مقدمة التحقيق
الحمد لله وحدَهُ، وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد، وعلى آله وصحبِهِ أجمعين، أما بعدُ:
فهذه الطبعة الثانية من التعليقات على «تفسير ابن جُزَيٍّ الكَلْبي» ﵀، الموسومِ ب «التسهيل لعلومِ التنزيل»، أملاها شيخُنا عبد الرحمن بن ناصر البرَّاك، وفيها استدراكاتٌ على مواضعَ مِنْ الكتابِ المذكورِ جانَبَ المؤلِّفُ فيها الصوابَ في مسائلَ من الاعتقاد.
وتتميز هذه الطبعة بعدة مميزات، منها:
١ - إضافة تعليقات جديدة على مواضع من المخالفات العقدية في كتاب التسهيل، وقد شملت التعليقات في الطبعة الأولى: اثنين وسبعين موضعًا، وبلغت في هذه الطبعة الثانية: أحد عشر ومئة.
٢ - رتب شيخنا التعليقات على سور القرآن الكريم.
٣ - أضفنا فهرسًا موضوعيًا للمخالفات العقدية والسلوكية في كتاب «التسهيل».
وننوِّه أن شيخنا - حفظه الله - قد اختار لهذه التعليقات اسم: «التعليقات على المسائل العَقَديَّة في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل»
стр. 2
وقد سرنا في العمل على هذا الكتاب وفق الخطة التالية:
١ - مقابلة نصِّ كلام ابن جزي على نسخة المحقق الشيخ علي بن حمد الصالحي.
٢ - ردُّ مسائل الكتاب إلى مصادرها من كتب الفنون المتنوعة.
٣ - توثيق جميع النقول التي وردت في الكتاب.
٤ - ضبط الكلمات المشكلة وتشكيلها بالحركات، والعناية بعلامات الترقيم.
٥ - عزو الآيات إلى مواضعها من كتاب الله، وإثباتها على رواية حفص عن عاصم إلا عند الحاجة إلى إثبات رواية غيره.
٦ - تخريج جميع الأحاديث والآثار الواردة في المتن أو الشرح.
والطريقة في ذلك ما يلي:
أ - إذا كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما؛ يُقتصر في العزو إليه إلا لفائدة؛ كأن يكون اللفظ المذكور لغيرهما.
ب - إذا كان الحديث في غير الصحيحين:
- خرَّجناه من أهم المصادر، وهي السنن الأربعة وموطأ مالك ومسند أحمد، وغيرها من المصادر الحديثية.
- لا نتوسع بذكر الطرق والشواهد، وإنما نحيلُ إلى بعض المراجع لمن أراد التوسُّع والزيادة.
- ننقل ما تيسَّر من كلام الأئمة النقاد عليه تصحيحًا أو تضعيفًا باختصار؛ لئلا يطول الكلام.
стр. 3
- إذا لم نجد للأئمة النقاد كلامًا في الحديث: لا نحكم على الحديث؛ صحةً أو ضعفًا، وغالبًا ما نعتمد في هذه الحالة على أحكام المعاصرين؛ كالألباني وشعيب الأرناؤوط في ضوء قواعد النقاد.
ج - نذكر اسم الصحابي راوي الحديث إلا أن يُذكر في المتن، وإذا كان الحديث مرويًا عن أكثر من صحابي ذكرنا صاحب اللفظ وأشرنا إلى غيره تبعًا.
٧ - ربطُ كثيرٍ من مباحث الشرح أو الكتاب بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من محقّقي أهل السنة.
٨ - إحالةُ بعض المباحث إلى موضعٍ آخر موسَّع للشيخ من شروحه ودروسه وفتاويه وغير ذلك.
٩ - ترجمةُ الأعلام غير المشهورين، والتعريف بالفِرق والمقالات.
١٠ - صنع الفهارس وقائمة لأغلب المصادر والمراجع.
ملاحظة: إذا ورد في الهوامش كلمة «شيخنا» فالمراد به صاحب التعليقات شيخنا العلامة عبد الرحمن البراك - حفظه الله -.
اللجنة العلمية
في مؤسسة وقف الشيخ
عبد الرحمن بن ناصر البراك
٠٥٠٥١١٢٢٤٢
m@sh-albarrak.com
стр. 4
ترجمة موجزة
لابن جزي الكلبي
﵀
هو الفقيهُ المفسِّرُ المُقْرئُ أبو القاسِمِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ محمد بنِ عبد الله بنِ جُزَي الكلبي، يُعرفُ بمحمدِ بنِ جُزَيّ (١)، ينحدِرُ مِنْ أصلٍ عربيٍّ، فهو مِنْ قبيلَةِ كَلْبٍ اليمانية، ولد سنة (٦٩٣ هـ) في غَرْناطةَ بالأندلس في بيْتِ عِلْمٍ وفضلٍ ومجد، فنشأ في بيئةٍ عِلميَّة، وجَدَّ في طلب العلم حتى صار مِنْ علماء غَرناطة المشهورين.
وكان وراءَ هذا العَلَمِ مشايخُ مِنْ العلماءِ العامِلينَ والرِّجالِ المؤثرينَ في الوسَطِ الأندلسي والمغربي، تلقى عنهم ونهل مِنْ علمهم؛ فمنهم:
الأستاذُ المُحَدِّثُ المقرئُ أبو جعفرِ بنُ الزبيرِ الثقفيُّ العاصميُّ، قرأ عليه واستفاد منه في العربيَّةِ والفقْهِ والحديث والقراءات، وهو شيخُهُ الأوَّلُ في التفسير، وقرأ القرآن على المُقرئِ الرَّاوِيَةِ المُكثِرِ الأُستاذِ: أبي عبدِ اللهِ ابنِ الكماد، وأفاد مِنْ الأُستاذِ العَلَّامةِ النَّظارِ المُتفنِّنِ: أبي القاسِمِ قاسمِ بنِ عبْدِ الله الشاط، وغيرهم.
ثُم كان ﵀ على طريقةٍ مُثلى مِنْ العُكوفِ على العِلم، والاشتغال بالنَّظرِ والتقييد والتَّدوين، جمَعَ إلى الفقْهِ جودَةَ الحفْظ، وإتقانَ التفسير، وشارك فى كثيرٍ مِنْ الفنون: كالعربية، والأصول، والقراءات،
_________
(١) وكذلك ممن يعرف بابن جزي: ابنه محمد، مرتِّبُ رحلة ابن بطوطة، وجدُّه العلامة الوزير يعرفان به.
стр. 5
والحديث، والأدب، وتولَّى الخَطابَةَ بالمسجِدِ الأعْظَمِ في بلدِهِ على حَداثَةِ سِنِّه، فاتُّفِقَ على فضْلِهِ واشْتُهِر جِدُّهُ وعِلْمُه.
وكان ابن جزي في الأصْلِ فقيهًا مالِكيًّا، خَلا أنَّه لمْ يتقيَّدْ بالمذهَبِ، بلْ خَرجَ مِنْ رِبْقَةِ التَّقليد، وأخذ بما دَلَّ عليه الدَّليل، وكان هذا سبَبًا في عدَمِ اشتهارِ كتابِهِ في الفقْهِ في الأوساط العِلميَّةِ عندهم.
وقدْ تفرَّغَ ابنُ جُزيٍّ لتدريس العلم وتدوينه، كما أنَّهُ وَلِيَ بعضَ الوظائف؛ كالخَطابَةِ في جامعِ غَرناطَةَ الأعْظَمِ مَعَ حَداثَةِ سِنِّه، واتفقوا على أهليَّتِه وفضْلِه لهذا المنْصِب، ولم يُعبْ عليهِ شيءٌ في أيّام خَطابته، وكان مِنْ المفتين في غَرناطة.
وقد تخرَّجَ بابْنِ جزي كثيرٌ مِنْ العلماء الأفذاذ؛ فكان مِنْ طلبته الوزراءُ والقضاةُ والفقهاء والعلماء والكُتَّاب والدُّعاة، وممن أَخَذ عنه وانتفع به وتخرَّجَ به: أبناؤه الثلاثة: محمد وأحمد وعبد الله، ولسانُ الدِّينِ ابنُ الخطيب ذو الوزارتين الشاعر الأديب، وغيرهم.
وقد تَرَك ابنُ جزيٍّ ميراثًا أبقى له ذكرًا وثناءً حسنًا في الناس مِنْ تصانيفَ نافعةٍ كثيرة في فنون عِدَّة، وكان لعَقِبِهِ الصالحِ وغيرِهم سببٌ في المحافظة على بعضِ آثاره العلمية، لاسيما تلميذُهُ ابنُ الخطيبِ الذي نوَّهَ بتآليفِ شيخِهِ، وذَكَر شيئًا مِنْ أدَبِهِ وشعرِهِ.
ومِن أشهَرِ مصنفاته:
١ - «التَّسهيل لِعُلومِ التَّنْزيل»، وهو مِنْ آخرِ ما ألَّف ابنُ جزي، إِنْ لم يكنْ آخرَهَا على الإطلاق. وهو تفسيرٌ مختصرٌ جمَعَ فيه بين
стр. 6
التفسير بالمأثورِ والتفسير بالرَّأي، وإنْ كانتْ صبغةَ التفسير بالمأثور فيه هي الأغلب، وفيه إضافاتٌ جديدةٌ ومتنوعة، قدَّمَ له مؤلفُهُ بمقدمتين مهمتين؛ الأولى: في أصولِ التفسيرِ وقواعدِه، والأخرى: في بيان ألفاظٍ يكثُرُ دورانها في القرآن الكريم. وهو مطبوع، وعليه وضع شيخنا عبد الرحمن البراك هذه التعليقات التي بين يديك.
٢ - «الأنوارُ السَّنية في الألفاظ السُّنية»، كتابٌ مختصرٌ في الحديث، شمِل أبوابَ الدِّين؛ من أبوابِ الإيمان والإسلام والأحكام والآداب والرِّقاق. وهو مطبوع وله شروح.
٣ - «تقريبُ الوصول إلى عِلم الأصول»، وهو كتابٌ مختصرٌ نافع في عِلم (أصول الفقه)، وهو مطبوع.
وغيرها من المؤلفات في العقيدة والنحو والقراءات.
كما أنَّ لابن جزي ﵀ نتاجًا أدبيًّا وآثارًا شعرية رائقة - وإن كانت قليلة - حفظ لنا بعضَهَا تلميذُهُ الوفيُّ ابنُ الخطيب، تدلُّ على مَلَكةٍ متأصلة، وقُدرةٍ على قَرْضِ الشِّعر، وعنايةٍ كبيرةٍ بحفظه ورِوَايته.
ومن ذلك قوله:
يا ربِّ إنَّ ذنوبي اليومَ قد كثرتْ … فما أُطيق لها حصرًا ولا عَدَدا
وليس لي بعذاب النَّار مِنْ قِبَلٍ … ولا أُطيقُ لها صبرًا ولا جَلَدا
فانظرْ إلهي إلى ضعْفِي ومسكنتي … ولا تُذِيقَنَّني حرَّ الجحيم غَدا
стр. 7
وفاته:
كان ﵀ مِنْ المشايخ العارفين والعلماء المجاهدين، اجتمع له الجهاد بالحُجَّة والبَيَان والجهادُ بالسَّيف والسِّنان، فكان له مشاركةٌ في الجهاد في سبيل الله، فقد فُقد وهو يحرِّض الناس يومَ معركة طَريف، وكان ذلك في جُمادى الأولى سَنَة (٧٤١ هـ)، وكان ذلك آخرُ العهدِ به، نسأل الله أن يتقبله في الشهداء، وأن يرحمه رحمة واسعة (١).
_________
(١) من مصادر ترجمته: «الإحاطة في أخبار غرناطة» لأبي عبد الله بن سعد بن أحمد السلماني (لسان الدين ابن الخطيب) (٣/ ١٠)، و «الديباج المذهب» (٢/ ٢٧٤)، و «غاية النهاية في طبقات القراء» لابن الجزري (٢/ ٨٣، رقم ٢٧٨٦)، و «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة» للحافظ ابن حجر (٥/ ٨٨، رقم ٩٤٤).
стр. 8
مقدمة المؤلف
الحمدُ لله، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد، وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين؛ أمَّا بعد: فإنَّ مِنْ التفاسير المختصرة المشهورة تفسيرَ ابنِ جزيٍّ الكلبيِّ ﵀ المسمَّى: (التسهيل لعلوم التنزيل)، وقد بعثَ إليَّ الأخُ الفاضل عليُّ بنُ حمَدٍ الصالحيُّ؛ نظرًا إلى أنه قد عُني بتحقيق كتاب التسهيل، بعثَ إليَّ بمواضعَ مِنْ الكتاب تتعلق بمسائلَ مِنْ العقيدة للتعليق عليها؛ فأجبتُه إلى ذلك، وتمَّ - بتيسير الله - التعليقُ على ما يَحتاج منها إلى تعليق، وقد أمليتها على أخي الفاضلِ الشيخ الدكتور: عبدِ المحسن بنِ عبد العزيز العسكر جزاه الله خيرًا.
وأذكر في كل موضع رقمه، ونص كلام المفسر، وأرمز له بحرف النون، وللتعليق بحرف التاء، وقد رتبت هذه التعليقات حسب ترتيب السور، وجعلت اسم كل سورة عنوانًا للتعليقات المتعلقة بتفسيرها.
وأنا أطلب ممَّن يطَّلِع على هذه التعليقاتِ أنْ يبعثَ إليَّ بما يبدو له مِنْ ملحوظاتٍ أو سؤالات. نسأل اللهَ أن يُصلحَ لنا النِّياتِ ويَقِيَنا العثرات. وصلى الله وسلم على محمد خير البريات.
стр. 9
التعليقات على المقدمات
(١)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(فأما علم الربوبية:
فمنه: إثباتُ وجود الباري ﷻ ، والاستدلالُ عليه بمخلوقاته، فكلُّ ما جاء في القرآن من التنبيه على المخلوقات، والاعتبار في خِلْقة الأرض والسماوات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار وغير ذلك من الموجودات؛ فهو دليلٌ على خالقه.
ومنه: إثبات الوَحدانية، والردُّ على المشركين، والتعريفُ بصفات الله من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك من أسمائه وصفاته، وتنزيهُه عما لا يليق به) (١).
مضمون كلام ابن جزي: أن المخلوقات دليل على ربوبيته تعالى وإلهيته وتوحيده، وهو حق، ولا إشكال فيه فلا يحتاج إلى تعليق.
стр. 10
(٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(وأما التصوُّفُ: فله تعلُّقٌ بالقرآن؛ لما ورد في القرآن من المعارف الإلهية ورياضة النفوس وتنوير القلوب وتطهيرها باكتساب الأخلاق الحميدة واجتناب الأخلاق الذميمة) (١).
التصوف البريء من البدع القولية والفعلية، والمقصور على العناية بالأخلاق وأعمال القلوب يشهد له آيات من القرآن، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
فأما التصوفُ البدعيُّ المشتمل على بدع قولية أو فعلية، أو الدعاوى التي لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، فلا تجوز إضافته إلى القرآن؛ فالقرآن لا يدلُّ إلَّا على الحقِّ من الاعتقادات والعبادات الظاهرة والباطنة، وشيوخ الصوفية المتقدمون يتقيدون في تصوفهم وسلوكهم بالكتاب والسنة كالجُنَيد، وأبي سليمان الدارانيِّ، وسهل بن
стр. 11
عبد الله التستري، والفضيل بن عياض، قال أحدهم، وهو أبو سليمان الداراني: إنه ليقع بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين من الكتاب والسنة (١). ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٢).
стр. 12
(٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(السادس: ما فيه من التعريف بالباري ﷻ ، وذكرِ صفاته وأسمائه، وما يجوز عليه وما يستحيل عليه) (١).
ليس في هذا الكلام إشكال؛ فإن هذه المعاني قد دلَّ عليها القرآن، وما يستحيل على الله هي العيوب والآفات، وقد نفاها القرآن؛ كالموت والسِّنة والنوم واللُّغوب والعجز والغفلة. تعالى الله عن ذلك.
стр. 13
(٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(آمَنَ إيمانًا؛ أي: صدَّق.
والإيمانُ في اللغة: التصديقُ مطلَقًا.
وفي الشرعِ: التصديقُ باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخِر.
والمُؤمِنُ في الشرع: المصدِّقُ بهذه الأمورِ.
و «المؤمِنُ»: اسمُ اللهِ تعالى؛ أي: المصدِّقُ لنَفْسِه، وقيل: إنَّه مِنْ الأَمْنِ؛ أي: يؤمِّنُ أولياءَهُ مِنْ عذابِه) (١).
قولُهُ ﵀: (الإيمانُ في اللغة: التصديقُ مطلَقًا):
هذا هو المشهورُ عند اللغويِّين (٢) وجمهورِ المفسِّرين (٣)، وهذا التفسيرُ للإيمانِ أشهَرُ ما احتَجَّ به المرجِئةُ القائلونَ بأنَّ الإيمان هو التصديقُ؛ يَعنُونَ به تصديقَ القَلْب (٤).
стр. 14
والقولُ بأنَّ الإيمانَ هو التصديقُ مطلَقًا، يقتضي أنَّ كلَّ تصديقٍ إيمانٌ.
وخالَفَ في ذلك الإمامُ ابن تيميَّةَ ﵀؛ فذكَرَ أنَّ الإيمانَ في اللغةِ تصديقٌ خاصٌّ، وهو التصديقُ فيما يُؤتَمَنُ عليه المُخبِر؛ كالإخبارِ عن الأمورِ الغائبة؛ فلا يقالُ لمن صدَّق مُخبِرًا عن طلوعِ الشمسِ: «آمَنَ له»، بل صدَّقه؛ لأنَّ طلوعَ الشمسِ منِ الأمورِ الحِسِّيَّةِ الظاهرةِ (١).
وقولُهُ: (والإيمانُ في الشرعِ: هو التصديقُ باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخِر):
ما ذكره هو الإيمانُ في الشرعِ بمعناهُ الخاصِّ المتعلِّقِ بالاعتقاد، ويُطلَقُ الإيمان في الشرعِ إطلاقًا عامًّا يَشمَلُ جميعَ شرائعِ الدِّينِ الظاهِرةِ والباطِنة؛ يَدُلُّ لذلك قولُهُ ﷺ : ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ)) (٢)؛ وفي الحديثِ رَدٌّ على المرجِئةِ الذين يُخرِجونَ الأعمالَ عن مسمَّى الإيمان.
وعلى ذلك: فيكونُ الإيمانُ بمعناهُ العامِّ اسمًا لكلِّ ما شرَعَهُ اللهُ مِنْ الاعتقاداتِ والأقوالِ والأعمال؛ ولذا قال أهلُ السُّنَّةِ: «الإيمانُ: اعتقادٌ بالجَنَانِ، وقولٌ باللسانِ، وعمَلٌ بالأركانِ» (٣).
стр. 15
(٥)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(و «الحَقُّ»: اسمُ اللهِ تعالى؛ أي: الواجبُ الوجودِ) (١).
قولُهُ: (أي: الواجبُ الوجودِ):
هذا مِنْ معنى اسمِهِ تعالى الحَقِّ، ويدخُلُ في معنى هذا الاسمِ «الحَقِّ»: أنه الموصوفُ بكلِّ كمال، المنزَّهُ عن كلِّ نقص، وأنه الإلهُ الحَقُّ، ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُهُ، فيدخُلُ في معنى هذا الاسمِ: جميعُ أسمائِهِ الحسنى، وصفاتِهِ العلا، ويجوزُ إطلاقُ «واجبِ الوجودِ» على اللهِ تعالى خبرًا، لا اسمًا (٢)؛ فهو تعالى واجبُ الوجود؛ أي: لا يجوزُ عليه الحدوثُ ولا العدَمُ، وليس ذلك مِنْ الأسماءِ الحسنى التي يُدْعَى بها.
стр. 16
(٦)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(وكريم: اسم الله تعالى؛ أي: محسنٌ) (١).
هذا تفسير للاسم ببعض معناه؛ فإن الكرَم يتضمن الجود والإحسان، ويتضمن الحسن والجمال (٢)، وما ذكره المُفسِّر هو المناسب للسياق.
стр. 17
(٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(كيدٌ: هو من المخلوق: احتيالٌ. وهو من الله: مشيئةُ أمرٍ يَنزل بالعبد من حيث لا يشعر) (١).
فسر ابن جزي الكيد من الله بالمشيئة، والكيد فعل من أفعال الرب يفعله بالكفار عقوبة ومجازاة بمثل فعلهم، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥)﴾ [الطارق]، ويكون الكيد من الله للعبد المؤمن من نبيٍّ أو صالحٍ نصرا وتأييدا، ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]، فابن جزي فسَّره بسببه من جهة الله، وهو المشيئة.
стр. 18
(٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(عزيز: اسم الله تعالى، معناه: الغالب) (١).
هذا تفسير للاسم ببعض معناه؛ فإن العزَّة تتضمَّن القهر والغلبة والقوة وعدم النظير، وهو تعالى عزيزٌ بكل معاني العزَّة (٢).
стр. 19
(٩)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(و «العَلِيُّ»: اسمُ اللهِ، و «المُتعالِي»، و «الأَعْلَى»، مِنْ العُلُوِّ؛ بمعنى: الجلالِ والعَظَمة.
وقيل: بمعنى التنزيهِ عمَّا لا يَلِيقُ به) (١).
قولُهُ: (مِنْ العُلُوِّ؛ بمعنى: الجلالِ والعَظَمة … )، إلخ:
يلاحَظُ أنه اقتصَرَ على معنيَيْنِ مِنْ معاني العُلُوِّ:
الأوَّل: الجلالُ والعَظَمةُ؛ المتضمِّنُ لعلوِّ القهر.
والثاني: التنزيهُ للهِ عما لا يليقُ به؛ وهذا يتضمَّنُ علوَّ القَدْرِ.
ولم يذكُرْ ﵀ عُلُوَّ الذاتِ، وهو ارتفاعُهُ تعالى فوقَ جميعِ المخلوقاتِ، مستوِيًا على عَرْشِه.
وهذا هو الذي اختلَفَ فيه أهلُ السُّنَّةِ والمبتدِعةُ؛ كالجهميَّةِ ومَن وافَقَهم؛ فاسمُهُ: «العَلِيُّ» سبحانه، يتضمَّنُ معانيَ العلوِّ الثلاثةَ، والله أعلم (٢).
стр. 20
(١٠)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(واسم الله تعالى الفتاح: قيل: الحاكم، وقيل: خالق النصر والفتح) (١).
كلٌّ من المعنيَيْن صحيح: الحاكم وخالق النصر، ويشهد للأول قوله تعالى عن شعيب: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين (٨٩)﴾ [الأعراف]، ونصرُه تعالى لأوليائه على أعدائه نوع من الحكم الكوني، وصيغة الفتَّاح تدل على كثرة الفتح، كالغفَّار والخلَّاق والرَّزَّاق، وفي الجملة ما قاله المفسِّر مستقيم.
стр. 21
(١١)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(وسَبَّحْتُ اللهَ؛ أي: نَزَّهْتُهُ عما لا يليقُ به؛ مِنْ الصاحبةِ والوَلَد، والشُّرَكاءِ والأنداد، وصفاتِ الحُدُوث، وجميعِ العيوبِ والنقائص) (١).
قولُهُ: (وصفاتِ الحُدُوث):
هذا لفظٌ مجمَلٌ يَحتمِلُ حقًّا وباطلًا:
فإنْ أُريدَ به: تنزيهُهُ تعالى عن وصفِهِ بشيءٍ مِنْ خصائصِ المخلوقِ - مما يستلزِمُ تمثيلَهُ سبحانه بخَلْقِه -: فهو حقٌّ.
وإنْ أُريدَ به: تنزيهُهُ عما يكونُ بمشيئتِهِ تعالى مِنْ أفعالِهِ - وهو ما يعبِّرون عنه بحلولِ الحوادثِ، ويَقصِدونَ نفيَ قيامِ الأفعالِ الاختياريَّةِ به -: فإنَّ ذلك باطلٌ.
وهذا أصلٌ عند أكثَرِ المتكلِّمين؛ فإنهم يقولون: إنه تعالى منزَّهٌ عن حلولِ الحوادثِ، يريدونَ: نفيَ قيامِ الأفعالِ الاختياريَّةِ به سبحانه؛ كالمجيءِ، والنزولِ، والاستواءِ على العَرْش، والله أعلم (٢).
стр. 22
(١٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(الثامنةُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١)﴾ [الفاتحة]، صفتان، مِنْ الرحمةِ.
ومعناهما: الإحسانُ؛ فهي صفةُ فِعْلٍ.
وقيل: إرادةُ الإحسانِ؛ فهي صفةُ ذاتٍ) (١).
قولُه: (ومعناهما: الإحسانُ … )، إلخ:
هذا يتضمَّنُ تفسيرَ الرحمةِ: إمَّا بالإحسان، أو بإرادةِ الإحسان.
стр. 23
قال: (والإحسانُ صفةُ فعلٍ)، والذين يقولون هذا يريدونَ: ما يخلُقُهُ اللهُ مِنْ النِّعَم؛ فالرحمةُ - إِذَنْ - عبارةٌ عن مخلوقاتِهِ سبحانه، وإن سمَّوْهَا: «صفةَ فعلٍ»، فهو غلَطٌ في العقل؛ فإنَّ المفعولَ لا يكونُ صفةً للفاعلِ، بل أثَرُ فِعْلِه، وهم لا يُثبِتُونَ فعلًا يقومُ بالفاعلِ بمشيئتِه؛ فليس عندهم إلا فاعلٌ ومفعول.
وقد يفسِّرون «الرحمةَ»: بإرادةِ الإحسانِ؛ وعليه فهي صفةٌ ذاتيَّةٌ؛ كما قال المؤلِّف؛ أي: أنَّها قائمةٌ بذاتِهِ تعالى (١).
وكلٌّ من التفسيرَيْنِ فيه صرفٌ للَّفْظِ عن ظاهرِه (٢)؛ فإنَّ الرحمةَ لها معنى يقابِلُ الغضَبَ؛ كما جاء في الحديثِ القُدسيِّ: ((إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي)) (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في «العقيدة التدمريَّة» (٤)، في الذين ينفُون صفةَ الرحمةِ والمحبَّةِ، والغضَبِ والرضا: «إنَّهم يفسِّرونَ ذلك: إمَّا بالإرادةِ، وإمَّا ببعضِ المفعولاتِ مِنْ النِّعَمِ والعُقُوبات». اه.
وعليه: فالواجبُ إثباتُ الرحمةِ صفةً للهِ حقيقةً، وتفسيرُها بالإحسانِ تفسيرٌ لها بأَثَرِها.
والرحمةُ في صفاتِ اللهِ نوعانِ:
стр. 24
- صفةٌ ذاتيَّةٌ.
- وصفةٌ فعليَّةٌ.
وذهَبَ ابن القيِّم (١): إلى أنَّ الصفةَ الذاتيَّةَ مدلولُ اسمِهِ الرحمنِ، والفعليَّةَ مدلولُ اسمِهِ الرحيمِ.
وينبغي أنْ يُعلَمَ أنَّ الرحمةَ المضافةَ إلى الله نوعان:
- نوعٌ هو صفةٌ له سبحانه، ذاتيَّةً أو فعليَّةً، كما تقدَّم، وإضافتُها إليه مِنْ إضافةِ الصفةِ إلى الموصوفِ، وهي مدلولُ الاسمَيْنِ الشريفَيْن الرَّحمنِ الرحيمِ؛ ومِن هذا النوعِ: قولُ سليمانَ ﵇ متوسِّلًا: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين (١٩)﴾ [النمل].
- والنوعُ الثاني: رحمةٌ مخلوقةٌ، وإضافَتُها إلى الله مِنْ إضافةِ المخلوقِ إلى خالقِهِ؛ ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠]، فالرحمةُ هنا المَطَرُ، وقولُه تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (١٠٧)﴾ [آل عمران]، والرحمةُ هنا الجَنَّةُ، وفي الحديثِ القدسيِّ: أنَّ اللهَ قال للجَنَّةِ: ((أَنْتِ رَحْمَتِي؛ أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ)) (٢)، والله أعلم.
стр. 25
(١٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(العاشرة: إنما قدَّم الرحمن لوجهين:
اختصاصه بالله.
وجريانه مجرى الأسماء التي ليست بصفات) (١).
تقديم اسم الرحمن على الرحيم في الآيات يرجع إلى الفرق بين الاسمين، وكلُّ ما قيل في الفرق بينهما يقتضي تقديم الرحمن، وقول المفسِّر: «وجريانه مجرى الأسماء التي ليست بصفات» معناه: أن مِنْ أسماء الله ما هو علم محضٌ، لا يدل على صفة، والصواب أن كلَّ اسم من أسماء الله يدل على صفة، فهو علم وصفة؛ علم يدل على ذات الرب وصفة من صفاته، فهو علم وصفة، وليس من أسماء الله ما هو علم محض، فتدبَّر (٢).
стр. 26
سورة الفاتحة
(١٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في كلامِهِ عن مقامِ الشُّكْر:
(والشُّكْرُ على ثلاثِ دَرَجاتٍ:
- فدرجةُ العوامِّ: الشكرُ على النِّعَم.
- ودرجةُ الخواصِّ: الشكرُ على النِّعَمِ والنِّقَم، وعلى كلِّ حال.
- ودرجةُ خواصِّ الخواصِّ: أن يَغِيبَ عن النِّعْمةِ بمشاهَدةِ المُنعِم.
قال رجلٌ لإبراهيمَ بنِ أَدْهَمَ: إنَّ الفقراءَ إذا أُعْطُوا شكَرُوا، وإذا مُنِعُوا صبَرُوا؟ فقال إبراهيمُ: هذه أخلاقُ الكِلَاب؛ ولكنَّ القومَ إذا مُنِعُوا شكَرُوا، وإذا أُعْطُوا آثَرُوا (١)(٢).
قولُهُ: (الشُّكْرُ على ثلاثِ دَرَجاتٍ … )، إلخ:
стр. 27
سلَكَ المؤلِّفُ ﵀ في تقسيمِ مراتبِ الشُّكْرِ والتعبيرِ عنها طريقَ الصوفيَّة، وفي كلامِهِ هذا عِدَّةُ مآخِذَ:
الأوَّل: قولُهُ: (إنَّ الشكرَ على النعمِ درجةُ العوامِّ):
بل الشكرُ على النعمِ مِنْ شأنِ العوامِّ والخواصِّ مِنْ المؤمنين، وقد أثنى الله على إبراهيم ﵇؛ فقال: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١]، ولما ذكَر الله ما أعطى سليمانَ ﵇ مِنْ تسخير الجِنِّ والرِّيح، قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣].
الثاني: زعمُهُ أنَّ درجةَ الخواصِّ الشكرُ على النِّقَم:
هذا لا يصحُّ؛ فإنه لم يأتِ في الكتابِ ولا في السُّنَّةِ تعلُّقُ الشكرِ بالنقم، وإنما الذي ورَد الحمدُ؛ فيقالُ: له الحَمْدُ على كلِّ حال، وأمَّا الشكرُ، فمتعلَّقُهُ النِّعَم، وشواهدُ هذا في القرآنِ كثيرة (١).
الثالث: قولُهُ في الدرجةِ الثالثةِ: «إنَّها درجةُ خواصِّ الخواصِّ»، وفسَّرها بأن يَغِيبَ عن النِّعْمةِ بمشاهَدةِ المُنعِم:
هذا مِنْ جنسِ ما سيأتي في درجاتِ الذِّكْرِ عند المؤلِّف؛ حيثُ جعَل أعلى درجاتِ الذِّكْرِ الفناءَ، وهي أنْ يَغِيبَ باللهِ عن كلِّ ما سوى الله؛ حتى عن نَفْسِه. وسيأتي أنَّ مقامَ الفناءِ ليس بكمالٍ، بل هو نقصٌ (٢).
стр. 28
ولم يأتِ في الكتابِ ولا في السُّنَّةِ مدحُه، بل الرسولُ ﷺ وهو أكمَلُ الخلقِ ذِكْرًا وعبوديَّة - لا يغيبُ وهو يصلِّي، بل يَسمَعُ بكاءَ الصبيِّ فيتجوَّزُ في صلاتِه، وخيرُ الهَدْيِ هَدْيُ محمَّد ﷺ .
الرابع: ذكرُهُ الحكايةَ عن إبراهيمَ بنِ أدهَمَ، وفيها التحقيرُ للشكرِ على النِّعَم، وأنَّه أخلاقُ الكلابِ؛ فهذا - على فرضِ ثبوتِهِ - قبيح.
стр. 29
(١٥)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(الخامسة: قولنا: «الحمد لله رب العالمين» أفضل عند المحققين من: «لا إله إلَّا الله»؛ لوجهين:
أحدهما: ما خرَّجه النسائي عن رسول الله ﷺ : ((من قال: لا إله إلَّا الله كتبت له عشرون حسنة، ومن قال: الحمد لله رب العالمين كتبت له ثلاثون حسنة)).
والثاني: أنَّ التوحيد الذي يقتضيه «لا إله إلَّا الله» حاصل في قولك: «رب العالمين»، وزادت بقولك: «الحمد لله»، وفيه من المعاني ما قدَّمنا.
وأما قوله ﷺ : ((أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلَّا الله))؛ فإنما ذلك للتوحيد الذي تقتضيه، وقد شاركتها «الحمد لله رب العالمين» في ذلك، وزادت عليها.
وهذا المؤمنُ يقولها لطلب الثواب، وأما لمن دخل في الإسلام فيتعيَّن عليه «لا إله إلَّا الله») (١).
стр. 30
قوله: (قولنا: «الحمد لله رب العالمين» أفضل عند المحققين من: «لا إله إلَّا الله») صريحٌ في تفضيل «الحمد لله رب العالمين» على «لا إله إلا الله»، وعزا ابن جزيٍّ هذا التفضيل إلى المحققين، ولم يذكر بعض أعيانهم، ومن أيِّ طائفة هم، فمجرد قوله: (عند المحققين) لا تكفي، وفي دعوى هذا التفضيل نظر، وأما الاستدلال عليها بالحديث الذي رواه النسائي: ((ومن قال: الحمد لله رب العالمين كتبت له ثلاثون حسنة)) (١)، فهو معارض بالحديث الذي ذكره، وهو قوله ﷺ : ((خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) (٢)، فلا إله
стр. 31
إلا الله كلمة التقوى، وهي كلمة التوحيد التي هي أصل دين الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وهي مفتاح دعوتهم، ونبيُّنا ﷺ منذ بعثه الله مكث عشر سنين بمكة لا يقول للناس إلا قولوا: لا إله إلا الله، لم يأمرهم بشيء من الكلام غيرها، وهي الكلمة التي شهد الله بها لنفسه، وشهدت بها ملائكته وأولو العلم.
وأما جواب المؤلف عن الحديث الذي ذكره بأن «الحمد لله رب العالمين» تدل على التوحيد وزيادة، فلا يسلَّم له؛ فإن غاية ما تدل عليه توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، لا على توحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل وأنكره المشركون، ولقد فرق الله بين الرب والإله بقوله: ﴿بِرَبِّ النَّاس (١) مَلِكِ النَّاس (٢) إِلَهِ النَّاس (٣)﴾ [الناس]، والربُّ هو الخالق المالك المدبِّر، والإله هو المعبود.
стр. 32
وكلمة توحيد الإلهية لا يحصَى ذكرها في القرآن؛ تارة بالاسم الظاهر: لا إله إلا الله، وتارة بضمير الغائب: لا إله إلا هو، وتارة بضمير المتكلم: لا إله إلا أنا، وتارة بضمير الخطاب كما في دعاء يونس ﵇: لا إله إلا أنت (١)، وبكلمة التوحيد لا إله إلا الله كان النبي ﷺ يدعو في الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش العظيم)) (٢)، وجاء في فضل كلمة التوحيد أحاديث كثيرة، كقوله ﷺ : ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. في يوم مئة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان، يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه)) (٣).
فهذه الفضائل لا يقاومها حديث: ((من قال: الحمد لله رب العالمين كتبت له ثلاثون حسنة))؛ فلا بد من تأويله، ولعل هذا التفضيل لأمر قام بقلب الذاكر لقوله: ((من قبل نفسه)) (٤).
ويقال أيضاً: إن هذا الحديث قد روي عن كعب من قوله، ونقل ابن رجب في شرح الأربعين عن بعض أهل العلم أن الموقوف أصح من المرفوع (٥). ثم وقفت - أخيرًا - على كلام للحافظ أبي بكر ابن
стр. 33
العربي في كتابه «المسالك في شرح موطأ مالك» أفاض فيه في الكلام على المسألة، وذكر أن أكثر العلماء على أن كلمة التوحيد أفضل من الحمد لله، فيحسن مراجعة كلامه (١).
وبعد: فالذي ظهر لي أن الصحيح ما دلَّت عليه الأحاديث المستفيضة في فضل لا إله إلا الله، مع ما تقدم من الوجوه، فكلمة التوحيد هي أول الأمر وآخره، وعليها مدار الخلق والأمر، فلا يعدلها شيء من كلمات الذكر، فضلا عن أن يكون أفضل منها. والله أعلم.
стр. 34
(١٦)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(الحاديةُ عشرة: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾ [الفاتحة]؛ أي: نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا.
وفي هذا دليلٌ على بطلان قول القدرية والجبرية، وأنَّ الحق بين ذلك) (١).
قول المفسِّر صحيح؛ فإنَّ قوله تعالى: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾؛ فيه الردُّ على القدرية؛ لأنهم ينفون قدرة الله على فعل العبد ومشيئته له، وعلى قولهم فلا معنى للاستعانة به؛ لأن الاستعانة إنما تكون بالقادر، لا بالعاجز، وفي قوله تعالى: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾ ردٌّ على الجبرية الذين ينفون فعل العبد، بل ينفون قدرته على أفعاله، وفي الآية إسناد فعل العبادة إلى العبد، وهي أجلُّ ما يفعله، فدلَّت الجملتان في الآية على توحيد الربوبية والإلهية، فتوحيد الربوبية يقتضي التوحيد في الاستعانة، وتوحيد الإلهية يقتضي توحيد العبادة، فهو سبحانه المعبود، وهو المستعان، وبهذا جمعت هذه الآية حظَّ العبد وحقَّ الرب. والله أعلم.
стр. 35
سورة البقرة
(١٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿اللّهُ يَسْتَهْزِاءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] فيه ثلاثةُ أقوال:
- تسميةُ العقوبةِ باسمِ الذنبِ؛ كقولِه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤].
- وقيل: يُملِي لهم؛ بدليل قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: ١٥].
- وقيل: يَفعَلُ بهم في الآخِرةِ ما يَظهَرُ لهم أنه استهزاءٌ بهم؛ كما جاء في سورة الحديد: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا … ﴾ الآيةَ [الحديد: ١٣]) (١).
لا إشكالَ فيما ذكَرَ المؤلِّف مِنْ الوجوه؛ فلكلٍّ منها وَجْهٌ، وأقرَبُها الثاني والثالث؛ فإنَّ في كلٍّ منهما استهزاءً بالفعل.
стр. 36
(١٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(الثالثةُ: تكرَّر في القرآنِ ذكرُ المخلوقاتِ، والتنبيهُ على الاعتبارِ في الأرضِ والسماوات، والحَيَوانِ والنبات، والرياحِ والأمطار، والشمسِ والقمَر، والليلِ والنهار؛ وذلك أنها تَدُلُّ بالعقلِ على عشَرَةِ أمورٍ؛ وهي:
١ - أنَّ اللهَ موجودٌ؛ لأنَّ الصنعةَ دليلٌ على الصانِعِ لا محالةَ.
٢ - وأنَّه واحدٌ لا شريكَ له؛ لأنَّه لا خالقَ إلَّا هو: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧].
٣ - ٦: وأنه حيٌّ، قديرٌ، عالِمٌ، مُرِيد؛ لأنَّ هذه الصفاتِ الأربعَ مِنْ شروطِ الصانِع؛ إذْ لا تصدُرُ صنعةٌ عمَّن عُدِمَ صفةً منها.
٧ - وأنه قديمٌ؛ لأنه صانعٌ للمحدَثاتِ؛ فيَستحِيلُ أن يكونَ مِثْلَها في الحدوث.
٨ - وأنه باقٍ؛ لأنَّ ما ثبَتَ قِدَمُه، استحالَ عَدَمُه.
٩ - وأنه حَكِيمٌ؛ لأنَّ آثارَ حِكْمَتِهِ ظاهرةٌ في إتقانِهِ للمخلوقات، وتدبيرِهِ للملكوت.
١٠ - وأنه رحيمٌ؛ لأنَّ في كلِّ ما خلَقَ منافعَ لبني آدَمَ؛ سَخَّرَ لهم ما في السماواتِ وما في الأرض.
стр. 37
وأكثَرُ ما يأتي ذِكْرُ المخلوقاتِ في القرآنِ: في مَعرِضِ الاستدلالِ على وجودِهِ تعالى، أو على وحدانيَّته) (١).
قولُهُ: (لأنَّه لا خالقَ إلَّا هو):
هذا توجيهٌ لدَلَالةِ المخلوقاتِ على أنه واحدٌ؛ وهذا ليس بجيِّد في صياغةِ الاستدلال؛ لأنه تعليلٌ للشيءِ بنَفْسِه؛ فكأنه قال: «دلَّت على أنه واحدٌ؛ لأنه واحدٌ»؛ ولا يخفى ما فيه.
وقولُهُ: (وأكثَرُ ما يأتي ذِكْرُ المخلوقاتِ في القرآنِ: في مَعرِضِ الاستدلالِ على وجودِهِ تعالى، أو على وحدانيَّته):
في هذا نظَرٌ؛ فإنَّ المخاطَبِينَ ليسوا جاحِدِينَ لوجودِ الله؛ بل مُشرِكِينَ في العبادة؛ فالمقصودُ الأوَّلُ مِنْ ذكرِ المخلوقاتِ: الاستدلالُ بها على توحيدِ الإلهيَّة، وهم يُقِرُّونَ بأنه الخالِقُ لهذه المخلوقاتِ؛ فاحتُجَّ عليهم بما أقَرُّوا به على ما أنكَرُوهُ مِنْ توحيدِ الإلهيَّة؛ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون (٣٥)﴾ [الصافات]، ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، ولمَّا قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]، أتبَعَ ذلك بقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِنْ مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون
стр. 38
١٦٤)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
فتضمَّنتِ الآيتانِ الأمرَ بعبادتِهِ تعالى، والنهيَ عن الشِّرْكِ به، وذِكْرَ المقتضي لذلك؛ وهو خلقُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وخلقُ السماواتِ والأرضِ وما بينهما، ونظائرُ ذلك كثيرةٌ.
* * * *
стр. 39
(١٩)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥]. دليلٌ على أنَّ الإيمانَ خلافُ العملِ؛ لعطفِهِ عليه؛ خلافًا لمن قال: «الإيمانُ اعتقادٌ، وقولٌ، وعمل».
وفيه: دليلٌ على أنَّ السعادةَ بالإيمانِ مع الأعمالِ؛ خلافًا للمرجِئة (١)(٢).
في كلامِ المؤلِّفِ مسألتانِ:
المسألةُ الأولى: قولُه: (دليلٌ على أنَّ الإيمانَ خلافُ العملِ؛ لعطفِهِ عليه).
стр. 40
ظاهرُهُ: أنه يقرِّرُ هذا الاستدلالَ؛ وهو - بهذا - يوافِقُ جميعَ طوائِفِ المرجِئةِ (١) في الاستدلالِ بهذه الآيةِ على إخراجِ الأعمالِ عن مسمَّى الإيمان، وأهلُ السُّنَّةِ يُخالِفُونَهم في أصلِ المسألةِ، وفي الاستدلالِ بالآية؛ فيقولون:
العملُ مِنْ الإيمان (٢)؛ لدلائلَ كثيرةٍ مِنْ الكتاب والسُّنَّة؛ كحديثِ وفدِ عبدِ القَيْس (٣)، ........