرَ يَجِدُ اللهَ يومَ القيامةِ؛ أي: يَلْقَاهُ، فيوبِّخُهُ على كُفْرِه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون (٣٠)﴾ [الأنعام]، ولكن المؤلف لا يقرُّ هذه العنديةَ المتضمنةَ للقاء اللهِ؛ لأنَّ من ينفي العلوَّ، ويقول بأن الله في كلِّ مكانٍ لا يكون بعضُ المخلوقاتِ عندَه أو أقربَ إليه من بعضٍ، وهو ما يقتضيه مذهب المؤلف، كما تقدم في مواضع. والله أعلم.
стр. 177
سورة الفرقان
(٧٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ [الفرقان: ٢٣]؛ أي: قصَدْنا إلى أعمالِهم؛ فلفظُ القدومِ مجازٌ، وقيل: هو قدومُ الملائكةِ، أسنَدَهُ اللهُ إلى نفسِهِ؛ لأنه عن أمرِهِ) (١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (قصَدْنا إلى أعمالِهم؛ فلفظُ القدومِ مجازٌ):
قولُهُ: (﴿وَقَدِمْنَا … ﴾ أي: قصَدْنا)، هو معنى ما جاء عن السلف؛ إذْ قالوا في تفسيرِ الآية: قَدِمْنا؛ أي: عَمَدْنا (٢)، والمقتضِي لهذا التفسيرِ هو تعدِيَةُ الفعلِ ب «إلى»؛ ف «قَدِمَ» مضمَّنٌ معنى: قصَدَ أو عمَدَ، والفعلُ المضمَّنُ لمعنَى فعلٍ آخَرَ يفيدُ معنى الفعلَيْنِ؛ كما هو معلومٌ؛ وعليه: فقولُهُ تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا﴾، يفيد معنى «قَدِمَ»، الذي فيه معنى: أَتَى، أو جاءَ، وفيه معنى: عمَدَ أو قصَدَ.
стр. 178
وعلى هذا: فليس في الآيةِ مجازٌ، بل في الآيةِ تضمينُ الفعلِ معنى فعلٍ آخَرَ؛ كما تقدَّم.
وعُلِمَ مما تقدَّم: أنه يُمكِنُ أن يُستدَلَّ بالآيةِ على إثباتِ المجيءِ لله، لكنَّ إضافةَ الفعلِ إلى صيغةِ الجمعِ تفيدُ مجيءَ الملائكةِ أيضًا؛ كما جاء الخبَرُ عن الأمرَيْنِ - مجيءِ اللهِ، ومجيءِ ملائكتِهِ - في غيرِ موضع؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠].
ولهذا يشيرُ قولُ المؤلِّف: (وقيل: هو قدومُ الملائكةِ)؛ أي: مجيئُهم، والقائلُ بذلك الأشبَهُ أنه مِنْ نفاةِ الصفاتِ الفعليَّةِ عن الله؛ كالمجيءِ والإتيانِ.
والحقُّ: أنه تعالى يجيءُ كما يشاءُ؛ كما أخبَرَ عن نفسِهِ في عددٍ مِنْ الآيات (١)، والأظهَرُ: أنَّ منها هذه الآيةَ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [الفرقان: ٢٣].
стр. 179
سورة الشعراء
(٧٩)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في قولِه تعالى: ﴿كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُون (١٥)﴾ [الشعراء]:
(﴿مُّسْتَمِعُون﴾، لفظُهُ جمعٌ، وورَدَ مَورِدَ تعظيمِ اللهِ تعالى، ويَحتمِلُ: أنْ تكونَ الملائكةُ هي التي تَستمِعُ بأمرِ الله؛ لأنَّ اللهَ لا يُوصَفُ بالاستماعِ، وإنما يُوصَفُ بالسمعِ؛ والأوَّل أحسَن، وتأويلُهُ: أنَّ في الاستماعِ اعتناءً واهتمامًا بالأمرِ، ليست في صيغةِ «سَامِعُونَ») (١).
قولُه: (ورَدَ مَورِدَ تعظيمِ الله)؛ معناه: أنَّ اللهَ ذكَرَ نفسَهُ بصيغةِ الجمعِ وهو واحدٌ؛ للدَّلَالةِ على عظمتِهِ تعالى، وهذا معنًى صحيحٌ؛ فإنه تعالى:
- يذكُرُ نَفْسَهُ بصيغةِ المفرَدِ، مُظهَرًا أو مُضمَرًا؛ للدَّلَالةِ على التوحيدِ.
стр. 180
- ويذكُرُ نَفْسَهُ بصيغةِ الجمعِ، مُظهَرًا أو مُضمَرًا؛ للدَّلَالةِ على عظمتِهِ؛ لكثرةِ أسمائِهِ وصفاتِهِ، وكثرةِ عبيدِهِ وجنودِهِ، وشواهدُ هذا في القرآن كثيرةٌ؛ كما في هذه الآية: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُون (١٥)﴾ [الشعراء]، وكقولِه تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُون (٤٧)﴾ [الذاريات]، وقولِه: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾ [الذاريات]، وقولِه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون (٩)﴾ [الحجر]، وقولِه تبارَكَ اسمُه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح]، وقولِه: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١].
وقد يراد بهذه الصيغةِ الملائكةُ؛ كقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه (١٨)﴾ [القيامة]، فالمرادُ: قراءةُ جبريلَ، وقولِه سبحانه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد (١٦)﴾ [ق]، والمرادُ: قربُ الملائكةِ الحافِظِينَ الكاتِبِينَ لعمَلِ العبدِ.
وقد تدُلُّ هذه الصيغةُ على الأمرَيْنِ معًا: على التعظيمِ، وعلى إرادةِ الملائكة، ومِن ذلك هذه الآيةُ: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُون (١٥)﴾ [الشعراء]؛ فاللهُ يَستمِعُ، والملائكةُ يَستمِعُونَ؛ كما قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف].
وقولُ المؤلِّفِ: (إنَّ اللهَ لا يُوصَفُ بالاستماعِ، وإنَّما يُوصَفُ بالسمعِ):
هذا غَلَطٌ منه ﵀؛ منشؤُهُ نفيُ الأفعالِ الاختياريَّةِ عن الله (١)، وهي التي تكونُ بمشيئتِهِ تعالى، وهو المعروفُ مِنْ مذهبِ الأشاعرة؛ كيف وقد أخبَرَ تعالى عن نفسِهِ في هذه الآيةِ بصيغةِ الجمعِ بأنه مُستمِعٌ؟!
стр. 181
ويَشهَدُ لذلك: ما جاء في السُّنَّةِ، وهو قولُهُ ﷺ : ((مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ)) (١)، وقولُهُ: ((مَا أَذِنَ))؛ أي: ما استمَعَ، والأَذَنُ - بالتحريك - الاستماعُ (٢)؛ فالاستماعُ فِعْلٌ مِنْ اللهِ يكونُ بمشيئتِهِ؛ فهو تعالى يَسمَعُ جميعَ الأصوات، ويَستمِعُ لما شاء منها (٣)، ومِن ذلك: ما جاء في الآيةِ والحديثِ؛ فالاستماعُ أخصُّ مِنْ السماع؛ فكلُّ استماعٍ متضمِّنٌ للسماع، دون العَكْس، والله أعلم.
стр. 182
سورة النمل
(٨٠)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في قولِهِ تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٨)﴾ [النمل]:
(﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨]، يَحتمِلُ: أن يكونَ مما قيل في النداءِ لموسى ﵇، أو يكونَ مستأنَفًا؛ وعلى كلا الوجهَيْنِ: قُصِدَ به تنزيهُ اللهِ مما عسى أن يخطُرَ ببالِ السامعِ في معنى النداءِ، وفي قولِه: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٨]؛ إذْ قال بعضُ الناسِ فيه ما يجبُ تنزيهُ اللهِ عنه) (١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨]، يَحتمِلُ أن يكونَ مما قيل في النداءِ لموسى ﵇ … ) إلخ:
الأظهَرُ: أنَّ ذلك مِنْ جملةِ ما قِيلَ لموسى ﵇ في النداءِ، وهو مع ذلك دالٌّ على تنزيهِ اللهِ عن كلِّ نقص، والتنزيهُ هو مدلولُ الكلمةِ في كلِّ مواردها، وفي هذا تعليمٌ لموسى ﵇ ما يستحِقُّهُ الربُّ مِنْ التنزيه؛ كما
стр. 183
علَّمه تعالى ما يستحِقُّهُ من الإلهيَّة والربوبيَّة والتنزيه عن الشركِ في قولِه: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه]، وقولِه: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين (٣٠)﴾ [القصص].
وأمَّا قولُ المؤلِّفِ: (أو يكونَ مستأنَفًا؛ وعلى كلا الوجهَيْنِ: قُصِدَ به تنزيهُ اللهِ):
فهذا القَدْرُ مِنْ عبارتِهِ صحيحٌ، ولا إشكالَ فيه؛ ولكنه - عفا الله عنه - قيَّد التنزيهَ بقولِه: (مما عسى أن يخطُرَ ببالِ السامعِ في معنى النداءِ … )، إلخ، وقد أجمَلَ وأبهَمَ ما عسى أن يخطُرَ ببالِ السامعِ مِنْ معنى النداءِ، وكذا لم يوضِّحْ ما قاله بعضُ الناسِ في الآيةِ مما يجبُ تنزيهُ اللهِ عنه.
ولهذا صار كلامُهُ غامضًا لا يفيدُ السامعَ معنى محدَّدًا، ولا يَفهَمُ مرادَهُ إلا مَنْ يَعرِفُ مذهبَهُ في كلامِ الله.
وإذْ قد عُلِمَ مما تقدَّم: أنَّ المؤلِّفَ على طريقةِ الأشاعرةِ، ومذهبُ الأشاعرةِ في كلامِ اللهِ: أنه معنًى نفسيٌّ قديمٌ، ليس بصوتٍ ولا حرفٍ، ولا يكونُ بمشيئتِهِ (١) -: فالذي يَحذَرُهُ المؤلِّفُ: أن يُفهَمَ مِنْ لفظِ النداءِ: أنَّ كلامَهُ تعالى بصوتٍ؛ لأنَّ النداءَ: هو الخطابُ بصوتٍ رفيعٍ مسموعٍ، ومذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ: أنَّ كلامَ اللهِ يكونُ بصوتٍ، مناداةً ومناجاةً؛ فاللهُ نادى موسى وناجاه (٢).
стр. 184
وأمَّا قولُهُ: (قال بعضُ الناسِ فيه ما يجبُ تنزيهُ اللهِ عنه)، فلعلَّه يريدُ قولَ مَنْ قال: «المرادُ ب ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾: هو اللهُ»؛ وهذا القولُ يَستعظِمُهُ مَنْ لم يَعرِفْ مرادَ مَنْ قال ذلك مِنْ السلفِ؛ فقد جاء عن ابن عبَّاس ﵄: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾: أنْ قُدِّسَ، وأنَّ النارَ هي نُورٌ (١)، وبمعرِفةِ ذلك يزولُ الإشكال (٢).
стр. 185
(٨١)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]:
(فإنْ قيل: كيف قال: ﴿إِلاَّ اللَّهُ﴾ بالرفعِ على البدَلِ، والبدلُ لا يصحُّ إلا إذا كان الاستثناءُ متصِلًا، ويكونُ ما بعد «إلَّا» مِنْ جنسِ ما قبلَها؛ واللهُ تعالى ليس ممَّن في السماواتِ والأرضِ باتفاقٍ:
فإنَّ القائلين بالجهةِ والمكانِ يقولون: «إنه فوقَ السماواتِ والأرضِ».
والقائلين بنفيِ الجهةِ يقولون: «إنه تعالى ليس فيهما، ولا فوقَهما، ولا داخلًا فيهما، ولا خارجًا عنهما».
فهو - على هذا - استثناءٌ منقطِعٌ؛ فكان يجبُ أن يكونَ منصوبًا؟
فالجوابُ مِنْ أربعةِ أوجُه:
الأوَّل: أنَّ البدَلَ هنا جاء على لغةِ بني تميمٍ في البدَلِ، وإنْ كان منقطِعًا؛ كقولهم: «ما في الدارِ أحدٌ إلا حِمَارٌ» بالرفعِ، والحمارُ ليس مِنْ الأَحَدِينَ.
وهذا ضعيف؛ لأنَّ القرآنَ نزَلَ بلغةِ أهلِ الحجازِ، لا بلغةِ بني تَمِيم.
والثاني: أنَّ اللهَ في السماواتِ والأرضِ بعلمِهِ؛ كما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]؛ يعني: بعِلْمِه؛ فجاء البدَلُ على هذا المعنى.
стр. 186
وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ قولَه: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، وقَعَتْ فيه لفظةُ «في» الظرفيَّة الحقيقيَّة وهي في حقِّ اللهِ على هذا المعنى للظرفيَّةِ المجازيَّةِ، ولا يجوزُ استعمالُ لفظةٍ واحدةٍ في الحقيقةِ والمجازِ في حالةٍ واحدةٍ عند المحقِّقين.
الجوابُ الثالث: أنَّ قولَه: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، يرادُ به: كلُّ موجودٍ؛ فكأنه قال: مَنْ في الوجودِ؛ فيكونُ الاستثناءُ على هذا متصِلًا، فيَصِحُّ الرفعُ على البدَلِ.
وإنما قال: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾؛ جَرْيًا على منهاجِ كلامِ العرَب؛ فهو لفظٌ خاصُّ يرادُ به ما هو أعَمُّ منه.
الجوابُ الرابع: أن يكونَ الاستثناءُ متصِلًا على أن يُتأوَّلَ: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ في حقِّ الله؛ كما يُتأوَّلُ قولُه: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]، وحديثُ السوداءِ، وشبهُ ذلك) (١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (واللهُ تعالى ليس ممَّن في السماواتِ والأرضِ باتفاقٍ … )، إلخ:
بنى المؤلِّف على قولِه: (إنَّ الله تعالى ليس ممَّن في السماواتِ والأرضِ باتفاقٍ): أنَّ الاستثناءَ في قولِه تعالى: ﴿إِلاَّ اللَّهُ﴾ منقطِع، وهو يقتضي نصبَ الاسمِ الشريف، والقراءةُ بالرفعِ، وذكَرَ عن هذا الإشكال
стр. 187
أربعةَ أجوبة، وليس مقصودُنا في هذه التعليقاتِ التعقُّباتِ اللغويَّة، بل التعقُّباتِ العقديَّة (١).
والذي يُهِمُّنا هنا قولُه: (واللهُ تعالى ليس ممَّن في السماواتِ والأرضِ باتفاقٍ)؛ يريد: باتفاقِ المثبِتِينَ للعلوِّ والنافِينَ له، وهم مَنْ عبَّر عنهم بالمثبتينَ للجِهَةِ والنافِين؛ فإنَّهم جميعًا يقولون: إنه تعالى ليس داخِلَ العالَم:
فالمُثبِتون للعلوِّ يقولون: «إنه تعالى فوقَ العالَمِ على العرش».
ونفاةُ العلوِّ يقولون: «إنه تعالى لا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَ العالَمِ»؛ وهم مَنْ عبَّر عنهم بنفاةِ الجهة؛ يقول: «والقائلون بنفيِ الجهةِ يقولون: إنه تعالى ليس فيهما، ولا فوقَهما، ولا داخلًا فيهما، ولا خارجًا عنهما».
فعلى كلا القولَيْنِ: فاللهُ ليس في السماءِ ولا في الأرضِ؛ وهذا معنى قولِه: (باتفاق).
والحقُّ: أنه تعالى فوقَ سماواتِهِ على عرشِهِ؛ وهو ما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةِ، والعقلُ والفِطْرة، ويقابِلُ ذلك قولانِ باطلان (٢).
стр. 188
أحدُهما: أنه تعالى داخلٌ في المخلوقات؛ أي: أنَّه تعالى حالٌّ فيها؛ فهو في كلِّ مكان؛ وهذا قولُ حلوليَّةِ الجهميَّة.
الثاني: أنه تعالى لا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ؛ وهو قولُ معطِّلةِ الجهميَّةِ ونفاتِهِمْ؛ وقد ذكره المؤلِّفُ عن نفاةِ الجهة.
وكلا القولين باطل، والثاني أبطل؛ فإنه مع مناقضتِهِ للسمعِ، مناقِضٌ للعقلِ أظهَرَ مناقضة؛ فإنَّ مِنْ الممتنِعِ أن يكونَ موجودٌ لا داخِلَ العالَمِ ولا خارجَه؛ فإنَّ ذلك مِنْ سَلْبِ النقيضَيْنِ الذي لا يصحُّ إلا في المعدومِ، فإذا أُضِيفَ إلى ذلك: أنه موجودٌ، تضمَّن أنه موجودٌ معدومٌ؛ وهذا جمعٌ بين النقيضَيْنِ، الذي هو أحدُ الممتنِعاتِ المُتَّفَقِ عليها، والقولُ بنفيِ الجهةِ وما تفرَّع عنه هو المشهورُ مِنْ مذهبِ الأشاعِرة (١).
стр. 189
(٨٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ [النمل: ٨٢]؛ أي: إذا حان وقتُ عَذَابِهم، الذي تضمَّنه القولُ الأزليُّ مِنْ اللهِ في ذلك، وهو قضاؤُه) (١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (إذا حان وقتُ عَذَابِهم … )، إلخ:
في تفسيرِ وقوعِ القولِ بقربِ وقتِ العذابِ نظرٌ؛ والأظهَرُ أنَّ قولَه: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾﴾؛ أي: حَقَّ القولُ عليهم (٢)، وهو حكمُ اللهِ بأنهم لا يُؤمِنون؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُون (٧)﴾ [يس].
ولا ريبَ أنَّ ما حَقَّ عليهم مِنْ القولِ بأنهم لا يُؤمِنون هي كلمتُهُ تعالى القدريَّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُون (٩٦) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس]، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِين (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُون (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون (١٧٣)﴾ [الصافات].
فمعنى: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: وقَعَ عليهم مُوجَبُ كلمتِهِ تعالى السابقةِ في الحكمِ: بأنَّهم لا يُؤمِنون.
стр. 190
فهذه كلماتُهُ الكونيَّةُ سبَقَتْ لقومٍ في الشقاوةِ، ولقومٍ بالسعادةِ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون (١٠١)﴾ [الأنبياء]، وقال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِين (١٧١) … ﴾ الآيتَيْنِ [الصافَّات].
وقولُ المؤلِّف: (القولُ الأَزَلِيُّ مِنْ الله)، الأزليُّ: هو الذي لا بدايةَ له؛ وهذا يجري على قولِ الأشاعرةِ: إنَّ كلامَ اللهِ قديمٌ بقِدَمِهِ سبحانه؛ لأنَّ كلامَ الله عندَهم لا تتعلَّقُ به المشيئة (١)، ولا ريبَ: أنَّ كلماتِهِ القَدَريَّةَ صادِرةٌ عن مشيئتِهِ تعالى، وما كان بمشيئةٍ يمتنِعُ أنْ يكون أزليًّا، وكلماتُهُ تعالى التي أخبَرَ أنها سبَقَتْ يَحتمِلُ أن تكون عند كتابةِ المقاديرِ في أمِّ الكتابِ، والله أعلم.
стр. 191
سورة القصص
(٨٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص: ٦٢]؛ العاملُ في الظرفِ مُضمَرٌ، وفاعلُ «يُنادِي»: اللهُ تعالى، ويَحتمِلُ: أن يكونَ نداؤُهُ بواسطةٍ أو بغيرِ واسطةٍ) (١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (ويَحتمِلُ أن يكونَ نداؤُهُ بواسطةٍ أو بغيرِ واسطةٍ). أقول: في هذا الترُّدد نظرٌ؛ والصوابُ أنه ناداهم بغير واسطة، وذلك لوجهَيْن:
١ - أنَّه إذا كان بغير واسطة كان حقيقة، وإذا كان بواسطة كان مجازًا، والأصل الحقيقة.
٢ - أنَّ تكليمَه تعالى أو نداءَه لمن شاء بلا واسطةٍ مُمكنٌ، ليس بمُمتَنع؛ بدليل أن الله تعالى كلَّم موسى بلا واسطة، فقال: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء] فأكَّد الفعلَ بالمصدر للدلالة على
стр. 192
الحقيقة. وأيضًا: لو أراد أنَّه كلَّمه بواسطة لقيَّد ذلك، مثل: كلَّمه بأن أرسل رسولًا. ويُؤيِّد ذلك، أن تكليم موسى بواسطةٍ ينافي اختصاصَ موسى بالتَّكليم، فكلُّ الرُّسُل كلَّمهم الله بواسطة الرسول من الملائكة. والله أعلم.
стр. 193
(٨٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]؛ «ما»: نافيةٌ، والمعنى: ما كان للعبادِ اختيارٌ؛ إنما الاختيارُ والإرادةُ لله وحدَهُ؛ فالوقفُ على قولِه: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨].
وقيل: إنَّ «ما»: مفعولةٌ ب «يَخْتَارُ»، ومعنى ﴿الْخِيَرَةُ﴾ على هذا: الخَيْرُ والمصلَحةُ.
وهذا يجري على قول المعتزِلة، وذلك ضعيف؛ لرفعِ ﴿الْخِيَرَةُ﴾؛ على أنها اسمُ «كان»، ولو كانتْ «ما» مفعولةً، لكان اسمُ «كان» مُضمَرًا يعودُ على «ما»، وكانت «الخِيَرَةُ» منصوبةً على أنها خبَرُ «كان».
وقد اعتذَرَ عن هذا مَنْ قال: إنَّ «ما» مفعولةٌ؛ بأنْ قال: تقديرُ الكلام: «يختارُ ما كان لهم الخِيَرَةُ فيه»، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ والمجرور؛ وهذا ضعيف) (١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: («ما»: نافيةٌ، والمعنى: ما كان للعبادِ اختيارٌ … )، إلخ:
стр. 194
أصاب المؤلِّف في ترجيحِ أنَّ «ما» نافيةٌ، وفي تضعيفِ القولِ بأنها موصولةٌ.
وما أورَدَهُ على القولِ الثاني مِنْ جهةِ إعرابِ: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، صحيحٌ أيضًا، وكذا ما يَرِدُ عليه مِنْ جهةِ المعنى، وهو أنه يَلزَمُ أن يكونَ المعنى: يَخْتارُ ما فيه الخِيَرَةُ للعبادِ؛ وبهذا تمسَّك بعضُ المعتزِلةِ في قولهم بوجوبِ فعلِ الأصلَحِ على الله؛ كما أشار إليه المؤلِّف.
وقد اختار القولَ الأوَّلَ كثيرٌ من المفسِّرين؛ وهو الصواب، وقد رجَّحه ابنُ القيِّمِ مِنْ وجوهٍ؛ فانظُرْها في «زاد المعاد» (١)، والله أعلم.
стр. 195
سورة الروم
(٨٥)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ أي: الإعادةُ يومَ القيامةِ أهوَنُ عليه مِنْ الخِلْقةِ الأُولى؛ وهذا تقريبٌ لفهمِ السامعِ، وتحقيقٌ للبعثِ؛ فإنَّ مَنْ صنَعَ صنعةً أوَّلَ مرَّةٍ، كانت أسهَلَ عليه ثانيَ مرَّة، ولكنَّ الأمورَ كلَّها متساوِيةٌ عند الله؛ فإنَّ كلَّ شيءٍ على اللهِ يسيرٌ) (١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (هذا تقريبٌ لفهمِ السامعِ، وتحقيقٌ للبعثِ … )، إلخ:
يريدُ: أنَّ أفعَلَ التفضيلِ ليس على بابه؛ فلا يدل على أن الإعادة أيسرُ على اللهِ مِنْ البَدْءِ: «الخَلْقِ الأوَّلِ»؛ لأنَّ قدرتَهُ تعالى على الأشياءِ واحدة، والأشياءُ بالنسبةِ لقدرتِهِ سواءٌ؛ فليس شيءٌ منها أيسَرَ على اللهِ مِنْ شيء، وإنما ذكَرَ أفعلَ التفضيلِ تقريبًا للمخاطَبِينَ؛ لأنَّ المستقِرَّ في عقولِهم أنَّ الإعادةَ أهوَنُ مِنْ البدءِ؛ وهذا توجيهٌ صحيح.
стр. 196
وفي الآية: توجيهٌ آخَرُ صحيحٌ أيضًا؛ وهو أنَّ أفعَلَ التفضيلِ ليس على بابِهِ؛ أي: ليس المقصودُ منه المفاضَلةَ بين شيئَيْن، بل المرادُ إثباتُ الوصفِ؛ وعلى هذا: فقولُهُ تعالى: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: هَيِّنٌ عليه، فيكونُ مِنْ قبيلِ الصفةِ المشبَّهة؛ والله أعلم (١).
стр. 197
سورة لقمان
(٨٦)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ الآيةَ [لقمان: ٢٧]؛ إخبارٌ بكثرة كلمات الله، والمراد: اتساع علمه) (١).
قوله: (والمراد اتساع علمه): هذا صريح في تأويل كلمات الله بعلم الله، وهذا خلاف مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الفرق بين علم الله، وكلام الله؛ فعلم الله صفة ذاتية ثابتة للرَّب أزلًا وأبدًا، ولا تتعلق بها المشيئة، وأما الكلام فصفة فعلية تتعلق بها المشيئة، أي: إنه تعالى يتكلم بما شاء إذا شاء، وكلماته سبحانه لا تحصى، ولا نهاية لها، كما تدل عليه الآية المذكورة في سورة لقمان، وآية الكهف: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف]، والذي يبدو أن المؤلف ومن قال بقوله حملهم على هذا التأويل - الذي هو في الحقيقة تحريف - الفرارُ من إثبات
стр. 198
التعدد في كلام الله؛ لأنه خلاف أصل الأشاعرة في كلام الله، وهو أنه معنى نفسي واحد، لا تعدد فيه، وهو خلاف ما دلَّ عليه القرآن في آيتي الكهف ولقمان، كما يفيده لفظ الجمع في ﴿كَلِمَاتُ﴾، وكما في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥] بالجمع على إحدى القراءتين (١).
إذا علم ما تقدم فالصواب أن الكلمات جمع كلمة، وكلمات الله كلُّها من كلامه، ومثل هذه الآيات من أدلة أهل السنة على إثبات كلام الله، وكما دل القرآن على التعدد في كلام الله فقد دلت السنة على ذلك في أحاديث عدة؛ مثل قوله ﷺ : ((أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق)) (٢) وما أشبهه، وقوله في التسبيح الذي رغب فيه ﷺ : ((ومداد كلماته)) (٣)، (٤).
стр. 199
سورة السجدة
(٨٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُّوحِهِ﴾ [السجدة: ٩]، عبارةٌ عن إيجادِ الحياةِ فيه، وأُضِيفَتِ الرُّوحُ إلى اللهِ إضافةَ مِلْكٍ إلى مالكٍ، وقد يرادُ بها الاختصاصُ؛ لأنَّ الرُّوحَ لا يَعلَمُ كُنْهَهُ إلا اللهُ) (١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُّوحِهِ﴾ [السجدة: ٩]، عبارةٌ عن إيجادِ الحياةِ فيه … )، إلخ:
يريدُ المؤلِّفُ: أنَّ النفخَ في آدَمَ مِنْ الرُّوحِ عبارةٌ عن إيجادِ الحياةِ فيه، وهذا تأويلٌ للنَّفْخِ؛ فيَظهَرُ منه: أنه لا يُثبِتُ إضافةَ النفخِ إلى اللهِ؛ لأن من مذهبه نفيَ الأفعالِ الاختياريَّة عن الله تعالى.
ولا مُوجِبَ للعدولِ عن ظاهرِ القرآن؛ فاللهُ تعالى أضافَ نَفْخَ الرُّوحِ في آدَمَ إلى نفسِهِ المقدَّسةِ في ثلاثةِ مواضع:
стр. 200
في سورةِ «الحِجْر»؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾.
وقال في سورةِ «ص»: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾.
وقال في «السَّجْدة»: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُّوحِهِ﴾ [السجدة: ٩]؛ أي: الإنسانَ الذي بدَأَهُ مِنْ طِينٍ، وهو آدَمُ؛ كما في آيتي «الحِجْرِ»، و «ص».
وعليه: فالنفخُ مِنْ أفعالِ اللهِ تعالى التي تكونُ بمشيئتِهِ سبحانه؛ فهو تعالى ينفُخُ فيما شاء، ما شاء، كيف شاء، والله أعلم (١).
стр. 201
سورة سبأ
(٨٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيب (٥٠)﴾ [سبأ]؛ يعني: قُرْبَهُ تعالى بعلمِهِ وإحاطتِهِ) (١).
قولُهُ: (يعني: قُرْبَهُ تعالى بعلمِهِ وإحاطتِهِ)؛ معناه: إثباتُ القُرْبِ العامِّ؛ كالمعيَّةِ العامَّةِ المقتضيةِ للعلمِ، فيَؤُولُ المعنى إلى أنه تعالى قريبٌ مِنْ كلِّ أحدٍ، ومِن كلِّ شيءٍ، كما أنَّه مع كلِّ أحدٍ، بعلمِهِ وإحاطتِهِ.
وهذا الذي ذهَبَ إليه المؤلِّفُ مِنْ إثباتِ القُرْبِ العامِّ الراجعِ إلى العلمِ، هو المناسِبُ لمذهبِ متأخري الأشاعرةِ؛ فإنَّهم لا يُثبِتُونَ للهِ قُرْبًا خاصًّا مِنْ بعضِ العبادِ؛ كالملائكةِ الذين عندَهُ؛ فليس أحدٌ مِنْ العبادِ أقربَ إليه مِنْ أحد (٢)؛ وذلك لقولِهم: «إنه تعالى في كلِّ مكانٍ أو لا داخل العالم ولا خارجه»؛ كما تقدَّم ذكرُ ذلك عنهم، وسبَقَ التعليقُ
стр. 202
عليه عند كلام المؤلِّف على قولِهِ تعالى: ﴿قُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، والله أعلم (١).
стр. 203
سورة فاطر
(٨٩)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الآية [فاطر: ١٠].
فيه ثلاثة أقوال:
والثالث: أن ضمير الفاعل: للعمل الصالح، وضمير المفعول: للكلم الطيب، والمعنى على هذا: أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب، فلا يُقبل الكلمُ إلَّا ممن له عمل صالح.
روي هذا المعنى عن ابن عباس، واستبعده ابن عطية، وقال: لم يصح عنه؛ لأن اعتقاد أهل السنة أن الله يتقبَّل من كل مسلم، قال: وقد يستقيم بأن يُتأوَّل: أن الله يزيد في رفعه وحسن موقعه) (١).
قوله: (فيه ثلاثة أقوال)، قال: (والثالث: أن ضمير الفاعل:) - أي: لفعل «يرفع» - (للعمل الصالح، وضمير المفعول: للكلم الطيب)،
стр. 204
وهذا الذي شرحه المؤلف هو قول جمهور المفسرين، وهو المروي عن ابن عباس، كما ذكره المؤلف (١)، وذكر أن موجَب هذا أن الكلم الطيب لا يُقبل إلا ممَّن له عمل صالح، ونقل الاعتراض عليه عن ابن عطية؛ وعبارة ابن عطية في هذا: «هذا قول يرده معتقد أهل الحق والسنة، ولا يصح عن ابن عباس، والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله تعالى وقال كلامًا طيبًا؛ فإنه مكتوب له متقبل منه، وله حسناته وعليه سيئاته» اه (٢)، وما قاله ابن عطية من معتقد أهل السنة أن الله يقبل العمل الصالح من العبد صحيح، ولكن في وروده على التفسير المشهور للآية نظر؛ فالله يقبل عمل العبد وإن كان عاصيًا ما اتقى الشرك، واتقى الله في عمله المعيَّن؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِين (٢٧)﴾ [المائدة] (٣)، وذكر المؤلف القولين الآخرين؛ أحدهما: أن ضمير الفاعل يعود إلى الله، فهو سبحانه الذي يرفع العمل الصالح ويقبله، والثاني: أن ضمير الفاعل يعود إلى الكلم، أي: الكلم يرفع العمل الصالح، وهذان القولان ضعيفان؛ إذْ مقتضاهما نصب العمل على الاشتغال، وهذا لم يُقرأ به إلا في بعض القراءات الشاذة (٤)، وبهذا يترجح القول الأول المرويُّ عن السلف عن ابن عباس وغيره،
стр. 205
ويدفع عنه الاعتراض الذي أورده ابن عطية أن أجلَّ العمل الصالح الإيمانُ، كما في الصحيحين أن النبي ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: ((إيمان بالله ورسوله)) (١)، ومعلوم أن من لا إيمان له لا يرتفع له عمل؛ فالإيمان شرط قبول العمل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ [النحل: ٩٧]، فالإيمان بالله ورسوله أجلُّ عمل يرتفع به الكلم الطيب وغيره من كل عمل صالح.
стр. 206
(٩٠)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ عند تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]:
(فإنْ قيل: إنَّ التعميرَ والنقصَ لا يَجتمِعانِ لشخصٍ واحدٍ؛ فكيف أعاد الضميرَ في قولِه: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ على الشخصِ المعمَّر؟
فالجوابُ مِنْ ثلاثةِ أوجُه:
الأوَّل - وهو الصحيحُ -: أنَّ المعنى: ما يُعمَّرُ مِنْ أحدٍ ولا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا في كتابٍ؛ فوضَعَ ﴿مِنْ مُّعَمَّرٍ﴾ في موضعِ «مِنْ أَحَدٍ»، وليس المرادُ شخصًا واحدًا، وإنما ذلك كقولِك: «لا يُعاقِبُ اللهُ عبدًا ولا يُثِيبُهُ إلا بحَقٍّ».
والثاني: أنَّ المعنى: لا يزادُ في عُمُرِ إنسانٍ ولا يُنْقَصُ مِنْ عمرِهِ إلا في كتابٍ؛ وذلك أن يُكتَبَ في اللوحِ المحفوظِ: أنَّ فلانًا إنْ تصدَّقَ، فعمرُهُ سِتُّونَ سنةً، وإنْ لم يتصدَّقْ، فعمرُهُ أربعونَ؛ وهذا ظاهرُ قولِ رسولِ الله ﷺ : ((صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمُرِ)) (١)، إلَّا أنَّ ذلك مذهبُ
стр. 207
المعتزِلةِ القائلِينَ بالأَجَلَيْنِ، وليس مذهبَ الأشعريَّة، وقد قال كَعْبٌ حين طُعِنَ عُمَرُ: «لَوْ دَعَا اللهَ، لَزَادَ فِي أَجَلِهِ»؛ فأنكَرَ الناسُ ذلك عليه؛ فاحتَجَّ بهذه الآيةِ (١).
والثالثُ: أنَّ التعميرَ: هو كَتْبُ ما يُستقبَلُ مِنْ العُمُر، والنقصَ: هو كتبُ ما مضى منه في اللوحِ المحفوظِ؛ وذلك في حَقِّ كلِّ شخص) (٢).
قولُ المؤلِّفِ ﵀ في الوجهِ الثاني مِنْ وجوهِ مرجِعِ الضميرِ في قولِه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾: إنَّ المرادَ: مَنْ يُعمَّرُ بسببٍ؛ كالصَّدَقةِ، أو يُنْقَصُ مِنْ عمرِهِ؛ لعدَمِ ذلك؛ فمَن تصدَّقَ أو وصَلَ رحمَهُ، زِيدَ في عمرِهِ، بخلافِ مَنْ ليس كذلك، واعترَضَ ﵀ على هذا الوجهِ: بأنه يوافِقُ قولَ المعتزِلةِ القائلِينَ بالأجلَيْنِ، وأنه خلافُ قولِ الأشاعِرةِ.
ولا شكَّ: أنَّ قولَ المعتزِلةِ بأنَّ للإنسانِ أجلَيْنِ مكتوبَيْنِ؛ أحدُهما معلَّقٌ على سببٍ، وهذا السبَبُ غيرُ معلومٍ لله، وغيرُ مكتوبٍ.
ولا ريبَ أنَّ هذا القولَ باطلٌ.
стр. 208
وأهلُ السُّنَّةِ يقولونَ بما دلَّت عليه السُّنَّةُ؛ بأنَّ طُولَ العمرِ قد يكون بسببٍ مِنْ قِبَلِ العبدِ؛ كالبِرِّ والصلةِ؛ فمَن عُمِّرَ بهذا السببِ، فالسبَبُ والمسبَّبُ قد سبَقَ بهما علمُ اللهِ وكتابُهُ؛ بمعنى: أنَّ اللهَ قد عَلِمَ وكتَبَ أنَّ هذا يطولُ عمرُهُ بذلك السبب، ويَعلَمُ سبحانه أنه لو لم يكنْ منه ذلك السببُ، لكان عمرُهُ دون ذلك؛ فهما - عند أهل السُّنَّةِ - أجَلَانِ:
أجَلٌ معلومٌ مكتوبٌ هو وسبَبُهُ؛ فلا يقَعُ سواهُ.
وأجَلٌ معلومٌ أنه لا يقَعُ لعدَمِ وقوعِ سببِه؛ فهو غيرُ مكتوب.
فعِلْمُ اللهِ شاملٌ لما كان وما يكونُ، وما لا يكونُ، لوكان كيف يكون.
وبذلك يُعلَمُ: أنه لا تغيُّرَ في علمِ اللهِ، ولا في كتابِهِ، ويمتنِعُ أن يحدُثَ ما يُوجِبُ ذلك؛ أي: التغييرَ في علمِ اللهِ وكتابِه.
وأمَّا المعتزِلةُ: فقولُهم بالأجَلَيْنِ، معناه - على ما ذكَرَهُ عنهم أبو منصورٍ الماتُرِيدِيُّ في «تفسيره» (١) - أنَّ اللهَ تعالى يَجعَلُ لكلِّ أحدٍ أجلَيْنِ، فإذا وصَلَ رَحِمَهُ، أماتَهُ في أبعَدَ الأجلَيْنِ، وإذا لم يصلْ، جعَلَ أجلَهُ الأوَّلَ.
قال أبو منصورٍ متعقِّبًا: «فهذا أمرُ مَنْ يَجهَلُ العواقبَ، فأمَّا مَنْ كان عالمًا بالعواقبِ، فلا؛ لأنَّه بُدُوٌّ ورجوعٌ عمَّا تقدَّم مِنْ الأمر». اه-.
ومِن فروعِ قولِ المعتزِلة: أنَّ أفعالَ العبادِ غيرُ مخلوقةٍ لهم ولا مقدَّرةٍ (٢)، ومِن فروعِ ذلك: أنَّ المقتولَ مقطوعٌ عليه أجَلُهُ (٣).
وأهلُ السُّنَّةِ يقولون: إنَّ المقتولَ ميِّتٌ بأجَلِهِ (٤).
стр. 209
سورة يس
(٩١)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيم (٨١)﴾ [يس] في ذِكْر هذين الاسمين أيضًا استدلالٌ على البعث، وكذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس]؛ لأن هذه عبارةٌ عن قدرته على جميع الأشياء، ولا شكَّ أن الخلَّاق العليم القدير لا يصعب عليه إعادة الأجساد) (١).
قوله: (عبارةٌ عن قدرته): لا يريد ﵀ بقوله: (عبارةٌ عن قدرته) أن هذا مدلولُ اللفظ؛ إذْ ليس معنى «خلَّاق» أنه على كل شيء قدير، بل هذا المعنى هو لازم معنى الآية؛ فالآية تدل على عموم قدرته تعالى بطريق اللزوم أو التضمُّن، لا بطريق المطابقة؛ فكونه تعالى خلَّاقا يستلزم أنه على كل شيء قدير، أو يتضمَّن هذا المعنى، فليس في عبارة المؤلف ما يؤخذ عليه، والله أعلم.
стр. 210
سورة الصافات
(٩٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُون (١٢)﴾ [الصافات]؛ أي: عَجِبْتَ يا محمَّدُ مِنْ ضلالِهم وإعراضِهم عن الحقِّ، أو عَجِبْتَ مِنْ قدرةِ اللهِ على هذه المخلوقاتِ العظامِ المذكورة.
وقرَأَ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿عَجِبْتُ﴾ بضمِّ التاء (١)، وأشكَلَ ذلك على مَنْ يقولُ: إنَّ التعجُّبَ مستحيلٌ على الله:
فتأوَّله بمعنى: أنه جعَلَهُ على حالٍ تَعَجَّبَ منها الناسُ.
وقيل: تقديرُهُ: قُلْ يا محمَّدُ: عَجِبْتُ.
وقد جاء التعجُّبُ مِنْ الله في القرآنِ والحديث؛ كقولِهِ ﷺ : ((يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَ لَهُ صَبْوَةٌ)) (٢)؛ وهو صفةُ فعلٍ.
стр. 211
وإنَّما جعَلُوهُ مستحيلًا على الله؛ لأنَّهم قالوا: إنَّ التعجُّبَ استعظامٌ خَفِيَ سببُهُ، والصوابُ: أنه لا يَلزَمُ أن يكونَ خفيَّ السببِ، بل هو لمجرَّدِ الاستعظام؛ فعلى هذا لا يستحيلُ على الله) (١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (وأشكَلَ ذلك … )، إلخ:
أي: نِسْبةُ العَجَبِ إلى اللهِ؛ كما في القراءةِ المشارِ إليها، وهي قراءةٌ سبعيَّة؛ أي: أشكَلَ ذلك على نفاةِ العَجَبِ عن اللهِ، وهم كلُّ مَنْ ينفي قيامَ الصفاتِ الفعليَّةِ بالله؛ كالأشاعِرةِ، والكُلَّابيَّةِ (٢).
стр. 212
والماتُرِيدِيَّةِ (١)، وهم الذين عناهُمُ المؤلِّفُ بقولِه: «إنَّهم يقولونَ: إنَّ التعجُّبَ مستحيلٌ على الله؛ لأنه استعظامُ شيءٍ خَفِيَ سببُهُ».
وقد خالَفَهم المؤلِّفُ في تفسيرِ التعجُّبِ، فجوَّزه على الله، واستشهَدَ له ببعضِ ما جاء في السُّنَّة؛ وقد أصاب في ذلك.
والذين نفَوا العجَبَ عن الله، أوَّلوا ما جاء في القرآنِ والسُّنَّة، مما يدُلُّ على إثباتِ العجَبِ بتأويلاتٍ، منها ما أورَدَهُ المؤلِّف؛ فجمَعُوا بين التعطيلِ بنفيِ الصفاتِ، والتحريفِ بتأويلِ الآياتِ.
стр. 213
والجاري على مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: إثباتُ العجَبِ مِنْ اللهِ (١)، كغيرِهِ مِنْ الصفاتِ التي ورَدَ بها الكتابُ والسُّنَّة؛ كالغضَبِ والرضا، والمحبَّةِ والكَرَاهة، وليس شيءٌ مِنْ ذلك يُشبِهُ صفاتِ المخلوقِين، فليس عَجَبُ اللهِ كعَجَبِ المخلوق، ولا حبُّه كحبِّه، ولا رضاهُ كرضاه، وهذا هو الحقُّ الذي قامت عليه الأدلَّةُ مِنْ الكتاب والسُّنَّة.
стр. 214
(٩٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِين (٩٩)﴾ [الصافات]:
(وقالت المتصوفة: معناه: إني ذاهب إلى ربي بقلبي، أي: مقبلٌ على الله بكليته، تاركٌ لما سواه) (١).
قوله: (قالت المتصوفة) إلخ، نقله هذا التأويل للآية عن الصوفية دون تعقب إقرارٌ له، وهذا التأويل في نفسه معنى حقٌّ؛ فلا ريب أن إبراهيم مقبلٌ على ربه بكليَّة قلبه، كيف وقد قال الله فيه: ﴿إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٤)﴾ [الصافات]؟! لكنْ جعْلُ هذا المعنى تفسيرا للآية ليس بمستقيم؛ لأنه خلاف تفسير السَّلف للآية؛ فالسَّلف ومن تبعهم على أن المراد بالآية الهجرةُ من العراق إلى الشام (٢)، فقوله في الصافات: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِين (٩٩)﴾، هو المذكور في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٢٦)﴾، فالآيتان في هجرة البدن، لا في هجرة القلب؛ فإبراهيم لم يزل مهاجراً إلى ربه بقلبه.
стр. 215
سورة ص
(٩٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] الضمير في ﴿قَالَ﴾ لله ، و ﴿بِيَدَيَّ﴾ من المتشابه الذي ينبغي الإيمان به، وتسليم علم حقيقته إلى الله، وقال المتأوّلون: هو عبارة عن القدرة، وقال القاضي أبو بكر ابنُ الطيب: إن اليد والعين والوجه صفاتُ ذاتٍ زائدةٌ على الصفات المتقرّرة.
قال ابن عطية: «وهذا قول مرغوب عنه») (١).
قوله ﵀: (من المتشابه الذي ينبغي الإيمان به) إلخ، يعني أن هذه الآية المتضمنة إثبات يدين لله من الآي المتشابه المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، ومن المذاهب في المتشابه من القرآن أنه الذي لا يعلم تفسيره إلا الله، أي: لا يعلم معناه والمراد به إلا الله، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾، وتفسير المتشابه