← Акыда

Акыда · id 1301

التعليقات على المسائل العقدية في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (265 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

(١٨) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (الثالثةُ: تكرَّر في القرآنِ ذكرُ المخلوقاتِ، والتنبيهُ على الاعتبارِ في الأرضِ والسماوات، والحَيَوانِ والنبات، والرياحِ والأمطار، والشمسِ والقمَر، والليلِ والنهار؛ وذلك أنها تَدُلُّ بالعقلِ على عشَرَةِ أمورٍ؛ وهي: ١ - أنَّ اللهَ موجودٌ؛ لأنَّ الصنعةَ دليلٌ على الصانِعِ لا محالةَ. ٢ - وأنَّه واحدٌ لا شريكَ له؛ لأنَّه لا خالقَ إلَّا هو: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]. ٣ - ٦: وأنه حيٌّ، قديرٌ، عالِمٌ، مُرِيد؛ لأنَّ هذه الصفاتِ الأربعَ مِنْ شروطِ الصانِع؛ إذْ لا تصدُرُ صنعةٌ عمَّن عُدِمَ صفةً منها. ٧ - وأنه قديمٌ؛ لأنه صانعٌ للمحدَثاتِ؛ فيَستحِيلُ أن يكونَ مِثْلَها في الحدوث. ٨ - وأنه باقٍ؛ لأنَّ ما ثبَتَ قِدَمُه، استحالَ عَدَمُه. ٩ - وأنه حَكِيمٌ؛ لأنَّ آثارَ حِكْمَتِهِ ظاهرةٌ في إتقانِهِ للمخلوقات، وتدبيرِهِ للملكوت. ١٠ - وأنه رحيمٌ؛ لأنَّ في كلِّ ما خلَقَ منافعَ لبني آدَمَ؛ سَخَّرَ لهم ما في السماواتِ وما في الأرض.

стр. 37

وأكثَرُ ما يأتي ذِكْرُ المخلوقاتِ في القرآنِ: في مَعرِضِ الاستدلالِ على وجودِهِ تعالى، أو على وحدانيَّته) (١). قولُهُ: (لأنَّه لا خالقَ إلَّا هو): هذا توجيهٌ لدَلَالةِ المخلوقاتِ على أنه واحدٌ؛ وهذا ليس بجيِّد في صياغةِ الاستدلال؛ لأنه تعليلٌ للشيءِ بنَفْسِه؛ فكأنه قال: «دلَّت على أنه واحدٌ؛ لأنه واحدٌ»؛ ولا يخفى ما فيه. وقولُهُ: (وأكثَرُ ما يأتي ذِكْرُ المخلوقاتِ في القرآنِ: في مَعرِضِ الاستدلالِ على وجودِهِ تعالى، أو على وحدانيَّته): في هذا نظَرٌ؛ فإنَّ المخاطَبِينَ ليسوا جاحِدِينَ لوجودِ الله؛ بل مُشرِكِينَ في العبادة؛ فالمقصودُ الأوَّلُ مِنْ ذكرِ المخلوقاتِ: الاستدلالُ بها على توحيدِ الإلهيَّة، وهم يُقِرُّونَ بأنه الخالِقُ لهذه المخلوقاتِ؛ فاحتُجَّ عليهم بما أقَرُّوا به على ما أنكَرُوهُ مِنْ توحيدِ الإلهيَّة؛ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون (٣٥)﴾ [الصافات]، ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، ولمَّا قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]، أتبَعَ ذلك بقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِنْ مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون

стр. 38

١٦٤)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. فتضمَّنتِ الآيتانِ الأمرَ بعبادتِهِ تعالى، والنهيَ عن الشِّرْكِ به، وذِكْرَ المقتضي لذلك؛ وهو خلقُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وخلقُ السماواتِ والأرضِ وما بينهما، ونظائرُ ذلك كثيرةٌ. * * * *

стр. 39

(١٩) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥]. دليلٌ على أنَّ الإيمانَ خلافُ العملِ؛ لعطفِهِ عليه؛ خلافًا لمن قال: «الإيمانُ اعتقادٌ، وقولٌ، وعمل». وفيه: دليلٌ على أنَّ السعادةَ بالإيمانِ مع الأعمالِ؛ خلافًا للمرجِئة (١) (٢). في كلامِ المؤلِّفِ مسألتانِ: المسألةُ الأولى: قولُه: (دليلٌ على أنَّ الإيمانَ خلافُ العملِ؛ لعطفِهِ عليه).

стр. 40

ظاهرُهُ: أنه يقرِّرُ هذا الاستدلالَ؛ وهو - بهذا - يوافِقُ جميعَ طوائِفِ المرجِئةِ (١) في الاستدلالِ بهذه الآيةِ على إخراجِ الأعمالِ عن مسمَّى الإيمان، وأهلُ السُّنَّةِ يُخالِفُونَهم في أصلِ المسألةِ، وفي الاستدلالِ بالآية؛ فيقولون: العملُ مِنْ الإيمان (٢)؛ لدلائلَ كثيرةٍ مِنْ الكتاب والسُّنَّة؛ كحديثِ وفدِ عبدِ القَيْس (٣)، ........

стр. 41

وحديثِ شُعَبِ الإيمان (١). ويقولون: العطفُ لا يقتضي المغايَرةَ دائمًا، بل منه عطفُ الخاصِّ على العامِّ، ومِن ذلك: عطفُ الأعمالِ على الإيمان (٢) (٣).

стр. 42

المسألةُ الثانية: قولُه: «وفيه: دليلٌ على أنَّ السعادةَ بالإيمانِ مع الأعمالِ؛ خلافًا للمرجِئة». هذا الاستدلالُ صحيحٌ، ولكنَّ قوله: «خلافًا للمرجِئة»، لا يصحُّ على الإطلاق؛ لأنَّ مرجِئةَ الفقهاءِ لا ينازِعون في هذا، وإنما ينازِعُ في هذا المرجِئةُ الجهميَّةُ، القائلون: «لا يَضُرُّ مع الإيمانِ ذنبٌ» (١). * * * *

стр. 43

(٢٠) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]: (تأوَّل قومٌ أنَّ معناه: لا يَترُك؛ لأنَّهم زعموا أنَّ الحياءَ مستحيلٌ على الله؛ لأنه - عندهم -: انكسارٌ يَمنَعُ مِنْ الوقوعِ في أمرٍ. وليس كذلك؛ وإنما هو: كَرَمٌ وفضيلةٌ تَمنَعُ مِنْ الوقوعِ فيما يُعاب. ويَرُدُّ عليهم: قولُهُ ﷺ : ((إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ؛ يَسْتَحِيي مِنَ العَبْدِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا)) (١) (٢).

стр. 44

كلامُ المؤلِّف مستقيم، على مذهب أهل السُّنَّة؛ لأنه تضمَّن إثباتَ الحَيَاءِ لله على ما يليقُ به، وأنكَرَ على مَنْ زعَمَ أنه ممتنِعٌ على الله، مِمَّا أوجَبَ لهم تحريفَ الآية بتأويلِ الحَيَاء بالتَّرْك، واستدَلَّ المؤلِّف لما ذهب إليه بالحديث، وهو استدلالٌ صحيح. * * * * *

стр. 45

(٢١) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين (٣٤)﴾ [البقرة]: (قيل: كفَر بإبايته من السجود؛ وذلك بناء على أن المعصية كفرٌ. والأظهر: أنه كفَر باعتراضه على الله، وتسفيهه له في أمره بالسجود لآدم، وليس كفره كفرَ جحود؛ لاعترافه بالربوبية) (١). قوله: (قيل: كفَر بإبايته من السجود) إلخ: تضمَّن كلام المؤلف سببين في كفر إبليس: الأول: أنه إباؤه السجود الذي أمره الله به، وهو حقيقة المعصية، وهذا يناسب مذهب الخوارج الذين يكفِّرون بالذنوب، ولعل هذا من حجَّتهم. الثاني: - وهو اختيار المؤلف - أن سبب كفر إبليس الاعتراض على الله بأمره بالسجود لآدم، وهذا يتضمَّن الطعن في حكمته تعالى، وتسفيهه، تعالى الله، كما قاله المؤلف، فحصَر سبب الكفر في هذين الأمرين؛ إذِ اقتصر عليهما، فضعَّف الأول واستظهر الثاني، ونفَى المؤلف أن يكون كفر إبليس جحودًا، وهو صحيح؛ فلم يجحد إبليس

стр. 46

ربوبيته تعالى إذ قال: رب أنظرني، وما جحد الأمر؛ لأن الله واجهه بالأمر بالسجود مع الملائكة، وصرَّح بأنه أمرَه عينا؛ فقال سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وسبب كفر إبليس الذي دلَّت عليه الآيات هو إباء السجود الناشئ عن الاستكبار، ولهذا قال تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقال لإبليس: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِين (٧٥)﴾ [ص]، كما يدل لذلك شبهة إبليس التي اعتذر بها عن امتناعه من السجود، وهو أن الله خلقه من نار، وخلق آدم من طين، وهذه الشبهة تتضمَّن دعاوى باطلة وأقيسة فاسدة ذكرها العلماء، وبيَّنوا بطلانها وفسادها (١)، وفخر إبليس فيها بنفسه واحتقاره لآدم ظاهر، فتضمَّن اعتذارُه حقيقةَ الكبر الذي هو ردُّ الحق واحتقار الغير، وذلك بردِّ أمر الله واحتقار آدم، وبهذا يُعلم أن ما ذكره المؤلف من سببَيْ كفر إبليس ناشئان عن الاستكبار (٢). فالكبر إذن هو سبب كفر إبليس وأكثر الكافرين من بعده، وشواهد ذلك في القرآن كثيرة، قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]، وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِين (٣١)﴾ [الجاثية]، وسمَّى الله

стр. 47

جهنم مثوى المتكبرين، ومثوى الكافرين؛ فالكافرون هم المتكبرون في الآيتين. تنبيه: اشتهر عند كثير من المفسرين وغيرهم أن الحامل لإبليس على ترك السجود هو الحسد، ولا دليل عليه من آية أو حديث فيما أعلم. * * * *

стр. 48

(٢٢) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]: (﴿وَجْهُ اللّهِ﴾، المراد به هنا: كقولِه: ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]؛ أي: رضاه. وقيل: معناه الجِهَةُ التي وَجَّهنا إليها. وأمَّا قولُه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، و ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، فهو مِنْ المتشابِهِ الذي يجبُ التسليمُ له مِنْ غير تكييفِ، ويُرَدُّ علمُه إلى الله. وقال الأصوليُّون: هو عبارةٌ عن الذاتِ، أو عن الوجودِ. وقال بعضُهم: هو صفةٌ ثابتةٌ بالسمع) (١). قولُهُ: (﴿وَجْهُ اللّهِ﴾، المرادُ به هنا: كقولِه: ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]؛ أي: رضاه … )، إلخ: ذكَرَ في هذا السياق ثلاثَ آيات ورَدَ فيها ذكرُ الوجهِ؛ فذكَرَ في الآيةِ الأولى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، قولَيْن:

стр. 49

الأوَّل: أنَّ المرادَ بالوجهِ في الآية كقولِهِ تعالى: ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ﴾، وفسَّره بالرضا. الثاني: أنَّ المرادَ: الجهةُ التي وجَّهَنا الله إليها؛ يريد: القبلةَ. وذكَرَ في الآيةِ الثانيةِ والثالثةِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، و ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ثلاثةَ أقوالٍ في تفسيرِ الوجه: أحدُها: قولُ أهلِ التأويل (١)؛ وهو أنَّ المرادَ بالوجهِ: الذاتُ، أو الوجودُ. الثاني: قولُ أهلِ التفويض (٢)؛ وهو أنَّ ذكرَ الوجهِ مِنْ المتشابِهِ الذي يجب التسليمُ له، ورَدُّ علمِهِ إلى الله. الثالث: قولُ بعضهم؛ وهو أنَّ الوجهَ صفةٌ ثابتةٌ بالسمعِ.

стр. 50

وفيما ذكَرَهُ حقٌّ وباطلٌ: - فتفسيرُهُ الوجهَ في الآيةِ الأولى بالجهةِ حقٌّ، وبه قال كثيرٌ مِنْ السلف (١). - وتفسيرُهُ الوجهَ في الآيةِ الأولى بالرضا، وجعلُهُ المرادَ به كالمرادِ في قولِه: ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] خطأٌ؛ فالوجهُ لا يُعرَفُ في اللغةِ بمعنى الرضا؛ لكنَّ سياق الآية يتضمَّنُ هذا المعنى (٢)، والممنوعُ أن يكونَ المرادُ بالوجهِ الرضا.

стр. 51

- وتفسيرُ الوجهِ في الآيةِ الثانيةِ والثالثةِ بالذاتِ والوجودِ، خطأٌ؛ وهو تفسيرُ أهلِ التأويلِ مِنْ نفاةِ الصفات (١). وأمَّا تفسيرُهُ الوجهَ في الآيةِ الثانيةِ والثالثةِ بأنَّه مِنْ المتشابِهِ، والمتشابِهُ عندهم: ما لا يَعلَمُ معناه إلا اللهُ (٢)؛ وهذا مذهبُ أهلِ التفويضِ، وهم مِنْ النفاة، ويقابِلون أهلَ التأويل. وما ذكَرَه عن بعضِهم: أنَّ الوجهَ صفةٌ ثابتةٌ بالسمع، فهو حقٌّ (٣)، لا يجوزُ نفيُهُ ولا تأويلُه، بل يجبُ إثباتُهُ على ما يليقُ به سبحانه، وأنه لا يماثِلُ وجوهَ العباد، وليس هو مِنْ المتشابِه؛ لأنَّ معناه معقول، والكيفَ مجهول، والله أعلم. * * * *

стр. 52

(٢٣) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿وَإِذَا قَضَى أَمْراً﴾ [البقرة: ١١٧]؛ أي: قدَّره، أو أمضاه. قال ابنُ عطيَّةَ (١): «يَتَّجِهُ في الآية المعنَيَان؛ فعلى مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ: قدَّر في الأَزَلِ وأمضَى فيه، وعلى مذهبِ المعتزِلة: أمضَى عند الخَلْقِ والإيجاد». قلتُ: لا يكونُ «قَضَى» هنا بمعنى قدَّر؛ لأنَّ القَدَرَ قديمٌ، و «إذا»: تقتضي الحدوثَ والاستقبالَ؛ وذلك يُناقِضُ القِدَم، وإنَّما «قَضَى» هنا: بمعنى: أَمْضَى، أو فعَلَ، أو أوجَدَ؛ كقولِه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]) (٢). القضاءُ مِنْ اللهِ في القرآن يأتي لمعانٍ (٣): ١ - «قَضَى الخَلْقَ»؛ بمعنى: فرَغَ مِنْ خلقِهِ؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]. ٢ - «قَضَى»؛ بمعنى: حكَمَ؛ وهو نوعان:

стр. 53

الأول: شرعيٌّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ومعناه: أمَرَ ووصَّى. والثاني: كونيٌّ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون (١١٧)﴾ [البقرة]، ومعناه: أراد كَوْنَهُ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٤٠)﴾ [النحل]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس]. وعلى هذا: فتفسيرُ «قضى»: ب «أَمْضَى»، في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْراً﴾ [البقرة: ١١٧]-: أظهَرُ؛ لأن المعنى: إذا أرادَ اللهُ كَوْنَ ما سبَقَ في علمِهِ وإرادتِهِ وكتابِهِ، قال له: «كُنْ»، فيَكُونُ؛ وهذا هو معنى الإمضاء؛ أي: إتمامُ الأمرِ الذي قدَّره اللهُ في علمِهِ وإرادتِهِ وكتابِه (١). ولهذا أقولُ: ما وجَّه به المؤلِّفُ ابنُ جُزَيٍّ اختيارَهُ، وهو أنَّ معنى «قَضَى»: أَمْضَى -: وجيهٌ. ويأتي «قضى» في القرآنِ مضمَّنًا معنى «أَوْحَى» أو «أوصَى»؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِين (٦٦)﴾ [الحجر]، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]. كما يأتي «القضاءُ» بمعنى: الحُكْمِ، شاملًا للمعنيَيْنِ: الكونيِّ، والشرعيِّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠].

стр. 54

كما يأتي «القضاء» بمعنى: الفصلِ بين المختلِفِينَ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون (٩٣)﴾ [يونس].

стр. 55

(٢٤) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون (١١٧)﴾ [البقرة]؛ قال الأصوليُّون: إنَّ هذا عبارةٌ عن نفوذِ قُدْرةِ اللهِ تعالى، وليس بقولٍ حقيقيٍّ؛ لأنَّه: - إنْ كان قولُ: «كُنْ» خطابًا للشيءِ في حالِ عَدَمِهِ، لم يصحَّ؛ لأنَّ المعدومَ لا يخاطَبُ. - وإنْ كان خطابًا للشيءِ في حالِ وجودِهِ، لم يصحَّ؛ لأنه قد كان، وتحصيلُ الحاصلِ غيرُ مطلوب. وحمَلَهُ المفسِّرون على حقيقتِهِ، وأجابوا عن ذلك بأربعةِ أوجُهٍ: أحدُها: أنَّ الشيءَ الذي يقولُ اللهُ له: «كُنْ» هو موجودٌ في علمِ اللهِ؛ وإنما يقولُ له: «كُنْ»؛ لِيُخْرِجَهُ إلى العِيَانِ لنا. والثاني: أنَّ قولَهُ: «كُنْ» لا يتقدَّمُ على وجودِ الشيءِ، ولا يتأخَّرُ عنه؛ قاله الطَّبَريّ (١). والثالثُ: أنَّ ذلك خطابٌ لمن كان موجودًا على حالةٍ، فيؤمَرُ بأن يكونَ على حالةٍ أخرى؛ كإحياءِ الموتى، ومَسْخِ الكفَّار. وهذا ضعيفٌ؛ لأنه تخصيصٌ مِنْ غيرِ مخصِّص.

стр. 56

والرابعُ: أنَّ معنى: ﴿يَقُولُ لَهُ﴾: يقولُ مِنْ أجلِهِ؛ فلا يلزمُ خطابُه. والأوَّلُ أحسَنُ هذه الأجوبةِ. وقال ابنُ عطيَّة (١): «تلخيصُ المعتقَدِ في هذه الآية: أنَّ اللهَ لم يَزَلْ آمِرًا للمعدوماتِ بشرطِ وجودِها؛ فكلُّ ما في الآيةِ مما يقتضي الاستقبالَ: فهو بحسَبِ المأمورات؛ إذِ المحدَثاتُ تجيءُ بعدَ أنْ لم تَكُنْ») (٢). قولُهُ: (وأجابوا عن ذلك بأربعةِ أوجُهٍ … )، إلخ: كلُّ هذه الأقوالِ الأربعةِ ليس فيها انفصالٌ عن الإشكالِ الذي ذكَرُوه. والراجحُ منها: القولُ الأوَّلُ؛ كما اختاره المؤلِّف. وأرجَحُ منه: القولُ الثالث، وإنْ كان المؤلِّفُ قد ضعَّفه؛ ويَشهَدُ له قولُهُ تعالى في خلقِ آدَمَ وعيسى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٥٩)﴾ [آل عمران]. ولعلَّ الجواب الذي يَرفَعُ الإشكالَ الذي ذكَرُوهُ: أنَّ الأمرَ الواردَ في الآياتِ ليس أمرَ تكليفٍ للمخاطَبِ بفعلِ شيءٍ في نَفْسِهِ أو في غيرِه، بل هو أمرُ تكوينٍ يُوجِبُ كونَ الشيءِ الذي أرادَهُ اللهُ كما أراد؛

стр. 57

فيكونُ المُوجِبُ لكونِهِ - أي: وجودِهِ -إرادتَهُ تعالى وقولَهُ؛ كما جمَعَ اللهُ بينهما في الآياتِ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٤٠)﴾ [النحل]، وقولِه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس]، وحدوثُ المحدَثاتِ بإرادتِهِ وكلامِهِ سبحانه يستلزِمُ قدرتَهُ على كلِّ شيءٍ، ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٠)﴾ [البقرة]. وأمَّا قولُ ابن عطيَّةَ ﵀، فليس فيه جوابٌ، بل يزيدُ الإشكالَ؛ لقولِهِ: «لم يَزَلْ آمِرًا للمعدوماتِ، بشرطِ وجودِها»؛ فمضمونُ قولِهِ: أنه تعالى لم يَزَلْ آمِرًا للمعدوماتِ الموجوداتِ؛ وهذا ممتنِعٌ. وسبَبُ الإشكالِ عندهم: اعتقادُ أنَّ الأَمْرَ أمرُ تكليف؛ الذي يُطلَبُ به مِنْ المأمورِ فعلٌ يَفعَلُهُ بعلمٍ وإرادة، والصوابُ: أنَّ الأمرَ أمرُ تكوينٍ؛ كما تقدَّم. وانظر كلامَ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ في «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٨١ - ١٨٦)، وانظر كذلك: تعليقَنا على الموضع السابق. * * * *

стр. 58

(٢٥) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في كلامِه على مقام الذِّكْر: (وللناسِ في المَقصِدِ بالذِّكْرِ مقامان: - فمَقصِدُ العامَّة: اكتسابُ الأجور. - ومَقصِدُ الخاصَّة: القربُ والحضور. وما بين المقامَيْنِ بَوْنٌ بعيد؛ فكم بين مَنْ يأخُذُ أجرَهُ وهو مِنْ وراء حجاب، وبين مَنْ يُقرَّبُ حتى يكونَ مِنْ خواصِّ الأحباب!) (١). قولُهُ: (وللناسِ في المَقصِدِ بالذِّكْرِ مقامان … )، إلخ: تضمَّن كلامُهُ هذا ﵀: أنَّ الذاكِرِينَ نوعان: عامَّةٌ وخاصَّةٌ، وأنَّ مقصود العامَّةِ بالذكرِ: اكتسابُ الأَجْر، وأنَّ مقصودَ الخاصَّةِ القربُ مِنْ الله، ويدخُلُ في الخاصَّةِ: الأنبياءُ والصِّدِّيقون. وهذا التقسيمُ والتفاضُلُ بين الذاكِرِينَ صحيح، وهو يجري في كلِّ الطاعات؛ فالمؤمِنون، منهم: الأبرارُ أصحابُ اليمين، ومنهم: المقرَّبون السابِقون، كما جاء هذا التقسيمُ في سورةِ الواقِعةِ والإنسانِ والمطفِّفين، ومنه ما ذُكِرَ في سورةِ فاطِر.

стр. 59

ولكن يُستدرَكُ على الشيخِ ابنِ جُزَيٍّ ﵀: ما يُوهِمُهُ كلامُهُ مِنْ أنَّ الخاصَّةَ لا طمَعَ لهم في الأجور، وهذا يُخالِفُ ما وصَفَ اللهُ به أنبياءَهُ وأولياءَه؛ مِنْ رجاءِ رحمتِهِ وخوفِ عذابِه، مع طلبِ القُرْبِ لديه في قولِهِ تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]؛ فهم يَعْبُدون اللهَ في ثلاثة مَقامَات: مقامِ الحُبِّ، ومقامِ الخوفِ، ومقامِ الرجاء (١). وكلامُهُ ﵀ يُوهِمُ ما تقولُهُ جَهَلةُ الصوفيَّةِ (٢) مِنْ أنَّ العارفَ لا يعبُدُ اللهَ طمعًا في جَنَّتِه، ولا خوفًا مِنْ نارِه (٣)؛ ويَرُدُّ هذا الزعمَ آياتٌ

стр. 60

كثيرةٌ مِنْ كتاب الله ؛ كقولِه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]. * * * *

стр. 61

(٢٦) وقال أيضًا في مقامِ الذِّكْرِ: (ثُمَّ إنَّ ثَمَراتِ الذِّكْرِ بجميعِ الأسماءِ والصفاتِ مجموعةٌ في الذِّكْرِ الفَرْدِ؛ وهو قولُنا: «اللهُ، اللهُ»؛ فذلك هو الغايةُ، وإليه المنتهَى) (١). قولُهُ: (ثُمَّ إنَّ ثَمَراتِ الذِّكْرِ بجميعِ الأسماءِ والصفاتِ … )، إلخ: يتضمَّن هذا أمرَيْنِ؛ حقًّا وباطِلًا: الأوَّل: أنَّ جميعَ معاني أسماءِ الله الحسنى يتضمَّنُها الاسمُ الشريفُ: «اللهُ»؛ وهذا حقٌّ. الثاني: أنَّ أفضلَ الذِّكْرِ هو ذكرُ اللهِ بالاسمِ المفرَدِ: «اللهُ، اللهُ»؛ وهذا باطل؛ وذلك لأمور (٢): - أنَّ الذكرَ بالاسمِ المفرَدِ مِنْ بِدَعِ الصوفيَّة، ولا أصلَ له في كتابٍ ولا سُنَّة؛ فاختيار المؤلِّف لذلك زَلَّةٌ منه؛ عفا الله عنه. - أنَّ كلَّ ما ورَدَ مِنْ ألفاظِ الذكرِ في الكتابِ والسُّنَّةِ هو مِنْ الكلامِ المركَّب؛ ك «سُبْحَانَ اللهِ»، و «الحمدُ للهِ»، و «لا إله إلا اللهُ»، و «اللهُ أَكْبَر».

стр. 62

- أنَّ الاسمَ المفرَدَ لا يفيدُ فائدةً تامَّة؛ كما هو مقرَّرٌ في علمِ النحو. لذلك لا يحصُلُ بالاسمِ المفرَدِ إيمانٌ ولا كُفْر؛ فلا يدخُلُ الكافرُ في الإسلامِ بذكرِهِ الاسمَ المفرَدَ: «اللهُ»، ولا يكفُرُ مَنْ قال: «لا إلهَ إلَّا اللهُ»، وامتنَعَ عن ذكر الاسمِ المفرَدِ؛ لذلك: لا يُجزِئُ الإتيانُ بالاسمِ المفرَدِ في المواضعِ التي يُستحَبُّ أو يجبُ فيها نوعٌ مِنْ الأذكارِ الشرعيَّة. * * * *

стр. 63

(٢٧) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]: (الواحدُ له ثلاثةُ معانٍ، كلُّها صحيحةٌ في حَقِّ الله تعالى: أحدُها: أنه لا ثانيَ له؛ فهو نفيٌ للعدَد. والآخَر: أنَّه لا شريكَ له ولا نظيرَ. والثالثُ: أنه واحِدٌ لا يتبعَّضُ ولا ينقسِمُ) (١). وقال أيضًا: (واعلَمْ: أنَّ توحيدَ الخَلْقِ للهِ تعالى على ثلاثِ دَرَجاتٍ: الأولى: توحيدُ عامَّةِ المسلِمين؛ وهو الذي يَعصِمُ النفسَ والمالَ في الدنيا، وينجِّي مِنْ الخلودِ في النارِ في الآخِرة، وهو نفيُ الشُّرَكاءِ والأنداد، والصاحِبةِ والأولاد، والأشباهِ والأضداد. الدرجةُ الثانية: توحيدُ الخاصَّة؛ وهو أنْ يرى الأفعالَ كلَّها صادرةً مِنْ اللهِ وحدَهُ، ويشاهِدَ ذلك بطريقِ المكاشَفة، لا بطريقِ الاستدلال؛ فإنَّ معرِفةَ ذلك بطريقِ الاستدلالِ حاصلةٌ لكلِّ مؤمِن، وإنما مقامُ الخاصَّة: يقينٌ في القلبِ بعلمٍ ضروريٍّ لا يحتاجُ إلى دليلٍ، وثَمَرةُ هذا

стр. 64

العلمِ: الانقطاعُ إلى الله، والتوكُّلُ عليه وحدَهُ، واطِّرَاحُ جميعِ الخَلْق؛ فلا يرجو إلا اللهَ، ولا يخافُ أحدًا سواه؛ إذْ ليس يرى فاعلًا إلَّا إياهُ، ويَرَى جميعَ الخلقِ في قَبْضةِ القَهْر، ليس بيَدِهم شيءٌ مِنْ الأَمْر، فيَطَّرِحُ الأسبابَ، ويَنبِذُ الأربابَ. والدرجةُ الثالثة: ألَّا يرى في الوجودِ إلا اللهَ وحدَه؛ فيَغِيبُ عن النَّظَرِ إلى المخلوقات، حتى كأنَّها عنده معدومة. وهذا هو الذي تسمِّيه الصوفيَّةُ: مقامَ الفَنَاء؛ بمعنى الغَيْبةِ عن الخَلْق؛ حتى إنه يَفنَى عن نَفْسِه، وعن توحيدِه؛ أي: يَغِيبُ عن ذلك باستغراقِهِ في مشاهَدةِ الله) (١). قولُهُ: (الواحدُ له ثلاثةُ معانٍ … )، إلخ: ما ذكَرَهُ في معنى الواحِدِ، وقولُهُ: إنَّ المعانيَ الثلاثةَ المذكورةَ صحيحةٌ في حقِّ الله: سقيمٌ في الجُمْلة، وقد جرى في ذلك على طريقةِ المتكلِّمين في تقسيمِ التوحيد (٢)؛ ويُؤخَذُ عليه وعليهم أمورٌ: - أنَّهم لم يذكُرُوا توحيدَ الإلهيَّةِ المتضمِّنَ توحيدَ العبادة، الذي هو معنى: «لا إله إلا الله». - أنَّ ما ذكَرُوهُ غايتُهُ أنْ يتضمَّنَ توحيدَ الربوبيَّةِ، الذي أقَرَّ به المشرِكون.

стр. 65

- أنَّ بعضَ عباراتِهم في هذا التقسيمِ فيها إجمالٌ؛ كنفيِ النظيرِ والشبيهِ؛ فإنَّ المعطِّلةَ - كالمعتزِلةِ (١) ومَن وافَقَهم - يُدخِلُونَ في ذلك نفيَ الصفاتِ. قولُهم: «إنه واحِدٌ لا يتبعَّضُ، ولا ينقسِمُ»، هو حقٌّ في ظاهرِه، لكنَّهم يُدخِلُونَ فيه أيضًا: نفيَ علوِّه تعالى على خَلْقِه (٢).

стр. 66

وقولُ ابنِ جُزَيٍّ: (واعلَمْ: أنَّ توحيدَ الخَلْقِ للهِ تعالى على ثلاثِ دَرَجاتٍ … )، إلخ: هذا التقسيمُ للناسِ في التوحيدِ يُشبِهُ ما ذكَرَهُ مِنْ تقسيمِهِ للناسِ في مقصودِهم مِنْ الذِّكْر، وقد تقدَّم التنبيهُ إلى ما فيه، وكذلك نقولُ هنا: إنَّ ما ذكَرَهُ مِنْ تفاضُلِ الناسِ في التوحيدِ صحيحٌ، ولكنَّه سلَكَ في التعبيرِ عن ذلك طريقَ الصوفيَّة؛ إذْ جعَلَهُ ثلاثَ دَرَجاتٍ: توحيدَ العامَّة، وتوحيدَ الخاصَّة، وتوحيدَ خاصَّةِ الخاصَّة. وفسَّر كلَّ درجةٍ مِنْ هذه الدرجات؛ كما هي عند الصوفيَّة، ولا إشكالَ فيما فسَّر به توحيدَ العامَّةِ، إلا مِنْ حيثُ تخصيصُهُ بالعامَّة. ولكنْ يُؤخَذُ على المؤلِّف ما فسَّر به الدرجةَ الثانيةَ والثالثةَ مُقِرًّا لهما، وقد تضمَّن كلامُهُ ﵀ إشكالَيْن: ١ - قولُهُ: (فيَطَّرِحُ الأسباب): هذا قولٌ مجمَلٌ يَحتمِلُ أمورًا؛ فإنَّ اطِّراحَ الأسبابِ: أ -إنْ كان لاعتقادِ عدَمِ تأثيرِها، فهذا جَحْدٌ لما تضافَرَتِ الأدلَّةُ العقليَّةُ والشرعيَّةُ على إثباتِه؛ وهو تأثيرُ الأسبابِ في مسبَّباتها (١)؛ وهذا مذهبُ الجهميَّةِ (٢) .......................................

стр. 67

ومَن وافَقَهم؛ كالأشاعِرة (١). ب - وإنْ كان لاعتقادِ عدَمِ شرعيَّةِ العمَلِ بها، فهذا مخالِفٌ لمُوجَبِ الشرع؛ كقولِهِ ﷺ : ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ)) (٢)، وقولِهِ للرجلِ: ((اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ)) (٣)، وقولِهِ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وشواهدُ ذلك كثيرة.

стр. 68

ج - وإنْ كان اطِّراحُ الأسبابِ بتركِ الاعتمادِ عليها، فهذا حقٌّ، وهو مِنْ تحقيقِ التوكُّلِ على الله. ٢ - قولُهُ في الدرجةِ الثالثة: (أَلَّا يرى في الوجودِ إلَّا اللهَ وحدَه … )، إلخ: لفظُهُ هذا يَحتمِلُ أن يَعتقِدَ أَنْ لَا موجودَ إلا الله؛ وهذا هو القولُ بوَحْدةِ الوجود؛ وهو قولُ ملاحِدةِ الصوفيَّةِ الاتحاديَّة (١)، والمؤلِّفُ لا يريدُ هذا المعنى قطعًا؛ لأنه فسَّره بقولِه: ((حتى كأنَّها عنده معدومةٌ؛ وهذا هو الفناءُ عند الصوفيَّة، وهو الغَيْبةُ عن الخَلْق؛ حتى إنَّه يَفنَى عن نفسِهِ، وعن توحيدِه)).

стр. 69

وقد جعَلَ المؤلِّف هذه الدرجةَ بهذا التفسير أعلى درجاتِ التوحيد، وهي الفناءُ عن شهودِ ما سوى الله؛ أي: عدَمِ الشعورِ بما سوى الله مِنْ المخلوقات، وقد غَلِطَ في هذا - عفا الله عنه - فإنَّ الفناءَ والغَيْبةَ نقصٌ، ليس بكمالٍ، فضلًا عن أن يكونَ مِنْ الدِّين، فضلًا عن أن يكونَ أعلى مقاماتِ الدِّين. قال شيخُ الإسلام في «العقيدة التدمريَّة» (١): «الفناءُ الثاني: وهو الذي يذكُرُهُ بعضُ الصوفيَّة، وهو أنْ يَفنَى عن شهودِ ما سوى اللهِ تعالى … بحيثُ قد يَغِيبُ عن شعوره بنَفْسِهِ وبما سِوَى اللهِ تعالى؛ فهذا حالٌ ناقصٌ … ومَن جعَلَ هذا نهايةَ السالِكِين، فهو ضالٌّ ضلالًا مُبِينًا، وكذلك مَنْ جعَلَهُ مِنْ لوازمِ طريقِ الله، فهو مُخطِئ، بل هو مِنْ عوارضِ طريقِ اللهِ التي تَعرِضُ لبعضِ الناسِ دون بعض» (٢). * * * *

стр. 70

(٢٨) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في كلامِهِ عن مقام المحبَّة: (اعلَمْ: أنَّ محبَّةَ العبدِ لربِّهِ على درجتَيْن: إحداهما: المحبَّةُ العامَّةُ التي لا يخلو عنها كلُّ مؤمِن؛ وهي واجبة. والأخرى: المحبَّةُ الخاصَّةُ التي يَنفرِدُ بها العلماءُ الربانيُّون، والأولياء والأصفياء. وهي أعلى المَقامَات، وغايةُ المطلوبات؛ فإنَّ سائر مقامات الصالحين - كالخوفِ، والرجاءِ، والتوكُّل، وغيرِ ذلك - هي مبنيَّةٌ على حظوظِ النَّفْس؛ أَلَا ترى أنَّ الخائِفَ إنما يخاف على نَفْسِه، وأنَّ الراجي إنما يرجو منفعةَ نَفْسِه؟! بخلافِ المحبَّةِ؛ فإنها مِنْ أجلِ المحبوب؛ فليست مِنْ المعاوَضات) (١). قولُه: (اعلَمْ: أنَّ محبَّةَ العبدِ لربِّهِ على درجتَيْن … )، إلخ: تضمَّن كلامُهُ تعظيمَ مقامِ المحبَّة، وأنَّ العبادَ فيها متفاضِلون، وهذا صحيح (٢)، ولكنه - عفا الله عنه - هوَّن مِنْ مقاماتِ الخوفِ والرجاءِ والتوكُّل، وقال: إنَّ غايتَها حظُّ النفس، بينما غايةُ المحبَّةِ المحبوبُ.

стр. 71

وهذا لا يُسلَّمُ له في الجانبَيْن؛ فمقاماتُ الخوفِ والرجاءِ والتوكُّلِ غايتُها إجلالُ اللهِ وتعظيمُه، والخضوعُ له والإقرارُ بربوبيَّتِهِ وكمالِ غناه؛ كيف وقد أثنى اللهُ على ملائكتِهِ بمقامِ الخوفِ؛ فقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال سبحانه: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون (٢٨)﴾ [الأنبياء]، وأثنى اللهُ على أنبيائِهِ وأوليائِهِ بمقامِ الخوفِ والرجاءِ والتوكُّلِ؛ فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]، وقال عن رسلِهِ ﵈: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون (١٢)﴾ [إبراهيم]. وأمَّا مقامُ المحبَّةِ - مع علوِّ قدرِهِ - فلا يُستغنَى به عن مقامِ الخوفِ والرجاءِ، كما تزعُمُ الصوفيَّة (١)، ومع ذلك: فللنفسِ حظٌّ في مقامِ

стр. 72

الحُبِّ، وهو ما تَجِدُهُ مِنْ اللذَّةِ في مشاهَدةِ جمالِ المحبوبِ وكمالِه؛ فلا بُدَّ مِنْ التعبُّدِ للهِ بكلِّ هذه المقامات؛ حبًّا ورجاءً وخوفًا وتوكُّلًا. قال بعضُ السلف: «مَنْ عبَدَ اللهَ تعالى بالحبِّ وحدَه، فهو زِنْدِيق، ومَن عبَدَهُ بالخوفِ وحدَه، فهو حَرُورِيٌّ، ومَن عبَدَهُ بالرجاء وحدَهُ، فهو مُرجِئٌ، ومَن عبَدَهُ بالحُبِّ والخوفِ والرجاءِ، فهو مُؤمِنٌ موحِّد» (١). * * * * *

стр. 73

(٢٩) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤]: (عبارةٌ عن غضَبِهِ عليهم، وقيل: لا يكلِّمُهم بما يُحِبُّونه) (١). قولُهُ: (عبارةٌ عن غضَبِهِ عليهم … )، إلخ: فسَّر نفيَ الكلامِ بأحد وجهَيْن: - بالغضَبِ اللازمِ مِنْ تركِ الكلامِ؛ وهو مِنْ التفسيرِ باللازم. - أو بتركِ كلامٍ مخصوصٍ، وهو ما يُحِبُّونَهُ ويَسُرُّهم. والثاني هو المناسِبُ؛ لظاهِرِ اللفظ، والله أعلم (٢). * * * * *

стр. 74

(٣٠) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿كَمَا كُتِبَ﴾ القصد بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] وبقوله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] تسهيلُ الصيام على المسلمين، وكأنه اعتذارٌ عن كتْبِه عليهم، ومُلاطفةٌ جميلة) (١). قول ابن جزيٍّ: (وكأنه اعتذارٌ عن كتْبِه عليهم)، فيه نسبة الاعتذار إلى الله، ومعنى كلامه أن الله أخبر المؤمنين أنه كتب الصيام على من قبلهم اعتذارا منه إلى المؤمنين عن كتب الصيام عليهم، وفي نسبة الاعتذار إلى الله نظر؛ فإنه لم يرد نسبة الاعتذار إلى الله في شيء من نصوص الكتاب والسنة، وإنما الذي ورد الإعذار، أي: إزالة العذر، وذلك بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين، كما قال ﷺ : ((لا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين)) (٢) وبإمهال العبد في عمره إلى أمد يمكنه فيه التدارك، كما في الحديث: ((أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله، حتى بلغه ستين سنة)) (٣)، فلا حجة للعباد على الله، وقد أقام الحجة عليهم بإرسال

стр. 75

الرسل وبالإمهال، قال تعالى: ﴿رُّسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، فلا عذر لمن كفر بالله وعصى رسله بعد إعذار الله إليهم. والاعتذار إنما يكون من الأدنى إلى الأعلى، فالواجب على العباد أن يعتذروا إلى ربهم بالاعتراف والتوبة من ذنوبهم، لا أن يعتذر الله إليهم بما فعله بهم؛ إذْ لم يفعل بهم إلا ما له فعله؛ لأنهم عبيده، كما قال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، وهو سبحانه بصير بهم، كما قال: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِير (٢٧)﴾ [الشورى]، وليس لأحد أن يقول: لمَ فعلتَ كذا يا ربَّنا، ولم شرعتَ كذا، على وجه الاعتراض، قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون (٢٣)﴾ [الأنبياء]. * * * *
следующие страницы →